← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

* بَدْءُ القِتَالِ، وَتَنَاوُبُ القَادَةِ: وَهُنَاكَ فِي مُؤْتَةَ الْتَقَى الفَرِيقَانِ، وَبَدَأَ القِتَالُ المَرِيرُ، ثَلَاثَةُ آلَافِ مُقَاتِلٍ يُوَاجِهُونَ مِائتَيْ أَلْفِ مُقَاتِلٍ. فِعْلًا مَعْرَكَة عَجِيبَةٌ تُشَاهِدُهَا الدُّنْيَا بِالدَّهْشَةِ وَالحَيْرَةِ، وَلَكِنْ إِذَا هَبَّتْ رِيحُ الإِيمَانِ جَاءَتِ بِالعَجَائِبِ (١). * الرَّايَةُ بِيَدِ زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ ﵁ -: أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ ﵁ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعَلَ يُقَاتِلُ بِضَرَاوَةٍ بَالِغَةٍ، وَبَسَالَةٍ نَادِرَةٍ، وَالمُسْلِمُونَ مَعَهُ يُقَاتِلُونَ حَتَّى قُتِلَ طَعْنًا بِالرِّمَاحِ، وَخَرَّ شَهِيدًا ﵁. * الرَّايَةُ بِيَدِ جَعْفَرَ ﵁ -: ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ جَعْفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، وَطَفِقَ (٢) يُقَاتِلُ قِتَالًا لَيْسَ لَهُ مَثِيلٌ، حَتَّى إِذَا أَلْحَمَهُ (٣) القِتَالُ نَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ الشَّقْرَاءَ فَعَقَرَهَا (٤)، فَكَانَ أَوَّلَ فَرَسٍ يُعْقَرُ فِي الإِسْلَامِ (٥)، ثُمَّ أَخَذَ يُقَاتِلُ ﵁ عَلَى رِجْلَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ:

стр. 1892

يَا حَبَّذَا الجَنَّةُ وَاقْتِرَابُهَا ... طَيِّبَةٌ وَبَارِدٌ شَرَابُهَا وَالرُّومُ رُومٌ قَدْ دَنَا عَذَابُهَا ... كَافِرَةٌ بَعِيدَةٌ أَنْسَابُهَا عَلَيَّ إِنْ لَاقَيْتُهَا ضِرَابُهَا فَقُطِعَتْ يَمِينُهُ ﵁، فَأَخَذَ الرَّايَةَ بِشِمَالِهِ، فَقُطِعَتْ شِمَالُهُ ﵁، فَاحْتَضَنَ الرَّايَةَ بِعَضُدَيْهِ حَتَّى اسْتُشْهِدَ ﵁، فَأَثَابَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِذَلِكَ جَنَاحَيْنِ فِي الجَنَّةِ يَطِيرُ بِهِمَا حَيْثُ شَاءَ، وَلذَلِكَ سُمِّيَ بِجَعْفَرَ الطَّيَّارِ (١). رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: . . . كُنْتُ فِيهِمْ فِي تِلْكَ الغَزْوَةِ، فَالْتَمَسْنَا جَعْفَرَ بنَ أَبِي طَالِبٍ، فَوَجَدْنَاهُ فِي القَتْلَى، وَوَجَدْنَا مَا فِي جَسَدِهِ بِضْعًا وتِسْعِينَ مِنْ طَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ (٢). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى جَعْفَرَ يَوْمَئِذٍ، وَهُوَ قَتِيلٌ، فَعَدَدْتُ بِهِ خَمْسِينَ بَيْنَ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ فِي دبرِهِ، يَعْنِي فِي ظَهْرِهِ (٣). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي الْحَدِيثِ بَيَانُ فَرْطِ شَجَاعَتِهِ وَإِقْدَامِهِ ﵁ (٤).

стр. 1893

وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَئرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رَأَيْتُ جَعْفَرًا مَلَكًا يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ فِي الجَنَّةِ" (١). وَرَوَى الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَرَّ بِي جَعْفَرٌ اللَّيْلةَ فِي مَلَأٍ مِنَ المَلَائِكَةِ، وَهُوَ مُخَضَّبُ (٢) الجَنَاحَيْنِ بِالدَّمِ" (٣). وَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَلَّمَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَعْفَرَ قَالَ: "السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ ذِي الجَنَاحَيْنِ" (٤). * الرَّايَةُ بِيَدِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ رَوَاحَةَ ﵁ -: ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ ﵁، وَتَقَدَّمَ بِهَا، وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ، فَتَرَدَّدَ ﵁ بَعْضَ التَّرَدُّدِ مِنْ شِدَّةِ أَمْرِ المَعْرَكَةِ، ثُمَّ أَخَذَ يَقُولُ: أَقْسَمْتُ يَا نَفْسُ لَتَنْزِلنَّهْ ... لَتَنْزِلنَّ أَوْ لَتُكْرَهِنَّه إِنْ أَجْلَبَ النَّاسُ وَشَدُّوا الرِّنَّه (٥) ... مَالِي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الجَنَّه

стр. 1894

وَقَالَ أَيضًا ﵁: يَا نَفْسُ إِلَّا تُقْتَلِي تَمُوتِي ... هَذَا حِمَامُ (١) المَوْتِ قَدْ صَلِيتِ وَمَا تَمَنَّيْتِ فَقَدْ أُعْطِيتِ ... إِنْ تَفْعَلِي فَعَلَاهُمَا (٢) هُدِيتِ ثُمَّ نَزَلَ، فَأَتَاهُ ابنُ عَمٍّ لَهُ بِعَرْقٍ (٣) مِنْ لَحْمٍ، فَقَالَ: شُدَّ بِهَذَا صُلْبَكَ، فَإِنَّكَ قَدْ لَقِيتَ فِي أَيَّامِكَ هَذِهِ مَا لَقِيتَ، فَأَخَذَهُ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ انْتَهَشَ (٤) مِنْهُ نَهْشَةً، ثُمَّ سَمِعَ الحَطْمَةَ (٥) فِي نَاحِيَةِ النَّاسَ، فَأَلْقَاهُ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ أَخَذَ سَيْفَهُ فَتَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ ﵁ (٦). رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا يَسُرُّهُمْ أَنَّهُمْ عِنْدَنَا، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ" (٧). * الرَّايَةُ إِلَى سَيفِ اللَّه المَسْلُولِ: فَلَمَّا سَقَطَتِ الرَّايَةُ بِاسْتِشْهَادِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ رَوَاحَةَ -وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لمْ يُكَلِّفْ أَحَدًا بِحَمْلِهَا بَعْدَهُ- تَقَدَّمَ ثَابِتُ بنُ أَقْرَمٍ ﵁، وَحَمَلَ الرَّايَةَ، وَقَالَ:

