← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

* سُرْعَةُ اسْتِجَابَةِ الصَّحَابَةِ ﵃ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: وَلَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ سَكَبَ الصَّحَابَةُ ﵃ الخُمُورَ التِي كَانَتْ عِنْدَهُمْ فَوْرًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ سَاقِيَ القَوْمَ يَوْمَ حُرِّمَتِ الخَمْرُ، قَالَ: وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ قَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَلَا إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، قَالَ: فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَانْظُرْ، قَالَ: فَخَرَجتُ فنَظَرْتُ، فَسَمِعْتُ مُنَادِيًا ينَادِي: أَلَا إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، قَالَ أَنَسٌ: فَأَخْبَرتُهُ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَأَهْرِقْهَا، قَالَ: فَجِئْتُ فَأَهْرَقْتُهَا (١). وَفِي رِوَايَةِ البُخَارِيِّ فِي الأَدَبِ المُفْرَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قَالَ أَنَسٌ ﵁: فَمَا قَالُوا: مَتَى؟ أَوْ حَتَّى نَنْظُرَ، قَالُوا: يَا أَنَسُ! أَهْرِقْهَا (٢). * سُؤَالُ الصَّحَابَةِ ﵃ عَن إِخوَانِهِمُ الذِينَ مَاتُوا: وَقَدْ أَشْكَلَ عَلَى الصَّحَابَةِ ﵃ أَمْرَ إِخْوَانِهِمُ الذِينَ مَاتُوا، وَكَانُوا يَشْرَبُونَهَا، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنِ البَرَاءِ ﵁ قَالَ: مَاتَ نَاسٌ مِنْ

стр. 1857

أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُمْ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، فَلَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُهَا، قَالَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : فكَيْفَ بِأَصْحَابِنَا الذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَهَا، فنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (١). * * *

стр. 1858

إِسْلامُ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ وَعَمْرِو بنِ العَاصِ وَعُثْمَانَ بنِ طَلْحَةَ ﵃ وَفِي صَفَرَ مِنَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ قَدِمَ خَالِدُ بنُ الوَليدِ، وَعَمْرُو بنُ العَاصِ، وَعُثْمَانُ بنُ طَلْحَةَ ﵃ إِلَى المَدِينَةِ لِيُسْلِمُوا، فَلَمَّا رَآهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: "رَمَتْكُمْ مَكَّةُ بِأَفْلَاذِ (١) أَكبَادِهَا" (٢). وَلْنَتْرُكْ عَمْرَو بنَ العَاصِ ﵁ يَرْوِي لَنَا خَبَرَ إِسْلَامِهِ كَمَا رَوَاهَا عَنْهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، قَالَ عَمْرٌو ﵁: لَمَّا انْصَرَفْنَا مِنَ الأَحْزَابِ عَنِ الخَنْدَق، جَمَعْتُ رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا يَرَوْنَ مَكَانِي، وَيَسْمَعُونَ مِنِّي، فَقُلْتُ لَهُمْ: تَعْلَمُونَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى أَمْرَ مُحَمَّدٍ يَعْلُو الأُمُورَ عُلوا كَبِيرًا، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَأْيًا، فَمَا ترَوْنَ فِيهِ؟ قَالُوا: وَمَا رَأَيْتَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ أَنْ نَلْحَقَ بِالنَّجَاشِيِّ، فَنَكُونَ عِنْدَهُ، فَإِنْ ظَهَرَ مُحَمَّدٌ عَلَى

стр. 1859

قَوْمِنَا، كُنَّا عِنْدَ النَّجَاشِيِّ، فَإِنَّا أَنْ نَكُونَ تَحْتَ يَدَيْهِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ أَنْ نَكُونَ تَحْتَ يَدَيْ مُحَمَّدٍ، وَإِنْ ظَهَرَ قَوْمُنَا فنَحْنُ مَنْ قَدْ عَرَفُوا، فَلَنْ يَأْتِينَا مِنْهُمْ إِلَّا خَيْرًا. فَقَالوا: إِنَّ هَذَا الرَّأْيُ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُمْ: فَاجْمَعُوا لَهُ مَا نُهْدِي لَهُ، وَكَانَ أَحَبَّ مَا يُهْدَى إِلَيْهِ مِنْ أَرْضِنَا الأُدُمُ (١)، فَجَمَعْنَا لَهُ أُدُمًا كَثِيرًا، فَخَرَجْنَا حَتَّى قَدِمْنَا عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّا لَعِنْدَهُ إِذْ جَاءَ عَمْرُو بنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ بَعَثَهُ إِلَيْهِ فِي شَأْنِ جَعْفَرَ وَأَصْحَابِهِ. قَالَ: فَدَخَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ. قَالَ: فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي: هَذَا عَمْرُو بنُ أُمَيَّةَ، لَوْ قَدْ دَخَلْتُ عَلَى النَّجَاشِيِّ فَسَأَلتهُ إِيَّاهُ فَأَعْطَانِيهِ، فَضَرَبْتُ عُنُقَهُ، فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي قَدْ أَجْزَأْتُ عَنْهَا حِينَ قَتَلْتُ رَسُولَ مُحَمَّدٍ. قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَسَجَدْتُ له كَمَا كُنْتُ أَصْنَعُ. فَقَالَ: مَرْحَبًا بِصَدِيقِي، أَهْدَيْتَ لِي مِنْ بِلَادِكَ شَيْئًا؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ أَيّها المَلِكُ، قَدْ أَهْدَيْتُ لَكَ أُدُمًا كَثِيرًا. قَالَ: ثُمَّ قَدَّمْتُهُ إِلَيْهِ، فَأَعْجَبَهُ وَاشْتَهَاهُ.

стр. 1860

ثُمَّ قُلْتُ له: أَيُّهَا المَلِكُ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا خَرَجَ مِنْ عِنْدِكَ، وَهُوَ رَسُولُ رَجُلٍ عَدُوِّ لَنَا، فَاَعْطِنِيهِ لِأَقْتُلَهُ، فَإِنَّهُ قَدْ أَصَابَ مِنْ أَشْرَافِنَا وَخِيَارِنَا. قَالَ عَمْرٌو: فَغَضِبَ النَّجَاشِيُّ، ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ فَضَرَبَ بِهَا أَنْفَهُ ضَرْبَةً ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ كَسَرَهُ، فَلَوْ انْشَقَّتْ لِيَ الأَرْضُ لَدَخَلْتُ فِيهَا فَرَقًا (١) مِنْهُ. ثُمَّ قُلْتُ: أَيُّهَا المَلِكُ، وَاللَّهِ لَوْ ظَنَنْتُ أَنَّكَ تَكْرَهُ هَذَا مَا سَأَلْتُكَهُ. فَقَالَ: أَتَسْأَلُنِي أَنْ أُعْطِيَكَ رَسُولَ رَجُلٍ يَأْتِيهِ النَّامُوسُ الأَكْبرُ (٢) الذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى لِتَقْتُلَهُ؟ ! فَقَالَ عَمْرٌو: أَيُّهَا المَلِكُ، أَكَذَاكَ هُوَ؟ فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا عَمْرُو، أَطِعْنِي وَاتْبَعْهُ، فَإِنَّهُ وَاللَّهِ لَعَلَى الحَقِّ، وَلَيَظْهَرَنَّ عَلَى مَنْ خَالفَهُ، كَمَا ظَهَرَ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ. فَقَالَ عَمْرٌو: فَبَايِعْنِي له عَلَى الإِسْلَامِ. قَالَ: نَعَمْ، فَبَسَطَ يَدَهُ وَبَايَعْتُهُ عَلَى الإِسْلَامِ، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى أَصْحَابِي، وَقَدْ حَالَ رَأْيِي عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، وَكتَمْتُ أَصْحَابِي إِسْلَامِي، ثُمَّ خَرَجْتُ عَامِدًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأُسْلِمَ، فَلَقِيتُ خَالِدَ بنَ الوَليدِ، وذَلِكَ قُبَيْلَ الفَتْحِ، وَهُوَ مُقْبِلٌ مِنْ مَكَّةَ، فَقُلْتُ: أَيْنَ يَا أَبَا سُلَيْمَانَ؟

стр. 1861

قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَقَامَ المَنْسِمُ (١)، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَنَبِيٌّ، أَذْهَبُ وَاللَّهِ أُسْلِمُ، فَحَتَّى مَتَى؟ قُلْتُ: وَاللَّهِ مَا جِئْتُ إِلَّا لِأُسْلِمَ. قَالَ عَمْرٌو: فَقَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَدِمَ خَالِدُ بنُ الوَليدِ، فَأَسْلَمَ وَبَايَعَ، ثُمَّ دَنَوْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ تَغْفِرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي. (٢) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا عَمْرُو، بَايع، فَإِنَّ الإِسْلَامَ يَجُبُّ (٣) مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَإِنَّ الهِجْرَةُ تَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهَا". قَالَ عَمْرٌو ﵁: فَبَايَعْتُهُ ثُمَّ انْصَرَفْتُ (٤) عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَسْلَمَ النَّاسُ، وَآمنَ عَمْرُو بنُ العَاصِ" (٥).

