← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

فَتَفَرَّقُوا في البُلْدَانِ يَلْتَمِسُونَ الحَنِيفِيَّةَ، دِينَ أَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ، فَأَمَّا وَرَقَةُ بنُ نَوْفَلٍ فَاسْتَحْكَمَ في النَّصْرَانِيَّةِ. . . وَأَمَّا عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ فَأَقَامَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الِالْتِبَاسِ حَتَّى أَسْلَمَ، ثُمَّ هَاجَرَ مَعَ المُسْلِمِينَ إلى الحَبَشَةِ، وَمَعَهُ امْرَأتهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ مُسْلِمَةً، فَلَمَّا قَدِمَهَا تَنَصَّرَ، وَفَارَقَ الإِسْلَامَ، حَتَّى هَلَكَ هُنَاكَ نَصْرَانِيًّا (١). ثُمَّ قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرِ بنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ -حِينَ تَنَصَّرَ- يَمُرُّ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُمْ هُنَالِكَ مِنْ أَرْضِ الحَبَشَةِ، فَيَقُولُ: فَقَّحْنَا (٢) وَصَأْصَأْتُمْ (٣)؛ أَيْ أَبْصَرْنَا، وَأَنْتُمْ تَلْتَمِسُونَ البَصَرَ، وَلَمْ تُبْصِرُوا بَعْدُ (٤). وَشَيْخُ ابنُ إِسْحَاقَ هُنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرِ بنِ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ، وَهُوَ ثِقَةٌ (٥)، مَاتَ سَنَهَ بِضْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، مِنَ الطَّبَقَةِ السَّادِسَةِ، وَهِيَ طَبَقَهٌ لَمْ يَثْبُتْ لِأَحَدٍ مِنْهَا لِقَاءَ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَالخَبَرُ مُرْسَلٌ. ثُمَّ ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ في قُدُومِ جَعْفَرَ بنِ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الحَبَشَةِ فَقَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرِ بنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: خَرَجَ عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ مَعَ

стр. 1787

المُسْلِمِينَ مُسْلِمًا، فَلَمَّا قَدِمَ أَرْضَ الحَبَشَةِ تَنَصَّرَ، قَالَ: فَكَانَ إِذَا مَرَّ بِالمُسْلِمِينَ. . . (١)، وَذَكَرَ نَحْوَ مَا سَبَقَ. وَهَذَا سَنَدٌ صَحِيحٌ لكِنَّهُ مُرْسَلٌ، وَهُوَ أَصَحُّ مَا وَرَدَ في تَنَصرِ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ. وَذَكَرَهُ أَيْضًا في تَزَوُّجِ النَّبِيِّ ﷺ أُمَّ حَبِيبَةَ ﵂ فَقَالَ: ثُمَّ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ زَيْنَبَ، أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ. . . فَمَاتَ عَنْهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ، وَقَدْ تَنَصَّرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ (٢). وَالخَبَرُ هُنَا بِدُونِ إِسْنَادٍ. وَرَوَى القِصَّةَ ابنُ سَعْدٍ في الطَّبَقَاتِ فَقَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَمْرِو بنِ زُهَيْم عَنْ إِسْمَاعِيلَ بنِ عَمْرِو بنِ سَعِيدِ بنِ العَاصِ قَالَ: قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: رَأَيْتُ في النَّوْمِ عُبَيْدَ اللَّهِ بنَ جَحْشٍ زَوْجِي بِأَسْوَإ صُورَةٍ وَأَشْوَهِهَا، فَفَزِعْتُ، فَقُلْتُ: تَغَيَّرَتْ وَاللَّهِ حَالُهُ! فَإِذَا هُوَ يَقُولُ حَيْثُ أَصْبَحَ: يَا أُمَّ حَبِيبَةَ! إِنِّي نَظَرْتُ في الدِّينِ فَلَمْ أَرَ دِينًا خَيْرًا مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ، وَكُنْتُ قَدْ دِنْتُ بِهَا، ثُمَّ دَخَلْتُ في دينِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ قَدْ رَجَعْتُ إلى النَّصْرَانِيَّةِ. فَقُلْتُ: وَاللَّهِ! مَا خَيْرٌ لَكَ، وَأَخْبَرْتُهُ بِالرُّؤْيَا التِي رَأَيْتُ له، فَلَمْ يَحْفِلْ بِهَا (٣)، وَأَكَبَّ عَلَى الخَمْرِ حَتَّى مَاتَ (٤).

стр. 1788

وَرَوَاهُ أَيْضًا في ذِكْرِ عَدَدِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ عِنْدَ ذِكْرِ أُمِّ حَبِيبَةَ ﵂: وَكَانَتْ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ، وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ وَهَاجَرَ إلى أَرْضِ الحَبَشَةِ، ثُمَّ ارْتَدَّ، وَتَنَصَّرَ، فَمَاتَ هُنَاكَ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ (١). وَشَيْخُ ابنِ سَعْدٍ في الخَبَرَيْنِ هُوَ الوَاقِدِيُّ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ عَلَى سَعَةِ عِلْمِهِ. وَرَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا، وَفِيهِ: ثُمَّ افْتُتِنَ وَتَنَصَّرَ فَمَاتَ وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ، وَأَثبتَ اللَّهُ الإِسْلَامَ لِأُمِّ حَبِيبَةَ، وَأَبَتْ أَنْ تَتَنَصَّرَ (٢). وَرَوَاهُ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقِ الوَاقِدِيِّ، وَفِيهِ رُؤْيَا أُمِّ حَبِيبَةَ (٣)، كَرِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ. وَمَرَاسِيلُ الزُّهْرِيِّ ضَعِيفَةٌ (٤). قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ ﵀: قَالَ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ القَطَّانُ: مُرْسَلُ الزُّهْرِيِّ شَرٌّ مِنْ مُرْسَلِ غَيْرِهِ؛ لأنهُ حَافِظٌ، وَكُلُّ مَا قَدِرَ أَنْ يُسَمِّيَ سَمَّى، وَإِنَّمَا يَتْرُكُ مَنْ لَا يُحِبُّ أَنْ يُسَمِّيَهُ (٥). قُلْتُ (الذَّهَبِيُّ): مَرَاسِيلُ الزُّهْرِيِّ كَالمُعْضَلِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ قَدْ سَقَطَ مِنْهُ

стр. 1789

اثْنَانِ، وَلَا يُسَوَّغُ أَنْ نَظُنَّ بِهِ أَنَّهُ أَسْقَطَ الصَّحَابِيَّ فَقَطْ، وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ عَنْ صَحَابِيٍّ لَأَوْضَحَهُ، وَلَمَا عَجَزَ عَنْ وَصْلِهِ، وَمَنْ عَدَّ مُرْسَلَ الزُّهْرِيِّ كَمُرْسَلِ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وَعُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ وَنَحْوِهِمَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ، نَعَمْ كَمُرْسَلِ قتَادَةَ وَنَحْوِه (١). وَرَوَى الخَبَرَ الطَّبَرِيُّ في تَارِيخِهِ، في ذِكْرِ الخَبَرِ عَنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ هِشَامِ بنِ مُحَمَّدٍ مُرْسَلًا، وَفِيهِ عِنْدَ ذِكْرِ أُمِّ حَبِيبَةَ: فتَنَصَّرَ زَوْجُهَا، وَحَاوَلَهَا أَنْ تتابِعهُ فأبت، وصبَرَتْ عَلى دِينهَا، وَمَاتَ زَوْجُهَا عَلى النَّصْرَانِيَّةِ (٢). وَالخَبَرُ فَضْلًا عَنْ إِرْسَالِهِ؛ فَإِنَّهُ عَنْ هِشَامِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ السَّائِبِ الكَلْبِيِّ، وَهُوَ رَافِضِيٌّ مَتْرُوكٌ. قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: إِنَّمَا كَانَ صَاحِبَ سَمَرٍ وَنَسَبٍ، مَا ظَنَنْتُ أَنَّ أَحَدًا يُحَدِّثُ عَنْهُ (٣). وَنَقَلَهُ ابنُ الأَثِيرِ في تَارِيخِهِ (٤) عَنِ ابْنِ الكَلْبِيِّ أَيْضًا. وَرَوَاهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ ابنِ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بنِ خُزَيْمَةَ: عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ، مَاتَ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ

стр. 1790

نَصْرَانِيًّا، وَمَعَهُ امْرَأتُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، وَاسْمُهَا رَمْلَةُ، فَخَلَفَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنْكَحَهُ إِيَّاهَا عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ بِأرْضِ الحَبَشَةِ (١). وَالخَبَرُ فِيهِ عِلَّتَانِ: الإِرْسَالُ، وَضَعْفُ ابنُ لَهِيعَةَ، وَالمَتْنُ هُنَا فِيهِ غَرَابَةٌ. قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَمَّا قَوْلُ عُرْوَةَ: أَنَّ عُثْمَانَ زَوَّجَهَا مِنْهُ، فَغَرِيبٌ لِأَنَّ عُثْمَانَ كَانَ قَدْ رَجَعَ إلى مَكَّةَ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ هَاجَرَ إلى المَدِينَةِ، وَصَحِبتْهُ زَوْجَتُهُ رُقَيَّةُ (٢). وَعُبَيْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ لَمْ يُتَرْجِمْ لَهُ ابنُ عَبْدِ البَرِّ في الِاسْتِيعَابِ، وَلَا ابْنُ الأَثِيرِ في أُسْدِ الغَابَةِ، وَلَا الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في الإِصَابَةِ. وَفي تَرْجَمَةِ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ في الإِصَابَةِ (٣) لَمْ يَذْكُرِ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ شَيْئًا، أَمَّا ابْنُ عَبْدِ البَرِّ فَقَدْ قَالَ في الِاسْتِيعَابِ (٤) في تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ: وَكَانَ هُوَ وَأَخُوهُ أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ بنُ جَحْشٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلينَ مِمَّنْ هَاجَرَ الهِجْرَتَيْنِ، وَأَخُوهُمَا عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ تَنَصَّرَ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ، وَمَاتَ بِهَا نَصْرَانِيًّا، وَبَانَتْ مِنْهُ امْرَأتُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ. وَكَذَا ذَكَرَ ابنُ الأَثِيرِ (٥) في تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ.

стр. 1791

وَفِي تَرْجَمَةِ أُمِّ حَبِيبَةَ ﵂ في الإِصَابَةِ (١) قَالَ الْحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ: وَلَمَّا تَنَصَّرَ زَوْجُهَا عُبَيْدُ اللَّهِ، وَارْتَدَّ عَنِ الإِسْلَامِ فَارَقَهَا، فَأَخْرَجَ ابنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بنِ عَمْرِو بنِ سعيد الأُمَوِيُّ قَالَ. . .، وَذَكَرَ القِصَّةَ التِي رَوَاهَا ابْنُ سَعْدٍ عَنِ الوَاقِدِيِّ، وَسَبَقَتْ. وَفِي تَرْجَمَتِهَا في التَّهْذِيبِ (٢)، قَالَ: هَاجَرَتْ إلى الحَبَشَةِ مَعَ زَوْجِهَا عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ فتَنَصَّرَ هُنَاكَ، وَمَاتَ، فتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ هُنَاكَ، سَنَةَ سِتٍّ، وَقِيلَ سَنَةَ سَبْعٍ. وَقَالَ الذَّهَبِيُّ في السِّيَرِ في تَرْجَمَةِ أُمِّ حَبِيبَةَ ﵂: قَالَ ابنُ سَعْدٍ: أَخْبَرَنَا الوَاقِدِيُّ: أَخْبَرَنَا. . .، وَذَكَرَ رُؤْيَاهَا ﵂ وَرِدَّةَ زَوْجِهَا، ثُمَّ قَالَ الذَّهَبِيُّ: وَهِيَ مُنْكَرَةٌ (٣). وَلَمْ يبيِّنْ ﵀ وَجْهَ النَّكَارَةِ. * الرَّاجِحُ أَنَّ خَبَرَ الرِّدَّةِ غَيْرُ صَحْيِحٍ: وَمِمَّا يُرَجِّحُ أَنَّ خَبَرَ رِدَّتِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ: أَنَّ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةَ في نِكَاحِهِ ﷺ بِأُمِّ حَبِيبَةَ ﵂ لَمْ تَذْكُرْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ؛ فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ

стр. 1792

عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ، وَكَانَ آتى النَّجَاشِيَّ فَمَاتَ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَ أُمَّ حَبِيبَةَ وَهِيَ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ، زَوَّجَهَا إِيَّاهُ النَّجَاشِيُّ، وَأَمْهَرَهَا أَرْبَعَةَ آلَافٍ (١). وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ البُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: هَاجَرَ عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ بِأُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، وَهِيَ امْرَأتهُ إلى أَرْضِ الحَبَشَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ الحَبَشَةَ، مَرِضَ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ، أَوْصَى إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فتَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّ حَبِيبَةَ، وَبَعَثَ مَعَهَا النَّجَاشِيُّ شُرَحْبِيلَ بنَ حَسَنَةٍ (٢). فَلَوْ كَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ ارْتَدَّ عَنِ الإِسْلَامِ، وَمَاتَ نَصْرَانِيًّا، لَمَا أَوْصَى بِزَوْجَتِهِ أُمِّ حَبِيبَةَ ﵂ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، خَاصَّةً وَأَنَّهُ كَانَ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَيَسُبُّ الإِسْلَامَ -كَمَا يَذْكُرُ أَهْلُ المَغَازِي-. مِمَّا سَبَقَ يَتَبَيَّنُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّ قِصَّةَ رِدَّةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ لَمْ تَثْبُتْ، لِعِدَّةِ أَدِلَّةٍ؛ مِنْهَا: ١ - أَنَّهَا لَمْ تُرْوَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مُتَّصِلٍ، فَالمَوْصُولُ مِنْ طَرِيقِ الوَاقِدِيِّ،

