← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

رَوَى الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، عَنْ زَيْدِ بنِ أَرْقَمٍ ﵁، قَالَ: سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ (١)، فَاشْتَكَى، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ (٢). وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . "أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَتَانِ، فتَعَوَّذُوا بِهِنَّ، فَإِنَّهُ لَمْ يُتَعَوَّذْ بِمِثْلِهِنَّ". يَعْنِي المُعَوِّذَتَيْنِ (٣). * تَرْكُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَبِيدَ بنَ الأَعْصَمِ: وَترَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَبِيدَ بنَ الأَعْصَمِ، وَلَمْ يَقْتُلْهُ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ سُئِلَ: أَعَلَى مَنْ سَحَرَ مِنْ أَهْلِ العَهْدِ قَتْلٌ؟ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ صُنِعَ لَهُ ذَلِكَ، فَلَمْ يَقْتُلْ مَنْ صَنَعَهُ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ (٤). قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَإِنَّمَا لَمْ يَقْتُلِ النَّبِيُّ ﷺ لَبِيدَ بنَ الأَعْصَمِ: لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ؛ وَلِأَنَّهُ خَشِيَ إِذَا قتَلَهُ أَنْ تَثُورَ بِذَلِكَ

стр. 1682

فِتْنَةٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَبَيْنَ حُلَفَائِهِ مِنَ الأَنْصَارِ، وَهُوَ مِنْ نَمَطِ مَا رَاعَاهُ مِنْ تَرْكِ قَتْلِ المُنَافِقِينَ (١). * أَنْفَعُ عِلَاجِ لِلسِّحْرِ: قَالَ ابنُ القَيِّمِ: وَمِنْ أَنْفَعِ عِلَاجَاتِ السِّحْرِ الأَدْوِيَةُ الإِلهِيَّةُ مِنَ الأَذْكَارِ، وَالآيَاتِ، وَالدَّعَوَاتِ، فَالقَلْبُ إِذَا كَانَ مُمْتَلِئًا مِنَ اللَّهِ مَغْمُورًا بِذِكْرِهِ، وَلَهُ مِنَ التَّوَجُّهَاتِ وَالدَّعَوَاتِ وَالأَذْكَارِ وَالتَّعَوُّذَاتِ وِرْدٌ لَا يُخِلُّ بِهِ يُطَابِقُ قَلْبَهُ وَلسَانَهُ، كَانَ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الأَسْبَابِ التِي تَمْنَعُ إِصَابَةَ السِّحْرِ لَهُ، قَالَ: وَسُلْطَانُ تَأْثِيرِ السِّحْرِ هُوَ فِي القُلُوبِ الضَّعِيفَةِ، وَلهَذَا غَالِبُ مَا يُؤَثّر فِي النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالجُهَّالِ؛ لِأَنَّ الأَرْوَاحَ الخَبِيثَةَ إِنَّمَا تَنْشَطُ عَلَى أَرْوَاحٍ تَلْقَاهَا مُسْتَعِدَّةً لِمَا يُنَاسِبُهَا (٢). وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ، وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ -أَيْ عَلَى كَلَامِ ابْنِ القَيِّمِ ﵁ حَدِيثُ البَابِ، وَجَوَازُ السِّحْرِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَعَ عَظِيمِ مَقَامِهِ وَصِدْقِ تَوَجُّهِهِ، وَمُلَازَمَةِ وِرْدِهِ، وَلَكِنْ يُمْكِنُ الِانْفِصَالُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ ذِكْرَهُ مَحْمُولٌ عَلَى الغَالِبِ، وَأَنَّ مَا وَقَعَ بِهِ ﷺ لِبَيَانِ تَجْوِيزِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٣). * * *

стр. 1683

قُدُومُ قُتَيْلَةَ (١) بِنْتِ عَبْدِ العُزَّى عَلَى ابْنَتِهَا أَسْمَاءَ ﵂ مِنَ الأَحْدَاثِ التِي حَدَثَتْ فِي فَتْرَةِ هُدْنَةِ الحُدَيْبِيَةِ: أَنْ قَدِمَتْ قُتَيْلَةُ بِنْتُ عَبْدِ العُزَّى عَلَى ابْنَتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵂، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَسْمَاءَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ، إِذْ عَاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمُدَّتِهِمْ (٢)، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهِيَ رَاغِبَةٌ (٣)، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ". فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ

стр. 1684

الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَيُسْتَنْبَطُ مِنْ هَذَا الحَدِيثِ: ١ - وُجُوبُ نَفَقَةِ الأَبِ الكَافِرِ وَالأُمِّ الكَافِرَةِ، وَإِنْ كَانَ الوَلَدُ مُسْلِمًا. ٢ - وَفِيهِ مُوَادَعَةُ أَهْلِ الحَرْبِ وَمُعَامَلَتُهُمْ فِي زَمَنِ الهُدْنَةِ. ٣ - وَفِيهِ السَّفَرُ فِي زِيَارَةِ القَرِيبِ. ٤ - وَفِيهِ تَحَرِّي أَسْمَاءَ ﵂ فِي أَمْرِ دِينِهَا، وَكَيْفَ لَا، وَهِيَ بِنْتُ الصِّدِّيقِ، وَزَوْجُ الزُّبَيْرِ ﵃ أَجْمَعِينَ (٢). * * *

стр. 1685

غَزْوَةُ ذِي قَرَدٍ (١) أَوِ الغَابَةُ وَكَانَتْ هَذِهِ الغَزْوَةُ قَبْلَ غَزْوَةِ خَيْبَرَ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ (٢)، وَأَجْمَعَ أَهْلُ المَغَازِي وَالسِّيَرِ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ الحُدَيْبِيَةِ (٣).

стр. 1686

وَهَذِهِ الغَزْوَةُ هِيَ أَوَّلُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ بَطَلُ هَذِهِ الغَزْوَةِ سَلَمَةَ بنَ الأَكْوَعِ ﵁. * سَبَبُهَا: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِشْرُونَ لَقْحَةً (١) تَرْعَى بِالغَابَةِ، وَكَانَ عَلَيْهَا رَجُلٌ مِنْ غِفَارٍ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ، فَأَغَارَ عَلَيْهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عُيَيْنَةَ بنِ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ، فَقَتَلُوا الرَّجُلَ وَأَسَرُوا امْرَأتَهُ، وَاسْتَاقُوا اللِّقَاحَ. * تَحَرُّكُ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ ﵁ -: وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَمِعَ بِهِمْ سَلَمَةُ بنُ الأَكْوَعِ ﵁، فَإِنَّهُ خَرَجَ هُوَ وَرَبَاحٌ غُلَامُ الرَّسُولِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُؤَذَّنَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ نَحْوَ الغَابَةِ مُتَوَشِّحًا قَوْسَهُ وَنَبْلَهُ، ومَعَهُ فَرَسٌ لِطَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵁ يَقُودُهُ، فَلَقِيَهُ غُلَامٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ ﵁، فَقَالَ لَهُ: أُخِذَتْ لِقَاحُ رَسُولِ اللَّهِ ﵁، فَقَالَ لَهُ سَلَمَةُ ﵁: مَنْ أَخَذَهَا؟ قَالَ: غَطَفَانٌ. فَقَالَ سَلَمَةُ ﵁ لِرَبَاحٍ غُلَامِ الرَّسُولِ ﷺ : يَا رَبَاحُ خُذْ هَذَا الفَرَسَ فَأَلْحِقْهُ بِطَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَأَخْبِرْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَدْ أُغِيرَ عَلَى سَرْحِهِ (٢)، ثُمَّ