стр. 1895

يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ اصْطَلِحُوا عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ، فَقَالُوا: أَنْتَ، قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، فَاصْطَلَحَ النَّاسُ عَلَى خَالِدِ بنِ الوَليدِ ﵁. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ المُسْلِمِينَ لَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ ﵁ تَفَرَّقُوا وَانْهَزَمُوا حَتَّى لَمْ يُرَ اثْنَانِ جَمِيعًا، فتَقَدَّمَ ثَابِتُ بنُ أَقْرَمٍ ﵁، فَأَخَذَ الرَّايَةَ، ثُمَّ سَعَى بِهَا وَأَعْطَاهَا خَالِدَ بنَ الوَليدِ ﵁، فَقَالَ له خَالِدٌ: لَا آخُذُهَا مِنْكَ، أَنْتَ أَحَقُّ بِهَا، لَكَ سِنٌّ، وَقَدْ شَهِدْتَ بَدْرًا، فَقَالَ ثَابِتٌ: وَاللَّهِ يَا خَالِدُ مَا أَخَذْتُهَا إِلَّا لَكَ، أَنْتَ أَعْلَمُ بِالقِتَالِ مِنِّي، فَأَخَذَ خَالِدُ بنُ الوَليدِ ﵁ الرَّايَةَ (١). فَلَمَّا أَخَذَ خَالِدٌ ﵁ الرَّايَةَ وَاجْتَمَعَ المُسْلِمُونَ إِلَيْهِ قَاتَلَ الكُفَّارَ قِتَالًا شَدِيدًا، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ خَالِدِ بنِ الوَليدِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لقدِ انْقَطَعَتْ فِي يَدِي يَوْمَ مُؤْتَةَ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ فَمَا بَقِيَ فِي يَدِيَ إِلَّا صَحِيفَةٌ يَمانِيَةٌ (٢). وَفي لفظٍ: لَقَدْ دُقَّ فِي يَدِي يَوْمَ مُؤْتَةَ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ، وَصَبَرَتْ فِي يَدِي صَحِيفَةٌ لِي يَمَانِيَةٌ (٣). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَهَذَا الحَدِيثُ عَنْ خَالِدٍ ﵁ يَقْتَضِي أَنَّ المُسْلِمِينَ

стр. 1896

قَتَلُوا مِنَ المُشْرِكِينَ كَثِيرًا (١). وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُمْ أَثْخَنُوا (٢) فِيهِمْ قَتْلًا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمَا قَدِرُوا عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْهُمْ، وَهَذَا وَحْدَهُ دَلِيلٌ مُسْتَقِلٌّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٣). * عَبْقَرِيَّةُ خَالِدٍ ﵁ فِي القِتَالِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ يُخْبِرُ أَصْحَابَهُ بِالمَدِينَةِ -جَاءَهُ الوَحْيُ بِذَلِكَ-: ". . . حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ" (٤). قَالَ أَبُو قتَادَةَ ﵁: فَمِنْ يَوْمِئِذٍ سُمِّيَ خَالِدُ بنُ الوَليدِ سَيْفُ اللَّهِ (٥). وَقَدِ اسْتَطَاعَ خَالِدُ بنُ الوَليدِ ﵁ أَنْ يَثْبُتَ أَمَامَ هَذَا الطُّوفَانِ مِنَ العَدُوِّ طُولَ النَّهَارِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَعَلَ مُقَدِّمَةَ الجَيْشِ سَاقَةً، وَسَاقَتَهُ مُقَدِّمَةً، وَمَيْمَنَتَهُ مَيْسَرَةً، وَمَيْسَرَتَهُ مَيْمَنَةً، فَلَمَّا لَقُوا العَدُوَّ فِي اليَوْمِ التَّالِي أَنْكَرَ عَدُوُّهُمْ حَالَهُمْ

стр. 1897

وَقَالُوا: جَاءَهُمْ مَدَدٌ، فَلَمَّا حَمَلَ خَالِدٌ ﵁ عَلَيْهِمْ هَزَمَهُمُ اللَّهُ أَسْوَأَ هَزِيمَةٍ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ أَعْدَادًا كَبِيرَةً، ثُمَّ انْحَازَ خَالِدٌ ﵁ وَانْسَحَبَ بِجَيْشِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتَّى انْصَرَفَ إِلَى المَدِينَةِ، وَلَمْ يُصَبْ فِي جَيْشِهِ أَحَدٌ خِلَالَ هَذَا الِانْسِحَابِ (١). وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا قَائِدٌ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْقِذَ هَذِهِ القَبْضَةَ مِنَ الرِّجَالِ -بَقِيَّةَ الثَّلَاثَةِ آلَافٍ- مِنْ وَسَطِ هَذَا اللَّجِّ (٢)، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِأُعْجُوبَةٍ، وَقَدْ أَتَى بِهَا خَالِدٌ، وَاسْتَطَاعَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ لُجَّةِ (٣) البَحْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبْتَلَّ، وَأَنْ يَنْسَحِبَ مِنْ وَسَطِ اللَّهَبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْتَرِقَ، وَأَنْ يُسَجِّلَ لِلذَّكَاءَ العَرَبِيِّ الذِي هَذَّبَهُ الإِسْلَامُ، هَذِهِ المَنْقَبَةَ فِي تَارِيخِ الحُرُوبِ (٤). * قِصَّةُ المَدَدِيِّ (٥): وَمِمَّا يُؤَكِّدُ مُبَاشَرَةَ المُسْلِمِينَ القِتَالَ قَبْلَ الِانْسِحَابِ، مَا رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ -وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ- عَنْ عَوْفِ بنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ ﵁ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ مَنْ خَرَجَ مَعَ زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ ﵁ مِنَ الْمُسْلِمِينَ،