стр. 1862

قَالَ المبارَكْفُورِي: وَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُمْ -أَيْ مُسْلِمَةُ الفَتْحِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ- أَسْلَمُوا رَهْبَةً، وَآمَنَ عَمْرُو بنُ العَاصِ ﵁ رَغْبَةً، فَإنَّ الإِسْلَامَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَشُوبَهُ كَرَاهَةٌ، وَالإِيمَانُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ رَغْبَةٍ وَطَوَاعِيَةٍ (١). وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَمْرِو بنِ العَاصِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: . . . مَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنِي مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ؛ لِأنَي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنِي مِنْهُ (٢). وَلَمَّا أَسْلَمَ عَمْرٌو ﵁ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَرِّبهُ وَيُدْنِيهِ لِمَعْرِفَتِهِ وَشَجَاعَتِهِ، وَكَانَ ﵁ مِنْ رِجَالِ قُرَيْشٍ رَأْيًا، وَدَهَاءً، وَحَزْمًا، وَكَفَاءَةً، وَبَصَرًا بِالحُرُوبِ، وَمِنْ أَشْرَافِ مُلُوكِ العَرَبِ، وَمِنْ أَعْيَانِ المُهَاجِرِينَ، وَكَانَ مِمَّنْ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ فِي الدَّهَاءَ، وَالفِطْنَةِ وَالحَزْمِ (٣). * وَفَاةُ عَمْرِو بنِ العَاصِ ﵁ -: وَتُوُفِّيَ عَمْرُو بنُ العَاصِ ﵁ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ لِلْهِجْرَةِ، وَعُمْرُهُ بِضْعٌ وثَمَانُونَ سَنَةً، مَا بَلَغَ التِّسْعِينَ ﵁، وَخَلَّفَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً، وَعَبِيدًا، وَعَقَارًا (٤).

стр. 1863

أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ شُمَاسَةَ المَهْرِيِّ قَالَ: حَضَرْنَا عَمْرَو بنَ العَاصِ وَهُوَ فِي سِيَاقَةِ المَوْتِ، فبكَى طَوِيلًا وَحَوَّل وَجْهَهُ إِلَى الجِدَارِ، فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَذَا؟ ، أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَذَا؟ . قَالَ: فَأَقْتلَ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ (١) ثَلَاثٍ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَشَدَّ بُغْضًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنِّي، وَلَا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ قَدِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَقتَلْتُهُ، فَلَوْ مِتُّ عَلَى تِلْكَ الحَالِ لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الإِسْلَامَ فِي قَلْبِي، أَتيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلِأبايِعُكَ، فبسَطَ يَمِينَهُ، قَالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي، فَقَالَ ﷺ : "مَالَكَ يَا عَمْرُو؟ " قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ. قَالَ ﷺ : "تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟ ". قَالَ: أَنْ يُغْفَرَ لِي. فَقَالَ ﷺ : "أمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ وَأَنَّ الهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا؟ وَأَنَّ الحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ". قَالَ عَمْرٌو: وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا أَجَلَّ فِي

стр. 1864

عَيْنِي مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنِي مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ؛ لِأنَي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنِي مِنْهُ، وَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الحَالِ لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ وَلينَا أَشْيَاءَ مَا أَدْرِي مَا حَالِي فِيهَا، فَإِذَا أَنَا مُتُّ، فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ وَلَا نَارٌ، فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا (١) عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ (٢)، وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا، حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ، وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجعُ بِهِ رُسُلَ رَبَي (٣). * قِصَّةُ إِسْلَامِ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ ﵁ -: وَأَمَّا خَالِدُ بنُ الوَليدِ للَّه، فَقَدْ أَخْرَجَ قِصَّةَ إِسْلَامِهِ البَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، قَالَ خَالِدٌ ﵁ وَهُوَ يتحَدَّثُ عَنْ قِصَّةِ إِسْلَامِهِ: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ مَا أَرَادَ بِي مِنَ الخَيْرِ، قَذَفَ فِي قَلْبِي الإِسْلَامَ، وَحَضَرَنِي رُشْدِي، وَقُلْتُ: قَدْ شَهِدْتُ هَذِهِ المَوَاطِنَ كُلَّهَا عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَلَيْسَ مَوْطِنٌ أَشْهَدُهُ إِلَّا أَنْصَرِفُ وَأَنا أَرَى فِي نَفْسِي أني مُوضِعٌ فِي غَيْرِ شَيْءٍ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ سَيَظْهَرُ، فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الحُدَيْبِيَةِ، خَرَجْتُ فِي خَيْلِ المُشْرِكِينَ، فَلَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي أَصْحَابِهِ بِعُسْفَانَ، فَقُمْتُ بِإِزَائِهِ، وَتَعَرَّضْتُ له، فَصلَّى بِأَصْحَابِهِ

стр. 1865

الظُّهْرَ أَمَامَنَا، فَهَمَمْنَا أَنْ نُغِيرَ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَمْ يُعْزَمْ لَنَا، وَكَانَتْ فِيهِ خِيرَةٌ، فَأُطْلِعَ عَلَى مَا فِي أَنْفُسِنَا مِنَ الهُمُومِ، فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ العَصْرِ صَلَاةَ الخَوْفِ، فَوَقَعَ ذَلِكَ مِنَّا مَوْقِعًا، وَقُلْتُ: الرَّجُلُ مَمْنُوعٌ، فَافْتَرَقْنَا، وَأَخَذْتُ ذَاتَ اليَمِينِ، فَلَمَّا صَالَحَ قُرَيْشًا بِالحُدَيْبِيَةِ، قُلْتُ فِي نَفْسِي: أَيُّ شَيْءٍ بَقِيَ؟ أَيْنَ المَذْهَبُ إِلَى النَّجَاشِيِّ، فَقَدْ اتَّبَعَ مُحَمَّدًا، وَأَصْحَابُهُ عِنْدَهُ آمِنُونَ، فَأَخْرُجُ إِلَى هِرَقْلَ، فَأَخْرُجُ مِنْ دِيني إِلَى نَصْرَانِيَّةٍ أَوْ يَهُودِيَّةٍ، فَأُقِيمُ مَعَ عَجَمٍ تَابعٍ مَعَ عَيْبِ ذَلِكَ، أَوْ أُقِيمُ فِي دَارِي فِيمَنْ بَقِيَ. فَأَنَا عَلَى ذَلِكَ إِذْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي عُمْرَةِ القَضِيَّةِ، فتَغَيَّبْتُ، وَلَمْ أَشْهَدْ دُخُوله، فَكَانَ أَخِي الوَلِيدُ (١) قَدْ دَخَلَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي عُمْرَةِ القَضِيَّةِ، فَطَلَبَنِي فَلَمْ يَجِدْنِي، وَكتَبَ إِلَيَّ كِتَابًا فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَمَّا بَعْدُ: فَإنِّي لَمْ أَرَ أَعْجَبَ مِنْ ذَهَابِ رَأْيِكَ عَنِ الإِسْلَامِ وَعَقْلُكَ عَقَلَكَ، وَمِثْلُ الإِسْلَامِ يَجْهَلُهُ أَحَدٌ؟ قَدْ سَأَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْكَ، فَقَالَ: "أَيْنَ خَالِدٌ؟ "، فَقُلْتُ: يَأْتِي اللَّهُ بِهِ، فَقَالَ ﷺ : "مَا مِثْله يَجْهَلُ الإِسْلَامَ، وَلَوْ كَانَ جَعَلَ نِكَايَتَهُ وَجِدَّهُ المُسْلِمِينَ عَلَى المُشْرِكِينَ كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلقدَّمْنَاهُ عَلَى غَيْرِهِ"، فَاسْتَدْرِكْ

