← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بَعْدَ أَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ فِي مُسْنَدِهِ: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ، أَوْ قَالَ: وَاهٍ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ الْحَجَّاجُ مِنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، إِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَرْزَمِي، وَالْعَرْزَمِي: لَا يُسَاوِي حَدِيثُهُ شَيْئًا، وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الذِي رُوِيَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَرَّهُمَا عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ -وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ- (١). وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ أَنْ رَوَى حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ: هَذَا حَدِيثٌ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ (٢). وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَالْمُعْتَمَدُ تَرْجِيحُ إِسْنَادِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ (٣). * حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: أَسْلَمَتْ زَيْنَبُ بْنَتُ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ زَوْجِهَا أَبِي الْعَاصِ بِسَنَةٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَبُو الْعَاصِ، فَرَدَّهَا النَّبِيُّ ﷺ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ (٤). قَالَ الْإِمَامُ الذَّهَبِيُّ: هَذَا بَاطِلٌ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ هَاجَرَتْ قَبْلَهُ بِسَنَةٍ، وَإِلَّا فَهِيَ أَسْلَمَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِمُدَّةٍ.

стр. 1542

* شَيْءٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ ﵁ -: ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُثْنِي عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ ﵁ فِي مُصَاهَرَتِهِ (١) خَيْرًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵁ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ يَقُولُ: "أَمَّا بَعْدُ، أَنْكَحْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ فَحَدَّثَنِي وَصَدَقَنِي". وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ ﵁: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صِهْرًا لَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ إِيَّاهُ، فَقَالَ: "حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي فَوَفَّى لِي" (٢). قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: هَذَا الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِالْوَعْدِ وَالْوَفَاءِ: هُوَ أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ زَوْجُ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، كَانَ أُسِرَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَأَرْسَلَتْ زَيْنَبُ فِدَاءَهُ مِنْ مَكَّةَ، وَهِيَ قِلَادَةُ أُمِّهَا خَدِيجَةَ ﵂، فَرَقَّ لَهَا رَسُولُ ﷺ رِقَّةً شَدِيدَةً، وَاسْتَطْلَقَ أَسِيرَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَشَرَطَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي الْعَاصِ أَنْ يُنْفِذَ زَيْنَبَ إِلَيْهِ إِذَا وَصَلَ إِلَى مَكَّةَ، فَفَعَلَ (٣).

стр. 1543

* أَوْلَادُ أَبِي الْعَاصِ ﵁ مِنْ زَيْنَبَ ﵂: قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالنَّسَبِ أَنَّ زَيْنَبَ لَمْ تَلِدْ لِأَبِي الْعَاصِ إِلَّا: عَلِيًّا، وَأُمَامَةَ فَقَط (١). فَأَمَّا عَلِيٌّ فَقَدْ مَاتَ عِنْدَمَا نَاهَزَ الِاحْتِلَامَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْدَفَهُ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَمَاتَ فِي حَيَاتِهِ ﷺ (٢). وَأَمَّا أُمَامَةُ ﵂ فَهِيَ التِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحْمِلُهَا أَثْنَاءَ الصَّلَاةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّهَا حُبًّا شّدِيدًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِأَبِي الْعَاصِ بنِ الرَّبِيعِ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا (٣). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي الْحَدِيثِ: ١ - تَوَاضُعُهُ ﷺ . ٢ - شَفَقَتُهُ ﷺ عَلَى الْأَطْفَالِ.

стр. 1544

٣ - إِكْرَامُهُ ﷺ لَهُمْ جَبْرًا لَهُمْ وَلِوَالِدِيهِمْ (١). وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ حِلْيَةٌ مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ، أَهْدَاهَا لَهُ، فِيهَا خَاتَمٌ مِنْ ذَهَبٍ، فِيهِ فَصٌّ حَبَشِيٌّ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِعُودٍ بِبَعْضِ أَصَابِعِهِ، مُعْرِضًا عَنْهُ، ثُمَّ دَعَا أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ ابْنَةَ ابْنَتِهِ، فَقَالَ: "تَحَلَّيْ بِهَذَا يَا بُنَيَّةُ" (٢). * كَادَتْ أُمَامَةُ ﵂ أَنْ تَمُوتَ: وَعَاشَتْ أُمَامَةُ ﵂ فِي حَيَاتِهِ ﷺ حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَمُوتَ لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَافَاهَا، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: أَرْسَلَتْ ابْنَةُ (٣) النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهِ: إِنَّ ابْنًا (٤) لِي قُبِضَ (٥)، فَأْتِنَا،

стр. 1545

فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا يُقْرِئُ السَّلَامَ، وَيَقُولُ: "إِنَّ للَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمَّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ". فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ، فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ (١)، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ﷺ ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا؟ قَالَ ﷺ : "هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ" (٢). وفي رواية أخرى في الصحيح قال ﷺ : "هَذِهِ رَحْمَةٌ يَضَعُهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ" (٣). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَقَدِ اسْتُشْكِلَ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ مِنْ زَيْنَبَ بِنْتِ النَّبِيِّ ﷺ عَاشَتْ

стр. 1546

بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى تَزَوَّجَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بَعْدَ وَفَاةِ فَاطِمَةَ ﵄، ثُمَّ عَاشَتْ عِنْدَ عَلِيٍّ حَتَّى قُتِلَ عَنْهَا. وَالذِي يَظْهَرُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَكْرَمَ نَبِيَّهُ ﷺ لَمَّا سَلَّمَ لِأَمْرِ رَبِّهِ وَصَبَّرَ ابْنَتَهُ، وَلَمْ يَمْلِكْ مَعَ ذَلِكَ عَيْنَيْهِ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ بِأَنْ عَافَى اللَّهُ ابْنَةَ ابْنَتِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَخَلُصَتْ مِنْ تِلْكَ الشِّدَّةِ، وَعَاشَتْ تِلْكَ الْمُدَّةَ، وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرَ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ (١). * وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ: ١ - جَوَازُ اسْتِحْضَارِ ذَوِي الفضْلِ لِلْمُحْتَضرِ لِرَجَاءِ دُعَائِهِمْ، وَجَوَازُ الْقَسَمِ عَلَيْهِمْ لِذَلِكَ. ٢ - وَفِيهِ جَوَازُ الْمَشْيِ إِلَى التَّعْزِيةِ وَالْعِيَادَةِ بِغَيْرِ إِذْنٍ بِخِلَافِ الْوَليمَةِ. ٣ - وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ إِبْرَارِ الْقَسَمِ وَأَمْرُ صَاحِبِ الْمُصِيبَةِ بِالصَّبْرِ قَبْلَ وُقُوعِ الْمَوْتِ لِيَقَعَ وَهُوَ مُسْتَشْعِرٌ بِالرِّضَا مُقَاوِمٌ لِلْحُزْنِ بِالصَّبْرِ. ٤ - وَفِيهِ إِخْبَارُ مَنْ يُسْتَدْعَى بِالْأَمْرِ الذِي يُسْتَدْعَى مِنْ أَجْلِهِ. ٥ - وَفِيهِ تَقْدِيمُ السَّلَامِ عَلَى الْكَلَامِ. ٦ - وَفِيهِ عِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَلَوْ كَانَ مَفْضُولًا أَوْ صَبِيًّا صَغِيرًا.