стр. 1898

فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، وَرَافَقَنِي مَدَدِيٌّ مِنْ اليَمَنِ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُ سَيْفِهِ، فنَحَرَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ جَزُورًا (١)، فَسَأَلَهُ المَدَدِيُّ طَائِفَةً مِنْ جِلْدِهِ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، فَاتَّخَذَهُ كَهَيْئَةِ الدَّرَقِ (٢)، وَمَضَيْنَا فَلَقِينَا جُمُوعَ الرُّومِ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ لَهُ أَشْقَرُ، عَلَيْهِ سَرْجٌ مُذَهَّبٌ، وَسِلَاحٌ مُذَهَّبٌ، فَجَعَلَ الرُّومِيُّ يَفْرِي (٣) بِالمُسْلِمِينَ، فَقَعَدَ لَهُ المَدَدِيُّ خَلْفَ صَخْرَةٍ، فَمَرَّ بِهِ الرُّومِيُّ، فَعَرْقَبَ فَرَسَهُ، فَخَرَّ، وَعَلَاهُ فَقتَلَهُ، وَحَازَ فَرَسَهُ وَسِلَاحَهُ، فَلَمَّا فتَحَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ بَعَثَ إِلَيْهِ خَالِدُ بنُ الوَليدِ، فَأَخَذَ مِنْهُ السَّلَبَ، قَالَ عَوْفٌ: فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا خَالِدُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي اسْتَكْثَرْتُهُ. قُلْتُ: لَتَرُدَّنَّهُ إِلَيْهِ، أَوْ لَأُعَرِّفَنَّكَهَا (٤) عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ. قَالَ عَوْفٌ: فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ قِصَّةَ المَدَدِيِّ، وَمَا فَعَلَ خَالِدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا خَالِدُ، مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ ".

стр. 1899

قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لقدِ اسْتَكْثَرْتُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا خَالِدُ، رُدَّ عَلَيْهِ مَا أَخَذْتَ مِنْهُ". قَالَ عَوْفٌ: فَقُلْتُ لِخَالِدٍ: دُونَكَ يَا خَالِدُ، أَلَمْ أَفِ لَكَ؟ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَمَا ذَاكَ"، فَأَخْبَرتُهُ. قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "يَا خَالِدُ، لَا تَرُدَّ عَلَيْهِ، هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي أُمُرَائِي؟ لَكُمْ صِفْوَهُ أَمْرِهِمْ، وَعَلَيْهِمْ كدَرُهُ" (١). قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَعْنَى الحَدِيثِ أَنَّ الرَّعِيَّةَ يَأْخُذُونَ صَفْوَ الأُمُورِ فتَصِلُهُمْ أُعْطِيَاتُهُمْ بِغَيْرِ نَكَدٍ، وَتُبْتَلَى الوُلَاةُ بِمُقَاسَاةِ الأُمُورِ، وَجَمْعِ الأَمْوَالِ، عَلَى وُجُوهِهَا وَصَرْفِهَا فِي وُجُوهِهَا، وَحِفْظِ الرَّعِيَّةِ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ، وَالذَّبِّ عَنْهُمْ، وَإِنْصَافِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، ثُمَّ مَتَى وَقَعَ عَلَقَة أَوْ عَتْبٌ فِي بَعْضِ ذَلِكَ تَوَجَّهَ عَلَى الأُمُرَاءِ دُونَ النَّاسِ (٢). وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَهَذَا الحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ غَنِمُوا مِنْهُمْ وَسَلَبُوا مِنْ أَشْرَافِهِمْ، وَقَتَلُوا مِنْ أُمَرَائِهِمْ (٣). * مَا المُرَادُ بِقَوْلِهِ ﷺ : "حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ": قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ النَّقْلِ فِي المُرَادِ بِقَوْلهِ ﷺ : "حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ"، هَلْ

стр. 1900

كَانَ هُنَاكَ قِتَالٌ فِيهِ هَزِيمَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ، أَوِ المُرَادُ بِالفَتْحِ انْحِيَازُ خَالِدٍ ﵁ بِالمُسْلِمِينَ حَتَّى رَجَعُوا إِلَى المَدِينَةِ سَالِمِينَ؟ قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ خَالِدًا لَمَّا حَازَ المُسْلِمِينَ وَبَاتَ، ثُمَّ أَصْبَحَ وَقَدْ غَيَّرَ هَيْئَةَ العَسْكَرِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَتَوَهَّمَ العَدُوُّ أَنَّهُمْ قَدْ جَاءَ لَهُمْ مَدَدٌ، حَمَلَ عَلَيْهِمْ خَالِدٌ حِينَئِذٍ، فَوَلَّوْا، فَلَمْ يَتْبَعْهُمْ، وَرَأَى الرُّجُوعَ بِالمُسْلِمِينَ هِيَ الغَنِيمَةُ الكُبْرَى (١). * نَعْيُ الرَّسُولِ ﷺ الأُمَرَاءَ الثَّلَاثَةَ: وَقَدْ أَطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ عَلَى مَا حَدَثَ فِي مُؤْتَةَ، وَهُوَ فِي المَدِينَةِ ﷺ ، فنَعَى لِأَهْلِ المَدِينَةِ أُمَرَاءَ الجَيْشِ الثَّلَاثَةَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيهِمْ خَبَرُهُمْ. فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: . . . ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَعِدَ المِنْبَرَ، وَأَمَرَ أَنْ يُنَادَى: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلا أُخْبِرُكُمْ عَنْ جَيْشِكُمْ هَذَا الغَازِي، إِنَّهُمُ انْطَلَقُوا حَتَّى لقَوُا العَدُوَّ، فَأُصِيبَ زيدٌ شَهِيدًا، فَاسْتَغْفِرُوا لَهُ"، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ النَّاسُ، "ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ (٢) جَعْفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ، فَشَدَّ (٣) عَلَى القَوْمِ

стр. 1901

حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا، أَشْهَدُ لَهُ بِالشَّهَادَةِ، فَاسْتَغْفِرُوا لَهُ، ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ (١) عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ، فَأَثْبَتَ قَدَمَيْهِ حَتَّى أُصِيبَ شَهِيدًا، فَاسْتَغْفِرُوا لَهُ، ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ (٢) خَالِدُ بنُ الوَليدِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الأُمَرَاءِ، هُوَ أَمَّرَ نَفْسَهُ"، ثُمَّ مَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ هُوَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِكَ فَانْصُرْهُ" (٣). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ مِنْ بَعْدِهِ -أَيْ مِنْ بَعْدِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ رَوَاحَةَ ﵁ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ" (٤). ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَقَدْ رُفِعُوا إِلَيَّ فِي الجَنَّةِ -أي الثلاثة الأمراء-، فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، عَلَى سُرُرٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَرَأَيْتُ فِي سَرِيرِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ رَوَاحَةَ ازْوِرَارًا (٥) عَنْ سَرِيرِ صَاحِبَيْهِ"، فَقِيلَ: عَمَّ هَذَا؟ فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "مَضَيَا وَتَرَدَّدَ عَبْدُ اللَّهِ بَعْضَ التَّرَدُّدِ، ثُمَّ مَضَى" (٦).

