← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَلَا مُخَالفَةَ بَيْنَ قَوْلِ أَنَسٍ: أَوْلَمَ عَلَيْهَا حَيْسًا، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: أَوْلَمَ عَلَيْهَا التَّمْرَ وَالسَّمْنَ وَالأَقِطَ؛ لِأَنَّ هَذه الأَجْزَاءَ -أَي التَّمْرَ وَالسَّمْنَ وَالأَقِطَ- مِنْ أَجْزَاءِ الحَيْسِ (١). قَالَ أَنَسٌ ﵁: فَقَالَ المُسْلِمُونَ: إِحْدَى أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ؟ فَقَالُوا: إِنْ حَجَبَهَا فَهِيَ إِحْدَى أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَإِنْ لَمْ يَحْجِبْهَا فَهِيَ مَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، فَلَمَّا ارْتَحَلَ وَطَّأَ (٢) لَهَا خَلْفَهُ وَمَدَّ الحِجَابَ، فَعَرَفُوا أنَّهُ قَدْ تَزَوَّجَهَا، فَلَمَّا أَرَادَتْ أَنْ تَرْكَبَ، أَدْنَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فخِذَهُ مِنْهَا لِتَرْكَبَ عَلَيْهَا (٣)، فَأَجَلَّتْ (٤) رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَضَعَ رِجْلَهَا عَلَى فَخِذِهِ، فَوَضَعَتْ رُكْبَتَهَا عَلَى فَخِذِهِ وَرَكبَتْ (٥). وَفِي رِوَايةٍ أُخْرَى في صَحِيحِ البُخَارِيِّ قَالَ أَنَسٌ ﵁: فكُنْتُ أُرَاهُ

стр. 1752

يُحَوِّي (١) ورَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ أَوْ بِكِسَاءٍ، ثُمَّ يُرْدِفُهَا وَرَاءَهُ ﷺ (٢). رَوَى الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَفِيَّةَ، بَاتَ أَبُو أَيُّوبٍ ﵁ عَلَى بَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ، فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، كَبَّرَ، وَمَعَ أَبِي أَيُّوبٍ السَّيْفُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَانَتْ جَارِيَةً حَدِيثَةَ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، وَكُنْتَ قَتَلْتَ أَبَاهَا وَأَخَاهَا وَزَوْجَهَا، فَلَمْ آمَنْهَا عَلَيْكَ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَقَالَ لَهُ خَيْرًا (٣). قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ: غَرِيبٌ جِدًّا، وَله شُوَيْهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عِيسَى بنِ المُخْتَارِ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاس، فَذَكَرَ قَرِيبًا مِنْهُ (٤). * غَيْرَةُ (٥) نِسَاءِ الرَّسُولِ ﷺ من صَفِيَّةَ: وَلَمَّا قَدِمَتْ صَفِيَّةُ ﵂ المَدِينَةَ كَانَ فِي أُذُنَيْهَا

стр. 1753

خُرْصَةً (١) مِنْ ذَهَبٍ، فوَهَبَتْ لِفَاطِمَةَ مِنْهُ، وَلنِسَاءٍ مَعَهَا (٢). * شَيْءٌ مِنْ فَضَائِلِ صَفِيَّةَ ﵂، وَوَفَاتُهَا: وَكَانَتْ صَفِيَّةُ ﵂ شَرِيفَةً عَاقِلَةً، ذَاتَ حَسَبٍ وَجَمَالٍ، وَدِينٍ وَحِلْمٍ، وَوَقَارٍ، حَتَّى أَنَّ أَزْوَاجَ الرَّسُولِ ﷺ أَخَذَتْهُنَّ الغَيْرَةُ مِنْهَا، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ صَانِعَةَ طَعَامٍ مِثْلَ صَفِيَّةَ، أَهْدَتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ إِنَاءً فِيهِ طَعَامٌ، فَمَا مَلَكْتُ نَفْسِي أَنْ كَسَرْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا كَفَّارَتُهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَاءٌ كَإِنَاءِ، وَطَعَامٌ كَطَعَامٍ" (٣) وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: بَلَغَ صَفِيَّةَ ﵂ أَنَّ حَفْصَةَ ﵂ قَالَتْ: ابْنَةُ يَهُودِيٍّ، فَبَكَتْ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ وَهِيَ تَبْكِي،

стр. 1754

فَقَالَ: "مَا شَأْنُكِ" (١)؟ قَالَتْ: قَالَتْ لِي حَفْصَةُ: إِنِّي ابْنَةُ يَهُودِيٍّ! . فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّكَ ابْنَةُ نَبِيٍّ، وَإنَّ عَمَّكِ نَبِيٌّ، وَإِنَّكِ لَتَحْتَ نَبِيٍّ، فَفِيمَ تَفْخَرُ عَلَيْكِ؟ " ثُمَّ قَالَ ﷺ لِحَفْصَةَ: "اتَّقِ اللَّهِ يَا حَفْصَةُ" (٢). وَكَانَ عُمْرُ صَفِيَّةَ ﵂ حِينَ تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَتُوُفِّيَتْ صَفِيَّةُ ﵂ سَنَةَ خَمْسِينَ مِنَ الهِجْرَةِ في خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵁، وَدُفِنَتْ بِالبَقِيعِ (٣). * أَمْرُ الشَّاةِ المَسْمُومَةِ: وَلَمَّا انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ أَهْدَتْ لَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ الحَارِثِ -امْرَأَةُ سَلَّامِ بنِ مِشْكَمٍ، وَأُخْتُ مَرْحَبٍ- شَاةً مَصْلِيَّةً (٤)، وَقَدْ سَألَتْ: أَيَّ عُضْوٍ مِنَ الشَّاةِ أَحَبُّ إلى مُحَمَّدٍ؟ فَقِيلَ لَهَا: الذِّرَاعُ، فَأَكْثَرَتْ فِيهَا السُّمَّ، ثُمَّ سَمَّتْ سَائِرَ الشَّاةِ، ثُمَّ جَاءَتْ

стр. 1755

بِهَا، فَلَمَّا وَضَعَتْهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَنَاوَلَ مِنْهَا الذِّرَاعَ فَلَاكَ مِنْهَا مُضْغَةً، فَلَمْ يُسِغْهَا، وَبَسَطَ أَصْحَاُبهُ أَيْدِيَهُمْ، فِيهِمْ: بِشْرُ بنُ البَرَاءِ بنِ مَعْرُورٍ ﵄، فَأَخَذَ مِنْهَا كَمَا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَّا بِشْرٌ فَأَسَاغَهَا (١)، وَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَفَظَهَا، ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: "إِنَّ هَذَا العَظْمَ لَيُخْبِرُنِي أنَّهُ مَسْمُومٌ" (٢). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَنَاوَلَ الذِّرَاعَ فَانْتَهَشَ (٣) مِنْهَا، وَتَنَاوَلَ بِشْرُ بنُ البَرَاءَ ﵄ عَظْمًا فَانْتَهَشَ مِنْهُ، فَلَمَّا اسْتَرَطَ (٤) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لُقْمَتَهُ اسْتَرَطَ بِشْرٌ مَا في فَمِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ فَإِنَّ هَذِهِ الذِّرَاعَ تُخْبِرُنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ"، فَقَالَ بِشْرُ بنُ البَرَاءِ: وَالذِي أَكْرَمَكَ لَقَدْ وَجَدْتُ ذَلِكَ في أَكْلَتِي التِي أَكَلْتُ فَمَا مَنَعَنِي أَنْ أَلْفِظَهَا إِلَّا أَنِّي أَعْظَمْتُ أَنْ أُنَغِّصَكَ (٥) طَعَامَكَ، فَلَمَّا أَكَلْتَ مَا فِي فِيكَ، لَمْ أَرْغَبُ بِنَفْسِي عَنْ نَفْسِكَ، وَرَجَوْتُ أَنْ لَا تَكُونَ اسْتَرَطْتَهَا، وَفِيهَا بَغْيٌ (٦)

стр. 1756

ثُمَّ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ إلى تِلْكَ المَرْأَةِ اليَهُودِيَّةِ، فَجِيءَ بِهَا، فَسَأَلهَا عَنْ ذلِك (١)؟ فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لِأَقْتُلَكَ (٢). وَعِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، قَالَتْ: أَرَدْتُ إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا فَإِنَّ اللَّهُ سَيُطْلِعُكَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ نَبِيًّا أُرِيحُ النَّاسَ مِنْكَ (٣). فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكَ"، أَوْ قَالَ: "عَلَيَّ" (٤)، فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَلَا نَقْتُلُهَا؟ فَقَالَ ﷺ : "لَا" (٥). وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اجْمَعُوا لِي مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ يَهُودٍ"، فَجَمَعُوا له، . . . فَقَالَ ﷺ : "هَلْ أَنْتُمْ صادِقِي عَنْ شَيءٍ إِنْ سَألتُكُمْ عَنْهُ"؟ فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أبَا القَاسِمِ.