стр. 1547

٧ - وَفِيهِ أَنَّ أَهْلَ الفضْلِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْطَعُوا النَّاسَ عَنْ فَضْلِهِمْ وَلَوْ رَدُّوا أَوَلَ مَرَّةٍ. ٨ - وَفِيهِ اسْتِفْهَامُ التَّابِعِ مِنْ إِمَامِهِ عَمَّا يُشْكِلُ عَلَيْهِ مِمَّا يَتَعَارَضُ ظَاهِرُهُ. ٩ - وَفِيهِ حُسْنُ الْأَدَبِ فِي السُّؤَالِ لِتَقْدِيمِهِ قَوْلَهُ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ" عَلَى الِاسْتِفْهَامِ. ١٠ - وَفِيهِ التَّرْغِيبُ فِي الشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ وَالرَّحْمَةِ لَهُمْ وَالتَّرْهِيبُ مِنْ قَسَاوَةِ القلْبِ وَجُمُودِ الْعَيْنِ. ١١ - وَفِيهِ جَوَازُ الْبُكَاءَ مِنْ غَيْرِ نَوْحٍ وَنَحْوِهِ (١). وَأَمَّا زَيْنَبُ بِنْتُ الرَّسُولِ ﷺ فَتُوُفِّيَتْ ﵂ أَوَائِلَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ. * * *

стр. 1548

سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ﵁ إِلَى الطَّرْفِ (١) وَفِي جُمَادَي الْآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ﵁ إِلَى الطَّرْفِ، فَخَرَجَ إِلَى بَنِي ثَعْلَبَةَ فِي خَمْسَةَ عَشَرَةَ رَجُلًا، فَهَرَبَتِ الْأَعْرَابُ وَخَافُوا أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَارَ إِلَيْهِمْ، وَأَنَّ هَؤُلَاءَ مُقَدِّمَةٌ، فَأَصَابَ مِنْ نَعَمِهِمْ عِشْرِينَ بَعِيرًا، وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، وَغَابَ أَرْبَعَ لَيَالٍ (٢). * * *

стр. 1549

سَرِيَّةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنْ عَوْفٍ ﵁ إِلَى دُوْمَةِ الْجَنْدَلِ (١) وَفِي شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ﵁، فَقَالَ لَهُ: "تَجَهَّزْ فَإِنِّي بَاعِثُكَ فِي سَرِيَّةٍ مِنْ يَوْمِكَ هَذَا، أَوْ مِنَ الْغَدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى"، فَأَصْبَحَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَغَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَقْعَدَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَمَّمَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ عَقَدَ له رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اللِّوَاءَ بِيَدِهِ، أَوْ أَمَرَ بِلَالًا يَدْفَعُهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: "خُذْهُ بِسْمِ اللَّهِ وَبَرَكَتِهِ"، ثُمَّ حَمِدَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ قَالَ ﷺ : "اغْزُ بِسْمِ اللَّهِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَاتِلْ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ! وَلَا تَغُلَّ (٢)، وَلَا تَغْدِرْ، وَلَا تَقْتُلْ وَلِيدًا" (٣)، ثُمَّ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَسِيرَ إِلَى بَنِي كَلْبٍ بِدُومَةِ الْجَنْدَلِ، فَيَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَقَالَ لَهُ: "إِنِ اسْتَجَابُوا لَكَ فتَزَوَّجِ ابْنَةَ مَلِكِهِمْ". فَسَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ﵁ بِأَصْحَابِهِ وَكَانُوا سَبْعَمِائَةِ رَجُلٍ، حَتَّى قَدِمَ دُومَةَ الْجَنْدَلِ، فَمَكَثَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ أَسْلَم

стр. 1550

رَأْسُهُمْ وَمَلِكُهُمْ الْأَصْبَغُ بْنُ عَمْرٍو الْكَلْبِيُّ، وكَانَ نَصْرَانِيًا، وَأَسْلَمَ مَعَهُ نَاسٌ كَثِيرٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَبَعَثَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ رَافِعَ بْنَ مَكِيثٍ بَشِيرًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُخْبِرُهُ بِمَا فتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَكتَبَ لَهُ بِذَلِكَ، وَتَزَوَّجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ تُمَاضِرَ بِنْتَ الْأَصْبَغِ وَقَدِمَ بِهَا الْمَدِينَةَ، فَوَلَدَتْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵄ (١). * * *

стр. 1551

سَرِيَّةُ عَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ ﵁ إِلَى فَدَكَ (١) وَفِي شَعْبَانَ أَيْضًا سَنَةَ سِتٍّ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁، فِي مِائَةِ رَجُلٍ إِلَى بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، أَوْ حَيٍّ مَنْهُمْ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ، وَذَلِكَ عِنْدَمَا بَلَغَهُ ﷺ أَنَّ لَهُمْ جَمْعًا يُرِيدُونَ أَنْ يُمِدُّوا يَهُودَ خَيبرَ، فَخَرَجَ عَلِيٌّ ﵁، فَسَارَ اللَّيْلَ وَكَمَنَ النَّهَارَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْهَمْجِ (٢)، فَأَصَابُوا عَيْنًا لَهُمْ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ هَلْ لَكَ عِلْمٌ بِمَا وَرَاءَكَ مِنْ جَمْعِ بَنِي سَعْدٍ؟ قَالَ: لَا عِلْمَ لِي بِهِ، فَشَدُّوا عَلَيْهِ، فَأَقَرَّ أَنَّهُ عَيْنٌ لَهُمْ بَعَثُوهُ إِلَى خَيْبَرَ يَعْرِضُ عَلَى يَهُودِهَا نَصْرَهُمْ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا لَهُمْ مِنْ تَمْرِهِمْ كَمَا جَعَلُوا لِغَيْرِهِمْ وَيَقْدُمُونَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا لَهُ: فَأَيْنَ الْقَوْمُ؟ قَالَ: ترَكْتُهُمْ وَقَدْ تَجَمَّعَ مِنْهُمْ مِائَتَا رَجُلٍ وَرَأْسُهُمْ وَبْرُ بْنُ عُلَيْمٍ، قَالُوا: فَسِرْ بِنَا حَتَّى تَدُلَّنَا، قَالَ: عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي، فَأَمَّنُوهُ، فَدَلَّهُمْ، فَأَغَارُوا عَلَيْهِمْ،