стр. 1902

قَالَ: "دَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ مُعْتَرِضًا" (١)، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا اعْتِرَاضُهُ؟ قَالَ: "لَمَّا أَصَابَتْهُ الجِرَاحَةُ نَكَلَ (٢)، فَعَاتَبَ نَفْسَهُ، فتَشَجَّعَ فَاسْتُشْهِدَ" (٣). * مَنِ المُنْتَصِرُ فِي هَذِهِ المَعْرَكَةِ العَظِيمَةِ ؟ جَاءَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ أَنَّ الِانْتِصَارَ كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَقَدْ أَخْرَجَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ". . . حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ" (٤). وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ أَنَّ الرُّومَ هُمُ الذِينَ انْتَصَرُوا، فَأَخْرَجَ فِي طَبَقَاتِهِ عَنْ أَبِي عَامِرٍ قَالَ: . . . ثُمَّ انْهَزَمَ المُسْلِمُونَ أَسْوَأَ هَزِيمَةٍ رَأَيْتُهَا قَطُّ حَتَّى لَمْ أَرَ اثْنَيْنِ جَمِيعًا (٥). وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرَهُ ابنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ: أَنَّ كُلَّ فِئَةٍ انْحَازَتْ عَنِ الأُخْرَى (٦).

стр. 1903

وَهُوَ الذِي رَجَّحَهُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (١). وَمَهْمَا تَكُنْ الخَاتِمَةُ التِي لَقِيَتْهَا سَرِيَّةُ مُؤْتَةَ، فَإِنَّ نَتَائِجَهَا وَآثَارَهَا كَانَتْ بَعِيدَةَ المَدَى. قَالَ الشَّيْخُ صَفِيُّ الرَّحْمَنِ المُبَارَكْفُورِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ كَثِيرًا فِيمَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُ هَذِهِ المَعْرَكَةِ أَخِيرًا، وَيَظْهَرُ بَعْدَ النَّظَرِ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ خَالِدَ بنَ الوَلِيدِ ﵁ نَجَحَ فِي الصُّمُودِ أَمَامَ جَيْشِ الرُّومَانِ طُولَ النَّهارِ، فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنَ القِتَالِ، وَكَانَ يَشْعُرُ بِمَسِيسِ الحَاجَةِ إِلَى مَكِيدَةٍ حَرْبِيَّةٍ، تُلْقِي الرُّعْبَ فِي قُلُوبِ الرُّومَانِ، حَتَّى يَنْجَحَ فِي الانْحِيَازِ بِالمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُومَ الرُّومَانُ بِحَرَكَاتِ المُطَارَدَةِ، فَقَدْ كَانَ يَعْرِفُ جَيِّدًا أَنَّ الإِفْلَاتَ مِنَ بَرَاثِنِهِمْ (٢) صَعْبٌ جدًّا لَوْ انْكَشَفَ المُسْلِمُونَ، وَقَامَ الرُّومَانُ بالمُطَارَدَةِ. فَلَمَّا أَصْبَحَ اليَوْمُ الثَّانِي غَيَّرَ أَوْضَاعَ الجَيْشِ، فَلَمَّا رَآهُمْ الأَعْدَاءُ أَنْكَرُوا حَالَهُمْ، وَقَالُوا: جَاءَهُمْ مَدَدٌ، فَرُعِبُوا، وَصَارَ خَالِدٌ ﵁ بَعْدَ أَنْ تَرَاءَى الجَيْشَانِ، وَتَنَاوَشَا سَاعَةً- يَتَأَخَّرُ بِالمُسْلِمِينَ قَلِيلًا قَلِيلًا، مَعَ حِفْظِ نِظَامِ جَيْشِهِ، وَلَمْ يَتَبَعْهُمُ الرُّومَانُ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ المُسْلِمِينَ يَخْدَعُونَهُمْ، وَيُحَاوِلُونَ القِيَامَ بِمَكِيدَةٍ تَرْمِي بِهِمْ فِي الصَّحْرَاءِ.

стр. 1904

وَهَكَذَا انْحَازَ العَدُوُّ إِلَى بِلَادِهِ، وَلَمْ يُفَكِّرْ فِي القِيَامِ بِمُطَارَدَةِ المُسْلِمِينَ، وَنَجَحَ المُسْلِمُونَ فِي الِانْحِيَازِ سَالِمِينَ، حَتَّى عَادُوا إِلَى المَدِينَةِ (١). * مُوَاسَاةُ الرَّسُولِ ﷺ لِآلِ جَعْفَرَ ﵁ -: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ جَعْفَرَ ﵄: أَمْهَلَ رَسُول اللَّهِ ﷺ جَعْفَرَ ثَلَاثًا أَنْ يَأْتِيَهُمْ، ثُمَّ أَتَاهُمْ، فَقَالَ: "لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدَ اليَوْمِ، ادْعُوا إِلَيَّ ابْنَيْ أَخِي"، قَالَ: فَجِيءَ بِنَا كَأنَّا أَفْرُخٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ادْعُوا لِيَ الحَلَّاقَ" فَجِيءَ بِالْحَلَّاقِ، فَحَلَقَ رُؤُوسَنَا، ثُمَّ قَالَ ﷺ : "أَمَّا مُحَمَّدٌ، فَشَبِيهُ عَمِّنَا أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ، فَشَبِيهُ خَلْقِي وَخُلُقِي". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ اخْلُفْ جَعْفَرًا فِي أَهْلِهِ، وَبَارِكْ لِعَبْدِ اللَّهِ فِي صَفْقَةِ يَمِينِهِ" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ جَعْفَرَ ﵄: فَجَاءَتْ أُمُّنَا (٢)، فَذَكَرَتْ لَهُ يُتْمَنَا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "العَيْلةَ (٣) تَخَافِينَ عَلَيْهِمْ، وَأَنَا وَلِيُّهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ" (٤).