стр. 1866

يَا أَخِي مَا قَدْ فَاتَكَ، وَقَدْ فَاتَتْكَ مَوَاطِنُ صَالِحَةٌ. قَالَ خَالِدٌ: فَلَمَّا جَاءَنِي كِتَابُهُ نَشَطْتُ لِلْخُرُوجِ، وَزَادَنِي رَغْبَةً فِي الإِسْلَامِ وَسُّرِّيَ (١) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنِّي فِي بِلَادٍ ضَيِّقَة جَدْبَةٍ، فَخَرَجْتُ إِلَى بِلَادٍ خَضْرَاءَ وَاسِعَةٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ هَذِهِ لَرُؤْيَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ، قُلْتُ لَأَذْكُرَنَّهَا لِأَبِي بَكْرٍ (٢) فَذَكَرْتُهَا، فَقَالَ: هُوَ مَخْرَجُكَ الذِي هَدَاكَ اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ، وَالضِّيقُ الذِي كُنْتَ فِيهِ الشِّرْكُ. فَلَمَّا أَجْمَعْتُ الخُرُوجَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قُلْتُ مَنْ أُصَاحِبُ إِلَى مُحَمَّدٍ؟ ، فَلَقِيتُ صَفْوَانَ بنَ أُمَيَّةَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا وَهْبٍ، أَمَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ، وَقَدْ ظَهَرَ مُحَمَّدٌ عَلَى العَرَبِ وَالعَجَمِ، فَلَوْ قَدِمْنَا عَلَى مُحَمَّدٍ فَاتَّبَعْنَاهُ، فَإِنَّ شَرَفَ مُحَمَّدٍ لَنَا شَرَفٌ، فَأَبَى أَشَدَّ الإِبَاءِ، وَقَالَ لِي: لَوْ لَمْ يبقَ غَيْرِي مَا اتَّبعْتُهُ أَبَدًا. فَافْتَرَقْنَا، وَقُلْتُ: هَذَا رَجُلٌ قُتِلَ أَخُوهُ وَأَبُوهُ بِبَدْرٍ، فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ بنَ أَبِي جَهْلٍ، فَقُلْتُ له مِثْلَ مَا قُلْتُ لِصَفْوَانَ بنِ أُمَيَّةَ، فَقَالَ لِي مِثْلَ مَا قَالَ صَفْوَانُ. قَالَ: فَخَرَجْتُ إِلَى مَنْزِلي، فَأَمَرْتُ بِرَاحِلَتِي تُخْرَجُ، فَلَقِيتُ عُثْمَانَ بنَ طَلْحَةَ، فَذَكَرْتُ له مَا صَارَ الأَمْرُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: إِنَّمَا نَحْنُ بِمَنْزِلَةِ ثَعْلَبٍ فِي جُحْرٍ لَوْ صُبَّ فِيهِ ذَنُوبٌ (٣) مِنْ مَاءٍ خَرَجَ، وَقُلْتُ لَهُ نَحْوًا مِمَّا قُلْتُ لِصفْوَانَ بنِ أُمَيَّةَ

стр. 1867

وَعِكْرِمَةَ بنِ أَبِي جَهْلٍ، فَأَسْرَعَ الإِجَابَةَ وَقَالَ: إِنِّي غَدَوْتُ اليَوْمَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَغْدُوَ وَهَذِهِ رَاحِلَتِي. قَالَ خَالِدٌ ﵁: فَاتَّعَدْتُ (١) أنا وَهُوَ بِيَأْجَجَ (٢) إِنْ سَبَقَنِي أَقامَ وَإِنْ سَبَقْتُهُ أَقمْتُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَأَدْلَجْنَا (٣) سَحَرًا فَلَمْ يَطْلُعِ الفَجْرُ حَتَّى الْتَقَيْنَا بِيَأجَجَ، فَغَدَوْنَا حَتَّى انتهَيْنَا إِلَى الهَدَأَةِ (٤) فنَجِدُ عَمْرَو بنَ العَاصِ بِهَا، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالقَوْمِ، فَقُلْنَا: وَبِكَ، قَالَ: أَيْنَ مَسِيرُكُمْ؟ مَا أَخْرَجَكُمْ؟ . قُلْنَا: مَا أَخْرَجَنَا إِلَّا الدُّخُولُ فِي الإِسْلَامِ، وَاتِّبَاعُ مُحَمَّدٍ ﷺ . فَقَالَ عَمْرٌو: وَذَاكَ الذِي أَقْدَمَنِي. قَالَ خَالِدٌ: فَاصْطَحَبْنَا جَمِيعًا حَتَّى دَخَلْنَا المَدِينَةَ، فَانَخْنَا (٥) بِظَهْرِ الحَرَّةِ رِكَابَنَا (٦)، فَأُخْبِرَ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَسُرَّ بِنَا، فَلَبِسْتُ مِنْ صَالِحِ ثِيَابِي، ثُمَّ عَمَدْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَقِيَنِي أَخِي (٧) فَقَالَ: أَسْرعْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُخْبِرَ بِكَ، فَسُرَّ بِقُدُومِكَ، وَهُوَ يَنْتَظِرُكُمْ، فَأَسْرَعْنَا المَشْيَ، فَاطَّلَعْتُ عَلَيْهِ فَمَا زَالَ ﷺ يَتْبَسِمُ إِلَيَّ حَتَّى وَقَفْتُ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ، فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ

стр. 1868

بِوَجْهٍ طَلْقٍ، فَقُلْتُ: إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الحَمْدُ للَّهِ الذِي هَدَاكَ، قَدْ كُنْتُ أَرَى لَكَ عَقْلًا رَجَوْتُ أَنْ لَا يُسْلِمَكَ إِلَّا إِلَى خَيْر". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ رَأَيْتَ مَا كُنْتُ أَشْهَدُ مِنْ تِلْكَ المَوَاطِنِ عَلَيْكَ مُعَانِدًا عَنِ الحَقِّ، فَادْعُ اللَّهَ يَغْفِرَهَا لِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِخَالِدِ بنِ الوَليدِ كُلَّ مَا أَوْضَعَ فِيهِ مِنْ صَدٍّ عَنْ سَبِيلِكَ". قَالَ خَالِدٌ: وَتَقَدَّمَ عَمْرُو بنُ العَاصِ، وَعُثْمَانُ بنُ طَلْحَةَ فبايَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ قُدُومُنَا فِي صَفَرَ سَنَةَ ثَمَانٍ، فَوَاللَّهِ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ يَوْمِ أَسْلَمْتُ يَعْدِلُ بِي أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ (١). * مَنَاقِبُ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ ﵁ -: وَمَنَاقِبُ خَالِدِ بنِ الوَليدِ ﵁ كَثِيرَةٌ وَغَزِيرَةٌ، فَقَدْ شَهِدَ الفَتْحَ وَحُنَيْنًا، وَتَأَمَّرَ فِي أَيَّامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَاحْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَلَأْمَتَهُ (٢) فِي سَبِيلِ اللَّهِ (٣)،

стр. 1869

وَحَارَبَ أَهْلَ الرِّدَّةِ، وَمُسَيْلَمَةَ الكَذَّابَ، وَغَزَا العِرَاقَ، وَشَهِدَ حُرُوبَ الشَّامِ، وَلَمْ يبقَ فِي جَسَدِهِ قِيدُ شِبْرٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ طَابَعُ الشُّهَدَاءَ، وَعَاشَ ﵁ سِتِّينَ سَنَةً، وَقتَلَ جَمَاعَةً مِنَ الأَبْطَالِ، وَمَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَلَا قَرَّتْ أَعْيُنُ الجُبنَاءَ (١). رَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُؤْذُوا خَالِدًا، فَإِنَّهُ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ صَبَّهُ اللَّهُ عَلَى الكُفَّارِ" (٢). وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ خَالِدٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: مَا لَيْلَةٌ تُهْدَى إِلَيَّ فِيهَا عَرُوسٌ أَنَا لَهَا مُحِبٌّ، أَوْ أُبَشَّرُ فِيهَا بِغُلَامٍ، بِأَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ لَيْلَةٍ شَدِيدَةِ الجَلِيدِ فِي سَرِيَّةٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ أُصَبِّحُ بِهَا العَدُوَّ (٣). وَعَنْ قَيْسِ بنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ خَالِدًا يَقُولُ: لَقَدْ مَنَعَنِي كَثِيرًا مِنْ قِرَاءَةِ القُرْآنِ، الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (٤).