стр. 1552

فَأَخَذُوا خَمْسَمِائَةِ بَعِيرٍ وَأَلفيْ شَاةٍ، وَهَرَبَتْ بَنُو سَعْدٍ بِالظُّعُنِ (١)، فَعَزَلَ عَلِيٌّ ﵁، صَفِيَّ (٢) النَّبِيِّ ﷺ لُقُوحًا (٣)، ثُمَّ عَزَل الخُمُسَ، وَقسَمَ سَائِرَ الغَنَائِمِ عَلي أَصْحَابِهِ، وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا (٤). * * *

стр. 1553

سَرِيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتِيكٍ ﵁ لِقَتْلِ سَلَّامِ (١) بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ (٢) وَكَانَتَ هَذِهِ السَّرِيَّةُ التِي بَعَثَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِقَتْلِ سَلَّامِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ بَعْدَ الْخَنْدَقِ فِي رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ (٣). وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهَا قَبْلَ الْخَنْدَقِ فَمَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ سَلَّامَ بْنَ أَبِي الْحُقَيْقِ كَانَ مِمَّنْ أَلَّبَ (٤) الْأَحْزَابَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. * تَفَاصِيلُ الْحَادِثَةِ: كَانَ أَبُو رَافِعٍ سَلَّامُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ مِمَّنْ أَلَّبَ الْأَحْزَابَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَعَانَهُمْ بِالْمُؤْنَةِ وَالْمَالِ الْكَثِيرِ، وَكَانَ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا انْقَضَى شَأْنُ الْأَحْزَابِ وَأَمْرُ بَنِي قُرَيْظَةَ، اسْتَأْذَنتِ الْخَزْرَجُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي قَتْلِ سَلَّامِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ. وَكَانَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ قَبَّحَهُ اللَّهُ قُتِلَ عَلَى أَيْدِي رِجَالٍ مِنَ الْأَوْسِ -كَمَا

стр. 1554

ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ- فَأَرَادَتِ الْخَزْرَجُ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْأَوْسِ فَضْلٌ عَلَيْهِمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْرَعُوا إِلَى هَذَا الِاسْتِئْذَانِ، فَأَذِنَ لَهُمْ. رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: وَكَانَ مِمَّا صَنَعَ اللَّهُ بِهِ لِرَسُولِهِ ﷺ أَنَّ هَذَيْنِ الْحَيَّيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ كَانَا يَتَصَاوَلانِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَصَاوُل الْفَحْليْنِ (١)، لا يَضَعُ الْأَوْسُ شيْئًا فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَنَاءً (٢) إِلَّا قَالَتِ الْخَزْرَجُ: وَاللَّهِ لَا تَذْهَبُونَ بِهَذِهِ فَضْلًا عَلَيْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْإِسْلَامِ، قَالَ: فَلَا يَنتهُونَ حَتَّى يُوقِعُوا مِثْلَهَا، وَإِذَا فَعَلَتِ الْخَزْرَجُ شَيْئًا قَالَتِ الْأَوْسُ مِثْلَ ذَلِكَ (٣). فَخَرَجَ سِتَّةُ رِجَالٍ مِنَ الْخَزْرَجِ لِقَتْلِ سَلَّامِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ

стр. 1555

بْنُ عَتِيكٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ، وَمَسْعُودُ بْنُ سِنَانٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ، وَأَبُو قتَادَةَ، وَخُزَاعِيُّ بْنُ أَسْوَدَ، ﵃ أَجْمَعِينَ. وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَتِيكٍ، وَنَهَاهُمْ أَنْ يَقْتُلُوا وَلِيدًا أَوِ امْرَأَةً، فَخَرَجُوا حَتَّى إِذَا قَدِمُوا خَيْبَرَ أَتَوْا حِصْنَ أَبِي رَافِعٍ، فَلَمَّا دَنَوْا (١) مِنْهُ، وَقَدْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَرَاحَ النَّاسُ بِسَرْحِهِمْ (٢)، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ ﵁ لِأَصحَابِهِ: اجْلِسُوا مَكَانَكُمْ، فَإِنِّي مُنْطَلِق وَمُتَلَطِّفٌ لِلْبَوَّابِ لَعَلِّي أَنْ أَدْخُلَ (٣)، فَأَقْبَلَ حَتَّى دَنَا مِنَ الْبَابِ ثُمَّ تَقَنَعِّ (٤) بِثَوْبِهِ كَأَنَّهُ يَقْضِي حَاجَةً، وَقَدْ دَخَلَ النَّاسُ، فَهَتَفَ بِهِ الْبَوَّابُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَدْخُلَ فَادْخُلِ فِإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُغْلِقَ الْبَابَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَدَخَلْتُ فكَمَنْتُ (٥)، فَلَمَّا دَخَلَ النَّاسُ أَغْلَقَ الْبَابَ، ثُمَّ عَلَّقَ الْأَغَالِيقَ (٦) عَلَى وَتَدٍ، قَالَ: فَقُصْتُ إِلَى الْأَقَالِيدِ (٧) فَأَخَذْتُهَا فَفَتَحْتُ الْبَابَ، وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُسْمَرُ (٨) عِنْدَهُ.

стр. 1556

وَكَانَ فِي عَلَالِيَ (١) لَهُ، فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْهُ أَهْلُ سَمَرِهِ صَعِدْتُ إِلَيْهِ، فَجَعَلْتُ كُلَّمَا فتَحْتُ بَابًا أَغْلَقْتُ عَلَيَّ مِنْ دَاخِلٍ، فَقُلْتُ: إِنِ الْقَوْمُ نَذِرُوا (٢) بِي لَمْ يَخْلُصُوا إِلَيَّ حَتَّى أَقْتُلَهُ، فَانَتَهَيْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ قَدْ طُفِئَ سِرَاجُهُ وَسَطَ عِيَالِهِ لَا أَدْرِي أَيْنَ هُوَ مِنَ الْبَيْتِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا رَافِعٍ! قَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَأَهْوَيْتُ (٣) نَحْوَ الصَّوْتِ (٤) فَضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ وَأَنَا دَهِشٌ (٥)، فَمَا أَغْنَتْ شَيْئًا، وَصَاحَ، فَخَرَجْتُ مِنَ الْبَيْتِ فَمَكَثْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ دَخَلْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: مَا هَذَا الصَّوْتُ يَا أَبَا رَافِعٍ (٦)؟ فَقَالَ: لِأُمِّكَ الْوَيْلُ، إِنَّ رَجُلًا فِي الْبَيْتِ ضَرَبَنِي قَبلُ بِالسَّيْفِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً أَثْخَنَتْهُ (٧) ولمْ أَقْتُلْهُ، ثُمَّ وَضَعْتُ ضَبِيبَ السَّيْفِ (٨) فِي بَطْنِهِ حَتَّى أَخَذَ فِي ظَهْرِهِ، فَعَرَفْتُ أَنِّي قتَلْتُهُ، فَجَعَلْتُ أَفتحُ الْأَبْوَابَ بَابًا بَابًا حَتَّى

