← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

أَسْرُ ثُمَامَةَ بنِ أُثَالٍ الحَنَفِيِّ ﵁ (١) وَإِسْلامُهُ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةِ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ (٢). زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ في السِّيَرَةِ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَحْسِنُوا إِسَارَهُ" (٣). فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا مَرَّ عَلَيْهِ يَقُولُ لَهُ: "مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ ". فَيَقُولُ ثُمَامَةُ: عِنْدِي خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ، إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ (٤) , وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ المَالَ، فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ (٥).

стр. 1822

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: فَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ يُحِبُّونَ الفِدَاءَ، وَيَقُولُونَ: مَا نَصْنَعُ بِقَتْلِ هَذَا؟ (١). فتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى كَانَ مِنَ الغَدِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ ". فَقَالَ ثُمَامَةُ: مَا قُلْتُ لَكَ، إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، فترَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الغَدِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ ". قَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ"، فَانْطَلَقَ ثُمَامَةُ إلى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ المَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ (٢)، ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ! وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الوُجُوهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ البِلَادِ إِلَيَّ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ العُمْرَةَ، فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ لَبَّى، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ مُلَبِّيًا مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأَخَذَتْهُ قُرَيْشٌ، وَقَالُوا لَهُ: صَبَوْتَ يَا ثُمَامَةُ؟

стр. 1823

قَالَ: لَا وَاللَّهِ، وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا وَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنَ اليَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَخَلُّوهُ. ثُمَّ خَرَجَ ثُمَامَةُ إلى اليَمَامَةِ، فَمَنَعَهُمْ أَنْ يَحْمِلُوا إلى مَكَّةَ شَيْئًا، حَتَّى أَضَرَّ بِقُرَيْشٍ الجُوعُ، وَأَكَلُوا العِلْهِزَ (١)، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ وَفْدًا بِقِيَادَةِ أَبِي سُفْيَانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي المَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ: أَنْشُدُكُمُ اللَّه وَالرَّحِمَ، إِنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَلَى". فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قَدْ قتَلْتَ الآبَاءَ بِالسَّيْفِ، وَالأَبْنَاءَ بِالجُوعِ. فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى ثُمَامَةَ بنِ أُثَالٍ ﵁، أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الحَمْلِ إلى مَكَّةَ، فَفَعَلَ. وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (٢).

стр. 1824

* فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَفِي قِصَّةِ ثُمَامَةَ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - رَبْطُ الكَافِرِ فِي المَسْجِدِ. ٢ - المَنُّ عَلَى الأَسِيرِ الكَافِرِ، وَتَعْظِيمُ أَمْرِ العَفْوِ عَنِ المُسِيءِ؛ لِأَنَّ ثُمَامَةَ أَقْسَمَ أَنَّ بُغْضَهُ انْقَلَبَ حُبًّا في سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ لِمَا أَسْدَاهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِ مِنَ العَفْوِ وَالمَنِّ بِغَيْرِ مُقَابِلٍ. ٣ - وَفِيهِ الِاغْتِسَالُ عِنْدَ الإِسْلَامِ. ٤ - وَفِيهِ أَنَّ الإِحْسَانَ يُزِيلُ البُغْضَ وَيُثْبِتُ الحُبَّ. ٥ - وَفِيهِ أَنَّ الكَافِرَ إِذَا أَرَادَ عَمَلَ خَيْرٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ شُرعَ لَهُ أَنْ يَسْتَمِرَّ في عَمَلِ ذَلِكَ الخَيْرِ. ٦ - وَفِيهِ المُلَاطفَةُ بِمَنْ يُرْجَى إِسْلَامُهُ مِنَ الأُسَارَى، إِذَا كَانَ في ذَلِكَ مَصْلَحَة لِلْإِسْلَامِ، وَلَا سِيَّمَا مَنْ يَتْبَعُهُ عَلَى إِسْلَامِهِ العَدَدُ الكَثِيرُ مِنْ قَوْمِهِ. ٧ - وَفِيهِ بَعْثُ السَّرَايَا إلى بِلَادِ الكُفَّارِ، وَأَسْرُ مَنْ وُجِدَ مِنْهُمْ، وَالتَّخْيِيرُ بَعْدَ ذَلِكَ في قتلِهِ، أَوِ الإِبْقَاءِ عَلَيْهِ (١). وَظَلَّ ثُمَامَةُ ﵁ عَلَى إِسْلَامِهِ، وَلَمْ يَرْتَدَّ مَعَ مَنِ ارْتَدَّ مِنْ أَهْلِ اليَمَامَةِ، حِينَ تَنبَّأَ مُسَيْلَمَةُ الكَذَّابُ.

стр. 1825

عُمْرَةُ القَضَاءِ (١) لَمَّا دَخَلَ هِلَالُ ذِي القَعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ السَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ بِالعُمْرَةِ، كَمَا وَقَعَ في بُنُودِ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، بِأَنْ يَعْتَمِرَ المُسْلِمُونَ في العَامِ المُقْبِلِ في ذِي القَعْدَةِ. * خُرُوجُ الرَّسُولِ ﷺ إلى العُمْرَةِ وَعِدَّةُ أَصْحَابِهِ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يتَخَلَّفْ أَحَدٌ مِمَّنْ شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ إِلَّا مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ في خَيْبَرَ وَغَيْرِهَا، فَكَانَ مَجْمُوعُ مَنْ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَلفيْنِ سِوَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.

стр. 1826

وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى المَدِينَةِ عُوَيْفَ بنَ الأَضْبَطِ الدَّيْلِيِّ (١) ﵁، وَسَاقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سِتِّينَ بَدَنَةً (٢)، وَجَعَلَ عَلَيْهَا نَاجِيَةَ بنَ جُنْدُبٍ الأَسْلَمِيَّ ﵁، يَسِيرُ بِهَا أَمَامَهُ، مَعَهُ أَرْبَعَةُ فِتْيَانٍ مِنْ أَسْلَمَ. وَحَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السِّلَاحَ وَالدُّرُوعَ وَالرِّمَاحَ خَوْفًا مِنْ غَدْرِ أَهْلِ مَكَّةَ. فَلَمَّا انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى ذِي الحُلَيْفَةِ (٣)، قَدَّمَ الخَيْلَ أَمَامَهُ عَلَيْهَا مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ ﵁، وَأَحْرَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَابِ مَسْجِدِ الحُلَيْفَةِ وَلَبَّى، وَالمُسْلِمُونَ مَعَهُ يُلَبُّونَ. وَمَضَى مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ ﵁، في الخَيْلِ، فَلَمَّا كَانَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ (٤)، وَجَدَ بِهَا نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ، فَسَأَلُوهُ عَنْ سَبَبِ مَجِيئِهِ بِالخَيْلِ، فَقَالَ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَبِّحُ هَذَا المَنْزِلَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَرَأَوْا سِلَاحًا كَثِيرًا، مَعَ بَشِيرِ بنِ سَعْدٍ ﵁، فَخَرَجُوا سِرَاعًا حَتَّى أَتَوْا مَكَّةَ، فَأَخْبَرُوا قُرَيْشًا، فَفَزِعُوا وَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَحْدَثْنَا حَدَثًا، وَإِنَّا عَلَى كِتَابِنَا وَهُدْنَتِنَا، فَفِيمَ يَغْزُونَا مُحَمَّد في أَصْحَابِهِ؟ وَلَمَّا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى مَرَّ الظَّهْرَانِ نَزَلَ بِهِ، فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ

стр. 1827

وَأَصْحَابَهُ أَنَّ قُرَيْشًا تَقُولُ عَنْهُمْ: مَا يَتَبَاعَثُونَ مِنَ العَجَفِ (١)، فَقَالَ الصَّحَابَةُ ﵃: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَكَلْنَا مِنْ ظَهْرِنَا (٢)، فَأَكَلْنَا مِنْ شُحُومِهَا، وَحَسَوْنَا مِنَ المَرَقِ، فَأَصْبَحْنَا غَدًا حَتَّى نَدْخُلَ عَلَى القَوْمِ وَبِنَا جَمَامٌ (٣)؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا، وَلَكِنْ ائْتُونِي بِفَضْلِ أَزْوَادِكُمْ". فَبَسَطُوا أَنْطَاعَهُمْ (٤)، ثُمَّ جَمَعُوا عَلَيْهَا مِنْ أَطْعِمَاتِهِمْ كُلِّهَا، فَدَعَا لَهُمْ فِيهَا بِالبَرَكَةِ، فَأَكَلُوا حَتَّى تَضَلَّعُوا (٥) شِبَعًا، فَأَكْفَتُوا (٦) في جُرَبِهِمْ (٧) فُضُولَ مَا فَضَلَ مِنْهَا (٨). ثُمَّ قَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السِّلَاحَ إلى بَطْنِ يَأْجَجَ (٩) حَيْثُ يَنْظُرُ إلى أَنْصَابِ الحَرَمِ (١٠).

стр. 1828

* بَعْثُ قُرَيْشٍ مِكْرَزَ بنَ حَفْصٍ: ثُمَّ بَعَثَتْ قُرَيْشٌ مِكْرَزَ بنَ حَفْصٍ في نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، حَتَّى لَقُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِبَطْنِ يَأْجَجَ، وَهُوَ في أَصْحَابِهِ وَالهَدْيَ وَالسِّلَاحَ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ! مَا عُرِفْتَ صَغِيرًا وَلَا كَبِيرًا بِالغَدْرِ! تَدْخُلُ بِالسِّلَاحِ في الحَرَمِ عَلَى قَوْمِكَ، وَقَدْ شَرَطْتَ لَهُمْ أَلَّا تَدْخُلَ إِلَّا بِسِلَاحِ المُسَافِرِ، السُّيُوفُ في القُرُبِ! (١). فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي لَا أُدْخِلُ عَلَيْهِمُ السِّلَاحَ". فَقَالَ مِكْرَزُ بنُ حَفْصٍ: هَذَا الذِي يُعْرَفُ بِهِ البِرُّ وَالوَفَاءُ، ثُمَّ رَجَعَ سَرِيعًا بِأَصْحَابِهِ إلى مَكَّةَ، فَقَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا لَا يدخلُ بِسِلَاحٍ، وَهُوَ عَلَى الشَّرْطِ الذِي شَرَطَ لَكُمْ. * خُرُوجُ أَهْلِ مَكَّةَ إِلَى الجِبَالِ: وَقَدْ أُشِيعَتْ في مَكَّةَ إِشَاعَةٌ وَهِيَ: أَنَّ المُسْلِمِينَ القَادِمِينَ لِلْعُمْرَةِ قَدْ أَصَابَتْهُمُ الحُمَّى، فَخَرَجَ أَكْثَرُ أَهْلِ مَكَّةَ إلى الجِبَالِ المُحِيطَةِ بِهَا خَشْيَةَ العَدْوَى، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَلِك أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالرَّمَلِ (٢) -كَمَا سَيَأْتِي-. * دُخُولُ الرَّسُولِ ﷺ مَكَّةَ: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ يَأْجَجَ بَعْدَ أَنْ وَضَعَ الأَدَاةَ كُلَّهَا الحَجَفَ (٣)

стр. 1829

وَالمِجَانَّ (١) وَالرِّمَاحَ وَالنَّبْلَ، وَخَلَّفَ عَلَيْهَا أَوْسَ بنَ خَوْليٍّ الأَنْصَارِيِّ في مِائتَيْ رَجُلٍ، وَقَدَّمَ الهَدْيَ أَمَامَهُ، فَحُبِسَ بِذِي طُوَى (٢). وَدَخَلَ (٣) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ مِنَ الثَّنِيَّةِ التِي تُطلِعُهُ عَلَى الحَجُونِ (٤)، وَأَصْحَابُهُ مُحْدِقُونَ بِهِ قَدْ تَوَشَّحُوا السُّيُوفَ يُلَبُّونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يَرْمِيَهُ أَحَدٌ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ أنَّهُ قَالَ: لَمَّا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَتَرْنَاهُ مِنْ غِلْمَانِ المُشْرِكِينَ، وَمِنْهُمْ، أَنْ يُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (٥). وَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى دَخَلَ المَسْجِدَ الحَرَامَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ، وَقَدْ صَفَّتْ لَهُ قُرَيْشٌ عِنْدَ دَارِ النَّدْوَةِ، أَوْ مِمَّا يَلِي الحِجْرَ، فَقَدْ رَوَى ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ، قَامَ أَهْلُ مَكَّةَ سِمَاطَيْنِ (٦).

стр. 1830

* إِنْشَادُ ابنِ رَوَاحَةَ ﵁ -: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ ﵁ آخِذ بِزِمَامِ رَاحِلَةِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَيَرْتَجِزُ يَقُولُ: خَلُّوا بَنِي الكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ ... خَلُّوا فكُلُّ الخَيْرِ في رَسُولِهِ نَحْنُ ضَرَبْنَاكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ (١) ... كَمَا ضَرَبْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ ضَرْبًا يُزِيلُ الهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ (٢) ... وَيُذْهِلُ الخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ يَا رَبِّ إِنِّي مُؤْمِنِ بِقِيلِهِ فَقَالَ عُمَرُ ﵁ لِابْنِ رَوَاحَةَ: يَا ابْنَ رَوَاحَةَ! بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَفِي حَرَمِ اللَّهِ تَقُولُ الشِّعْرَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَلِّ عَنْهُ يَا عُمَرُ، فَلَهِيَ أَسْرَعُ فِيهِمْ مِنْ نَضْحِ (٣) النَّبْلِ" (٤).