стр. 1870

* وَفَاةُ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ ﵁ -: وَتُوُفِّيَ ﵁ عَلَى فِرَاشِهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ المُبَارَكِ فِي كِتَابِ الجِهَادِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ خَالِدًاا لوَفَاةُ قَالَ: لَقَدْ طَلَبْتُ القَتْلَ مِنْ مَظَانِّهِ (١)، فَلَمْ يُقَدَّرْ لِي إِلَّا أَنْ أَمُوتَ عَلَى فِرَاشِي (٢)، وَمَا مِنْ عَمَلِي شَيْءٌ أَرْجَى عِنْدِي بَعْدَ: أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِنْ لَيْلَةٍ بِتُّهَا وَأَنَا مُتَتَرِّسٌ، وَالسَّمَاءُ تُهِلُنِي (٣) تُمْطِرُ إِلَى صُبْحٍ، حَتَّى نُغِيرَ عَلَى الكُفَّارِ، ثُمَّ قَالَ: إِذَا أَنَا مُتُّ، فَانْظُرُوا فِي سِلَاحِي وَفَرَسِي، فَاجْعَلُوهُ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ (٤). * أَيْنَ كَانَتْ وَفَاةُ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ ﵁ -؟ : أَمَّا مَكَانُ وَفَاتِهِ ﵁، فَقَدِ اضْطَرَبَتِ الرِّوَايَاتُ فِي تَحْدِيدِ مَكَانِ وَفَاتِهِ ﵁، وَالذِي تَمِيلُ إِلَيْهِ النَّفْسُ أنه تُوُفِّيَ ﵁ بِالمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَلَيْسَ بِحِمْصَ، لِمَا يَأْتِي: ١ - قَالَ ابنُ المبارَكِ فِي كِتَابِ الجِهَادِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ حَمَّادِ بنِ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ المُخْتَارِ، عَنْ عَاصِمِ بنِ بَهْدَلة، عَنْ أَبِي وَائِلٍ -ثُمَّ شَكَّ حَمَّادٌ فِي أَبِي وَائِلٍ- قَالَ: . . . فَلَمَّا تُوُفِّيَ -أَيْ خَالِد ﵁ خَرَجَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ فِي

стр. 1871

جَنَازَيهِ، فَقَالَ: مَا عَلَى نِسَاءَ آلِ الوَليدِ أَنْ يَسْفَحْنَ (١) عَلَى خَالِدٍ دُمُوعَهُنَّ مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعًا (٢) أَوْ لَقْلَقَةً (٣). ٢ - ذَكَرَ أَبُو حُذَيْفَةَ فِي "المُبْتَدَأ وَالفُتُوحِ" عَنْ مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَاقَ: لَمَّا مَاتَ خَالِدُ بنُ الوَليدِ ﵁، خَرَجَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ فِي جَنَازَتِهِ، فَإِذَا أُمُّهُ تَنْدُبُهُ (٤) وَتَقُولُ: أَنْتَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ أَلْفٍ مِنَ القَوْمِ ... إِذَا مَا كُنْتَ وُجُوهِ الرِّجَالِ (٥) ٣ - وَرَوَى ابنُ سَعْدٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ كَثِيرِ بنِ هِشَامٍ، عَنْ جَعْفَرَ بنِ بَرْقَانَ، عَنْ يَزِيدَ بنِ الأَصَمِّ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ خَالِدُ بنُ الوَليدِ ﵁ بَكَتْ عَلَيْهِ أُمُّهُ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا أُمَّ خَالِدٍ، أَخَالِدًا أَوْ أَجْرَهُ تَرْزَئِينَ (٦)؟ عَزَمْتُ عَلَيْكِ إِلَّا تَثْبُتِ، حَتَّى تَسْوَدَّ يَدُكِ مِنَ الخِضَابِ (٧). ٤ - عَلَّقَ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁: دَعْهُنَّ يَبْكِينَ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ، مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ أَوْ لَقْلَقَةٌ (٨).

стр. 1872

قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: هَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ المُصَنِّفُ -أَي البُخَارِيُّ- فِي تَارِيخِهِ الأَوْسَطِ، مِنْ طَرِيقِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: لَمَّا مَاتَ خَالِدٌ، اجْتَمَعَ نِسْوَةُ بَنِي المُغِيرَةِ يَبْكِينَ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لِعُمَرَ: أَرْسِلْ إِلَيْهِنَّ فَإِنْهَهُنَّ، فَذَكَرَهُ (١). ٥ - رَوَى الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ نُمَيْرٍ قَالَ: كَانَ خَالِدٌ يُكَنَّى أَبَا سُلَيْمَانَ، اسْتَعْمَلَهُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ عَلَى الرَّهَا وَحُرَّانَ وَالرَّتَّةِ وَآمِدَ (٢)، فَمَكَثَ سَنَةً، وَاسْتَعْفَى فَأَعْفَاهُ عُمَرُ ﵁، فَقَدِمَ المَدِينَةَ، فَأَقَامَ بِهَا فِي مَنْزِلهِ حَتَّى مَاتَ بِالمَدِينَةِ (٣). قَالَ الحَافِظُ فِي الإِصَابَةِ: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَاتَ ﵁ بِالمَدِينَةِ (٤). وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَ عِدَّةَ أَخْبَارٍ: وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يَقْتَضِي مَوْتَهُ ﵁ بِالمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ دُحَيْمُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ، وَلَكِنَّ المَشْهُورَ عَنِ الجُمْهُورِ أَنَّهُ مَاتَ بِحِمْصَ (٥). وَكَانَتْ وَفَاتُهُ ﵁ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ مِنَ الهِجْرَةِ (٦).

стр. 1873

* شَأْنُ عُثْمَانَ بنِ طَلْحَةَ ﵁ -: وَأَمَّا عُثْمَانُ بنُ طَلْحَةَ ﵁ فَهُوَ حَاجِبُ (١) الكَعْبَةِ، قُتِلَ أبُوهُ طَلْحَةُ وَعَمُّهُ عُثْمَانُ بنُ أَبِي طَلْحَةَ جَمِيعًا يَوْمَ أُحُدٍ كَافِرَيْنِ، وَأَقَامَ عُثْمَانُ ﵁ بِالمَدِينَةِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْتَقَلَ إِلَى مَكَّةَ، فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ مَعْرَكَةِ أَجْنَادِينَ (٢). * * *

стр. 1874

سَرِيَّةُ غَالِبِ بنِ عَبد اللَّهِ إِلَى بَنِي المُلَوِّحِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَفَرَ سَنَةَ ثَمَانٍ لِلْهِجْرَةِ غَالِبَ بنَ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثيَّ ﵁ فِي بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا إِلَى بَنِي المُلَوِّحِ بِالكَدِيدِ (١)، وَهُمْ مِنْ بَنِي لَيْثٍ، فَخَرَجَ المُسْلِمُونَ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِقُدَيْدٍ (٢) لَقُوا الحَارِثَ بنَ مَالِكٍ، وَهُوَ ابْنُ البَرْصَاءَ اللَّيْثِيُّ، فَأَسَرُوهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا خَرَجْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ أُرِيدُ الإِسْلَامَ، فَقَالُوا لَهُ: إِنْ تَكُ مُسْلِمًا فَلَنْ يَضُرَّكَ رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ اسْتَوْثَقْنَا مِنْكَ، فَأَوْثَقُوهُ رِبَاطًا، وَخَلَّفُوا عَلَيْهِ رَجُلًا أَسْوَدَ كَانَ مَعَهُمْ، وَقَالُوا له -أَيْ لِلْعَبْدِ الأَسْوَدِ-: امْكُثْ مَعَهُ حَتَّى نَمُرَّ عَلَيْكَ، فَإِنْ نَازَعَكَ، فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ. قَالَ جُنْدُبُ بنُ مَكِيثٍ (٣) الجُهَنِيُّ ﵁: ثُمَّ مَضَيْنَا حَتَّى أَتيْنَا بَطْنَ الكَدِيدِ، فَنَزَلْنَا عُشَيْشِيَّةٍ (٤) بَعْدَ العَصْر، فبعَثَنِي أَصْحَابِي رَبيئَةً (٥) لَهُمْ، فَعَمَدْتُ إِلَى تَلٍّ

