← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

حَرْبِهِ، وَليَعْلَمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا خَرَجَ زَائِرًا لِلْبَيْتِ وَمُعَظِّمًا لَهُ (١). وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ يَدَيْهِ بُسْرَ (٢) بْنَ سُفْيَانَ الْخُزَاعِيَّ الْكَعْبِيَّ ﵁ عَيْنًا (٣) لَهُ إِلَى قُرَيْشٍ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِهِمْ (٤). * قِصَّةُ أَبِي قتَادَةَ ﵁ -: فَلَمَّا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الرَّوْحَاءِ (٥) جَاءَهُ خَبَرٌ أَنَّ عَدُوًّا يُرِيدُ أَنْ يَغْزُوَ الْمَدِينَةَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي قتَادَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: انْطَلَقْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ وَلَمْ أُحْرِمْ (٦)، فَأُنْبِئْنَا بِعَدُوٍّ بِغَيْقَةٍ (٧)، فَتَوَجَّهْنَا نَحْوَهُمْ، فَبَصُرَ أَصْحَابِي بِحِمَارٍ وَحْشٍ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ

стр. 1577

يَضْحَكُ إِلَى بَعْضٍ، فَنَظَرْتُ فَرَأَيْتُهُ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ الفرَسَ (١)، فَطَعَنْتُهُ فَأَثْبَتُّهُ (٢)، فَاسْتَعَنْتُهُمْ فَأَبُوا أَنْ يُعِينُونِي، فَأَكَلْنَا مِنْهُ، ثُمَّ لَحِقْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخَشِينَا أَنْ نُقتَطَعَ (٣)، فَطَلَبْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَرْفَعُ فَرَسِي شَأْوًا (٤)، وَأَسِيرُ عَلَيْهِ شَأْوًا. . .، فَلَحِقْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ حَتَّى أَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا إِصَّدْنَا حِمَارَ وَحْشٍ، وَإِنَّ عِنْدَنَا مِنْهُ فَاضِلَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "كُلُوا"، وَهُمْ مُحْرِمُونَ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: قَالَ أَبُو قتَادَةَ ﵁: فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَبَي بَعْضُهُمْ، فَأَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ ﷺ : "إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ" (٥).

стр. 1578

* فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ مِنَ الْفَوَائِدِ: ١ - أَنَّ تَمَنِّي الْمُحْرِمِ أَنْ يَقَعَ مِنَ الْحَلَالِ بِالصَّيْدِ لِيَأْكُلَ الْمُحْرِمُ مِنْهُ لَا يَقْدَحُ فِي إِحْرَامِهِ. ٢ - وَأَنَّ الْحَلَالَ إِذَا صَادَ لِنَفْسِهِ جَازَ لِلْمُحْرِمِ الْأَكْلُ مِنْ صَيْدِهِ. ٣ - وَفِيهِ إِمْسَاكُ نَصِيبِ الرَّفِيقِ الْغَائِبِ مِمَّنْ يَتَعَيَّنُ احْتِرَامُهُ، أَوْ يَتَوَقَّعُ مِنْهُ ظُهُورَ حُكْمِ تِلْكَ الْمَسْأَلةِ بِخُصُوصِهَا. ٤ - وَفِيهِ تَفْرِيقُ الْإِمَامِ أَصْحَابَهُ لِلْمَصْلَحَةِ. ٥ - وَاسْتِعْمَالُ الطَّلِيعَةِ (١) فِي الْغَزْوِ. ٦ - وَفِيهِ أَنَّ عَقْرَ الصَّيْدِ ذَكَاتُهُ. ٧ - وَفِيهِ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِي: هُوَ اجْتِهَادٌ بِالْقُرْبِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لَا فِي حَضْرَتِهِ. ٨ - وَفِيهِ الْعَمَلُ بِمَا أَدَّى إِلَيْهِ الِاجْتِهَادُ وَلَوْ تَضَادَّ الْمُجْتَهِدَانِ، وَلَا يُعَابُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى ذَلِكَ، وَكَأَنَّ الْآكِلَ تَمَسَّكَ بِأَصْلِ الْإِبَاحَةِ، وَالْمُمْتَنِعَ نَظَرَ إِلَى الْأَمْرِ الطَّارِئِ. ٩ - وَفِيهِ الرُّجُوعُ إِلَى النَّصِّ عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ.

стр. 1579

١٠ - وَرَكْضُ (١) الْفَرَسِ فِي الِاصْطِيَادِ. ١١ - وَفِيهِ التَّصَيُّدُ فِي الْأَمَاكِنِ الْوَعِرَةِ. ١٢ - وَفِيهِ الِاسْتِعَانَةُ بِالْفَارِسِ. ١٣ - وَفِيهِ حَمْلُ الزَّادِ فِي السَّفَرِ. ١٤ - وَفِيهِ الرِّفْقُ بِالْأَصْحَابِ وَالرُّفَقَاءِ فِي السَّيْرِ. ١٥ - وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الْكِنَايَةِ فِي الْفِعْلِ كَمَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْقَوْلِ لأِنَّهُمُ اسْتَعْمَلُوا الضَّحِكَ فِي مَوْضِعِ الْإِشَارَةِ لِمَا اعْتَقَدُوهُ مِنَ أَنَّ الْإِشَارَةَ لَا تَحِلُّ. ١٦ - وَفِيهِ جَوَازُ سَوْقِ الْفرَسِ لِلْحَاجَةِ وَالرِّفْقُ بِهِ مَعَ ذَلِكَ لِقَوْلهِ: وَأَسِيرُ شَأْوًا. ١٧ - وَفِيهِ نُزُولُ الْمُسَافِرِ وَقْتَ الْقَائِلَةِ. ١٨ - وَفِيهِ ذِكْرُ الْحُكْمِ مَعَ الْحِكْمَةِ فِي قَوْلِهِ ﷺ : "إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ" (٢). * إِكْمَالُ الطَّرِيقِ إِلَى مَكَّةَ: أَكْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طرِيقَهُ إِلَى مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِغَدِيرِ الْأَشْطَاطِ قَرِيبًا مِنْ عُسْفَانَ، أَتَاهُ عَيْنُهُ فَقَالَ: إِنَّ قُرَيْشًا جَمَعُوا لَكَ جُمُوعًا، وَقَدْ جَمَعُوا لَكَ

стр. 1580

الْأَحَابِيشَ (١)، وَهُمْ مُقُاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ وَمَانِعُوكَ (٢). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، قَالَ الْعَيْنُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ سَمِعَتْ بِمَسِيرِكَ، فَخَرَجَتْ مَعَهَا الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ (٣)، قَدْ لَبِسُوا جُلُودَ النُّمُورِ، يُعَاهِدُونَ اللَّهَ أَنْ لَا تَدْخُلَهَا عَلَيْهِمْ عَنْوَةً (٤) أَبَدًا، وَهَذَا خَالِدُ بْنُ الْوَليدِ فِي خَيْلِهِمْ قَدْ قَدَّمُوهَا إِلَى كُرَاعِ الْغَمِيمِ (٥). فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا وَيْحَ قُرَيْشٍ، لَقَدْ أَكَلَتْهُمُ الْحَرْبُ، مَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ خَلَّوا بَيْنِي وَبَيْنَ سَائِرِ النَّاسِ، فَإِنْ أَصَابُونِي كَانَ الذِي أَرَادُوا، وَإِنْ أَظْهَرَنِي اللَّهُ عَلَيْهِمْ، دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَهُمْ وَافِرُونَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا، قَاتَلُوا وَبِهِمْ قُوَّةٌ، فَمَاذَا تَظُنُّ قُرَيْشٌ، وَاللَّهِ إِنِّي لَا أَزَالُ أُجَاهِدُهُمْ عَلَى الذِي بَعَثَنِي اللَّهُ لَهُ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ لَهُ أَوْ تَنْفَرِدَ هَذِهِ السَّالِفَةُ" (٦).