стр. 1831

* وَهْمُ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ: قُلْتُ: وَهِمَ الإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ، فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَ هَذِهِ الأَبْيَاتِ لِابْنِ رَوَاحَةَ ﵁: وَرُوِيَ في غَيْرِ هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ في عُمْرَةِ القَضَاءَ، وَكَعْبُ بنُ مَالِكٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الحَدِيثِ، لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ رَوَاحَةَ ﵁ قُتِلَ يَوْمَ مُؤْتَةَ، وَإِنَّمَا كَانَتْ عُمْرَةُ القَضَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ (١). وَتَعَقَّبَهُ الحَافِظُ في الفَتْحِ فَقَالَ: وَهُوَ ذُهُولٌ شَدِيدٌ وَغَلَطٌ مَرْدُودٌ، وَمَا أَدْرِي كَيْفَ وَقَعَ التِّرْمِذِيُّ في ذَلِكَ مَعَ وُفُورِ مَعْرِفَتِهِ، وَمَعَ أَنَّ في قِصَّةِ عُمْرَةِ القَضَاءَ اخْتِصَامُ جَعْفَرَ وَأَخِيهِ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بنِ حَارِثَةَ ﵃ في بِنْتِ حَمْزَةَ ﵁ (٢)، وَجَعْفَرُ قُتِلَ وَزَيْدٌ وَابْنُ رَوَاحَةَ في مَوْطِنٍ وَاحِدٍ، فَكَيْفَ يَخْفَى عَلَى التِّرْمِذِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ؟ ! (٣).

стр. 1832

* رَمَلُ المُسْلِمِينَ: فَاسْتَلَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ (١) وَاضْطَبَعَ (٢) بِثَوْبِهِ، ثُمَّ شَرَعَ فِي الطَّوَافِ، وَكَانَ أَشْرَافُ قُرَيْشٍ لَمَّا سَمِعُوا بِقُدُومِ الرَّسُولِ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ خَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ إلى رُؤُوسِ الجِبَالِ غَيْظًا وَحَسَدًا، وَبِسَبَبِ مَا أَشَاعُوهُ مِنْ أَنَّ المُسْلِمِينَ قَدْ أَصَابَتْهُمُ الحُمَّى فَأَوْهَنَتْهُمْ (٣)، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ بِالرَّمَلِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدُمُ عَلَيْكُمْ قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُمُ الحُمَّى (٤)، قَالَ: فَأَطْلَعَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَرْمُلُوا (٥)، وَقَعَدَ

стр. 1833

المُشْرِكُونَ نَاحِيَةَ الحِجْرِ (١) يَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ، فَرَمَلُوا وَمَشَوْا مَا بَيْنَ الرّكْنَيْنِ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ: هَؤُلَاءِ الذِينَ تَزْعُمُونَ أَنَّ الحُمَّى وَهَنَتْهُمْ؟ ! هَؤُلَاءَ أَقْوَى مِنْ كَذَا وَكَذَا (٢)، وَلَمْ يَمْنَعْهُ ﷺ أَنْ يَأْمُرَهُمْ -أَيْ أَصْحَابَهُ- أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا إِبْقَاءً (٣) عَلَيْهِمْ (٤). وَلَمَّا فَرِغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الطَّوَافِ، صَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَهُ مَنْ يَسْترهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ سَعَى ﷺ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَة عَلَى رَاحِلَتِهِ،

стр. 1834

وَأَصْحَابُهُ مَعَهُ يَسْعَوْنَ، ثُمَّ دَعَا فَقَالَ: "اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، سَرِيعَ الحِسَابِ، هَازِمَ الأَحْزَابِ، اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ" (١). رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاعْتَمَرْنَا مَعَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ طَافَ وَطُفْنَا مَعَهُ، وأَتَى الصَّفَا وَالمَرْوَةَ وَأَتيْنَاهَا مَعَهُ، وَكُنَّا نَسْترهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يَرْمِيَهُ أَحَدٌ (٢). * ذَبْحُ الهَدْيِ: ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالهَدْيِ، وَكَانَ قَدْ أَمَرَ بِإِحْضَارِهِ مِنْ ذِي طُوَى، فنَحَرَ هَدْيَهُ عِنْدَ المَرْوَةِ، وَحَلَقَ هُنَاكَ، حَلَقَهُ مَعْمَرُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ العَدَوِيِّ ﵁، وَكَذَلِكَ فَعَلَ أَصْحَاُبهُ ﵃. ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ أَنْ يَذْهَبُوا إلى يَأْجَجَ (٣)، فيقِيمُوا عَلَى السِّلَاحِ، وَيَأْتِي الآخَرُونَ، فَيَقْضُوا نُسُكَهُمْ، فَفَعَلُوا (٤). * لَم يَدْخُلْ رَسول اللَّهِ الكَعْبَةَ: وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ بِمَكَّةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَمَا اشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ

стр. 1835

في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، وَلَمْ يَدْخُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الكَعْبَةَ؛ لِوُجُودِ الأَصْنَامِ وَالصُّوَرِ فِيهَا، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَطَافَ بِالبَيْتِ، وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَهُ مَنْ يَسْترهُ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الكَعْبَةَ؟ قَالَ: لَا (١). فَلَمَّا انْقَضَتِ الأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ المُقَرَّرَةُ لِلْعُمْرَةِ حَسْبَ شُرُوطِ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، جَاءَتْ قُرَيْشٌ في صَبَاحِ اليَوْمِ الرَّابعِ إلى عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَقَالُوا لَهُ: قُلْ لِصَاحِبِكَ اخْرُجْ عَنَّا فَقَدْ مَضَى الأَجَلُ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عَلِيٌّ ﵁ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ ﷺ : "نَعَمْ"، فَخَرَجَ (٢). وَفِي رِوَايَةِ الحَاكِمِ في المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: . . . فَأَتاهُ حُوَيْطِبُ بنُ عَبْدِ العُزَّى في نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ في اليَوْمِ

стр. 1836

الثَّالِثِ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّهُ قَدِ انْقَضَى أَجَلُكَ فَاخْرُجْ عَنَّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَمَا عَلَيْكُمْ لَوْ تَرَكتُمُونِي فَأَعْرَسْتُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ فَصَنَعْتُ لَكُمْ طَعَامًا فَحَضَرْتُمُوهُ". قَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا في طَعَامِكَ، فَاخْرُجْ عَنَّا، فَخَرَجَ بِمَيْمُونَةَ بِنْتِ الحَارِثِ ﵂ حَتَّى أَعْرَسَ بِهَا بِسَرِفٍ (١). * الرَّسُولُ ﷺ يَسْأَلُ عَنْ خَالِدٍ بنِ الوَلِيدِ ﵁ -: قَالَ خَالِدُ بنُ الوَليدِ ﵁: لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ في عُمْرَةِ القَضِيَّةِ، تَغَيَّبْتُ، وَلَمْ أَشْهَدْ دُخُولَهُ، فَكَانَ أَخِي الوَلِيدُ بنُ الوَليدِ، قَدْ دَخَلَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في عُمْرَةِ القَضيَّةِ، فَطَلَبَنِي فَلَمْ يَجِدْنِي، وَكتَبَ إِلَيَّ كِتَابًا فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي لَمْ أَرَ أَعْجَبَ مِنْ ذَهَابِ رَأْيِكَ عَنِ الإِسْلَامِ وَعَقْلُكَ عَقَلَكَ، وَمِثْلُ الإِسْلَامِ يَجْهَلُهُ أَحَدٌ؟ قَدْ سَأَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْكَ، فَقَالَ: "أَيْنَ خَالِدٌ؟ " فَقُلْتُ يَأْتِي اللَّهُ بِهِ، فَقَالَ ﷺ : "مَا مِثْلُهُ جَهِلَ الإِسْلَامَ، وَلَوْ كَانَ جَعَلَ نِكَايَتَهُ وَجِدَّهُ المُسْلِمِينَ عَلَى المُشْرِكِينَ كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلقدَّمْنَاهُ عَلَى غَيْرِهِ"، فَاسْتَدْرِكْ يَا أَخِي مَا قَدْ فَاتَكَ، وَقَدْ فَاتَتْكَ مَوَاطِنُ صَالِحَةٌ. قَالَ خَالِدٌ ﵁: فَلَمَّا جَاءَنِي كِتَابُهُ، نَشِطْتُ لِلْخُرُوجِ وَزَادَنِي رَغْبَةً في الإِسْلَامِ (٢)