стр. 1875

يُطْلِعُنِي عَلَى الحَاضِرِ (١)، فَانْبَطَحْتُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ المَغْرِبُ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَنَظَرَ، فَرَآنِي مُنْبَطِحًا عَلَى التَلِّ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى عَلَى هَذَا التَّلِّ سَوَادًا مَا رَأَيْتُهُ أَوَّلَ النَّهَارِ، فَانْظُرِي لَا تَكُونُ الكِلَابُ اجْتَرَّتْ بَعْضَ أَوْعِيَتِكِ، قَالَ: فنَظَرَتْ، فَقَالَتْ: لَا وَاللَّهِ مَا أَفْقِدُ شَيْئًا، فَقَالَ لَهَا: فنَاوِلِينِي قَوْسِي وَسَهْمَيْنِ مِنْ كِنَانَتِي، قَالَ: فَنَاوَلتهُ، فَرَمَانِي بِسَهْمٍ فَوَضَعَهُ فِي جَنْبِي، قَالَ فنَزَعْتُهُ فَوَضَعْتُهُ وَلَمْ أَتَحَرَّكْ، ثُمَّ رَمَانِي آخَرَ، فَوَضَعَهُ فِي رَأْسِ مَنْكبِي، فَنَزَعْتُهُ، فَوَضَعْتُهُ وَلَمْ أَتَحَرَّكْ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: وَاللَّهِ لَقَدْ خَالَطَهُ (٢) سَهْمَايَ، وَلَوْ كَانَ زَائِلَةً (٣) لَتَحَرَّكَ، فَإِذَا أَصْبَحْتِ فَابْتَغِي سَهْمَيَّ، فَخُذِيهِمَا، لَا تَمْضَغُهُمَا عَلَيَّ الكِلَابُ. قَالَ جُنْدُبُ بنُ مَكِيثٌ الجُهَنِيُّ ﵁: وَأَمْهَلْنَاهُمْ حَتَّى رَاحَتْ رَائِحَتُهُمْ (٤)، حَتَّى إِذَا احْتَلَبُوا وَعَطَّنُوا (٥)، أَوْ سَكَنُوا، وَذَهَبَتْ عَتَمَةٌ (٦) مِنَ اللَّيْلِ، شَنَنَّا عَلَيْهِمُ الغَارَةَ، فَقتَلْنَا مَنْ قَتَلَنَا مِنْهُمْ، وَاسْتَقْنَا النَّعَمَ، فتَوَجَّهْنَا قَافِلِينَ، وَخَرَجَ صَرِيخُ القَوْمِ إِلَى قَوْمِهِمْ مُغَوِّثًا، وَخَرَجْنَا سِرَاعًا، حَتَّى نَمُرَّ بِالحَارِثِ بنِ البَرْصَاءِ وَصَاحِبِهِ، فَانْطَلَقْنَا بِهِ مَعَنَا، وَأَدْرَكَنَا القَوْمُ حَتَّى قَرُبُوا مِنَّا، حَتَّى إِذَا لَمْ يَكُنْ

стр. 1876

بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ إِلَّا بَطْنُ الوَادِي، أَقْتلَ سَيْل حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ شَاءَ، مَا رَأَيْنَا قَبْلَ ذَلِكَ مَطَرًا وَلَا سَحَابًا، فَجَاءَ بِمَا لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ، فَلَقَدْ رَأَيْنَاهُمْ وُقُوفًا يَنْظُرُونَ إِلَيْنَا مَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يتقَدَّمَ، وَنَحْنُ نَسُوقُ نَعَمَهُمْ مَا يَسْتَطِيعُ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يُجِيزَ إِلَيْنَا، وَنَحْنُ نَحْدُوهَا (١) سِرَاعًا حَتَّى فُتَنَاهُمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى طَلَبِنَا، فَقَدِمْنَا بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ (٢). * * *

стр. 1877

سَرِيَّةُ غَالِبِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ إلى مُصَابِ أَصْحَابِ بَشِيرِ بنِ سَعْدٍ بفَدَكَ وَلَمَّا رَجَعَ غَالِبُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ مِنَ الكَدِيدِ مُؤَيَّدًا بِنَصْرِ اللَّهِ لَهُ، بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَفَرَ إِلَى حَيْثُ أُصِيبَ أَصْحَابُ بَشِيرِ بنِ سَعْدٍ ﵁، وَذَلِكَ فِي بَنِي مُرَّةَ نَاحِيَةَ فَدَكَ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ قُدُومِ غَالِبٍ ﵁، هَيَّأَ الزُّبَيْرَ بنَ العَوَّامِ ﵁ لِذَلِكَ، وَجَهَّزَ مَعَهُ مِائتَيْ رَجُلٍ، وَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً، فَلَمَّا قَدِمَ غَالِبٌ ﵁، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلزُّبَيْرِ: "اجْلِسْ"، وَبَعَثَ غَالِبًا ﵁ فِي مِائتَيْ رَجُلٍ، سَمَّى ابْنَ سَعْدٍ مِنْهُمْ: عُلْبَةَ بنَ زَيْدٍ، وَأَبَا مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بنَ عَمْرٍو، وَكَعبَ بنَ عُجْرَةَ، وَأُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ، وَحُوَيِّصَةَ، وَأَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵃، فَأَغَارُوا عَلَيْهِمْ مَعَ الصُّبْحِ، وَكَانَ غَالِبٌ ﵁ قَدْ أَوْصَاهُمْ بِعَدَمِ مُخَالفَتِهِمْ لَهُ، وَآخَى بَيْنَ القَوْمِ، فَأَصَابُوا مِنْهُمْ نَعَمًا، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ قَتْلَى (١). وَوَقَعَ عِنْدَ البَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ (٢) أَنَّ فِي هَذِهِ السَّرِيَّةِ قتَلَ أُسَامَةُ ﵁ مِرْدَاسَ بنَ نُهَيْكٍ الذِي قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.

стр. 1878

وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي سَرِيَّةِ غَالِبِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثيِّ إِلَى المِيفَعَةِ أَوِ الحُرُقَاتِ -كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ-. * * *

стр. 1879

سَرِيَّةُ شُجَاعِ بنِ وَهْبٍ ﵁ إِلَى بَني عَامِرٍ بِالسِّيِّ (١) وَفي رَبِيعٍ الأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شُجَاعَ بنَ وَهْبٍ الأَسَدِيَّ ﵁، فِي أَرْبَعَة وَعِشْرِينَ رَجُلًا إِلَى جَمْع مِنْ هَوَازِنَ، يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَامِرٍ بِالسِّيِّ، وَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُغِيرَ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ ﵁، فَكَانَ يَسِيرُ اللَّيْلَ وَيَكْمُنُ (٢) بِالنَّهَارِ حَتَّى صَبَّحَهُمْ وَهُمْ غَافِلُونَ، وَقَدْ نَهَى أَصْحَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ أَنْ يُمْعِنُوا (٣) فِي الطَّلَبِ، فَأَصَابُوا نَعَما كَثِيرًا وَشَاءً، فَاسْتَاقُوا ذَلِكَ كُلَّهُ حَتَّى قَدِمُوا المَدِينَةَ، وَكَانَ فِي السَّبْي جَارِيَةٌ وَضِيئَةٌ، فَأَخَذَهَا شُجَاعُ بنُ وَهْب ﵁ لِنَفْسِهِ بِثَمَنٍ، فَأَصَابَهَا، فَلَمَّا قَدِمُوا المَدِينَةَ خَيَّرَهَا فَاخْتَارَتِ المُقَامَ عِنْدَهُ، وَكَانَتْ غَيْبَتُهُمْ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَكَانَتْ سِهْمَانُهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ بَعِيرًا لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، وَعَدَلُوا البَعِيرَ بِعَشْرٍ مِنَ الغَنَمِ (٤). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ (٥): وَقَدْ تَكُونُ هَذِهِ السَّرِيَّةُ هِيَ المَذْكُورَةُ فِي

стр. 1880

الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً إِلَى نَجْدٍ فَخَرَجْتُ فِيهَا، فَأَصَبْنَا إِبِلًا وَغَنَمًا، فبلَغَتْ سُهْمَانُنَا اثْنَى عَشَرَ بَعِيرًا، اثْنَى عَشَرَ بَعِيرًا (١) * * *

