← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

حَرَّمَهَا عَلَيْهِمْ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَكْفِؤُوا (١) القُدُورَ، وَلَا يَأْكُلُوهَا، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ أَيْضًا لُحُومَ البِغَالِ، وَكُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلَّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطُّيُورِ، وَحَرَّمَ أَيْضًا المُجَثَّمَةَ (٢)، والخُلْسَةَ (٣)، والنُّهْبَةَ (٤)، وحَرَّمَ عَلَيْهِمُ المُتْعَةَ (٥). رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ أَنَّهُ قَالَ: أَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ أَصَبنَا لِلْقَوْمِ حُمُرًا خَارِجَةً مِنَ المَدِينَةِ، فنَحَرْنَاهَا، فَإِنَّ قُدُورَنَا لَتَغْلِي، إِذْ نَادَى مُنَادِي الرَّسُولِ ﷺ : "أَنِ اكْفَؤُوا القُدُورَ، وَلَا تَطْعَمُوا مِنْ لُحُومِ الحُمُرِ شَيْئًا" (٦). وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ ﵄ أنَّهُ قَالَ: أمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ أَنْ نُلْقِيَ الحُمُرَ الأَهْلِيَّةَ نَيْئَةً

стр. 1717

وَنَضِيجَةً، ثُمَّ لَمْ يَأْمُرْنَا بِأَكْلِهِ بَعْدُ (١). وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ جَاءَ جَاءٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أُكِلَتْ الحُمُرُ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أُفْنِيَتِ الحُمُرُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبَا طَلْحَةَ (٢) فنَادَى: إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ (٣)، فَإِنَّهَا رِجْسٌ أَوْ نَجِسٌ، قَالَ: فَأكفِئَتِ القُدُورُ بِمَا فِيهَا (٤).

стр. 1718

وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ، أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَة، فَأَخَذُوا الحُمُرَ الإِنْسِيَّةَ (١)، فَذَبَحُوهَا وَمَلَؤُوا مِنْهَا القُدُورَ، فبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللَّهَ ﷺ ، قَالَ جَابِرٌ: فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكَفَأْنَا القُدُورَ، فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ سَيَأْتِيكُمْ بِرِزْقٍ هُوَ أَحَلُّ مِنْ ذَا، وَأَطْيَبُ مِنْ ذَا"، قَالَ: فكفَأنا يَوْمَئِذٍ القُدُورَ وَهِيَ تَغْلِي، فَحَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ الحُمُرَ الإِنْسِيَّةَ وَلُحُومَ البِغَالِ، وَكُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلَّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطُّيُورِ، وَحَرَّمَ المُجَثَّمَةَ، والخُلْسَةَ، وَالنُّهْبَةَ (٢). وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ (٣)، وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ.

стр. 1719

وَفِي رِوَايَةٍ: الحُمُرُ الأَهْلِيَّةُ (١). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ: أَنَّهُ يَنْبَغِي لِأَمِيرِ الجَيْشِ تَفَقُّدُ أَحْوَالِ رَعِيَّتِهِ، وَمَنْ رَآه فَعَلَ مَا لَا يُسَوَّغُ فِي الشَّرْعِ أَشَاعَ مَنْعَهُ، إِمَّا بِنَفْسِهِ كَأَنْ يُخَاطِبَهُمْ، وَإِمَّا بِغَيْرِهِ بِأَنْ يَأْمُرَ مُنَادِيًا فينَادِي لِئَلَّا يَغْتَرَّ بِهِ مَنْ رَآه فَيَظُنَّهُ جَائِزًا (٢). * النَّهْيُ عَنْ أَكْلِ البَصَلِ وَالكُرَّاثِ (٣): وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي خَيْبَرَ أَصْحَابَهُ عَنْ أَكْلِ البَصَلِ وَالكُرَّاثِ إِذَا

стр. 1720

أَرَادُوا الذَّهَابَ إِلَى المَسْجِدِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَده بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى زَمَنَ خَيْبَرَ (١) عَنِ البَصَلِ وَالكُرَّاثِ، فَأَكَلَهُمَا القَوْمُ، ثُمَّ جَاؤُوا إِلَى المَسْجِدِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَلَمْ أَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ المُنْتِنَتَيْنِ؟ ". قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَكِنْ أَجْهَدَنَا الجُوعُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَكلَهُمَا فَلَا يَحْضُرْ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ المَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدمَ" (٢). وَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ -يَعْنِي الثُّومَ- فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا" (٣). * شَأْنُ أَبِي اليَسَرِ ﵁ -: أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي اليَسَرِ كَعْبِ بنِ

стр. 1721

عَمْرٍو ﵁ أنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّا لَمَعَ رَسُولِ ﷺ بخَيبرَ عَشِيَّةً إِذْ أَقْبَلَتْ غَنَمٌ لِرَجُلٍ مِنْ يَهُودٍ تُرِيدُ حِصْنَهُمْ، وَنَحْنُ مُحَاصِرُوهُمْ، إِذْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ رَجُلٌ يُطْعِمُنَا مِنْ هَذِهِ الغَنَمِ؟ ". قَالَ أَبُو اليَسَرِ: فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "فَافْعَلْ". قَالَ: فَخَرَجْتُ أَشْتَدُّ مِثْلَ الظَّلِيمِ (١)، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُوَلِّيًا، قَالَ: "اللَّهُمَّ أَمْتِعْنَا بِهِ"، قَالَ: فَأَدْرَكْتُ الغَنَمَ، وَقَدْ دَخَلَتْ أَوَائِلُهَا الحِصْنَ، فَأَخَذْتُ شَاتَيْنِ مِنْ أُخْرَاهَا، فَاحْتَضَنْتُهُمَا تَحْتَ يَدَيَّ، ثُمَّ أَقْبَلْتُ بِهِمَا أَشْتَدُّ كَأَنَّهُ لَيْسَ مَعِيَ شَيْءٌ، حَتَّى أَلْقَيْتُهُمَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَبَحُوهُمَا، فَأَكَلُوهُمَا (٢). * شَأْنُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مُغَفَّلٍ ﵁ -: رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مُغَفَّلٍ المُزَنِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا مُحَاصِرِينَ قَصْرَ خَيْبَرَ، فَرَمَي إِنْسَان بِجِرَابٍ (٣) فِيهِ شَحْم، فنَزَوْتُ (٤) لِآخُذَهُ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَاسْتَحْيَيْتُ (٥) مِنْهُ.

стр. 1722

وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ قَالَ: فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُبْتَسِمًا (١). ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا رَبَّهُ بِفَتْحِ هَذَا الحِصْنِ، فَقَدْ رَوَى ابنُ إِسْحَاقَ: أَنَّ بَنِي سَهْمٍ مِنْ أَسْلَمَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ جَهِدْنَا وَمَا بِأَيْدِينَا مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَ ﷺ : "اللَّهُمَّ إِنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ حَالَهُمْ، وَأَنْ لَيْسَتْ بِهِمْ قُوَّةٌ، وَأَنْ لَيْسَ بِيَدِي شَيءٌ أُعْطِيهِمْ إِيَّاهُ، فَافْتَحْ عَلَيْهِمْ أَعْظَمَ حُصُونهَا عَنْهُمْ غِنَاءً، وَأَكْثَرَهَا طَعَامًا وَوَدَكًا" (٢). فَفَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ حِصْنَ الصَّعْبِ بنِ مُعَاذٍ، وَمَا بِخَيْبَرَ حِصْنٌ أَكْثَرُ طَعَامًا مِنْهُ، وَوَجَدُوا بَعْضَ الآلَاتِ الحَرْبِيَّةِ كَالمِنْجَنِيقِ (٣) وغَيْرِهَا فَأَخَذَهَا المُسْلِمُونَ (٤). * فَتْحُ حِصْنِ قَلْعَةِ الزُّبَيْرِ: وَلَمَّا فتَحَ المُسْلِمُونَ حِصْنَ الصَّعْبِ بنِ مُعَاذٍ تَحَوَّلَ اليَهُودُ الذِينَ سَلِمُوا مِنَ القَتْلِ إِلَى حِصْنِ قَلْعَةِ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ حِصْنٌ مَنِيعٌ، فِي رَأْسِ جَبَلٍ، فَأَقَامَ