стр. 1837

قُلْتُ: وَكَانَ هَذَا الحَدَثُ سَبَبَ إِسْلَامِ خَالِدٍ ﵁. * قَضَاءُ الرَّسُولِ ﷺ في ابْنَةِ حَمْزَةَ ﵂: وَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ، تَبِعَتْهُ ابْنَةُ حَمْزَةَ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَاسْمُهَا عُمَارَةُ، وتنادِيهِ: يَا عَمِّ يَا عَمِّ (١)! فتَنَاوَلَهَا عَلِيٌّ ﵁ فَأَخَذَ بِيَدِهَا، وَقَالَ لِفَاطِمَةَ ﵂: دُونَكِ ابْنَةَ عَمِّكِ، احْمِلِيهَا. فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَلِيٌّ وَزَيْدُ بنُ حَارِثَةَ وَجَعْفَرُ بنَ أَبِي طَالِبٍ ﵃، حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ، فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ : "هَلُمُّوا أَقْضِ بَيْنَكُمْ فِيهَا". فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: أَنَا أَخَذْتُهَا، وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّي، وَعِنْدِي ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ أَحَقُّ بِهَا، وَقَالَ جَعْفَرٌ ﵁: ابْنَةُ عَمِّي وَخَالَتُهَا (٢) تَحْتِي (٣)، وَقَالَ زَيْدٌ ﵁: ابْنَةُ أَخِي (٤).

стр. 1838

فَقَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجَعْفَرَ؛ لِأَنَّ خَالَتَهَا عِنْدَهُ، وَقَالَ: "الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ" (١)، ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ ﵁: "أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ" (٢)، وَقَالَ لِجَعْفَرَ ﵁: "أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي" (٣)، وَقَالَ لِزَيْدٍ ﵁: "أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا" (٤). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ، وَفِي هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - تَعْظِيمُ صِلَةِ الرَّحِمِ، بِحَيْثُ تَقَعُ المُخَاصَمَةُ بَيْنَ الكِبَارِ في التَّوَصُّلِ إِلَيْهَا. ٢ - أَنَّ الحَاكِمَ يُبَيِّنُ دَلِيلَ الحُكْمِ لِلْخَصْمِ. ٣ - أَنَّ الخَصْمَ يُدْلِي بِحُجَّتِهِ.

стр. 1839

٤ - وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الخَالة في الحَضَانَةِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى العَمَّةِ؛ لِأَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ عَبْدِ المُطَّلِبِ كَانَتْ مَوْجُودَةً حِينَئِذٍ، وَإِذَا قُدِّمَتْ عَلَى العَمَّةِ مَعَ كَوْنِهَا أَقْرَبَ العَصَبَاتِ مِنَ النِّسَاءِ فَهِيَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى غَيْرِهَا (١). * شَأْنُ عُمَارَةَ ﵂: وَلَمْ تَزَلْ عُمَارَةُ ﵂ عِنْدَ جَعْفَرَ ﵁ حَتَّى قُتِلَ يَوْمَ مُؤْتَةَ، فَأَوْصَى بِهَا إلى عَلِيٍّ ﵁، فَمَكثتْ عِنْدَهُ حَتَّى بَلَغَتْ، فَعَرَضَهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ ﷺ : "هِيَ ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ"، فزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَلَمَةَ بنَ أَبِي سَلَمَةَ ﵄، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "هَلْ جَزَيْتُ سَلَمَةَ؟ " (٢). * زَوَاجُ الرَّسُولِ ﷺ مِنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحَارِثِ ﵂: وَفِي هَذِهِ العُمْرَةِ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الحَارِثِ الهِلَالِيَّةَ ﵂، وَكَانَ اسْمُهَا بَرَّةُ فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَيْمُونَةُ (٣)، وَهِيَ أُخْتُ أُمِّ الفَضْلِ بِنْتِ الحَارِثِ زَوْجِ العَبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵄، وَأُخْتُ عَصْمَاءَ لُبَابَةِ الصُّغْرَى بِنْتِ الحَارِثِ أُمِّ خَالِدٍ بنِ الوَليدِ، وَهِيَ أَيْضًا أُخْتُ

стр. 1840

أَسْمَاءَ وَسَلْمَى ابْنَتَيْ عُمَيْسٍ لِأُمِّهِمَا، وَهِيَ خَالَةُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ، وَخَالِدِ بنِ الوَليدِ ﵃ أَجْمَعِينَ. وَكَانَتْ مَيْمُونَةُ ﵂ تَزَوَّجَتْ في الجَاهِلِيَّةِ مَسْعُودَ بنَ عُرْوَةَ الثَّقَفِيَّ، فَفَارَقَهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا في الإِسْلَامِ أَبُو رُهْمِ بنُ عَبْدِ العُزَّى، فَمَاتَ عَنْهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في وَقْتِ فَرَاغِهِ مِنْ عُمْرَةِ القَضَاءِ، وَبَنَى بِهَا بِسَرِفٍ (١). رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ عَنْ مَيْمُونَةَ ﵂ قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَرِفٍ، وَهُمَا حَلَالَانِ (٢) بَعْدَمَا رَجَعَا مِنْ مَكَّةَ (٣). وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ، وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلَالٌ، وَكُنْتُ أَنَا الرَّسُولُ بَيْنَهُمَا (٤). وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ يَزِيدَ بنِ الأَصَمِّ قَالَ: حَدَّثَتْنِي مَيْمُونَةُ بِنْتُ الحَارِثِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ. قَالَ: وَكَانَتْ