стр. 1687

وَقَفَ سَلَمَةُ ﵁ عَلَى تَلٍّ، وَجَعَلَ وَجْهَهُ قِبَلَ المَدِينَةِ، ثُمَّ نَادَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: يَا صَبَاحَاهُ. فَأَسْمَعَ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ المَدِينَةِ (١)، قَالَ سَلَمَةُ ﵁: ثُمَّ اتَّبَعْتُ القَوْمَ مَعِيَ سَيْفِي ونَبْلِي، فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ، وَأَعْقِرُ (٢) بِهِمْ، وَذَلِكَ حِينَ يَكْثُرُ الشَّجَرُ، فَإِذَا رَجَعَ إِلَيَّ فَارِسٌ جَلَسْتُ لَهُ فِي أَصْلِ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَمَيْتُ، فَلَا يُقْبِلُ عَلَيَّ فَارِسٌ إِلَّا عَقَرْتُ بِهِ، فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ، وَأَنَا أَقُولُ: أَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ ... وَالْيَوْمَ يَوْمُ الرُّضَّعِ (٣) فَأَلْحَقُ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ، فَأَرْمِيهِ، وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَيَقَعُ سَهْمِي فِي الرَّجُلِ حَتَّى خَلَصَ نَصْلُ السَّهْمِ إِلَى كَتِفِهِ، فَقُلْتُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ ... وَالْيَوْمَ يَوْمُ الرُّضَّعِ فَإِذَا كُنْتُ فِي الشَّجَرِ أَحْرَقْتُهُمْ بِالنَّبْلِ، حَتَّى إِذَا تَضَايَقَ الجَبَلُ، فَدَخَلُوا فِي تَضَايُقِهِ، عَلَوْتُ الجَبَلَ، فَجَعَلْتُ أُرْدِيهِمْ (٤) بِالحِجَارَةِ، فَمَا زَالَ ذَاكَ شَأْنِي

стр. 1688

شَأْنِي وَشَأْنْهُمْ أَتْبَعُهُمْ فَأَرْتَجِزُ (١)، حَتَّى مَا خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ ظَهْرِ (٢) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا خَلَّفْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِي، فَاسْتَنْقَذْتُهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ، ثُمَّ لَمْ أَزَلْ أَرْمِيهِمْ حَتَّى أَلقوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ رُمْحًا، وَأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً (٣) يَسْتَخِفُّونَ مِنْهَا، وَلَا يُلْقُونَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا إِلَّا جَعَلْتُ عَلَيْهِ أَرَامًا (٤) مِنْ حِجَارَةٍ، يَعْرِفُهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَاُبهُ، حَتَّى أَتَوْا مُتَضَايِقًا مِنْ ثَنِيَّةٍ (٥) فَجَلَسُوا يَتَغَدَّوْنَ، وَجَلَسْتُ عَلَى رَأْسِ قَرْنٍ (٦)، فَأَتَاهُمْ عُيَيْنَةُ بنُ بَدْرٍ الفَزَارِيُّ مَدَدًا لَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا هَذَا الذِي أَرَى؟ قَالُوا: لَقِينَا مِنْ هَذَا البَرْحَ (٧)، مَا فَارَقَنَا بِسَحَرٍ (٨) حَتَّى الآنَ، وَأَخَذَ كُلَّ شَيْءٍ فِي أَيْدِينَا، وَجَعَلَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، فَقَالَ عُيَيْنَةُ: لَوْلَا أَنَّ هَذَا يَرَى أَنَّ وَرَاءَهُ طَلَبًا لَقَدْ تَرَكَكُمْ، لِيَقُمْ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْكُمْ، فَقَامَ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ، فَصَعَدُوا فِي الجَبَلِ، فَلَمَّا أَسْمَعْتُهُمُ الصَّوْتَ، قُلْتُ: أَتَعْرِفُونِي؟ قَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: أَنَا

стр. 1689

ابْنُ الأَكْوَعِ، وَالذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَا أَطْلُبُ رَجُلًا مِنْكُمْ إِلَّا أَدْرَكْتُهُ، وَلَا يَطْلُبُنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ فَيُدْرِكَنِي، فَرَجَعُوا عَنْهُ. * خُرُوجُ الرَّسُولِ ﷺ فِي طَلَبِ القَوْمِ: وَلَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صِيَاحُ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ ﵁، صَرَخَ بِالمَدِينَةِ: "الفَزَعَ الفَزَعَ"، فتَرَامَتِ (١) الخُيُولُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ انْتَهَى إِلَيْهِ مِنَ الفُرْسَانِ: المِقْدَادُ بنُ عَمْرٍو حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ، ثُمَّ عَبَّادُ بنُ بِشْرٍ، أَحَدُ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، وَسَعْدُ بنُ زَيْدٍ أَحَدُ بَنِي كَعْبِ بنِ عَبْدِ الأَشْهَلِ، وَأُسَيْدُ بنُ ظَهِيرٍ، وَعُكَّاشَةُ بنُ مِحْصَنٍ الأَسَدِيُّ، وَمُحْرِزُ بنُ نَضْلَةَ ويُعْرَفُ بِالأَخْرَمِ الأَسَدِيِّ، وَأَبُو قَتَادَةَ الحَارِثُ بنُ رِبْعِيٍّ فَارِسُ الرَّسُولِ ﷺ ، وَأَبُو عَيَّاشٍ عُبَيْدُ بنُ زَيْدِ بنِ الصَّامِتِ، ﵃ أَجْمَعِينَ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمَّرَ عَلَيْهِمْ سَعْدَ بنَ زَيْدٍ الأَشْهَلِيَّ، وَقِيلَ: المِقْدَادَ بنَ عَمْرٍو (٢)، ثُمَّ قَالَ لَهُ ﷺ : "اخْرُجْ فِي طَلَبِ القَوْمِ حَتَّى أَلْحَقَكَ فِي النَّاسِ". قَالَ سَلَمَةُ ﵁: فَمَا بَرِحْتُ (٣) مَقْعَدِي ذَلِكَ حَتَّى نَظَرْتُ إلى فَوَارِسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَخَلَّلُونَ الشَّجَرَ، وَإِذَا أَوَّلُهُمُ الأَخْرَمُ الأَسَدِيُّ، وَهُوَ مُحْرِزُ بنُ نَضْلَةَ

