← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ البَحْرِ (١). * إِفلَاتُ أَبي جَنْدَلٍ ﵁ -: ثُمَّ إِنَّ أَبَا جَنْدَلِ بنِ سُهَيْلِ بنِ عَمْرٍو ﵁ اسْتَطَاعَ أَنْ يُفْلِتَ مِنْ قُرَيْشٍ فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ ﵁، فَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ قُريشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ ﵁، حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ (٢)، فَوَاللَّهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إلى الشَّامِ إِلَّا اعْترَضُوا لَهَا، فَقَتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ تُنَاشِدُهُ بِاللَّهَ وَالرَّحِمَ لَمَا أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ، فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَقَالُوا: إِنَّا أَسْقَطْنَا هَذَا الشَّرْطَ مِنَ الشُّرُوطِ، فَمَنْ خَرَجَ مِنَّا إِلَيْكَ فَأَمْسِكْهُ (٣). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: . . . فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ رَكِبَ نَفَرٌ مِنْهُمْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: إِنَّهَا لَا تُغْنِي

стр. 1647

مُدَّتُكَ شَيْئًا وَنَحْنُ نُقْتَلُ وَتُنْهَبُ أَمْوَالُنَا، وَإِنَّا نَسْأَلُكَ أَنْ تُدْخِلَ هَؤُلَاءَ الذِينَ أَسْلَمُوا مِنَّا فِي صُلْحِكَ، وَتَمْنَعَهُمْ وتَحْجُزَ عَنَّا قِتَالَهُمْ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (١). فكتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى أَبِي بَصِيرٍ وَأَبِي جَنْدَلٍ ﵄، يَأْمُرُهُمَا أَنْ يَقْدُمَا عَلَيْهِ، وَبِمَنْ مَعَهُمَا مِنَ المُسْلِمِينَ المُهَاجِرِينَ، فَقَدِمَ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمَا، وَأَبُو بَصِيرٍ ﵁ يَحْتَضِرُ، فَمَاتَ ﵁ وَكِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي يَدِهِ يَقْرَؤُهُ، فَدَفنَهُ أَصْحَابُهُ مَكَانَهُ، وَقَدِمَ أَبُو جَنْدَلٍ ﵁ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي المَدِينَةِ. وَتَحَقَّقَ قَوْلُهُ ﷺ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ لِأَبِي جَنْدَلٍ ﵁: "اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ، فَإِنَّ اللَّه جَاعِلٌ لَكَ، وَلِمَنْ مَعَكَ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا" (٢). * * *

стр. 1648

السَّنَةُ السَّابعَةُ لِلْهِجْرَةِ كُتُبُ الرَّسُولِ ﷺ إِلَى المُلُوكِ وَالأُمَرَاءِ (١) لَمَّا اسْتَقَرَّ الأَمْرُ بِالرَّسُولِ ﷺ بَعْدَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، وَجَدَ الفُرْصَةَ مُوَاتِيَةً لِلدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعَالَى خَارجَ نِطَاقِ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ، فَأَرْسَلَ الرُّسُلَ إلى مُلُوكِ

стр. 1649

العَرَبِ وَالعَجَمِ وَكَتَبَ مَعَهُمْ إِلَيْهِمْ كُتُبًا يَدْعُوهُمْ فِيهَا إِلَى الإِسْلَامِ. رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى، وَإِلَى قَيْصَرَ، وَإِلَى النَّجَاشِيِّ (١)، وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ، يَدْعُوهُمْ إلى اللَّهِ تَعَالَى (٢). فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى المُلُوكِ وَالأُمَرَاءِ، قِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ كِتَابًا إِلَّا وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ، فَاتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنَسَ بنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إلى رَهْطٍ أَوْ أُنَاسٍ مِنَ الأَعَاجِمِ (٣)، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ كِتَابًا إِلَّا عَلَيْهِ خَاتَمٌ، فَاتَّخَذَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ: مُحَمَّد رَسُولُ اللَّهِ (٤).

стр. 1650

فَكَانَ الخَاتَمُ فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ بَعْدَهُ، ثُمَّ فِي يَدِ عُمَرَ ﵁ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ ﵁، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُثْمَانَ ﵁ بَعْدَ عُمَرَ ﵁ سَتَّ سِنِينَ، فَلَمَّا كَانَ فِي السِّتِّ البَاقِي (١) كَانَ مَعَهُ عَلَى بِئْرِ أَرِيسٍ (٢)، فَحَرَّكَ خَاتَمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي يَدِهِ فَوَقَعَ فِي البِئْرِ، فَطَلَبَهُ (٣) عُثْمَانَ ﵁ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ (٤). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَالذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إِنَّمَا بَالَغَ عُثْمَانُ ﵁ فِي التَّفْتِيشِ عَلَى الخَاتَمِ لِكَونِهِ أَثَرُ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ لَبِسَهُ وَاسْتَعْمَلَهُ وَخَتَمَ بِهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يُسَاوِي فِي العَادَةِ قَدْرًا عَظِيمًا مِنَ المَالِ، وَإِلَّا لَوْ كَانَ غَيْرُ خَاتَمِ النَّبِيِّ ﷺ لَاكْتَفَى بِطَلَبِهِ بِدُونِ ذَلِكَ، وَبِالضَّرُورَةِ يُعْلَمُ أَنَّ قَدْرَ المُؤْنَةِ التِي حَصَلَتْ فِي الأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ تَزِيدُ عَلَى قِيمَةِ الخَاتَمِ لَكِنِ اقْتَضَتْ صِفَتُهُ عَظِيمَ قَدْرِهِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ كُلُّ مَا ضَاعَ مِنْ يَسِيرِ المَالِ (٥). وَعِنْدَمَا عَزَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى إِرْسَالِ الكُتُبِ اخْتَارَ الرُّسُلَ مِنْ أَصْحَابِهِ