стр. 1841

خَالَتِي وَخَالَةَ ابنِ عَبَّاسٍ (١). * وَهْمُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: قُلْتُ: وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ (٢)، فَقَدْ عُدَّ مِنْ أَوْهَامِهِ ﵁. رَوَى أَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: وَهِمَ ابنُ عَبَّاسٍ في تَزْوِيجِ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ (٣). قَالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَاخْتُلِفَ عَنْهُ ﷺ ، هَلْ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ حَلَالًا أَمْ حَرَامًا؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: تَزَوَّجَهَا مُحْرِمًا، وَقَالَ أَبُو رَافِعٍ ﵁: تَزَوَّجَهَا حَلَالًا، وَكُنْتُ الرَّسُولَ بَيْنَهُمَا، وَقَوْلُ أَبِي رَافِعٍ أَرْجَحُ لِعِدَّةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ إِذْ ذَاكَ كَانَ رَجُلَا بَالِغًا، وَابْنُ عَبَّاسٍ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مِمَّنْ بَلَغَ الحُلُمَ، بَلْ كَانَ لَهُ نَحْوَ العَشْرِ سِنِينَ، فَأَبُو رَافِعٍ إِذْ ذَاكَ كَانَ أَحْفَظَ مِنْهُ. الثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ الرَّسُولَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَهَا، وَعَلَى يَدِهِ دَارَ الحَدِيثُ، فَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْهُ بِلَا شَكٍّ، وَقَدْ أَشَارَ بِنَفْسِهِ إلى هَذَا إِشَارَةَ مُتَحَقِّقٍ لَهُ، وَمُتيَقَنٍ وَلَمْ يَنْقُلْهُ عَنْ غَيْرِهِ، بَلْ بَاشَرَهُ بِنَفْسِهِ.

стр. 1842

الثَّالِثُ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ في تِلْكَ العُمْرَةِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ عُمْرَةَ القَضِيَّةِ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذْ ذَاكَ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ في مَكَّةَ الذِينَ عَذَرَهُمُ اللَّهُ مِنَ الوِلْدَانِ (١)، وَإِنَّمَا سَمِعَ القِصَّةَ مِنْ غَيْرِ حُضُورٍ مِنْهُ لَهَا. الرَّابِعُ: أَنَّهُ ﷺ حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ، بَدَأَ بِالطَّوَافِ بِالبَيْتِ، ثُمَّ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَحَلَقَ، ثُمَّ حَلَّ. وَمِنَ المَعْلُومِ: أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِهَا في طَرِيقِهِ، وَلَا بَدَأَ بِالتَّزْوِيجِ بِهَا قَبْلَ الطَّوَافِ بِالبَيْتِ، وَلَا تَزَوَّجَ في حَالِ طَوَافِهِ، هَذَا مِنَ المَعْلُومِ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ، فَصَحَّ قَوْلُ أَبِي رَافِعٍ يَقِينًا. الخَامِسُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ غَلَّطُوا ابْنَ عَبَّاسٍ، وَلَمْ يُغَلِّطُوا أبَا رَافِعٍ. السَّادِسُ: أَنَّ قَوْلَ أَبِي رَافِعٍ مُوَافِقٌ لِنَهْي النَّبِيِّ ﷺ عَنْ نِكَاحِ المُحْرِمِ (٢)، وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ يُخَالِفُهُ، وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ، إِمَّا لِنَسْخِهِ، وَإِمَّا لِتَخْصِيصِ النَّبِيِّ ﷺ بِجَوَازِ النكَاحِ مُحْرِمًا، وَكِلَا الأَمْرَيْنِ مُخَالِفٌ لِلْأَصْلِ لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، فَلَا يُقْبَلُ.

стр. 1843

السَّابِعُ: أَنَّ ابْنَ أُخْتِهَا يَزِيدَ بنَ الأَصَمِّ شَهِدَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تزَوَّجَهَا حَلَالًا، قَالَ: وَكَانَتْ خَالَتِي وَخَالة ابْنِ عَبَّاسٍ (١). * فَضَائِلُ مَيْمُونَةَ ﵂ وَوَفَاتُهَا: وَكَانَتْ مَيْمُونَةُ ﵂ مِنْ سَادَاتِ النِّسَاءَ، فَقَدْ رَوَى الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: ذَهَبَتْ وَاللَّهِ مَيْمُونَةُ، وَكَانَتْ مِنْ أَتْقَانَا للَّهِ، وَأَوْصلِنَا لِلرَّحِمِ (٢). وَأَخْرَجَ الحَاكِمُ وَابْنُ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الأَخَوَاتُ مُؤْمنَاتٌ: مَيْمُونَةُ، وَأُمُّ الفَضْلِ (٣)، وَأَسْمَاءُ (٤) ".

стр. 1844

وَتُوُفِّيَتْ مَيْمُونَةُ ﵂ سَنَةً إِحْدَى وَخَمْسِينَ لِلْهِجْرَةِ، بِسَرِفٍ في نَفْسِ المَكَانِ الذِي تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ (١). فَقَدْ رَوَى ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ يَزِيدَ بنِ الأَصَمِّ قَالَ: مَاتَتْ مَيْمُونَةُ بَسَرِفٍ، فَدَفَنَّاهَا في الظُّلَّةِ التِي بَنَى بِهَا فِيهَا، فنَزَلْتُ في قَبْرِهَا أَنَا وَابْنُ عَبَّاسٍ، فَلَمَّا وَضَعْنَاهَا فِي اللَّحْدِ، مَالَ رَأْسُهَا، وَأَخَذْتُ رِدَائِي فَوضَعْتُهُ تَحْتَ رَأْسِهَا، فَاجْتَذَبَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ (٢). * * *

стр. 1845

الأَحْدَاثُ مِنْ عُمْرَةِ القَضَاءِ إِلَى فَتْحِ مَكَّةَ سَرِيَّةُ الأخْرَمِ بنِ أبِي العَوْجَاءِ ﵁ إِلَى بَنِي سُلَيْمٍ لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عُمْرَةِ القَضَاءِ بَعَثَ الْأَخْرَمَ بْنَ أَبِي العَوْجَاءِ السُّلَمِيِّ ﵁، في ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ سَبْعٍ لِلْهِجْرَةِ، في خَمْسِينَ رَجُلًا إلى بَنِي سُلَيْمٍ؛ لِيَدْعُوهُم إلى الإِسْلَامِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، وَتَقَدَّمَهُ عَيْنٌ لَهُمْ كَانَ مَعَهُ فَحَذَّرَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ بِخُرُوجِهِ، فَجَمَعُوا لَهُ جَمْعًا كَثِيرًا، فَجَاءَهُمُ الْأَخْرَمُ بْنُ أَبِي العَوْجَاءِ، وَهُمْ مُسْتَعِدُّونَ لَهُ، فَدَعَاهُمْ إلى الإِسْلَامِ، فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا إلى مَا دَعَوْتَنَا إِلَيْهِ، فترَامَوْا بِالنَّبْلِ سَاعَةً، وَجَعَلَتِ الأَمْدَادُ تَأْتِيهِمْ حَتَّى أَحْدَقُوا (١) بِابْنِ أَبِي العَوْجَاءِ وَأَصْحَابِهِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، فَقَاتَلَ القَوْمُ قِتَالًا شَدِيدًا، حَتَّى قُتِلَ عَامَّةُ المُسْلِمِينَ، وَأُصيبَ الْأَخْرَمُ بْنُ أَبِي العَوْجَاءَ جَرِيحًا مَعَ القَتْلَى، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى بَلَغَ المَدِينَةَ، وَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَذَلِكَ في أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ صَفَرَ سَنَةَ ثَمَانٍ لِلْهِجْرَةِ (٢). * * *