стр. 1690

-﵁، وَعَلَى أَثَرِهِ أَبُو قتَادَةَ فَارِسُ الرَّسُولِ ﷺ ، وَعَلَى أَثَرِ أَبِي قتَادَةَ ﵁ المِقْدَادُ بنُ عَمْرٍو ﵁، قَالَ: فَوَلَّى المُشْرِكُونَ مُدْبِرِينَ، وَنَزَلْتُ مِنَ الجَبَلِ، فَأَخَذْتُ بِعَنَانِ (١) فَرَسِ الأَخْرَمِ، وَقُلْتُ لَهُ: يَا أَخْرَمُ! احْذَرِ القَوْمَ لَا يَقْتَطِعُوكَ حَتَّى يَلْحَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَاُبهُ، فَقَالَ: يَا سَلَمَةُ إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَتَعْلَمُ أَنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ، فَلَا تَحُلْ بَيْنِي وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنَانَ فَرَسِهِ، وَلَحِقَ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عُيَيْنَةَ، فَأَدْرَكَهُ فَاخْتَلَفَا طَعْنَتَيْنِ، فَعَقَرَ الأَخْرَمُ فَرَسَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَطَعَنَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَتَلَهُ (٢)، فتَحَوَّلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى فَرَسِ الأَخْرَمِ. فَلَحِقَ أَبُو قتَادَةَ فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ، وَغَشَّاهُ (٣) بُرْدَهُ، ثُمَّ تَحَوَّلَ أَبُو قتَادَةَ عَلَى فَرَسِ الأَخْرَمِ، ثُمَّ لَحِقَ القَوْمَ. فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ القَتِيلَ مُسَجًّى (٤) بِبُرْدَةِ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ اسْتَرْجَعُوا، وَقَالُوا: قُتِلَ أَبُو قتَادَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ: "لَيْسَ بِأَبِي قَتَادَةَ، وَلَكِنَّهُ قَتِيلٌ لِأَبِي قَتَادَةَ وَضَعَ عَلَيْهِ بُرْدَهُ، لِتَعْرِفُوا أَنَّهُ صَاحِبَهُ".

стр. 1691

وَأَدْرَكَ عُكَّاشَةُ بنُ مُحْصِنٍ ﵁ أَوْبَارًا (١) أَوِ ابْنَهُ عَمْرَو بنَ أَوْبَارٍ، وَهُمَا عَلَى بَعِيرٍ وَاحِدٍ، فَانْتَظَمَهُمَا بِالرُّمْحِ فَقَتَلَهُمَا جَمِيعًا. قَالَ سَلَمَةُ ﵁: ثُمَّ إِنِّي خَرَجْتُ أَعْدُو عَلَى رِجْلَيَّ فِي أَثَرِ القَوْمِ حَتَّى مَا أَرَى مِنْ غُبَارِ صَحَابَةِ النَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا، حَتَّى يَعْدِلُوا (٢) قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى شِعْبٍ فِيهِ مَاءٌ يُقَالُ لَهُ: ذُو قَرَدٍ، فَأَرَادُوا أَنْ يَشْرَبُوا مِنْهُ، وَهُمْ عِطَاشٌ، فَأَبْصَرُونِي أَعْدُو وَرَاءَهُمْ، فَعَطَفُوا (٣) عَنْهُ، فَمَا ذَاقُوا مِنْهُ قَطْرَةً، وَاشْتَدُّوا فِي الثَّنِيَّةِ -ثَنِيَّةِ ذِي نَثْرٍ- وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَلْحَقُ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَأَرْمِيهِ، فَقُلْتُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ ... وَالْيَوْمَ يَوْمُ الرُّضَّعِ فَأَصَابَهُ بِسَهْمٍ، فَأَصَابَ كَتِفَهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا ثُكَلَ أُمِّ (٤)، أَكْوَعُ بُكْرَةَ (٥)، فَقَالَ سَلَمَةُ: نَعَمْ يَا عَدُوَّ نَفْسِهِ، فَأَتْبَعْتُهُ سَهْمًا آخَرًا، فَعَلِقَ بِهِ سَهْمَانِ، ويُخَلِّفُونَ فَرَسَيْنِ، فَجِئْتُ بِهِمَا أَسُوقُهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَحِقَنِي عَامِرٌ بِسَطْحِيَّةٍ (٦) فِيهَا مَذْقَةٌ (٧) مِنْ لَبَنٍ، وَسَطْحِيَّةٌ فِيهَا

стр. 1692

مَاءٌ، فَتَوَضَّأْتُ وَشَرِبْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى المَاءِ الذِي حَلّأتُهُمْ (١) عَنْهُ بِذِي قَرَدٍ، فإِذا بِنَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فِي خَمْسِ مِئةٍ، وَإِذا بِلَالٌ قدْ نَحَرَ جَزُورًا مِمَّا خَلَّفْتُ، فَهُوَ يَشْوِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ كَبِدِهَا وَسَنَامِهَا، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! خَلِّنِي فَأَنْتَخِبُ (٢) مِنْ أَصْحَابِكَ مِئَةَ رَجُلٍ، فَأَتْبَعَ القَوْمَ فَلَا يَبْقَى مِنْهُمْ مُخْبِرٌ إِلَّا قَتَلْتُهُ، فَقَالَ ﷺ : "أَكُنْتَ فَاعِلًا ذَلِكَ يَا سَلَمَةُ". قَالَ ﵁: نَعَمْ، وَالذِي أَكْرَمَكَ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ (٣) فِي ضَوْءَ النَّارِ، ثُمَّ قَالَ ﷺ : "يَا ابْنَ الأَكْوَعِ مَلَكْتَ فَأسْجِحْ (٤)، إِنَّهُمْ الآنَ لَيُقْرَونَ (٥) فِي أَرْضِ غَطَفَانَ". قَالَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ غَطَفَانَ، فَقَالَ: مَرُّوا عَلَى فُلَانٍ الغَطَفَانِيِّ فَنَحَرَ لَهُمْ جَزُورًا، فَلَمَّا أَخَذُوا يَكْشِطُونَ (٦) جِلْدَهَا رَأَوْا غُبَارًا، فَقَالُوا: أَتَاكُمُ القَوْمُ، فتَرَكُوهَا وَخَرَجُوا هَارِبِينَ.