стр. 1881

سَرِيَّةُ كَعْبِ بن عُمَيْرٍ ﵁ إِلَى ذَاتِ أَطْلاحٍ وَفِي شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ ثَمَانٍ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَعْبَ بنَ عُمَيْرٍ الغِفَارِيَّ ﵁ إِلَى ذَاتِ أَطْلَاحٍ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّامِ وَرَاءَ وَادِي القُرَى فِي خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَسَارَ، فَكَانَ يَكْمُنُ بِالنَّهَارِ وَيَسِيرُ بِاللَّيْلِ، حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُمْ رَآهُ عَيْنٌ لَهُمْ، فَأَخْبَرَ قَوْمَهُ بِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ، فَلَمَّا انْتَهَى المُسْلِمُونَ إِلَى ذَاتِ أَطْلَاحٍ وَجَدُوا جَمْعًا كَثِيرًا، فَدَعَوْهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ، وَرَشَقُوهُمْ (١) النَّبْلِ، فَلَمَّا رَأَى المُسْلِمُونَ ذَلِكَ قَاتَلُوهُمْ أَشَدَّ القِتَالِ حَتَّى قُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا اسْتَطَاعَ أَنْ يُفْلِتَ مِنْهُمْ، وَقِيلَ جُرِحَ، فَلَمَّا بَرَدَ (٢) عَلَيْهِ اللَّيْلُ تَحَامَلَ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ الخَبَرَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٣). * * *

стр. 1882

غَزْوَةُ (١) مُؤْتَةَ (٢) حَدَثَتْ هَذِهِ الغَزْوَةُ العَظِيمَةُ فِي جُمَادَى الأُولَى سَنَةَ ثَمَانٍ لِلْهِجْرَةِ (٣). * سَبَبُ هَذِهِ الغَزْوَةِ العَظِيمَةِ: وَسَبَبُ هَذِهِ الغَزْوَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ بَعَثَ الحَارِثَ بنَ عُمَيْرٍ الأَزْدِيَّ ﵁، بِكِتَابِهِ إِلَى مَلِكِ بُصْرَى، فَعَرَضَ لَهُ وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ شُرَحْبِيلُ بنُ عَمْرٍو الغَسَّانِيُّ -وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى البَلْقَاءِ (٤) مِنْ أَرْضِ الشَّامِ مِنْ قِبَلِ قَيْصَرَ- فَقَالَ لَهُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ فَقَالَ الحَارِثُ بنُ عُمَيْرٍ ﵁: الشَّامَ، قَالَ: فَلَعَلَّكَ مِنْ رُسُلِ مُحَمَّدٍ؟

стр. 1883

فَقَالَ: نَعَمْ. فَأَمَرَ بِهِ، فَأَوْثِقَ رِبَاطًا، ثُمَّ قَدَّمَهُ فَضَرَبَ عُنقهُ صَبْرًا (١)، وَلَمْ يُقْتَلْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَيْرُهُ (٢). وَكَانَ قَتْلُ السُّفَرَاءِ وَالرُّسُلِ مِنْ أَشْنَعِ الجَرَائِمِ، فَقَدْ جَرَتِ العَادَةُ وَالعُرْفُ بِعَدَمِ قتلِهِمْ أَوِ التَّعَرُّضِ لَهُمْ (٣)، فَكَانَتْ هَذِهِ الحَادِثَةُ بِمَثَابَةِ إِعْلَانِ حَالَةِ الحَرْبِ عَلَى المُسْلِمِينَ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَلَغَهُ الخَبَرُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ نَدَبَ (٤) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ لِقِتَالِ الغَسَاسِنَةِ، فَتَجَهَّزَ النَّاسُ ثُمَّ تَهَيَّأُوا لِلْخُرُوجِ، فَكَانَ قِوَامُ الجَيْشِ الذِي خَرَجَ فِي هَذِهِ الغَزْوَةِ ثَلَاثَةُ آلَافِ مُقَاتِلٍ، وَهُوَ أَكْبَرُ جَيْشٍ إِسْلَاميٍّ، لَمْ يَجْتَمعْ قَبْلَ ذَلِكَ إِلَّا فِي غَزْوَةِ الأَحْزَابِ (٥).

стр. 1884

* أُمُرَاءُ الجَيْشِ وَوَصِيَّةُ الرَّسُولِ ﷺ لِلْأُمَرَاءِ: وَأَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى هَذَا الجَيْشِ مَوْلَاهُ زَيْدَ بنَ حَارِثَةَ ﵁، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَلَيْكُمْ زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ، فَإِنْ أُصِيبَ زَيْدٌ، فَجَعْفَر، فَإِنْ أُصِيبَ جَعْفَرٌ، فَعَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ"، فَقَالَ جَعْفَرٌ ﵁: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كُنْتُ أَرْغَبُ (١) أَنْ تَسْتَعْمِلَ عَلَيَّ زَيْدًا (٢)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "امْضِ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي فِي أَيِّ ذَلِكَ خَيْرٌ" (٣). وَعَقَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِوَاءً أَبْيَضَ، وَدَفَعَهُ إِلَى زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ ﵁، وَأَوْصَاهُمْ أَنْ يَأتُوا مَقْتَلَ الحَارِثِ بنِ عُمَيْرٍ ﵁، وَأَنْ يَدْعُوا مَنْ هُنَاكَ إِلَى الإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوا وَإِلَّا اسْتَعَانُوا بِاللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَقَاتَلُوهُمْ، فَأَسْرَعَ النَّاسُ بِالخُرُوجِ وَعَسْكَرُوا بِالجُرْفِ (٤).

стр. 1885

* تَوْدِيعُ النَّاسِ الجَيْشَ: وَلَمَّا تَهَيَّأَ الجَيْشُ الإِسْلَامِيُّ لِلْخُرُوجِ وَدَّعَ النَّاسُ أُمَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَسَلَّمُوا عَلَيْهِمْ، فَعِنْدَهَا بَكَى عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ ﵁، فَقَالُوا لَهُ: مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ رَوَاحَةَ؟ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا بِي حُبُّ الدُّنْيَا وَلَا صَبَابَةٌ (١) بِكُمْ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، يَذْكُرُ فِيهَا النَّارَ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ (٢)، فَلَسْتُ أَدْرِي كَيْفَ لِي بِالصَّدْرِ (٣) بَعْدَ الوُرُود (٤). فَقَالَ المُسْلِمُونَ: صَحِبَكُمُ اللَّهُ، وَدَفَعَ عَنْكُمْ، وَرَدَّكُمْ إِلَيْنَا صَالِحِينَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحة ﵁: لَكِنَّنِي أَسْأَلُ الرَّحْمَنَ مَغْفِرَةً ... وَضَرْبَةً ذَاتَ فَرْغٍ تَقْذِفُ الزَّبَدَا (٥) أَوْ طَعْنَةً بِيَدِي حَرَّانَ مُجْهِزَةً (٦) ... بِحَرْبَةٍ تَنْفُذُ الأَحْشَاءَ وَالكَبِدَا

стр. 1886

حَتَّى يُقَالَ إِذَا مَرُّوا عَلَى جَدَثِي (١) ... أَرْشَدَهُ اللَّهُ مِنْ غَازٍ وَقَدْ رَشُدَا (٢) ثُمَّ أَتَى عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ ﵁ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَدَّعَهُ، ثُمَّ قَالَ: فَثَبَّتَ اللَّهُ مَا أَتَاكَ مِنْ حُسْنٍ ... تَثْبِيتَ مُوسَى وَنَصْرًا كَالذِي نُصِرُوا إِنِّي تَفَرَّسْتُ فِيكَ الخَيْرَ أَعْرِفُهُ ... وَاللَّه يَعْلَمُ أَنْ مَا خَانَنِي البَصَرُ أَنْتَ الرَّسُولُ وَمَنْ يُحْرَمْ شَفَاعَتَهُ ... يَوْمَ الحِسَابِ فَقَدْ أَزْرَى بِهِ القَدَرُ فَلَمَّا سَمِعَ الرَّسُولُ ﷺ ذَلِكَ مِنْهُ قَالَ له: "وَأَنْتَ فَثَبَّتَكَ اللَّهُ يَا ابْنَ رَوَاحَةَ"، فَثَبَّتَهُ اللَّهُ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا ﵁ (٣). وَكَانَ ابنُ رَوَاحَةَ ﵁ شَاعِرًا حَادَّ العَاطِفَةِ، وَقَدْ أَحَسَّ مُنْذُ خُرُوجِهِ أَنَّ الِاسْتِشْهَادَ مُقْبِل عَلَيْهِ، فَهُوَ يَتَهَيَّأُ لَهُ بِقَلْبِهِ وَلسَانِهِ (٤). * تَوْدِيعُ الرَّسُولِ ﷺ الجَيْشَ وَوَصِيَّتَهُ لَهُمْ: وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُشَيِّعًا (٥) لَهُمْ حَتَّى بَلَغَ ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ، فَوَقَفَ وَوَدَّعَهُمْ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: "أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَبِمَنْ مَعَكُمْ مِنَ المُسْلِمِينَ خَيْرًا، اغْزُوا بِاسْمِ