стр. 1757

فَقَالَ ﷺ : "هَلْ جَعَلْتُمْ في هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا؟ ". قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: "مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ " قَالُوا: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا نَسْتَرِيحُ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ (١). وَترَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ المَرْأَةَ، وَعَفَا عَنْهَا، فَلَمَّا مَاتَ بِشْرُ بنُ البَرَاءَ بنِ مَعْرُورٍ ﵄، مِنْ أَكْلَتِهِ التِي أَكَلَ أَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُتِلَتْ قِصَاصًا، بِقَتْلِهَا بشْرِ بنِ البَرَاءَ بنِ مَعْرُورٍ ﵄ (٢). * أَثَرُ السُّمِّ الذِى أَصَابَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْتِيهِ الألَمُ مِنْ هَذَا السُّمِّ بَيْنَ فترَةٍ وَأُخْرَى، فَكَانَ يَحْتَجِمُ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا -أَيْ مِنْ أَلمِ السُّمِّ- احْتَجَمَ، قَالَ: فَسَافَرَ مَرَّةً، فَلَمَّا أَحْرَمَ، وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا -أَيْ مِنْ

стр. 1758

أَلمِ ذَلِكَ السُّمِّ- فَأَحْتَجَمَ (١). وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى في مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، مِنْ أَكْلَةٍ أَكَلَهَا مِنْ شَاةٍ مَسْمُومَةٍ، سَمَّتْهَا امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ (٢). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - إِخْبَارُهُ ﷺ عنِ الغَيْبِ. ٢ - تَكْلِيمُ الجَمَادِ لَهُ ﷺ . ٣ - وَفِيهِ مُعَانَدَةُ اليَهُودِ لِاعْتِرَافِهِمْ بِصِدْقِهِ ﷺ فِيمَا وَقَعَ مِنْهُمْ مِنْ دَسِيسَةِ السُّمِّ، وَمَعَ ذَلِكَ فَعَانَدُوهُ وَاسْتَمَرُّوا عَلَى تَكْذِيبِهِ. ٤ - وَفِيهِ قتل مَن قَتَلَ بِالسُّمِّ قِصَاصًا. ٥ - وَفِيهِ أَنَّ الأَشْيَاءَ -كَالسُّمُومِ وَغَيْرِهَا- لَا تُؤَثّر بِذَوَاتِهَا، بَلْ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى (٣). * انْقِطَاعُ أَبْهَرِ (٤) الرَّسُولِ ﷺ : وَقَدْ بَلَغَ أَثَرُ هَذَا السّمِّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى انْقِطَاعِ الأَبْهَرِ مِنْهُ ﷺ ، فَقَدْ

стр. 1759

رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ في مَرَضِهِ الذِي مَاتَ فِيهِ: "يَا عَائِشَةُ مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلمَ الطَّعَامِ الذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ، فهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ" (١). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ أُمِّ مُبَشِّرٍ: أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في وَجَعِهِ الذِي قُبِضَ فِيهِ، فَقَالَتْ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَتَّهِمُ بِنَفْسِكَ؟ فَإِنِّي لَا أتَّهِمُ إِلَّا الطَّعَامَ الذِي أَكَلَ مَعَكَ بِخَيْبَرَ، وَكَانَ ابْنُهَا بِشْرُ بنُ البَرَاءِ بنُ مَعْرُورٍ مَاتَ قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ ﷺ : "وَأَنا لَا أَتَّهِمُ غَيْرَهُ، هَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ أَبْهَرِي" (٢). * اسْتِشْهَادُ الرَّسُولِ ﷺ مِنْ هَذَا السُّمِّ: رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَأَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ تِسْعًا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قُتِلَ قتلًا (٣)،

стр. 1760

أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ وَاحِدَةً، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّه اتَّخَذَهُ نَبِيًّا، وَجَعَلَهُ شَهِيدًا (١). وَقَالَ ابنُ القَيِّمِ: وَكَانَ بَقِيَ أَثَرُهَا -أَيْ أَثَرُ السُّمِّ- مَعَ ضَعْفِهِ لِمَا يُرِيدُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ تَكْمِيلِ مَرَاتِبِ الفَضْلِ كُلِّهَا له ﷺ ، فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ إِكْرَامَهُ بِالشَّهَادَةِ، ظَهَرَ تَأْثِيرُ ذَلِكَ الأثرِ الكَامِنِ مِنَ السُّمِّ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا (٢). * قَتْلَى الفَرِيقَيْنِ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ: بَلَغَ عَدَدُ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ في غَزْوَةِ خَيْبَرَ بِضْعَةَ (٣) عَشَرَ رَجُلًا، أَرْبَعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَوَاحِدٌ مِنْ أَشْجَعَ، وَوَاحِدٌ مِنْ أَسْلَمَ، وَوَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ وَهُوَ الأَسْوَدُ الرَّاعِي، وَأَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ. وَبَلَغَ عَدَدُ قتلَى اليَهُودِ في غَزْوَةِ خَيْبَرَ ثَلَاثَةً وَتِسْعِينَ رَجُلًا، فِيهِمْ نَفَرٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ كَابْنَيْ أَبِي الحُقَيْقِ، وَمَرْحَبٌ (٤). * قُدُومُ أَبَان بنِ سَعِيدٍ ﵁ مِنْ نَجْدٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ لَمَّا تَوَجَّهَ إلى خَيْبَرَ بَعَثَ مِنَ المَدِينَةِ أَبَانَ بنَ سَعِيدِ بنِ

стр. 1761

العَاصِ ﵁ عَلَى سَرِيَّةٍ قبلَ نَجْدٍ، فَقَدِمَ أَبَانُ وَأَصْحَابُهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرَ بَعْدَمَا افْتَتَحَهَا، فَسَأَلَ أبانُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقْسِمَ لَهُمْ، فَلَمْ يَفْعَلْ (١). قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: لَمْ أَعْرِفْ حَالَ هَذِهِ السَّرِيَّةِ، فَلَعَلَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ هَذِهِ السَّرِيَّةَ إلى نَجْدٍ لِإِرْهَابِ الأَعْرَابِ هُنَاكَ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَطْلُبُونَ غِرَّةَ (٢) المُسْلِمِينَ لِلْإِغَارَةِ عَلَى المَدِينَةِ، وَالقِيَامِ بِالنَّهْبِ وَالسَّلْبَ (٣). * أَمْرُ يَهُودِ فَدَكَ (٤): لَمَّا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى خَيْبَرَ، بَعَثَ مُحَيِّصَةَ (٥) بنَ مَسْعُودٍ ﵁، في رِجَالٍ مَعَهُ إلى يَهُودِ فَدَكَ يَدْعُوهُمْ إلى الإِسْلَامِ، فَأَبْطَأُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ قَذَفَ اللَّهُ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ، فبَعَثُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُصَالِحُونَهُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ فَدَكَ بِمِثْلِ مَا صَالَحَ عَلَيْهِ أَهْلُ خَيْبَرَ، فَقَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ مِنْهُمْ. فَكَانَتْ فَدَكٌ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِفِ (٦) المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ

стр. 1762

بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنْفِقُ مِنْهَا، وَيَعُودُ مِنْهَا عَلَى صَغِيرِ بَنِي هَاشِمٍ، وَيُزَوِّجُ مِنْهَا أَيِّمَهُمْ (١). رَوَى أَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ المُغِيرَةِ بنِ مِقْسَمٍ قَالَ: جَمَعَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ بَنِي مَرْوَانَ حِينَ اسْتُخْلِفَ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَتْ لَهُ فَدَكٌ، فَكَانَ يُنْفِقُ مِنْهَا، وَيَعُودُ مِنْهَا عَلَى صَغِير بَنِي هَاشِمٍ، وَيُزَوِّجُ مِنْهَا أيِّمَهُمْ. . . (٢). * حِصَارُ وَادِي القُرَى (٣) وَقِصَّةُ مِدْعَمٍ (٤): ثُمَّ تَحَرَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انْتَهَى إلى وَادِي القُرَى، وَكَانَ بِهَا جَمَاعَةٌ مِنَ اليَهُودِ، فنَزَلَ بِهَا، وَكَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غُلَامٌ يدْعَى: مِدْعَمًا أَهْدَاهُ لَهُ رِفَاعَةُ بنُ زَيْدٍ الجُذَامِيُّ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَضَعُ رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ جَاءهُ سَهْمٌ غَائِرٌ (٥)، فَأَصَابَهُ فَقتَلَهُ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةَ (٦) يَا رَسُولَ اللَّهِ! ، فَقَالَ

стр. 1763

رَسُولُ اللَّهِ: "كَلَّا وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ الشَّمْلةَ التِي أَصَابَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ المَغَانِمِ، لَمْ تُصِبْهَا المَقَاسِمُ، لَتَشْتَعِلُ (١) عَلَيْهِ نَارًا"، فَجَاءَ رَجُلٌ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِشِرَاكٍ (٢)، أَوْ شِرَاكَيْنِ، فَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ كُنْتُ أَصَبْتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "شِرَاكٌ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ" (٣). قُلْتُ: وَقَدْ شَدَّدَ الرَّسُولُ ﷺ فِي أَمْرِ الغُلُولِ فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَمْرِو بنِ شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الغُلُولُ عَارٌ وَنَارٌ وَشَنَارٌ (٤) عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ" (٥). * تَعْبِئَةُ الرَّسُولِ ﷺ أَصْحَابَهُ لِلْقِتَالِ: ثُمَّ عَبَّأَ (٦) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ لِلْقِتَالِ، وَصَفَّهُمْ، وَدَفَعَ لِوَاءَهُ إلى سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ ﵁، وَرَايَةً إلى الحبابِ بنِ المُنْذِرِ ﵁، وَرَايَةً إلى سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ

стр. 1764

-﵁، وَرَايَةً إلى عَبَّادِ بنِ بِشْرٍ ﵁، ثُمَّ دَعَاهُمْ إلى الإِسْلَامِ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ أَسْلَمُوا أَحْرَزُوا (١) أَمْوَالَهُمْ، وَحَقَنُوا دِمَاءَهُمْ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ. فَرَفَضُوا ذَلِكَ وَأَبَوْا إِلَّا القِتَالَ، فبرَزَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَخَرَجَ له الزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامِ ﵁ فَقتَلَهُ، ثُمَّ بَرَزَ آخَرُ، فبرَزَ له عَلِيٌّ ﵁ فَقتَلَهُ، ثُمَّ بَرَزَ مِنْهُمْ رَجُل ثَالِث، فَخَرَجَ له أَبُو دُجَانَةَ ﵁ فَقتَلَهُ، حَتَّى قُتِلَ مِنْهُمْ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا، كُلَّمَا قُتِلَ مِنْهُمْ رَجُلٌ دعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ بَقِيَ إلى الإِسْلَامِ، وَلقَدْ كَانَتِ الصَّلَاةُ تَحْضُرُ يَوْمَئِذٍ فيصَلِّي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَصْحَابِهِ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَدْعُوَهُمْ إلى اللَّهِ وَرَسُولهِ، وَلَكِنَّهُمْ أَبَوا ذَلِكَ، فَلَمْ تَرْتَفِعِ الشَّمْسُ لِمَغِيبِهَا حَتَّى أَعْطَوْا مَا بِأَيْدِيهِمْ، وَفتَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْوَةً، وَغَنَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَمْوَالَهُمْ، وَأَصَابُوا أَثَاثًا وَمَتَاعا كَثِيرًا. وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَادِي القُرَى أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، وَقَسَمَ مَا أَصَابَ عَلَى أَصْحَابِهِ هُنَاكَ، وَتَرَكَ الأَرْضَ وَالنَّخْلَ بِأَيْدِي اليَهُودِ، وَعَامَلَهُمْ عَلَى نَحْوِ مَا عَامَلَ عَلَيْهِ أَهْلَ خَيْبَرَ، وَوَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ عَمْرَو بنَ سَعِيدِ بنِ العَاصِ ﵁ (٢). * أَمْرُ يَهُودِ تَيْمَاءَ: وَلَمَّا بَلَغَ يَهُودَ تَيْمَاءَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَهْلِ خَيْبَرَ وَفَدَكَ وَوَادِي

стр. 1765

القُرَى صَالَحُوهُ عَلَى الجِزْيَةِ، وَأَقَامُوا بِبِلَادِهِمْ، وَأَرْضُهُمْ في أَيْدِيهِمْ (١). * أَمْرُ يَهُودِ خَيْبَرَ في حَيَاةِ الْرَّسُولِ ﷺ -: وَظَلَّ يَهُودُ خَيْبَرَ يَعْمَلُونَ في مَزَارِعِهَا عَلَى نِصْفِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا في حَيَاةِ الرَّسُولِ ﷺ ، فَلَمَّا كَانَ حِينَ يُصْرَمُ (٢) النَّخْلُ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ: عَبْدَ اللَّهِ بنَ رَوَاحَةَ الأَنْصَارِيَّ ﵁ لِيَخْرِصَ (٣) لَهُمْ، فَطَافَ في نَخْلِهِمْ، فَخَرَصَهَا جَمِيعًا، ثُمَّ ضَمَّنَهُمُ الشَّطْرَ، فَشَكَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شِدَّةَ خَرْصِهِ، وَأَرَادُوا أَنْ يَرْشُوهُ، فَقَالَ لَهُمْ: يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ أَتُطْعِمُونِي السُّحْتَ (٤)، وَاللَّهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَلَأَنْتُمْ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ عِدَتِكُمْ مِنَ القِرَدَةِ وَالخَنَازِيرِ، وَلَا يَحْمِلُنِي بُغْضِي إِيَّاكُمْ وَحُبِّي إِيَّاهُ عَلَى أَنْ لَا أَعْدِلَ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: بِهَذَا قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ (٥).

стр. 1766

وَقَدْ خَرَصَ لَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ عَامًا وَاحِدًا، ثُمَّ لَمَّا قُتِلَ في يَوْمِ مُؤْتَةَ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَانَهُ جَبَّارَ بنَ صَخْرٍ ﵁ (١)، وَكَانَ خَارِصَ أَهْلِ المَدِينَةِ وَحَاسِبَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ (٢). * غَدْرُ يَهُودِ خَيْبَرَ: وَظَلَّ يَهُودُ خَيْبَرَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يُرَ مِنْهُمْ شَيْءٌ يَضُرُّ المُسْلِمِينَ حَتَّى عَدَوْا عَلَى ابْنِ مُحَيِّصَةَ (٣) بنِ مَسْعُودٍ الأَوْسِيِّ الأَنْصَارِيِّ، فَقتَلُوهُ، وَذَلِكَ في حَيَاةِ الرَّسُولِ ﷺ ، فَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ في السُّنَنِ الكُبْرَى وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: إِنَّ ابْنَ مُحَيِّصَةَ الأَصْغَرَ أَصْبَحَ قَتِيلًا عَلَى أَبْوَابِ خَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَقِمْ شَاهِدَيْنِ عَلَى مَنْ قتَلَهُ، أَدْفَعْهُ إِلَيْكَ بِرُمتِهِ" (٤)، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمِنْ أَيْنَ أُصِيبُ شَاهِدَيْنِ، وَإِنَّمَا أَصْبَحَ قَتِيلًا عَلَى أَبْوَابِهِمْ؟ ! قَالَ ﷺ : "فتَحْلِفُ خَمْسِينَ قَسَامَةً؟ " (٥).