стр. 1723

المُسْلِمُونَ عَلَى مُحَاصَرَتِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ يُقَالُ لَهُ: غَزَّالٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا القَاسِمِ! تُؤَمِّنُنِّي عَلَى أَنْ أَدُلَّكَ عَلَى مَا تَسْتَرِيحُ مِنْ أَهْلِ النَّطَاةِ، وَتَخْرُجُ إِلَى أَهْلِ الشِّقِّ؟ فَأَمَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَهْلِهِ وَمَالِهِ، فَقَالَ اليَهُودِيُّ غَزَّالٌ: إِنَّكَ لَوْ أَقَمْتَ شَهْرًا مَا بَالَوْا، لَهُمْ دُبُولٌ (١) تَحْتَ الأَرْضِ، يَخْرُجُونَ بِاللَّيْلِ فَيَشْرَبُونَ مِنْهَا ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى قَلْعَتِهِمْ فَيَمْتَنِعُونَ مِنْكَ، فَإِنْ قَطَعْتَ مَشْرَبَهُمْ عَلَيْهِمْ أَصْحَرُوا (٢) لَكَ، فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى دُبُولهِمْ فَقَطَعَهَا، فَلَمَّا قَطَعَ عَلَيْهِمْ مَشَارِبَهُمْ خَرَجُوا فَقَاتَلُوا أَشَدَّ القِتَالِ، وَقُتِلَ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ نَفَرٌ، وَأُصِيبَ مِنَ يَهُودِ ذَلِكَ اليَوْمِ نَفَرٌ، وَافْتَتَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ هَذَا آخِرَ حُصُونِ النَّطَاةِ (٣). * فَتْحُ حِصْنِ أُبَيٍّ (أَحَدِ حِصْنَي الشِّقِّ): فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ النَّطَاةِ تَحَوَّلَ إِلَى مِنْطَقَةِ الشِّقِّ، فَكَانَ أَوَّلُ حِصْنٍ بَدَأَ بِهِ حِصْنَ أُبَي، فَقَاتَلَ أَهْلُهُ قِتَالًا شَدِيدًا، وَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يَدْعُو إِلَى البِرَازِ، فَخَرَجَ لَهُ الحُبَابُ بنُ المُنْذِرِ ﵁، فَقَتَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ رَجُلٌ آخَرُ مِنْهُمْ فَصَاحَ مَنْ يبارِزُ؟ فَخَرَجَ لَهُ أَبو دُجَانَةَ سِمَاكُ بنُ خَرَشَةَ ﵁ البَطَلُ

стр. 1724

المَشْهُوُر صَاحِبُ العِصَابَةِ الحَمْرَاءِ، فَقَتَلَهُ. وَعِنْدَ ذَلِكَ أَحْجَمَتِ اليَهُودُ عَنِ البِرَازِ، وَقَدْ أَسْرَعَ أَبُو دُجَانَةَ ﵁ بَعْدَ قَتْلِهِ لِلرَّجُلِ اليَهُودِيِّ إِلَى اقْتِحَامِ القَلْعَةِ، وَاقْتَحَمَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ، وَجَرَى قِتَالٌ مَرِيرٌ دَاخِلَ الحِصْنِ، ثُمَّ تَسَلَّلَ اليَهُودُ مِنَ القَلْعَةِ، وَتَحَوَّلُوا إِلَى الحِصْنِ الثَّانِي وَالأَخِيرِ مِنْ حُصُونِ الشِّقِّ (١). * فَتْحُ حِصْنِ النَّزَارِ: وَكَانَ هَذَا الحِصْنُ أَمْنَعَ حُصُونِ هَذَا الشَّطْرِ، وَكَانَ اليَهُودُ عَلَى شِبْهِ اليَقِينِ بِأَنَّ المُسْلِمِينَ لَا يَسْتَطِيعُونَ اقْتِحَامَ هَذَا الحِصْنِ، فَبَدَأَ يَهُودُ يَرْمُونَ المُسْلِمِينَ بِالنِّبَالِ وَالحِجَارَةِ، حَتَّى أَصَابَ النَّبْلُ ثِيَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلِقَتْ بِهِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَصْبِ المِنْجَنِيقِ -الذِي وَجَدُوهُ فِي حِصْنِ الصَّعْبِ- فَأَوْقَعُوا الخَلَلَ فِي جُدْرَانِ الحِصْنِ، وَاقْتَحَمُوهُ، وَانْهَزَمَ اليَهُودُ هَزِيمَةً مُنْكَرَةً، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يتمَكَّنُوا مِنَ التَّسَلُّلِ مِنْ هَذَا الحِصْنِ كَمَا تَسَلَّلُوا مِنَ الحُصُونِ الأُخْرَى، بَلْ فَرُّوا، مِنْ هَذَا الحِصْنِ وَتَرَكُوا نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيهِمْ، فَأَخَذَهَا المُسْلِمُونَ (٢). وَبَعْدَ فَتْحِ هَذَا الحِصْنِ المَنِيعِ، تَمَّ فتحُ الشَّطْرِ الأَوَّلِ مِنْ خَيْبَرَ، وَهِيَ النَّطَاةُ وَالشِّقُّ.

стр. 1725

* فَتْحُ الشَّطرِ الثَّانِي مِنْ خَيْبَرَ (حُصُونِ الكُتَيْبَةِ): ثُمَّ تَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الشَّطْرِ الثَّانِي وَهِيَ حُصونُ الكُتَيْبَةِ، وَهِيَ ثَلَاثَة: القَمُوصُ، وَالوَطِيحُ، وَالسُّلَالِمُ، فتَحَصَّنَ اليَهُودُ أَشَدَّ التَّحَصُّنِ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ المَغَازِي هَلْ جَرَى هُنَاكَ قِتَالٌ فِي أَيِّ حِصْنٍ مِنْ حُصُونِ الكُتَيْبَةِ الثَّلَاثَةِ أَمْ لَا؟ فَسِيَاقُ ابنِ إِسْحَاقَ (١) صَرِيح فِي جَرَيَانِ القِتَالِ لِفَتْحِ حِصْنِ القَمُوصِ، بَلْ يُؤْخَذُ مِنْ سِيَاقِهِ أَنَّ هَذَا الحِصْنَ تَمَّ فَتْحُهُ بِالقِتَالِ فَقَطْ، وَمِنْهُ سُبِيَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بنِ أَخْطَبٍ ﵂، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْرِيَ هُنَاكَ مُفَاوَضَات لِلِاسْتِسْلَامِ. أَمَّا الوَاقِدِيُّ (٢)، فَيُصَرِّحُ تَمَامَ التَّصْرِبحِ أَنَّ قِلَاع هَذَا الشَّطْرِ الثَّلَاثَةِ إِنَّمَا أُخِذَتْ بَعْدَ المُفَاوَضَاتِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ المُفَاوَضَةُ قَدْ جَرَتْ لِاسْتِلَامِ حِصْنِ القَمُوصِ بَعْدَ إِدَارَةِ القِتَالِ، وَأَمَّا الحِصْنَانِ الآخَرَانِ فَقَدْ سُلِّمَا إِلَى المُسْلِمِينَ دُونَمَا قِتَالٍ. وَمَهْمَا كَانَ فَإِنَّهُ لَمَّا أتى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى حُصُونِ الكُتَيْبَةِ، فَرَضَ عَلَى أَهْلِهَا أَشَدَّ الحِصَارِ، وَدَامَ الحِصَارُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَاليَهُودُ لَا يَخْرُجُونَ مِنْ