стр. 1557

انْتَهَيْتُ إِلَى دَرَجَةٍ لَهُ، فَوَضَعْتُ رِجْلِي وَأَنَا أُرَى (١) أَنِّي قَدِ انْتَهَيْتُ إِلَى الْأَرْضِ فَوَقَعْتُ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ فَانْكَسَرَتْ سَاقِي (٢)، فَعَصَبْتُهَا بِعَمَامَةٍ، ثُمَّ انْطَلَقْتُ حَتَّى جَلَسْتُ عَلَى الْبَابِ، فَقُلْتُ: لَا أَخْرُجُ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَعْلَمَ أَقتَلْتُهُ؟ فَلَمَّا صَاحَ الدِّيكُ قَامَ النَّاعِي عَلَى السُّورِ، فَقَالَ: أَنْعِي أَبَا رَافِعٍ تَاجِرَ أَهْلِ الْحِجَازِ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَقُلْتُ: النَجَاءَ (٣)، فَقَدْ قتَلَ اللَّهُ أَبَا رَافِعٍ، فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: "ابْسُطْ رِجْلَكَ"، فَبَسَطْتُ رِجْلِي فَمَسَحَهَا، فكَأَنَّهَا لَمْ أَشْتَكِهَا قَطُّ (٤). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي قِصَّةِ أَبِي رَافِعٍ مِنَ الْفَوَائِدِ:

стр. 1558

١ - جَوَازُ اغْتِيَالِ الْمُشْرِكِ الذِي بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ وَأَصَرَّ. ٢ - وَفِيهِ جَوَازُ قتلِ مَنْ أَعَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ لِسَانِهِ. ٣ - وَفِيهِ جَوَازُ التَّجَسُّسِ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ وَتَطَلُّبِ غِرَّتِهِمْ. ٤ - الْأَخْذُ بِالشِّدَّةِ فِي مُحَارَبَةِ الْمُشْرِكِينَ. ٥ - جَوَازُ إِبْهَامِ الْقَوْلِ لِلْمَصْلَحَةِ. ٦ - تَعَرُّضُ الْقَلِيلِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِلْكَثِيرِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. ٧ - الْحُكْمُ بِالدَّلِيلِ وَالْعَلَامَةِ لِاسْتِدْلَالِ ابْنِ عَتِيكٍ عَلَى أَبِي رَافِعٍ بِصَوْتِهِ، وَاعْتِمَادِهِ عَلَى صَوْتِ النَّاعِي بِمَوْتِهِ (١). * * *

стр. 1559

سَرِيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ ﵁ لِقَتْلِ الْيُسَيْرِ بْنِ رِزَامٍ الْيَهُودِيِّ وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّهُ لَمَّا قُتِلَ سَلَّامُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ أَمَّرَتْ يَهُودُ عَلَيْهِمْ يُسَيْرًا، وَيُقَالُ: أُسَيْرًا، فَسَارَ هَذَا الرَّجُلُ إِلَى غَطفَانَ وَغَيْرِهِمْ يَجْمَعُهُمْ لِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَوَجَّهَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ ﵁ فِي ثَلَاثَةِ نَفَرٍ، وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ لسِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ، سِرًّا، فَسَأَلَ عَنْ خَبَرِهِ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ، فَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فنَدَبَ (١) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ، فَانتدَبَ له ثَلَاثُونَ رَجُلًا فِيهِمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ ﵁، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ ﵁. فَخَرَجُوا إِلَى خَيْبَرَ، وَذَلِكَ فِي شَهْرِ شَوَّالٍ سَنَةَ لسِتٍّ لِلْهِجْرَةِ، فَقَدِمُوا عَلَى يُسَيْرِ بْنِ رِزَامٍ فَقَالُوا لَهُ: نَحْنُ آمِنُونَ حَتَّى نَعْرِضَ عَلَيْكَ مَا جِئْنَا لَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلي مِنْكُمْ مِثْلُ ذَلِكَ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، قَالُوا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَنَا إِلَيْكَ لِتَخْرُجَ إِلَيْهِ فَيَسْتَعْمِلُكَ عَلَى خَيْبَرَ وَيُحْسِنَ إِلَيْكَ، فَطَمعَ فِي ذَلِكَ، فَخَرَجَ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: قَالُوا: إِنَّكَ إِنْ قَدِمْتَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَكَ وَأَكْرَمَكَ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى خَرَجَ مَعَهُمْ.

стр. 1560

وَخَرَجَ مَعَهُ ثَلَاثُونَ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ، فَحَمَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ عَلَى بَعِيرِهِ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِقَرْقَرَةِ ثِبَارٍ (١) نَدِمَ يُسَيْرٌ عَلَى مَسِيرِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَهْوَي (٢) بِيَدِهِ إِلَى سَيْفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، فَفَطِنَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ، فَدَفَعَ بَعِيرَهُ وَقَالَ لَهُ: غَدْرًا أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ! فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ فَأَنْدَرَتْ (٣) عَامَّةُ فَخِذِهِ وَسَاقِهِ، وَسَقَطَ يُسَيْرٌ عَنْ بَعيره وَبيَده مِخْرشٌ (٤) مِنْ شَوْحَطٍ (٥)، فَضَربَ عَبْدَ اللَّه فَأَمَّهُ (٦)، وَمَالَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى صَاحِبِهِ مِنْ يَهُودَ فَقتَلَهُ، إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا أَفْلَتَ عَلَى رِجْلَيْهِ قَدْ أَعْجَزَهُمْ شَدًّا (٧)، وَلَمْ يُقْتَلْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ، ثُمَّ أَقْبَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُمْ ﷺ : "قَدْ نَجَّاكُمُ اللَّهُ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ"، وَدَعَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ فَتَفَلَ عَلَى شَجَّتِهِ (٨)، فَلَمْ تُقْحِ (٩) وَلَمْ تُؤْذِهِ (١٠).

стр. 1561

سَرِيَّةُ الْخَبَطِ (١) بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ ﵁ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَفِيهِمْ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، لِيَرْصُدُوا (٢) عِيرًا لِقُرَيْشٍ (٣) مِمَّا يَلِي سَاحِلَ الْبَحْرِ، وَقَدْ زَوَّدَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِرَابًا (٤) مِنْ تَمْرٍ، لَمْ يَجِدْ لَهُمْ غَيْرَهُ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِي زَادُهُمْ، فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ ﵁ بِأَزْوَادِ الْجَيْشِ فَجُمعَ فَكَانَ مِزْوَدَيْ (٥) تَمْرٍ، فَكَانَ يَقَوتُهُمْ كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلًا قَلِيلًا، حَتَّى فَنِي، فَكَانَ يُعْطِي كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ تَمْرَةً وَاحِدَةً، فَكَانُوا يَمُصُّونَهَا كَمَا يَمَصُّ الصَّبِيُّ، ثُمَّ يَشْرَبُوا عَلَيْهَا الْمَاءَ، فَكَانَتْ تَكْفِيهِمْ يَوْمَهُمْ إِلَى اللَّيْلِ.