стр. 1767

قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ أَحْلِفُ عَلَى مَا لَا أَعْلَمُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَتَسْتَحْلِفُ مِنْهُمْ خَمْسِينَ قَسَامَةً". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ نَسْتَحْلِفُهُمْ وَهُمُ اليَهُودُ. فَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِيتَهُ عَلَيْهِمْ، وَأَعَانَهُمْ بِنِصْفِهَا (١). وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ سَهْلِ بنِ أَبِي حَثْمَةَ أنَّهُ قَالَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ خَرَجَا إلى خَيْبَرَ (٢) مِنْ جَهْدٍ (٣) أَصَابَهُمْ، فَأُخْبِرَ مُحَيِّصَةُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قُتِلَ (٤) وَطُرِحَ في فَقِيرٍ (٥) أَوْ عَيْنٍ، فَأَتَى يَهُودَ فَقَالَ لَهُمْ: أَنْتُمْ وَاللَّهِ قتلْتُمُوهُ. قَالُوا: مَا قتَلْنَاهُ وَاللَّهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ فَذَكَرَ لَهُمْ

стр. 1768

فَأَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ (١)، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ سَهْلٍ -أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بنِ سَهْلٍ المَقْتُولِ-، فَذَهَبَ لِيَتَكَلَّمَ وَهُوَ الذِي كَانَ بِخَيْبَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِمُحَيِّصَةَ: "كبِّرْ كبِّرْ"، يُرِيدُ السِّنَّ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ"، فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ بِهِ، فَكَتَبَ يَهُودُ: مَا قتَلْنَاهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ: "أتحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ"، قَالُوا: لَا، قَالَ ﷺ : "أَفتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ"، قَالُوا: لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ، فَوَدَاهُ (٢) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ مِائَةَ نَاقَةٍ حَتَّى أُدْخِلَتِ الدَّارَ، قَالَ سَهْلٌ: فَرَكَضَتْنِي (٣) مِنْهَا نَاقَةٌ (٤). * إِجْلَاءُ يَهُودِ خَيْبَرَ وَالجَزِيرَةِ في خِلَافَةِ عُمَرَ ﵁ -: وَلَمْ يَزَلْ يَهُودُ خَيْبَرَ يَعْمَلُونَ في أَرْضِهَا عَلَى نِصْفِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَمُدَّةَ خِلَافةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، ثُمَّ أَقَرَّهُمْ عُمَرُ ﵁، صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ إلى أَنْ خَرَجَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَالزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامِ، وَالمِقْدَادُ بنُ

стр. 1769

الأَسْوَدِ ﵃، إلى أَمْوَالٍ لَهُمْ بِخَيْبَرَ يَتَعَاهَدُونَهَا، فَلَمَّا قَدِمُوهَا تَفَرَّقُوا في أَمْوَالِهِمْ، فَعُدِيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ ﵄، تَحْتَ اللَّيْلِ، وَهُوَ نَائِمٌ عَلَى فِرَاشِهِ فَفُدِعَتْ (١) يَدَاهُ مِنْ مِرْفَقِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ اسْتُصْرِخَ عَلَيْهِ صَاحِبَاهُ، فَأتَيَاهُ، فَسَأَلَاهُ عَمَّنْ صَنَعَ بِهِ هَذَا؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، ثُمَّ قَالَ: فَأَصْلِحَا مِنْ يَدَيَّ، ثُمَّ قَدِمُوا بِهِ عَلَى عُمَرَ ﵁ , فَقَالَ: هَذَا عَمَلُ يَهُودِ (٢). وَفي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قَالَ ابنُ عُمَرَ ﵄: . . . فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁، غَالَوْا (٣) في المُسْلِمِينَ، وَغَشُّوهُمْ، وَرَمَوْا ابْنَ عُمَرَ مِنْ فَوْقِ بَيْتٍ، فَفَدَعُوا يَدَيْهِ (٤). فَلَمَّا بَلَغَ عُمَرَ ﵁ ذَلِكَ قَامَ في النَّاسِ خَطِيبًا، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أنَا نُخْرِجُهُمْ إِذَا شِئْنَا، وَقَدْ عَدَوْا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ، فَفَدَعُوا يَدَيْهِ كَمَا بَلَغَكُمْ، مَعَ عَدْوَتهِمْ عَلَى الأَنْصَارِيِّ قَبْلَهُ (٥)، لَا نَشُكُّ أَنَّهُمْ أَصْحَابُهُمْ، لَيْسَ لَنَا هُنَاكَ عَدُوٌّ غَيْرُهُمْ، فَمَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ بِخَيْبَرَ فَلْيَلْحَقْ بِهِ،

стр. 1770

فَإِنِّي مُخْرِجٌ يَهُودَ (١) فَلَمَّا أَجْمَعَ (٢) عُمَرُ ﵁ عَلَى إِجْلَائِهِمْ (٣) أتاهُ أَحَدُ بَنِي أَبِي الحُقَيْقِ (٤) فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أتخْرِجُنَا وَقَدْ أَقَرَّنَا مُحَمَّد ﷺ وَعَامَلَنَا عَلَى الأَمْوَالِ وَشَرَطَ ذَلِكَ لَنَا (٥)؟ فَقَالَ عُمَرُ ﵁: أَظَنَنْتَ أَنِّي نَسِيتُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكَ: "كَيْفَ بِكَ إِذَا أُخْرِجْتَ مِنْ خَيْبَرَ تَعْدُو بِكَ قَلُوصُكَ (٦) لَيْلة بَعْدَ لَيْلَةٍ" (٧).

стр. 1771

فَقَالَ: كَانَ ذَلِكَ هُزَيْلَةً (١) مِنْ أَبِي القَاسِمِ. فَقَالَ عُمَرُ ﵁: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ، وَمَا هُوَ بِالهَزْلِ (٢) فَأَجْلَاهُمْ عُمَرُ ﵁، إلى تَيْمَاءَ وَأَرِبحَاءَ (٣)، وَأَعْطَاهُمْ قِيمَةَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنَ التَّمْرِ مَالًا وَإِبِلًا وَعَرُوضًا (٤) مِنْ أَقْتَابٍ (٥) وَحِبَالٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ (٦). * تَخْيِيرُ عُمَرَ ﵁ أَزْوَاجَ الرَّسُولِ ﷺ -: وَخَيَّرَ عُمَرُ ﵁ حِينَئِذٍ أَزْوَاجَ الرَّسُولِ ﷺ أَنْ يَقْطَعَ لَهُنَّ منَ المَاءَ وَالأَرْضِ، أَوْ يُمْضِيَ لَهُنَّ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْطِيهِنَّ؟

стр. 1772

وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْطِيهِنَّ: مِائَةَ وَسْقٍ (١)، وَثَمَانُونَ وَسْقَ تَمْرٍ، وَعِشْرُونَ وَسْقَ شعِيرٍ، فَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الأَرْضَ، وَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الوَسْقَ، فَكَانَتْ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ ﵄ مِمَّنِ اخْتَارَتَا الأَرْضَ وَالمَاءَ (٢). * إِجْلَاءُ يَهُودِ فَدَكَ وَنَصَارَى نَجْرَانَ: وَأَجْلَى كَذَلِكَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁، يَهُودَ فَدَكَ وَنَصَارَى نَجْرَانَ أَيْضًا مِنَ الحِجَازِ، وَلَمْ يُخْرِجْ أَهْلَ تَيْمَاءَ وَوَادِي القُرَى؛ لأنَّهُمَا مِنْ أَرْضِ الشَّامِ لَا مِنَ الحِجَازِ (٣). قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: الذِي يُمْنَعُ المُشْرِكُونَ مِنْ سُكْنَاهُ مِنْهَا -أَيْ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ- الحِجَازُ خَاصَّةً، وَهُوَ مَكَّةُ وَالمَدِينَةُ وَاليَمَامَةُ وَمَا وَالَاهَا، لَا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ جَزِيرَةِ العَرَبِ، لِاتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلَى أَنَّ اليَمَنَ لَا