стр. 1581

* اسْتِشَارَةُ الرَّسُولِ ﷺ أَصْحَابَهُ: فَهُنَا اسْتَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ: "أَشِيرُوا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيَّ أَتَرَوْنَ أَنْ أَمِيلَ إِلَى عِيَالهِمْ وَذَرَارِي هَؤُلَاءِ الذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَصُدُّونَا عَنِ الْبَيْتِ، فَإِنْ يَأْتُونَا كَانَ اللَّهُ قَدْ قَطَعَ عَيْنًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَإلَّا تَرَكْنَاهُمْ مَحْرُوبِينَ" (١). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي مُسْنَدٍ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَشِيرُوا عَلَيَّ أَتَرَوْنَ أَنْ نَمِيلَ إِلَى ذَرَارِي هَؤُلَاءِ الذِينَ أَعَانُوهُمْ -أَي الْأَحَابِيْشِ- فَنُصِيبُهُمْ، فَإِنْ قَعَدُوا، قَعَدُوا مَوْتُورِينَ مَحْرُوبِينَ، وَإِنْ يَجِيئُوا تَكُنْ عُنُقًا قَطَعَهَا اللَّهُ، أَوْ ترَوْنَ أَنْ نَؤُمَّ الْبَيْتَ، فَمَنْ صَدَّنَا عَنْهُ قَاتَلْنَاهُ؟ " (٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَالْمُرَادُ أَنَّهُ ﷺ اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ هَلْ يُخَالِفُ الذِينَ نَصَرُوا قُرَيْشًا إِلَى مَوَاضِعِهِمْ فَيَسْبِيَ أَهْلَهُمْ، فَإِنْ جَاؤُوا إِلَى نَصْرِهِمُ اشْتَغَلُوا بِهِمْ، وَانْفَرَدَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِقُرَيْشٍ، وَذَلِكَ الْمُرَادُ بِقَوْلهِ: "تَكُنْ عُنُقًا قَطَعَهَا اللَّهُ" (٣).

стр. 1582

فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ خَرَجْتَ عَامِدًا لِهَذَا الْبَيْتِ لَا تُرِيدُ قتلَ أَحَدٍ وَلَا حَرْبَ أَحَدٍ، فتَوَجَّهْ لَهُ فَمَنْ صَدَّنَا عَنْهُ قَاتَلْنَاهُ (١). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِسَنَدْ صَحِيحٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: . . . يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّمَا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَلَمْ نَجِئْ نُقَاتِلُ أَحَدًا، وَلَكِنْ مَنْ حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتِ قَاتَلْنَاهُ (٢). فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "امْضُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ" (٣). * مُحَاوَلَةُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْإِغَارَةَ عَلَى المُسْلِمِينَ وَأَوَّل صَلَاةِ خَوْفٍ: فَلَمَّا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى عُسْفَانَ اقْتَرَبَ مِنْهُ خَالِدُ بْنُ الْوَليدِ فِي مِائَتَيْ فَارِسٍ فِيهِمْ: عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَصَفَّ خَيْلَهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَهُنَا نَزَلَ الْوَحْيُ بِصَلَاةِ الْخَوْفِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرْقِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعُسْفَانَ، فَاسْتَقْبَلَنَا الْمُشْرِكُونَ، عَلَيْهِمْ خَالِدُ بْنُ الْوَليدِ، وَهُمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ

стр. 1583

الْقِبْلَةِ، فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ الظُّهْرَ، فَقَالُوا -أَيْ خَالِدُ بْنُ الْوَليدِ وَالذِينَ مَعَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ-: قَدْ كَانُوا عَلَى حَالٍ (١) لَوْ أَصَبْنَا غِرَّتَهُمْ (٢). * نُزُولُ الْوَحْي بِأَوَّلِ صَلِاةِ خَوْفٍ فِي الْإِسْلَامِ: ثُمَّ قَالُوا: تَأْتِي عَلَيْهِمُ الْآنَ صَلَاةٌ (٣) هِيَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، فنَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇ بِهَذ الْآيَاتِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (٤). قَالَ: فَحَضرَتْ صلَاةُ الْعَصرِ, فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخَذُوا السِّلَاحَ, قَالَ: فَصَفَفَنَا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، ثُمَّ رَكَعَ، فَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ، فَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ بِالصَّفِّ الذِي يَلِيهِ، وَالْآخَرُونَ قِيَامٌ يَحْرُسُونَ، فَلَمَّا سَجَدُوا

стр. 1584

وَقَامُوا، جَلَسَ الْآخَرُونَ، فَسَجَدُوا فِي مَكَانِهِمْ، ثُمَّ تَقَدَّمَ هَؤُلَاءِ إِلَى مَصَافِّ هَؤُلَاءِ، وَجَاءَ هَؤُلَاءِ إِلَى مَصَافِّ هَؤُلَاءِ، ثُمَّ رَكَعَ، فَرَكَعُوا جَمِيعَّاَ، ثُمَ رَفَعَ، فَرَفَعُوا جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ النَّبِىُّ ﷺ وَالصَّفُّ الذِي يَلِيهِ، وَالْآخَرُونَ قِيَامٌ يَحْرُسُونَهُمْ، فَلَمَّا جَلَسَ، جَلَسَ الْآخَرُونَ فَسَجَدُوا، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفَ (١). فَهَذِهِ أَوَّلُ صَلَاةِ خَوْفٍ صَلَّاهَا الْمُسْلِمُونَ، وَهُوَ الذِي جَزَمَ بِهِ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: بِأَنَّ أَوَّلَ صَلَاةِ خَوْفٍ صَلَّاهَا الْمُسْلِمُونَ كَانَتْ فِي الْحُدَيْبِيَةِ (٢). * صِفَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ لِصَلَاةِ الْخَوْفِ: وَقَدْ وَرَدَ فِي صِفَةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ كَيْفِيَّاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ كَمَا سَيَأْتِي ذَلِكَ وَاضِحًا فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: لَا أَعْلَمُ أَنَّهُ رُوِيَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ إِلَّا حَدِيثٌ ثَابِتٌ، هِيَ كُلُّهَا صِحَاحٌ ثَابِتَةٌ، فعَلَى أَيِّ حَدِيثٍ صَلَّى مِنْهَا الْمُصَلِّي صَلَاةَ الْخَوْفِ أَجْزَأَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ (٣). وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَقَدْ وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في صِفَةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ

стр. 1585

كَيْفِيَّاتٌ حَمَلَهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، وَحَمَلَهَا آخَرُونَ عَلَى التَّوَسُّعِ وَالتَّخْيِيرِ (١). وَبِذَلِكَ شُرِعَتْ هَذِهِ الصَّلَاةُ التِي تَدُلُّ عَلَى يُسْرِ الْإِسْلَامِ وَسَمَاحَتِهِ وَصَلَاحِيَّتِهِ لِكُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ (٢). * انْحِرَافُ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ طَرِيقِ المُشْرِكِينَ وَنُزُوُلهُ بِالحُدَيْبِيَةِ: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَفَادَى الِاصْطِدَامَ وَالِاشْتِبَاكَ مَعَ خَيْلِ المُشْرِكِينَ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: "مَنْ يَخْرُجُ بِنَا عَلَى طَرِيقٍ غَيْرِ طَرِيقِهِمْ التِي هُمْ بِهَا؟ ". فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَسَلَكَ بِهِمْ طَرِيقًا وَعِرًا أَجْرَلَ (٣) بَيْنَ شِعَابٍ (٤)، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْهُ، وَقَدْ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَأَفْضَوْا (٥) إِلَى أَرْضٍ سَهْلَةٍ عِنْدَ مُنْقَطَعِ الوَادِي، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلنَّاسِ: "قُولُوا نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَنَتُوبُ إِلَيْهِ"، فَقَالُوا ذَلِكَ! فَقَالَ ﷺ : "وَاللَّهِ إِنَّهَا لَلْحِطَّةُ التِي عُرِضَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمْ يَقُولُوهَا" (٦).

стр. 1586

ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُسْلِمِينَ فَقَالَ: "اسْلُكُوا ذَاتَ اليَمِينِ"، بَيْنَ ظَهْرَيْ الحَمْضِ فِي طَرِيقٍ تُخْرِجُهُمْ عَلَى ثَنِيَّةِ (١) المِرَارِ (٢) مَهْبَطِ الحُدَيْبِيَةِ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ، فَسَلَكَ الجَيْشُ ذَلِكَ الطَّرِيقَ، فَلَمَّا رَأَتْ خَيْلَ قُرَيْشٍ قَتَرَةَ (٣) الجَيْشِ قَدْ خَالفوا عَنْ طَرِيقِهِمْ، نَكَصُوا رَاجِعِينَ إِلَى قُرَيْشٍ (٤). وَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا وَصَلَ إِلَى ثَنِيَّةِ المِرَارِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: "مَنْ يَصْعَدُ (٥) الثَّنِيَّةَ، ثَنِيَّةَ المِرَارِ، فَإِنَّهُ يَحُطُّ عَنْهُ مَا حُطَّ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (٦).

стр. 1587

قَالَ جَابِرٌ ﵁: فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ صَعَدَهَا خَيْلُنَا، خَيْلُ بَنِي الخَزْرَجِ (١). * بُرُوكُ نَاقَةِ الرَّسُولِ ﷺ -: وَفِي هَذَا المَكَانِ فِي ثَنِيَّةِ المِرَارِ التِي يُهْبَطُ مِنْهَا عَلَى قُرَيْشٍ، بَرَكَتِ القَصْوَاءُ نَاقَةُ الرَّسُولِ ﷺ ، فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ (٢) حَلْ، فَأَلَحَّتْ (٣)، فَقَالَ الصَّحَابَةُ ﵃: خَلَأَتِ (٤) القَصْوَاءُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا خَلَأَتِ القَصْوَاءُ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ (٥)، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الفِيلِ" (٦).

стр. 1588

ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَسْأَلُونَنِي خُطَّةً (١) يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ (٢) إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا" (٣). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ ﷺ : "يَسْألونِي فِيهَا صِلةَ الرَّحِمِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا" (٤). * حَثُّ الرَّسُولِ ﷺ نَاقَتَهُ عَلَى النُّهُوضِ: ثُمَّ زَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاقَتَهُ فَوَثَبَتْ (٥)، ثُمَّ عَدَلَ (٦) عَنْ دُخُولِ مَكَّةَ، وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَمَدٍ (٧) قَلِيلِ المَاءِ يَتَبَرَّضُهُ (٨) النَّاسُ تَبَرُّضًا، فَلَمْ يُلَبِّثْهُ النَّاسُ حَتَّى نَزَحُوهُ (٩)، وَشُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ العَطَشُ

стр. 1589

-وَكَانَ الحَرُّ شَدِيدًا- فَانتزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ (١) ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ (٢)، فَمَا زَالَ يَجِيشُ (٣) لَهُمْ بِالرِّيِّ (٤) حَتَّى صَدَرُوا (٥) عَنْهُ (٦). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنِ البَرَاءُ بنُ عَازِبٍ ﵁ قال: . . . فَنَزَحْنَاهَا فَلَمْ نَتْرُكْ فِيهَا قَطْرَةً، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَتَاهَا فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرِ البِئْرِ، فَدَعَا بِمَاءً فَمَضْمَضَ وَمَجَّ فِي البِئْرِ، فَمَكَثْنَا غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ اسْتَقَيْنَا حَتَّى رَوِينَا، وَرَوَتْ رَكَائِبُنَا (٧). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: ويُمْكِنُ الجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ الأَمْرَانِ مَعًا وَقَعَا (٨). قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُ جَمْعَ الحَافِظِ مِنْ أَنَّ الأَمْرَانِ وَقَعَا مَعًا مَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ

стр. 1590

البَيْهَقِيِّ عَنْ عُرْوَةَ قال: . . . وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ، فتَوَضَّأَ فِي الدَّلْوِ، وَمَضْمَضَ فَاهُ، ثُمَّ مَجَّ بِهِ، وَأَمَرَ أَنْ يُصَبَّ فِي البِئْرِ، وَنَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، فَأَلْقَاهُ فِي البِئْرِ، وَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى، فَفَارَتْ بِالمَاءِ، حَتَّى رَجَعُوا يَغْتَرِفُونَ بِأَيْدِيهِمْ مِنْهَا (١). * مُعْجِزَةٌ أُخْرَى لِلرَّسُولِ ﷺ -: أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ (٢) فتَوَضَّأَ مِنْهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ النَّاسُ نَحْوَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَالَكُمْ؟ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَيْسَ عِنْدَنَا مَاءٌ نَتَوَضَّأُ بِهِ وَلَا نَشْرَبُ إِلَّا مَا فِي رَكْوَتِكَ، قَالَ: فَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ فِي الرَّكْوَةِ، فَجَعَلَ المَاءُ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ كَأَمْثَالِ العُيُونِ. قَالَ جَابِرٌ: فَشَرِبْنَا وَتَوَضَّأْنَا، فَقِيلَ لِجَابِرٍ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا، كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةٍ (٣). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ قَالَ جَابِرٌ ﵁: قَدْ رَأَيْتُنِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ حَضَرَتِ العَصْرُ، وَلَيْسَ مَعَنَا مَاءٌ غَيْرُ فَضْلَةٍ، فَجُعِلَ فِي إِنَاءٍ،

стр. 1591

فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ بِهِ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ وَفَرَّجَ أَصَابِعَهُ، ثُمَّ قَالَ: "حَيَّ عَلَى الوَضُوءِ البَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ". قَالَ جَابِرٌ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ المَاءَ يَتَفَجَّرُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، فَتوَضَّأَ النَّاسُ وشَرِبُوا، فَجَعَلْتُ لَا آلُو (١) مَا جَعَلْتُ فِي بَطْنِي مِنْهُ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ بَرَكَةٌ. فَقِيلَ لِجَابِرٍ ﵁: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ (٢). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَهَذِهِ القِصَّةُ غَيْرُ القِصَّةِ التِي رَوَاهَا البَرَاءُ بنُ عَازِبٍ ﵄، فَإِنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ فِي نَبْعِ المَاءِ كَانَ حِينَ حَضَرَتْ صَلَاةُ العَصْرِ عِنْدَ إِرَادَةِ الوُضُوءِ، وَحَدِيثُ البَرَاءِ كَانَ لِإِرَادَةِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ (٣). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: وَفِي هَذَا الفَصْلِ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - مُعْجِزَاتٌ ظَاهِرَةٌ. ٢ - وَفِيهِ بَرَكَةُ سِلَاحِهِ ﷺ وَمَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ.

