← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

بَلْ سَيِّدُكُمْ عَمْرُو بنُ الجَمُوحِ" (١). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ سَيِّدُكُمْ يَا بَنِي سَلِمَةَ؟ ". قَالُوا: سَيِّدُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ جَدُّ بنُ قَيْسٍ. فَقَالَ ﷺ : "بِمَ سَوَّدْتُمُوهُ؟ ". قَالُوا: بِأَنَّهُ أَكْثَرُنَا مَالًا، وَإِنَّا عَلَى ذَلِكَ لَنَزُنُّهُ (٢) بِالبُخْلِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَى مِنَ البُخْلِ؟ ، لَيْسَ ذَاكَ سَيِّدُكُمْ". قَالُوا: فَمَنْ سَيِّدُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ . قَالَ ﷺ : "سَيِّدُكُمْ بِشْرُ بنُ البَرَاءِ بنِ مَعْرُورٍ" (٣). قُلْتُ: وَقَدْ جَمَعَ الحَافِظُ في الفَتْحِ بَيْنَ هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ، فَحَمَلَ قِصَّةَ بِشْرِ بنِ البَرَاءِ بنِ مَعْرُورٍ ﵄ عَلَى أَنَّهَا بَعْدَ اسْتِشْهَادِ عَمْرِو بنِ الجَمُوحِ ﵁ في غَزْوَةِ أُحُدٍ (٤).

стр. 1612

* فَضْلُ مَنْ شَهِدَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ: جَاءَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ في فَضْلِ مَنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَالتِي عُرِفَتْ بِاسْمِ "بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ"؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ بِأَنَّهُ رَضِيَ عَنْ أَصْحَابِهَا فَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ" (١). وَرَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ: "أَنْتُمْ خَيْرُ أَهْلِ الأَرْضِ" (٢). قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: هَذَا صَرِيحٌ في فَضْلِ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ، فَقَدْ كَانَ مِنَ المُسْلِمِينَ إِذْ ذَاكَ جَمَاعَةٌ بِمَكَّةَ، وَبِالمَدِينَةِ، وَبِغَيْرِهِمَا (٣). وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرٍ ﵄ قَالَ: أَنَّ عَبْدًا

стр. 1613

لِحَاطِبِ بنِ أَبِي بَلْتَعَةَ جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﵁ يَشْكُو حَاطِبًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَذَبْتَ لَا يَدْخُلُهَا، فَإِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَالحُدَيْبِيَةَ" (١). وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أُمِّ مُبشِّرٍ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ عِنْدَ حَفْصَةَ ﵂: "لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ الذِين بَايَعُوا تَحْتَهَا". فَقَالَتْ حَفْصَةُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَانتهَرَهَا، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (٢)، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "قَدْ قَالَ اللَّهُ : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ " (٣). وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ". . . وَكُلُّكُمْ مَغْفُورٌ لَهُ، إِلَّا صَاحِبَ الجَمَلِ الأَحْمَرِ" (٤). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ

стр. 1614

الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الحُدَيْبِيَةِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تُوقِدُوا نَارًا بِلَيْلٍ"، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ: "أَوْقِدُوا، وَاصْطَنِعُوا (١)، فَإِنَّهُ لَا يُدْرِكُ قَوْمٌ بَعْدَكُمْ صَاعَكُمْ وَلَا مُدَّكُمْ" (٢). فَهَذِهِ مَكَانَةُ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ الذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَحْتَهَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى في كِتَابِهِ الكَرِيمِ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٣). وَإِنَّنِي لَأُحَاوِلُ اليَوْمَ مِنْ وَرَاءَ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ عَامٍ أَنْ أَسْتَشْرِفَ تِلْكَ اللَّحْظَةَ القُدْسِيَّةَ التِي شَهِدَ فِيهَا الوُجُودُ كُلُّهُ ذَلِكَ التَّبْلِيغَ العُلْوِيَّ الكَرِيمَ مِنَ اللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ إِلَى رَسُولهِ الأَمِينِ عَنْ جَمَاعَةِ المُؤْمِنِينَ. . . أُحَاوِلُ أَنْ أَسْتَشْرِفَ صَفْحَةَ الوُجُودِ في تِلْكَ اللَّحْظَةِ وَضَمِيرَهُ المَكْنُونَ، وَهُوَ يَتَجَاوَبُ جَمِيعُهُ بِالقَوْلِ الإِلَهِيِّ الكَرِيمِ، عَنْ أُولَئِكَ الرِّجَالِ القَائِمِينَ إِذْ ذَاكَ في بُقْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ هَذَا الوُجُودِ. . . وَأُحَاوِلُ أَنْ أَسْتَشْعِرَ بِالذَّاتِ شَيْئًا مِنْ حَالِ أُولَئِكَ السُّعَدَاءَ الذِينَ يَسْمَعُونَ بِآذَانِهِمْ، أَنَّهُمْ هُمْ، بِأَشْخَاصِهِمْ وَأَعْيَانِهِمْ، يَقُولُ اللَّهُ عَنْهُمْ: لَقَدْ رَضِيَ

стр. 1615

عَنْهُمْ، وَيُحَدِّدُ المَكَانَ الذِي كَانُوا فِيهِ، وَالهَيْئَةَ التِي كَانُوا عَلَيْهَا حِينَ اسْتَحَقُّوا هَذَا الرِّضَى: ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾. . . يَسْمَعُونَ هَذَا مِنْ نَبِيِّهِمُ الصَّادِقِ المَصْدُوقِ ﷺ عَلَى لِسَانِ رَبِّهِ العَظِيمِ الجَلِيلِ. يَاللَّهِ! كَيْفَ تَلَقَّوْا -أُولَئِكَ السُّعَدَاءُ- تِلْكَ اللَّحْظَةَ القُدْسِيَّةَ وَذَلِكَ التَّبْلِيغَ الإِلَهِيَّ؟ التَّبْلِيغَ الذِي يُشِيرُ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ، في ذَاتِ نَفْسِهِ، وَيَقُولُ لَهُ: أَنْتَ. أَنْتَ بِذَاتِكَ. يُبَلِّغُكَ اللَّهُ. لَقَدْ رَضِيَ عَنْكَ. وَأَنْتَ تُبَايِعُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ! وَعَلِمَ مَا في نَفْسِكَ. فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْكَ (١). * مَصِيرُ الشَّجَرَةِ: أَمَّا الشَّجَرَةُ التِي تَمَّتِ الْبَيْعَةُ تَحْتَهَا فَقَدْ أَخْفَاهَا اللَّهُ عَنِ النَّاسِ، فَقَدْ رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا -وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ- عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ (٢)، فَقَالَ: انْطَلَقْنَا في قَابِلٍ (٣) حَاجِّينَ، فَخَفِيَ (٤) عَلَيْنَا مَكَانُهَا، فَإِنْ كَانَتْ بُيَّنَتْ لَكُمْ، فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ (٥).