стр. 1693

* صَلَاةُ الرَّسُولِ ﷺ بِذِي قَرَدٍ صَلَاةَ الخَوْفَ: وَفِي هَذِهِ الغَزْوَةِ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الخَوْفِ بِذِي قَرَدٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الخَوْفِ بِذِي قَرَدٍ، فَصَفَّ النَّاسَ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ: صَفٌّ مُوَازِي العَدُوِّ، وَصَفٌّ خَلْفَهُ، فَصَلَّى بِالصَّفِّ الذِي يَلِيهِ رَكْعَةً، ثُمَّ نَكَصَ (١) هَؤُلَاءِ إِلَى مَصَافِّ هَؤُلَاءِ، وَهَؤُلَاءَ إِلَى مَصَافِّ هَؤُلَاءِ، فَصلَّى بِهِمْ رَكْعَةً أُخْرَى (٢). وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذِي قَرَدٍ يَوْمًا وَلَيْلَةً يَتَحَسَّسُ (٣) الخَبَرَ، قَالَ سَلَمَةُ: فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَيْرُ فُرْسَانِنَا اليَوْمَ أَبُو قَتَادَةَ، وَخَيْرُ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ". ثُمَّ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ" سَهْمَيْنِ: سَهْمَ الفَارِسِ، وَسَهْمَ الرَّاجِلِ جَمِيعًا (٤)

стр. 1694

* رُجُوعُ الرَّسُولِ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ: ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ، وَقَدْ أَرْدَفَ خَلْفَهُ سَلَمَةَ بنَ الأَكْوَعِ ﵁ عَلَى العَضبَاءِ (١). قَالَ سَلَمَةُ ﵁: فَلَمَّا كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمَا -أَي المَدِينَةِ- قَرِيبًا مِنْ ضَحْوَةٍ (٢)، وَفِي القَوْمِ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ لَا يُسْبَقُ جَعَلَ يُنَادِي: هَلْ مِنْ مُسَابِقٍ؟ أَلَا رَجُلٌ يُسَابِقُ إِلَى المَدِينَةِ؟ فَأَعَادَ ذَلِكَ مِرَارًا، وَأَنَا وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُرْدِفِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ذَرْنِي (٣) فَلَأُسَابِقُ الرَّجُلَ، قَالَ ﷺ : "إِنْ شِئْتَ". قَالَ سَلَمَةُ ﵁: فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ (٤) شَرَفًا (٥) أَوْ شَرَفَيْنِ، ثُمَّ عَدَوْتُ حَتَّى أَلْحَقَهُ، وَسَبَقْتُهُ إِلَى المَدِينَةِ (٦).

стр. 1695

* فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - جَوَازُ العَدْوِ الشَّدِيدِ فِي الغَزْوِ. ٢ - وَفِيهِ الإِنْذَارُ بِالصِّيَاحِ العَالِي. ٣ - وَفِيهِ تَعْرِيفُ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ إِذَا كَانَ شُجَاعًا لِيُرْعِبَ خَصْمَهُ. ٤ - وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الثَّنَاءَ عَلَى الشُّجَاعِ، وَمَنْ فِيهِ فَضِيلَةٌ لَا سِيَّمَا عِنْدَ الصُّنْعِ الجَمِيلِ لِيَسْتَزِيدَ مِنْ ذَلِكَ، وَمَحَلُّهُ حَيْثُ يُؤْمَنُ الِافْتِتَانُ. ٥ - وَفِيهِ المُسَابَقَةُ عَلَى الأَقْدَامِ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَأَمَّا بِالعِوَضِ فَالصَّحِيحُ لَا يَصِحُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (١). * قِصَّةُ المَرْأَةِ المُسْلِمَةِ: أَمَّا المَرْأَةُ المُسْلِمَةُ التِي أُسِرَتْ فِي هَذِهِ الغَزْوَةِ، فَقَدِ اسْتَطَاعَتْ أَنْ تُفْلِتَ مِنْ وَثَاقِهَا، فَأَتَتِ الإِبِلَ، فَجَعَلَتْ كُلَّمَا دَنَتْ إِلَى بَعِيرٍ رَغَا (٢) فتَتْرُكُهُ، حَتَّى انْتَهَتْ إِلَى العَضْبَاءِ نَاقَةِ الرَّسُولِ ﷺ ، فَلَمْ تَرْغِ، ثُمَّ رَكِبَتْهَا وَوَجَّهَتْهَا قِبَلَ المَدِينَةِ، وَنَذَرَتْ إِنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا، فَلَمَّا قَدِمَتِ المَدِينَةَ رَآهَا النَّاسُ، فَقَالُوا: العَضْبَاءُ، نَاقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِنَّهَا نَذَرَتْ، إِنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا

стр. 1696

لَتَنْحَرَنَّهَا، فَأتوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ له، فَقَالَ ﷺ : "سُبْحَانَ اللَّهِ! بِئْسَمَا جَزَتْهَا"، أَوْ قَالَ: "بِئْسَمَا جَزَيْتِيهَا، لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدمَ" (١). قَالَ الدُّكْتُورُ مُحَمَّد أَبُو شَهْبَة: وَإِنَّ هَذِهِ القِصَّةَ لترِينَا حُسْنَ العَهْدِ، وَغَايَةَ الوَفَاءِ اللَّذَيْنِ كَانَ يَتَخَلَّقُ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، هَذَا الوَفَاءُ الذِي شَمِلَ بَنِي الإِنْسَانِ وَالحَيَوَانَ، وَقَدْ كَانَ هَذَا دَرْسًا عَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذه المَرْأَةَ لِيَكُونَ عِبْرَةً لِلْأَجْيَالِ، إِنَّ صَاحِبَ الخُلُقِ العَظِيمِ يُعَلِّمُنَا أَنْ نُقَابِلَ الإِحْسَانَ بِالإِحْسَانِ، وَالجَمِيلَ بِالجَمِيلِ، وَالنِّعَمَ بِالشُّكْرِ، لَا بِالجُحُودِ وَالكُفْرَانِ، وَأَنَّ الوَفَاءَ لَازِمٌ حَتَّى لِلْحَيَوَانِ، وَبَعْدَ أَنْ بَيَّنَ لَهَا الرَّسُولُ ﷺ أَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ لَا يَلِيقُ خُلُقًا وَمُرُوءَةً، فَهُوَ لَا يَجُوزُ شَرْعًا، إِذْ لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ الإِنْسَانُ (٢). * * *

стр. 1697

غَزْوَةُ خَيبَرَ مِنْ بدَايَتِهَا إِلَى نِهَايَتِهَا غَزْوَةُ خَيْبَرَ لَبِثَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ بَعْدَ أَنْ قَدِمَ مِنْ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ ثَلَاثَ لَيَالٍ ثُمَّ خَرَجَ فِي بَقِيَّةِ المُحَرَّمِ مِنَ السَّنَةِ السَّابِعَةِ (١) لِلْهِجْرَةِ إِلَى خَيْبَرَ. * سَبَبُ الغَزْوَةِ: أَمَّا سَبَبُ هَذِهِ الغَزْوَةِ العَظِيمَةِ، هُوَ أَنَّ أَهْلَ خَيْبَرَ هُمُ الذِينَ حَزَّبُوا الأَحْزَابَ ضِدَّ المُسْلِمِينَ، وَهُمُ الذِينَ أَثَارُوا بَنِي قُرَيْظَةَ عَلَى الغَدْرِ وَالخِيَانَةِ ضِدَّ المُسْلِمِينَ، فَكَانَتْ خَيبرُ هِيَ مَوْطِنُ الدَّسَائِسِ وَالتآمرِ، وَمَرْكَزُ إِثَارَةِ الفِتَنِ وَالحُرُوبِ ضِدَّ المُسْلِمِينَ، فَلَمَّا انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَمْرِ قُرَيْشٍ بِهُدْنَةِ الحُدَيْبِيَةِ، تَفَرَّغَ الآنَ لِخَيبرَ. * طَبِيعَةُ خَيْبَرَ: وَخَيْبَرُ مَدِينَةٌ كَبِيرَة ذَاتُ حُصُونٍ، وَمَزَارعَ وَنَخْل كَثِيرٍ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ المَدِينَةِ