стр. 1592

٣ - وَقَدْ وَقَعَ نَبْعُ المَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ الشَّرِيفَةِ ﷺ فِي عِدَّةِ مَوَاطِنَ غَيْرِ هَذِهِ (١). * نُزُولُ المَطَرِ وَالصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ (٢): وَفِي الحُدَيْبِيَةِ أَصَابَ المُسْلِمِينَ مَطَرٌ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُصلُّوا فِي رِحَالهِمْ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ زَيْدِ بنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ فَأَصَابَنَا مَطَرٌ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصُّبْحَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: "أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ ". قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَقَالَ: "قَالَ اللَّهُ أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِي، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَبِرِزْقِ اللَّهِ وَبِفَضْلِ اللَّهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَجْمِ كَذَا فَهُوَ مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ كَافِرٌ بِي" (٣). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي المَلِيْحِ

стр. 1593

-﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ (١) وَأَصَابَتْنَا سَمَاءٌ (٢) , لَمْ تَبُلَّ أَسَافِلَ نِعَالِنَا، فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "أَنْ صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ" (٣). * وَسَاطَةُ بُدَيْلَ بنِ وَرْقَاءَ بَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ وَقُرَيْشٍ: وَلَمَّا اطْمَأَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَنْزِلهِ أتَاهُ بدَيْلُ بنُ وَرْقَاءَ الخُزَاعِيُّ (٤) فِي رِجَالٍ مِنْ خُزَاعَةَ -وَكَانَتْ خُزَاعَةُ عَيْبَةَ (٥) نُصْحٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُسْلِمَهَا وَمُشْرِكَهَا لَا يُخْفُونَ عَنْهُ شَيْئًا كَانَ بِمَكَّةَ- فَقَالَ: إِنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بنَ لُؤَيٍّ وَعَامِرَ بنَ لُؤَيٍّ نَزَلُوا أعْدَادَ (٦) مِيَاهِ الحُدَيْبِيَةِ، وَمَعَهُمُ العُوْذُ المَطَافِيلُ (٧)، وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ

стр. 1594

وَصَادُّوكَ عَنِ البَيْتِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهَكَتْهُمُ (١) الحَرْبُ وَأَضَرَّتْ بِهِمْ، فَإِنْ شَاؤُوا مَادَدْتُهُمْ مُدَّةً وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ، فَإِنْ أَظْهَرُ فَإِنْ شَاؤُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَعَلُوا، وَإِلَّا فَقَدْ جَمُّوا (٢)، وَإِنْ هُمْ أَبَوْا، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي، وَلَيُنْفِذَنَّ اللَّهُ أمْرَهُ". فَقَالَ بدَيْلٌ: سَأُبَلِّغُهُمْ مَا تَقُولُ. فَانْطَلَقَ بدَيْلُ بنُ وَرْقَاءَ، وَمَنْ مَعَهُ مِنْ خُزَاعَةَ حَتَّى أَتَوْا قُرَيْشًا فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّا جِئْنَاكُمْ مِنَ هَذَا الرَّجُلِ، وسَمِعْنَاهُ يَقُولُ قَوْلًا، فَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ نَعْرِضَهُ عَلَيْكُمْ فَعَلْنَا، فَقَالَ سُفَهَاؤُهُمْ: لَا حَاجَةَ لَنَا أَنْ تُخْبِرُونَا عَنْهُ بِشَيْءٍ. وَقَالَ ذَوُو الرَّأْي مِنْهُمْ: هَاتِ مَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ: قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا، فَحَدَّثَهُمْ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (٣). وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ قَالَ لَهُمْ بدَيْلُ بنُ وَرْقَاءَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! إِنَّكُمْ تَعْجَلُونَ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَإِنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَأْتِ لِقِتَالٍ، إِنَّمَا جَاءَ زَائِرًا لِهَذَا البَيْتِ، مُعَظِّمًا لِحَقِّهِ.

стр. 1595

فَاتَّهَمُوهُمْ (١)، وَقَالُوا: وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا جَاءَ لِذَلِكَ، فَلَا وَاللَّهِ لَا يَدْخُلُهَا أَبَدًا عَلَيْنَا عَنْوَةً (٢)، وَلَا تَتَحَدَّثُ بِذَلِكَ العَرَبُ (٣). * رُسُلُ قُرَيْشٍ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ -: * أَوَّلُهُمْ مِكْرَزُ (٤) بنُ حَفْصٍ: ثُمَّ بَعَثَتْ قُرَيْشٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِكْرَزَ بنَ حَفْصٍ أَخَا عَامِرِ بنِ لُؤَيٍّ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُقْبِلًا قَالَ: "هَذَا رَجُلٌ فَاجِرٌ" (٥)، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَلَّمَهُ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَحْوًا مِمَّا قَالَ لِبُدَيْلٍ وَأَصْحَابِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ، فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . * ثَانِيهِمْ الحِلْسُ (٦) بنُ عَلْقَمَةَ: ثُمَّ بَعَثَتْ قُرَيْشٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الحِلْسَ بنَ عَلْقَمَةَ الكِنَانِيَّ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ الأَحَابِيشِ، فَلَمَّا رَآهُ الرَّسُولُ ﷺ قَالَ: "هَذَا مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ

стр. 1596

البُدْنَ (١)، فَابْعَثُوهَا لَهُ" (٢)، فَبَعَثُوا الهَدْيَ، وَاسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ يُلَبُّونَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَا يَنْبَغِي لِهَؤُلَاءَ أَنْ يُصَدُّوا عَنِ البَيْتِ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ، وَلَمْ يَصِلْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِعْظامًا لِمَا رَأَى، فَقَالَ لَهُمْ: رَأَيْتُ البُدْنَ قَدْ قُلِّدَتْ وَأُشْعِرَتْ، فَمَا أَرَى أَنْ يُصَدُّوا عَنِ البَيْتِ (٣). فَقَالُوا لَهُ: اجْلِسْ، فَإِنَّمَا أَنْتَ أَعْرَابِيٌّ لَا عِلْمَ لَكَ (٤). فَغَضِبَ الحِلْسُ بنُ عَلْقَمَةَ، وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! وَاللَّهِ مَا عَلَى هَذَا حَالَفْنَاكُمْ، وَلَا عَلَى هَذَا عَاقَدْنَاكُمْ، أَيُصَدُّ عَنْ بَيْتِ اللَّهِ مَنْ جَاءَ مُعَظِّمًا لَهُ، وَالذِي نَفْسُ الحِلْسِ بِيَدِهِ لَتُخَلُّنَّ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَبَيْنَ مَا جَاءَ لَهُ أَوْ لَأَنْفِرَنَّ (٥) بِالْأَحَابِيشِ نَفْرَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَقَالُوا لَهُ: مَهْ! كُفَّ عَنَّا يَا حِلْسُ حَتَّى نَأْخُذَ لِأَنْفُسِنَا مَا نَرْضَى بِهِ (٦). * ثَالِثُهُمْ عُرْوَةُ بنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ: فَقَامَ عِنْدَ ذَلِكَ عُرْوَةُ بنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ ﵁ وَكَانَ عَلَى الكُفْرِ في ذَلِكَ