стр. 1651

رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ مِنَ الذِينَ سَبَقَ وَأَنْ رَحَلُوا إلى تِلْكَ البِلَادِ، وَفِيمَا يَلِي ذِكْرُ الكُتُبِ التِي أَرْسَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى المُلُوكِ وَالأُمَرَاءِ، وَذَلِكَ فِي المُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعٍ لِلْهِجْرَةِ: ١ - كِتَابُ الرَّسُولِ ﷺ إِلَى النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الحَبَشَةِ وَهَذَا النَّجَاشِيُّ اسْمُهُ أَصْحَمَةُ (١)، وَأَمَّا النَّجَاشِيُّ فَهُوَ لَقَبٌ لِكُلِّ مَنْ مَلَكَ الحَبَشَةَ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمْرَو بنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ ﵁ إِلَى النَّجَاشِى، وَكَانَ أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ، وَكتَبَ مَعَهُ إِلَيْهِ كِتَابَيْنِ يَأْمُرُهُ فِي أَحَدِهِمَا: أَنْ يُزَوِّجَهُ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ بنِ حَرْبٍ (٢)، وَأَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ بِمَنْ عِنْدَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَفِي الكِتَابِ الآخَرِ: يَدْعُوهُ إلى الإِسْلَامِ. رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ﵂: أَنَّهَا كَانَتَ تَحْتَ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ، وَكَانَ رَحَلَ إلى النَّجَاشِيِّ، فَمَاتَ (٣)، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَ أُمَّ حَبِيبَةَ، وَإِنَّهَا لَبِأَرْضِ الحَبَشَةِ (٤)، زَوَّجَهَا إِيَّاهُ النَّجَاشِيُّ، وَأَمْهَرَهَا أَرْبَعَةَ آلَافٍ مِنْ عِنْدِهِ،

стр. 1652

وَبَعَثَ بِهَا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ شُرَحْبِيلَ بنِ حَسَنَةٍ ﵁، وَجِهَازُهَا كُلُّهُ مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ، وَلَمْ يُرْسِلْ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ (١). * نَصُّ كِتَابِ الرَّسُولِ ﷺ إلى النَّجَاشِيِّ: أَمَّا نَصُّ كِتَابِ الرَّسُولِ ﷺ إِلَى النَّجَاشِيِّ فَقَدْ رَوَاهُ الحَاكِمُ، وَالبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِهِ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَهَذَا نَصُّهُ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى النَّجَاشِيِّ الأَصْحَمِ عَظِيمِ الحَبَشَةِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، وَآمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَشَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ اللَّهِ، فَإِنِّي أَنَا رَسُولُ اللَّهِ فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٢) فَإِنْ أَبَيْتَ

стр. 1653

فَعَلَيْكَ إِثْمُ النَّصَارَى مِنْ قَوْمِكَ" (١). فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُ الرَّسُولِ ﷺ إِلَى النَّجَاشِيِّ وَقُرِئَ عَلَيْهِ، أَخَذَهُ فَوَضَعَهُ عَلَى عَيْنِهِ وَنَزَلَ عَنْ سَرِيرِهِ فَجَلَسَ عَلَى الأَرْضِ تَوَاضُعًا، ثُمَّ أَسْلَمَ وَشَهِدَ شَهَادَةَ الحَقِّ، ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا مَا أَنَا فِيهِ مِنَ المُلْكِ، وَمَا تَحَمَّلْتُ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ، لَأَتَيْتُهُ حَتَّى أَحْمِلَ نَعْلَيْهِ (٢).

стр. 1654

ثُمَّ كتَبَ النَّجَاشِيُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِإِجَابَتِهِ وتَصْدِيقِهِ وَإِسْلَامِهِ. وَأَهْدَى النَّجَاشِيُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خُفَّيْنِ أَسْوَدَيْنِ، وَنَعْلَيْنِ سَبْتِيَّتَيْنِ، وَثَلَاثَ عَنَزَاتٍ (١)، فَأَمْسَكَ ﷺ وَاحِدَةً لِنَفْسِهِ، وَأَعْطَى عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَاحِدَةً، وَأَعْطَى عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ وَاحِدَةً، فَكَانَ بِلَالٌ ﵁ يَمْشِي بِتِلْكَ العَنَزَةِ التِي أَمْسَكَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي العِيدَيْنِ يَوْمَ الفِطْرِ، وَيَوْمَ الأَضْحَى حَتَّى يَأْتِيَ المُصَلَّى، فَيَرْكُزُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا (٢)، وَأَهْدَاهُ كَذَلِكَ حَلَقَةً فِيهَا خَاتَمُ ذَهَبٍ، فِيهِ فَصٌّ (٣) حَبَشِيٌّ. رَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ وَابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ بريْدَةَ عَنْ أَبِيهِ

стр. 1655

قَالَ: أَنَّ النَّجَاشِيَّ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ ﷺ خُفَّيْنِ أَسْوَدَيْنِ سَاذَجَيْنِ (١) فَلَبِسَهُمَا (٢). وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ وَالإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمَتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ حِلْيَةٌ مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ، أَهْدَاهَا لَهُ، فِيهَا خَاتَمٌ مِنْ ذَهَبٍ، فِيهِ فَصٌّ حبَشِيٌّ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِعُودٍ بِبَعْضِ أَصَابِعِهِ، مُعْرِضًا عَنْهُ، ثُمَّ دَعَا أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ ابْنَةَ ابْنَتِهِ زَيْنَبَ، فَقَالَ ﷺ : "تَحَلِّي بِهَذِهِ يَا بُنَيَّةُ" (٣). * وَفَاةُ النَّجَاشِيِّ ﵁ -: وَتُوُفِّيَ النَّجَاشِيُّ أَصْحَمَةُ ﵁ فِي رَجَبَ مِنَ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ كَمَا سَيَأْتِي، وَنَعَاهُ الرَّسُولُ ﷺ إلى أَصْحَابِهِ يَوْمَ وَفَاتِهِ فَقَالَ: "مَاتَ اليَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَى أَخِيكُمْ أَصْحَمَةَ وَاسْتَغْفِرُوا لَهُ" (٤) وَصَلَّى ﷺ عَلَيْهِ صَلَاةَ الغَائِبِ. وَرَوَى النَّسَائيُّ فِي السُّنَنِ الكُبْرَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ

стр. 1656

قَالَ: لَمَّا جَاءَ نَعْيُ النَّجَاشِيُّ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَلُّوا عَلَيْهِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نُصَلِّي عَلَى عَبْدٍ حبَشِيٍّ؟ ، فنَزَلَتْ: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (١). وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ لَا يَزَالُ يُرَى عَلَى قَبْرِهِ نُورٌ (٢). وَلَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ أَصْحَمَةُ ﵁، خَلَفَهُ عَلَى الحَبَشَةِ نَجَاشِيٌّ آخَرُ، وَهُوَ غَيْرُ النَّجَاشِيِّ الذِي آمَنَ بِالرَّسُولِ ﷺ ، وَقَدْ كتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى هَذَا النَّجَاشِيِّ كِتَابًا يَدْعُوهُ إلى الإِسْلَامِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كتَبَ إلى كِسْرَى، وإِلَى قَيْصَرَ، وإِلَى النَّجَاشِيِّ، وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ، يَدْعُوهُم إلى اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ (٣).