стр. 1726

حُصُونِهِمْ، حَتَّى هَمَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ يَنْصُبَ عَلَيْهِمُ المِنْجَنِيقَ، فَلَمَّا أَيْقَنُوا بِالهَلَكَةِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الصُّلْحَ (١). * مُفَاوَضَاتُ أَهْلِ خَيْبَرَ وَمُصَالَحَتُهُمْ: رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أنَّهُ قَالَ: . . . فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَتَلَ المُقَاتِلَةَ، وَسَبَى الذَّرَارِيَّ (٢). فَأَرْسَلَ كِنَانَةُ بنُ أَبِي الحُقَيْقِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : انْزِلْ فَأُكَلِّمُكَ؟ قَالَ ﷺ : "نَعَمْ"، فنَزَلَ ابْنُ أَبِي الحُقَيْقِ فَصَالَحَ رَسُولَ اللَّهِ- ﷺ عَلَى التَّالِي: ١ - حَقْنُ دِمَاءِ مَنْ فِي حُصُونِهِمْ مِنَ المُقَاتِلَةِ. ٢ - تَرْكُ الذُّرِّيَّةِ لَهُمْ. ٣ - يَخْرُجُ اليَهُودُ مِنْ خَيْبَرَ بِذَرَارِيهِمْ. ٤ - يُخَلُّونَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ مَالٍ وَأَرْضٍ، وَعَلَى الصَّفْرَاءَ والبَيْضَاءِ -أَي الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ- وَالكُرَاعِ (٣) وَالحَلْقَةِ (٤)، وَعَلَى البَزِّ (٥) إِلَّا ثَوْبًا عَلَى ظَهْرِ إِنْسَانٍ.

стр. 1727

٥ - أَنْ لَا يَكْتُمُوا، وَلَا يُغَيِّبُوا شَيْئًا (١). ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَبَرِئَتْ مِنْكُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولهِ إِنْ كتَمْتُمُوني شَيْئًا"، فَصَالَحُوهُ عَلَى ذَلِكَ، وَتَمَّ تَسْلِيمُ الحُصُونِ إِلَى المُسْلِمِينَ (٢). * سُؤَالُ الْيَهُودِ الْبَقَاءَ بِخَيْبَرَ: فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُخْرِجَ أَهْلَ خَيْبَرَ مِنْ أَرْضِهِمْ كَمَا صَالَحُوهُ، سَأَلُوهُ أَنْ يُقِرَّهُمْ فِيهَا عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا عَلَى نِصْفِ مَا خَرَجَ مِنْهَا مِنَ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ، فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ! دَعْنَا نَكُنْ فِي هَذِهِ الأَرْضِ نُصْلِحُهَا وَنَقُومُ عَلَيْهَا، فنَحْنُ أَعْلَمُ بِهَا مِنْكُمْ وَأَعْمَرُ لَهَا. وَلَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا لِأَصْحَابِهِ غِلْمَانٌ يَقُومُونَ عَلَيْهَا، فَأَجَابَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَكْفُوا المُسْلِمِينَ العَمَلَ وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ (٣). رَوَى الطَّحَاوِيِّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: . . . وَلَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا لِأَصْحَابِهِ غِلْمَانٌ يَقُومُونَ عَلَيْهَا -أَيْ عَلَى مَزَارعِ خَيْبَرَ- وَكَانُوا لَا يَفْرُغُونَ لِلْقِيَامِ عَلَيْهَا، فَأَعْطَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

стр. 1728

خَيْبَرَ عَلَى أَنَّ لَهُمْ الشَّطْرَ مِنْ كُلِّ زَرْعٍ وَنَخْلٍ (١). ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَتْرُكُكُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا"، فَأَقَرُّوهُ، فَأَقَرَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﷺ فِي إِمَارَتِهِ إِلَى تَيْمَاءَ" وَأَرِيحَا (٢) -كَمَا سَيَأْتِي-. وَسَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ بنِ أَخْطَبٍ ﵂، وَكَانَتْ تَحْتَ كِنَانَةَ بنِ أَبِي الحُقَيْقِ، وَسَيَأْتِي زَوَاجُ الرَّسُولِ ﷺ بِهَا. * قَتْلُ ابْنَيْ أَبِي الحُقَيْقِ لِنَقْضِ العَهْدِ: وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ هَذِهِ المُعَاهَدَةِ فَقَدْ غَيَّبَ ابْنَا أَبِي الحُقَيْقِ مَسْكًا (٣) فِيهِ مَالٌ وَحُلِيٌّ لِحُيَيِّ بنِ أَخْطَبٍ -وَكَانَ قَدْ قُتِلَ فِي غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ كَمَا تَقَدَّمَ- وَكَانَ احْتَمَلَهُ مَعَهُ إِلَى خَيْبَرَ حِينَ أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِيرِ. أَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: . . . فَغَيبوا مَسْكًا لِحُيَيِّ بنِ أَخْطَبٍ، وَكَانَ قَدْ قُتِلَ قَبْلَ خَيْبَرَ، وَكَانَ احْتَمَلَهُ مَعَهُ يَوْمَ بَنِي النَّضِيرِ حِينَ أُجْلِيَتِ النَّضِيرُ، فِيهِ حُلِيُّهُمْ، فَقَالَ

стр. 1729

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمِّ حُيَيٍّ: "مَا فَعَلَ مَسْكُ حُيَيٍّ الذِي جَاءَ بِهِ مِنَ النَّضِيرِ؟ ". قَالَ: أَذْهَبَتْهُ النَّفَقَاتُ وَالحُرُوبُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "العَهْدُ قَرِيب، وَالمَالُ أَكثَرُ مِنْ ذَلِكَ"، فَدَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ، فَمَسَّهُ بِعَذَابٍ، فَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُ حُيَيًّا يَطُوفُ فِي خَرِبَةٍ هَاهُنَا، فَذَهَبُوا فَطَافُوا فَوَجَدُوا المَسْكَ فِي خَرِبَةٍ، فَقتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنَيْ أَبِي الحُقَيْقِ، أَحَدُهُمَا وَهُوَ: كِنَانَةُ بنُ الرَّبِيعِ بنِ أَبِي الحُقَيْقِ زَوْجُ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ ﵂ (١). * قِسْمَةُ الغَنَائِمِ: ثُمَّ قَسَمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ غَنَائِمَ خَيْبَرَ بَيْنَ أَهْلِ الحُدَيْبِيَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ وَعَدَهُم إِيَّاهَا، وَلَمْ يَغِبْ عَنْهَا إِلَّا جَابِرُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، فَقَسَمَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَسَهْمِ مَنْ حَضَرَهَا (٢). رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَهْلِ بنِ أَبِي حَثْمَةَ ﵁ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ نِصْفَيْنِ: نِصْفًا لِنَوَائِبِهِ وَحَاجَتِهِ، وَنصْفًا بَيْنَ المُسْلِمِينَ (٣).