стр. 1562

رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: أَنَّهُ سُئِلَ: مَا تُغْنِي عَنْكُمْ تَمْرَةٌ؟ قَالَ ﵁: لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَنِيَتْ. فَلَمَّا فَنِيَتْ تِلْكَ التَّمَرَاتُ التِي كَانَتْ مَعَهُمْ، وَهُوَ زَادُهُمُ الْوَحِيدُ، لَجَأُوا إِلَى أَكْلِ الْخَبَطِ، فَكَانُوا يَضْرِبُونَ الْخَبَطَ بِعِصِيِّهِمْ، ثُمَّ يبْلُّونَهُ بِالْمَاءِ، فَيَأْكُلُونَهُ حَتَّى تَقَرَّحَتْ أَشْدَاقُهُمْ (١). قَالَ جَابْرٌ ﵁: أَقَمْنَا بِالسَّاحِلِ نِصْفَ شَهْرٍ، فَأَصَابَنَا جُوعٌ شَدِيدٌ حَتَّى أَكَلَنَا الْخَبَطَ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْجَيْشُ جَيْشَ الْخَبَطِ. وَلَمَّا رَأَى قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ﵄، مَا بِالْمُسْلِمِينَ مِنَ الْجَهْدِ وَالْجُوعِ، قَالَ: مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي تَمْرًا بِالْمَدِينَةِ بِجَزُورٍ (٢) هُنَا؟ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ جُهَيْنَةَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ دُلَيْمٍ. فَقَالَ الْجُهَنِيُّ: مَا أَعْرَفَنِي بِنَسَبِكَ، إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدٍ خُلَّةً (٣)، فَابْتَاعَ (٤) مِنه تِسعَ جَزَائِرَ، كل جَزُورٍ بِوسْقٍ (٥) مِنْ تَمْرٍ، وأَشْهَدَ لَهُ نَفَرًا مِنَ الصَّحَابَةِ,

стр. 1563

وَامْتَنَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، وَقَالَ: مَا أَشْهَدُ، هَذَا يَدِينُ وَلَا مَالَ لَهُ، وَإِنَّمَا الْمَالُ لِأَبِيهِ. فَقَالَ الْجُهَنِيُّ: وَاللَّهِ مَا كَانَ سَعْدٌ لِيُخْنِيَ (١) بِابْنِهِ، وَأَرَى وَجْهًا حَسَنًا وَفِعْلًا شَرِيفًا. فَكَانَ بَيْنَ قَيْسٍ وَعُمَرَ ﵄ كَلَامٌ حَتَّى أَغْلَظَ لَهُ قَيْسٌ الْكَلَامَ، وَأَخَذَ قَيْسٌ الْجُزُرَ، فنَحَرَ لَهُمْ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ ثَلَاثَ جَزَائِرَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي ثَلَاثَ جَزَائِرَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ ثَلَاثَ جَزَائِرَ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ نَهَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ ﵁. وَعِنْدَمَا وَصَلُوا إِلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، أَلَقْي اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَي لَهُمْ حُوتًا مَيْتًا مِنَ الْبَحْرِ، مِثْلَ الظَّرِبِ (٢)، يُقَالُ لَهُ: الْعَنْبَرُ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَالَ جَابِرٌ ﵄: فَرُفِعَ لَنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ كَهَيْئَةِ الْكَثِيبِ الضَّخْمِ، فَأَتَيْنَاهُ، فَإِذَا هِيَ دَابَّةٌ تُدْعَى الْعَنْبَرَ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ ﵁: مَيْتَةٌ، ثُمَّ قَالَ: لَا، بَلْ نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ فَكُلُوا، فَأَقَامُوا عَلَيْهِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً يَأْكُلُونَ مِنْهُ حَتَّى سَمِنُوا وَصَحَّتْ أَجْسَامُهُمْ.

стр. 1564

قَالَ جَابِرٌ ﵁: وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا نَغْتَرفُ مِنْ وَقْبِ (١) عَيْنَيْه الدُّهْنَ بالْقِلَال (٢)، وَنَقْتَطِعُ مِنْهُ الْفِدَرَ (٣) كَقَدْرِ الثَّوْرِ، وَلقدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةُ ﵁ ثَلَاثَةَ عَشَرَ (٤) رَجُلًا فَأَقْعَدَهُمْ فِي وَقْبِ عَيْيهِ، وَأَخَذَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ فنَصَبَهُ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى أَطْوَلِ بَعِيرٍ فَجَعَلَ عَلَيْهِ أَطْوَلَ رَجُلٍ (٥) فِي الْجَيْشِ فَمَرَّ مِنْ تَحْتِهِ وَمَا مَسَّتْ رَأْسَهُ، وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَشَائِقَ (٦). ثُمَّ انْصَرَفُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَلْقَوا كَيْدًا، فَلَمَّا أَتَوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ ﷺ : "هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللَّهُ لَكُمْ، فهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونَا؟ "، قَالَ جَابِرٌ ﵁: فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ فَأَكَلَهُ (٧).

стр. 1565

* مَتَى حَدَثَتْ هَذِهِ السَّرِيَّةُ ؟ : الصَّحِيحُ أَنَّ سَرِيَّةَ الْخَبَطِ هَذِهِ كَانَتْ قَبْلَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَلَيْسَ فِي رَجَبَ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ (١)، وَذَلِكَ لِثَلَاثَةِ أَسْبَابٍ: السَّبَبُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يَبْعَثْ سَرِيَّةً فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ. السَّبَبُ الثَّانِي: أَنَّ رَجَبَ سَنَةَ ثَمَانٍ هُوَ ضِمْنَ فترَةِ سَرَيَانِ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ. السَّبَبُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ وَقَعَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ ذِكْرُ الْقِلَّةِ وَالْجَهْدِ فِي جَيْشِ هَذِهِ السَّرِيَّةِ، وَالْوَاقِعُ أَنَّهُمْ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ كَانَ حَالُهُمْ اتَّسَعَ بِفَتْحِ خَيْبَرَ وَغَيْرِهَا، وَالْجَهْدُ الْمَذْكُورُ فِي الْقِصَّةِ يُنَاسِبُ أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٢). * * *