стр. 1846

السَّنَةُ الثَّامِنةُ لِلهِجْرَةِ وَفَاةُ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ - فِي أَوَائِلِ العَامِ الثَّامِنِ الهِجْرِيِّ، تُوُفِّيَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَزْوَجُة أَبِي العَاصِ بنِ الرَّبِيعِ ﵁، وَهِيَ أَكْبَرُ بَنَاتِهِ ﷺ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّهَا حُبًّا شَدِيدًا، وَيُثْنِي عَلَيْهَا (١)، عَاشَتْ ﵂ نَحْوَ ثَلَاثِينَ سَنَةً (٢). وَقَدْ وَلَدَتْ زَيْنَبُ مِنْ أَبِي العَاصِ بنِ الرَّبِيعِ: أُمَامَةَ، وَهِيَ التِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحْمِلُهَا فِي الصَّلَاةِ (٣)، وَقَدْ تَزَوَّجَهَا عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ بَعْدَ وَفَاةِ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٤). وَوَلَدَتْ أَيْضًا ﵂ مِنْ أَبِي العَاصِ بنِ الرَّبِيعِ: عَلِيًّا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْدَفَهُ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ الفَتْحِ، وَتُوُفِّيَ وَقَدْ نَاهَزَ الحُلُمَ

стр. 1847

فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ ﷺ (١). رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا مَاتَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اغْسِلْنَهَا وِتْرًا، ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا، وَاجْعَلْنَ فِي الخَامِسَةِ كَافُورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كافُورٍ، فَإِذَا غَسَلْتُنَّهَا فَأَعْلِمْنَنِي"، قَالَتْ: فَأَعْلَمْنَاهُ، فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ (٢)، وَقَالَ: "أَشْعِرْنَهَا (٣) إِيَّاهُ" (٤). * * *

стр. 1848

تَحْرِيمُ الخَمْرِ وَفِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ حُرِّمَتِ الخَمْرُ تَحْرِيمًا نِهَائيًّا، وَوَقَعَ عِنْدَ ابنِ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ أَنَّهَا حُرِّمَتْ أَثْنَاءَ حِصَارِ الرَّسُولِ ﷺ لِبَنِي النَّضِيرِ (١). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: ذَكَرَ ابنُ إِسْحَاقَ أَنَّ تَحْرِيمَ الخَمْرِ كَانَ فِي وَاقِعَةِ بَنِي النَّضِيرِ، وَهِيَ بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ، وَذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعٍ عَلَى الرَّاجِحِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ أَنَسَ بنَ مَالِكٍ ﵁ كَانَ السَّاقِيَ يَوْمَ حُرِّمَتْ، وَأَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ المُنَاديَ بِتَحْرِيمِهَا بَادَرَ فَأَرَاقَهَا، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعٍ لَكَانَ أَنَسٌ يَصْغُرُ عَنْ ذَلِكَ، وَالذِي يَظْهَرُ أَنَّ تَحْرِيمَهَا كَانَ عَامَ الفَتْحِ سَنَةَ ثَمَانٍ. لِمَا رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَالإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ -وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ- مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ وَعْلة قَالَ: سَأَلْتُ ابنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ بَيْعِ الخَمْرِ، فَقَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَدِيقٌ مِنْ ثَقِيفٍ، أَوْ مِنْ دَوْسٍ، فَلَقِيَهُ بِمَكَّةَ عَامَ الفَتْحِ بِرَاوِيَةِ (٢) خَمْرٍ يُهْدِيهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا أبَا فُلَانٍ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا؟ "، فَأَقبُلَ الرَّجُلُ عَلَى غُلَامِهِ فَقَالَ: اذْهَبْ فَبِعْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا أَبَا فُلَانٍ، بِمَاذَا أَمَرْتهُ؟ " قَالَ: أَمَرتُهُ أَنْ يَبِيعَهَا، فَقَالَ

стр. 1849

- ﷺ : "إِنَّ الذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا"، فَأَمَرَ بِهَا فَأُفْرِغَتْ فِي البَطْحَاءِ (١). وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مِنْ حَدِيثِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُهْدِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلَّ عَامٍ رَاوِيَةَ خَمْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عَامَ حُرِّمَتْ جَاءَ بِرَاوِيَةٍ فَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَلْ شَعَرْتَ أَنَّهَا قَدْ حُرِّمَتْ بَعْدَكَ؟ " فَقَالَ تَمِيمٌ: أَفَلَا أَبِيعُهَا وَأَنْتَفِعُ بِثَمَنِهَا؟ فنَهَاهُ (٢). فيسْتَفَادُ مِنْ حَدِيثِ تَمِيمٍ تَأْيِيدُ الوَقْتِ المَذْكُورِ -وَهُوَ العَامُ الثَّامِنُ الهِجْرِيُّ- فَإِنَّ إِسْلَامَ تَمِيمٍ كَانَ بَعْدَ الفَتْحِ (٣). * مَرَاحِلُ تَحْرِيمِ الخَمْرِ: مَرَّ تَحْرِيمُ الخَمْرِ عَلَى أَرْبَعِ مَرَاحِلَ: * المَرْحَلَة الأُوَلى: مَرْحَلَةَ إِطْلَاقِ سَهْمٍ فِي الِاتِّجَاهِ حِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ (٤).

стр. 1850

فَكَانَتْ أَوَّلَ مَا يَطْرُقُ حِسَّ المُسْلِمِ مِنْ وَضْعِ السُّكْرِ (وَهُوَ الخَمْرُ) فِي مُقَابِلِ الرِّزْقِ الحَسَنِ. . . فَكَأَنَّمَا هُوَ شَيْءٌ وَالرِّزْقُ الحَسَنُ شَيْءٌ آخَرُ. * المَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ: هِيَ تَحْرِيكُ الوُجْدَانِ الدِّينِيِّ عَنْ طَرِيقِ المَنْطِقِ التَّشْرِيعِيِّ فِي نُفُوسِ المُسْلِمِينَ حِينَ نَزَلَتْ التِي فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (١). وَفي هَذَا إِيحَاءٌ بِأَنَّ تَرْكَهُمَا هُوَ الأَوْلَى مَا دَامَ الإِثْمُ أَكْبَرُ مِنَ النَّفْعِ. * المَرْحَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ كَسْرُ عَادَةِ الشَّرَابِ، وَإِيقَاعُ التَّنَافُرِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ فَرِيضَةِ الصَّلَاةِ حِينَ نَزَلَتِ التِي فِي النِّسَاءِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (٢). وَالصَّلَاةُ فِي خَمْسَةِ أَوْقَاتٍ مُعْظَمُهَا مُتَقَارِبٌ، وَلَا يَكْفِي مَا بَيْنَهُمَا لِلسُّكْرِ، ثُمَّ الإِفَاقَةِ.