стр. 1657

٢ - كِتَابُ الرَّسُولِ ﷺ إِلَى هِرَقْلَ (١) مَلِكِ الرُّومِ وَبَعَثَ رَسُولُ ﷺ دِحْيَةَ بنَ خَلِيفَةَ الكَلْبِيَّ ﵁، إلى هِرَقْلَ مَلِكِ الرُّومِ يَدْعُوهُ إلى الإِسْلَامِ، وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلى قَيْصَرَ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلى عَظِيِم بُصْرَى (٢) وَهُوَ الحَارِثُ بنُ أَبِي شِمْرٍ (٣) مَلِكُ غَسَّانَ لِيَدْفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ. * سَفَرُ هِرَقْلَ مِنَ القُسْطَنْطِينِيَّةِ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ: وَكَانَ هِرَقْلُ قَدْ نَذَرَ إِنْ ظَهَرَتِ (٤) الرُّومُ عَلَى فَارِسٍ أَنْ يَمْشِيَ حَافِيًا مِنَ القُسْطَنْطينِيَّةِ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَلَمَّا انْتَصَرَ الرُّومُ عَلَى فَارِسٍ (٥)، خَرَجَ هِرَقْلُ مِنْ بِلَادِهِ يَمْشِي عَلَى قَدَمَيْهِ شُكْرًا للَّهِ عَلَى انْتِصَارِهِمْ عَلَى فَارِسٍ لِيُصَلِّيَ فِي بَيْتِ المَقْدِسِ، فَلَمَّا انْتَهَى إلى إِيلْيَاءَ (٦)، وَقَضَى فِيهَا صَلَاتَهُ وَمَعَهُ

стр. 1658

بَطَارِقَتُهُ (١) وَأَشْرَافُ الرُّوم، أَصْبَحَ يَوْمًا خَبِيثَ النَّفْس (٢) مَهْمُومًا، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ: قَدِ اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ -وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً (٣) يَنْظُرُ في النُّجُومِ- فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِي النُّجُومِ مُلْكَ (٤) الخَتَانِ قَدْ ظَهَرَ (٥)، فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ (٦)؟ قَالُوا: لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَّا اليَهُودُ فَلَا يَهُمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ، وَاكْتُبْ إِلَى مَدَائِنِ مُلْكِكَ فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنَ اليَهُودِ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ أُتِيَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَتِ المُلُوكُ تُهَادِي الأَخْبَارَ بَيْنَهَا، فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ قَالَ: اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هُوَ أَمْ لَا؟ فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ، وَسَأَلهُ عَنِ العَرَبِ فَقَالَ: هُمْ يَخْتَتِنُونَ؟ فَقَالَ هِرَقْلُ: هَذَا وَاللَّهِ الذِي أُرِيتُ، ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إلى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَّةَ،

стр. 1659

وَكَانَ نَظِيرَهُ فِي العِلْمِ، يَسْأَلُهُ عَمَّا عِنْدَهُ بِشَأْنِ الرَّسُولِ ﷺ . وَلَمْ يَلْبَثْ هِرَقْلُ أَنْ أَتَاهُ رَسُولُ عَظِيمِ بُصْرَى فَدَفَعَ إِلَيْهِ كِتَابَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ هِرَقْلُ لِصَاحِبِ شُرْطَتِهِ: انْظُرْ لَنَا مِنْ قَوْمِهِ -أَيْ مِنْ قَوْمِ الرَّسُولِ ﷺ أَحَدًا نَسْأَلُهُ عَنْهُ، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ بنُ حَرْبٍ بِالشَّامِ مَعَ رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ فِي تِجَارَةٍ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ (١) مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تُجَّارًا بِالشَّامِ فِي المُدَّةِ (٢) التِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلْيَاءَ، فَأُدْخِلْنَا عَلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ فِي مَجْلِسِ مُلْكِهِ، عَلَيْهِ التَّاجُ، وَإِذَا حَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَا بِتَرْجُمَانِهِ، فَقَالَ لَهُ: سَلْهُمْ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانُ: أَنَا أَقْرَبُهُمْ إِلَيْهِ نَسَبًا، قَالَ: مَا قَرَابَتُكَ مِنْهُ؟ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: هُوَ ابْنُ عَمِّي، قَالَ: وَلَيْسَ فِي الرَّكْبِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ (٣) غَيْرِي.

стр. 1660

فَقَالَ هِرَقْلُ: أَدْنُوهُ مِنِّي، ثُمَّ أَمَرَ بِأَصْحَابِي، فَجُعِلُوا خَلْفَ ظَهْرِي عِنْدَ كَتِفِي، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لِأَصْحَابِهِ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَإِنْ كَذَبَنِي، فكَذِّبُوهُ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَوَاللَّهِ لَوْلَا الحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثُرَ أَصْحَابِي عَنِّيَ الكَذِبَ لَكَذَبْتُهُ حِينَ سَأَلَنِي، وَلَكِنِّي اسْتَحْيَيْتُ أَنْ يَأْثُرُوا الكَذِبَ عَنِّي، فَصَدَقْتُهُ. ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ كَيْفَ نَسَبُ هَذَا الرَّجُلِ فِيكُمْ؟ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ. قَال هِرَقْلُ: فَهَلْ قَالَ هَذَا القَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ؟ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: لَا. قَالَ هِرَقْلُ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ هِرَقْلُ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ. قَالَ هِرَقْلُ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ. قَالَ هِرَقْلُ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً (١) لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟

стр. 1661

قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ هِرَقْلُ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ هِرَقْلُ: فَهَلْ يَغْدِرُ (١)؟ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَا، وَنَحْنُ الآنَ مِنْهُ فِي مدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا أَنْتَقِصُهُ بِهِ غَيْرَ هَذِهِ الكَلِمَةِ. قَالَ هِرَقْلُ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ هِرَقْلُ: فكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قُلْتُ: الحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ (٢)، يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ. قَالَ هِرَقْلُ: مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قُلْتُ: يَأْمُرُنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَانَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا، ويَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ، وَالصِّدْقِ (٣)، وَالعَفَافِ، وَالصِّلَةِ.

стр. 1662

فَقَالَ هِرَقْلُ لِلتَّرْجُمَانِ: قُلْ لَهُ: سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ (١) قَوْمِهَا. وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ هَذَا القَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ؟ فَذَكَرْتَ: أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا القَوْلَ قَبْلَهُ لقلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ فَذَكَرْتَ: أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَذَكَرْتَ: أَنْ لَا، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الكَذِبَ عَلَى النَّاسِ، وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ. وَسَأَلْتُكَ: أَشْرَافُ النَّاسِ يَتْبَعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ. وَسَأَلْتُكَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَذَكَرْتَ: أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَذَكَرْتَ: أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ (٢) حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ.