стр. 1793

وَالمُرْسَلُ جَاءَ عَنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ نَحْتَجَّ بِالمُرْسَلِ (عِنْدَ مَنْ يَرَى الِاحْتِجَاجَ بِهِ) في مَسْأَلةٍ كَهَذِهِ؛ فِيهَا الحُكْمُ عَلَى أَحَدِ السَّابِقِينَ الأَوَّلينَ ﵃ بِالرِّدَّةِ. ٢ - أَنَّ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةَ في زَوَاجِهِ ﷺ بِأُمِّ حَبِيبَةَ لَمْ تَذْكُرْ رِدَّةَ زَوْجِهَا السَّابِقِ، كَمَا في الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَالطَّحَاوِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ. ٣ - أَنَّهُ يبْعُدُ أَنْ يَرْتَدَّ أَحَدُ السَّابِقِينَ الأَوَّلينَ لِلْإِسْلَامِ عَنْ دِينهِ، وَهُوَ مِمَّنْ هَاجَرَ فِرَارًا بِدِينهِ مَعَ زَوْجِهِ، إلى أَرْضٍ بَعِيدَةٍ غَرِيبَةٍ، وَخَاصَّةً أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بنَ جَحْشٍ مِمَّنْ هَجَرَ مَا عَلَيْهِ قُرَيْشٌ مِنْ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ، وَالْتِمَاسِهِ مَعَ وَرَقَةَ وَغَيْرِهِ الحَنِيفِيَّةَ، كَمَا في رِوَايَةِ ابنِ إِسْحَاقَ -بِدُونِ سَنَدٍ- الوَارِدَةِ أَوَّلَ هَذَا البَحْثِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ عَنِ الوَاقِدِيِّ أَنَّهُ كَانَ قَدْ دَانَ بِالنَّصْرَانِيَّةِ قَبْلَ الإِسْلَامِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ البِشَارَةَ ببعْثَةِ الرَّسُولِ ﷺ كَانَتْ مَعْرُوفَةً عِنْدَ أَهْلِ الكِتَابِ مِنْ يَهُودِ، وَنَصَارَى، فكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنْ رَجُلٍ يَتَرَقَّبُ الدِّينَ الجَدِيدَ أَنْ يَعْتَنِقَهُ ثُمَّ يَرْتَدَّ عَنْهُ لِدِينٍ مَنْسُوخٍ؟ ! كَمَا أَنَّ زَوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ بِأُمِّ حَبِيبَةَ كَانَ في سَنَةِ سِتٍّ، وَقِيلَ سَبْعٍ، وَرِدَّةُ عُبَيْدِ اللَّهِ المَزْعُومَةُ قَبْلَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ، وَهِيَ مَرْحَلَةٌ كَانَ الإِسْلَامُ قَدْ عَلَا فِيهَا وَظَهَرَ حَتَّى خَارجَ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ، بَلْ أَصْبَحَ هُنَاكَ مَنْ يُظْهِرُ الإِسْلَامَ وَيُبْطِنُ الكُفْرَ، كَحَالِ المُنَافِقِينَ.

стр. 1794

٤ - في حِوَارِ هِرَقْلَ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ وَكَانَ إِذْ ذَاكَ مُشْرِكًا أَنَّهُ سَأَلهُ -ضِمْنَ سُؤَالَاتِهِ-: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَأَجَابَ أَبُو سُفْيَانَ: لَا (١). وَلَوْ كَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ قَدْ تَنَصَّرَ لَوَجَدَهَا أَبُو سُفْيَانَ فُرْصَةً لِلنَّيْلِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَدَعْوَتِهِ، كَمَا فَعَلَ لَمَّا سُئِلَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا؟ قَالَ: وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرَ هَذِهِ الكَلِمَةَ (٢). وَلَا يُمْكِنُ القَوْلُ بِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ لَمْ يَعْلَمْ بِرِدَّةِ عُبَيْدِ اللَّهِ -لَوْ صَحَّتْ-، لأَنَّهُ وَالِدُ زَوْجِهِ أُمِّ حَبِيبَةَ. وَبَعْدُ، فَالْمَسْأَلةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَحَدِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، بَلْ وَمِنَ السَّابِقِينَ الأَوَّلينَ، فَإِنْ صَحَّ السَّنَدُ بِخَبَرِ رِدَّتِهِ فَلَا كَلَامَ، وَإِذَا جَاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مِعْقَلٍ. أَمَا وَالسَّنَدُ لَمْ يَثْبُتْ، فَإِنَّ نُصُوصَ الشَّرِيعَةِ حَافِلَةٌ بِالذَّبِّ عَنْ عِرْضِ المُسْلِمِ؛ فكَيْفَ إِذَا كَانَ هَذَا المُسْلِمُ صَحَابِيًّا، بَلْ وَمِنَ السَّابِقِينَ؟ ! وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1795

الأحْدَاثُ بَيْنَ غَزْوَةِ خَيْبَرَ وَفَتْحِ مَكَّةَ غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ (١) وَتُسَمَّى أَيْضًا غَزْوَةَ الأَعَاجِيبِ، لِمَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ أُمُورٍ عَجِيبَةٍ (٢). وَقَدِ اخْتُلِفَ في تَارِيخِ هَذِهِ الغَزْوَةِ، فَجَزَمَ عَامَّةُ أَهْلِ المَغَازِي وَالسِّيَرِ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ خَيْبَرَ، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في زَمَنِهَا: فَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ: أَنَّهَا في شَهْرِ رَبِيعٍ الآخِرِ سَنَةَ أَرْبَع لِلْهِجْرَةِ، بَعْدَ غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ (٣). وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ: أَنَّهَا في المُحَرَّمِ سَنَةَ خَمْسٍ لِلْهِجْرَةِ (٤).

стр. 1796

وَجَزَمَ أَبُو مَعْشَرٍ عَلَى أَنَّهَا بَعْدَ الخَنْدَقِ وَبَنِي قُرَيْظَةَ (١). وَذَهَبَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ (٢)، وَالحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ (٣)، وَالحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ (٤)، وَابْنُ القَيِّمِ (٥): عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ بَعْدَ غَزْوَةِ خَيْبرَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَالذِي يَنْبَغِي الجَزْمُ بِهِ أَنَّ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ كَانَتْ بَعْدَ غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ لِمَا يَلِي: ١ - أَنَّهُ تَقَدَّمَ أَنَّ صَلَاةَ الخَوْفِ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ لَمْ تَكُنْ شُرِعَتْ، وَقَدْ ثَبَتَ وُقُوعُ صَلَاةِ الخَوْفِ في غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَدَلَّ عَلَى تَأَخُّرِهَا بَعْدَ الخَنْدَقِ. ٢ - أَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيِّ (٦)، وَأَبَا هُرَيْرَةَ (٧) ﵄ شَهِدَا غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَلَزِمَ أَنَّهَا كَانَتْ بَعْدَ خَيْبرَ؛ لِأَنَّ أبَا مُوسَى قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ في خَيْبَرَ.

стр. 1797

٣ - أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ ﵄ شَهِدَ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ (١)، وَقَدْ ثَبتَ في الصَّحِيحِ أَنَّ أَوَّلَ مَشَاهِدِهِ كَانَتِ الخَنْدَقَ (٢)، فتَكُونُ ذَاتُ الرِّقَاعِ بَعْدَ الخَنْدَقِ. ٤ - أَنَّ الإِمَامَ البُخَارِيَّ رَوَى في صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّه ﵄ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ في الخَوْفِ في الغَزْوَةِ السَّابِعَةِ غَزْوَةِ ذَاتِ الرَقَاعِ (٣). وَالتَّنْصِيصُ عَلَى أَنَّهَا سَابعُ غَزْوَةٍ مِنْ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ ﷺ تَأْيِيدٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ البُخَارِيُّ مِنْ أَنَّهَا بَعْدَ خَيْبرَ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ المُرَادُ الغَزَوَاتُ التِي خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا بِنَفْسِهِ مُطْلَقًا، وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ، فَإِنَّ السَّابِعَ مِنْهَا تَقَعُ قَبْلَ أُحُدٍ، وَلَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ إلى أَنَّ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ قَبْلَ غَزْوَةِ أُحُدٍ؛ لأنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الخَوْفِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ، فتَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ ذَاتُ الرِّقَاعِ بَعْدَ بَنِي قُرَيْظَةَ، فتَعَيَّنَ أَنَّ المُرَادَ الغَزَوَاتُ التِي وَقَعَ فِيهَا القِتَالُ، وَالأُولَى مِنْهَا: بَدْرٌ،