стр. 1851

* سَبَبُ نُزُولِ آيَةٍ: وَكَانَ سَبَبُ نُزُولِ قَوْلُه تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: صَنَعَ لَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ ﵁ طَعَامًا، فَدَعَانَا فَأَكَلْنَا، وَسَقَانَا مِنَ الخَمْرِ، فَأَخَذَتْ فِينَا، وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَقَدَّمُونِي (١)، فَقَرَأْتُ: (قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ. لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ. وَنَحْنُ نَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ)، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ. . .﴾ (٢). قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: سَمِعْتُ مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُنَادِي: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا يَقْرَبَنَّ الصَّلَاةَ سَكْرَانٌ" (٣). * المَرْحَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالأَخِيرَةُ: ثُمَّ كَانَتِ المَرْحَلَةُ الرَّابِعَةُ: الحَاسِمَةُ وَالأَخِيرَةُ، وَقَدْ تَهَيَّاَتِ النُّفُوسُ لَهَا تَهَيُّؤًا كَامِلًا، فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا النَّهْيُ حَتَّى تَتْبَعَهُ الطَّاعَةُ الفَوْرِيَّةُ وَالإِذْعَانُ، فنَزَلَ قَوْلُهُ

стр. 1852

تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١). رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِالشَّوَاهِدِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ وَهُمْ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، وَيَأْكُلُونَ المَيْسِرَ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (٢). فَقَالَ النَّاسُ: مَا حُرِّمَ عَلَيْنَا، إِنَّمَا قَالَ: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ وَكَانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ مِنَ الأَيَّامِ، صَلَّى رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ، أَمَّ أَصْحَابَهُ فِي المَغْرِبِ، خَلَطَ فِي قِرَاءَتِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهَا آيَةً أَغْلَظَ مِنْهَا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (٣)، فَكَانَ النَّاسُ يَشْرَبُونَ حَتَّى يَأْتِيَ أَحَدُهُمُ الصَّلَاةَ وَهُوَ مُفِيقٌ. ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةٌ أَغْلَظُ مِنْ ذَلِكَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ

стр. 1853

وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١)، فَقَالُوا: انْتَهَيْنَا رَبَّنَا (٢). * سَبَبُ نُزُولِ آيَةٍ: جَاءَ فِي سَبَبِ نزُولِ آيَةِ تَحْرِيمِ الخَمْرِ تَحْرِيمًا نِهَائِيًّا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: . . . أَتَيْتُ عَلَى نَفَرٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرِينَ، فَقَالُوا: تَعَالَ نُطْعِمْكَ وَنَسْقِيكَ خَمْرًا، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ الخَمْرُ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُمْ فِي حَشٍّ (٣) فَإِذَا رَأْسُ جَزُورٍ (٤) مَشْوِيٌّ عِنْدَهُمْ، وَزِقٌّ (٥) مِنْ خَمْرٍ، قَالَ: فَأَكَلْتُ وَشَرِبْتُ مَعَهُمْ، قَالَ: فَذُكِرَتِ الأَنْصَارُ وَالمُهَاجِرُونَ عِنْدَهُمْ، فَقُلْتُ: المَهُاجِرُونَ خَيْر مِنَ الأَنْصَارِ، قَالَ: فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَحَدَ لَحْيَيِ (٦) الرَّأْسِ فَضَرَبَنِي بِهِ فَجَرَحَ بِأَنْفِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرتُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيَّ -يَعْنِي نَفْسَهُ- شَأْنَ الخَمْرِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (٧).

стр. 1854

وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ فِي قَبِيلَتَيْنِ مِنْ قَبَائِلِ الأَنْصَارِ، شَرِبُوا حَتَّى إِذَا ثَمِلُوا (١)، عَبَثَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، فَلَمَّا صَحَوْا جَعَلَ الرَّجُلُ يَرَى الأَثَرَ بِوَجْهِهِ وَبِرَأْسِهِ وَلحْيَتِهِ، فَيَقُولُ: فَعَلَ بِي هَذَا أَخِي فُلَان، وَاللَّهِ لَوْ كَانَ بِي رَؤُوفًا رَحِيمًا مَا فَعَلَ هَذَا بِي، قَالَ: وَكَانُوا إِخْوَةً لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ضَغَائِنُ (٢)، فَوَقَعَتْ فِي قُلُوبِهِمُ الضَّغَائِنُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ. . .﴾ إِلَى قَوْلُه تَعَالَى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٣). وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، قَالَ عُمَرُ ﵁: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا، فنَزَلَتْ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾، فَدُعِيَ عُمَرُ ﵁، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا، فنَزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، فَدُعِيَ عُمَرُ ﵁، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ:

стр. 1855

اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا، فنَزَلَتْ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا (١). وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ بِالمَدِينَةِ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! (٢) إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعَرِّضُ (٣) بِالخَمْرِ، وَلَعَلَّ اللَّهَ سَيُنْزِلُ فِيهَا أَمْرًا، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْهَا فَلْيَبِعْهُ، وَلْيَنْتَفِعْ بِهِ"، قَالَ: فَمَا لَبِثْنَا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّم الخَمْرَ، فَمَنْ أَدْرَكَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ (٤) وَعِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْهَا فَلَا يَشْرَبْ وَلَا يَبِعْ". قَالَ: فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ بِمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا، فِي طَرِيقِ المَدِينَةِ، فَسَفَكُوهَا (٥).

стр. 1856

* سُرْعَةُ اسْتِجَابَةِ الصَّحَابَةِ ﵃ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: وَلَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ سَكَبَ الصَّحَابَةُ ﵃ الخُمُورَ التِي كَانَتْ عِنْدَهُمْ فَوْرًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ سَاقِيَ القَوْمَ يَوْمَ حُرِّمَتِ الخَمْرُ، قَالَ: وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ قَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَلَا إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، قَالَ: فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَانْظُرْ، قَالَ: فَخَرَجتُ فنَظَرْتُ، فَسَمِعْتُ مُنَادِيًا ينَادِي: أَلَا إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، قَالَ أَنَسٌ: فَأَخْبَرتُهُ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَأَهْرِقْهَا، قَالَ: فَجِئْتُ فَأَهْرَقْتُهَا (١). وَفِي رِوَايَةِ البُخَارِيِّ فِي الأَدَبِ المُفْرَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قَالَ أَنَسٌ ﵁: فَمَا قَالُوا: مَتَى؟ أَوْ حَتَّى نَنْظُرَ، قَالُوا: يَا أَنَسُ! أَهْرِقْهَا (٢). * سُؤَالُ الصَّحَابَةِ ﵃ عَن إِخوَانِهِمُ الذِينَ مَاتُوا: وَقَدْ أَشْكَلَ عَلَى الصَّحَابَةِ ﵃ أَمْرَ إِخْوَانِهِمُ الذِينَ مَاتُوا، وَكَانُوا يَشْرَبُونَهَا، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنِ البَرَاءِ ﵁ قَالَ: مَاتَ نَاسٌ مِنْ