стр. 1597

الوَقْتِ- فَقَالَ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مَا يَلْقَى مِنْكُمْ مَنْ تَبْعَثُونَ إِلَى مُحَمَّدٍ إِذَا جَاءَكُمْ مِنَ التَّعْنِيفِ وَسُوءِ اللَّفْظِ، وَقَدْ عَرَفْتُمْ أَنَّكُمْ وَالِدٌ وَأَنِّي وَلَدٌ (١)، وَقَدْ سَمِعْتُ بِالذِي نَابَكُمْ (٢)، فَجَمَعْتُ مَنْ أطَاعَنِي مِنْ قَوْمِي، ثُمَّ جِئْتُ حَتَّى آسَيْتُكُمْ بِنَفْسِي، قَالُوا: صَدَقْتَ، مَا أَنْتَ عِنْدَنَا بِمُتَّهَمٍ (٣). ثُمَّ قَالَ لَهُمْ عُرْوَةُ: فَإِنَّ هَذَا (٤) قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ اقْبَلُوهَا، ودَعُونِي آتِيهِ، قَالُوا: ائْتِهِ، فَخَرَجَ عُرْوَةُ بنُ مَسْعُودٍ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ عُرْوَةُ لِلرَّسُولِ ﷺ : يَا مُحَمَّدُ! أَجَمَعْتَ أَوْبَاشَ (٥) النَّاسِ، ثُمَّ جِئْتَ بِهِمْ لِبَيْضَتِكَ (٦) لِتَفُضَّهَا (٧)؟ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ عُرْوَةُ: أَيْ مُحَمَّدُ، أَرَأَيْتَ إِنِ اسْتَأْصَلْتَ أَمْرَ

стр. 1598

قَوْمِكَ، هَلْ سَمِعْتَ بِأَحَدٍ مِنَ العَرَبِ اجْتَاحَ (١) أهْلَهُ قَبْلَكَ (٢)؟ إِنَّهَا قُرَيْشٌ قَدْ خَرَجَتْ مَعَهَا العُوْذُ المَطَافِيلُ، قَدْ لَبِسُوا جُلُودَ النُّمُورِ، يُعَاهِدُونَ اللَّهَ أَنْ لَا تَدْخُلَهَا عَلَيْهِمْ عَنْوَةً أَبَدًا، وَأَيْمُ اللَّهِ، لَكَأَنِّي بِهَؤُلَاءَ (٣) قَدِ انْكَشَفُوا عَنْكَ غَدًا (٤). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ عُرْوَةُ: فَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أَرَى وُجُوهًا، وَإِنِّي لَأَرَى أَشْوَابًا مِنَ النَّاسِ خَلِيقًا (٥) أَنْ يَفِرُّوا وَيَدَعُوكَ (٦). فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁، وَكَانَ جَالِسًا خَلْفَ الرَّسُولِ ﷺ : امْصُصْ بَظْرَ اللَّاتِ (٧)، أَنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ؟ (٨).

стр. 1599

فَقَالَ عُرْوَةُ بنُ مَسْعُودٍ: مَنْ هَذَا يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ ﷺ : "هَذَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ"، قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا يَدٌ (١) كَانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ (٢) بِهَا لَأَجَبْتُكَ (٣). ثُمَّ جَعَلَ عُرْوَةُ يَتَنَاوَلُ لِحْيَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُكَلِّمُهُ، وَالمُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ ﵁ وَاقِف عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمَعَهُ السَّيْفُ وَعَلَيْهِ المِغْفَرُ (٤)، فَقَرَعَ يَدَ عُرْوَةَ بِنَعْلِ (٥) السَّيْفِ، ثُمَّ قَالَ: أَمْسِكْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ وَاللَّهِ لَا تَصِلُ إِلَيْكَ. فَقَالَ عُرْوَةُ لِلْمُغِيرَةِ: وَيْحَكَ، مَا أَفَظَّكَ وَأَغْلَظَكً! فتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَاَل لَهُ عُرْوَةُ: مَنْ هَذَا يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ ﷺ : "هَذَا ابْنُ أَخِيكَ المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ". قَالَ عُرْوَةُ: أَيْ غُدَرُ (٦)، وَهَلْ غَسَلْتَ سَوْأَتَكَ إِلَّا بِالْأَمْسِ (٧).

стр. 1600

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ عُرْوَةُ: أَلسْتُ أَسْعَى في غَدْرَتِكَ (١). وَكَانَ المُغِيرَةُ صَحِبَ قَوْمًا في الجَاهِلِيَّةِ فَقتَلَهُمْ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ ثُمَّ جَاءَ فَأَسْلَمَ. فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ ﷺ : "أَمَّا الإِسْلَامُ فَأَقْبِلُ، وَأَمَّا المَالُ فَلَسْتُ مِنْهُ في شَيْءٍ" (٢). ثُمَّ كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُرْوَةَ بِمِثْلِ مَا كَلَّمَ بِهِ أَصْحَابَهُ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ يُرِيدُ حَرْبًا (٣). * حُبٌّ لَا مَثِيلَ لَهُ: ثُمَّ إِنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ (٤) أصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَيْنَيْهِ، فَمَا تَنَخَّمَ رَسُولُ

стр. 1601

اللَّهِ ﷺ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ في كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا (١) أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمُوا خَفَضُوا أصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ (٢) إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ ﷺ . فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى قُرَيْشٍ، فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ (٣) عَلَى المُلُوكِ، وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ (٤)، وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا، وَاللَّهِ إِنْ يَتَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ في كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمُوا خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ النَّظَرَ إِلَيْهِ تَعْظِيمًا لَهُ، وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ قَوْمًا لَا يُسْلِمُونَهُ لِشَيْءٍ أَبَدًا، وَإِنَّهُ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ فَاقْبَلُوهَا، فَرَوْا رَأْيَكُمْ (٥).