стр. 1887

اللَّهِ، فَقَاتِلُوا عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ بِالشَّامِ، وَسَتَجِدُونَ فِيهَا رِجَالًا فِي الصَّوَامِعِ (١) مُعْتَزِلِينَ فَلَا تَعْرِضُوا لَهُمْ، وَسَتَجِدُونَ آخَرِينَ لِلشَّيْطَانِ فِي رُؤُوسهِمْ مَفَاحِصُ (٢) فَافْلقوهَا بِالسُّيُوفِ، وَلَا تَقْتُلُوا امْرَأة، وَلَا صَغِيرًا ضَرْعًا (٣)، وَلَا كبِيرًا فَانِيًا، وَلَا تَقْطَعُنَّ شَجَرَةً، وَلَا تَعْقِرَنَّ نَخْلًا، وَلَا تَهْدِمُوا بَيْتًا" (٤). * تَخَلُّفُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ رَوَاحَةَ ﵁ -: لَمَّا خَرَجَ الجَيْشُ تَخَلَّفَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ ﵁، قَالَ: أَتَخَلَّفُ فَأُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الجُمُعَةَ، ثُمَّ أَلْحَقُهُمْ، فَلَمَّا صَلَّى عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ الجُمُعَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ: "مَا مَنَعَكَ أَنْ تَغْدُوَ (٥) مَعَ أَصْحَابِكَ؟ ". قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ مَعَكَ الجُمُعَةَ، ثُمَّ أَلْحَقَهُمْ، فَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ

стр. 1888

- ﷺ : "لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ مَا أَدْرَكْتَ فَضْلَ غَدْوَتهِمْ" (١). * خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ ﵁ يُشَارِكُ فِي هَذِهِ الغَزْوَةِ العَظِيمَةِ: وَفِي هَذِهِ الغَزْوَةِ العَظِيمَةِ يُشَارِكُ خَالِدُ بنُ الوَليدِ ﵁، وَهِيَ أَوَّلُ غَزْوَةٍ يُشَارِكُ فِيهَا مَعَ المُسْلِمِينَ. * وُصُولُ جَيشِ المُسْلِمِينَ إِلَى مَعَانَ (٢)، وَعدَّةُ العَدُوِّ: تَحَرَّكَ جَيْشُ المُسْلِمِينَ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى عَدُوِّهِمْ فِي الشَّامِ، وَبَيْنَمَا هُمْ فِي الطَّرِيقِ إِذْ سَمِعَ بِمَسِيرِهِمْ عَدُوُّهُمْ، فَجَمَعُوا لَهُمْ، وَقَامَ فِيهِمْ شُرَحْبِيلُ بنُ عَمْرٍو فَجَمَعَ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، وَقَدَّمَ الطَّلَائِعَ أَمَامَهُ، فَلَمَّا نَزَلَ المُسْلِمُونَ مَعَانَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ بَلَغَهُمْ أَنَّ هِرَقْلَ قَدْ نَزَلَ مَآبَ (٣) مِنْ أَرْضِ البَلْقَاءَ فِي مِائَةِ أَلْفٍ مِنْ لَخْمٍ، وَجُذَامٍ، وَالقَيْنِ، وَتَنُوخَ، وَبَلِيَّ، فَكَانَ قِوَامُ (٤) جَيْشِ الغَسَاسِنَةِ وَالرُّومِ مِائتَيْ أَلْفِ مُقَاتِلٍ (٥).

стр. 1889

* تَشَاوُرُ المُسْلِمِينَ بِمَعَانَ: وَلَمْ يَكُنِ المُسْلِمُونَ أَدْخَلُوا فِي حِسَابِهِمْ لِقَاءَ مِثْلَ هَذَا الجَيْشِ العَرَمْرَمِ (١)، الذِي فُوجِئُوا بِهِ، فَأَقَامُوا فِي مَعَانَ لَيْلَتَيْنِ يُفَكِّرُونَ فِي أَمْرِهِمْ، وَيَنْظُرُونَ وَيَتَشَاوَرُونَ، هَلْ يَكْتبونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُخْبِرُونَهُ بِعَدَدِ عَدُوِّهِمْ، فَإِمَّا أَنْ يُمِدَّهُمْ بِالرِّجَالِ، أَوْ يَأْمُرَهُمْ بِأَمْرِهِ فَيَمْضُوا إِلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ رَأْيٌ بِالِانْسِحَابِ، فَانْظُرُوا الشَّجَاعَةَ وَالجُرْأَةَ (٢). فَعِنْدَ ذَلِكَ قَامَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ ﵁ وَعَارَضَ هَذَا الرَّأْيَ، وَشَجَّعَ النَّاسَ قَائِلًا: يَا قَوْمِ! وَاللَّهِ إِنَّ التِي تَكْرَهُونَ لَلَّتِي خَرَجْتُمْ تَطْلُبُونَ، الشَّهَادَةُ، وَمَا نُقَاتِلُ النَّاسَ بِعَدَدٍ وَلَا قُوَّةٍ وَلَا كَثْرَةٍ، مَا نُقَاتِلُهُمْ إِلَّا بِهَذَا الدِّينِ الذِي أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِهِ، فَانْطَلِقُوا فَإِنَّمَا هِيَ إِحْدَى الحُسْنيَيْنِ، إِمَّا ظُهُورٌ، وَإِمَّا شَهَادَةٌ (٣).

стр. 1890

فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ صَدَقَ وَاللَّهِ ابْنُ رَوَاحَةَ، وَاسْتَقَرَّ الأَمْرُ عَلَى مُقَاتَلَةِ العَدُوِّ (١). بَعَثَتْ هَذِهِ العَقِيدَةُ وَالنَّفْسِيَّةُ طُمَأْنِينَةً فِي أَنْفُسِهِمْ، وَسَكِينَةً فِي قُلُوبِهِمْ، وَشَجَاعَةً خَارِقَةً لِلْعَادَةِ، وَاسْتِهَانَةً بِالعَدَدِ وَالعُدَّةِ، وَعَدَمَ عِبَادَةٍ لِلْمَادَّةِ، وَعَدَمَ اتِّخَاذِ الأَسْبَابِ أَرْبَابًا، وَعَرَفُوا أَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ بِقُوَّةِ الدِّينِ، وَيَظْفَرُونَ وَيَغْلِبُونَ ببَرَكَةِ الإِسْلَامِ، فَكَانُوا شَدِيدِي الِاحْتِفَاظِ، كَثِيرِي الِاعْتِدَادِ بِهَا (٢). * تَحَرُّكُ المُسْلِمِينَ إِلَى عَدوِّهِمْ: وَبَعْدَ أَنْ قَضَى المُسْلِمُونَ لَيْلَتَيْنِ فِي مَعَانَ، تَحَرَّكُوا إِلَى أَرْضِ العَدُوِّ، فَلَمَّا وَصَلُوا تُخُومَ (٣) البَلْقَاءَ، لَقِيَتْهُمْ جُمُوعُ هِرَقْلَ مِنَ الرُّومِ وَنَصَارَى العَرَبِ، بِقَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا "مُشَارِفٌ"، ثُمَّ دَنَا العَدُوُّ، وَانْحَازَ المُسْلِمُونَ إِلَى قَرْيَةِ مُؤْتَةَ، فَعَسْكَرُوا هُنَاكَ، وَتَعَبَّاَ الجَيْشُ الإِسْلَامِيُّ لِلْقِتَالِ، فَجَعَلَ زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ ﵁ عَلَى المَيْمَنَةِ: قُطْبَةَ (٤) بنَ قتَادَةَ العُذْرِيَّ (٥)، وَعَلَى المَيْسَرَةِ: عَبَايَةَ بنَ مَالِكٍ الأَنْصَارِيَّ (٦).