стр. 1566

سَرِيَّةُ كُرْزِ بْنِ جَابرٍ الْفِهْرِيِّ ﵁ إِلَى الْعُرَنِيِّينَ وَفِي شَوَّالَ مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ، قَدِمَ ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ مِنْ عُكْلٍ (١) وَعُرَيْنَةَ (٢) الْمَدِينَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ، وَبَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَاجْتَوَوْا (٣) الْمَدِينَةَ، وَسَقِمَتْ أَجْسَامُهُمْ، فَعَظُمَتْ بُطُوُنهُمْ، وَانْتُهِشَتْ (٤) أَعْضَاؤُهُمْ. قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ قَدِمُوا سِقَامًا، فَلَمَّا صَحُّوا مِنَ السَّقَمِ كَرِهُوا الْإِقَامَةَ بِالْمَدِينَةِ لَوَخَمِهَا، فَأَمَّا السَّقَمُ الذِي كَانَ بِهِمْ فَهُوَ الْهُزَالُ الشَّدِيدُ، وَالْجَهْدُ مِنَ الْجُوعِ، فَعِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ بِهِمْ هُزَالٌ شَدِيدٌ، مُصْفَرَّةٌ أَلْوَانُهُمْ (٥). فَشَكَوا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنَّا كُنَّا أَهْلَ ضَرْعٍ وَلَمْ

стр. 1567

نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلَا تَخْرُجُونَ مَعَ رَاعِينَا فِي إِبِلِهِ فَتُصِيبون مِنْ أبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا؟ " (١). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ الْبَخَارِيِّ: فَرَخَّصَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ (٢). قَالُوا: بَلَي، فَخَرَجُوا إِلَيْهَا، فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَلَمَّا صَحُّوا وَسَمِنُوا، وَرَجَعَتْ إِلَيْهِمْ أَلْوَانُهُمْ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ، وَقَتَلُوا رَاعِيَ (٣) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَثَّلُوا بِهِ وَسَمَّرُوا عَيْنَيْهِ، وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ، فَجَاءَ الْخَبَرُ (٤) رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ عِشْرِينَ فَارِسًا، بِقِيَادَةِ كُرْزِ بْنِ جَابِرٍ الْفِهْرِيِّ ﵁، وَأَرْسَلَ مَعَهُمْ قَائِفًا (٥)، ثُمَّ. دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْعُرَنِيِّينَ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَعْمِ عَلَيْهِمُ الطَّرِيقَ، وَاجْعَلْهُ عَلَيْهِمْ أَضْيَقَ مِنْ مَسْكِ (٦) جَمَلٍ".

стр. 1568

فَعَمَّى اللَّهُ عَلَيْهِمُ السَّبِيلَ، فَمَا ارْتَفَعَ النَّهَارُ حَتَّى أَدْرَكُوهُمْ فَأَحَاطُوا بِهِمْ، وَأَسَرُوهُمْ، وَرَبَطُوهُمْ، وَأَرْدَفُوهُمْ عَلَى الْخَيْلِ حَتَّى قَدِمُوا بِهِمُ الْمَدِينَةَ. فَأَمَرَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ، وَسُمِّرَتْ (١) أَعْيُنُهُمْ، وَأُلْقُوا فِي الْحَرَّةِ (٢) يَسْتَسْقونَ فَلَا يُسْقَوْنَ حَتَّى مَاتُوا. رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَعْيُنَ أُولَئِكَ، لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ (٣). قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: فَهَؤُلَاءِ قَوْمٌ سَرَقُوا، وَقَتَلُوا، وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي هَؤُلَاءِ الْعُرَنِيِّينَ قَوْلَه تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ

стр. 1569

يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي الْمُشْرِكِينَ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنِ ارْتَكَبَ هَذِهِ الصِّفَاتِ (٢). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي قِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ مِنَ الْفَوَائِدِ: ١ - قُدُومُ الْوُفُودِ عَلَى الْإِمَامِ، وَنَظَرُهُ فِي مَصَالِحِهِمْ. ٢ - وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الطِّبِّ وَالتَّدَاوِي بِأَلْبَانِ الْإِبِلِ وَأَبُوَالِهَا. ٣ - وَفِيهِ أَنَّ كُلَّ جَسَدٍ يُطَبُّ بِمَا اعْتَادَهُ. ٤ - وَفِيهِ قَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ سَوَاءً قَتَلُوهُ غِيلَةً -أَيْ فِي خُفْيَةٍ- أَوْ حِرَابَةً إِنْ قُلْنَا إِنَّ قتلَهُمْ كَانِ قِصَاصًا.

стр. 1570

٥ - وَفِيهِ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْقِصَاصِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الْمُثْلَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا. ٦ - وَفِيهِ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ أَبْنَاءَ السَّبِيلِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ فِي الشُّرْبِ وَفِي غَيْرِهِ قِيَاسًا عَلَيْهِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ. ٧ - وَفِيهِ الْعَمَلُ بِقَوْلِ الْقَائِفِ، وَللْعَرَبِ فَي ذَلِكَ الْمَعْرِفَةُ التَّامَّةُ (١). * تَنْبِيهٌ هَامٌّ: قُلْتُ: ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ -وَكَانَتْ مَعْرُوفَةً بِالْوَبَاءَ- دَعَا اللَّهَ أَنْ يَرْفَعَ عَنْهَا الْحُمَّى، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، وَرَفَعَهَا، وَفِي قِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ هَذِهِ نَرَى أَنَّهُمْ أُصِيبُوا بِالْحُمَّى، وَكَذَلِكَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ -كَمَا سَيَأْتِي- قَوْلُ الْمُشْرِكِينَ: إِنَّهُ يَقْدُمُ عَلَيْكُمْ قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُمْ الْحُمَّى، فَمَا سَبِيلُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَا، وَبَيْنَ رَفْعِ الْحُمَّى فِي بِدَايَةِ دُخُولِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ؟ . قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ: ١ - إِمَّا أَنْ يَكُونَ تَأَخُّرُ دُعَائِهِ ﷺ بِنَقْلِ الْوَبَاءِ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ ذَلِكَ -أَيْ مِنْ قِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ، وَعُمْرَةَ الْقَضَاءِ-. ٢ - أَوْ أَنَّهُ رُفِعَ، وَبَقِيَ آثَارٌ مِنْهُ قَلِيلٌ. ٣ - أَوْ أَنَّهُمْ بَقُوا فِي خِمَارٍ، وَمَا كَانَ أَصَابَهُمْ مِنْ ذَلِكَ إلى تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٢).