стр. 1616

وَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: رَجَعْنَا مِنَ العَامِ المُقْبِلِ، فَمَا اجْتَمَعَ مِنَّا اثْنَانِ عَلَى الشَّجَرَةِ التِي بَايَعْنَا تَحْتَهَا، فَكَانَتْ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ (١). قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَالحِكْمَةُ في إِخْفَائِهَا أَنْ لَا يَحْصُلَ بِهَا افْتِنَانٌ لِمَا وَقَعَ تَحْتَهَا مِنَ الخَيْرِ، فَلَوْ بَقِيَتْ لَمَا أُمِنَ تَعْظِيمُ بَعْضِ الجُهَّالِ لَهَا حَتَّى رُبَّمَا أَفْضَى بِهِمْ إِلَى اعْتِقَادِ أَنَّ لَهَا قُوَّةَ نَفْعٍ أَوْ ضُرٍّ كَمَا نراهُ الآنَ مُشَاهَدًا فِيمَا هُوَ دُونَهَا (٢). * رِوَايَةُ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: وَجَاءَ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ مَا يُخَالِفُ مَا ثَبَتَ عَنِ المُسَيَّبِ بنِ حَزْنٍ وَالِدِ سَعِيدٍ، فَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيهِمَا عَنْهُ ﵁ أَّنَّهُ قَالَ: لَوْ كُنْتُ أُبْصِرُ اليَوْمَ (٣) لَأَرَيْتُكُمْ مَكَانَ الشَّجَرَةِ (٤).

стр. 1617

قُلْتُ: لَعَلَّ جَابِرًا ﵁ إِنَّمَا قَالَ مَا قَالَ بِنَاءً عَلَى مَا كَانَ يَظُنُّهُ مِنْ مَوْضِعِ الشَّجَرَةِ، وَهَذِهِ الشَّجَرَةُ التِي تَوَهَّمَ النَّاسُ أَنَّهَا هِيَ التِي تَمَّتْ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ تَحْتَهَا قَدْ أَمَرَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ في خِلَافَتِهِ بِقَطْعِهَا، فَقَدْ رَوَى ابنُ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ بِسَنَدٍ صحِيحٍ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَأْتُونَ الشَّجَرَةَ التِي يُقَالُ لَهَا: شَجَرَةَ الرِّضْوَانِ التِي بُويِعَ تَحْتَهَا فيصَلُّونَ عِنْدَهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ فَأَوْعَدَهُمْ فِيهَا، وَأَمَرَ بِهَا فَقُطِعَتْ (١). قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الغَزَالِي: وَقَدْ قُطِعَتِ الشَّجَرَةُ وَنُسِيَ مَكَانُهَا، وَذَلِكَ خَيْرٌ، فَلَوْ بَقِيَتْ لَضُرِبَتْ عَلَيْهَا قُبَةٌ، وَشُدَّتْ إِلَيْهَا الرِّحَالُ، فَإِنَّ الرِّعَاعَ (٢) سِرَاعُ التَّعَلُّقِ بِالمَوَادِّ وَالآثَارِ التِي تَقْطَعُهُمْ عَنِ اللَّهِ (٣). * رُجُوعُ عُثْمَانَ ﵁ -: وَلَمَّا تَمَّتِ البَيْعَةُ رَجَعَ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ ﵁ إِلَى المُسْلِمِينَ. * مَاذَا فَعَلَتْ قُرَيْشٌ لَمَّا عَلِمَتْ بِهَذِهِ البَيْعَةِ ؟ : وَلَمَّا عَلِمَتْ قُرَيْشٌ بِهَذ البَيْعَةِ خَافُوا، وَرَغِبَ أَهْلُ الرَّأْي فِيهِمْ بِالصُّلْحِ، بَيْنَمَا رَأَى بَعْضُهُمُ اللُّجُوءَ إِلَى الحَرْبِ فَقَرَّرُوا أَنْ يَتَسَلَّلُوا لَيْلًا إِلَى مُعَسْكَرِ المُسْلِمِينَ، ويُحْدِثُوا أَحْدَاثًا تُشْعِلُ نَارَ الحَرْبِ، فَخَرَجَ ثَمَانُونَ رَجُلًا مِنْهُمْ

стр. 1618

مُتَسَلِّحِينَ، فَهَبَطُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ جَبَلِ التَّنْعِيمِ، وَحَاوَلُوا التَّسَلُّلَ إِلَى مُعَسْكَرِ المُسْلِمِينَ لِيُصِيبُوا مِنْهُمْ أَحَدًا، أَوْ يَجِدُوا مِنْهُمْ غِرَّةً (١)، غَيْرَ أَنَّ مُحَمَّدَ بنَ مَسْلَمَةَ ﵁ قَائِدَ حَرَسِ المُسْلِمِينَ كَانَ مُتيَقِّظًا، فَأَسَرُوا الثَّمَانِينَ رَجُلًا جَمِيعًا (٢)، فَأَتَى بِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَلْ جِئْتُمْ في عَهْدِ أَحَدٍ، أَوْ هَلْ جَعَلَ لَكُمْ أَحَدٌ أَمَانًا؟ ". قَالُوا: لَا، فَخَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَبِيلَهُمْ وَعَفَا عَنْهُمْ جَمِيعًا، رَغْبَةً مِنْهُ ﷺ في الصُّلْحِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ لِقِتَالٍ، وَفِي ذَلِكَ نَزَلَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ (٣). * كِتَابَةُ الصُّلْحِ وَبُنُودُهُ: وَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ بَعَثَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُهَيْلَ بنَ عَمْرٍو، وَمَعَهُ حُوَيْطِبُ بنُ عَبْدِ العُزَّى، وَمِكْرَزُ بنُ حَفْصٍ، وَقَالُوا لَهُ: ائْتِ مُحَمَّدًا فَصَالِحْهُ، وَلَا يَكُونُ في صُلْحِهِ إِلَّا أَنْ يَرْجعَ عَنَّا عَامَهُ هَذَا، فَوَاللَّهِ لَا تَتَحَدَّثُ العَرَبُ عَنَّا،

стр. 1619

أَنَّهُ دَخَلَهَا عَلَيْنَا عَنْوَةً (١) أَبَدًا. فَأَتَاهُ سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: "قَدْ سَهُلَ لَكُمْ أَمْرَكمْ، أَرَادَ القَوْمُ الصُّلْحَ حِينَ بَعَثُوا هَذَا الرَّجُلَ"، فَلَمَّا انْتَهَى سُهَيْلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَكَلَّمَا، وَأَطَالَا الكَلَامَ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا تَرَاجَعَا بِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: "تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ البَيْتِ فَنَطُوفَ بِهِ". فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللَّهِ لَا تَتَحَدَّثُ العَرَبُ أنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً (٢)، وَلَكِنْ ذَلِكَ مِنَ العَامِ المُقْبِلِ، ثُمَّ اتَّفَقَا عَلَى شُرُوطِ الصُّلْحِ. ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁، لِيَكْتُبَ الكِتَابَ، فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ : "اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، فَقَالَ سُهَيْل: أَمَّا "الرَّحْمَنُ"، فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا هِيَ، وَلَكِنْ اكْتُبْ "بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ"، فَقَالَ المُسْلِمُونَ: وَاللَّهِ لَا نَكْتُبُهَا إِلَّا "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ : "اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَذَا مَا قَاضَى (٣) عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ سُهَيْلَ بنَ عَمْرٍو"، فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللَّهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ البَيْتِ وَلَا قَاتَلْنَاكَ (٤)، وَلَكِنْ اكْتُبِ اسْمَكَ وَاسْمَ. . . . .