стр. 1698

ثَمَانِيَةُ بُرُدٍ (١)، وَإِلَيْهَا لَجَأَ يَهُودُ بَنِي قَيْنقاعَ وَالنَّضِيرِ بَعْدَ إِجْلَائِهِمْ مِنَ المَدِينَةِ -كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ- فَكَانَ لَا يَسْكُنُهَا إِلَّا يَهُودٌ. * تَجْهِيزُ المُسْلِمِينَ لِلْغَزْوِ وَخُرُوجُهُمْ: تَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِغَزْوِ خَيْبَرَ وَفتحِهَا، وَكَانَ اللَّه ، قَدْ وَعَدَ رَسُولَهُ ﷺ عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ بِفَتْحِهَا، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ (٢)، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالتَّجَهُّزِ لِغَزْوِ وَفَتْحِ خَيْبَرَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَادَتِهِ إِذَا أَرَادَ غَزْوًا وَرَّى (٣) بِغَيْرِهِ، إِلَّا فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ، وَغَزَوَةِ تَبُوكَ، أَمَّا غَزْوَةُ خَيْبَرَ فَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَعَدَهُ بِفَتْحِهَا، وَأَمَّا غَزْوَةُ تبوك، فَلأَنَّ المَسَافَةَ بعيدَةٌ جدًّا، وَلأنَّهَا كَانَتْ مَعَ أَعْظَم دَوْلَةٍ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ وَهِيَ الرُّومُ، فَلَابدَّ مِنْ أَخْذِ الِاسْتِعْدَادِ الكَامِلِ لَهَا. * رَدُّ الرَّسُولِ ﷺ المُخَلَّفِينَ: وَلَمَّا تَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَاءَهُ المُخَلَّفُونَ عَنْهُ فِي غَزْوَةِ الحُدَيْبِيَةِ يُرِيدُونَ

стр. 1699

الخُرُوجَ مَعَهُ رَجَاءَ الغَنِيمَةِ، فَلَمْ يَأْذَنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١). ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ منَادِيًا نَادِي: أَنْ لَا يَخْرُجَ مَعَنَا إِلَّا رَاغِبٌ فِي الجِهَادِ، فَلَمْ يَخْرُجْ مَعَهُ إِلَّا أَصْحَابُ الشَّجَرَةِ، وَهُمْ أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ (٢). * الْتِمَاسُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غُلامًا يَخْدِمُهُ: وَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الخُرُوجَ لِخَيبرَ، أَمَرَ أَبُو طَلْحَةَ الأَنْصَارِيَّ ﵁ أَنْ يَلْتَمِسَ له غُلَامًا يَخْدِمُهُ وَهُوَ ذَاهِبٌ إِلَى خَيْبَرَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَبِي طَلْحَةَ: "الْتَمِسْ لِي غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدِمُنِي حَتَّى أَخْرُجَ إِلَى خَيبر"، فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ مُرْدِفِي، وَأَنا غُلَامٌ رَاهَقْتُ (٣) الحُلُمَ، فكُنْتُ أَخْدُمُ (٤) رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا نَزَلَ، فكنْتُ أَسْمَعُهُ

стр. 1700

كَثِيرًا يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالعَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالبُخْلِ وَالجُبْنِ، وَضَلع الدَّيْنِ (١)، وغَلبةِ الرِّجَالِ" (٢)، ثُمَّ قَدِمْنَا خَيْبَرَ (٣). وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى المَدِينَةِ سِبَاعَ (٤) بنَ عُرْفُطَةَ الغِفَارِيَّ ﵁، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ (٥). فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَده، وَالحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ عِرَاكَ بنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدِمَ المَدِينَةَ فِي رَهْطٍ مِنْ قَوْمِهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ بِخَيْبَرَ، وَقَدِ اسْتَخْلَفَ سِبَاعَ بنَ عُرْفُطَةَ الغِفَارِيَّ عَلَى المَدِينَةِ (٦).

стр. 1701

* قُدُومُ أَبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ ﵁ - (١): وَقَدِمَ المَدِينَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَتَجَهَّزُ لِفَتْحِ خَيْبَرَ أَبُو ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيُّ ﵁ وَخَرَجَ مَعَهُ فَشَهِدَ خَيْبَرَ، ثُمَّ قَدِمَ بَعْدَ ذَلِكَ سَبْعَةُ نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَسْلَمُوا وَنَزَلُوا عَلَيْهِ (٢). * طَرِيقُ الرَّسُولِ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ وَأَحْدَاثٌ جَرَتْ فِي الطَّرِيقِ: خَرَجَ الرَّسُولُ ﷺ وَسَلَكَ وَهُوَ ذَاهِبٌ إِلَى خَيْبَرَ عَلَى جَبَلِ عَصَرٍ (٣)، ثُمَّ سَلَكَ عَلَى الصَّهْبَاءَ (٤)، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي مَسِيرِهِ إِلَى خَيْبَرَ وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى حِمَارِهِ (٥). أَخْرَجَ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحيْهِمَا عَنْ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ:

стр. 1702

خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ فَسِرْنَا لَيْلًا، فَقَالَ رَجُلٌ (١) مِنَ القَوْمِ لِعَمِّي (٢) عَامِرِ بنِ الأَكْوَعِ: يَا عَامِرُ أَلَا تُسْمِعُنَا مِنْ هُنَيَّاتِكَ (٣)؟ وَكَانَ عَامِر رَجُلًا شَاعِرًا فنَزَلَ يَحْدُو (٤) بِأَصْحَابِ الرَّسُولِ ﷺ ، وفِيهِمُ النَّبِيَّ ﷺ يَسُوقُ الرِّكَابَ (٥)، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا فَاغْفِرْ فِدَاءً (٦) لَكَ مَا اتَّقَيْنَا ... وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا

стр. 1703

وَأَلْقِيَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ... إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَبَيْنَا (١) وَبِالصِّيَاحِ عَوَّلُوا عَلَيْنَا (٢) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ هَذَا السَّائِقُ؟ " (٣). قَالُوا: عَامِرُ بنُ الأَكْوَعِ، قَالَ ﷺ : "يَرْحَمُهُ اللَّهُ". فقال رجل من القوم: وجبت يا رسول اللَّه! لولا أمتعتنا به (٤). وَفِي رِوَايَةِ ابنِ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ عَنْ إِيَاسَ بنِ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "غَفَرَ لَكَ رَبُّكَ"، قَالَ: وَمَا اسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِإِنْسَانٍ يَخُصُّهُ إِلَّا اسْتُشْهِدَ، فنَادَى عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁، وَهُوَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ

стр. 1704

لَوْلَا مَتَّعْتَنَا بِعَامِرٍ (١). وَقَدِ اسْتُشْهِدَ عَامِرٌ ﵁ فِي هَذِهِ الغَزْوَةِ كَمَا سَيَأْتِي. * وُصُولُ المُسْلِمِينَ إِلَى خَيْبَرَ وَإِغَارَتُهُمْ عَلَيْهَا: اقْترَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ لَيْلًا، فبَاتَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ قَرِيبًا مِنْهَا، وَكَانَ رَسُولُ ﷺ إِذَا أَتَى قَوْما بِلَيْل لَمْ يُغِرْ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُصْبِحَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ صَلَّي الفَجْرَ بِغَلَسٍ (٢)، وَرَكِبَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَأتَى خَيْبَرَ (٣). وَلَمَّا أَشْرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى خَيْبَرَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: قِفُوا، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ وَمَا أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الأَرْضِينَ وَمَا أَقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا أَذْرَيْنَ، فَإِنَّا نَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ القَرْيَةِ وَخَيْرَ أَهْلِهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ أَهْلِهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا، أَقْدِمُوا بِسْمِ اللَّهِ"، وَكَانَ ﷺ يَقُولُ هَذَا الدُّعَاءَ لِكُلِّ قَرْيَةٍ دَخَلَهَا (٤).

стр. 1705

قَالَ أَنَسٌ ﵁: فَأتَيْنَاهُمْ حِينَ بَزَغَتِ (١) الشَّمْسُ، وَقَدْ خَرَجَ يَهُودُ خَيْبَرَ إِلَى زُرُوعِهِم بِمَسَاحِيهِمْ (٢) وَمَكَاتِلِهِمْ (٣)، وَأخرَجُوا مَوَاشِيَهُمْ، وَلَا يَشْعُرُون فَلمَّا رَأَوْا جَيْشَ المُسْلِمِينَ فَزِعُوا وَقَالُوا: مُحَمَّدٌ وَاللَّهِ، مُحَمَّد وَالخَمِيسُ (٤)، ثُمَّ رَجَعُوا هَارِبِينَ إِلَى حُصُونِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ" (٥). * جُغْرَافِيَةُ خَيْبَرَ: قَبْلَ أَنْ نَشْرَعَ (٦) فِي تَفَاصِيلِ هَذِهِ الغَزْوَةِ العَظِيمَةِ، نَتَكَلَّمُ أَوَّلًا عَنْ جُغْرَافِيَتهَا: خَيْبَرُ مُنْقَسِمَةٌ إِلَى شَطْرَيْنِ: شَطْرٌ فِيهِ خَمْسَةُ حُصُون وَهِيَ: ١ - حِصْنُ نَاعِمٍ.

стр. 1706

٢ - حِصْنُ الصَّعْبِ بنِ مُعَاذٍ. ٣ - وَحِصْنُ قَلْعَةِ الزُّبَيْرِ. ٤ - وَحِصْنُ أُبَيٍّ. ٥ - وَحِصْنُ النَّزَارِ. وَتَقَعُ الحُصُونُ الثَّلَاثَةُ الأُولَى فِي مَنْطِقَةٍ يُقَالُ لَهَا: النَّطَاةُ، وَأَمَّا الحِصْنَانِ الآخرانِ فَيَقَعَانِ فِي مَنْطِقَة تُسَمَّى: الشِّقَّ. أَمَّا الشَّطْرُ الثَّانِي: فَيُعْرَفُ بِالكُتَيْبَةِ، وَفِيهِ ثَلَاثُ حُصُونٍ وَهِيَ: ١ - حِصْنُ القَمُوصِ. ٢ - وَحِصْنُ الوَطِيحِ. ٣ - وَحِصْنُ السُّلَالِمِ. وَهُنَاكَ حُصُونٌ أُخْرَى غَيْرُ هَذه الثَّمَانِيَةِ، إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ صَغِيرَةً لَا تَبْلُغُ إِلَى درجة هَذه الْحُصُونِ فِي مَنَاعَتِهَا وَقُوَّتِهَا. * بَدْءُ المَعْرَكَةِ وَفَتْحُ حِصْنِ نَاعِمٍ: أَوَّلُ حِصْنٍ هَاجَمَهُ المُسْلِمُونَ مِنْ هَذِهِ الحُصُونِ الثَّمَانِيَةِ هُوَ: حِصْنُ نَاعِمٍ، فَخَرَجَ مَرْحَبٌ اليَهُودِيُّ ينَادِي بِالبِرَازِ، قَالَ سَلَمَةُ بنُ الأَكْوَعِ ﵁: فَلَمَّا قَدِمْنَا خَيْبَرَ خَرَجَ مَلِكُهُمْ مَرْحَمب يَخْطُرُ بِسَيْفِهِ (١) وَيَقُولُ:

стр. 1707

قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ ... شَاكِي السِّلَاحِ (١) بَطَلٌ مُجَرَّبُ إِذَا الحُرُوبُ أَقبَلَتْ تَلَهَّبُ فَبَرَزَ لَهُ عَمِّي عَامِرٌ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي عَامِرُ ... شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُغَامِرُ فَاخْتَلفا ضَرْبَتَيْنِ، فَوَقَعَ سَيْفُ مَرْحَبٍ فِي تُرْسِ عَامِرٍ، وَذَهَبَ عَامرٌ يَسْفُلُ (٢) لَهُ، وَكَانَ سَيْفُهُ قَصِيرًا، فَتَنَاوَلَ بِهِ سَاقَ اليَهُودِيِّ لِيَضْرِبَهُ، فَرَجَعَ ذُبَابُ (٣) سَيْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ، فَأَصَابَ عَيْنَ رُكْبَتِهِ (٤)، فَمَاتَ مِنْهُ. قَالَ سَلَمَةُ ﵁: فَقَالَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ : بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ، قَتَلَ نَفْسَهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ ﷺ ، وَأَنَا أَبْكِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَالَ ذَلِكَ؟ ". قَالَ: أُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَذَبَ (٥) مَنْ قَالَ ذَلِكَ، إِنَّ لَهُ لَأَجْرَيْنِ -وَجَمَعَ بَيْنَ

стр. 1708

إِصْبَعَيْهِ- إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ" (١). * مَقْتَلُ مَحْمُودِ بنِ مَسْلَمَةَ ﵁ عَلَى يَدِ مَرْحَبٍ: وَقَدْ وَاجَهَ المُسْلِمُونَ مُقَاوَمَةً شَدِيدَةً، وَصُعُوبَةً كَبِيرَةً عِنْدَ فَتْحِ بَعْضِ هَذِهِ الحُصُونِ، مِنْهَا حِصْنُ نَاعِمٍ هَذَا، وَهُوَ أَوَّلُ الحُصُونِ، وَقَدِ اسْتُشْهِدَ عِنْدَهُ مَحْمُودُ بنُ مَسْلَمَةَ ﵁، حَيْثُ كَانَ تَحْتَ الحِصْنِ، فَأَلقى عَلَيْهِ مَرْحَب اليَهُودِيُّ مِنْ أَعْلَي الحِصْنِ رَحًا (٢) فَقتَلَهُ بِهَا (٣). وَظَلَّ حِصْنُ نَاعِمٍ أَوَّلَ حُصُونِ خَيْبَرَ مَنِيعًا أَمَامَ المُسْلِمِينَ، فَقَدْ أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّايَةَ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، فنَهَضَ بِهَا، وَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ رَجَعَ وَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ، ثُمَّ أَعْطَي الرَّسُولَ ﷺ في اليَوْمِ الثَّانِي الرَّايَةَ لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁، فَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ رَجَعَ وَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ، وَظَلَّ المُسْلِمُونَ تِسْعَةَ أَيَّامٍ يُحَاوِلُونَ فتحَ حِصْنِ نَاعِمٍ لَكِنْ مَا اسْتَطَاعُوا (٤).