стр. 1602

فَقَالُوا: نَرُدُّهُ عَنِ البَيْتِ في عَامِنَا هَذَا، ويَرْجعُ مِنْ قَابِلٍ، فَيَدْخُلُ مَكَّةَ وَيَطُوفُ بِالبَيْتِ (١). * إِرْسَالُ الرَّسُولِ ﷺ حِرَاشَ بنَ أُمَيَّةَ ﵁ لِقُرَيْشٍ: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرَادَ أَنْ يُؤَكِّدَ لِقُرَيْشٍ هَدَفَهُ لِهَذِهِ الزِّيَارَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُرِيدُ القِتَالَ، فَبَعَثَ خِرَاشَ بنَ أُمَيَّةَ الخُزَاعِيَّ ﵁ عَلَى جَمَلٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ: "الثَّعْلَبُ"، فَلَمَّا دَخَلَ خِرَاشٌ ﵁ مَكَّةَ لِيُبَلِّغَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَقَرَتْ (٢) بِهِ قُرَيْشٌ، وَأَرَادُوا قَتَلَهُ، فَمَنَعَهُمُ الأَحَابِيشُ، فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ، وَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا لَقِيَ (٣). * إِرْسَالُ الرَّسُولِ ﷺ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ ﵁ -: ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ لِيَبْعَثَهُ إِلَى مَكَّةَ، فَيُبَلِّغَ عَنْهُ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مَا جَاءَ لَهُ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَخَافُ قُرَيْشًا عَلَى نَفْسِي، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بنِ كَعْبٍ أَحَدٌ يَمْنَعُنِي، وَقَدْ عَرَفَتْ قُرَيْشٌ عَدَاوَتِي إِيَّاهَا، وَغِلْظَتِي عَلَيْهَا، وَلَكِنْ أَدُلُّكَ عَلَى رَجُلٍ هُوَ أَعَزُّ مِنِّي، عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ. فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ ﵁، فَبَعَثَهُ إِلَى قُرَيْشٍ يُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ

стр. 1603

لَمْ يَأْتِ لِحَرْبٍ، وَأَنَّهُ جَاءَ زَائِرًا لِهَذَا الْبَيْتِ، مُعَظِّمًا لِحُرْمَتِهِ. فَخَرَجَ عُثْمَانُ ﵁ حَتَّى أتَى مَكَّةَ، فَلَقِيَهُ أَبَانُ (١) بنُ سَعِيدِ بنِ العَاصِ، فنَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ، وَحَمَلَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَرَدِفَ خَلْفَهُ، وَأَجَارَهُ حَتَّى يُبَلِّغَ رِسَالَةَ رسُولِ اللَّهِ ﷺ فَانْطَلَقَ عُثْمَانُ ﵁ حَتَّى أَتَى أَبَا سُفْيَانَ وَعُظَمَاءَ قُرَيْشٍ، فَبَلَّغَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما أَرْسَلَهُ بِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ عُثْمَانُ ﵁ مِنْ تَبْلِيغِ رِسَالَةِ الرَّسُولِ ﷺ قَالُوا لَهُ: إِنْ شِئْتَ أَنْ تَطُوفَ بِالبَيْتِ، فَطُفْ بِهِ، فَقَالَ ﵁: مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ حَتَّى يَطُوفَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٢). * إِشَاعَةُ مَقْتَلِ عُثْمَانَ ﵁ وَبَيْعَةُ الرِّضْوَانِ: وَاحْتَبَسَتْ قُرَيْشٌ عُثْمَانَ ﵁ عِنْدَهَا -وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يَتَشَاوَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ في الوَضْعِ الرَّاهِنِ، وَيَرَوْا أَمْرَهُمْ، ثُمَّ يَرُدُّوا عُثْمَانَ بِجَوَابٍ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ وَطَالَ الِاحْتِبَاسُ، فَشَاعَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ أَنَّ عُثْمَانَ قُتِلَ (٣)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ في لَمَّا بَلَغَتْهُ الإِشَاعَةُ: "لَا نَبْرَحُ (٤) حَتَّى نُنَاجِزَ (٥) القَوْمَ"، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

стр. 1604

النَّاسَ إِلَى البَيْعَةِ، فَثَارَ الصَّحَابَةُ ﵃ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَايَعُوهُ (١). * أَوَّلُ مَنْ بَايَعَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا تَحْتَ شَجَرَةٍ، وَكَانَ يَقَعُ مِنْ أَغْصَانِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ عَلَى ظَهْرِ الرَّسُولِ ﷺ (٢)، فَكَانَ مَعْقِلُ بنُ يَسَارٍ ﵁ رَافِعًا غُصْنًا مِنْ أَغْصَانِهَا عَنْ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٣)، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَبُو سِنَانٍ عَبْدُ اللَّهِ بنُ وَهْبٍ الأَسَدِيُّ ﵁، ثُمَّ تَتَابَعَ الصَّحَابَةُ ﵃ (٤). رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ بَايَعَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ أَبُو سِنَانٍ الأَسَدِيُّ (٥). * عَبْدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ ﵄ بَايَعَ قَبْلَ أَبِيهِ: وَكَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ يَسْتَعِدُّ لِلْقِتَالِ بِلُبْسِ لَأْمَتِهِ (٦)، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ، إِذْ رَأَى النَّاسَ مُحْدِقُونَ (٧) بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَرْسَلَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ ﵁

стр. 1605

لِيَنْظُرَ مَا شَأْنُ النَّاسِ، فَذَهَبَ ابنُ عُمَرَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُبَايِعُ النَّاسَ، فَبَايَعَ ابنُ عُمَرَ ﵄ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ رَجَعَ وَأَخْبَرَ أَبَاهُ عُمَرَ ﵁، فَذَهَبَ يُبَايِعُ. رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ النَّاسَ يتَحَدَّثُونَ أَنَّ ابنَ عُمَرَ ﵁ أَسْلَمَ قَبْلَ عُمَرَ ﵁، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ عُمَرَ ﵁ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ أَرْسَلَ عَبْدَ اللَّهِ ﵁ إِلَى فَرَسٍ لَهُ عِنْدَ رَجُل مِنَ الأَنْصَارِ يَأْتِي بِهِ لِيُقَاتِلَ عَلَيْهِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُبَايِعُ عِنْدَ الشَّجَرَةِ، وَعُمَرُ ﵁ لَا يَدْرِي بِذَلِكَ، فَبَايَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى الفَرَسِ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى عُمَرَ، وَعُمَرُ يَسْتَلْئِمُ (١) لِلْقِتَالِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُبَايِعُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، قَالَ: فَانْطَلَقَ فَذَهَبَ مَعَهُ حَتَّى بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (٢). * سَلَمَةُ بنُ الأَكْوَعِ ﵁ بَايَعَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: وَبَايَعَ سَلَمَةُ بنُ الأَكْوَعِ ﵁ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، في أَوَّلِ النَّاسِ، وَوَسَطِهِمْ وَآخِرِهِمْ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الحَدِيثَ وَفِيهِ: . . . ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَانَا لِلْبَيْعَةِ في أَصْلِ الشَّجَرَةِ، قَالَ: فَبَايَعْتُهُ أَوَّلَ النَّاسِ، ثُمَّ بَايَعَ وَبَايَعَ، حَتَّى إِذَا كَانَ في وَسَطٍ مِنَ

стр. 1606

النَّاسِ قَالَ ﷺ : "بَايِعْ يَا سَلَمَةُ"! قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! في أَوَّلِ النَّاسِ، قَالَ ﷺ "وَأَيْضًا"، قَالَ: وَرَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَزْلًا -يَعْنِي لَيْسَ مَعَهُ سِلَاحٌ- قَالَ: فَأَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَجَفَةً (١) أَوْ دَرَقَةً (٢)، ثُمَّ بَايَعَ حَتَّى إِذَا كَانَ في آخِرِ النَّاسِ، قَالَ ﷺ : "أَلَا تُبَايِعُنِي يَا سَلَمَةُ! "، قُلْتُ قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ في أَوَّلِ النَّاسِ، وَفِي أَوْسَطِ النَّاسِ، قَالَ ﷺ : "وَأَيْضًا"، قَالَ: فَبَايَعْتُهُ الثَّالِثَةَ، ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا سَلَمَةُ! أَيْنَ حَجَفَتُكَ أَوْ دَرَقتُكَ التِي أَعْطَيْتُكَ؟ ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَقِيَنِي عَمِّي عَامِرًا عَزِلًا، فَأَعْطَيْتُهُ إِيَّاهَا، قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: "إِنَّكَ كَالذِي قَالَ الأَوَّلُ: اللَّهُمَّ! أَبْغِنِي حَبِيبًا هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي" (٣). قَالَ ابنُ بَطَّالٍ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الحَافِظُ في الفَتْحِ: أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُؤَكِّدَ بَيْعَةَ سَلَمَةَ ﵁ لِعِلْمِهِ بِشَجَاعَتِهِ وَعَنَائِهِ في الإِسْلَامِ، وشُهْرَتِهِ بِالثَّبَاتِ، فَلِذَلِكَ أَمَرَهُ بِتَكْرِيرِ المُبَايَعَةِ لِيَكُونَ لَهُ في ذَلِكَ فَضِيلَةً (٤).