стр. 1891

* بَدْءُ القِتَالِ، وَتَنَاوُبُ القَادَةِ: وَهُنَاكَ فِي مُؤْتَةَ الْتَقَى الفَرِيقَانِ، وَبَدَأَ القِتَالُ المَرِيرُ، ثَلَاثَةُ آلَافِ مُقَاتِلٍ يُوَاجِهُونَ مِائتَيْ أَلْفِ مُقَاتِلٍ. فِعْلًا مَعْرَكَة عَجِيبَةٌ تُشَاهِدُهَا الدُّنْيَا بِالدَّهْشَةِ وَالحَيْرَةِ، وَلَكِنْ إِذَا هَبَّتْ رِيحُ الإِيمَانِ جَاءَتِ بِالعَجَائِبِ (١). * الرَّايَةُ بِيَدِ زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ ﵁ -: أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ ﵁ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعَلَ يُقَاتِلُ بِضَرَاوَةٍ بَالِغَةٍ، وَبَسَالَةٍ نَادِرَةٍ، وَالمُسْلِمُونَ مَعَهُ يُقَاتِلُونَ حَتَّى قُتِلَ طَعْنًا بِالرِّمَاحِ، وَخَرَّ شَهِيدًا ﵁. * الرَّايَةُ بِيَدِ جَعْفَرَ ﵁ -: ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ جَعْفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، وَطَفِقَ (٢) يُقَاتِلُ قِتَالًا لَيْسَ لَهُ مَثِيلٌ، حَتَّى إِذَا أَلْحَمَهُ (٣) القِتَالُ نَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ الشَّقْرَاءَ فَعَقَرَهَا (٤)، فَكَانَ أَوَّلَ فَرَسٍ يُعْقَرُ فِي الإِسْلَامِ (٥)، ثُمَّ أَخَذَ يُقَاتِلُ ﵁ عَلَى رِجْلَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ:

стр. 1892

يَا حَبَّذَا الجَنَّةُ وَاقْتِرَابُهَا ... طَيِّبَةٌ وَبَارِدٌ شَرَابُهَا وَالرُّومُ رُومٌ قَدْ دَنَا عَذَابُهَا ... كَافِرَةٌ بَعِيدَةٌ أَنْسَابُهَا عَلَيَّ إِنْ لَاقَيْتُهَا ضِرَابُهَا فَقُطِعَتْ يَمِينُهُ ﵁، فَأَخَذَ الرَّايَةَ بِشِمَالِهِ، فَقُطِعَتْ شِمَالُهُ ﵁، فَاحْتَضَنَ الرَّايَةَ بِعَضُدَيْهِ حَتَّى اسْتُشْهِدَ ﵁، فَأَثَابَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِذَلِكَ جَنَاحَيْنِ فِي الجَنَّةِ يَطِيرُ بِهِمَا حَيْثُ شَاءَ، وَلذَلِكَ سُمِّيَ بِجَعْفَرَ الطَّيَّارِ (١). رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: . . . كُنْتُ فِيهِمْ فِي تِلْكَ الغَزْوَةِ، فَالْتَمَسْنَا جَعْفَرَ بنَ أَبِي طَالِبٍ، فَوَجَدْنَاهُ فِي القَتْلَى، وَوَجَدْنَا مَا فِي جَسَدِهِ بِضْعًا وتِسْعِينَ مِنْ طَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ (٢). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى جَعْفَرَ يَوْمَئِذٍ، وَهُوَ قَتِيلٌ، فَعَدَدْتُ بِهِ خَمْسِينَ بَيْنَ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ فِي دبرِهِ، يَعْنِي فِي ظَهْرِهِ (٣). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي الْحَدِيثِ بَيَانُ فَرْطِ شَجَاعَتِهِ وَإِقْدَامِهِ ﵁ (٤).

стр. 1893

وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَئرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رَأَيْتُ جَعْفَرًا مَلَكًا يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ فِي الجَنَّةِ" (١). وَرَوَى الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَرَّ بِي جَعْفَرٌ اللَّيْلةَ فِي مَلَأٍ مِنَ المَلَائِكَةِ، وَهُوَ مُخَضَّبُ (٢) الجَنَاحَيْنِ بِالدَّمِ" (٣). وَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَلَّمَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَعْفَرَ قَالَ: "السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ ذِي الجَنَاحَيْنِ" (٤). * الرَّايَةُ بِيَدِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ رَوَاحَةَ ﵁ -: ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ ﵁، وَتَقَدَّمَ بِهَا، وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ، فَتَرَدَّدَ ﵁ بَعْضَ التَّرَدُّدِ مِنْ شِدَّةِ أَمْرِ المَعْرَكَةِ، ثُمَّ أَخَذَ يَقُولُ: أَقْسَمْتُ يَا نَفْسُ لَتَنْزِلنَّهْ ... لَتَنْزِلنَّ أَوْ لَتُكْرَهِنَّه إِنْ أَجْلَبَ النَّاسُ وَشَدُّوا الرِّنَّه (٥) ... مَالِي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الجَنَّه

стр. 1894

وَقَالَ أَيضًا ﵁: يَا نَفْسُ إِلَّا تُقْتَلِي تَمُوتِي ... هَذَا حِمَامُ (١) المَوْتِ قَدْ صَلِيتِ وَمَا تَمَنَّيْتِ فَقَدْ أُعْطِيتِ ... إِنْ تَفْعَلِي فَعَلَاهُمَا (٢) هُدِيتِ ثُمَّ نَزَلَ، فَأَتَاهُ ابنُ عَمٍّ لَهُ بِعَرْقٍ (٣) مِنْ لَحْمٍ، فَقَالَ: شُدَّ بِهَذَا صُلْبَكَ، فَإِنَّكَ قَدْ لَقِيتَ فِي أَيَّامِكَ هَذِهِ مَا لَقِيتَ، فَأَخَذَهُ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ انْتَهَشَ (٤) مِنْهُ نَهْشَةً، ثُمَّ سَمِعَ الحَطْمَةَ (٥) فِي نَاحِيَةِ النَّاسَ، فَأَلْقَاهُ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ أَخَذَ سَيْفَهُ فَتَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ ﵁ (٦). رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا يَسُرُّهُمْ أَنَّهُمْ عِنْدَنَا، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ" (٧). * الرَّايَةُ إِلَى سَيفِ اللَّه المَسْلُولِ: فَلَمَّا سَقَطَتِ الرَّايَةُ بِاسْتِشْهَادِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ رَوَاحَةَ -وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لمْ يُكَلِّفْ أَحَدًا بِحَمْلِهَا بَعْدَهُ- تَقَدَّمَ ثَابِتُ بنُ أَقْرَمٍ ﵁، وَحَمَلَ الرَّايَةَ، وَقَالَ:

стр. 1895

يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ اصْطَلِحُوا عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ، فَقَالُوا: أَنْتَ، قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، فَاصْطَلَحَ النَّاسُ عَلَى خَالِدِ بنِ الوَليدِ ﵁. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ المُسْلِمِينَ لَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ ﵁ تَفَرَّقُوا وَانْهَزَمُوا حَتَّى لَمْ يُرَ اثْنَانِ جَمِيعًا، فتَقَدَّمَ ثَابِتُ بنُ أَقْرَمٍ ﵁، فَأَخَذَ الرَّايَةَ، ثُمَّ سَعَى بِهَا وَأَعْطَاهَا خَالِدَ بنَ الوَليدِ ﵁، فَقَالَ له خَالِدٌ: لَا آخُذُهَا مِنْكَ، أَنْتَ أَحَقُّ بِهَا، لَكَ سِنٌّ، وَقَدْ شَهِدْتَ بَدْرًا، فَقَالَ ثَابِتٌ: وَاللَّهِ يَا خَالِدُ مَا أَخَذْتُهَا إِلَّا لَكَ، أَنْتَ أَعْلَمُ بِالقِتَالِ مِنِّي، فَأَخَذَ خَالِدُ بنُ الوَليدِ ﵁ الرَّايَةَ (١). فَلَمَّا أَخَذَ خَالِدٌ ﵁ الرَّايَةَ وَاجْتَمَعَ المُسْلِمُونَ إِلَيْهِ قَاتَلَ الكُفَّارَ قِتَالًا شَدِيدًا، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ خَالِدِ بنِ الوَليدِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لقدِ انْقَطَعَتْ فِي يَدِي يَوْمَ مُؤْتَةَ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ فَمَا بَقِيَ فِي يَدِيَ إِلَّا صَحِيفَةٌ يَمانِيَةٌ (٢). وَفي لفظٍ: لَقَدْ دُقَّ فِي يَدِي يَوْمَ مُؤْتَةَ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ، وَصَبَرَتْ فِي يَدِي صَحِيفَةٌ لِي يَمَانِيَةٌ (٣). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَهَذَا الحَدِيثُ عَنْ خَالِدٍ ﵁ يَقْتَضِي أَنَّ المُسْلِمِينَ
следующие страницы →