стр. 1620

أَبِيكَ (١)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَاللَّهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُوني"، ثُمَّ قَالَ ﷺ لِعَلِيٍّ: "امْحُهُ"، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: لَا وَاللَّهِ! لَا أَمْحَاهَا (٢). فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَرِنِي مَكَانَهَا"، فَمَحَاهَا بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ ﷺ (٣)، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ ﵁: "أَمَا إِنَّ لَكَ مِثْلَهَا، سَتَأْتِيهَا وَأَنْتَ مُضْطَرٌّ" (٤). وَلَمَّا فَرَغَ عَلِيٌّ ﵁ مِنْ كِتَابَةِ الشُّرُوطِ، أَشْهَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الكِتَابِ رِجَالًا مِنَ المُسْلِمِينَ وَهُمْ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَعُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، وَعُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ، وَسَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ،

стр. 1621

وَمُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ ﵃ أَجْمَعِينَ. وَشَهِدَ مِنَ المُشْرِكِينَ: حُوَيْطِبُ بنُ عَبْدِ العُزَّى، وَمِكْرَزُ بنُ حَفْصٍ، وَكُتِبَتْ هَذِهِ الشُّرُوطَ عَلَى نُسْخَتَيْنِ، نُسْخَةٍ لِلرَّسُولِ ﷺ ، ونُسْخَةٍ لِقُرَيْشٍ (١). * بُنُودُ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ: ١ - يَرْجعُ مُحَمَّدٌ ﷺ عَامَهُ هَذَا، فَلَا يَدْخُلُ مَكَّةَ، وَإِذَا كَانَ العَامُ القَابِلُ دَخَلَهَا المُسْلِمُونَ، فَأَقَامُوا بِهَا ثَلَاثًا، مَعَهُمْ سِلَاحُ الرَّاكِبِ، وَهِيَ السُّيُوفُ في القُرُبِ (٢)، وَلَا تَتَعَرَّضُ قُرَيْشٌ لَهُمْ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الأَذَى (٣). ٢ - وَضْعُ الحَرْبِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ عَشْرَ سِنِينَ، يَأْمَنُ فِيهِنَّ النَّاسُ، وَيَكُفُّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ (٤). ٣ - مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ في عَقْدِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَعَهْدِهِ دَخَلَ فِيهِ، ومَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ في عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ دَخَلَ فِيهِ، وَتُعْتَبَرُ القَبِيلَةُ التِي تَنْضَمُّ إِلَى أَيِّ الفَرِيقَيْنِ جُزْءًا مِنْ ذَلِكَ الفَرِيقِ، فَأَيُّ عُدْوَانٍ تَتَعَرَّضُ لَهُ أَيٌّ مِنْ هَذِهِ

стр. 1622

القَبَائِلِ يُعْتَبَرُ عُدْوَانًا عَلَى ذَلِكَ الفَرِيقِ. فتَوَاثَبَتْ خُزَاعَةُ، فَقَالُوا: نَحْنُ مَعَ عَقْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَهْدِهِ، وَتَوَاثَبَتْ بَنُو بَكْرٍ، فَقَالُوا: نَحْنُ في عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ (١). ٤ - مَنْ أتَى مُحَمَّدًا ﷺ مِنْ أَصْحَابِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ وَليِّهِ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ، وَمَنْ أَتَى قُرَيْشًا مِمَّنْ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ هَذَا أَشَدَّ شَرْطٍ عَلَى المُسْلِمِينَ (٢). ٥ - أَنَّ بَيْنَنَا -أَيْ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ- عَيْبَةٌ مَكْفُوفَةٌ (٣)، وأَنَّهُ لَا إِسْلَالَ (٤)، وَلَا إِغْلَالَ (٥).

стр. 1623

* رَدُّ أَبِي جَنْدَلٍ ﵁ -: وَبَيْنَمَا الكِتَابُ يُكْتَبُ إِذْ جَاءَ أَبُو جَنْدَلِ بنِ سُهَيْلِ بنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ (١) في قُيُودِهِ مُتَوَشِّحًا (٢) سَيْفَهُ، وَقَدْ خَرَجَ مِنْ أسْفلِ مَكَّةَ حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ المُسْلِمِينَ، فَلَمَّا رَأَى سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو ابْنَهُ أَبَا جَنْدَلٍ قَامَ إِلَيْهِ فَضَرَبَ وَجْهَهُ وَأَخَذَ بِتَلْبِيبِهِ (٣)، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ هَذَا أَوَّلُ مَا أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَيَّ. فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ : "إنَّا لَمْ نَقْضِ الكِتَابَ بَعْدُ"، فَقَالَ سُهَيْل: فَوَاللَّهِ إِذًا لَمْ أُصَالِحْكَ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لم ﷺ : "فَأَجِزْهُ لِي" (٤)، قَالَ: مَا أَنَا بِمُجِيزِهِ لَكَ، فَقَالَ ﷺ : "بَلَى فَافْعَلْ"، قَالَ سُهَيْلٌ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، فَقَالَ مِكْرَزٌ: بَلَى قَدْ أَجَزْنَاهُ لَكَ (٥). وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ في مُسْنَدِهِ قَالَ سُهَيْل لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَمَا جَاءَ أَبُو جَنْدَلٍ يَرْسُفُ في قيُودِهِ-: يَا مُحَمَّدُ! قَدْ لَجَّتِ (٦) القَضِيَّةُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيكَ هَذَا.

стр. 1624

فَقَالَ ﷺ : "صَدَقْتَ"، فَقَامَ سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو إِلَى ابْنِهِ أَبِي جَنْدَلٍ، فَأَخَذَهُ بِتَلْبِيبِهِ، وَيَجُرُّهُ لِيَرُدَّهُ إِلَى قُرَيْشٍ (١). وَأَخَذَ أَبُو جَنْدَلٍ ﵁ يَصْرَخُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، أُرَدُّ إِلَى المُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا؟ أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ لَقِيتُ؟ وَكَانَ ﵁ قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا في اللَّهِ (٢). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، قَالَ أَبُو جَنْدَلٍ ﵁: يَا مَعَاشِرَ المُسْلِمِينَ، أَتَرُدُّونَنِي إِلَى أَهْلِ الشِّرْكِ، فَيَفْتِنُونِي في دِينِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا أَبَا جَنْدَلٍ، اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَكَ وَلِمَنْ مَعَكَ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، إِنَّا قَدْ عَقَدْنَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ القَوْمِ صُلْحًا، فَأَعْطَيْنَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَأَعْطَوْنَا عَلَيْهِ عَهْدًا، وَإِنَّا لَنْ نَغْدِرَ بِهِمْ" (٣). * مَوْقِفُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ مِنْ أَبِي جَنْدَلٍ ﵁ -: فَهُنَا وَثَبَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ إِلَى أَبِي جَنْدَلٍ ﵁ وَجَعَلَ يَمْشِي إِلَى