стр. 1730

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ قَسَمَهَا عَلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا. . . فَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَللْمُسْلِمِينَ النِّصْفُ مِنْ ذَلِكَ، وَعَزَلَ النِّصْفَ البَاقِي لِمَنْ نَزَلَ بِهِ مِنَ الوُفُودِ، وَالأُمُورِ، ونَوَائِبِ النَّاسِ (١). قَالَ البَيْهَقيُّ فِي دَلَائِلِهِ: وَهَذَا لِأَنَّ خَيْبَرَ فُتِحَ شَطْرُهَا عَنْوَةً، وَشَطْرُهَا صُلْحًا، فَقَسَمَ مَا فُتِحَ عَنْوَةً بَيْنَ أَهْلِ الخُمُسِ وَالغَانِمِينَ، وَعَزَلَ مَا فُتِحَ صُلْحًا لِنَوَائِبِهِ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ أُمُورِ المُسْلِمِينَ (٢). فَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِكُلِّ فَرَسٍ سَهْمَينِ، وَلفَارِسِهِ سَهْمًا، وَلكُلِّ رَاجِلٍ سَهْمًا، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ لِلْفَرَسَ سَهْمَيْنِ، وَللرَّاجِلِ سَهْمًا. فَسَّرَهُ نَافِعٌ فَقَالَ: إِذَا كَانَ مَعَ الرَّجُلِ فَرَسٌ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَسٌ فلَهُ سَهْمٌ (٣). وَأَخْرَجَ النَّسَائيُّ فِي السُّنَنِ الكُبْرَى بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ لِلزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ أَرْبَعَةَ

стр. 1731

أَسْهُمٍ: سَهْمٌ لِلزُّبَيْرِ، وسَهْمٌ لِذِي القُرْبَى لِصَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ أُمِّ الزُّبَيْرِ ﵄، وسَهْمَانِ لِلْفَرَسِ (١). * رَضْخُ (٢) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلْعَبِيدِ وَالنِّسَاءِ: وأَمَّا مَنْ شَهِدَ خَيْبَرَ مِنَ العَبِيدِ وَالنِّسَاءِ، فَرَضَخَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا مِنَ الغَنِيمَةِ، وَلَمْ يُسْهِمْ لَهُمْ، فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَي آبِي اللَّحْمِ قَالَ: شَهِدْتُ خَيْبَرَ مَعَ سَادَتِي فكلَّمُوا فِيَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَرَ بِي، فَقُلِّدْتُ سَيْفًا، فَإِذَا أناَ أَجُرُّهُ، فَأُخْبِرَ أَنِّي مَمْلُوكٌ، فَأَمَرَ لِي بِشَيْءٍ مِنْ خُرْثِيِّ الْمَتَاعِ (٣). وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ قَالَتْ: أَتَيْتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نِسْوَة مِنْ بَنِي غِفَارٍ، فَقُلْنَا له: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ أَرَدْنَا أَنْ

стр. 1732

نَخْرُجَ مَعَكَ إِلَى وَجْهِكَ هَذَا -وَهُوَ يَسِيرُ إِلَى خَيْبَرَ- فندَاوِي الجَرْحَى، وَنُعِينَ المُسْلِمِينَ بِمَا اسْتَطَعْنَا، فَقَالَ ﷺ : "عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ". قَالَتْ: فَخَرَجْنَا مَعَهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةً. . . فَلَمَّا فتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ، رَضَخَ لَنَا مِنَ الفَيْءِ، وَأَخَذَ هَذِهِ القِلَادَةَ التِي تَرَيْنَ فِي عُنُقِي، فَأَعْطَانِيهَا، فَوَاللَّهِ لَا تُفَارِقُنِي أَبَدًا (١). * رَدُّ المُهَاجِرِينَ إِلَى الأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمْ (٢): وَلَمَّا رَجَعَ المُسْلِمُونَ إِلَى المَدِينَةِ رَدَّ المُهَاجِرُونَ إِلَى الأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمُ التِي مَنَحُوهُمْ إِيَّاهَا لَمَّا قَدِمُوا عَلَيْهِمُ المَدِينَةَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ المَدِينَةَ مِنْ مَكَّةَ ولَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ يَعْنِي شَيْئًا، وَكَانَتِ الأَنْصَارُ أَهْلَ الأَرْضِ وَالعَقَارِ، فَقَاسَمَهُمُ الأَنْصَارُ عَلَى أَنْ يُعْطُوهُمْ ثِمَارَ أَمْوَالِهِمْ كُلَّ عَامٍ وَيَكْفُوهُمُ العَمَلَ وَالمَؤُونَةَ. . .، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قِتَالِ أَهْلِ خَيْبَرَ فَانْصَرَفَ إِلَى المَدِينَةِ رَدَّ المُهَاجِرُونَ إِلَى الأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمْ -مِنْ ثِمَارِهَا- (٣).

стр. 1733

* اسْتِغْنَاءُ المُسْلِمِينَ: وَلَقَدِ اسْتَغْنَى المُسْلِمُونَ بِفَتْحِ خَيْبَرَ، فَقَدْ رَوَي الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: مَا شَبِعْنَا حَتَّى فَتَحْنَا خَيْبَرَ (١). وَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ قُلْنَا: الآنَ نَشْبَعُ مِنَ التَّمْرِ (٢). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: أَيْ لِكَثْرَةِ مَا فِيهَا مِنَ النَّخِيلِ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ فتحِهَا فِي قِلَّةٍ مِنَ العَيْشِ (٣). * الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ: رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ فُضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ بِخَيْبَرَ بِقِلَادَةٍ فِيهَا خَرَزٌ وَذَهَب وَهِيَ مِنَ المَغَانِمِ تُبَاعُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالذَّهَبِ الذِي فِي القِلَادَةِ فنزعَ وَحْدَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ : "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ" (٤). قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: وَفِي هذا الحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ ذَهَبٍ مَعَ غَيْرِهِ

стр. 1734

بِذَهَبٍ حَتَّى يُفْصَلَ فيباعَ الذَّهَبُ بِوَزْيهِ ذَهَبًا، وَيُبَاعَ الآخَرُ بِمَا أَرَادَ، وَكَذَا لَا تُبَاعُ فِضَّة مَعَ غَيْرِهَا بِفِضَّةٍ (١). * أَمَّا الطَّعَامُ: أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلطَّعَامِ، فَكَانُوا يَأْخُذُونَ حَاجَتَهُمْ مِنْ دُونِ أَنْ يُقْسَمَ، فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَلْ كُنْتُمْ تُخَمِّسُونَ الطَّعَامَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: أَصَبْنَا طَعَامًا يَوْمَ خَيْبَرَ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَجِيءُ، فَيَأْخُذُ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا يَكْفِيهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ (٢). قَالَ القَاضِي عِيَاض: أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ طَعَامِ الحَرْبِيِّينَ مَا دَامَ المُسْلِمُونَ فِي دَارِ الحَرْبِ، فَيَأْكُلُونَ مِنْهُ قَدْرَ حَاجَتِهِمْ، وَيَجُوزُ بِإِذْنِ الإِمَامِ أَوْ بِغيرِ إِذنِهِ (٣). * قِصَّةُ الأَعْرَابِيِّ الذِي صدَقَ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى: وَاسْتُشْهِدَ فِي هَذِهِ الغَزْوَةِ أَعْرَابِيٌّ، وَقِصَّتُهُ فِي ذَلِكَ عَجِيبَةٌ، فَقَدْ أَخْرَجَ الحَاكِمُ وَالنَّسَائيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ شَدَّادِ بنِ الهَادِ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَعْرَابِ آمَنَ

стр. 1735

بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: أُهَاجِرُ مَعَكَ؟ فَأَوْصَى النَّبِيُّ ﷺ إصْحَابَهُ بِهِ، فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةُ خَيْبَرَ غَنِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا فَقَسَمَ، وَقَسَمَ لَهُ فَأَعْطَى أَصْحَابَهُ مَا قَسَمَ لَهُ، وَكَانَ يَرْعَى ظَهْرَهُمْ (١)، فَلَمَّا جَاءَ دَفَعُوهُ إِلَيْهِ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: قَسَمَهُ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَهُ فَجَاه، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! مَا عَلَى هَذَا اتَّبَعْتُكَ، وَلَكِنِّي اتَّبَعْتُكَ عَلَى أَنْ أُرْمَى هَاهُنَا، وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ بِسَهْمٍ فَأَمُوتَ، وَأَدْخُلَ الجَنَّةَ، فَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنْ تَصْدُقِ اللَّهَ يَصْدُقْكَ"، فَلَبِثُوا قَلِيلًا ثُمَّ نَهَضُوا فِي قِتَالِ العَدُوِّ، فَأتِيَ بِهِ يُحْمَلُ وَقَدْ أَصَابَهُ سَهْمٌ حَيْثُ أَشَارَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَهُوَ هُو؟ " قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ ﷺ : "صَدَقَ اللَّهَ فَصَدَقة"، فكَفَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ قَدَّمَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَكَانَ مِمَّا ظَهَرَ مِنْ صَلَاتِهِ عَلَيْهِ: "اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ فَقُتِلَ شَهِيدًا فَأَنَا عَلَيْهِ شَهِيدٌ" (٢). * قِصَّةُ الأَشْجَعِيِّ: وَكَانَ رَجُلًا مِنْ أَشْجَعَ مَاتَ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ وذَلِكَ بِسَبَبِ أَنَّهُ غَلَّ (٣) مِنَ الغَنِيمَةِ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَده وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ

стр. 1736

عَنْ زَيْدِ بنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَال: أَنَّ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ مِنْ أَشْجَعَ تُوُفِّيَ بِخَيْبَرَ، وَأَنَّهُ ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَال: "صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ"، قَالَ: فتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ القَوْمِ لِذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَى الذِي بِهِمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ صاحِبَكُمْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" فَفَتَّشْنَا مَتَاعَهُ، فَوَجَدْنَا فِيهِ خَرَزًا مِنْ خَرَزِ اليَهُودِ مَا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ (١). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي الحَدِيثِ تَحْرِيمُ قَلِيلِ الغُلُولِ وَكَثِيرِهِ (٢). * قُدُومُ مُهَاجِرِي الحَبَشَةِ مَعَ جَعْفَرَ ﵁ -: وَقَدِمَ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ وَهُوَ بِخَيْبَرَ بَعْدَمَا فتَحَهَا ابْنُ عَمِّهِ جَعْفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﷺ وَأَصْحَاُبهُ، وَكَانَ الرَّسُولُ ﷺ قَدْ بَعَثَ إِلَى النَّجَاشِيِّ بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ عَمْرَو بنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ ﵁، وَكتَبَ مَعَهُ إِلَيْهِ أَنْ يرْسِلَ مَنْ بَقِيَ عِنْدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ -كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ- فَفَعَلَ النَّجَاشِيُّ وَحَمَلَهُمْ فِي سَفِينَتَيْنِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَعْفَرَ وَأَصْحَابَهُ فَرِحَ فَرَحًا عَظِيمًا، وَقبَّلَ جَعْفَرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَقَالَ قَوْلَتَهُ المَشْهُورَةَ: "مَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا أَنَا أُسَرُّ بِفَتْحِ خَيْبَرَ أَمْ بِقُدُومِ جَعْفَرَ" (٣).

стр. 1737

* قُدُومُ الأَشْعَرِيِّينَ: وَقَدِمَ مَعَ مُهَاجِرِي الحَبَشَةِ الأَشْعَرِيُّونَ، وَكَانُوا ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ أَوِ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ رَجُلًا، فِيهِمْ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ ﵁. رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنَا مَخْرَجُ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ بِاليَمَنِ، فَخَرَجْنَا مُهَاجِرِينَ إِلَيْهِ (١) -أَنَا وَأَخَوَانِ لِي أَنَا أَصْغَرُهُمْ: أَحَدُهُمَا أَبُو بُرْدَةَ (٢)، وَالآخَرُ أَبُو رُهْمٍ (٣) -، إِمَّا قَالَ: فِي بِضْعٍ، وَإِمَّا قَالَ: فِي ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ أَوِ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي، فَرَكِبْنَا سَفِينَةً،

стр. 1738

فَأَلْقَتْنَا سَفِينَتُنَا إِلَى النَّجَاشِيِّ بِالحَبَشَةِ (١)، فَوَافَقْنَا جَعْفَرَ بنَ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابَهُ عِنْدَهُ، فَقَالَ جَعْفَرُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَنَا هَاهُنَا، وَأَمَرَنَا بِالإِقَامَةِ، فَأَقِيمُوا مَعَنَا، فَأَقَمْنَا مَعَهُ حَتَّى قَدِمْنَا جَمِيعًا، فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ ﷺ حِينَ افتتَحَ خَيْبَرَ (٢)، فَأَسْهَمَ لَنَا، أَوْ قَالَ: فَأَعْطَانَا مِنْهَا، وَمَا قَسَمَ لِأَحَدٍ غَابَ عَنْ فَتْحِ خَيْبَرَ مِنْهَا شَيْئًا، إِلَّا لِمَنْ شَهِدَ مَعَهُ، إِلَّا أَصْحَابَ سَفِينَتِنَا مَعَ جَعْفَرَ وَأَصْحَابِهِ (٣)، قَسَمَ لَهُمْ مَعَهُمْ (٤). * حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: قُلْتُ: وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ الذِي رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ، وَلفظُهُ: مَا شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَغْنَمًا

стр. 1739

قَطُّ إِلَّا قَسَمَ لِي، إِلَّا خَيْبَرَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ لِأَهْلِ الحُدَيْبِيَةِ خَاصَّةً (١). فَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَمَعَ ضَعْفِ إِسْنَادِهِ، مُنْكَرُ المَتْنِ لِمُخَالفَتِهِ لِمَا صَحَّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ المُتَقَدِّمِ مِنْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَسَمَ لَهُمْ، وَهُمْ لَمْ يَشْهَدُوا خَيْبَرَ. * فَضَائِلُ الأَشْعَرِيِّينَ ﵃: رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَقْدُمُ عَلَيْكُمْ غَدًا أَقْوَام (٢)، هُمْ أَرَقُّ قُلُوبًا لِلْإِسْلَامِ مِنْكُمْ" (٣)، فَقَدِمَ الأَشْعَرِيُّونَ، وَفِيهِمْ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنَ المَدِينَةِ، جَعَلُوا يَرْتَجِزُونَ يَقُولُونَ: غَدًا نَلْقَى الأَحِبَّهْ ... مُحَمَّدًا وَحِزْبَهْ فَلَمَّا أَنْ قَدِمُوا تَصَافَحُوا، فَكَانُوا هُمْ أَوَّلَ مَنْ أَحْدَثَ المُصافَحَةَ (٤). زَادَ ابنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الأَشْعَرِيُّونَ فِي النَّاسِ

стр. 1740

كَصُرَّةٍ فِيهَا مِسْكٌ" (١). وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا (٢) فِي الغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالهمْ بِالمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ" (٣). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفي الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْأَشْعَرِيِّينَ قَبِيلَةِ أَبِي مُوسَى ﵁. ٢ - وَفِيهِ تَحْدِيثُ الرَّجُلِ بِمَنَاقِبِهِ. ٣ - وَفِيهِ جَوَازُ هِبَةِ المَجْهُولِ. ٤ - وَفيهِ فَضِيلَةُ الإِيثَارِ وَالمُوَاسَاةِ. ٥ - وَفيهِ اسْتِحْبَابُ خَلْطِ الزَّادِ فِي السَّفَرِ وَفِي الإِقَامَةِ أَيْضًا، وَاللَّه أَعْلَمُ (٤).