стр. 1798

وَالثَّانِيَةُ أُحُدٌ، وَالثَّالِثَةُ الخَنْدَقُ، وَالرَّابِعَةُ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَالخَامِسَةُ المُرَيْسِيعُ، وَالسَّادِسَةُ خَيْبَرُ، فَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ تَكُونَ ذَاتُ الرِّقَاعِ بَعْدَ خَيْبَرَ لِلتَّنْصِيصِ عَلَى أَنَّهَا السَّابِعَةُ (١). قَالَ ابنُ القَيِّمِ في زَادِ المَعَادِ: فَالصَّوَابُ تَحْوِيلُ غَزْوةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ مِنْ هَذَا المَوْضِعِ -أَيْ مِنْ مَوْضِعِ أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ الخَنْدَقِ كَمَا ذَكَرَ أَهْلُ المَغَازِي- إلى مَا بَعْدَ الخَنْدَقِ، بَلْ بَعْدَ خَيْبَرَ (٢). * سَبَبُ الغَزْوَةِ: وَكَانَ سَبَبُ هَذِهِ الغَزْوَةِ هُوَ مَا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَّ جُمُوعًا مِنْ بَنِي مُحَارِبٍ، أَوْ مِنْ أَنْمَارٍ، وَبَنِي ثَعْلَبَةَ مِنْ غَطفَانَ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى حَرْبِهِ ﷺ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في أَرْبَعِمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقِيلَ: سَبْعِمِائَةٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى المَدِينَةِ: عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ، وَقِيلَ: أَبَا ذَرٍّ الغِفَارِيَّ ﵄، وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى مَحَالَّهُمْ بِنَخْلَةَ (٣)، فَلَمْ يَجِدْ في مَحَالِّهِمْ أَحَدًا إِلَّا نِسْوَةً فَأَخَذَهُنَّ وَفِيهِنَّ جَارِيَةٌ وَضِيئَةٌ، وَهَرَبَتِ الأَعْرَابُ إلى رُؤُوسِ الجِبَالِ، ثُمَّ لَقِيَ جَمْعًا مِنْهُمْ، فتَقَارَبَ النَّاسُ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، وَقَدْ أَخَافَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ

стр. 1799

بَعْضًا، وَحَضَرَتْ صَلَاةُ العَصْرِ، فَخَافَ المُسْلِمُونَ أَنْ يُغِيرَ المُشْرِكُونَ عَلَيْهِمْ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الخَوْفِ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إلى المَدِينَةِ، وَقَدْ غَابَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَبَعَثَ جُعَالَ بنَ سُرَاقَةَ ﵁ بَشِيرًا إلى المَدِينَةِ بِسَلَامَتِهِ وَسَلَامَةِ المُسْلِمِينَ (١). رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بذَاتِ الرِّقَاعِ، . . . وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَأَخَّرُوا، وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَرْبَع وَللْقَوْمِ رَكْعَتَانِ (٢). * رُجُوعُ الرَّسُولِ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ وَأَحْدَاثٌ حَدَثَتْ في الطَّرِيقِ: * الحَادِثُ الأَوَّلُ: قِصَةُ عَبَّادِ (٣) بنِ بِشْرٍ ﵁: ذَكَرْنَا أَنَّ المُسْلِمِينَ أَصَابُوا في هَذِهِ الغَزْوَةِ سَبْيًا، وَكَانَ فِيهِ جَارِيَةً

стр. 1800

وَضِيئَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَافِلًا (١) أَتَى زَوْجُهَا، وَكَانَ غَائِبًا، فَلَمَّا أُخْبِرَ الخَبَرَ حَلَفَ أَنْ لَا يَنتهِيَ حَتَّى يُصِيبَ مُحَمَّدًا ﷺ ، أَوْ يُهْرِيقَ في أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ دَمًا، أَوْ يُخَلِّصَ زَوْجَتَهُ، فَخَرَجَ يَتْبَعُ أثَرَ المُسْلِمِينَ، فنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في شِعبٍ (٢)، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : "مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا (٣) لَيْلَتَنَا هَذِهِ؟ ". فَقَامَ عَمَّارُ بنُ يَاسِرٍ وَعَبَّادُ بنُ بِشْرٍ ﵄، فَقَالَا: نَحْنُ يَا رَسُولَ اللَّه. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فكُونَا في فَمِ الشِّعْبِ". فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلَانِ إلى فَمِ الشِّعْبِ، قَالَ عَبَّادٌ لِعَمَّارٍ: أَيُّ اللَّيْلِ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ أَكْفِيكَهُ: أَوَّلَهُ أَمْ آخِرَهُ؟ فَقَالَ عَمَّارٌ: اكْفِنِي أَوَّلَهُ، فَاضْطَجَعَ عَمَّارٌ فنَامَ، وَقَامَ عَبَّادُ بنُ بِشْرٍ ﵁ يُصَلِّي، وَأَتَى الرَّجُلُ -زَوْجُ الْمَرْأَةِ-، فَلَمَّا رَأَى سَوَادَ عَبَّادٍ عَرَفَ أَنَّهُ رَبِيئَةُ (٤) القَوْمِ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ، فَأَصَابَهُ بِهِ، فَانْتَزَعَهُ عَبَّادُ، فَرَمَاهُ الرَّجُلُ بِسَهْمٍ آخَرَ فَأَصَابَهُ، فَانْتَزَعَهُ عَبَّادُ، فَرَمَاهُ الرَّجُلُ بِسَهْمٍ ثَالِثٍ فَأَصَابَهُ، فَانْتَزَعَهُ عَبَّادُ، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ،

стр. 1801

ثُمَّ أَيْقَظَ عَمَّارًا، فَقَالَ: اجْلِسْ، فَقَدْ أُتِيتُ (١)، فَوَثَبَ، فَلَمَّا رَآهُمَا الرَّجُلُ -زَوْجُ الْمَرْأَةِ-، عَرَفَ أَنْ قَدْ نَذِرُوا (٢) بِهِ، فَهَرَبَ، فَقَالَ عَمَّارٌ لِعَبَّادٍ، وَقَدْ رَأَى مَا بِهِ مِنَ الدِّمَاءَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! أَفَلَا أَهْبَبْتَنِي (٣) أَوَّلَ مَا رَمَاكَ؟ فَقَالَ عَبَّاد ﵁: كُنْتُ في سُورَةٍ (٤) أَقْرَؤُهَا، فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا حَتَّى أُنْفِذَهَا، فَلَمَّا تَابَعَ عَلَيَّ الرَّمْيَ، رَكَعْتُ فَآذَنْتُكَ، وَأَيْمُ اللَّهِ لَوْلَا أَنْ أُضَيِّعَ ثَغْرًا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِهِ؛ لَقَطَعَ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ أَقْطَعَهَا أَوْ أُنْفِذَهَا (٥). * الحَادِث الثَّانِي: قِصَّةُ غَوْرَثِ بنِ الحَارِثِ: قَالَ جَابِرُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: كُنَّا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ بِذَاتِ الرِّقَاعِ، فَإِذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكْنَاهَا لِلرَّسُولِ ﷺ ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ أَدْرَكَتْهُ القَائِلَةُ (٦) في وَادٍ كَثِيرِ العِضَاهِ (٧)، فنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

стр. 1802

تَحْتَ شَجَرَةٍ، وَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ الشَّجَرَ. قَالَ جَابِرٌ ﵁: فَنِمْنَا نَوْمَةً، فَجَاءَ رَجُل مِنَ المُشْرِكِينَ، يُقَالُ لَهُ: غَوْرَثُ بنُ الحَارِثِ (١)، فَاخْتَرَطَ (٢) سَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: تَخَافُنِي يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا"، قَالَ: فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُ". قَالَ جَابِرٌ ﵁: فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُونَا، فَجِئْنَاهُ، فَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ جَالِسٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ في يَدِهِ صَلْتًا (٣)، فَقَالَ لِي: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقُلْتُ: اللَّهُ، فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ"، ثُمَّ لَمْ يُعَاقِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٤). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في الصَّحِيحِ قَالَ جَابِرٌ: فتَهَدَّدَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٥).