стр. 1773

يُمْنَعُونَ مِنْهَا مَعَ أَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ جَزِيرَةِ العَرَبِ، هَذَا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، وَعَنِ الحَنَفِيَّةِ: يَجُوزُ مُطْلَقًا إِلَّا المَسْجِدَ، وَعَنْ مَالِكٍ: يَجُوزُ دُخُولُهُمْ لِلتِّجَارَةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَدْخُلُونَ الحَرَمَ أَصْلًا إِلَّا بِإِذْنِ الإِمَامِ لِمَصْلَحَةِ المُسْلِمِينَ خَاصَّةً (١). وَقَالَ الدُّكْتُور مُحَمَّد أَبُو شَهْبَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَنِعِمَّا فَعَلَ المُلْهَمُ المُحَدَّثُ (٢)، فَإِنَّ الحِجَازَ قُطْبُ الإِسْلَامِ، وَقَلْبُهُ النَّابِضُ، فَكَانَ مِنَ الحِكْمَةِ أَنْ تَبقَى القُطْبُ قَوِيًّا مُتَمَاسِكًا، وَالقَلْبُ سَلِيمًا مِنْ عَوَامِلِ الضَّعْفِ وَالفَسَادِ، كَيْ تَبْقَى الأَطْرَافُ سَلِيمَةً قَوِيَّةً تُؤَدِّي وَظَائِفَهَا المَطْلُوبَةَ مَعَهَا، فَهَلْ يُقَيِّضُ اللَّهُ لَهُمْ مِنْ أَبْطَالِ المُسْلِمِينَ وَالعَرَبِ مَنْ يُجْلِيهِمْ مِنَ الأَرْضِ المبارَكَةِ (فِلِسْطِينَ) كَمَا أُجْلُوا عَنِ البَلَدِ الطَّيِّبِ (المَدِينَةِ) وَالأَرْضِ الطَّاهِرَةِ (الحِجَازِ) (٣)؟ * العَوْدَةُ إِلَى المَدِينَةِ وَأَحْدَاثٌ حَدَثَتْ في الطَّرِيقِ: ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ مَنْصُورًا مُؤَيَّدًا مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ

стр. 1774

وَتَعَالَى، وَكَانَتْ مدَّةُ غَيْبَتِهِ نَحْوًا مِنْ شَهْرٍ، وَفِي طَرِيقِ عَوْدَتِهِ حَدَثَتْ أَحْدَاث مِنْهَا: * الحَادِثُ الأَوَّلُ: ذِكْرُ اللَّهِ : كُلَّمَا أَشْرَفَ النَّاسُ عَلَى وَادٍ رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ؛ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَرْبِعُوا (١) عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا (٢)، وَهُوَ مَعَكُمْ"، قَالَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ ﵁: وَأَنَا خَلْفَ دَابَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَمِعَنِي، وَأَنَا أَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَقَالَ لِي: "يَا عَبْدَ اللَّهِ بنَ قَيْسٍ" (٣)، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "ألا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ كنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ"؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي. قَالَ ﷺ : "لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ" (٤). * الحَادِثُ الثَّانِي: فَوَاتُ صَلَاةِ الفَجْرِ: رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ

стр. 1775

حِينَ قَفَلَ (١) مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ، سَارَ لَيْلَهُ، حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الكَرَى (٢) عَرَّسَ (٣)، وَقَالَ لبلَالٍ: "اكْلَأ (٤) لَنَا اللَّيْلَ"، فَصَلَّى بِلَالٌ مَا قُدِّرَ له، وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمَّا تَقَارَبَ الفَجْرُ اسْتَنَدَ بِلَالٌ إلى رَاحِلَتِهِ مُوَاجِهَ الفَجْرِ (٥)، فَغَلَبَتْ بِلَالًا عَيْنَاهُ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إلى رَاحِلَتِهِ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا بِلَالٌ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوَّلَهُمْ اسْتِيقَاظًا، فَفَزعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَيْ بِلَالُ"! فَقَالَ بِلَالٌ: أَخَذَ بِنَفْسِي الذِي أَخَذَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ بِنَفْسِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اقْتَادُوا" (٦)، فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ شَيْئًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكرَهَا، فَإِنَّ اللَّه قَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ " (٧). قُلْتُ: قِصَّةُ فَوَاتِ صَلَاةِ الفَجْرِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ حَدَثَتْ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ غَيْرَ

стр. 1776

هَذِهِ المَرَّةِ، فَمِنْهَا: في غَزْوَةِ الحُدَيْبِيَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِي غَزْوَةِ تبوكَ كَمَا سَيَأْتِي. * الحَادِثُ الثَّالِثُ: سُقُوطُ الرَّسُولِ ﷺ -: ثُمَّ أَكْمَلُوا طَرِيقَهُمْ إلى المَدِينَةِ، قَالَ أَنَسٌ ﵁: أَقبلنا مِنْ خَيْبَرَ أَنَا وَأَبُو طَلْحَةَ، وَرَسُولُ اللَّهِ وَصَفِيَّةُ رَدِيفَتُهُ، قَالَ: فَعَثرتْ نَاقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَصُرعَ (١) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وصُرِعَتْ صَفِيَّةُ، فَاقْتَحَمَ (٢) أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ أَضُرِرْتَ (٣)؟ قَالَ: "لَا، عَلَيْكَ المَرْأة"، فَأَلقى أَبُو طَلْحَةَ عَلَى وَجْهِهِ الثَّوْبَ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهَا فَمَدَّ ثَوْبَهُ عَلَيْهَا، ثُمَّ أَصْلَحَ لَهَا رَحْلَهَا، فَرَكِبْنَا، ثُمَّ اكْتَنَفْنَاهُ (٤)، أَحَدُنَا عَنْ يَمِينهِ وَالآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ (٥). قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَفِي الحَدِيثِ: أنَّهُ لَا بَأْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يتدَارَكَ المَرْأَةَ الأَجْنَبِيَّةَ إِذَا سَقَطَتْ، أَوْ كَادَتْ تَسْقُطُ فيعِينُهَا عَلَى التَّخَلُّصِ مِمَّا يُخْشَى عَلَيْهَا (٦).

стр. 1777

* وُصُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ: ثُمَّ أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ حَتَّى إِذَا بَدَا (١) لَهُ جَبَلُ أُحُدٍ قَالَ: "هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ"، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى المَدِينَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا مِثْلَ مَا حَرَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، اللَّهُمَّ! بَارِكْ لَهُمْ في مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ"، ثُمَّ قَالَ ﷺ : "آيِبُونَ (٢)، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ" فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُهُنَّ حَتَّى دَخَلَ المَدِينَةَ (٣). * * *

стр. 1778

قِصَّةُ الحَجَّاجِ بنِ عِلاطٍ (١) السُلَمِيِّ ﵁ وَقُرَيْشٍ رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا افتتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ، قَالَ الحَجَّاجُ بنُ عِلَاطٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي بِمَكَّةَ مَالًا عِنْدَ صَاحِبتِي (٢)، وَمَالٌ مُتَفَرِّقٌ في تُجَّارِ أَهْلِ مَكَّةَ، فَأْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ آتِيَ مَكَّةَ لِآخُذَ مَالِي قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي فَلَا أَقْدِرَ عَلَى أَخْذِ شَيْءٍ مِنْهُ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ الحَجَّاجُ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّهُ لَاُبدَّ لِي أَنْ أَقُولَ (٣)، فَأَنَا في حِلٍّ إِنْ نِلْتُ مِنْكَ أَوْ قُلْتُ شَيْئًا؟ فَأَذِنَ له رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ مَا شَاءَ (٤). قَالَ الحَجَّاجُ: فَخَرَجْتُ حَتَّى إِذَا قَدِمْتُ مَكَّةَ وَجَدْتُ -بِثَنِيَّةِ البَيْضَاءِ- رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ يَسْتَمِعُونَ الأَخْبَارَ، وَيَسْأَلُونَ عَنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ

стр. 1779

بَلَغَهُمْ أَنَّهُ قَدْ سَارَ إلى خَيْبَرَ، فَهُمْ يَتَحَسَّسُونَ (١) الأَخْبَارَ، وَيَسْألُونَ الرُّكْبَانَ (٢)، فَلَمَّا رَأَوْني قَالُوا: الحَجَّاجُ عِنْدَهُ وَاللَّهِ الخَبَرُ -وَلَمْ يَكُونُوا عَلِمُوا بِإِسْلَامِي- أَخْبِرْنَا فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ سَارَ إلى خَيْبرَ. فَقَالَ الحَجَّاجُ: قَدْ بَلَغَنِي ذَلِكَ، وَعِنْدِي مِنَ الأَخْبَارِ مَا يَسُرُّكُمْ، فَأَطَافُوا بِهِ وَأَمْسَكُوا نَاقتهُ وَهُمْ يَقُولُونَ: إِيهِ (٣) يَا حَجَّاجُ، فَقَالَ لَهُمْ: هُزِمَ مُحَمَّدٌ هَزِيمَةً لَمْ تَسْمَعُوا بِمِثْلِهَا قَطُّ، وَقُتِلَ أَصْحَابهُ قتلًا لَمْ تَسْمَعُوا بِمِثْلِهِ قَطُّ، وَأُسِرَ مُحَمَّدٌ، وَقَالَ يَهُودُ خَيْبَرَ: لَا نَقْتُلُهُ حَتَّى نَبْعَثَ بِهِ إلى أَهْلِ مَكَّةَ، فَيَقْتُلُوهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ بِمَنْ كَانَ أَصَابَ مِنْ رِجَالِهِمْ. فَقَامُوا وَصَاحُوا بِمَكَّةَ، وَقَالُوا: قَدْ جَاءَكُمُ الخَبَرُ، وَهَذَا مُحَمَّدٌ إِنَّمَا تَنْتَظِرُونَ أَنْ يُقْدَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ، فيقْتَلَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، فَقَالَ الحَجَّاجُ لَهُمْ: أَعِينُونِي عَلَى جَمْعِ مَالِي بِمَكَّةَ، وَعَلَى غُرَمَائِي، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَقْدُمَ خَيْبرَ، فَأَشْتَرِيَ مِنْ فَلِّ (٤) مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْبِقَنِي التُّجَّارُ إلى مَا هَنَالِكَ. قَالَ الحَجَّاجُ: فَجَمَعُوا لِي مَالِي كَأَحَثِّ جَمْعٍ سَمِعْتُ بِهِ، وَجِئْتُ امْرَأَتِي

стр. 1780

فَقُلْتُ لَهَا: اجْمَعِي لِي مَا كَانَ عِنْدَكِ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَشْتَرِيَ مِنْ فَلِّ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، فَإِنَّهُمْ قَدِ اسْتُبِيحُوا، وَأُصِيبَتْ أَمْوَالُهُمْ. وَفَشَا (١) ذَلِكَ في مَكَّةَ، وَأَظْهَرَ المُشْرِكُونَ الفَرَحَ وَالسُّرُورَ، وَانْقَمَعَ (٢) مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ مِنَ المُسْلِمِينَ. * مَوْقِفُ العَبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁ -: وَبَلَغَ الخَبَرُ العَبَّاسَ بنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁، فَعَقِرَ (٣) في مَجْلِسِهِ، وجَعَلَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُومَ، فَأَخَذَ ابْنًا لَهُ يُقَالُ لَهُ: قُثَمٌ، وَكَانَ يُشْبِهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَلْقَى، فَوَضَعَهُ عَلَى صَدْرهِ وَهُوَ يَقُولُ: حِبِّي قُثَمْ حِبِّي قُثَمْ ... شَبِيهَ ذِي الأَنْفِ الأَشَمّ نَبِيَّ رَبٍّ ذِي النِّعَمْ ... بِرَغْمِ أَنْفِ مَنْ رَغَمْ (٤) ثُمَّ أَرْسَلَ العَبَّاسُ ﵁ غُلَامًا له إلى الحَجَّاجِ بنِ عِلَاطٍ، فَقَالَ: وَيْلَكَ، مَا جِئْتَ بِهِ، وَمَاذَا تَقُولُ؟ فَمَا وَعَدَ اللَّهُ خَيْرًا مِمَّا جِئْتَ بِهِ. فَقَالَ الحَجَّاجُ بنُ عِلَاطٍ لِغُلَامِهِ: اقْرَأْ عَلَى أَبِي الفَضْلِ السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ:

стр. 1781

فَلْيُخْلِ لِي في بَعْضِ بُيُوتِهِ لآتِيَهُ، فَإِنَّ الخَبَرَ عَلَى مَا يَسُرُّهُ، فَجَاءَ الغُلَامُ، فَلَمَّا بَلَغَ بَابَ الدَّارِ، قَالَ: أَبْشِرْ يَا أبَا الفَضْلِ، فَوَثَبَ العَبَّاسُ فَرِحًا، حَتَّى قبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَأَخْبَرَهُ مَا قَالَ الحَجَّاجُ، فَأَعْتَقَهُ. ثُمَّ جَاءَ الحَجَّاجُ إلى العَبَّاسِ فَأَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِ افتتَحَ خَيْبَرَ، وَغَنِمَ أَمْوَالَهُمْ، وَجَرَتْ سِهَامُ اللَّهِ في أَمْوَالِهِمْ، وَاصْطَفَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَفِيَّةَ بِنْت حُيَيٍّ فاتَّخَذَهَا لِنَفْسِهِ، وَخَيَّرَهَا بَيْنَ أَنْ يُعْتِقَهَا وَتَكُونَ زَوْجَتَهُ، أَوْ تَلْحَقَ بِأَهْلِهَا، فَاخْتَارَتْ أَنْ يُعْتِقَهَا وَتَكُونَ زَوْجَتَهُ، وَلَكِنِّي جِئْتُ لِمَالٍ كَانَ لِي هَاهُنَا أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَهُ فَأَذْهَبَ بِهِ، فَاسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَذِنَ لِي أَنْ أَقُولَ مَا شِئْتُ، فَاخْفِ عَنِّي ثَلَاثًا، ثُمَّ اذْكُرْ مَا بَدَا لَكَ. فَجَمَعَتِ امْرَأتُهُ مَا كَانَ عِنْدَهَا مِنْ حُلِيٍّ وَمَتَاعٍ، فَجَمَعَتْهُ فَدَفَعَتْهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ انْشَمَرَ (١) بِهِ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ثَلَاثٍ آتى العَبَّاسُ امْرَأَةَ الحَجَّاجِ، فَقَالَ لهَا: مَا فَعَلَ زَوْجُكِ؟ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، وَقَالَتْ: لَا يَحْزُنُكَ اللَّهُ يَا أَبَا الفَضْلِ، لَقَدْ شَقَّ عَلَيْنَا الذِي بَلَغَكَ. فَقَالَ لَهَا: أَجَلْ، لَا يَحْزُنِّي اللَّهُ، وَلَمْ يَكُنْ بِحَمْدِ اللَّهِ إِلَّا مَا أَحْبَبْنَا، وَقَدْ أَخْبَرَنِي الحَجَّاجُ أَنَّ اللَّه قَدْ فتَحَ خَيْبَرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَجَرَتْ فِيهَا سِهَامُ