стр. 1625

جَنْبِهِ وَيَقُولُ لَهُ: اصْبِرْ يَا أبَا جَنْدَلٍ، فَإِنَّمَا هُمُ المُشْرِكُونَ، وَإِنَّمَا دَمُ أَحَدِهِمْ دَمُ كَلْبٍ، وَيُدْنِي قَائِمَ السَّيْفِ (١) مِنْهُ، يَقُولُ عُمَرُ ﵁: رَجَوْتُ أَنْ يَأْخُذَ السَّيْفَ فَيَضْرِبَ بِهِ أَبَاهُ، فَضَنَّ (٢) الرَّجُلُ بِأَبِيهِ، وَنَفَدَتِ القَضِيَّةُ (٣). أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ (٤)، وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ - ﷺ لَرَدَدْتُهُ (٥). قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: ذَكَرَ سَهْلُ بنُ حُنَيْفٍ ﵁ مَا وَقَعَ لَهُمْ بِالحُدَيْبِيَةِ، وَأَنَّهُمْ رَأَوْا يَوْمَئِذٍ أَنْ يَسْتَمِرُّوا عَلَى القِتَالِ وَيُخَالِفُوا مَا دُعُوا إِلَيْهِ مِنَ الصُّلْحِ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الأَصْلَحَ هُوَ الذِي كَانَ شَرَعَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ (٦). * حُزْنُ المُسْلِمِينَ مِنْ شرُوطِ الصُّلْحِ وَمَوْقِفُ عُمَرَ ﵁ -: وَلَمْ يَكُنْ أَحَد مِنَ المُسْلِمِينَ رَاضِيًا عَلَى هَذَا الصُّلْحِ، إِلَّا أَبُو بَكْرٍ

стр. 1626

الصِّدِّيقُ ﵁، وَغَلَبَ عَلَيْهِمُ الحُزْنُ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا خَرَجُوا مِنَ المَدِينَةِ وَهُمْ لَا يَشُكُّونَ في دُخُولهِمْ مَكَّةَ، وَطَوَافِهِمْ بِالبَيْتِ لِلرُّؤْيَا التِي رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا رَأَوْا مِنَ الصُّلْحِ وَالرُّجُوعِ، وَعَدَمِ العُمْرَةِ هَذَا العَامِ، دَخَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ أَمْرٌ عَظِيمٌ حَتَّى كَادُوا يَهْلَكُونَ، وَخُصُوصًا الشَّرْطُ الذِي يَقُولُ: مَنْ جَاءَ مِنْ قُرَيْشٍ مُسْلِمًا يُرَدُّ إِلَى المُشْرِكِينَ. وَكَانَ أَشَدَّ المُسْلِمِينَ اسْتِيَاءً وَحُزْنًا مِنْ هَذَا الصُّلْحِ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁، فَإِنَّهُ لَمَّا الْتَأَمَ الأَمْرُ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الكِتَابُ، ذَهَبَ عُمَر ﵁ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ وَقَالَ لَهُ: أَلسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟ قَالَ: "بَلَى". قَالَ عُمَرُ: أَلسْنَا عَلَى الحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى البَاطِلِ (١)؟ قَالَ ﷺ : "بَلَى" فَقَالَ عُمَرُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ (٢) في دِينِنَا إِذًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَسْتُ أَعْصِيهِ، وَهُوَ نَاصِرِي" (٣) فَقَالَ عُمَرُ: أَوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَّنا سَنَأْتِي البَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟

стр. 1627

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَلَى، فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ العَامَ"؟ قَالَ عُمَرُ: لَا. فَقَالَ ﷺ : "فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَوِّفٌ بِهِ". قَالَ عُمَرُ: فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَوَلَيْسَ هَذَا نَبِيُّ اللَّهِ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى. فَقَالَ عُمَرُ: أَلسْنَا عَلَى الحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى البَاطِلِ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى. فَقَالَ عُمَرُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دِينِنَا إِذًا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَيُّهَا الرَّجُلُ، إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ، وَهُوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ (١) فَوَاللَّهِ إِنَّهُ عَلَى الحَقِّ. فَقَالَ عُمَرُ: أَليْسَ كَانَ يُحَدِّثُنَا أنَّا سَنَأْتِي البَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ العَامَ؟ قَالَ عُمَرُ: لَا. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: فَإِنَّكَ آتِيهَ وَمُطَوِّفٌ بِهِ (٢).

стр. 1628

قُلْتُ: هَكَذَا وَقَعَ في الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوَّلًا ثُمَّ أَتَى بَعْدَهُ أَبَا بَكْرٍ ﵁، وَوَقَعَ في مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ (١) بِسَنَدٍ حَسَنٍ أَنَّ عُمَرَ ﵁ أتَى أَبَا بَكْرٍ ﵁ أَوَّلًا، ثُمَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَهُ، وَهَذَا هُوَ الأَوْلَى، ويُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ المَحْفُوظَ، فَإِنَّهُ لَا يُظَنُّ بِعُمَرَ ﵁ أَنْ يَقُولَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَوْلًا فَلَا يَرْضَى بِهِ، حَتَّى يَأْتِيَ أبَا بَكْرٍ ﵁ بَعْدَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَلَمَّا نَزَلَتْ سُورَةُ الفَتْحِ، أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى عُمَرَ ﵁ فَقَرَأَهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَتْحٌ هُوَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ"، فَطَابَتْ نَفْسُ عُمَرَ ﵁ (٢).

стр. 1629

فَكَانَ عُمَرُ ﵁ يَقُولُ: مَا زِلْتُ أَصُومُ وَأَتَصَدَّقُ وَأُصَلِّي وَأُعْتِقُ مِنَ الذِي صَنَعْتُ، مَخَافَةَ كَلَامِي الذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ يَوْمَئِذٍ حَتَّى رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ خَيْرًا (١). * تَحَلُّلُ الرَّسُولِ مِنَ الإِحْرَامِ وَأَمْرُهُ المُسْلِمِينَ بِذَلِكَ: وَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قَضِيَّةِ الكِتَابِ، قَالَ لِأَصْحَابِهِ: "قُومُوا، فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا"، فَمَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ، حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ. قَالَتْ ﵂: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ اخْرُجْ، ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ، فَيَحْلِقَكَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ، نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ خِرَاشَ بنَ أُمَيَّةَ ﵁ (٢) فَحَلَقَ رَأْسَهُ الشَّريفَةَ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلكَ قَامُوا فنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهْمُ يَحْلقُ بَعْضًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا (٣). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَفِي هَذَا المَوْقِفِ مِنَ الفَوَائِدِ:

стр. 1630

١ - فَضْلُ المَشُورَةِ. ٢ - وَأَنَّ الفِعْلَ إِذَا انْضَمَّ إِلَى القَوْلِ كَانَ أَبْلَغَ مِنَ القَوْلِ المُجَرَّدِ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ الفِعْلَ مُطْلَقًا أَبْلَغُ مِنَ القَوْلِ. ٣ - وَفِيهِ جَوَازُ مُشَاوَرَةِ المَرْأَةِ الفَاضِلَةِ. ٤ - وَفِيهِ فَضْلُ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ وَوُفُورُ عَقْلِهَا، حَتَّى قَالَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ: لَا نَعْلَمُ امْرَأَةً أَشَارَتْ بِرَأْيٍ فَأَصَابَتْ إِلَّا أُمَّ سَلَمَةَ، كَذَا قَالَ، وَقَدِ اسْتَدْرَكَ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ بِنْتَ شُعَيْبٍ ﵇ في أَمْرِ مُوسَى ﵇ (١). * الدُّعَاءُ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا وَالمُقَصِّرِينَ مَرَّةً: ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا، وَللْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: حَلَقَ رِجَالٌ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، وَقَصَّرَ آخَرُوَن، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَرْحَمُ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالمُقَصِّرِينَ، قَالَ: "يَرْحَمُ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالمُقَصِّرِينَ، قَالَ: "يَرْحَمُ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ"، قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ وَالمُقَصِّرِينَ؟ ، قَالَ ﷺ : "وَالمُقَصِّرِينَ"، قَالُوا: فَمَا بَالُ المُحَلِّقِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ظَاهَرْتَ لَهُمُ التَّرَحُّمَ؟

стр. 1631

قَالَ: "لَمْ يَشُكُّوا" (١). قَالَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فَكَانَ في هَذَا الحَدِيثِ تَفْضِيلُ المُحَلِّقِينَ عَلَى المُقَصِّرِينَ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشُكُّوا، فَكَانَ في ذَلِكَ إِثْبَاتُ الشَّكِّ عَلَى المُقَصِّرِينَ، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمَا كَانَ شَكُّ المُقَصِّرِينَ في ذَلِكَ؟ لِأَنَهُ كَانَ في قُلُوبِهِمْ أَنَّهُمْ رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَلَقَ في غَيْرِ مَوْضِعِ الحَلْقِ الذِي كَانُوا يَعْلَمُونَ الحَلْقَ فِيهِ، وَيَقِفُونَ عَلَيْهِ مِنْ شَرِيعَتِهِ، وَقَدْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُونَ اقْتِدَاؤُهُمْ وَاتِّبَاعُهُمْ لَهُ ﷺ فِيمَا رَأَوْهُ يَفْعَلُهُ أَوْثَقَ فِي قُلُوبِهِمْ مِمَّا تَقَدَّمَ عِلْمُهُمْ لَهُ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَكَانُوا بِذَلِكَ مُقَصِّرِينَ في الوَاجِبِ لَهُ عَلَيْهِمْ ﷺ في ذَلِكَ، وَكَانَ الحَالِقُونَ فَاعِلِينَ لِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنِ امْتِثَالِ فِعْلِهِ ﷺ ، وَتَرْكِ التَّخَلُّفِ عَنِ القُدْوَةِ بِهِ، فَفَضَلُوا بِذَلِكَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ مِثْلِهِ، لَا لِفَضْلٍ في الحَلْقِ عَلَى التَّقْصِيرِ (٢). * نَحْرُ الهَدْيِ: ثُمَّ نَحَرَ الصَّحَابَةُ ﵃ الهَدْيَ، فكَانَتِ البَدَنَةُ (٣) عَنْ سَبْعَةٍ، وَالبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِم في صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ البَدَنَةَ عَنْ

стр. 1632

سَبْعَةٍ، وَالبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ (١). * نُزُولُ آيَةِ الفِدْيَةِ: وَفِي عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ أنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةَ الفِدْيَةِ في شَأْنِ كَعْبِ بنِ عُجُرَةَ ﵁، وَذَلِكَ بِسَبَبِ هَوَامِّ رَأْسِهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا وَالإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ -وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ- عَنْ كَعْبِ بنِ عُجُرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالحُدَيْبِيَةِ ونَحْنُ مُحْرِمُونَ، وَقَدْ حَصَرَنَا المُشْرِكُونَ، وَكَانَتْ لِي وَفْرَةٌ (٢)، فَجَعَلَتِ الهَوَامُّ تَسَّاقَطُ عَلَى وَجْهِي (٣)، فَمَرَّ بِيَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: "أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ" (٤)؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِقَ، قَالَ كَعْبٌ ﵁: وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٥) فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "صُمْ ثَلَاثَ أَيَّامٍ، أَوْ تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ (٦) بَيْنَ سِتَّةٍ مَسَاكِينَ، أَوْ انْسُكْ (٧) مَا تيَسَّرَ" (٨).

стр. 1633

قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنِ احْتَاجَ إِلَى حَلْقِ الرَّأْسِ لِضَرَرٍ مِنْ قَمْلٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِمَا فَلَهُ حَلْقُهُ في الإِحْرَامِ وَعَلَيْهِ الفِدْيَةُ. . . وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الصِّيَامِ ثَلَاثَ أَيَّامٍ، أَوِ الصَّدَقَةِ ثَلَاثَ آصُعٍ لِسِتَّةِ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ، أَوِ النُّسُكُ وَهِيَ شَاهٌ تُجْزِئُ في الأُضْحِيَةِ (١). * رُجُوعُ الرَّسُولِ ﷺ إِلَى الَمَدِينَةِ وَنُزُولُ سُورَةِ الفَتحِ: ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ، بَعْدَ أَنْ أَقَامَ بِالحُدَيْبِيَةِ نَحْوَ عِشْرِينَ يَوْمًا (٢)، فَلَمَّا وَصَلَ الرَّسُولُ ﷺ إِلَى كُرَاعِ الغَمِيمِ (٣) بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةَ، وَقِيلَ: بِضَجْنَانَ (٤)، نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الفَتْحِ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا

стр. 1634

وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (١). أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ. . . وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَعَرَفْنَا ذَاكَ فِيهِ، قَالَ: فتَنَحَّى مُنْتَبِذًا (٢) خَلْفَنَا، فَجَعَلَ يُغَطِّي رَأْسَهُ بِثَوْبِهِ، وَيَشْتَدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، حَتَّى عَرَفْنَا أَنَّهُ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَأَتَانَا، فَأَخْبَرَنَا أَنَّهُ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (٣). وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَرْجِعَهُ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (٤)، وَأَصْحَابُهُ يُخَالِطُونَ الحُزْنَ وَالكَآبَةَ، قَدْ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نُسُكِهِمْ (٥)، وَنَحَرُوا الهَدْيَ بِالحُدَيْبِيَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا" (٦)، فَقَرَأَهَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ،

стр. 1635

فَقَالَ رَجُل مِنَ القَوْمِ: هَنِيئًا مَرِيئًا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَنَا مَا يَفْعَلُ بِكَ، فَمَاذَا يَفْعَلُ بِنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (١). فَبَيَّنَ اللَّهُ مَا يَفْعَلُ بِنَبِيِّهِ ﷺ ، وَمَاذَا يَفْعَلُ بِهِمْ (٢). * قِرَاءَةُ الرَّسُولِ ﷺ سُورَةَ الفَتْحِ عَلَى عُمَرَ ﵁ -: فَلَمَّا نَزَلَتْ سُورَةُ الفَتْحِ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ وَقَرَأَهَا عَلَيْهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: . . . فنَزَلَ القُرْآنُ (٣) عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالفَتْحِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ فَأَقْرَأَهُ إِيَّاهُ. فَقَالَ عُمَرُ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَوَفَتْحٌ هُوَ؟ فَقَالَ ﷺ : "نَعَمْ"، فَطَابَتْ نَفْسُهُ ﵁ وَرَجَعَ (٤).