стр. 1803

قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ (١): فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٢). قُلْتُ: ذَكَرْنَا في غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ أَنَّ هَذِهِ الآيةَ نَزَلَتْ في عَمْرِو بنِ جَحَّاشٍ، عِنْدَمَا أَرَادَ أَنْ يُلْقِيَ الصَّخْرَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لِيَقْتُلَهُ، وَرَجَّحَ ذَلِكَ ابنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِهِ. * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: وَفِي الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - فَرْطُ شَجَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقُوَّةُ يَقِينِهِ، وصَبْرُهُ عَلَى الأَذَى، وَحِلْمُهُ عَنِ الجُهَّالِ. ٢ - وَفيهِ جَوَازُ تَفَرُّقِ العَسْكَرِ في النُّزُولِ وَنَوْمِهِمْ، وَهَذَا مَحَلُّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَا يَخَافُونَ مِنْهُ (٣). * الحَادِثُ الثَّالِثُ: قِصَّةُ جَمَلِ جَابِرٍ ﵁ -: وَفي مَرْجعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ ابْتَاعَ (٤) مِنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ

стр. 1804

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، جَمَلَهُ وَشَرَطَ لَهُ ظَهْرَهُ (١) إلى المَدِينَةِ، وَسَأَلَهُ عَنْ دَيْنِ أَبِيهِ وَأَخْبَرَهُ بِهِ، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً (٢). وَدَعُونَا نَتْرُكُ جَابِرًا ﵁ يُحَدِّثُنَا عَنْ قِصَّةِ جَمَلِهِ، وَمَا دَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ في طَرِيقِهِمْ إلى المَدِينَةِ. قَالَ جَابِرُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: خَرَجْتُ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ مُرْتَحِلًا عَلَى جَمَلٍ لِي ضَعِيفٍ (٣)، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، جَعَلْتُ الرِّفَاق تَمْضِي، وَجَعَلْتُ أَتَخَلَّفُ حَتَّى أَدْرَكَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "مَالَكَ يَا جَابِرُ؟ " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبْطَأَ بِي جَمَلِي هَذَا. فَقَالَ ﷺ : "فَأَنِخْهُ" (٤)، وَأَنَاخَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ ﷺ : "أَعْطِنِي هَذِهِ العَصَا مِنْ يَدِكَ".

стр. 1805

فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العَصَا فَنَخَسَ (١) بِهَا البَعِيرَ نَخَسَاتٍ، ثُمَّ قَالَ: "ارْكَبْ" فَرَكِبْتُ، فَخَرَجَ، وَالذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ يُوَاهِقُ (٢) نَاقَتَهُ مُوَاهَقَةً (٣)، قَالَ: وَتَحَدَّثَ مَعِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "أَتَبِيعُنِي جَمَلَكَ هَذَا يَا جَابِرُ؟ ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلْ أَهَبُهُ لَكَ، قَالَ ﷺ : "لَا، وَلَكِنْ بِعْنِيهِ"، قُلْتُ: فَسُمْنِي (٤) بِهِ، فَقَالَ ﷺ : "قَدْ أَخَذْتُهُ بِدِرْهَمٍ"، قُلْتُ: لَا، إِذًا يَغْبِنُنِي (٥) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ ﷺ : "فَبِدِرْهَمَيْنِ"، قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ يَرْفَعُ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَلَغَ الأُوقِيَّةَ (٦)، فَقُلْتُ: فَقَدْ رَضِيتُ، قَالَ ﷺ : "قَدْ رَضِيتَ؟ "،

стр. 1806

قُلْتُ: نَعَمْ، عَلَى أَنَّ لِيَ فَقَارَ (١) ظَهْرِهِ حَتَّى أَبْلُغَ المَدِينَةَ، قَالَ ﷺ : "نَعَمْ"، قُلْتُ: هُوَ لَكَ، قَالَ ﷺ : "قَدْ أَخَذْتُهُ". قَالَ جَابِرٌ: فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنَ المَدِينَةِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، فَائْذَنْ لِي في أَنْ أَستعَجَّلَ إلى أَهْلِي، فَقَالَ ﷺ : "فتَزَوَّجْتَ؟ " (٢). قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ ﷺ : "بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟ " قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبًا، فَقَالَ ﷺ : "فَهَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ؟ ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ بَنَاتٍ لَهُ سَبْعًا (٣)، فنَكَحْتُ امْرَأَةً جَامِعَةً تَجْمَعُ رُؤُوسَهُنَّ، وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ (٤)، فَقَالَ ﷺ : "أَصَبْتَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ". وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ ﷺ : "فَبَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ" (٥).

стр. 1807

قَالَ جَابِرٌ ﵁: فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينةَ، جِئْتُ بِالجَمَلِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَنَخْتُهُ عَلَى بَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ جَلَسْتُ في المَسْجِدِ قَرِيبًا مِنْهُ، قَالَ: وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَرَأَى الجَمَلَ، فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا جَمَلٌ جَاءَ بِهِ جَابِرٌ، قَالَ ﷺ "فَأَيْنَ جَابِرُ؟ " فَدُعِيتُ لَهُ، فَقَالَ ﷺ : "تَعَالَ أَي ابْنَ أَخِي، خُذْ بِرَأْسِ جَمَلِكَ، فَهُوَ لَكَ"، ثُمَّ دَعَا بِلَالًا وَقَالَ لَهُ: "اذْهَبْ بِجَابِرٍ، فَأَعْطِهِ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ، وَزِدْهُ". قَالَ جَابِرٌ ﵁: فَذَهَبْتُ مَعَهُ، فَأَعْطَانِي أُوقِيَّةً، وَزَادَنِي شَيْئًا يَسِيرًا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجَابِرٍ ﵄: "أَتُرَانِي مَاكسْتُكَ (١) لِآخُذَ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ؟ خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ، فَهُوَ لَكَ". قَالَ جَابِرٌ ﵁: فَوَاللَّهِ- مَا زَالَ يَنْمِي عِنْدَنَا، وَنَرى مَكَانَهُ مِنْ بَيْتِنَا حَتَّى أُصِيبَ يَوْمَ الحَرَّةِ (٢).

стр. 1808

وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ جَابِرٌ ﵁: لَا تُفَارِقُنِي زِيَادَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكَانَ في كِيسٍ لِي حَتَّى جَاءَ أَهْلُ الشَّامِ يَوْمَ الحَرَّةِ، فَأَخَذُوهُ فِيمَا أَخَذُوا (١). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَفِي قِصَّةِ بَيْعِ جَمَلِ جَابِرٍ ﵄ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - جَوَازُ المُسَاوَمَةِ لِمَنْ يَعْرِضُ سِلْعَتَهُ لِلْبَيْعِ. ٢ - وَفِيهِ المُمَاكَسَةُ -أَي انْتِقَاصُ الثَّمَنِ وَاسْتِحْطَاطُهُ- في المَبِيعِ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ العَقْدِ.