стр. 1741

وَأَخْرَجَ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عِيَاضٍ الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١). قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هُمْ قَوْمُكَ يَا أبا مُوسَى"، وَأَوْمَأَ (٢) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ (٣). وَرَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي لَأَعْرِفُ أَصْوَاتَ رُفْقَةِ الأَشْعَرِيِّينَ بِالقُرْآنِ، حِينَ يَدْخُلُونَ بِاللَّيْلِ، وَأَعْرِفُ مَنَازِلَهُمْ مِنْ أَصْوَاتِهِمْ بِالقُرْآنِ بِاللَّيْلِ (٤)، وَإِنْ كنْتُ لَمْ أَرَ مَنَازِلَهُمْ حِينَ نَزَلُوا بِالنَّهَارِ" (٥). * فَضْلُ أَصْحَابِ السَّفِينَةِ: رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: . . . وَكَانَ أُنَاسٌ مِنَ النَّاسِ يَقُولُونَ لنَا -يَعْنِي لِأَهْلِ السَّفِينَةِ- سَبَقْنَاكُمْ بِالهِجْرَةِ،

стр. 1742

وَدَخَلَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ (١)، وَهِيَ مِمَّنْ قَدِمَ مَعَنَا، عَلَى حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ زَائِرَةً، وَقَدْ كَانَتْ هَاجَرَتْ إِلَى النَّجَاشِيِّ فِيمَنْ هَاجَرَ، فَدَخَلَ عُمَرُ ﵁ عَلَى حَفْصَةَ، وَأَسْمَاءُ ﵂ عِنْدَهَا، فَقَالَ عُمَرُ حِينَ رَأَى أَسْمَاءَ: مَنْ هَذِهِ؟ فَقَالَتْ حَفْصَةُ: أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، فَقَالَ عُمَرُ: الحَبَشِيَّةُ هَذِهِ، البَحْرِيَّةُ هَذِهِ؟ قَالَتْ أَسْمَاءُ: نَعَمْ، فَقَالَ عُمَرُ: سَبَقْنَاكُمْ بِالهِجْرَةِ، فنَحْنُ أَحَقُّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْكُمْ، فَغَضِبَتْ، وَقَالَتْ: كَلَّا وَاللَّهِ، كُنْتُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُطْعِمُ جَائِعَكُمْ وَيَعِظُ جَاهِلَكُمْ، وَكُنَّا فِي دَارٍ -أَوْ فِي أَرْضٍ- البُعَدَاءِ البُغَضَاءِ بِالحَبَشَةِ، وَذَلِكَ فِي اللَّهِ وَفِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَيْمُ اللَّهِ لَا أَطْعَمُ طَعَامًا، وَلَا أَشْرَبُ شَرَابًا حَتَّى أَذْكُرَ مَا قُلْتَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَنَحْنُ كُنَّا نُؤْذَى وَنَخَافُ، وسَأَذْكُرُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، وَأَسْأَله وَاللَّهِ لَا أَكْذِبُ، وَلَا أَزِيغُ، وَلَا أَزِيدُ عَلَيْهِ. فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ عُمَرَ قَالَ: كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ ﷺ : "فَمَا قُلْتِ لَهُ؟ " قَالَتْ: قُلْتُ لَهُ: كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ ﷺ : "لَيْسَ بِأَحَقَّ بِي مِنْكُمْ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكُمْ أَنْتُمْ أَهْلَ السَّفِينَةِ هِجْرَتَانِ" (٢). وَفي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قَالَتْ أَسْمَاءُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ رِجَالًا يَفْخَرُونَ عَلَيْنَا وَيَزْعُمُونَ أَنّا لَسْنَا مِنَ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ

стр. 1743

- ﷺ : "بَلْ لَكُمْ هِجْرَتَانِ، هَاجَرْتُمْ إِلَى أَرْضِ الحَبَشَةِ، ثُمَّ هَاجَرْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ" (١). قَالَتْ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ يَأتُونَنِي أَرْسَالًا (٢) يَسْأَلُونِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، مَا فِي الدُّنْيَا شَيْءٌ هُمْ بِهِ أَفْرَحُ وَلَا أَعْظَمُ فِي أَنْفُسِهِمْ، مِمَّا قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ (٣). * مَشَاهِدُ رَآهَا مُهَاجِرَةُ الحَبَشَةِ فِي الحَبَشَةِ: رَوى ابْنُ مَاجَه فِي سُنَنِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا رَجَعَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُهَاجِرَةُ البَحْرِ، قَالَ: "أَلَا تُحَدِّثُوني بِأعَاجِيبَ مَا رَأَيْتُمْ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ". قَالَ فِتْيَةٌ مِنْهُمْ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَرَّتْ بِنَا عَجُوزٌ مِنْ عَجَائِزِ رَهَابِينِهِمْ، تَحْمِلُ عَلَى رَأْسِهَا قُلَّةً (٤) مِنْ مَاءٍ، فَمَرَّتْ بِفَتًى مِنْهُمْ، فَجَعَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ بَيْنَ كَتِفَيْهَا، ثُمَّ دَفَعَهَا، فَخَرَّتْ عَلَى رُكْبتَيْهَا، فَانْكَسَرَتْ قُلَتهَا، فَلَمَّا ارْتَفَعَتْ الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ، إِذَا وَضَعَ اللَّهُ الكُرْسِيَّ،

стр. 1744

وَجَمَعَ الأَوَّلينَ وَالآخِرِينَ وتَكَلَّمَتِ الأَيْدِي وَالأَرْجُلُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، فَسَوْفَ تَعْلَمُ كَيْفَ أَمْرِي وَأَمْرُكَ عِنْدَهُ غَدًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَدَقَتْ صَدَقَتْ، كَيْفَ يُقَدِّسُ اللَّهُ أُمَّةً لَا يُؤخَذُ لِضَعِيفِهِمْ مِنْ شَدِيدِهِمْ" (١). * قُدُوم وَفْدِ دَوْسٍ: وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي خَيْبَرَ الدَّوْسِيُّونَ، فِيهِمُ: الطُّفَيْلُ بنُ عَمْرٍو الدَّوْسيُّ ﵁، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ- أَنَّ الطُّفَيْلَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي مَكَّةَ وَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ ثُمَّ ذَهَبَ يَدْعُو دَوْسًا، فَلَمْ يَزَلِ الطُّفَيْلُ بِأَرْضِ دَوْسٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ حَتَّى هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ، وَمَضَى بَدْرٌ وَأُحُدٌ وَالخَنْدَقُ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَنْ أَسْلَمَ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ، حَتَّى نَزَلَ المَدِينَةَ بِسَبْعِينَ أَوْ ثَمَانِينَ بَيْتًا مِنْ دَوْسٍ، فِيهِمْ: أَبُو هُرَيْرَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ أُزَيْهِرٍ ﵄. أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنِ ابْنِ عِرَاكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَنَّ أبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَدِمَ المَدِينَةَ فِي رَهْطٍ مِنْ قَوْمِهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ بِخَيْبَرَ، وَقَدِ اسْتَخْلَفَ سِبَاعَ بنَ عُرْفُطَةَ عَلَى المَدِينَةِ، قَالَ: فَانتهَيْتُ إِلَيْهِ، وَهُوَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى: ﴿كهيعص﴾، وَفِي الثَّانِيَةِ: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، قَالَ: فَقُلْتُ لِنَفْسِي: وَيْلٌ

стр. 1745

لِفُلَانٍ، إِذَا اكْتَالَ اكْتَالَ بِالوَافِي، وَإِذَا كَالَ كَالَ بِالنَّاقِصِ، قَالَ: فَلَمَّا صَلَّى زَوَّدَنَا شَيْئًا حَتَّى أَتَيْنَا خَيْبَرَ، وَقَدِ افْتَتَحَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ، قَالَ: فكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُسْلِمِينَ، فَأَشْرَكُونَا فِي سِهَامِهِمْ (١). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قُلْتُ فِي الطَّرِيقِ: يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا (٢) ... عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الكُفْرِ نَجَّتِ قَالَ: وَأَبَقَ (٣) مِنِّي غُلَام لِي فِي الطَّرِيقِ، فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَبَايَعْتُهُ، فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ الغُلَامُ. فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا أبا هُرَيْرَةَ، هَذَا غُلَامُكَ". فَقُلْتُ: هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ، فَأَعْتَقْتُهُ (٤). * قِصَّةُ الذِي قَطَعَ بَرَاجِمَهُ (٥): رَوَى الإِمَامُ مُسْلِم فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: لَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ، هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ بنُ عَمْرٍو ﵁، وَهَاجَرَ