стр. 1636

* الحُدَيْبِيَةُ أَعْظَمُ فَتْحٍ في الإِسْلَامِ: قَالَ ابنُ القَيِّمِ: فَصْلٌ في الإِشَارَةِ إِلَى بَعْضَ الحِكَمِ التِي تَضَمَّنَتْهَا هَذِهِ الهُدْنَةُ، وَهِيَ أَكْبَرُ وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يُحِيطَ بِهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى الذِي أَحْكَمَ أَسْبَابَهَا، فَوَقَعَتْ الغَايَةُ عَلَى الوَجْهِ الذِي اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ وحَمْدُهُ (١). رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ في قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، قَالَ: الحُدَيْبِيَةُ (٢). وَقَالَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ: أَجْمَعَ النَّاسُ أَنَّ الفَتْحَ المَذْكُورَ في الآيَةِ التِي تَلَوْنَاهَا (٣) هُوَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الحُدَيْبِيَةِ مِنَ الصُّلْحِ الذِي كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ أَهْلِ مَكَّةَ مَا كَانَ سَبَبًا لِفَتْحِهَا (٤). وَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: تَعُدُّونَ أَنْتُمْ الفَتْحَ فَتْحَ مَكَّةَ، وَقَدْ كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ فَتْحًا، وَنَحْنُ نَعُدُّ الفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ (٥).

стр. 1637

قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَالمُرَادُ بِالفَتْحِ في هَذِهِ الآيَةِ هُوَ صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ، فَإِنَّهُ حَصَلَ بِسَبَبِهِ خَيْرٌ جَزِيلٌ، وَآمَنَ النَّاسُ وَاجْتَمَعَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَتَكَلَّمَ المُؤْمِنُ مَعَ الكَافِرِ، وَانْتَشَرَ العِلْمُ النَّافِعُ وَالإِيمَانُ (١). وَقَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: المُرَادُ بِالفَتْحِ هُنَا الحُدَيْبِيَةُ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَبْدَأَ الفَتْحِ المُبِينِ عَلَى المُسْلِمِينَ، لِمَا تَرَتَّبَ عَلَى الصُّلْحِ الذِي وَقَعَ مِنْهُ الأَمْنُ، وَرَفْعُ الحَرْبِ، وَتَمَكُّنُ مَنْ يَخْشَى الدُّخُولَ في الإِسْلَامِ، وَالوُصُولَ إِلَى المَدِينَةِ مِنْ ذَلِكَ كَمَا وَقَعَ لِخَالِدِ بنِ الوَليدِ وَعَمْرِو بنِ العَاصِ ﵄ وَغَيْرِهِمَا، ثُمَّ تَبِعَتِ الأَسْبَابُ بَعْضُهَا بَعْضًا إِلَى أَنْ كَمُلَ الفَتْحُ، وَقَدْ ذَكَرَ ابنُ إِسْحَاقَ (٢) في المَغَازِي عَنِ الزُّهْرِيِّ قَوْلَهُ: لَمْ يَكُنْ في الإِسْلَامِ فَتْحٌ قَبْلَ فَتْحِ الحُدَيْبِيَةِ أَعْظَمَ مِنْهُ. وَأَمَّا قَوْلَهُ تَعَالَى في سُورَةِ الفَتْحِ: ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٣)، فَالمُرَادُ بِهَا فتحُ خَيْبَرَ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهَا هِيَ التِي وَقَعَتْ فِيهَا المَغَانِمُ الكَثِيرَةُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ في قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، قَالَ: صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ، وَغُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ، وتَبَايَعُوا بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، وَأُطْعِمُوا نَخِيلَ خَيْبَرَ، وَظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى الفُرْسِ (٤)، وَفَرِحَ المُسْلِمُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ.

стр. 1638

وَأَمَّا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (١)، فَالمُرَادُ الحُدَيْبِيَةُ، وَأَمَّا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (٢)، وَقَوْلُه ﷺ : "لَا هِجَرْةَ بَعْدَ الفَتْحِ" (٣)، فَالمُرَادُ بِهِ فتحُ مَكَّةَ بِاتِّفَاقٍ، فَبِهَذَا يَرْتَفِعُ الإِشْكَالُ، وَتُجْمَعُ الأَقْوَالُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى (٤). قُلْتُ: وَتُعَدُّ الحُدَيْبِيَةُ فَتْحًا لِلْآتِي: ١ - قَالَ ابنُ هِشَامٍ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الحُدَيْبِيَةِ في أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ رَجُلٍ، ثُمَّ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَنَتَيْنِ خَرَجَ مَعَهُ ﷺ عَشَرَةُ آلَافٍ (٥). ٢ - الأَمْرُ الآخَرُ أَنَّ بِصُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ اسْتَطَاعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتَفَرَّغَ لِعَدُوِّهِ اللَّدُودِ يَهُودِ خَيْبَرَ، وَلَوْلَا الحُدَيْبِيَةُ لَسَاعَدَتْ قُرَيْشٌ يَهُودَ خَيْبَرَ بِالسِّلَاحِ وَالمَالِ، فَحَيَّدَ هَذَا الصُّلْحُ قُرَيْشًا عَنْ مُسَاعَدَتِهَا يَهُودَ خَيْبَرَ. * أَحْداثٌ جَرَتْ في الطَّرِيقِ إِلَى المَدِينَةِ: أَكْمَلَ الرَّسُولُ ﷺ طَرِيقَهُ رَاجِعًا إِلَى المَدِينَةِ، وَقَدْ حَدَثَتْ بَعْضُ الأَحْدَاثِ مِنْهَا:

стр. 1639

* فَوَاتُ صَلَاةِ الفَجْرِ: رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَد بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ لَيْلًا، فنَزَلْنَا دَهَاسًا (١) مِنَ الأَرْضِ، فَقَالَ ﷺ . "مَنْ يَكْلَؤُنَا؟ " (٢)، فَقَالَ بِلَالٌ (٣): أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "إِذًا تَنَامُ"، قَالَ بِلَالٌ: لَا، فنَامَ ﵁ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَاسْتَيْقَظَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فِيهِمْ عُمَرُ ﵁، فَقَالَ: أَهْضِبُوا (٤)، فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ فقَالَ: "افْعَلُوا كَمَا كنْتُمْ تَفْعَلُونَ"، فَلَمَّا فَعَلُوا، قَالَ ﷺ : "هَكَذَا فَافْعَلُوا، لِمَنْ نَامَ مِنْكُمْ، أَوْ نَسِيَ" (٥). * فُقْدَانُ نَاقَةِ الرَّسُولِ ﷺ -: وَفِي طَرِيقِ عَوْدَةِ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ إِلَى المَدِينَةِ ضَلَّتْ نَاقَةُ الرَّسُولِ ﷺ ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ في مُسْنَدَيْهِمَا بِسَنَدٍ

стр. 1640

حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ. . . وَضَلَّتْ نَاقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَطَلَبْتُهَا، فَوَجَدْتُ حَبْلَهَا (١) قَدْ تَعَلَّقَ بِشَجَرَةٍ، فَجِئْتُ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَرَكِبَ مَسْرُورًا ﷺ (٢). * أَمْرُ المُهَاجِرَاتِ بَعْدَ الصُّلْحِ: وَلَمَّا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ وَاسْتَقَرَّ بِهَا، جَاءَ إِلَيْهِ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ مُهَاجِرَاتٌ، وَكَانَتْ أُمُّ كُلْثُومَ بِنْتُ عُقْبَةَ بنِ أَبِي مُعَيْطٍ أَوَّلَ مَنْ خَرَجَ إِلَيْهِ في تِلْكَ المُدَّةِ، وَكَانَتْ عَاتِقًا (٣)، فَخَرَجَ في إِثْرِهَا أَخَوَاهَا عُمَارَةُ وَالوَلِيدُ ابْنَا عُقْبَةَ بنِ أَبِي مُعَيْطٍ، فَقَالَا: يَا مُحَمَّدُ! أَوْفِ لَنَا بِمَا عَاهَدْتَنَا عَلَيْهِ (٤). فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ، وَلَمْ يُدْخِلِ النِّسَاءَ في ذَلِكَ الشَّرْطِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى في ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ (٥) لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ

стр. 1641

يَحِلُّونَ لَهُنَّ (١) وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ (٢) الْكَوَافِرِ (٣) وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٤). وَقَدْ ذَكَرَتْ عَائِشَةُ ﵂ طَرِيقَةَ امْتِحَانِ النِّسَاءِ المُؤْمِنَاتِ المُهَاجِرَاتِ، فَقَدْ أَخْرَجَ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ. . .﴾ إلى قوله تَعَالَى: ﴿. . . غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥) قَالَتْ عَائشَةُ رَضىَ اللَّهُ عَنْهَا: فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا الشَّرْط منْهُنَّ قَالَ لَهَا

стр. 1642

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ بَايَعْتُكِ"، كَلَامًا يُكَلِّمُهَا بِهِ، وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ في المُبايَعَةِ، وَمَا بَايَعَهُنَّ إِلَّا بِقَوْلهِ (١). فَهَذِهِ الآيَةُ اسْتَثْنَتِ المُهَاجِرَاتِ المُسْلِمَاتِ مِنْ شَرْطِ الرَّدِّ إِلَى الكُفَّارِ، فَرَجَعَ عُمَارَةُ وَالوَليدُ ابْنَا عُقْبَةَ بنِ أَبِي مُعَيْطٍ إِلَى مَكَّةَ وَأَخْبَرَا قُرَيْشًا بِذَلِكَ. * نُبْذَةٌ عَنْ أُمِّ كُلْثُومَ بِنْتِ عُقْبَةَ ﵂: وَكَانَتْ أُمّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ ﵂ مِمَّنْ أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَبَايَعَتْ. قَالَ ابنُ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ: أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بنِ أَبِي مُعَيْطٍ هِيَ أَوَّلُ مَنْ هَاجَرَ (٢) مِنَ النِّسَاءَ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ، وَلَمْ نَعْلَمُ قُرَشِيَّةً خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ أَبَوَيْهَا مُسْلِمَةً مُهَاجِرَةً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ إِلَّا أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ، خَرَجَتْ مِنْ مَكَّةَ وَحْدَهَا، حَتَّى قَدِمَتِ المَدِينَةَ في الهُدْنَةِ هُدْنَةِ الحُدَيْبِيَةِ (٣). * تَطْلِيقُ الصَّحَابَةِ زَوْجَاتِهِمُ الكَافِرَاتِ: وَطَلَّقَ الصَّحَابَةُ ﵃ زَوْجَاتِهِمُ الكَافِرَاتِ بِهَذَا الحُكْمِ، وَهُوَ قَوْلُه تَعَالَى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (٤)، فَطَلَّقَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ يَوْمَئِدٍ

стр. 1643

امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا لَهُ في الشِّرْكِ، فتَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا مُعَاوِيَةُ بنُ أَبِي سُفْيَانَ ﵁، وَهِيَ: قُرَيْبَةُ (١) بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ بنِ المُغِيرَةِ أُخْتُ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالأُخْرَى تَزَوَّجَهَا صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ (٢) وَهِيَ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ جَرْوَلٍ (٣). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: . . . كَانَتْ أُمُّ الحَكَمِ (٤) بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ تَحْتَ عِيَاضِ بنِ غَنْمٍ (٥) الفِهْرِيِّ فَطَلَّقَهَا، فتَزَوَّجَهَا عَبْدُ اللَّهِ بنُ عُثْمَانَ الثَّقَفِيُّ (٦). وَرَوَى ابنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾، طَلَّقْتُ امْرَأَتِي أَرْوَى بِنْتَ رَبِيعَةَ بِنِ الحَارِثِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ (٧).

стр. 1644

* قِصَّةُ أَبِي بَصِيرٍ (١) ﵁: اسْتَطَاعَ أَبُو بَصِيرٍ ﵁ وَاسْمُهُ عُتْبَةُ بنُ أَسِيدٍ الثَّقَفِيُّ (٢) أَنْ يُفْلِتَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَيَقْدُمَ مُهَاجِرًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في المَدِينَةِ، وَكَانَ ﵁ مِمَّنْ حُبِسَ بِمَكَّةَ، وَعُذِّبَ عَلَى إِسْلَامِهِ، فكَتَبَ الأَخْنَسُ بنُ شُرَيْقٍ كِتَابًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِيهِ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَبَا بَصِيرٍ ﵁، وبَعَثَ بِالكِتَابِ مَعَ رَجُلٍ كَافِرٍ مِنْ بَنِي عَامِرِ بنِ لُؤَيٍّ، وَمَوْلًى مَعَهُ (٣). فَلَمَّا وَصَلَ الرَّجُلَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في المَدِينَةِ، قَالَا لَهُ: العَهْدُ الذِي جَعَلْتَ لَنَا، فَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَصِيرٍ ﵁ إِلَى الرَّجُلَانِ، فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بَلَغَا بِهِ ذَا الحُلَيْفَةِ (٤)، فنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِلْعَامِرِيِّ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلَانُ جَيِّدًا، فَاسْتَلَّهُ (٥) الآخَرُ فَقَالَ: أَجَلْ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ، لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ، ثُمَّ جَرَّبْتُ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ ﵁: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ، فَأَمْكَنَهُ