стр. 1809

٣ - وَفِيهِ ابْتِدَاءُ المُشْتَرِي بِذِكْرِ الثَّمَنِ. ٤ - وَأَنَّ القَبْضَ لَيْسَ شَرْطًا في صِحَّةِ البَيْعِ. ٥ - وَفِيهِ أَنَّ إِجَابَةِ الكَبِيرِ بِقَوْلِ: "لَا" جَائِزٌ في الأَمْرِ الجَائِزِ. ٦ - وَفِيهِ التَّحَدُّثُ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ لِلْإِتْيَانِ بِالقِصَّةِ عَلَى وَجْهِهَا لَا عَلَى وَجْهِ تَزْكيَةِ النَّفْسِ وَإِرَادَةِ الفَخْرِ. ٧ - وَفِيهِ تَفَقُّدُ الإِمَامِ وَالكَبِيرِ لِأَصْحَابِهِ وَسُؤَالِهِ عَمَّا يَنْزِلُ بِهِمْ، وَإِعَانتهُمْ بِمَا تَيَسَّرَ مِنْ حَالٍ أَوْ مَالٍ أَوْ دُعَاءٍ. ٨ - وَفِيهِ تَوَاضُعُهُ ﷺ . ٩ - وَفِيهِ جَوَازُ ضَرْبِ الدَّابَّةِ لِلسَّيْرِ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُكَلَفةٍ، وَمَحَلُّهُ مَا إِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْهَا مِنْ فَرْطِ تَعَبٍ وَإِعْيَاءٍ. ١٠ - وَفِيهِ تَوْقِيرُ التَّابِعِ لِرَئِيِسِهِ. ١١ - وَفِيهِ الوَكَالةُ في وَفَاءِ الدُّيُونِ. ١٢ - وَفِيهِ الوَزْنُ عَلَى المُشْتَرِي. ١٣ - وَفِيهِ رَدُّ العَطِيَّةِ قَبْلَ القَبْضِ لِقَوْلِ جَابِرٍ ﵁: هُوَ لَكَ، فَقَالَ ﷺ : "لَا، وَلَكِنْ بِعْنِيهِ". ١٤ - وَفِيهِ جَوَازُ إِدْخَالِ الدَّوَابِّ وَالأَمْتِعَةِ إلى رِحَابِ المَسْجِدِ وَحَوَالَيْهِ،

стр. 1810

وَاسْتُدِلَّ عَلَى طَهَارَةِ أَبْوَالِ الإِبِلِ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ. ١٥ - وَفِيهِ المُحَافَظَةُ عَلَى مَا يُتَبَرَّكُ بِهِ لِقَوْلِ جَابِرٍ: لَا تُفَارِقُنِي الزِّيادَةُ. ١٦ - وَفِيهِ جَوَازُ الزِّيادَةِ في الثَّمَنِ عِنْدَ الأَدَاءَ. ١٧ - وَفِيهِ فَضِيلَةٌ لِجَابِرٍ ﵁ حَيْثُ ترَكَ حَظَّ نَفْسِهِ، وَامْتَثَلَ أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ بِبَيْعِ جَمَلِهِ مَعَ احْتِيَاجِهِ إِلَيْهِ. ١٨ - وَفِيهِ مُعْجَزِةٌ ظَاهِرَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ (١). * أَعَاجِيبُ حَدَثَتْ في غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ: ١ - أَفْرَاخُ الحُمَّرَةِ (٢): رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في سَفَرٍ، فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ، فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءَتِ الحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ تُفَرِّشُ (٣)، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِليْهَا" (٤).

стр. 1811

٢ - قَرْيَةُ النَّمْلِ (١): رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حَرَّقْنَاهَا، فَقَالَ ﷺ : "مَنْ حَرَقَ هَذِهِ؟ "، قُلْنَا: نَحْنُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ" (٢). * * *

стр. 1812

سَرِيَّةُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ إِلَى تُرَبَةٍ (١) وَفِي شَعْبَانَ سَنَةً سَبْعٍ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ في ثَلَاثِينَ رَاكِبًا إلى بَنِي نَضْرِ بنِ مُعَاوِيَةَ بنِ بَكْرِ بنِ هَوَازِنَ، وَبَنِي جُشَمِ بنِ بَكْرِ بنِ هَوَازِنَ بِتُرَبَةٍ، فَخَرَجَ عُمَرُ ﵁، وَمَعَهُ دَلِيلٌ مِنْ بَنِي هِلَالٍ، فَكَانُوا يَسِيرُونَ اللَّيْلَ وَيَكْمُنُونَ بِالنَّهَارِ، فَأَتَى الخَبَرُ هَوَازِنَ فَهَرَبُوا، وَجَاءَ عُمَرُ ﵁ إلى مَحَالِّهِمْ، فَلَمْ يَلْقَ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَانْصَرَفَ رَاجِعًا إلى المَدِينَةِ، فَلَمَّا كَانَ بِالجَدَدِ (٢) قَالَ لَهُ الدَّلِيلُ: هَلْ لَكَ في جَمْعٍ آخَرَ مِنْ خَثْعَمٍ جَاؤُوا سَائِرِينَ قَدْ أَجْدَبَتْ بِلَادُهُمْ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ ﵁: مَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِمْ، إِنَّمَا أَمَرَنِي أَنْ أُقَاتِلَ هَوَازِنَ بِتُرَبةٍ، فَانْصَرَفَ عُمَرُ ﵁ رَاجِعًا إلى المَدِينَةِ (٣). * * *

стр. 1813

سَرِيَّةُ أَبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ إِلَى بَنِي فَزَارَةَ وَفِي شَعْبَانَ كَذَلِكَ مِنَ السَّنَةِ السَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ (١) بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ إلى بَنِي فزَارَةَ في نَجْدٍ. فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صحِيحِهِ، وَالإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ أَبِي بَكْرِ بنِ أَبِي قُحَافَةَ ﵁، أَمَّرَهُ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، نُرِيدُ فزَارَةَ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنَ المَاءَ أَمَرَنَا أَبُو بَكْرٍ فَعَرَّسْنَا (٢)، فَلَمَّا صَلَّيْنَا الصُّبْحَ، أَمَرَنَا أَبُو بَكْرٍ فَشَنَّيْنَا الغَارَةَ، فَقتَلْنَا عَلَى المَاءَ مَنْ قَتَلْنَا، قَالَ سَلَمَةُ: ثُمَّ نَظَرْتُ إلى عُنُقٍ (٣) مِنَ النَّاسِ فِيهِ الذُّرِّيَّةِ وَالنِّسَاءَ نَحْوَ الجَبَلِ، وَأَنَا أَعْدُو في آثَارِهِمْ، فَخَشِيتُ أَنْ يَسْبِقُونِي إلى الجَبَلِ، فَرَمَيْتُ بِسَهْمٍ، فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الجَبَلِ، قَالَ: فَجِئْتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ إلى أَبِي بَكْرٍ ﵁ حَتَّى أَتَيْتُهُ عَلَى المَاءِ، وَفِيهِمُ امْرَأَةٌ مِنْ فزَارَةَ عَلَيْهَا قَشْعٌ (٤) مِنْ أَدَمٍ (٥)، وَمَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا مِنْ أَحْسَنِ