стр. 1857

أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُمْ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، فَلَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُهَا، قَالَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : فكَيْفَ بِأَصْحَابِنَا الذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَهَا، فنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (١). * * *

стр. 1858

إِسْلامُ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ وَعَمْرِو بنِ العَاصِ وَعُثْمَانَ بنِ طَلْحَةَ ﵃ وَفِي صَفَرَ مِنَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ قَدِمَ خَالِدُ بنُ الوَليدِ، وَعَمْرُو بنُ العَاصِ، وَعُثْمَانُ بنُ طَلْحَةَ ﵃ إِلَى المَدِينَةِ لِيُسْلِمُوا، فَلَمَّا رَآهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: "رَمَتْكُمْ مَكَّةُ بِأَفْلَاذِ (١) أَكبَادِهَا" (٢). وَلْنَتْرُكْ عَمْرَو بنَ العَاصِ ﵁ يَرْوِي لَنَا خَبَرَ إِسْلَامِهِ كَمَا رَوَاهَا عَنْهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، قَالَ عَمْرٌو ﵁: لَمَّا انْصَرَفْنَا مِنَ الأَحْزَابِ عَنِ الخَنْدَق، جَمَعْتُ رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا يَرَوْنَ مَكَانِي، وَيَسْمَعُونَ مِنِّي، فَقُلْتُ لَهُمْ: تَعْلَمُونَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى أَمْرَ مُحَمَّدٍ يَعْلُو الأُمُورَ عُلوا كَبِيرًا، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَأْيًا، فَمَا ترَوْنَ فِيهِ؟ قَالُوا: وَمَا رَأَيْتَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ أَنْ نَلْحَقَ بِالنَّجَاشِيِّ، فَنَكُونَ عِنْدَهُ، فَإِنْ ظَهَرَ مُحَمَّدٌ عَلَى

стр. 1859

قَوْمِنَا، كُنَّا عِنْدَ النَّجَاشِيِّ، فَإِنَّا أَنْ نَكُونَ تَحْتَ يَدَيْهِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ أَنْ نَكُونَ تَحْتَ يَدَيْ مُحَمَّدٍ، وَإِنْ ظَهَرَ قَوْمُنَا فنَحْنُ مَنْ قَدْ عَرَفُوا، فَلَنْ يَأْتِينَا مِنْهُمْ إِلَّا خَيْرًا. فَقَالوا: إِنَّ هَذَا الرَّأْيُ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُمْ: فَاجْمَعُوا لَهُ مَا نُهْدِي لَهُ، وَكَانَ أَحَبَّ مَا يُهْدَى إِلَيْهِ مِنْ أَرْضِنَا الأُدُمُ (١)، فَجَمَعْنَا لَهُ أُدُمًا كَثِيرًا، فَخَرَجْنَا حَتَّى قَدِمْنَا عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّا لَعِنْدَهُ إِذْ جَاءَ عَمْرُو بنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ بَعَثَهُ إِلَيْهِ فِي شَأْنِ جَعْفَرَ وَأَصْحَابِهِ. قَالَ: فَدَخَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ. قَالَ: فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي: هَذَا عَمْرُو بنُ أُمَيَّةَ، لَوْ قَدْ دَخَلْتُ عَلَى النَّجَاشِيِّ فَسَأَلتهُ إِيَّاهُ فَأَعْطَانِيهِ، فَضَرَبْتُ عُنُقَهُ، فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي قَدْ أَجْزَأْتُ عَنْهَا حِينَ قَتَلْتُ رَسُولَ مُحَمَّدٍ. قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَسَجَدْتُ له كَمَا كُنْتُ أَصْنَعُ. فَقَالَ: مَرْحَبًا بِصَدِيقِي، أَهْدَيْتَ لِي مِنْ بِلَادِكَ شَيْئًا؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ أَيّها المَلِكُ، قَدْ أَهْدَيْتُ لَكَ أُدُمًا كَثِيرًا. قَالَ: ثُمَّ قَدَّمْتُهُ إِلَيْهِ، فَأَعْجَبَهُ وَاشْتَهَاهُ.

стр. 1860

ثُمَّ قُلْتُ له: أَيُّهَا المَلِكُ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا خَرَجَ مِنْ عِنْدِكَ، وَهُوَ رَسُولُ رَجُلٍ عَدُوِّ لَنَا، فَاَعْطِنِيهِ لِأَقْتُلَهُ، فَإِنَّهُ قَدْ أَصَابَ مِنْ أَشْرَافِنَا وَخِيَارِنَا. قَالَ عَمْرٌو: فَغَضِبَ النَّجَاشِيُّ، ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ فَضَرَبَ بِهَا أَنْفَهُ ضَرْبَةً ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ كَسَرَهُ، فَلَوْ انْشَقَّتْ لِيَ الأَرْضُ لَدَخَلْتُ فِيهَا فَرَقًا (١) مِنْهُ. ثُمَّ قُلْتُ: أَيُّهَا المَلِكُ، وَاللَّهِ لَوْ ظَنَنْتُ أَنَّكَ تَكْرَهُ هَذَا مَا سَأَلْتُكَهُ. فَقَالَ: أَتَسْأَلُنِي أَنْ أُعْطِيَكَ رَسُولَ رَجُلٍ يَأْتِيهِ النَّامُوسُ الأَكْبرُ (٢) الذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى لِتَقْتُلَهُ؟ ! فَقَالَ عَمْرٌو: أَيُّهَا المَلِكُ، أَكَذَاكَ هُوَ؟ فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا عَمْرُو، أَطِعْنِي وَاتْبَعْهُ، فَإِنَّهُ وَاللَّهِ لَعَلَى الحَقِّ، وَلَيَظْهَرَنَّ عَلَى مَنْ خَالفَهُ، كَمَا ظَهَرَ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ. فَقَالَ عَمْرٌو: فَبَايِعْنِي له عَلَى الإِسْلَامِ. قَالَ: نَعَمْ، فَبَسَطَ يَدَهُ وَبَايَعْتُهُ عَلَى الإِسْلَامِ، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى أَصْحَابِي، وَقَدْ حَالَ رَأْيِي عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، وَكتَمْتُ أَصْحَابِي إِسْلَامِي، ثُمَّ خَرَجْتُ عَامِدًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأُسْلِمَ، فَلَقِيتُ خَالِدَ بنَ الوَليدِ، وذَلِكَ قُبَيْلَ الفَتْحِ، وَهُوَ مُقْبِلٌ مِنْ مَكَّةَ، فَقُلْتُ: أَيْنَ يَا أَبَا سُلَيْمَانَ؟
следующие страницы →