стр. 1746

مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاجْتَوَوْا (١) المَدِينَةَ، فَمَرِضَ، فَجَزعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ (٢) لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ (٣) يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ، فَرَآه الطُّفَيْلُ بنُ عَمْرٍو في مَنَامِهِ، فَرَآهُ وَهَيْئتهُ حَسَنَةٌ، وَرَآه مُغَطِّيًا يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي لِهِجْرَتِي إلى نَبِيِّهِ ﷺ ، فَقَالَ الطُّفَيْلُ: مَالِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ. فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ! وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ" (٤). قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: في هَذَا الحَدِيثِ حُجَّةٌ لِقَاعِدَةٍ عَظِيمَةٍ لِأَهْلِ السُّنَّةِ: أَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ، أَوِ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً غَيْرَهَا، وَمَاتَ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ فَلَيْسَ بِكَافِرٍ، وَلَا يُقْطَعُ لَهُ بِالنَّارِ، بَلْ هُوَ في حُكْمِ المَشِيئَةِ، وَهَذا الحَدِيثُ شَرْحٌ لِلْأَحَادِيثِ المُوهِمُ ظَاهِرُهَا تَخْلِيدَ قَاتِلِ النَّفْسِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ الكَبَائِرِ في النَّارِ، وَفِيهِ إِثْبَاتُ عُقُوبَةِ بَعْضِ أَصْحَابِ المَعَاصِي، فَإِنَّ هَذَا عُوقِبَ في يَدَيْهِ، فَفِيهِ رَدٌّ عَلَى

стр. 1747

المُرْجِئَةِ القَائِلِينَ بِأَنَّ المَعَاصِي لَا تَضُرُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (١). * مَا الفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَالمُنْتَحِرِ ؟ : فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الجَمْعُ بَيْنَ هَذَا الحَدِيثِ وَبَيْنَ مَا ثبتَ في الصحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ الحَسَنِ بنِ جُنْدُب قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَان فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ فَجَزِعَ، فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ (٢) بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ (٣) الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ اللَّهُ : بَادَرَني عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ" (٤). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِير: فَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ذَاكَ مُشْرِكًا، وَهَذا مُؤْمِنٌ. الثَّانِي: قَدْ يَكُونُ ذَاكَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، وَهَذا غَيْرُ عَالِمٍ لِحَدَاثَةِ عَهْدِهِ بِالإِسْلَامِ. الثَّالِثُ: قَدْ يَكُونُ ذَاكَ فَعَلَهُ مُسْتَحِلًّا لَهُ، وَهَذَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِلًّا بَلْ مُخْطِئًا. الرَّابِعُ: قَدْ يَكُونُ أَرَادَ ذَاكَ بِصَنِيعِهِ المَذْكُورِ أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ، بِخِلَافِ هَذَا

стр. 1748

فَإِنَّهُ يَجُوزُ أنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ غَيْرَ ذَلِكَ. الخَامِسُ: قَدْ يَكُونُ ذَاكَ قَلِيلُ الحَسَنَاتِ، فَلَمْ تُقَاوِمْ كِبرَ ذَنْبِهِ المَذْكُورِ، فَدَخَلَ النَّارَ، وَهَذَا قَدْ يَكُونُ كَثِيرَ الحَسَنَاتِ، فَقَاوَمَتِ الذَّنْبَ، فَلَمْ يَلجِ النَّارَ بَلْ غُفِرَ له بِالهِجْرَةِ إلى نَبِيِّهِ ﷺ ، وَلَكِنْ يبقَى الشَّيْنُ في يَدِهِ فَقَطْ، وَحَسُنَتْ هَيْئَةُ سَائِرِهِ، فَدَعَا لَهُ ﷺ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ" أَيْ فَأَصْلحْ مِنْهَا مَا كَانَ فَاسِدًا. وَالمُحَقَّقُ أَنَّ اللَّه اسْتَجَابَ لِرَسُولِهِ ﷺ فِي صَاحِبِ الطُّفَيْلِ بنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيِّ ﵁ (١). * زَوَاجُ الرَّسُولِ ﷺ مِنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ ﵂: ذَكَرْنَا أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ بنِ أَخْطَبٍ ﵂ سُبِيَتْ مِنْ حِصْنِ القَمُوصِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ يَهُودُ عَلَى الصُّلْحِ، وَكَانَتْ ﵂ زَوْجَةَ كِنَانَةَ بنِ الرَّبِيعِ بنِ أَبِي الحُقَيْقِ، وَقَدْ قَتَلَهُ رَسُولُ ﷺ لِغَدْرهِ، فَلَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِجَمْعِ السَّبَايَا، جَاءَ دِحْيَةُ بنُ خَلِيفَةٍ الكَلْبِيُّ ﵁, إلى الرَّسُولِ ﷺ ، فَقَالَ له: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَعْطِنِي جَارِيَةٍ مِنَ السَّبْي، فَقَالَ ﷺ : "اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً"، فَأَخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ، فَجَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّه أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ سَيِّدَةَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لَكَ.

стр. 1749

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُدْعُوهُ بِهَا"، فَجَاءَ بِهَا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ قَالَ لِدِحْيَةَ: "خُذْ جَارِيَةً مِنَ السَّبْي غَيْرَهَا". وَعَرَضَ عَلَيْهَا الرَّسُولُ ﷺ الإِسْلَامَ فَأَسْلَمَتْ، فَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، وَجَعَلَ عِتَاقَهَا صَدَاقَهَا (١). فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ خَرَجَ بِصَفِيَّةَ مَعَهُ، قَالَ أَنسٌ ﵁: حَتَّى إِذَا بَلَغْنَا سَدَّ الصَّهْبَاءَ (٢) حَلَّتْ (٣)، فَدَفَعَهَا الرَّسُولُ ﷺ إلى أُمِّ سُلَيْمٍ تُصَنِّعُهَا (٤) وَتُهَيِّئُهَا لَهُ، وَأَهْدَتْهَا (٥) لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ، فَأَصْبَحَ عَرُوسًا بِهَا (٦). * رُؤْيَا صَفِيَّةَ ﵂: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى في وَجْهِ صَفِيَّةَ ﵂ خُضْرَةً، فَقَالَ: "يَا صَفِيَّةُ مَا هَذِهِ الخُضْرَةُ؟ " قَالَتْ: كَانَ رَأْسِي في حِجْرِ (٧) ابْنِ أَبِي الحُقَيْقِ

стр. 1750

وَأَنَا نَائِمَةٌ، فَرَأَيْتُ كَأَنَّ قَمَرًا وَقَعَ في حِجْرِي، فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ فَلَطَمَنِي، وَقَالَ: تَمَنِّينَ مَلِكَ يَثْرِبَ؟ قَالَتْ صَفِيَّةُ ﵂: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَبْغَضِ النَّاسِ إِلَيَّ قتَلَ زَوْجِي وَأَبِي وَأَخِي، فَمَا زَالَ ﷺ يَعْتَذِرُ إِلَيَّ، وَيَقُولُ: "إِنَّ آباكِ أَلَّبَ (١) عَلَيَّ العَرَبَ وَفَعَلَ وَفَعَلَ" حَتَّى ذَهَبَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِي (٢). * وَلِيمَةُ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى صَفِيَّةَ ﵂: قَالَ أَنَسٌ ﵁: فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَرُوسًا قَالَ: "مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَجِئْ بِهِ"، وَبَسَطَ نِطْعًا (٣)، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمْنِ، وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالأَقِطِ (٤) فَحَاسُوا حَيْسًا (٥)، فَكَانَتْ وَليمَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى في صَحِيحِ البُخَارِيِّ قَالَ أَنَسٌ ﵁: وَأَوْلَمَ عَلَيْهَا بِحَيْسٍ (٦).