стр. 1645

مِنْهُ، فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ (١)، وَفَرَّ الآخَرُ -وَهُوَ المَوْلَى (٢) - حَتَّى أتَى المَدِينَةَ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ يَعْدُو يَطِنُّ (٣) الحَصَا مِنْ شِدَّةِ سَعْيِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَآهُ: "لَقَدْ رَأى هَذَا ذُعْرًا" (٤)، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قُتِلَ وَاللَّهِ صَاحِبِي وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ (٥). فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ ﵁ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَدْ وَاللَّهِ أَوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَكَ (٦) قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ، ثُمَّ أَنْجَانِيَ اللَّهُ مِنْهُمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَيْلَ أُمِّهِ (٧) مِسْعَرَ (٨) حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ" (٩)، فَلَمَّا

стр. 1646

سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ البَحْرِ (١). * إِفلَاتُ أَبي جَنْدَلٍ ﵁ -: ثُمَّ إِنَّ أَبَا جَنْدَلِ بنِ سُهَيْلِ بنِ عَمْرٍو ﵁ اسْتَطَاعَ أَنْ يُفْلِتَ مِنْ قُرَيْشٍ فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ ﵁، فَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ قُريشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ ﵁، حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ (٢)، فَوَاللَّهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إلى الشَّامِ إِلَّا اعْترَضُوا لَهَا، فَقَتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ تُنَاشِدُهُ بِاللَّهَ وَالرَّحِمَ لَمَا أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ، فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَقَالُوا: إِنَّا أَسْقَطْنَا هَذَا الشَّرْطَ مِنَ الشُّرُوطِ، فَمَنْ خَرَجَ مِنَّا إِلَيْكَ فَأَمْسِكْهُ (٣). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: . . . فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ رَكِبَ نَفَرٌ مِنْهُمْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: إِنَّهَا لَا تُغْنِي

стр. 1647

مُدَّتُكَ شَيْئًا وَنَحْنُ نُقْتَلُ وَتُنْهَبُ أَمْوَالُنَا، وَإِنَّا نَسْأَلُكَ أَنْ تُدْخِلَ هَؤُلَاءَ الذِينَ أَسْلَمُوا مِنَّا فِي صُلْحِكَ، وَتَمْنَعَهُمْ وتَحْجُزَ عَنَّا قِتَالَهُمْ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (١). فكتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى أَبِي بَصِيرٍ وَأَبِي جَنْدَلٍ ﵄، يَأْمُرُهُمَا أَنْ يَقْدُمَا عَلَيْهِ، وَبِمَنْ مَعَهُمَا مِنَ المُسْلِمِينَ المُهَاجِرِينَ، فَقَدِمَ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمَا، وَأَبُو بَصِيرٍ ﵁ يَحْتَضِرُ، فَمَاتَ ﵁ وَكِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي يَدِهِ يَقْرَؤُهُ، فَدَفنَهُ أَصْحَابُهُ مَكَانَهُ، وَقَدِمَ أَبُو جَنْدَلٍ ﵁ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي المَدِينَةِ. وَتَحَقَّقَ قَوْلُهُ ﷺ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ لِأَبِي جَنْدَلٍ ﵁: "اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ، فَإِنَّ اللَّه جَاعِلٌ لَكَ، وَلِمَنْ مَعَكَ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا" (٢). * * *

стр. 1648

السَّنَةُ السَّابعَةُ لِلْهِجْرَةِ كُتُبُ الرَّسُولِ ﷺ إِلَى المُلُوكِ وَالأُمَرَاءِ (١) لَمَّا اسْتَقَرَّ الأَمْرُ بِالرَّسُولِ ﷺ بَعْدَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، وَجَدَ الفُرْصَةَ مُوَاتِيَةً لِلدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعَالَى خَارجَ نِطَاقِ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ، فَأَرْسَلَ الرُّسُلَ إلى مُلُوكِ

стр. 1649

العَرَبِ وَالعَجَمِ وَكَتَبَ مَعَهُمْ إِلَيْهِمْ كُتُبًا يَدْعُوهُمْ فِيهَا إِلَى الإِسْلَامِ. رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى، وَإِلَى قَيْصَرَ، وَإِلَى النَّجَاشِيِّ (١)، وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ، يَدْعُوهُمْ إلى اللَّهِ تَعَالَى (٢). فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى المُلُوكِ وَالأُمَرَاءِ، قِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ كِتَابًا إِلَّا وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ، فَاتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنَسَ بنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إلى رَهْطٍ أَوْ أُنَاسٍ مِنَ الأَعَاجِمِ (٣)، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ كِتَابًا إِلَّا عَلَيْهِ خَاتَمٌ، فَاتَّخَذَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ: مُحَمَّد رَسُولُ اللَّهِ (٤).

стр. 1650

فَكَانَ الخَاتَمُ فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ بَعْدَهُ، ثُمَّ فِي يَدِ عُمَرَ ﵁ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ ﵁، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُثْمَانَ ﵁ بَعْدَ عُمَرَ ﵁ سَتَّ سِنِينَ، فَلَمَّا كَانَ فِي السِّتِّ البَاقِي (١) كَانَ مَعَهُ عَلَى بِئْرِ أَرِيسٍ (٢)، فَحَرَّكَ خَاتَمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي يَدِهِ فَوَقَعَ فِي البِئْرِ، فَطَلَبَهُ (٣) عُثْمَانَ ﵁ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ (٤). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَالذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إِنَّمَا بَالَغَ عُثْمَانُ ﵁ فِي التَّفْتِيشِ عَلَى الخَاتَمِ لِكَونِهِ أَثَرُ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ لَبِسَهُ وَاسْتَعْمَلَهُ وَخَتَمَ بِهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يُسَاوِي فِي العَادَةِ قَدْرًا عَظِيمًا مِنَ المَالِ، وَإِلَّا لَوْ كَانَ غَيْرُ خَاتَمِ النَّبِيِّ ﷺ لَاكْتَفَى بِطَلَبِهِ بِدُونِ ذَلِكَ، وَبِالضَّرُورَةِ يُعْلَمُ أَنَّ قَدْرَ المُؤْنَةِ التِي حَصَلَتْ فِي الأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ تَزِيدُ عَلَى قِيمَةِ الخَاتَمِ لَكِنِ اقْتَضَتْ صِفَتُهُ عَظِيمَ قَدْرِهِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ كُلُّ مَا ضَاعَ مِنْ يَسِيرِ المَالِ (٥). وَعِنْدَمَا عَزَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى إِرْسَالِ الكُتُبِ اخْتَارَ الرُّسُلَ مِنْ أَصْحَابِهِ
следующие страницы →