стр. 1782

اللَّهِ، وَاصْطفى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُييٍّ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَتْ لَكِ حَاجَةٌ في زَوْجِكِ، فَالْحَقِي بِهِ، قَالَتْ: أَظُنُّكَ وَاللَّهِ صَادِقًا، قَالَ: فَإِنِّي صَادِقٌ، وَالأَمْرُ عَلَى مَا أَخْبَرْتُكِ. ثُمَّ ذَهَبَ العَبَّاسُ ﵁ حَتَّى أَتَى البَيْتَ، وَقَدْ لَبِسَ حُلَّةً له وَتَطَيَّبَ، وَأَخَذَ عَصَاهُ، فَطَافَ بِالكَعْبَةِ، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى أَتَى مَجَالِسَ قُرَيْشٍ، وَهُمْ يَقُولُونَ: لَا يُصِيبُكَ إِلَّا خَيْر أَبَا الفَضْلِ هَذَا وَاللَّهِ التَّجَلُّدُ (١) لِحَرِّ المُصِيبَةِ، فَقَالَ لَهُمْ: كَلَّا وَاللَّهِ لَمْ يُصِبْنِي إِلَّا خَيْرٌ بِحَمْدِ اللَّهِ، وَقَدْ أَخْبَرَنِي الحَجَّاجُ بنُ عِلَاطٍ أَنَّ خَيْبَرَ قَدْ فتَحَهَا اللَّهُ عَلَى رَسُولهِ، وَجَرَتْ فِيهَا سِهَامُ اللَّهِ، وَاصْطفى صَفِيَّةَ لِنَفْسِهِ، وَقَدْ سَأَلَنِي أَنْ أُخْفِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، وَإِنَّمَا جَاءَ لِيَأْخُذَ مَالَهُ، وَمَا كَانَ لَهُ مِنْ شَيْءَ هَاهُنَا، ثُمَّ يَذْهَبَ. فَرَدَّ اللَّهُ الكَآبَةَ التِي كَانَتْ بِالمُسْلِمِينَ عَلَى المُشْرِكِينَ، وَخَرَجَ المُسْلِمُونَ وَمَنْ كَانَ دَخَلَ بَيْتَهُ مُكْتَئِبًا حَتَّى آتوا العَبَّاسَ، فَأَخْبَرَهُمُ الخَبَرَ، فَسُرَّ المُسْلِمُونَ، وَرَدَّ اللَّهُ مَا كَانَ مِنْ كَآبَةٍ أَوْ غَيْظٍ أَوْ خِزْيٍ عَلَى المُشْرِكِينَ. وَلَمْ يَلْبَثْ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ أَنْ جَاءَهُمْ خَبَرُ انْتِصَارِ المُسْلِمِينَ عَلَى اليَهُودِ في خَيْبَرَ (٢).

стр. 1783

دُخُولُ الرَّسُولِ ﷺ بِأُمِّ حَبِيبَةَ رَمْلَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ ﵄ وَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ وَجَدَ زَوْجَتَهُ أُمَّ حَبِيبَةَ رَمْلَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ ﵄ في انْتِظَاره بَعْدَ أَنْ رَجَعَتْ مِنَ الحَبَشَةِ مَعَ جَعْفَرَ ﵁ وَأَصْحَابِهِ، وَلَمْ تَذْهَبْ مَعَهُمْ إلى خَيْبَرَ بَلْ جَلَسَتْ في المَدِينَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قدْ بَعَثَ إلى النَّجَاشِيِّ عَمْرِو بنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، لِيُزَوِّجَهُ إِيَّاهَا، وَيَبعَثَ بِهَا إِلَيْهِ مَعَ جَعْفَرِ بنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابِهِ. وَكَانَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ ﵂ مِنْ بَنَاتِ عَمِّ الرَّسُولِ ﷺ , لَيْسَ في أَزْوَاجِهِ مَنْ هِيَ أَقْرَبُ نَسَبًا إِلَيْهِ مِنْهَا، وَلَا فِي نِسَائِهِ مَنْ هِيَ أَكْثَرُ صَدَاقًا (١) مِنْهَا، وَلَا مَنْ تَزَوَّجَ بِهَا وَهِيَ نَائِيَةُ (٢) الدَّارِ أَبْعَدَ مِنْهَا. وَقَدْ هَاجَرَتْ إلى الحَبَشَةِ مَعَ زَوْجِهَا عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ، فَمَاتَ عَنْهَا وَهُمْ بِالحَبَشَةِ (٣). رَوَى ابنُ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ في قَوْلِهِ تَعَالَى:

стр. 1784

﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ (١)، قَالَ: حِينَ تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ (٢). وَلَمَّا بَلَغَ أَبَا سُفْيَانَ نِكَاحُ الرَّسُولِ ﷺ ابْنَتَهُ قَالَ: ذَلِكَ الفَحْلُ لَا يُقْرَعُ أَنْفُهُ (٣). وَكَانَ لِأُمِّ حَبِيبَةَ ﵂ لَمَّا دَخَلَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِضْعٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَتُوُفِّيَتْ ﵂ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ مِنَ الهِجْرَةِ في خِلَافَةِ أَخِيهَا مُعَاوِيَةَ ﵄ (٤). * * *

стр. 1785

تَحْقِيقُ دَعْوَى رِدَّةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ ذَكَرَ أَهْلُ المَغَازِي أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بنَ جَحْشٍ هَاجَرَ إلى الحَبَشَةِ مَعَ زَوْجَتِهِ رَمْلَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ ﵂، ثُمَّ إِنَّهُ ارْتَدَّ عَنِ الإِسْلَامِ، وَاعْتَنَقَ النَّصْرَانِيَّةَ، وَمَاتَ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ إِنَّ الأَدِلةَ الصَّحِيحَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا، وَقَدْ حَقَّقَ الشَّيْخُ مُحَمَّد بنُ عَبْدِ اللَّهِ العَوْشَن هَذِهِ المَسْأَلَةَ، وَنُشِرَتْ في مَجَلَّةِ البَيَانِ، وَسَأَعْرِضُ كَلَامَ الشَّيْخِ كَامِلًا. * تَحْقِيقُ الخَبَرِ: اشْتَهَرَ في كتبِ السِّيرَةِ أَنَ عُبَيْدَ اللَّهِ بنَ جَحْشٍ قَدْ تَنَصَّرَ في أَرْضِ الحَبَشَةِ، وَكَانَ قَدْ هَاجَرَ إِلَيْهَا مَعَ زَوْجِهِ أُمِّ حَبِيبَةَ ﵂؛ فَهَلْ ثَبَتَتْ رِدَّتهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ؟ قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ ﵀ في ذِكْرِ بَعْضِ مَنِ اعْتَزَلَ عِبَادَةَ قُرَيْشٍ لِلْأَصْنَامِ، وَهُمْ: وَرَقَةُ بنُ نَوْفَلٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ، وَعُثْمَانُ بنُ الحُوَيْرِثِ، وَزَيْدُ بنُ عَمْرِو بنِ نُفَيْلٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعْلَمُونَ وَاللَّهِ! مَا قَوْمُكُمْ عَلَى شَيْءٍ، لَقَدْ أَخْطَؤُوا دِينَ أَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ، مَا حَجَرٌ نَطِيفُ بِهِ؛ لَا يَسْمَعُ وَلَا يبصرُ، وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ؟ ! الْتَمِسُوا لِأَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ وَاللَّهِ! مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ.

стр. 1786

فَتَفَرَّقُوا في البُلْدَانِ يَلْتَمِسُونَ الحَنِيفِيَّةَ، دِينَ أَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ، فَأَمَّا وَرَقَةُ بنُ نَوْفَلٍ فَاسْتَحْكَمَ في النَّصْرَانِيَّةِ. . . وَأَمَّا عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ فَأَقَامَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الِالْتِبَاسِ حَتَّى أَسْلَمَ، ثُمَّ هَاجَرَ مَعَ المُسْلِمِينَ إلى الحَبَشَةِ، وَمَعَهُ امْرَأتهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ مُسْلِمَةً، فَلَمَّا قَدِمَهَا تَنَصَّرَ، وَفَارَقَ الإِسْلَامَ، حَتَّى هَلَكَ هُنَاكَ نَصْرَانِيًّا (١). ثُمَّ قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرِ بنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ -حِينَ تَنَصَّرَ- يَمُرُّ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُمْ هُنَالِكَ مِنْ أَرْضِ الحَبَشَةِ، فَيَقُولُ: فَقَّحْنَا (٢) وَصَأْصَأْتُمْ (٣)؛ أَيْ أَبْصَرْنَا، وَأَنْتُمْ تَلْتَمِسُونَ البَصَرَ، وَلَمْ تُبْصِرُوا بَعْدُ (٤). وَشَيْخُ ابنُ إِسْحَاقَ هُنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرِ بنِ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ، وَهُوَ ثِقَةٌ (٥)، مَاتَ سَنَهَ بِضْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، مِنَ الطَّبَقَةِ السَّادِسَةِ، وَهِيَ طَبَقَهٌ لَمْ يَثْبُتْ لِأَحَدٍ مِنْهَا لِقَاءَ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَالخَبَرُ مُرْسَلٌ. ثُمَّ ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ في قُدُومِ جَعْفَرَ بنِ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الحَبَشَةِ فَقَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرِ بنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: خَرَجَ عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ مَعَ