стр. 1751

قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَلَا مُخَالفَةَ بَيْنَ قَوْلِ أَنَسٍ: أَوْلَمَ عَلَيْهَا حَيْسًا، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: أَوْلَمَ عَلَيْهَا التَّمْرَ وَالسَّمْنَ وَالأَقِطَ؛ لِأَنَّ هَذه الأَجْزَاءَ -أَي التَّمْرَ وَالسَّمْنَ وَالأَقِطَ- مِنْ أَجْزَاءِ الحَيْسِ (١). قَالَ أَنَسٌ ﵁: فَقَالَ المُسْلِمُونَ: إِحْدَى أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ؟ فَقَالُوا: إِنْ حَجَبَهَا فَهِيَ إِحْدَى أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَإِنْ لَمْ يَحْجِبْهَا فَهِيَ مَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، فَلَمَّا ارْتَحَلَ وَطَّأَ (٢) لَهَا خَلْفَهُ وَمَدَّ الحِجَابَ، فَعَرَفُوا أنَّهُ قَدْ تَزَوَّجَهَا، فَلَمَّا أَرَادَتْ أَنْ تَرْكَبَ، أَدْنَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فخِذَهُ مِنْهَا لِتَرْكَبَ عَلَيْهَا (٣)، فَأَجَلَّتْ (٤) رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَضَعَ رِجْلَهَا عَلَى فَخِذِهِ، فَوَضَعَتْ رُكْبَتَهَا عَلَى فَخِذِهِ وَرَكبَتْ (٥). وَفِي رِوَايةٍ أُخْرَى في صَحِيحِ البُخَارِيِّ قَالَ أَنَسٌ ﵁: فكُنْتُ أُرَاهُ

стр. 1752

يُحَوِّي (١) ورَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ أَوْ بِكِسَاءٍ، ثُمَّ يُرْدِفُهَا وَرَاءَهُ ﷺ (٢). رَوَى الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَفِيَّةَ، بَاتَ أَبُو أَيُّوبٍ ﵁ عَلَى بَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ، فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، كَبَّرَ، وَمَعَ أَبِي أَيُّوبٍ السَّيْفُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَانَتْ جَارِيَةً حَدِيثَةَ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، وَكُنْتَ قَتَلْتَ أَبَاهَا وَأَخَاهَا وَزَوْجَهَا، فَلَمْ آمَنْهَا عَلَيْكَ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَقَالَ لَهُ خَيْرًا (٣). قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ: غَرِيبٌ جِدًّا، وَله شُوَيْهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عِيسَى بنِ المُخْتَارِ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاس، فَذَكَرَ قَرِيبًا مِنْهُ (٤). * غَيْرَةُ (٥) نِسَاءِ الرَّسُولِ ﷺ من صَفِيَّةَ: وَلَمَّا قَدِمَتْ صَفِيَّةُ ﵂ المَدِينَةَ كَانَ فِي أُذُنَيْهَا

стр. 1753

خُرْصَةً (١) مِنْ ذَهَبٍ، فوَهَبَتْ لِفَاطِمَةَ مِنْهُ، وَلنِسَاءٍ مَعَهَا (٢). * شَيْءٌ مِنْ فَضَائِلِ صَفِيَّةَ ﵂، وَوَفَاتُهَا: وَكَانَتْ صَفِيَّةُ ﵂ شَرِيفَةً عَاقِلَةً، ذَاتَ حَسَبٍ وَجَمَالٍ، وَدِينٍ وَحِلْمٍ، وَوَقَارٍ، حَتَّى أَنَّ أَزْوَاجَ الرَّسُولِ ﷺ أَخَذَتْهُنَّ الغَيْرَةُ مِنْهَا، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ صَانِعَةَ طَعَامٍ مِثْلَ صَفِيَّةَ، أَهْدَتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ إِنَاءً فِيهِ طَعَامٌ، فَمَا مَلَكْتُ نَفْسِي أَنْ كَسَرْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا كَفَّارَتُهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَاءٌ كَإِنَاءِ، وَطَعَامٌ كَطَعَامٍ" (٣) وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: بَلَغَ صَفِيَّةَ ﵂ أَنَّ حَفْصَةَ ﵂ قَالَتْ: ابْنَةُ يَهُودِيٍّ، فَبَكَتْ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ وَهِيَ تَبْكِي،

стр. 1754

فَقَالَ: "مَا شَأْنُكِ" (١)؟ قَالَتْ: قَالَتْ لِي حَفْصَةُ: إِنِّي ابْنَةُ يَهُودِيٍّ! . فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّكَ ابْنَةُ نَبِيٍّ، وَإنَّ عَمَّكِ نَبِيٌّ، وَإِنَّكِ لَتَحْتَ نَبِيٍّ، فَفِيمَ تَفْخَرُ عَلَيْكِ؟ " ثُمَّ قَالَ ﷺ لِحَفْصَةَ: "اتَّقِ اللَّهِ يَا حَفْصَةُ" (٢). وَكَانَ عُمْرُ صَفِيَّةَ ﵂ حِينَ تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَتُوُفِّيَتْ صَفِيَّةُ ﵂ سَنَةَ خَمْسِينَ مِنَ الهِجْرَةِ في خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵁، وَدُفِنَتْ بِالبَقِيعِ (٣). * أَمْرُ الشَّاةِ المَسْمُومَةِ: وَلَمَّا انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ أَهْدَتْ لَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ الحَارِثِ -امْرَأَةُ سَلَّامِ بنِ مِشْكَمٍ، وَأُخْتُ مَرْحَبٍ- شَاةً مَصْلِيَّةً (٤)، وَقَدْ سَألَتْ: أَيَّ عُضْوٍ مِنَ الشَّاةِ أَحَبُّ إلى مُحَمَّدٍ؟ فَقِيلَ لَهَا: الذِّرَاعُ، فَأَكْثَرَتْ فِيهَا السُّمَّ، ثُمَّ سَمَّتْ سَائِرَ الشَّاةِ، ثُمَّ جَاءَتْ

стр. 1755

بِهَا، فَلَمَّا وَضَعَتْهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَنَاوَلَ مِنْهَا الذِّرَاعَ فَلَاكَ مِنْهَا مُضْغَةً، فَلَمْ يُسِغْهَا، وَبَسَطَ أَصْحَاُبهُ أَيْدِيَهُمْ، فِيهِمْ: بِشْرُ بنُ البَرَاءِ بنِ مَعْرُورٍ ﵄، فَأَخَذَ مِنْهَا كَمَا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَّا بِشْرٌ فَأَسَاغَهَا (١)، وَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَفَظَهَا، ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: "إِنَّ هَذَا العَظْمَ لَيُخْبِرُنِي أنَّهُ مَسْمُومٌ" (٢). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَنَاوَلَ الذِّرَاعَ فَانْتَهَشَ (٣) مِنْهَا، وَتَنَاوَلَ بِشْرُ بنُ البَرَاءَ ﵄ عَظْمًا فَانْتَهَشَ مِنْهُ، فَلَمَّا اسْتَرَطَ (٤) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لُقْمَتَهُ اسْتَرَطَ بِشْرٌ مَا في فَمِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ فَإِنَّ هَذِهِ الذِّرَاعَ تُخْبِرُنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ"، فَقَالَ بِشْرُ بنُ البَرَاءِ: وَالذِي أَكْرَمَكَ لَقَدْ وَجَدْتُ ذَلِكَ في أَكْلَتِي التِي أَكَلْتُ فَمَا مَنَعَنِي أَنْ أَلْفِظَهَا إِلَّا أَنِّي أَعْظَمْتُ أَنْ أُنَغِّصَكَ (٥) طَعَامَكَ، فَلَمَّا أَكَلْتَ مَا فِي فِيكَ، لَمْ أَرْغَبُ بِنَفْسِي عَنْ نَفْسِكَ، وَرَجَوْتُ أَنْ لَا تَكُونَ اسْتَرَطْتَهَا، وَفِيهَا بَغْيٌ (٦)
следующие страницы →