стр. 1814

العَرَبِ، فنَفَّلَنِي أَبُو بَكْرٍ ابْنَتَهَا، قَالَ: فَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا (١) حَتَّى قَدِمْتُ المَدِينَةَ، ثُمَّ بِتُّ فَلَمْ أَكْشِفْ لَهَا ثَوْبًا، فَلَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في السُّوقِ، فَقَالَ لِي: "يَا سَلَمَةُ، هَبْ لِيَ المَرْأَةَ"، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَقَدْ أَعْجَبَتْنِي، وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَترَكَنِي، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الغَدِ لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في السُّوقِ، فَقَالَ: "يَا سَلَمَةُ، هَبْ لِيَ المَرْأَةَ، للَّهِ أَبُوكَ"، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ أَعْجَبَتْنِي، وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا، وَهِيَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّه. قَالَ: فَبَعَثَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى أَهْلِ مَكَّةَ، وَفِي أَيْدِيهِمْ أُسَارَى مِنَ المُسْلِمِينَ فَفَدَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتِلْكَ المَرْأَةِ (٢). * * *

стр. 1815

سَرِيَّةُ بَشِيرِ بنِ سَعْدٍ ﵁ إِلَى بَنِي مُرَّةَ وَفِي شَعْبَانَ أَيْضًا سَنَةً سَبْعٍ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بشِيرَ بنَ سَعْدٍ ﵁، في ثَلَاثِينَ رَجُلًا إلى بَنِي مُرَّةَ، وَكَانُوا بِقُرْبِ فَدَكَ (١)، فَلَمَّا وَصَلَ إلى دِيَارِهِمْ لَمْ يَجِدْ أَحَدًا، فَاسْتَاقَ النَّعَمَ وَالشَّاءَ، وَانْحَدَرَ إلى المَدِينَةِ، فَلَمَّا عَلِمَ بَنِي مُرَّةَ بِالخَبَرِ لَحِقُوهُمْ فَأَدْرَكُوهُمْ، فترَامَوْا بِالنَّبْلِ، حَتَّى فَنِيَتْ نَبْلُ أَصْحَابِ بَشِيرٍ ﵁، ثُمَّ حَمَلَ بَنِي مُرَّةَ عَلَيْهِمْ فَقَتَلُوا مَنْ قَتَلُوا مِنْ أَصْحَابِ بَشِيرٍ ﵁، وَفَرَّ مَنْ فَرَّ مِنْهُمْ، وَقَاتَلَ بَشِيرٌ ﵁ قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى ارْتُثَّ (٢) وَسَقَطَ، فَظَنُّوهُ قَدْ مَاتَ، وَرَجَعُوا بِأَنْعَامِهِمْ وَشَائِهِمْ. وَفِي المَسَاءِ تَحَامَلَ بَشِيرٌ ﵁ حَتَّى انْتهَى إلى فَدَكَ، وَأَقَامَ عِنْدَ يَهُودِيٍّ أَيَّامًا حَتَّى ضُمِّدَتْ جِرَاحُهُ، وَرَجَعَ إلى المَدِينَةِ. وَقَدْ نَقَلَ خَبَرَ مُصَابِ هَذِهِ السَّرِيَّةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عُلْبَةُ بنُ زَيْدٍ الحَارِثِيُّ (٣).

стр. 1816

سَرِيَّةُ غَالِبِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيِّ إِلَى المِيفَعَةِ الذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ السَّرِيَّةَ هِيَ التِي بَعَثَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى الحُرَقَةِ (١) في حَدِيثِ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ ﵄ -وَهِيَ عِنْدَ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ في صَحِيحَيْهِمَا- وَكَانَتْ في رَمَضَانَ سَنَةَ سَبْعٍ لِلْهِجْرَةِ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَالِبَ بنَ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيَّ ﵁، في مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ رَجُلًا إلى بَنِي عُوَالٍ وَبَنِي عَبْدِ بنِ ثَعْلَبَةَ، وَهُمْ بِالمِيفَعَةِ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ المَدِينَةِ ثَمَانِيَةُ بُرُدٍ (٢) بِنَاحِيَةِ نَجْدٍ، وَدَلِيلُهُمْ يَسَارٌ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَهَجَمُوا عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، وَوَقَعُوا وَسْطَ مَحَالِّهِمْ، فَقتَلُوا مَنْ أَشْرَفَ لَهُمْ، وَاسْتَاقُوا نَعْمًا وَشَاءً، وَرَجَعُوا إلى المَدِينَةِ، وَلَمْ يَأْسِرُوا أَحَدًا. * قَتْلُ أُسَامَةَ ﵁ مِرْدَاسَ بنَ نَهِيكٍ: وَفِي هَذِهِ السَّرِيَّةِ قَتَلَ أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ ﵄، الرَّجُلَ الذِي قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَهُوَ مِرْدَاسُ بنُ نَهِيكٍ حَلِيفًا لِبَنِي مُرَّةَ مِنَ الحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ،

стр. 1817

قَالَ أُسَامَةُ ﵁: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى الحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَصَبَّحْنَا القَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ، وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ (١) رَجُلًا مِنْهُمْ، فَلَمَّا غَشِينَاهُ (٢) قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فكَفَّ عَنْهُ الأَنْصَارِيُّ، فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي (٣) حَتَّى قَتَلْتُهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ، بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِي: "يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ إِنَّمَا كَانَ مُتعَوِّذًا (٤) فَقَالَ ﷺ : "فَهَلَّا شقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ إِنَّمَا قَالَهَا فَرَقًا (٥) مِنَ السِّلَاحِ؟ كيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ ، كيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ ".

стр. 1818

قَالَ أُسَامَةُ ﵁: فَمَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَرِّرُهَا حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ (١). زَادَ ابنُ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ: قَالَ أُسَامَةُ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُعَاهِدُ اللَّه أَنْ لَا أُقَاتِلَ أَحَدًا يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (٢). قَالَ ابنُ بَطَّالٍ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الحَافِظُ في الفَتْحِ: كَانَتْ هَذِهِ القِصَّةُ سَبَبَ حَلِفِ أُسَامَةَ أَنْ لَا يُقَاتِلَ مُسْلِمًا بَعْدَ ذَلِكَ، وَمِنْ ثَمَّ تَخَلَّفَ عَنْ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ في الجَمَلِ وَصِفِّينَ، وَكَانَ سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ يَقُولُ: لَا أُقَاتِلُ مُسْلِمًا حَتَّى يُقَاتِلَهُ أُسَامَةُ (٣). * * *

стр. 1819

سَرِيَّةُ بَشِيرِ بنِ سَعْدٍ ﵁ إِلَى يَمْنٍ وَجُبَارَ (١) وَفِي شَوَّالَ سَنَةَ سَبْعٍ لِلْهِجْرَةِ، بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَّ جَمْعًا مِنْ غَطَفَانَ وَاعَدَهُمْ عُيَيْنَةُ بنُ حِصْنٍ لِلْإِغَارَةِ عَلَى المَدِينَةِ أَوْ أَطْرَافِهَا، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَشِيرَ بنَ سَعْدٍ ﵁، فَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً، وَبَعَثَ مَعَهُ ثَلَاثَمِائَةِ رَجُلٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسِيرُوا اللَّيْلَ وَيَكْمُنُوا النَّهَارَ، وَخَرَجَ مَعَهُمْ حُسَيْلُ بنُ نويْرَةَ الأَشْجَعِيُّ دَلِيلًا -وَهُوَ الذِي قَدِمَ بِخَبَرِ تَجَمُّعِ غَطَفَانَ- فَسَارُوا اللَّيْلَ وَكَمَنُوا النَّهَارَ، حَتَّى أَتَوْا إلى يَمْنٍ وَجُبَارَ، فنَزَلُوا بِسِلَاحٍ أَسْفَلَ خَيْبَرَ، ثُمَّ خَرَجُوا حَتَّى دَنَوْا مِنَ القَوْمِ، فَأَصَابُوا لَهُمْ نَعَمًا كَثِيرًا، وَتَفَرَّقَ الرِّعَاءُ، وَذَهَبُوا إلى القَوْمِ وَأَخْبَرُوهُمْ، فتَفَرَّقُوا وَلَحِقُوا بِعَلْيَاءِ بِلَادِهِمْ، وَخَرَجَ بَشِيرُ بنُ سَعْدٍ ﵁ في أَصْحَابِهِ حَتَّى أَتَى مَحَالَّهُمْ، فَلَمْ يَظْفَرْ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ، إِلَّا رَجُلَيْنِ أَسَرَهُمَا، فَرَجَعَ بِالنَّعَمِ والرَّجُلَيْنِ إلى المَدِينَةِ، فَأَسْلَمَا، فَأَرْسَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . * حِوَارٌ بَيْنَ عُيَيْنَةَ بنِ حِصْنٍ وَالحَارِثِ بنِ عَوْفٍ: وَلَمَّا فَرَّ عُيَيْنَةُ بنُ حِصْنٍ مُنْهَزِمًا مِنْ سَرِيَّةِ بَشِيرِ بنِ سَعْدٍ ﵁ لَقِيَهُ