стр. 1787

المُسْلِمِينَ مُسْلِمًا، فَلَمَّا قَدِمَ أَرْضَ الحَبَشَةِ تَنَصَّرَ، قَالَ: فَكَانَ إِذَا مَرَّ بِالمُسْلِمِينَ. . . (١)، وَذَكَرَ نَحْوَ مَا سَبَقَ. وَهَذَا سَنَدٌ صَحِيحٌ لكِنَّهُ مُرْسَلٌ، وَهُوَ أَصَحُّ مَا وَرَدَ في تَنَصرِ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ. وَذَكَرَهُ أَيْضًا في تَزَوُّجِ النَّبِيِّ ﷺ أُمَّ حَبِيبَةَ ﵂ فَقَالَ: ثُمَّ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ زَيْنَبَ، أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ. . . فَمَاتَ عَنْهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ، وَقَدْ تَنَصَّرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ (٢). وَالخَبَرُ هُنَا بِدُونِ إِسْنَادٍ. وَرَوَى القِصَّةَ ابنُ سَعْدٍ في الطَّبَقَاتِ فَقَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَمْرِو بنِ زُهَيْم عَنْ إِسْمَاعِيلَ بنِ عَمْرِو بنِ سَعِيدِ بنِ العَاصِ قَالَ: قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: رَأَيْتُ في النَّوْمِ عُبَيْدَ اللَّهِ بنَ جَحْشٍ زَوْجِي بِأَسْوَإ صُورَةٍ وَأَشْوَهِهَا، فَفَزِعْتُ، فَقُلْتُ: تَغَيَّرَتْ وَاللَّهِ حَالُهُ! فَإِذَا هُوَ يَقُولُ حَيْثُ أَصْبَحَ: يَا أُمَّ حَبِيبَةَ! إِنِّي نَظَرْتُ في الدِّينِ فَلَمْ أَرَ دِينًا خَيْرًا مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ، وَكُنْتُ قَدْ دِنْتُ بِهَا، ثُمَّ دَخَلْتُ في دينِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ قَدْ رَجَعْتُ إلى النَّصْرَانِيَّةِ. فَقُلْتُ: وَاللَّهِ! مَا خَيْرٌ لَكَ، وَأَخْبَرْتُهُ بِالرُّؤْيَا التِي رَأَيْتُ له، فَلَمْ يَحْفِلْ بِهَا (٣)، وَأَكَبَّ عَلَى الخَمْرِ حَتَّى مَاتَ (٤).

стр. 1788

وَرَوَاهُ أَيْضًا في ذِكْرِ عَدَدِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ عِنْدَ ذِكْرِ أُمِّ حَبِيبَةَ ﵂: وَكَانَتْ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ، وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ وَهَاجَرَ إلى أَرْضِ الحَبَشَةِ، ثُمَّ ارْتَدَّ، وَتَنَصَّرَ، فَمَاتَ هُنَاكَ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ (١). وَشَيْخُ ابنِ سَعْدٍ في الخَبَرَيْنِ هُوَ الوَاقِدِيُّ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ عَلَى سَعَةِ عِلْمِهِ. وَرَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا، وَفِيهِ: ثُمَّ افْتُتِنَ وَتَنَصَّرَ فَمَاتَ وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ، وَأَثبتَ اللَّهُ الإِسْلَامَ لِأُمِّ حَبِيبَةَ، وَأَبَتْ أَنْ تَتَنَصَّرَ (٢). وَرَوَاهُ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقِ الوَاقِدِيِّ، وَفِيهِ رُؤْيَا أُمِّ حَبِيبَةَ (٣)، كَرِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ. وَمَرَاسِيلُ الزُّهْرِيِّ ضَعِيفَةٌ (٤). قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ ﵀: قَالَ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ القَطَّانُ: مُرْسَلُ الزُّهْرِيِّ شَرٌّ مِنْ مُرْسَلِ غَيْرِهِ؛ لأنهُ حَافِظٌ، وَكُلُّ مَا قَدِرَ أَنْ يُسَمِّيَ سَمَّى، وَإِنَّمَا يَتْرُكُ مَنْ لَا يُحِبُّ أَنْ يُسَمِّيَهُ (٥). قُلْتُ (الذَّهَبِيُّ): مَرَاسِيلُ الزُّهْرِيِّ كَالمُعْضَلِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ قَدْ سَقَطَ مِنْهُ

стр. 1789

اثْنَانِ، وَلَا يُسَوَّغُ أَنْ نَظُنَّ بِهِ أَنَّهُ أَسْقَطَ الصَّحَابِيَّ فَقَطْ، وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ عَنْ صَحَابِيٍّ لَأَوْضَحَهُ، وَلَمَا عَجَزَ عَنْ وَصْلِهِ، وَمَنْ عَدَّ مُرْسَلَ الزُّهْرِيِّ كَمُرْسَلِ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وَعُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ وَنَحْوِهِمَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ، نَعَمْ كَمُرْسَلِ قتَادَةَ وَنَحْوِه (١). وَرَوَى الخَبَرَ الطَّبَرِيُّ في تَارِيخِهِ، في ذِكْرِ الخَبَرِ عَنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ هِشَامِ بنِ مُحَمَّدٍ مُرْسَلًا، وَفِيهِ عِنْدَ ذِكْرِ أُمِّ حَبِيبَةَ: فتَنَصَّرَ زَوْجُهَا، وَحَاوَلَهَا أَنْ تتابِعهُ فأبت، وصبَرَتْ عَلى دِينهَا، وَمَاتَ زَوْجُهَا عَلى النَّصْرَانِيَّةِ (٢). وَالخَبَرُ فَضْلًا عَنْ إِرْسَالِهِ؛ فَإِنَّهُ عَنْ هِشَامِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ السَّائِبِ الكَلْبِيِّ، وَهُوَ رَافِضِيٌّ مَتْرُوكٌ. قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: إِنَّمَا كَانَ صَاحِبَ سَمَرٍ وَنَسَبٍ، مَا ظَنَنْتُ أَنَّ أَحَدًا يُحَدِّثُ عَنْهُ (٣). وَنَقَلَهُ ابنُ الأَثِيرِ في تَارِيخِهِ (٤) عَنِ ابْنِ الكَلْبِيِّ أَيْضًا. وَرَوَاهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ ابنِ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بنِ خُزَيْمَةَ: عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ، مَاتَ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ

стр. 1790

نَصْرَانِيًّا، وَمَعَهُ امْرَأتُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، وَاسْمُهَا رَمْلَةُ، فَخَلَفَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنْكَحَهُ إِيَّاهَا عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ بِأرْضِ الحَبَشَةِ (١). وَالخَبَرُ فِيهِ عِلَّتَانِ: الإِرْسَالُ، وَضَعْفُ ابنُ لَهِيعَةَ، وَالمَتْنُ هُنَا فِيهِ غَرَابَةٌ. قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَمَّا قَوْلُ عُرْوَةَ: أَنَّ عُثْمَانَ زَوَّجَهَا مِنْهُ، فَغَرِيبٌ لِأَنَّ عُثْمَانَ كَانَ قَدْ رَجَعَ إلى مَكَّةَ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ هَاجَرَ إلى المَدِينَةِ، وَصَحِبتْهُ زَوْجَتُهُ رُقَيَّةُ (٢). وَعُبَيْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ لَمْ يُتَرْجِمْ لَهُ ابنُ عَبْدِ البَرِّ في الِاسْتِيعَابِ، وَلَا ابْنُ الأَثِيرِ في أُسْدِ الغَابَةِ، وَلَا الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في الإِصَابَةِ. وَفي تَرْجَمَةِ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ في الإِصَابَةِ (٣) لَمْ يَذْكُرِ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ شَيْئًا، أَمَّا ابْنُ عَبْدِ البَرِّ فَقَدْ قَالَ في الِاسْتِيعَابِ (٤) في تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ: وَكَانَ هُوَ وَأَخُوهُ أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ بنُ جَحْشٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلينَ مِمَّنْ هَاجَرَ الهِجْرَتَيْنِ، وَأَخُوهُمَا عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ تَنَصَّرَ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ، وَمَاتَ بِهَا نَصْرَانِيًّا، وَبَانَتْ مِنْهُ امْرَأتُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ. وَكَذَا ذَكَرَ ابنُ الأَثِيرِ (٥) في تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ.
следующие страницы →