стр. 1663

وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ؟ فَذَكَرْتَ: أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّكُمْ قَدْ قَاتَلْتُمُوهُ، وَأَنَّ الحَرْبَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالٌ، يَنَالُ مِنْكُمْ وَتَنَالُونَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العَاقِبَةُ. وَسَأَلْتُكَ: بِمَ يَأْمُرُكُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّه وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالعَفَافِ. فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارجٌ، وَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّهُ أَنَّهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ (١) لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ، وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ. ثُمَّ دَعَا هِرَقْلُ بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إلى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ إلى هِرَقْلَ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ. سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ. فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمُ الأَرِيسِيِّينَ (٢) و ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ

стр. 1664

شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (١). فَلَمَّا قُرِئَ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى هِرَقْلَ اهْتَزَّ وَتَأَثَّرَ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ، وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الكِتَابِ، كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ (٢)، وَارْتَفَعَتِ الأَصوَاتُ، وَأُخْرِجْنَا، فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا: لَقَدْ أمِرَ (٣) أمْرُ ابنُ أَبِي كَبْشَةَ (٤)، إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفرِ، فَمَا زِلتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الإِسْلَامَ. وَسَارَ هِرَقْلُ إلى حِمْصَ (٥)، فَلَمْ يَرِمْ (٦) حِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِ رُومِيَّه، الذِي كَانَ قَدْ كتَبَ إِلَيْهِ بِشَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ ، يُوَافِقُ رَأْيَهُ عَلَى

стр. 1665

خُرُوجِ الرَّسُول ﷺ وَأَنَّهُ نَبِيٌّ، فَأَذِنَ (١) هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ في دَسْكَرَهٍ (٢) لَهُ بِحِمْصَ، ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، هَلْ لَكُمْ فِي الفَلَاحِ وَالرُّشْدِ وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ فَتُبَايِعُوا هَذَا النَّبِيَّ؟ فَحَاصُوا (٣) حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إِلَى الأَبْوَابِ فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ وَأَيِسَ مِنْ إِسْلَامِهِمْ، وَخَافَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ وَمُلْكِهِ، قَالَ: رُدُّوهُمْ عَلَيَّ، فَقَالَ: إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ مِنْكُمُ الذِي أُحِبُّ، فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ (٤). ثُمَّ إِنَّ هِرَقْلَ أَكْرَمَ دِحْيَةَ الكَلْبِيَّ ﵁ وَقَال لَهُ قُلْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنِّي

стр. 1666

مُسْلِمٌ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: . . . ثُمَّ قَالَ هِرَقْلُ لِرَسُولِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : قَدْ تَرَى أَنِّي خَائِفٌ عَلَى مَمْلَكَتِي، وَكتَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنِّي مُسْلِمٌ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِدَنَانِيرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَرَأَ الكِتَابَ: "كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، لَيْسَ بِمُسْلِمٍ، وَهُوَ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ"، ثُمَّ قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدَّنَانِيرَ (١). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَمِمَّا يُقَوِّي أَنَّ هِرَقْلَ آثَرَ مُلْكَهُ عَلَى الإِيمَانِ وَاسْتَمَرَّ عَلَى الضَّلَالِ أَنَّهُ حَارَبَ المُسْلِمِينَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ سَنَةَ ثَمَانٍ بَعْدَ هَذِهِ القِصَّةِ (٢). ٣ - كِتَابُ الرَّسُولِ ﷺ إِلَى كِسْرَى (٣) مَلِكِ الفُرْسِ وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بنَ حُذَافَةَ السَّهْمِيَّ (٤) ﵁، إِلَى كِسْرَى بنِ هُرْمُزَ مَلِكِ الفُرْسِ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَامِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلى عَظِيمِ البَحْرَيْنِ المُنْذِرِ بنِ سَاوَى (٥)، لِيَدْفَعَهُ عَظِيمُ البَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى، وَهَذا نَصُّ الكِتَابِ:

стр. 1667

"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ مُحَمَّدٍ رَسولِ اللَّهِ إلى كِسْرَى عَظِيمِ فَارِسَ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، وَآمَنَ بِاللَّهِ وَرَسولِهِ، وَشَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسولُهُ، وَأَدْعُوكَ بِدُعَاءِ اللَّهِ، فَإِنِّي رَسولُ اللَّهِ إلى النَّاسِ كَافَّةً لِأُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ القَوْلُ عَلَى الكَافِرِينَ، فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، فَإِنْ أَبَيْتَ، فَإِنَّ إِثْمَ المَجُوسِ عَلَيْكَ" (١). فَلَمَّا قُرِئَ الكِتَابُ عَلَى كِسْرَى أَخَذَهُ فَمَزَّقَهُ، وَقَالَ: يَكْتُبُ إِلَيَّ هَذَا وَهُوَ عَبْدِي! فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا عَلَيْهِمْ أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ (٢). ثُمَّ كَتَبَ كِسْرَى إِلَى بَاذَانَ عَامِلِهِ بِاليَمَنِ أَنِ ابْعَثْ مِنْ عِنْدِكَ رَجُلَيْنِ جَلْدَيْنِ (٣) إلى هَذَا الرَّجُلِ الذِي بِالحِجَازِ، فَلْيَأْتِيَانِي بِهِ، فَبَعَثَ بَاذَانُ قَهْرَمَانَهُ (٤)، وَرَجُلًا آخَرَ، وَكَتَبَ مَعَهُمَا كِتَابًا، فَقَدِمَا المَدِينَةَ، فَدَفَعَا كِتَابِ بَاذَانَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَدَعَاهُمَا إلى الإِسْلَامِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ ﷺ :