стр. 1820

الحَارِثُ بنُ عَوْفٍ المُرِّيّ، وَكَانَ حَلِيفًا لَهُ، فَاسْتَوْقَفَهُ الحَارِثُ، فَقَالَ عُيَيْنَةُ: لَا، مَا أَقْدِرُ! خَلْفِيَ الطَّلَبُ، أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ، -وَهُوَ يَرْكُضُ- فَقَالَ لَهُ الحَارِثُ: قَدْ آنَ لَكَ يَا عُيَيْنَةُ أَنْ تُقْصِرَ عَمَّا تَرَى، أَوْ أَمَا آنَ لَكَ أَنْ تُبْصِرَ بَعْضَ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ؟ إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ وَطِئَ البِلَادَ، وَأَنْتَ مُوضِعٌ (١) في غَيْرِ شَيْءٍ (٢). كَانَ هَذَا الأَمْرُ سَبَبًا في جَعْلِ عُيَيْنَةَ بنِ حِصْنٍ يُفَكِّرُ في الإِسْلَامِ. * * *

стр. 1821

أَسْرُ ثُمَامَةَ بنِ أُثَالٍ الحَنَفِيِّ ﵁ (١) وَإِسْلامُهُ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةِ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ (٢). زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ في السِّيَرَةِ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَحْسِنُوا إِسَارَهُ" (٣). فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا مَرَّ عَلَيْهِ يَقُولُ لَهُ: "مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ ". فَيَقُولُ ثُمَامَةُ: عِنْدِي خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ، إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ (٤) , وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ المَالَ، فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ (٥).

стр. 1822

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: فَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ يُحِبُّونَ الفِدَاءَ، وَيَقُولُونَ: مَا نَصْنَعُ بِقَتْلِ هَذَا؟ (١). فتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى كَانَ مِنَ الغَدِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ ". فَقَالَ ثُمَامَةُ: مَا قُلْتُ لَكَ، إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، فترَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الغَدِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ ". قَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ"، فَانْطَلَقَ ثُمَامَةُ إلى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ المَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ (٢)، ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ! وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الوُجُوهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ البِلَادِ إِلَيَّ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ العُمْرَةَ، فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ لَبَّى، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ مُلَبِّيًا مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأَخَذَتْهُ قُرَيْشٌ، وَقَالُوا لَهُ: صَبَوْتَ يَا ثُمَامَةُ؟

стр. 1823

قَالَ: لَا وَاللَّهِ، وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا وَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنَ اليَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَخَلُّوهُ. ثُمَّ خَرَجَ ثُمَامَةُ إلى اليَمَامَةِ، فَمَنَعَهُمْ أَنْ يَحْمِلُوا إلى مَكَّةَ شَيْئًا، حَتَّى أَضَرَّ بِقُرَيْشٍ الجُوعُ، وَأَكَلُوا العِلْهِزَ (١)، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ وَفْدًا بِقِيَادَةِ أَبِي سُفْيَانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي المَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ: أَنْشُدُكُمُ اللَّه وَالرَّحِمَ، إِنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَلَى". فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قَدْ قتَلْتَ الآبَاءَ بِالسَّيْفِ، وَالأَبْنَاءَ بِالجُوعِ. فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى ثُمَامَةَ بنِ أُثَالٍ ﵁، أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الحَمْلِ إلى مَكَّةَ، فَفَعَلَ. وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (٢).

стр. 1824

* فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَفِي قِصَّةِ ثُمَامَةَ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - رَبْطُ الكَافِرِ فِي المَسْجِدِ. ٢ - المَنُّ عَلَى الأَسِيرِ الكَافِرِ، وَتَعْظِيمُ أَمْرِ العَفْوِ عَنِ المُسِيءِ؛ لِأَنَّ ثُمَامَةَ أَقْسَمَ أَنَّ بُغْضَهُ انْقَلَبَ حُبًّا في سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ لِمَا أَسْدَاهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِ مِنَ العَفْوِ وَالمَنِّ بِغَيْرِ مُقَابِلٍ. ٣ - وَفِيهِ الِاغْتِسَالُ عِنْدَ الإِسْلَامِ. ٤ - وَفِيهِ أَنَّ الإِحْسَانَ يُزِيلُ البُغْضَ وَيُثْبِتُ الحُبَّ. ٥ - وَفِيهِ أَنَّ الكَافِرَ إِذَا أَرَادَ عَمَلَ خَيْرٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ شُرعَ لَهُ أَنْ يَسْتَمِرَّ في عَمَلِ ذَلِكَ الخَيْرِ. ٦ - وَفِيهِ المُلَاطفَةُ بِمَنْ يُرْجَى إِسْلَامُهُ مِنَ الأُسَارَى، إِذَا كَانَ في ذَلِكَ مَصْلَحَة لِلْإِسْلَامِ، وَلَا سِيَّمَا مَنْ يَتْبَعُهُ عَلَى إِسْلَامِهِ العَدَدُ الكَثِيرُ مِنْ قَوْمِهِ. ٧ - وَفِيهِ بَعْثُ السَّرَايَا إلى بِلَادِ الكُفَّارِ، وَأَسْرُ مَنْ وُجِدَ مِنْهُمْ، وَالتَّخْيِيرُ بَعْدَ ذَلِكَ في قتلِهِ، أَوِ الإِبْقَاءِ عَلَيْهِ (١). وَظَلَّ ثُمَامَةُ ﵁ عَلَى إِسْلَامِهِ، وَلَمْ يَرْتَدَّ مَعَ مَنِ ارْتَدَّ مِنْ أَهْلِ اليَمَامَةِ، حِينَ تَنبَّأَ مُسَيْلَمَةُ الكَذَّابُ.

стр. 1825

عُمْرَةُ القَضَاءِ (١) لَمَّا دَخَلَ هِلَالُ ذِي القَعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ السَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ بِالعُمْرَةِ، كَمَا وَقَعَ في بُنُودِ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، بِأَنْ يَعْتَمِرَ المُسْلِمُونَ في العَامِ المُقْبِلِ في ذِي القَعْدَةِ. * خُرُوجُ الرَّسُولِ ﷺ إلى العُمْرَةِ وَعِدَّةُ أَصْحَابِهِ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يتَخَلَّفْ أَحَدٌ مِمَّنْ شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ إِلَّا مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ في خَيْبَرَ وَغَيْرِهَا، فَكَانَ مَجْمُوعُ مَنْ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَلفيْنِ سِوَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.
следующие страницы →