стр. 1709

* عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ يَأْخُذُ الرَّايَةَ: وَفِي لَيْلَةِ اليَوْمِ العَاشِرِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا (١) رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّه وَرَسُولُهُ، لَا يَرْجِعُ حَتَّى يُفْتَحَ لَهُ". قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁: مَا أَحْبَبْتُ الإِمَارَةَ إِلَّا يَوْمَئِذٍ، فتَسَاوَرْتُ لَهَا (٢) رَجَاءَ أَنْ أُدْعَى لَهَا (٣) وَقَالَ بريْدَةُ بنُ الحُصَيْبِ ﵁: وَأنا فِيمَنْ تَطَاوَلَ لَهَا (٤). فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ (٥) لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ ﷺ : "أَيْنَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ؟ ". فَقِيلَ: هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ، فَجَاءَ بِهِ مُحَمَّدُ

стр. 1710

بنُ مَسْلَمَةَ ﵁ يَقُودُهُ، وَبِهِ رَمَدٌ (١)، فَبَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فبرَأَ (٢) حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَع (٣)، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا (٤)؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "انْفُذْ (٥) عَلَى رِسْلِكَ (٦) حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْر لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ" (٧).

стр. 1711

* مَقْتَلُ مَرْحَبٍ عَلَى يَدِ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ -: خَرَجَ مَرْحَبٌ يَطْلُبُ البِرَازَ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَمَا قتلَ عَامِرَ بنَ الأَكْوَعِ ﵁ وَهُوَ يَرْتَجِزُ، وَيَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ ... شَاكِي السِّلَاحِ (١) بَطَلٌ مُجَرَّبُ إِذَا الحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ فَبَرَزَ له عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَهُوَ يَرْتَجِزُ، وَيَقُولُ: أَنَا الذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَه (٢) ... كَلَيْثِ غَابَاتٍ كَرِيهِ المَنْظَرَهْ أُوفِيهِمُ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَه (٣) فَضَرَبَ عَلِيٌّ ﵁ مَرْحَبًا، فَفَلَقَ (٤) رَأْسَهُ، فَقتَلَهُ، وَكَانَ الفَتْحُ عَلَى يَدِ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ (٥).

стр. 1712

* رِوَايَةٌ فِيهَا نَظَرٌ: قُلْتُ: وَقَعَ فِي مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ (١)، وَابْنِ إِسْحَاقَ (٢) فِي السِّيرَةِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّ مُحَمَّدَ بنَ مَسْلَمَةَ ﵁: هُوَ الذِي قتَلَ مَرْحَبًا، وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ هُوَ الذِي قَتَلَهُ، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ (٣)، وَابْنُ الأَثِيرِ (٤)، وَابْنُ عَبْدِ البَرِّ (٥). قَالَ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ: إِنَّ الأَخْبَارَ مُتَوَاتِرَةٌ بِأَسَانِيدَ كَثِيرَةٍ أَنَّ قَاتِلَ مَرْحَبٍ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ (٦). وَقَالَ الإِمَامُ الصَّالِحِيُّ: وَالذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَتَلَ مَرْحَبًا اليَهُودِيَّ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنِ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ:

стр. 1713

- أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَصَحُّ إِسْنَادًا. - وَالثَّاني: أَنَّ جَابِرًا لَمْ يَشْهَدْ خَيْبَرَ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَالوَاقِدِيُّ، وَغَيْرُهُمَا، وَقَدْ شَهِدَ سَلَمَةُ، وبُرَيْدَةُ، وَأَبُو رَافِعٍ ﵃ خَيْبَرَ، وَهُمْ أَعْلَمُ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدْهَا (١). * رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ وَوَاهِيَةٌ: وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ جِدًّا مُسَلْسَلٍ بِالضُّعَفَاءِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قَتَلْتُ مَرْحَبًا جِئْتُ بِرَأْسِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ (٢). * مَقْتَلُ يَاسِرٍ أَخُو مَرْحَبٍ عَلَى يَدِ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ ﵁ -: ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ مَرْحَبٍ أَخُوهُ يَاسِرٌ -وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ حِصْنِ نَاعِمٍ، أَوَّلِ الحُصُونِ- وَهُوَ يَقُولُ: مَنْ يُبَارِزُ؟ فَخَرَجَ له الزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامِ ﵁، فَقَالَتْ أُمُّهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ المُطَّلِبِ عَمَّةُ الرَّسُولِ ﷺ ﵂: يُقْتَلُ ابْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ ﷺ : "بَلِ ابْنُكِ يَقْتُله إِنْ شَاءَ اللَّهُ"، فَقَتَلَهُ الزُّبَيْرُ ﵁ (٣). * بَطَلٌ إِلَى النَّارِ: ثُمَّ خَرَجَ رَجُل مِنَ المُسْلِمِينَ وَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، فَأُعْجِبَ بِهِ الصَّحَابَةُ ﵃، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ"، فَقَدْ رَوَى

стр. 1714

الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ (١)، فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ لِرَجُلٍ ممَّنْ مَعَهُ يَدَّعِي الإِسْلَامَ: "هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ"، فَلَمَّا حَضَرَ القِتَالُ قَاتَلَ الرَّجُلُ أَشَدَّ القِتَالِ، حَتَّى كَثُرَتْ بِهِ الجِرَاحَةُ، فَأَثْبَتَتْهُ (٢)، فكَادَ بَعْضُ النَّاسِ يَرْتَابُ، فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ إِذْ وَجَدَ الرَّجُلُ أَلَمَ الجِرَاحِ فَأَهْوَى (٣) بِيَدِهِ إِلَى كِنَانَتِهِ (٤)، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهَا سَهْمًا فَنَحَرَ بِهَا نَفْسَهُ، فَاشْتَدَّ رِجَالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَدَّقَ اللَّهُ حَدِيثَكَ، قَدِ انْتَحَرَ فُلَان فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا بِلَالُ قُمْ فَأَذِّنْ (٥)، إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ" (٦). * شِدَّةُ القِتَالِ عِنْدَ حِصْنِ نَاعِمٍ وَفَتْحِهِ: وَقَدْ لَاقَى المُسْلِمُونَ حَوْلَ حِصْنِ نَاعِمٍ مُقَاوَمَةً شَدِيدَةً، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ يَزِيدَ بنِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَثَرَ ضَرْبَةٍ فِي سَاقِ