стр. 1668

"ارْجِعَا عَنِّي يَوْمَكُمَا هَذَا حَتَّى تَأْتِيَانِي الغَدَ فَأُخْبِرُكُمَا بِمَا أُرِيدُ". فَجَاءَاهُ مِنَ الغَدِ، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَبْلِغَا صَاحِبَكُمَا أَنَّ رَبِّي قَتَلَ رَبَّهُ كسْرَى في هَذِهِ اللَّيْلَةِ" (١)، لِسَبْعِ سَاعَاتٍ مَضَتْ مِنْهَا، وَهِيَ لَيْلَةُ الثُّلَاثَاءِ لِعَشْرِ لَيَالٍ مَضَيْنَ مِنْ جُمَادَى الأُولَى سَنَةَ سَبْعٍ، وَأَنَّ اللَّه تَعَالَى سَلَّطَ عَلَيْهِ ابْنَهُ شِيرَوَيْهِ، فَقَتَلَهُ، فَرَجَعَا إلى بَاذَانَ بِذَلِكَ، فَأَسْلَمَ بَاذَانُ، وَأَسْلَمَ الأَبْنَاءُ (٢) مَعَهُ مِنْ فَارِسٍ الذِينَ كَانُوا بَاليَمَنِ (٣). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - الدُّعَاءُ إِلَى الإِسْلَامِ بِالكَلَامِ وَالكِتَابَةِ وَأَنَّ الكِتَابَةَ تَقُومُ مَقَامَ النُّطْقِ. ٢ - وَفِيهِ إِرْشَادُ المُسْلِمِ إلى الكَافِرِ. ٣ - وَفِيهِ أَنَّ العَادَةَ جَرَتْ بَيْنَ المُلُوكِ بِتَرْكِ قَتْلِ الرُّسُلِ، وَلهَذَا مَزَّقَ كِسْرَى كِتَابَ الرَّسُولِ ﷺ ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلرَّسُولِ (٤).

стр. 1669

* تَبْشِيرُ الرَّسُولِ ﷺ بِفَتْحِ فَارِسٍ وَالرُّومِ: وَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَةَ نَبِيِّهِ ﷺ ، فَقَدْ مَزَّقَ اللَّهُ تَعَالَى مُلْكَ فَارِسٍ، وَسَقَطَتْ دَوْلَتُهُمْ فِي خِلَافَةِ الفَارُوقِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁، وَمَلَكَهَا المُسْلِمُونَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَفْتَحُنَّ كنُوزَهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ" (١). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَقَدِ اسْتُشْكِلَ هَذَا مَعَ بَقَاءِ مَمْلَكَةِ الفُرْسِ؛ لِأَنَّ آخِرَهُمْ قُتِلَ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ ﵁، وَاسْتُشْكِلَ أَيْضًا مَعَ بَقَاءِ مَمْلَكَةِ الرُّومِ، وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ: بِأَنَّ المُرَادَ لَا يَبَقَى كِسْرَى بِالعِرَاقِ وَلَا قَيْصَرُ بِالشَّامِ، فَإِنَّ مُلْكَهُمَا زَالَ عَنِ الإِقْلِيمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وَقِيلَ: الحِكْمَةُ فِي أَنَّ قَيْصَرَ بَقِيَ مُلْكُهُ وَإِنَّمَا ارْتَفَعَ مِنَ الشَّامِ وَمَا وَالَاهَا، وَكِسْرَى ذَهَبَ مُلْكُهُ أَصْلًا وَرَأْسًا أَنَّ قَيْصَرَ لَمَّا جَاءَهُ كِتَابُ النَّبِيِّ ﷺ قَبِلَهُ وَكَادَ أَنْ يُسْلِمَ، وَكِسْرَى لَمَّا أَتَاهُ كِتَابُ النَّبِيِّ ﷺ مَزَّقه فَدَعَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُمَزِّقَ مُلْكَهُ كُلَّ مُمَزَّقٍ فَكَانَ كَذَلِكَ (٢). وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ

стр. 1670

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَتَفْتَحَنَّ عِصَابَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، أَوْ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَنْزَ آلِ كِسْرَى الذِي فِي الأَبْيَضِ" (١). ٤ - كِتَابُ الرَّسُولِ ﷺ إِلَى المُقَوْقِسِ مَلِكِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَاطِبَ بنَ أَبِي بَلْتَعَةَ ﵁، إلى المُقَوْقِسِ عَظِيمِ القِبْطِ صَاحِبِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَاسْمُهُ جُرَيْجُ بنُ مِينَاءَ، يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَامِ، وَكتَبَ مَعَهُ كِتَابًا هَذَا نَصُّهُ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولهِ، إلى المُقَوْقِسِ عَظِيِم القِبْطِ، سَلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِك اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ، فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمُ القِبْطِ، ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ". فَلَمَّا انْتَهَى الكِتَابُ إلى المُقَوْقِسِ، أخَذَهُ فَقَبَّلَهُ ثُمَّ قَرَأَهُ، وَأَكْرَمَ حَاطِبًا وَأَحْسَنَ نُزُلَهُ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِ وَقَدْ جَمَعَ بَطَارِقَتَهُ، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي سَأُكَلِّمُكَ بِكَلَامٍ وَأُحِبُّ أَنْ تَفْهَمَهُ مِنِّي.

стр. 1671

قَالَ حَاطِبٌ: هَلُمَّ. قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ صَاحِبِكَ أَلَيْسَ هُوَ نَبِيٌّ؟ قَالَ حَاطِبٌ: بَلَى، هُوَ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ المُقَوْقِسُ: فَمَالَهُ حَيْثُ كَانَ هَكَذَا لَمْ يَدْعُ عَلَى قَوْمِهِ حَيْثُ أَخْرَجُوهُ مِنْ بَلَدِهِ إلى غَيْرِهَا؟ فَقَالَ لَهُ حَاطِبٌ: أَلَسْتَ تَشْهَدُ أَنَّ عِيسَى ابنَ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ، فَمَالَهُ حِينَ أَخَذَهُ قَوْمُهُ فَأَرَادُوا أَنْ يَقْتُلُوهُ أَلَّا يَكُونَ دَعَا عَلَيْهِمْ بِأَنْ يُهْلِكَهُمُ اللَّهُ ، حَتَّى رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ في السَّمَاءِ الدُّنْيَا؟ فَقَالَ المُقَوْقِسُ: أَنْتَ حَكِيمٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ حَكِيمٍ. ثُمَّ كَتَبَ المُقَوْقِسُ كِتَابًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَعْطَاهُ حَاطِبًا قَالَ فِيهِ: قَدْ قَرَأْتُ كِتَابَكَ، وَفَهِمْتُ مَا ذَكَرْتَ فِيهِ، وَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ نَبِيًّا بَقِيَ، وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِالشَّامِ، وَقَدْ أَكْرَمْتُ رَسُولَكَ، وَبَعَثْتُ إِلَيْكَ بِجَارِيَتَيْنِ لَهُمَا مَكَانٌ فِي القِبْطِ عَظِيمٌ، وَقَدْ أَهْدَيْتُ لَكَ كِسْوَةً، وَبَغْلَةً تَرْكَبُهَا، وَاسْمُ هَذِهِ الْبَغْلَةِ "دُلْدُلٌ". وَلَمْ يَزِدِ المُقَوْقِسُ عَلَى هَذَا، وَلَمْ يُسْلِمْ، وَرَجَعَ حَاطِبٌ ﵁ إِلَى المَدِينَةِ، وَذَكَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْلَ المُقَوْقِسِ، فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ : "ضَنَّ (١) الخَبِيثُ