стр. 1607

وَقَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَلَمَةُ ﵁ لَمَّا بَادَرَ إِلَى المُبايَعَةِ ثُمَّ قَعَدَ قَرِيبًا، وَاسْتَمَرَّ النَّاسُ يُبَايِعُونَ إِلَى أَنْ خَفُّوا، أَرَادَ الرَّسُولُ ﷺ مِنْهُ أَنْ يُبَايِعُ لِتَتَوَالَى المُبايَعَةُ مَعَهُ وَلَا يَقَعَ فِيهَا تَخَلُّلٌ؛ لِأَنَّ العَادَةَ في مَبْدَأ كُلِّ أَمْرٍ أَنْ يَكْثُرَ مَنْ يُبَاشِرُهُ فَيَتَوَالَى، فَإِذَا تَنَاهَى قَدْ يَقَعُ بَيْنَ مَنْ يَجِيءُ آخِرًا تَخَلُّلٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ اخْتِصَاصُ سَلَمَةَ ﵁ بِمَا ذُكِرَ، وَالوَاقِعُ أَنَّ الذِي أَشَارَ إِلَيْهِ ابنُ بَطَّالٍ مِنْ حَالِ سَلَمَةَ في الشَّجَاعَةِ وَغَيْرِهَا لَمْ يَكُنْ ظَهَرَ بَعْدُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا وَقَعَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ في "غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ" (١)، حَيْثُ اسْتَعَادَ السَّرْحَ (٢) الذِي كَانَ المُشْرِكُونَ أغَارُوا عَلَيْهِ، وَكَانَ آخِرَ أَمْرِهِ أَنْ أَسْهَمَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ سَهْمَ الفَارِسِ وَالرَّاجِلِ، فَالأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: تَفَرَّسَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ فَبَايَعَهُ مَرَّتَيْنِ (٣). * بَيْعَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ -: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أخَذَ بِيَدِهِ اليُمْنَى وَقَالَ: "هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ"، فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ اليُسْرَى، وَقَالَ: "هَذِهِ لِعُثْمَانَ" (٤). فَنَالَ عُثْمَانُ ﵁ بِذَلِكَ فَضْلَ البَيْعَةِ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ:

стр. 1608

لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، كَانَ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ ﵁ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ، قَالَ: فَبَايَعَ النَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ عُثْمَانَ في حَاجَةِ اللَّهِ وَحَاجَةِ رَسُولهِ"، فَضَرَبَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الأُخْرَى، فَكَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعُثْمَانَ خَيْرًا مِنْ أَيْدِيهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ (١). * عَلَامَ كَانَتِ البَيْعَةُ: اخْتُلِفَ في عَلَامَ كَانَتِ البَيْعَةُ، فَقِيلَ: عَلَى المَوْتِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ يَزِيدَ بنِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: قُلْتُ لِسَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ بَايَعْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ؟ قَالَ: عَلَى المَوْتِ (٢). وَقِيلَ كَانَتْ عَلَى عَدَمِ الفِرَارِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِم في صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ نُبَايِعُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى المَوْتِ، إِنَّمَا بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ (٣). وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ كَذَلِكَ في صَحِيحِهِ عَنْ مَعْقِلِ بنِ يَسَارٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ:

стр. 1609

لَمْ نُبَايِعْهُ -أَي الرَّسُولَ ﷺ عَلَى المَوْتِ، وَلَكِنْ بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ (١). قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَحَاصِلُ الجَمْعِ أَنَّ مَنْ أَطْلَقَ أَنَّ البَيْعَةَ كَانَتْ عَلَى المَوْتِ أَرَادَ لَازِمَهَا؛ لِأَنَّهُ إِذَا بَايَعَ عَلَى أَنْ لَا يَفِرَّ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَثْبُتَ، وَالذِي يَثْبُتُ إِمَّا أَنْ يَغْلِبَ، وَإِمَّا أَنْ يُؤْسَرَ، وَالذِي يُؤْسَرُ إِمَّا أَنْ يَنْجُوَ وَإِمَّا أَنْ يَمُوتَ، وَلَمَّا كَانَ المَوْتُ لَا يُؤْمَنُ في مِثْلِ ذَلِكَ أَطْلَقَهُ الرَّاوِي، وَحَاصِلُهُ أَنَّ أَحَدَهُمَا حَكَى صُورَةَ البَيْعَةِ، وَالآخَرُ حَكَى مَا تَؤُولُ إِلَيْهِ (٢). وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: مَعْنَى كِلَا الحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ، قَدْ بَايَعَهُ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَى المَوْتِ، وَبَايَعَهُ آخَرُونَ عَلَى أَنْ لَا يَفِرُّوا (٣). * الكُلُّ بَايَعَ إِلَّا الجَدَّ (٤) بنَ قَيْسٍ: وَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ هَذِهِ البَيْعَةِ أَحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ حَضَرَهَا، إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ هُوَ الجَدُّ بنُ قَيْسٍ وَكَانَ مُنَافِقًا، وَكَانَ لَهُ جَمَلٌ أَحْمَرُ، فَكَانَ يَخْتَبِئُ خَلْفَهُ خَشْيَةَ أَنْ يُدْعَى لِلْبَيْعَةِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ". . . وَكُلُّكُمْ مَغْفُورٌ لَهُ، إِلَّا صَاحِبَ الجَمَلِ الأَحْمَرِ"، فَأَتَيْنَاهُ فَقُلْنَا لَهُ: تَعَالَ يَسْتَغْفِرْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: وَاللَّهِ!