стр. 1715

سَلَمَةَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ مَا هَذِهِ الضَّرْبَةُ؟ قَالَ: هَذِهِ ضَرْبَة أَصَابَتْهَا يَوْمَ خَيْبَرٍ، فَقَالَ النَّاسُ: أُصِيبَ سَلَمَةُ، فَأُتِيَ بِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فنَفَثَ فِيهِ ثَلَاثَ نَفَثَاتٍ، فَمَا اشْتَكَيْتُهَا حَتَّى السَّاعَةَ (١). وَاشْتَدَّ الصَّحَابَةُ حَتَّى انْهَارَتْ مُقَاوَمَةُ اليَهُودِ بَعْدَ مَقْتَلِ مَرْحَبٍ وإخْوَتِهِ، وَيَئِسُوا مِنْ مُقَاوَمَةِ المُسْلِمِينَ، فَتَسَلَّلُوا مِنْ هَذَا الحِصْنِ إِلَى حِصْنِ الصَّعْبِ، وَاقْتَحَمَ المُسْلِمُونَ حِصْنَ نَاعِمٍ فَفَتَحُوهُ (٢). * فَتْحُ حِصْنِ الصَّعْبِ بنِ مُعَاذٍ: وَكَانَ حِصنُ الصَّعْبِ الحِصْنَ الثَّانِي مِنْ حَيْثُ القُوَّةِ وَالمَنَاعَةِ بَعْدَ حِصْنِ نَاعِمٍ، وَقَدْ تَسَلَّلَ إِلَيْهِ مَنْ فَرَّ مِنَ اليَهُودِ مِنْ حِصْنِ نَاعِمٍ، فبدَأَ الحِصَارُ عَلَيْهِ، وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اللِّوَاءَ إِلَى الحبابِ بنِ المُنْذِرِ ﵁، فَأَقَامَ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. * تَحْرِيمُ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ: وَقَدْ أَصَابَ المُسْلِمِينَ مَجَاعَةٌ شَدِيدَةٌ، فَذَبَحُوا حُمُرا مِنْ حُمُرِ الإِنْسِ، وَأَوْقَدُوا النِّيرَانَ، وَطَبَخُوا لُحُومَهَا فِي القُدُورِ، فَلَمَّا عَلِمَ الرَّسُولُ ﷺ بِذَلِكَ

стр. 1716

حَرَّمَهَا عَلَيْهِمْ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَكْفِؤُوا (١) القُدُورَ، وَلَا يَأْكُلُوهَا، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ أَيْضًا لُحُومَ البِغَالِ، وَكُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلَّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطُّيُورِ، وَحَرَّمَ أَيْضًا المُجَثَّمَةَ (٢)، والخُلْسَةَ (٣)، والنُّهْبَةَ (٤)، وحَرَّمَ عَلَيْهِمُ المُتْعَةَ (٥). رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ أَنَّهُ قَالَ: أَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ أَصَبنَا لِلْقَوْمِ حُمُرًا خَارِجَةً مِنَ المَدِينَةِ، فنَحَرْنَاهَا، فَإِنَّ قُدُورَنَا لَتَغْلِي، إِذْ نَادَى مُنَادِي الرَّسُولِ ﷺ : "أَنِ اكْفَؤُوا القُدُورَ، وَلَا تَطْعَمُوا مِنْ لُحُومِ الحُمُرِ شَيْئًا" (٦). وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ ﵄ أنَّهُ قَالَ: أمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ أَنْ نُلْقِيَ الحُمُرَ الأَهْلِيَّةَ نَيْئَةً

стр. 1717

وَنَضِيجَةً، ثُمَّ لَمْ يَأْمُرْنَا بِأَكْلِهِ بَعْدُ (١). وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ جَاءَ جَاءٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أُكِلَتْ الحُمُرُ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أُفْنِيَتِ الحُمُرُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبَا طَلْحَةَ (٢) فنَادَى: إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ (٣)، فَإِنَّهَا رِجْسٌ أَوْ نَجِسٌ، قَالَ: فَأكفِئَتِ القُدُورُ بِمَا فِيهَا (٤).

стр. 1718

وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ، أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَة، فَأَخَذُوا الحُمُرَ الإِنْسِيَّةَ (١)، فَذَبَحُوهَا وَمَلَؤُوا مِنْهَا القُدُورَ، فبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللَّهَ ﷺ ، قَالَ جَابِرٌ: فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكَفَأْنَا القُدُورَ، فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ سَيَأْتِيكُمْ بِرِزْقٍ هُوَ أَحَلُّ مِنْ ذَا، وَأَطْيَبُ مِنْ ذَا"، قَالَ: فكفَأنا يَوْمَئِذٍ القُدُورَ وَهِيَ تَغْلِي، فَحَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ الحُمُرَ الإِنْسِيَّةَ وَلُحُومَ البِغَالِ، وَكُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلَّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطُّيُورِ، وَحَرَّمَ المُجَثَّمَةَ، والخُلْسَةَ، وَالنُّهْبَةَ (٢). وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ (٣)، وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ.

стр. 1719

وَفِي رِوَايَةٍ: الحُمُرُ الأَهْلِيَّةُ (١). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ: أَنَّهُ يَنْبَغِي لِأَمِيرِ الجَيْشِ تَفَقُّدُ أَحْوَالِ رَعِيَّتِهِ، وَمَنْ رَآه فَعَلَ مَا لَا يُسَوَّغُ فِي الشَّرْعِ أَشَاعَ مَنْعَهُ، إِمَّا بِنَفْسِهِ كَأَنْ يُخَاطِبَهُمْ، وَإِمَّا بِغَيْرِهِ بِأَنْ يَأْمُرَ مُنَادِيًا فينَادِي لِئَلَّا يَغْتَرَّ بِهِ مَنْ رَآه فَيَظُنَّهُ جَائِزًا (٢). * النَّهْيُ عَنْ أَكْلِ البَصَلِ وَالكُرَّاثِ (٣): وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي خَيْبَرَ أَصْحَابَهُ عَنْ أَكْلِ البَصَلِ وَالكُرَّاثِ إِذَا

стр. 1720

أَرَادُوا الذَّهَابَ إِلَى المَسْجِدِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَده بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى زَمَنَ خَيْبَرَ (١) عَنِ البَصَلِ وَالكُرَّاثِ، فَأَكَلَهُمَا القَوْمُ، ثُمَّ جَاؤُوا إِلَى المَسْجِدِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَلَمْ أَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ المُنْتِنَتَيْنِ؟ ". قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَكِنْ أَجْهَدَنَا الجُوعُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَكلَهُمَا فَلَا يَحْضُرْ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ المَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدمَ" (٢). وَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ -يَعْنِي الثُّومَ- فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا" (٣). * شَأْنُ أَبِي اليَسَرِ ﵁ -: أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي اليَسَرِ كَعْبِ بنِ
следующие страницы →