стр. 1672

بِمُلْكِهِ، وَلَا بَقَاءَ لِمُلْكِهِ"، وَقَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَدِيَّتَهُ، وَأَخَذَ الجَارِيَتَيْنِ وَهُمَا مَارِيَةُ وَأُخْتُهُا سِيرِينُ (١). رَوَى الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِ القَارِي قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ حَاطِبَ بنَ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى المُقَوْقِسِ صَاحِبِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ -يَعْنِي بِكِتَابِهِ مَعَهُ إِلَيْهِ- فَقَبَّلَ كِتَابَهُ، وَأَكْرَمَ حَاطِبًا، وَأَحْسَنَ نُزُلَهُ، ثُمَّ سَرَّحَهُ (٢) إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَهْدَى لَهُ مَعَ حَاطِبٍ كِسْوَةً وَبَغْلَةً شَهْبَاءَ بِسَرْجِهَا، وَجَارِيَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا: أُمُّ إِبْرَاهِيمَ، وَأَمَّا الأُخْرَى، فَوَهَبَهَا لِجَهْمِ بنِ قَيْسٍ العَبْدَرِيِّ ﵁، وَهِيَ أُمُّ زَكَرِيَّا بن جَهْمٍ الذِي كَانَ خَلِيفَةَ عَمْرِو بنِ العَاصِ عَلَى مِصْرَ (٣). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: . . . فَأَمَّا البَغْلَةُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْكَبُهَا، وَأَمَّا إِحْدَى الجَارِيَتَيْنِ فتَسَرَّاهَا (٤)، فَوَلَدَتْ لَهُ إبْرَاهِيمَ، وَأَمَّا الأُخْرَى، فَأَعْطَاهَا حَسَّانَ بنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ ﵁ (٥).

стр. 1673

* تَبْشِيرُ الرَّسُولِ ﷺ بِفَتْحِ مِصْرَ: وَقَدْ بَشَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِفَتْحِ مِصْرَ وَأَوْصَى بِأَهْلِهَا خَيْرًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا القِيرَاطُ (١)، فَإِذَا فتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا"، أَوْ قَالَ: "ذِمَّةً وَصِهْرًا" (٢). قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَمَّا الذِّمَّةُ فَهِيَ الحُرْمَةُ وَالحَقُّ وَهِيَ هُنَا بِمَعْنَى الذِّمَامِ، وَأَمَّا الرَّحِمُ فَلِكَوْنِ هَاجَرَ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ مِنْهُمْ، وَأَمَّا الصِّهْرُ فَلِكَوْنِ مَارِيَةَ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ مِنْهُمْ (٣). وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْصَى عِنْدَ وَفَاتِهِ فَقَالَ: "اللَّهَ اللَّهَ فِي قِبْطِ مِصْرَ، فَإِنَّكُمْ سَتَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ، وَيَكُونُونَ لَكُمْ عُدَّةً وَأَعْوَانًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ" (٤).

стр. 1674

٥ - كِتَابُ الرَّسُولِ ﷺ إِلَى الحَارِثِ بنِ أَبِي شِمْرٍ صَاحِبِ دِمَشْقَ وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شُجَاعَ بنَ وَهْبٍ الأَسْدِيَّ ﵁، إِلَى الحَارِثِ بنِ أَبِي شِمْر الغَسَّانِيِّ صَاحِبِ دِمَشْقَ يَدْعُوهُ إلى الإِسْلَامِ، وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا هَذَا نَصُّهُ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إلى الحَارِثِ بنِ أَبِي شِمْرٍ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، وَآمَنَ بِاللَّهِ وَصَدَّقَ، إِنِّي أَدْعُوكَ إلى أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يَبْقَى لَكَ مُلْكُكَ". فَلَمَّا قَرَأَ الحَارِثُ بنُ أَبِي شِمْرٍ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَمَى بِهِ، وَقَالَ: مَنْ يَنْتَزعُ مِنِّي مُلْكِي، وَبَدَأَ هَذَا الرَّجُلُ يَحْشُدُ جَيْشَهُ لِلْهُجُومِ عَلَى المَدِينَةِ، وَلَكِنَّ هِرَقْلَ تَدَخَّلَ وَدَعَاهُ إِلَى إِيلْيَاءَ -بَيْتِ المَقْدِسِ-، وَرَجَعَ شُجَاعُ بنُ وَهْبٍ ﵁ إِلَى المَدِينَةِ، وَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ ﷺ : "بَادَ مُلْكُهُ"، وَمَاتَ الحَارِثُ بنُ أَبِي شِمْرٍ الغَسَّانِيُّ عَامَ الفَتْحِ (١). وَكَانَ هَذَا التَّوَتُّرُ مَعَ الحَارِثِ بنِ أَبِي شِمْرٍ بِدَايَةَ أَمْرِ مَعْرَكَةِ مُؤْتَةَ، كَمَا سَيَأْتِي. * * *

стр. 1675

٦ - كِتَابُ الرَّسُولِ ﷺ إِلَى هَوْذَةَ بنِ عَلِيٍّ مَلِكِ اليَمَامَةِ وَبَعَثَ الرَّسُولُ ﷺ سَلِيطَ بنَ عَمْرٍو العَامِرِيَّ ﵁، إِلَى هَوْذَةَ بنِ عَلِيٍّ الحَنَفِيِّ صَاحِبِ اليَمَامَةِ يَدْعُوهُ إلى الإِسْلَامِ، وَكتَبَ مَعَهُ كِتَابًا هَذَا نَصُّهُ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إلى هَوْذَةَ بنِ عَلِيٍّ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، وَاعْلَمْ أَنَّ دِينِي سَيَظْهَرُ إلى مُنْتَهَى الخُفِّ (١) وَالحَافِرِ (٢)، فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَجْعَلُ لَكَ مَا تَحْتَ يَدَيْكَ". فَلَمَّا قَدِمَ سَلِيطٌ ﵁ عَلَى هَوْذَةَ بنِ عَلِيٍّ بِكِتَابِ الرَّسُولِ ﷺ ، أَنْزَلَهُ وَحَيَّاهُ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الكِتَابَ، فَلَمْ يَرُدَّ هَوْذَةُ بنُ عَلِيٍّ كِتَابَ الرَّسُولِ ﷺ ، وَكتَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كِتَابًا قَالَ فِيهِ: مَا أَحْسَنَ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ وَأَجْمَلَهُ، وَأَنَا شَاعِرُ قَوْمِي، وَخَطِيبُهُمْ، وَالعَرَبُ تَهَابُ مَكَانِي، فَاجْعَلْ لِي بَعْضَ الأَمْرِ أَتْبَعْكَ. ثُمَّ إِنَّهُ أَجَازَ سَلِيطًا ﵁ بِجَائِزَةٍ، وَكَسَاهُ أَثْوَابًا مِنْ نَسْجِ هَجَرٍ (٣)، فَقَدِمَ سَلِيطٌ ﵁ بِذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ ، فَلَمَّا قُرِئَ كِتَابُ هَوْذَةَ بنِ عَلِيٍّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ الرَّسُولُ ﷺ : "لَوْ سَأَلَنِي سَيَابَةً (٤) مِنَ الأَرْضِ مَا فَعَلْتُ،