стр. 1610

لَأَنْ أَجِدَ ضَالَّتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي صَاحِبُكُمْ، قَالَ: وَكَانَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً لَهُ (١). وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: . . . فَبَايَعْنَاهُ -أَيْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَيْرَ جَدِّ بنِ قَيْسٍ الأَنْصَارِيِّ اخْتَبَأَ تَحْتَ بَطْنِ بَعِيرِهِ (٢). وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيَدْخُلَنَّ الجَنَّةَ مَنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ إِلَّا صَاحِبَ الجَمَلِ الأَحْمَرِ" (٣). * نُبْذَةٌ عَنِ الجَدِّ بنِ قَيْسٍ: وَالجَدُّ بنُ قَيْسٍ هَذَا مِنَ الأَنْصَارِ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ (٤) قَدْ سَادَ في الجَاهِلِيَّةِ جَمِيعَ بَنِي سَلِمَةَ، فَانتزَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ السِّيَادَةَ، وَجَعَلَ مَكَانَهُ عَمْرَو بنَ الجَمُوحِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في الأَدَبِ المُفْرَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ سَيِّدُكُمْ يَا بَنِي سَلِمَةَ؟ ". قُلْنَا: جَدُّ بنُ قَيْسٍ عَلَى أَنَّا نُبَخِّلُهُ، فَقَالَ ﷺ : "وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَى مِنَ البُخْلِ،

стр. 1611

بَلْ سَيِّدُكُمْ عَمْرُو بنُ الجَمُوحِ" (١). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ سَيِّدُكُمْ يَا بَنِي سَلِمَةَ؟ ". قَالُوا: سَيِّدُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ جَدُّ بنُ قَيْسٍ. فَقَالَ ﷺ : "بِمَ سَوَّدْتُمُوهُ؟ ". قَالُوا: بِأَنَّهُ أَكْثَرُنَا مَالًا، وَإِنَّا عَلَى ذَلِكَ لَنَزُنُّهُ (٢) بِالبُخْلِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَى مِنَ البُخْلِ؟ ، لَيْسَ ذَاكَ سَيِّدُكُمْ". قَالُوا: فَمَنْ سَيِّدُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ . قَالَ ﷺ : "سَيِّدُكُمْ بِشْرُ بنُ البَرَاءِ بنِ مَعْرُورٍ" (٣). قُلْتُ: وَقَدْ جَمَعَ الحَافِظُ في الفَتْحِ بَيْنَ هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ، فَحَمَلَ قِصَّةَ بِشْرِ بنِ البَرَاءِ بنِ مَعْرُورٍ ﵄ عَلَى أَنَّهَا بَعْدَ اسْتِشْهَادِ عَمْرِو بنِ الجَمُوحِ ﵁ في غَزْوَةِ أُحُدٍ (٤).

стр. 1612

* فَضْلُ مَنْ شَهِدَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ: جَاءَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ في فَضْلِ مَنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَالتِي عُرِفَتْ بِاسْمِ "بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ"؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ بِأَنَّهُ رَضِيَ عَنْ أَصْحَابِهَا فَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ" (١). وَرَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ: "أَنْتُمْ خَيْرُ أَهْلِ الأَرْضِ" (٢). قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: هَذَا صَرِيحٌ في فَضْلِ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ، فَقَدْ كَانَ مِنَ المُسْلِمِينَ إِذْ ذَاكَ جَمَاعَةٌ بِمَكَّةَ، وَبِالمَدِينَةِ، وَبِغَيْرِهِمَا (٣). وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرٍ ﵄ قَالَ: أَنَّ عَبْدًا

стр. 1613

لِحَاطِبِ بنِ أَبِي بَلْتَعَةَ جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﵁ يَشْكُو حَاطِبًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَذَبْتَ لَا يَدْخُلُهَا، فَإِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَالحُدَيْبِيَةَ" (١). وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أُمِّ مُبشِّرٍ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ عِنْدَ حَفْصَةَ ﵂: "لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ الذِين بَايَعُوا تَحْتَهَا". فَقَالَتْ حَفْصَةُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَانتهَرَهَا، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (٢)، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "قَدْ قَالَ اللَّهُ : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ " (٣). وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ". . . وَكُلُّكُمْ مَغْفُورٌ لَهُ، إِلَّا صَاحِبَ الجَمَلِ الأَحْمَرِ" (٤). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ

стр. 1614

الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الحُدَيْبِيَةِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تُوقِدُوا نَارًا بِلَيْلٍ"، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ: "أَوْقِدُوا، وَاصْطَنِعُوا (١)، فَإِنَّهُ لَا يُدْرِكُ قَوْمٌ بَعْدَكُمْ صَاعَكُمْ وَلَا مُدَّكُمْ" (٢). فَهَذِهِ مَكَانَةُ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ الذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَحْتَهَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى في كِتَابِهِ الكَرِيمِ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٣). وَإِنَّنِي لَأُحَاوِلُ اليَوْمَ مِنْ وَرَاءَ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ عَامٍ أَنْ أَسْتَشْرِفَ تِلْكَ اللَّحْظَةَ القُدْسِيَّةَ التِي شَهِدَ فِيهَا الوُجُودُ كُلُّهُ ذَلِكَ التَّبْلِيغَ العُلْوِيَّ الكَرِيمَ مِنَ اللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ إِلَى رَسُولهِ الأَمِينِ عَنْ جَمَاعَةِ المُؤْمِنِينَ. . . أُحَاوِلُ أَنْ أَسْتَشْرِفَ صَفْحَةَ الوُجُودِ في تِلْكَ اللَّحْظَةِ وَضَمِيرَهُ المَكْنُونَ، وَهُوَ يَتَجَاوَبُ جَمِيعُهُ بِالقَوْلِ الإِلَهِيِّ الكَرِيمِ، عَنْ أُولَئِكَ الرِّجَالِ القَائِمِينَ إِذْ ذَاكَ في بُقْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ هَذَا الوُجُودِ. . . وَأُحَاوِلُ أَنْ أَسْتَشْعِرَ بِالذَّاتِ شَيْئًا مِنْ حَالِ أُولَئِكَ السُّعَدَاءَ الذِينَ يَسْمَعُونَ بِآذَانِهِمْ، أَنَّهُمْ هُمْ، بِأَشْخَاصِهِمْ وَأَعْيَانِهِمْ، يَقُولُ اللَّهُ عَنْهُمْ: لَقَدْ رَضِيَ

стр. 1615

عَنْهُمْ، وَيُحَدِّدُ المَكَانَ الذِي كَانُوا فِيهِ، وَالهَيْئَةَ التِي كَانُوا عَلَيْهَا حِينَ اسْتَحَقُّوا هَذَا الرِّضَى: ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾. . . يَسْمَعُونَ هَذَا مِنْ نَبِيِّهِمُ الصَّادِقِ المَصْدُوقِ ﷺ عَلَى لِسَانِ رَبِّهِ العَظِيمِ الجَلِيلِ. يَاللَّهِ! كَيْفَ تَلَقَّوْا -أُولَئِكَ السُّعَدَاءُ- تِلْكَ اللَّحْظَةَ القُدْسِيَّةَ وَذَلِكَ التَّبْلِيغَ الإِلَهِيَّ؟ التَّبْلِيغَ الذِي يُشِيرُ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ، في ذَاتِ نَفْسِهِ، وَيَقُولُ لَهُ: أَنْتَ. أَنْتَ بِذَاتِكَ. يُبَلِّغُكَ اللَّهُ. لَقَدْ رَضِيَ عَنْكَ. وَأَنْتَ تُبَايِعُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ! وَعَلِمَ مَا في نَفْسِكَ. فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْكَ (١). * مَصِيرُ الشَّجَرَةِ: أَمَّا الشَّجَرَةُ التِي تَمَّتِ الْبَيْعَةُ تَحْتَهَا فَقَدْ أَخْفَاهَا اللَّهُ عَنِ النَّاسِ، فَقَدْ رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا -وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ- عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ (٢)، فَقَالَ: انْطَلَقْنَا في قَابِلٍ (٣) حَاجِّينَ، فَخَفِيَ (٤) عَلَيْنَا مَكَانُهَا، فَإِنْ كَانَتْ بُيَّنَتْ لَكُمْ، فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ (٥).
следующие страницы →