стр. 1905

وَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا جَاءَ قَتْلُ ابنِ حَارِثَةَ، وَجَعْفَرَ بنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بنَ رَوَاحَةَ ﵃، جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْرَفُ فِيهِ الحُزْنُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَأَنَا أَطَّلِعُ مِنْ صَائِرِ البَابِ -تَعْنِي مِنْ شِقِّ البَابِ- فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ نِسَاءَ (١) جَعْفَرَ وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ، ثُمَّ أَتَى، فَقَالَ: قَدْ نَهَيْتُهُنَّ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُطِعْنَهُ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْضًا، فَذَهَبَ، ثُمَّ أَتَى، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ غَلَبْنَنَا، فزَعَمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ مِنَ التُّرَابِ"، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ، فَوَاللَّهِ مَا أَنْتَ تَفْعَلُ، وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ مِنَ العَنَاءَ (٢). ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِهِ: "اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرَ طَعَامًا، فَقَدْ أَتَاهُمْ أَمْرٌ يَشْغَلُهُمْ، أَوْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ" (٣). * حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ رَضِيَ اللَّهُ

стр. 1906

عَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اليَوْمَ الثَّالِثَ مِنْ قَتْلِ جَعْفَرَ، فَقَالَ: "لَا تُحِدِّي (١) بَعْدَ يَوْمِكِ هَذَا" (٢). فَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ؛ وَلِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُحِدُّ عَلَى مَيْتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا" (٣). * تَلَقِّي أَهْلِ المَدِينَةِ جَيْشَ مُؤْتَةَ: قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا دَنَا الجَيْشُ مِنَ المَدِينَةِ تَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالمُسْلِمُونَ، وَلَقِيَهُمُ الصِّبْيَانُ يَشْتَدُّونَ (٤)، . . . فَجَعَلَ النَّاسُ يَحْثُونَ عَلَى الجَيْشِ التُّرَابَ، وَيَقُولُونَ: يَا فُرَّارُ، فَرَرْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ! ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ

стр. 1907

- ﷺ : "لَيْسُوا بِالفُرَّارِ، وَلَكِنَّهُمُ الكُرَّارُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ" (١). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَعِنْدِي أَنَّ ابنَ إِسْحَاقَ قَدْ وَهِمَ في هَذَا السِّيَاقِ، فَظَنَّ أَنَّ هَذَا الجُمْهُورَ الجَيْشُ، وَإِنَّمَا كَانَ للذِينَ فَرُّوا حِينَ الْتَقَى الجَمْعَانِ، وَأَمَّا بَقِيَّتُهُمْ فَلَمْ يَفِرُّوا، بَلْ نُصِرُوا، كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ فِي قَوْلِهِ: "ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ"، فَمَا كَانَ المُسْلِمُونَ لِيُسَمُّونَهُمْ فُرَّارًا بَعْدَ ذَلِكَ، وإِنَّمَا تَلَقَّوْهُمْ إِكْرَامًا وَإِعْظَامًا، وَإِنَّمَا كَانَ التَّأْنِيبُ وَحَثْيُ التُّرَابِ لِلذِينَ فَرُّوا وَتَركُوهُمْ هُنَالِكَ (٢). وَفِي قَوْلِ النَّاسِ لِجَيْشِ المُسْلِمِينَ: يَا فُرَّارُ، مَا يَدُلُّ عَلَى مَبْلَغِ مَا وَصَلَ إِلَيْهِ الخُلُقُ الإِسْلَامِيُّ آنَئِذٍ مِنْ حُبِّ البُطُولَةِ وَإِيثَارِ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى الفِرَارِ، وَالِاسْتِحْيَاءِ مِنَ المَثَالِبِ (٣) وَالمَسَاوِي، وَتَقْدِيرٍ لِلْقِيَمِ، وَالمَعَانِي الأَدَبِيَّةِ (٤). * قَتْلَى الفَرِيقَيْنِ: وَاسْتُشْهِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ المَعْرَكَةِ العَظِيمَةِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، أَمَّا الرُّومَانُ، فَلَمْ يُعْرَفْ عَدَدُ قتلَاهُمْ غَيْرَ أَنَّ وَصْفَ المَعْرَكَةِ يَدُلُّ عَلَى كَثْرَتِهِمْ (٥).

стр. 1908

قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَهَذَا عَظِيمٌ جِدًّا أَنْ يَتَقَاتَلَ جَيْشَانِ مُتَعَادِيَانِ فِي الدِّينِ، أَحَدُهُمَا وَهُوَ الفِئَةُ التِي تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ آلَافٍ، وَأُخْرَى كَافِرَةٌ وَعِدَّتُهَا مِائتَا أَلْفِ مُقَاتِلٍ، مِنَ الرُّومِ مِائَةُ أَلْفٍ، وَمِنْ نَصَارَى العَرَبِ مِائَةُ أَلْفٍ، يَتَبَارَزُونَ وَيَتَصَاوَلُونَ، ثُمَّ مَعَ هَذَا كُلِّهِ لَا يُقْتَلُ مِنَ المُسْلِمِينَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، وَقَدْ قُتِلَ مِنَ المُشْرِكِينَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَهَذَا خَالدٌ وَحْدَهُ يَقُولُ: "لَقَدِ انْدَقَّتْ فِي يَدِي يَوْمَئِذٍ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ، وَمَا صَبَرَتْ فِي يَدِي إِلَّا صَحِيفَةٌ يَمَانِيَةٌ"، فَمَاذَا تَرَى قَدْ قَتَلَ بِهَذِهِ الأَسْيَافِ كُلِّهَا؟ دَعْ غَيْرَهُ مِنَ الأَبْطَالِ وَالشُّجْعَانِ مِنْ حَمَلَةِ القُرْآنِ، وَقَدْ تَحَكَّمُوا فِي عَبَدَةِ الصُّلْبَانِ عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ الرَّحْمَنِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وَفِي كُلِّ أَوَانٍ، وَهَذَا مِمَّا يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (١). * بَعْضُ الفَوَائِدِ التِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهَا غَزْوَةُ مُؤْتَةَ: قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - جَوَازُ تَعْلِيقِ الإِمَارَةِ بِشَرْطٍ، وَتَوْليَةُ عِدَّةِ أُمَرَاءَ بِالتَّرْتِيبِ.

стр. 1909

٢ - وَفِيهِ جَوَازُ التَّأَمُّرِ فِي الحَرْبِ بِغَيْرِ تَأْمِيرٍ. ٣ - وَفِيهِ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ . ٤ - وَفِيهِ عَلَمٌ ظَاهِرٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ. ٥ - وَفِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِخَالِدِ بنِ الوَليدِ ﵁، وَلِمَنْ ذُكِرَ مِنَ الصَّحَابَةِ (١). * * *