стр. 1571

* هَذِهِ أَهَمُّ السَّرَايَا: هَذِهِ هِيَ السَّرَايَا وَالْغَزَوَاتُ بَعْدَ غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ، وَبَنِي قُرَيْظَةَ، لمَ يَجْرِ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا قِتَالٌ مَرِير، وَإِنَّمَا وَقَعَتْ فِيمَا وَقَعَتْ مُصَادَمَةٌ خَفِيفَةٌ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ الْبُعُوثُ إِلَّا دَوْرِيَّاتٍ اسْتِطْلَاعِيَّةٍ، أَوْ تَحَرُّكَاتٍ تَأْدِيبِيَّةٍ، لِإِرْهَابِ الْأَعْرَابِ وَالْأَعْدَاءَ الذِينَ لَمْ يَسْتَكِينُوا بَعْدُ. وَيَظْهَرُ بَعْدَ التَّأَمُّلِ فِي الظُّرُوفِ أَنَّ مَجْرَى الْأَيَّامِ كَانَ قَدْ أَخَذَ فِي التَّطَوُّرِ بَعْدَ غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ، وَأَنَّ أَعْدَاءَ الْإِسْلَامِ كَانَتْ مَعْنَوِيَّاتُهُمْ فِي انْهِيَارٍ مُتَوَاصِلٍ، وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ لَهُمْ أَمَلٌ فِي نَجَاحِ كَسْرِ الدَّعْوَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَخَضْدِ (١) شَوْكَتِهَا، إِلَّا أَنَّ هَذَا التَّطَوُّرَ ظَهَرَ جَلِيًّا (٢) بِصُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، فَلَمْ تَكُنْ الْهُدْنَةُ إِلَّا الِاعْتِرَافَ بِقُوَّةِ الْإِسْلَامِ، وَالتَّسْجِيلَ عَلَى بَقَائِهَا فِي رُبُوعِ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ (٣). * * *

стр. 1572

صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ (١) وَفِي شَهْرِ ذِي القعْدَةِ (٢) مِنَ الْعَامِ السَّادِسِ الْهِجْرِيِّ أَخْبَرَ الرَّسُولُ ﷺ أَصْحَابَهُ أَنَّهُ يُرِيدُ الْعُمْرَةَ، وَأَنَّهُ رَأَى فِي مَنَامِهِ ﷺ أَنَّهُ دَخَلَ الْبَيْتَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَهُمْ وَمُقَصِّرِينَ (٣)، فَمَا إِن سَمِعَ الصَّحَابَة ﵃

стр. 1573

بِذَلِكَ حَتَّى أَسْرَعُوا وَتَهَيَّؤُوا لِلْخُرُوجِ مَعَهُ، وَفَرِحُوا وَحَسِبُوا أَنّهُمْ دَاخِلُوا مَكَّةَ عَامَهُمْ ذَلِكَ (١). * اسْتِنْفَارُ الْمُسْلِمِينَ وَالْأَعْرَابِ: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَنْفَرَ الْعَرَبَ مِنَ الْبَوَادِي، وَمَنْ حَوْلَهُ مِنَ الْأَعْرَابِ مِمَّن أَسْلَمَ لِيَخْرُجُوا مَعَهُ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ خَشْيَتِهِ ﷺ مِنْ قُرَيْشٍ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ بِحَرْبٍ أَوْ يَصُدُّوهُ عَنِ الْبَيْتِ، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الْأَعْرَابِ، وَقَدْ كَشَفَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ حَقِيقَةَ هَذَا التَّوَجُّسِ (٢) وَالْخَوْفِ الذِي كَانَ فِي قُلُوبِ هَؤُلَاءِ الْأَعْرَابِ، فَقَالَ : ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ (٣). وَالْقُرْآنُ لَا يَكْتَفِي بِحِكَايَةِ أَقْوَالِ الْمُخَلَّفِينَ وَالرَّدِ عَلَيْهَا، وَلَكِنَّهُ يَجْعَلُ مِنْ هَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ فُرْصَةً لِعِلَاجِ أَمْرَاضِ النُّفُوسِ، وَهَوَاجِسِ الْقُلُوبِ، وَالتَّسَلُّلِ إِلَى

стр. 1574

مَوَاطِنِ الضَّعَفِ، وَالِانْحِرَافِ لِكَشْفِهَا تَمْهِيدًا لِعِلَاجِهَا وَالطَّلَبِ لَهَا، ثُمَّ لِإِقْرَارِ الْحَقَائِقِ الْبَاقِيَةِ وَالْقِيَمِ الثَّابِتَةِ، وَقَوَاعِدِ الشُّعُورِ وَالتَّصَوُّرِ وَالسُّلُوكِ (١). * الْإِحْرَامُ وَالْمَسِيرُ إِلَى مَكَّةَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ مُتَوَجِّهًا إِلَى مَكَّةَ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ هِلَالَ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ لِلْهِجْرَةِ، وَمَعَهُ زَوْجُهُ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂، وَخَرَجَ مَعَهُ ﷺ أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ (٢) مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَمَنْ لَحِقَ بِهِ مِنَ الْأَعْرَابِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ نُمَيْلَةَ (٣) بْنَ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيَّ ﵁، وَلَمْ يُخْرِجْ مَعَهُ سِلَاحًا، إِلَّا سِلَاحَ الْمُسَافِرِ، وَهِيَ السُّيُوفُ فِي الْقُرُبِ (٤)، وَسَاقَ مَعَهُ ﷺ الْهَدْيَ (٥)

стр. 1575

سَبْعِينَ بَدَنَةً (١) فِيهَا جَمَلٌ لِأَبى جَهْل لَعَنَهُ اللَّهُ فِى أَنْفِهِ بُرَّةٌ (٢) مِنْ فِضَّةٍ لِيَغِيظَ بِذَلِكَ الْمُشْرِكِينَ (٣)، وَبَعَثَهَا مَعَ نَاجِيَةَ بْنِ جُنْدُبٍ الْخُزَاعِيِّ الْأَسْلَمِيِّ ﵁ (٤). فَلَمَّا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ الْمُسْلِمُونَ ذَا الْحُلَيْفَةِ (٥) صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ دَعَا بِالْهَدْيِ فَقَلَّدَهُ (٦)، ثُمَّ أَشْعَرَهُ (٧)، وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَلَبَّي لِيَأْمَنَ النَّاسُ مِنْ

стр. 1576

حَرْبِهِ، وَليَعْلَمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا خَرَجَ زَائِرًا لِلْبَيْتِ وَمُعَظِّمًا لَهُ (١). وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ يَدَيْهِ بُسْرَ (٢) بْنَ سُفْيَانَ الْخُزَاعِيَّ الْكَعْبِيَّ ﵁ عَيْنًا (٣) لَهُ إِلَى قُرَيْشٍ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِهِمْ (٤). * قِصَّةُ أَبِي قتَادَةَ ﵁ -: فَلَمَّا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الرَّوْحَاءِ (٥) جَاءَهُ خَبَرٌ أَنَّ عَدُوًّا يُرِيدُ أَنْ يَغْزُوَ الْمَدِينَةَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي قتَادَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: انْطَلَقْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ وَلَمْ أُحْرِمْ (٦)، فَأُنْبِئْنَا بِعَدُوٍّ بِغَيْقَةٍ (٧)، فَتَوَجَّهْنَا نَحْوَهُمْ، فَبَصُرَ أَصْحَابِي بِحِمَارٍ وَحْشٍ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ

стр. 1577

يَضْحَكُ إِلَى بَعْضٍ، فَنَظَرْتُ فَرَأَيْتُهُ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ الفرَسَ (١)، فَطَعَنْتُهُ فَأَثْبَتُّهُ (٢)، فَاسْتَعَنْتُهُمْ فَأَبُوا أَنْ يُعِينُونِي، فَأَكَلْنَا مِنْهُ، ثُمَّ لَحِقْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخَشِينَا أَنْ نُقتَطَعَ (٣)، فَطَلَبْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَرْفَعُ فَرَسِي شَأْوًا (٤)، وَأَسِيرُ عَلَيْهِ شَأْوًا. . .، فَلَحِقْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ حَتَّى أَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا إِصَّدْنَا حِمَارَ وَحْشٍ، وَإِنَّ عِنْدَنَا مِنْهُ فَاضِلَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "كُلُوا"، وَهُمْ مُحْرِمُونَ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: قَالَ أَبُو قتَادَةَ ﵁: فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَبَي بَعْضُهُمْ، فَأَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ ﷺ : "إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ" (٥).

стр. 1578

* فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ مِنَ الْفَوَائِدِ: ١ - أَنَّ تَمَنِّي الْمُحْرِمِ أَنْ يَقَعَ مِنَ الْحَلَالِ بِالصَّيْدِ لِيَأْكُلَ الْمُحْرِمُ مِنْهُ لَا يَقْدَحُ فِي إِحْرَامِهِ. ٢ - وَأَنَّ الْحَلَالَ إِذَا صَادَ لِنَفْسِهِ جَازَ لِلْمُحْرِمِ الْأَكْلُ مِنْ صَيْدِهِ. ٣ - وَفِيهِ إِمْسَاكُ نَصِيبِ الرَّفِيقِ الْغَائِبِ مِمَّنْ يَتَعَيَّنُ احْتِرَامُهُ، أَوْ يَتَوَقَّعُ مِنْهُ ظُهُورَ حُكْمِ تِلْكَ الْمَسْأَلةِ بِخُصُوصِهَا. ٤ - وَفِيهِ تَفْرِيقُ الْإِمَامِ أَصْحَابَهُ لِلْمَصْلَحَةِ. ٥ - وَاسْتِعْمَالُ الطَّلِيعَةِ (١) فِي الْغَزْوِ. ٦ - وَفِيهِ أَنَّ عَقْرَ الصَّيْدِ ذَكَاتُهُ. ٧ - وَفِيهِ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِي: هُوَ اجْتِهَادٌ بِالْقُرْبِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لَا فِي حَضْرَتِهِ. ٨ - وَفِيهِ الْعَمَلُ بِمَا أَدَّى إِلَيْهِ الِاجْتِهَادُ وَلَوْ تَضَادَّ الْمُجْتَهِدَانِ، وَلَا يُعَابُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى ذَلِكَ، وَكَأَنَّ الْآكِلَ تَمَسَّكَ بِأَصْلِ الْإِبَاحَةِ، وَالْمُمْتَنِعَ نَظَرَ إِلَى الْأَمْرِ الطَّارِئِ. ٩ - وَفِيهِ الرُّجُوعُ إِلَى النَّصِّ عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ.

стр. 1579

١٠ - وَرَكْضُ (١) الْفَرَسِ فِي الِاصْطِيَادِ. ١١ - وَفِيهِ التَّصَيُّدُ فِي الْأَمَاكِنِ الْوَعِرَةِ. ١٢ - وَفِيهِ الِاسْتِعَانَةُ بِالْفَارِسِ. ١٣ - وَفِيهِ حَمْلُ الزَّادِ فِي السَّفَرِ. ١٤ - وَفِيهِ الرِّفْقُ بِالْأَصْحَابِ وَالرُّفَقَاءِ فِي السَّيْرِ. ١٥ - وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الْكِنَايَةِ فِي الْفِعْلِ كَمَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْقَوْلِ لأِنَّهُمُ اسْتَعْمَلُوا الضَّحِكَ فِي مَوْضِعِ الْإِشَارَةِ لِمَا اعْتَقَدُوهُ مِنَ أَنَّ الْإِشَارَةَ لَا تَحِلُّ. ١٦ - وَفِيهِ جَوَازُ سَوْقِ الْفرَسِ لِلْحَاجَةِ وَالرِّفْقُ بِهِ مَعَ ذَلِكَ لِقَوْلهِ: وَأَسِيرُ شَأْوًا. ١٧ - وَفِيهِ نُزُولُ الْمُسَافِرِ وَقْتَ الْقَائِلَةِ. ١٨ - وَفِيهِ ذِكْرُ الْحُكْمِ مَعَ الْحِكْمَةِ فِي قَوْلِهِ ﷺ : "إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ" (٢). * إِكْمَالُ الطَّرِيقِ إِلَى مَكَّةَ: أَكْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طرِيقَهُ إِلَى مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِغَدِيرِ الْأَشْطَاطِ قَرِيبًا مِنْ عُسْفَانَ، أَتَاهُ عَيْنُهُ فَقَالَ: إِنَّ قُرَيْشًا جَمَعُوا لَكَ جُمُوعًا، وَقَدْ جَمَعُوا لَكَ

стр. 1580

الْأَحَابِيشَ (١)، وَهُمْ مُقُاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ وَمَانِعُوكَ (٢). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، قَالَ الْعَيْنُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ سَمِعَتْ بِمَسِيرِكَ، فَخَرَجَتْ مَعَهَا الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ (٣)، قَدْ لَبِسُوا جُلُودَ النُّمُورِ، يُعَاهِدُونَ اللَّهَ أَنْ لَا تَدْخُلَهَا عَلَيْهِمْ عَنْوَةً (٤) أَبَدًا، وَهَذَا خَالِدُ بْنُ الْوَليدِ فِي خَيْلِهِمْ قَدْ قَدَّمُوهَا إِلَى كُرَاعِ الْغَمِيمِ (٥). فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا وَيْحَ قُرَيْشٍ، لَقَدْ أَكَلَتْهُمُ الْحَرْبُ، مَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ خَلَّوا بَيْنِي وَبَيْنَ سَائِرِ النَّاسِ، فَإِنْ أَصَابُونِي كَانَ الذِي أَرَادُوا، وَإِنْ أَظْهَرَنِي اللَّهُ عَلَيْهِمْ، دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَهُمْ وَافِرُونَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا، قَاتَلُوا وَبِهِمْ قُوَّةٌ، فَمَاذَا تَظُنُّ قُرَيْشٌ، وَاللَّهِ إِنِّي لَا أَزَالُ أُجَاهِدُهُمْ عَلَى الذِي بَعَثَنِي اللَّهُ لَهُ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ لَهُ أَوْ تَنْفَرِدَ هَذِهِ السَّالِفَةُ" (٦).
следующие страницы →