стр. 1676

بَادَ وَبَادَ مَا فِي يَدَيْهِ". وَمَاتَ هَوْذَةُ بنُ عَلِيٍّ الحَنَفِيُّ عِنْدَمَا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ فَتْحِ مَكَّةَ (١). هَذِهِ هِيَ الكُتُبُ السِّتَّةُ التِي بَعَثَ بِهَا الرَّسُولُ ﷺ رُسُلَهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ فِي المُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ، وَقَدْ كتَبَ رَسُولُ اللَّهِ كتبًا أُخْرَى بَعَثَ بِهَا إِلَى مُلُوكِ عُمَانَ، وَالبَحْرَيْنِ، وَاليَمَنِ، سَنَذْكُرُهَا فِي حِينِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَيُلَاحَظُ عَلَى هَذِهِ الكُتُبِ الخِبْرَةُ الدَّقِيقَةُ بِنُفُوسِ مَنْ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ، وَحُسْنُ تَخَيُّرِ الأَلْفَاظِ المُنَاسِبَةِ لِلْكُلِّ، وَالمُثِيرَةِ لِلْعَوَاطِفِ وَالمَشَاعِرِ، كَمَا يُلَاحَظُ أَنَّ بَعْضَ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ كَانَ رَدُّهُ رَدًّا جَمِيلًا رَقِيقًا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ الإِسْلَامِ وَسَطْوَتِهِ، وَسَمَاحَةِ دَعْوَتِهِ، فَلَا تَعْقِيدَ فِيهَا وَلَا غُمُوضَ، وَأَنَّ الصَّحَابَةَ الذِينَ حَمَلُوا الكِتَابَ كَانُوا عِنْدَ حُسْنِ ظَنِّ الرَّسُولِ ﷺ بِهِمْ، وَوَفَّوْا بِمَا عَاهَدُوهُ عَلَيْهِ مِنَ الإِقْدَامِ، كَمَا كَانَ عَجِيبًا أَنْ لَمْ يُقْتَلْ مِنَ الرُّسُلِ عَلَى كَثْرَتِهِمْ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ العَالَمَ حِينَئِذٍ كَانَ يَسْتَشْرِفُ إِلَى دِينٍ جَدِيدٍ سَمْحٍ، يُنْقِذُهُ مِنَ الحَضِيضِ الذِي هَوَى إِلَيْهِ، فَكَانَ هَذَا الدِّينُ هُوَ الإِسْلَامُ (٢). * * *

стр. 1677

إِصَابَةُ الرَّسُولِ ﷺ مِنْ سِحْرِ يَهُودٍ (١) لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الحِجَّةِ وَدَخلَ شَهْرُ المُحَرَّمِ جَاءَتْ رُؤَسَاءُ مِنَ اليَهُودِ مِنَ الذِينَ بَقُوا بِالمَدِينَةِ مِمَّنْ يُظْهِرُ الإِسْلَامَ وَهُوَ مُنَافِقٌ إِلَى لَبِيدِ بنِ الأَعْصَمِ (٢) مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ (٣) , وَكَانَ مُنَافِقًا (٤)، وَكَانَ سَاحِرًا قَدْ عَلِمَتْ ذَلِكَ يَهُودٌ أَنَّهُ أَعْلَمُهُمْ بِالسِّحْرِ، فَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا الأَعْصَمِ! أَنْتَ أَسْحَرُ مِنَّا، وَقَدْ سَحَرَنَا مُحَمَّدٌ فَسَحَرَ مِنَّا الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ فَلَمْ نَصْنَعْ شَيْئًا، وَأَنْتَ تَرَى أَثَرَهُ فِينَا وَخِلَافَهُ دِينَنَا، وَمَنْ قَتَلَ مِنَّا وَأَجْلَى، وَنَحْنُ نَجْعَلُ لَكَ عَلَى ذَلِكَ

стр. 1678

جُعْلًا (١) عَلَى أَنْ تَسْحَرَهُ لَنَا سِحْرًا يَنْكَؤُهُ (٢). * تَأَثُّرُ الرَّسُولِ ﷺ بِسِحْرِ لَبِيدٍ: فَعَمَدَ لَبِيدُ بنُ الأَعْصَمِ إِلَى مُشْطٍ (٣) وَمُشَاطَةٍ (٤)، فَعَقَدَ فِيهِ عَقْدًا، وَتَفَلَ فِيهِ تَفْلًا، وَجَعَلَهُ فِي جُبِّ (٥) طَلْعِ نَخْلَةٍ ذَكَرٍ، ثُمَّ انْتَهَى بِهِ حَتَّى جَعَلَهُ تَحْتَ رَعُوفَةِ (٦) البِئْرِ، فَوَجَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمْرًا أَنْكَرَهُ حَتَّى يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَلَا يَفْعَلُهُ، وَحَتَّى كَانَ يَرَى أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلَا يَأْتِيهِنَّ، وَهَذَا أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ السِّحْرِ. وَمَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَضًا شَدِيدًا، وَأُخِذَ عَنِ النِّسَاءِ، وَعَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَلَبِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سِتَّةَ أَشْهُرٍ (٧)، حَتَّى دَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، قَالَتْ

стр. 1679

عَائِشَةُ ﵂، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ عِنْدِي دَعَا اللَّهَ، ثُمَّ دَعَا، ثُمَّ دَعَا (١)، ثُمَّ قَالَ ﷺ : "يَا عَائِشَةُ! أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ؟ أَتَانِي رَجُلَانِ (٢) -هُمَا جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ-، فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ (٣)؟ فَقَالَ: مَطْبُوبٌ (٤). قَالَ: مَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بنُ الأَعْصَمِ. قَالَ: فِي أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ، وَمُشَاطَةٍ، وَجُفِّ طَلْع نَخْلَةٍ ذَكَرٍ. قَالَ: وَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: في بِئْرِ ذَرْوَانَ" (٥) , فَأَتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ (٦)

стр. 1680

فَشَاهَدَهَا، فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَاءَ عَائِشَةَ، فَقَالَ لَهَا: "يَا عَائِشَةُ! هَذِهِ البِئْرُ التِي أُورِيتُهَا، كَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ (١) الحِنَّاءِ، وَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ". فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَلَا اسْتَخْرَجْتَهُ؟ قَالَ: "قَدْ عَافَانِيَ اللَّهُ فكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ فِيهِ شَرًّا" (٢)، ثُمَّ أَمَرَ بِالبِئْرِ فَدُفِنَتْ (٣). * نُزُوُل المُعَوِّذَتَيْنِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: وَنَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المُعَوِّذَتَانِ، سُورَةُ الفَلَقِ وَسُورَةُ النَّاسِ، وَشُفِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ سِحْرِ لَبِيدِ بنِ الأَعْصَمِ.