стр. 1910

سَرِيَّةُ ذاتِ السَّلاسِلِ (١) وَكَانَ سَبَبُ هَذِهِ السَّرِيَّةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَلَغَهُ أَنَّ جَمْعًا مِنْ قُضَاعَةَ، وَهُمْ بلِي (٢)، وعُذْرَةَ (٣)، وبَنو القيْنِ، قَدْ تَجَمَّعُوا يُرِيدُونَ الإِغارَةَ عَلى أَطْرَافِ المَدِينَةِ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمْرَو بنَ العَاصِ ﵁، فَبَعَثَهُ إِلَيْهِمْ، وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ لِلْهِجْرَةِ (٤). قَالَ عَمْرُو بنُ العَاصِ ﵁: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا عَمْرُو، اشْدُدْ عَلَيْكَ سِلَاحَكَ وَثِيَابَكَ، ثُمَّ ائْتِنِي". قَالَ عَمْرٌو: فَفَعَلْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَصَعَّدَ فِيَّ النَّظَرَ، ثُمَّ طَأْطَأَهُ (٥) فَقَالَ: "يَا عَمْرُو، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَكَ عَلَى جَيْشٍ، فَيُسَلِّمَكَ اللَّهُ وَيُغْنِمُكَ، وَأَزْعَبُ (٦) لَكَ مِنَ المَالِ زَعْبَةً صَالِحَةً". فَقَالَ عَمْرٌو ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَمْ أُسْلِمْ رَغْبَةً فِي المَالِ، إِنَّمَا

стр. 1911

أَسْلَمْتُ رَغْبَةَّ فَي الجِهَادِ، وَالكَيْنُونَةِ مَعَكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا عَمْرُو، نِعِمَّا (١) بِالمَالِ الصَّالِحِ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ" (٢). ثُمَّ عَقَدَ له رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِوَاءً أَبْيَضَ، وَبَعَثَهُ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَمَعَهُمْ ثَلَاثُونَ فَرَسًا، فَخَرَجَ عَمْرُو بنُ العَاصِ ﵁ يَسِيرُ اللَّيْلَ وَيَكْمُنُ النَّهَارَ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنَ القَوْمِ بَلَغَهُ أَنَّ لَهُمْ جَمْعًا كَثِيرًا، فَبَعَثَ رَافِعَ بنَ مَكِيثٍ الجُهَنِيَّ ﵁ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْتَمِدُّهُ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِ أَبَا عُبَيْدَةَ بنَ الجَرَّاحِ ﵁ فِي مِائَتَيْنِ مِنَ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ، فِيهِمْ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄، وَأَمَرَهُ أَنْ يَلْحَقَ بِعَمْرٍو، وَأَنْ يَكُونَا جَمِيعًا وَلَا يَخْتَلِفَا. فَخَرَجَ أَبُو عُبَيْدَةَ ﵁ فَلَحِقَ بِعَمْرٍو، فَأَرَادَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَنْ يَؤُمَّ النَّاسَ، فَقَالَ عَمْرٌو: إِنَّمَا قَدِمْتَ عَلَيَّ مَدَدًا وَأَنَا الأَمِيرُ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدةَ: لَا، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ، وَأَنْتَ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: بَلْ أَنْتَ مَدَدٌ لِي. وَفِي رِوَايَةٍ فَقَالَ المُهَاجِرُونَ: بَلْ أَنْتَ أَمِيرُ أَصْحَابِكَ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ أَمِيرُ المُهَاجِرِبنَ، فَقَالَ عَمْرٌو: إِنَّمَا أَنْتُمْ مَدَدٌ لَنَا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَكَانَ

стр. 1912

رَجُلًا حَسَنَ الخُلُقِ لَيِّنَ العَرِيكَةَ (١)، سَهْلًا، هَيِّنًا عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا، قَالَ: لَتَعْلَمُ يَا عَمْرُو! أَنَّ آخِرَ شَيءٍ عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ قَالَ: "إِنْ قَدِمْتَ عَلَى صَاحِبِكَ فَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا"، وَإِنَّكَ إِنْ عَصَيْتَنِي لَأُطِيعَنَّكَ، فَقَالَ عَمْرٌو ﵁: فَإِنِّي الأَمِيرُ عَلَيْكَ، وَأَنْتَ مَدَدٌ لِي، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: فَدُونَكَ، فَكَانَ عَمْرٌو يُصَلِّي بِالنَّاسِ. وَسَارَ حَتَّى وَطِئَ بِلَادَ بَلِي وَدَوَّخَهَا (٢)، حَتَّى أَتَى إِلَى أَقْصَى بِلَادِهِمْ وَبِلَادِ عُذْرَةَ وَبَنِي القَيْنِ، وَلَقِيَ فِي آخِرِ ذَلِكَ جَمْعًا لَيْسَ بِالكَثِيرِ، فَاقْتَتَلُوا ساعَةً وَتَرَامَوْا بِالنَّبْلِ، ثُمَّ حَمَلَ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ، فَهَرَبُوا وَتَفَرَّقُوا فِي البِلَادِ. وَأَقَامَ عَمْرُو بنُ العَاصِ ﵁ أَيَّامًا، وَكَانَ يَبْعَثُ الخَيْلَ، فَيَأْتُونَ بِالشَّاءِ وَالنَّعَمِ، فَيَنْحَرُونَ وَيَأْكُلُونَ. وَفِي هَذِهِ السَّرِيَّةِ أَمَرَ عَمْرُو بنُ العَاصِ ﵁ النَّاسَ أَنْ لَا يُوقِدُوا نَارًا، فَغَضِبَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁، وَهَمَّ أَنْ يَنَالَ مِنْهُ، فنَهَاهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁، وَقَالَ لَهُ: دَعْهُ، فَإِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ عَلَيْنَا إِلَّا لِعِلْمِهِ بِالحَرْبِ، فَهَدَأَ عَنْهُ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ ابنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: فكَلَّمَ النَّاسَ أَبَا بَكْرٍ

стр. 1913

الصِّدِّيقَ ﵁ فكلَّمَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ عَمْرٌو: لَا يُوقِدُ أَحَدٌ مِنْهُمْ نَارًا إِلَّا قَذَفْتُهُ فِيهَا، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَقُوا العَدُوَّ فَهَزَمُوهُمْ، فَأَرَادُوا أَنْ يَتْبَعُوهُمْ فَمَنَعَهُمْ. * الرُّجُوعُ إِلَى المَدِينَةِ: فَلَمَّا قَفَلُوا رَاجِعِينَ إِلَى المَدِينَةِ احْتَلَمَ عَمْرُو بنُ العَاصِ ﵁ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ كَأَشَدِّ مَا يَكُونُ مِنَ البَرْدِ، فَخَرَجَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: وَاللَّهِ لَقَدِ احْتَلَمْتُ البَارِحَةَ، فَغَسَلَ مَغَابِنَهُ (١) وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ (٢)، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ، ثُمَّ بَعَثَ عَمْرُو بنُ العَاصِ ﵁ عَوْفَ بنَ مَالِكٍ الأَشْجَعِيَّ ﵁ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُبَشِّرُهُ بِانْتِصَارِهِ، وَأَنَّهُ عَزَّزَ نُفُوذَ المُسْلِمِينَ عَلَى تُخُومِ الشَّامِ، وَيُخْبِرُهُ بِرُجُوعِ الجَيْشِ وَسَلَامَتِهِ. فَلَمَّا قَدِمَ عَمْرُو بنُ العَاصِ ﵁ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالمُسْلِمُونَ مَعَهُ،

стр. 1914

سَأَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَيْفَ وَجَدْتُمْ عَمْرًا وَأَصْحَابَهُ؟ ". فَأَثْنُوا عَلَيْهِ خَيْرًا، ثُمَّ ذَكَرُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْعَ عَمْرٍو لَهُمْ مِنْ إِيقَادِ النِّيرَانِ، وَمِنِ اتِّبَاعِ العَدُوِّ، وَمِنْ صَلَاتِهِ بِهِمْ وَهُوَ جُنُبٌ. فَسَأَلهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ عَمْرٌو: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ آذَنَ لَهُمْ أَنْ يُوقِدُوا نَارًا، فَيَرَى عَدُوُّهُمْ قِلَّتَهُمْ، وَكَرِهْتُ أَنْ يَتْبَعُوهُمْ، فَيَكُوُن لَهُمْ مَدَدٌ فَيَعْطِفُوا عَلَيْهِمْ، وَإِنِّي احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ البَرْدِ، فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلَكَ، وَذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (١). فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى عَمْرٍو، وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا (٢). * مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: فَلَمَّا عَرَفَ عَمْرُو بنُ العَاصِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ رَضِيَ عَنْ كُلِّ مَا

стр. 1915

فَعَلَ، ظَنَّ أَنَّهُ صَارَتْ لَهُ مَكَانَةً عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْظَمَ مِنْ مَكَانَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْكَ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَائِشَةُ". قُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ ﷺ : "أَبُوهَا". قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ فَقَالَ ﷺ : "ثُمَّ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ". قَالَ عَمْرٌو: فَعَدَّ رِجَالًا، فَسَكَتُّ مَخَافَةَ أَنْ يَجْعَلَنِي فِي آخِرِهِمْ (١). وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ شَقِيقٍ قَالَ: قَالَ عَمْرٌو ﵁ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ ﵁: ثُمَّ مَنْ؟ . قَالَ ﷺ : "أَبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ" (٢). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَهَذَا يُفَسِّرُ بَعْضَ الرِّجَالِ الذِينَ أُبْهِمُوا فِي الحَدِيثِ (٣).

стр. 1916

* وَفِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - جَوَازُ تَأْمِيرِ المَفْضُولِ عَلَى الفَاضِلِ، إِذَا امْتَازَ المَفْضُولُ بِصِفَةٍ تَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ الوِلَايَةِ. ٢ - وَفِيهِ مَزِيَّةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ عَلَى الرِّجَالِ، وَبِنْتِهِ عَائِشَةَ ﵂ عَلَى النِّسَاءِ. ٣ - وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ لِعَمْرِو بنِ العَاصِ ﵁ لِتَأْمِيرِهِ عَلَى جَيْشٍ فِيهِمْ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي أَفْضَلِيَّتَهُ عَلَيْهِمْ، لَكِنْ يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ فَضْلًا فِي الجُمْلَةِ (١). * * *

стр. 1917

سَرِيَّةُ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ إِلَى خَضِرَةَ (١) وَكَانَتْ هَذِهِ السَّرِيَّةُ فِي شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا قتادَةَ الحَارِثَ بنَ رِبْعِيٍّ ﵁، فِي خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا إِلَى خَضِرَةَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ غَطَفَانَ كَانُوا يَتَحَشَّدُونَ هُنَاكَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَشُنَّ عَلَيْهِمُ الغَارَةَ، فَسَارَ اللَّيْلَ وَكَمَنَ النَّهَارَ، فَهَجَمَ عَلَى حَاضِرٍ (٢) مِنْهْمُ عَظِيمٍ، فَأَحَاطَ بِهِمْ، وَقَاتَلَ مِنْهُمْ رِجَالًا، فَقَتَلُوا مِنْ أَشْرَافِهِمْ، وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ (٣)، فَكَانَتِ الإِبِلُ مِائَتَيْ بَعِيرٍ، وَالغَنَمَ أَلْفَيْ شَاةٍ، وَسَبُوا سَبْيًا كَثِيرًا، فنَفَلَهُمْ أَمِيرُهُمْ بَعِيرًا بَعِيرًا لِكُلِّ رَجُلٍ، ثُمَّ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ غَنِيمَتَهُمْ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ الخُمُسَ، فَأَصَابَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ اثْنَا عَشَرَ بَعِيرًا، وَعَدَلَ البَعِيرَ بِعَشْرٍ مِنَ الغَنَمِ، وَكَانَتْ غَيْبَتُهُمْ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً. وَكَانَ فِي السَّبْي جَارِيَهٌ وَضِيئَةٌ وَقَعَتْ فِي سَهْمِ أَبِي قَتَادَةَ، فَجَاءَ مَحْمِيَةُ (٤) بنُ جَزْءٍ ﵁ (٥)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبَا قتادَةَ قَدْ أَصَابَ فِي وَجْهِهِ هَذَا

стр. 1918

جَارِيَةً، وَقَدْ كُنْتَ وَعَدْتَنِي جَارِيَةً مِنْ أَوَّلِ فَيْءٍ يَفِيءُ اللَّهُ عَلَيْكَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَوْهَبَهُ الجَارِيَةَ، فَوَهَبَهَا لَهُ، فَدَفَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَحْمِيَةَ بنِ جَزْءٍ ﵁ (١). * * *

стр. 1919

سَرِيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ، بنِ أَبِي حَدْرَدٍ ﵁ إِلَى الغَابَةِ وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي جُشَمٍ يُقَالُ لَهُ: رِفَاعَةُ بنُ قَيْسٍ أَوْ قَيْسُ بنَ رِفَاعَةَ، قَدْ نَزَلَ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ مِنْ قَوْمِهِ بِالغَابَةِ يُرِيدُ أَنْ يَجْمَعَ جُمُوعًا لِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَبَرَهُ بَعَثَ إِلَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ بنَ أَبِي حَدْرَدٍ الأَسْلَمِيَّ ﵁، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ قَدْ طَلَبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعِينَهُ فِي مَهْرِ زَوْجَتِهِ، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَمْ أَصْدَقْتَ؟ " (١). قَالَ: مِائتَيْ دِرْهَمٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ كُنْتُمْ تَغْرِفُونَ الدَّرَاهِمَ مِنْ وَادِيكُمْ (٢) هَذَا مَا زِدْتُمْ (٣)، مَا عِنْدِي مَا أُعْطِيكَ". ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بنَ أَبِي حَدْرَدٍ ﵁، وَرَجُلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ لِيَخْرُجُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ -قَيْسِ بنِ رِفَاعَةَ أَوْ رِفَاعَةَ بنَ قَيْسٍ-.