стр. 1681

رَوَى الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، عَنْ زَيْدِ بنِ أَرْقَمٍ ﵁، قَالَ: سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ (١)، فَاشْتَكَى، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ (٢). وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . "أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَتَانِ، فتَعَوَّذُوا بِهِنَّ، فَإِنَّهُ لَمْ يُتَعَوَّذْ بِمِثْلِهِنَّ". يَعْنِي المُعَوِّذَتَيْنِ (٣). * تَرْكُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَبِيدَ بنَ الأَعْصَمِ: وَترَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَبِيدَ بنَ الأَعْصَمِ، وَلَمْ يَقْتُلْهُ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ سُئِلَ: أَعَلَى مَنْ سَحَرَ مِنْ أَهْلِ العَهْدِ قَتْلٌ؟ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ صُنِعَ لَهُ ذَلِكَ، فَلَمْ يَقْتُلْ مَنْ صَنَعَهُ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ (٤). قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَإِنَّمَا لَمْ يَقْتُلِ النَّبِيُّ ﷺ لَبِيدَ بنَ الأَعْصَمِ: لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ؛ وَلِأَنَّهُ خَشِيَ إِذَا قتَلَهُ أَنْ تَثُورَ بِذَلِكَ

стр. 1682

فِتْنَةٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَبَيْنَ حُلَفَائِهِ مِنَ الأَنْصَارِ، وَهُوَ مِنْ نَمَطِ مَا رَاعَاهُ مِنْ تَرْكِ قَتْلِ المُنَافِقِينَ (١). * أَنْفَعُ عِلَاجِ لِلسِّحْرِ: قَالَ ابنُ القَيِّمِ: وَمِنْ أَنْفَعِ عِلَاجَاتِ السِّحْرِ الأَدْوِيَةُ الإِلهِيَّةُ مِنَ الأَذْكَارِ، وَالآيَاتِ، وَالدَّعَوَاتِ، فَالقَلْبُ إِذَا كَانَ مُمْتَلِئًا مِنَ اللَّهِ مَغْمُورًا بِذِكْرِهِ، وَلَهُ مِنَ التَّوَجُّهَاتِ وَالدَّعَوَاتِ وَالأَذْكَارِ وَالتَّعَوُّذَاتِ وِرْدٌ لَا يُخِلُّ بِهِ يُطَابِقُ قَلْبَهُ وَلسَانَهُ، كَانَ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الأَسْبَابِ التِي تَمْنَعُ إِصَابَةَ السِّحْرِ لَهُ، قَالَ: وَسُلْطَانُ تَأْثِيرِ السِّحْرِ هُوَ فِي القُلُوبِ الضَّعِيفَةِ، وَلهَذَا غَالِبُ مَا يُؤَثّر فِي النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالجُهَّالِ؛ لِأَنَّ الأَرْوَاحَ الخَبِيثَةَ إِنَّمَا تَنْشَطُ عَلَى أَرْوَاحٍ تَلْقَاهَا مُسْتَعِدَّةً لِمَا يُنَاسِبُهَا (٢). وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ، وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ -أَيْ عَلَى كَلَامِ ابْنِ القَيِّمِ ﵁ حَدِيثُ البَابِ، وَجَوَازُ السِّحْرِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَعَ عَظِيمِ مَقَامِهِ وَصِدْقِ تَوَجُّهِهِ، وَمُلَازَمَةِ وِرْدِهِ، وَلَكِنْ يُمْكِنُ الِانْفِصَالُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ ذِكْرَهُ مَحْمُولٌ عَلَى الغَالِبِ، وَأَنَّ مَا وَقَعَ بِهِ ﷺ لِبَيَانِ تَجْوِيزِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٣). * * *

стр. 1683

قُدُومُ قُتَيْلَةَ (١) بِنْتِ عَبْدِ العُزَّى عَلَى ابْنَتِهَا أَسْمَاءَ ﵂ مِنَ الأَحْدَاثِ التِي حَدَثَتْ فِي فَتْرَةِ هُدْنَةِ الحُدَيْبِيَةِ: أَنْ قَدِمَتْ قُتَيْلَةُ بِنْتُ عَبْدِ العُزَّى عَلَى ابْنَتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵂، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَسْمَاءَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ، إِذْ عَاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمُدَّتِهِمْ (٢)، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهِيَ رَاغِبَةٌ (٣)، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ". فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ

стр. 1684

الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَيُسْتَنْبَطُ مِنْ هَذَا الحَدِيثِ: ١ - وُجُوبُ نَفَقَةِ الأَبِ الكَافِرِ وَالأُمِّ الكَافِرَةِ، وَإِنْ كَانَ الوَلَدُ مُسْلِمًا. ٢ - وَفِيهِ مُوَادَعَةُ أَهْلِ الحَرْبِ وَمُعَامَلَتُهُمْ فِي زَمَنِ الهُدْنَةِ. ٣ - وَفِيهِ السَّفَرُ فِي زِيَارَةِ القَرِيبِ. ٤ - وَفِيهِ تَحَرِّي أَسْمَاءَ ﵂ فِي أَمْرِ دِينِهَا، وَكَيْفَ لَا، وَهِيَ بِنْتُ الصِّدِّيقِ، وَزَوْجُ الزُّبَيْرِ ﵃ أَجْمَعِينَ (٢). * * *

стр. 1685

غَزْوَةُ ذِي قَرَدٍ (١) أَوِ الغَابَةُ وَكَانَتْ هَذِهِ الغَزْوَةُ قَبْلَ غَزْوَةِ خَيْبَرَ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ (٢)، وَأَجْمَعَ أَهْلُ المَغَازِي وَالسِّيَرِ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ الحُدَيْبِيَةِ (٣).
следующие страницы →