стр. 1920

فَخَرَجُوا وَتَمَكَّنَ ابنُ حَدْرَدٍ ﵁ مِنْ قَتْلِ رِفَاعَةَ بنِ قَيْسٍ، وَهَرَبَ قَوْمُهُ، فَأَخَذُوا مَا قَدِرُوا عَلَيْهِ مِنَ النِّسَاءِ وَالأَوْلَادِ، وَمَا خَفَّ مَعَهُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَاسْتَاقُوا إِبِلًا عَظِيمَةً وَغَنَمًا كَثِيرَةً، وَجَاؤُوا بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بنَ أَبِي حَدْرَدٍ ﵁ ثَلَاثَةَ عَشَرَ بَعِيرًا مِنْ تِلْكَ الإِبِلِ (١). * * *

стр. 1921

سَرِيَّةُ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ إِلَى إِضَمٍ (١) بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا قَتَادَةَ الحَارِثَ بنَ رِبْعِيٍّ ﵁ فِي سَرِيَّةٍ إِلَى إِضَمٍ، وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فِيهِمْ: عَبْدُ اللَّهِ بنُ أَبِي حَدْرَدٍ ﵁، وَمُحَلِّمُ بنُ جَثَّامَةَ بنِ قَيْسٍ، وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ لِلْهِجْرَةِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَطْنِ إِضَمٍ مَرَّ بِهِمْ عَامِرُ بنُ الأَضْبَطِ الأَشْجَعِيُّ عَلَى قَعُودٍ (٢) لَهُ، وَمَعَهُ مُتَيِّعٌ (٣) لَهُ وَوَطْبٌ (٤) مِنْ لَبَنٍ، فَلَمَّا مَرَّ بِهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ بِتَحِيَّةِ الإِسْلَامِ، فَأَمْسَكَ عَنْهُ القَوْمُ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ مُحَلِّمُ بنُ جَثَّامَةَ، فَقتَلَهُ لِشَيْءٍ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَأَخَذَ قَعُودَهُ وَمُتَيِّعَهُ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وَلَمْ يَلْقَوْا جَمْعًا، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَخْبَرُوهُ الخَبَرَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمُحَلِّمِ بنِ جَثَّامَةَ: "أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالِ إِنِّي مُسْلِمٌ"، قَالَ: إِنَّمَا قَالَهَا مُتَعَوِّذًا (٥)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَهَلَّا شَقَقْتَ عَنْ بَطْنِهِ فَعَلِمْتَ مَا فِي قَلْبِهِ؟ ".

стр. 1922

فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ شَقَقْتُ بَطْنَهُ لَكُنْتُ أَعْلَمُ مَا فِي قَلْبِهِ! . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَلَا أَنْتَ قَبِلْتَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ، وَلَا أَنْتَ تَعْلَمُ مَا فِي قَلْبِهِ". فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ". وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (١). فَلَمْ يَلْبَثْ مُحَلِّمٌ إِلَّا سَبْعًا حَتَّى مَاتَ، فَلَمَّا دَفَنُوهُ، لفَظَتْهُ (٢) الأَرْضُ، ثُمَّ عَادُوا فَدَفَنُوهُ، فَلَفَظَتْهُ الأَرْضُ، ثُمَّ عَادُوا فَدَفَنُوهُ، فَلَفَظَتْهُ الأَرْضُ، فَلَمَّا غُلِبَ قَوْمُهُ عَمَدُوا إِلَى صُدَّيْنِ (٣) فَسَطَّحُوهُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ رَضَمُوا (٤) عَلَيْهِ الحِجَارَةَ حَتَّى

стр. 1923

وَارُوهُ (١)، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "وَاللَّهِ إِنَّ الأَرْضَ لَتُطَابِقُ عَلَى مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يَعِظَكُمْ فِي حُرْمِ مَا بَيْنَكُمْ بِمَا أَرَاكُمْ مِنْهُ". وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ ﷺ : "أَمَا إِنَّهَا -أَي الأَرْضُ- تَقْبَلُ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُ مَوْعِظَةً لَكُمْ لِكَيْلَا يُقْدِمَ رَجُلٌ مِنْكُمْ عَلَى قَتْلِ مَنْ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَوْ يَقُولَ: إِنِّي مُسْلِمٌ" (٢). قُلْتُ: وَقَعَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ قِصَّةٌ أُخْرَى لِرَجُلٍ لفَظَتْهُ الأَرْضُ، فَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ نَصْرَانِيٌّ، فَأَسْلَمَ، وَقَرَأَ البَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، وَكتَبَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَعَادَ نَصْرَانِيًّا، فَكَانَ يَقُولُ: مَا يَقْرَأُ مُحَمَّدٌ إِلَّا مَا كتَبْتُ لَهُ، فَأَمَاتَهُ اللَّهُ ، فَدَفَنُوهُ، فَأَصْبَحَ قَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ، وَأَعَادُوا دَفْنَهُ، فَلَفَظَتْهُ الأَرْضُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (٣). * * *

стр. 1924

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون «دراسة محققة للسيرة النبوية» تأليف موسى بن راشد العازمي تقريظ الدكتور محمد رواس قلعه جي الشيخ عثمان الخميس [الجزء الرابع]

стр. 1925

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1926

اللُّؤْلُؤ الْمكنُون فِي سِيْرَة النَّبِيّ الْمَأْمُون [٤]

стр. 1927

حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للمؤلف فهرسة مكتبة الكويت الوطنية أثْنَاء النشر ٢٣٩ العازمي، مُوسَى بن رَاشد. اللُّؤْلُؤ الْمكنُون فِي سِيْرَة النَّبِيّ الْمَأْمُون: دراسة مُحَققَة للسيرة النَّبَوِيَّة (الْجُزْء الرابع) تأليف مُوسَى بن رَاشد العازمي - ط ١ - الكويت: مُوسَى بن رَاشد العازمي، ٢٠١١ ج ٤ (٦٩٦ ص)؛ ٢٤ سم. ردمك: ٧ - ٠٤ - ٤٤ - ٩٩٩٦٦ - ٩٧٨ ١. السِّيرَة النَّبَوِيَّة ... أ. العنوان ردمك: ٧ - ٠٤ - ٤٤ - ٩٩٩٦٦ - ٩٧٨ رقم الْإِيدَاع: ٢٤٣/ ٢٠١١ الطبعة الأولى ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م تمّ طباعة الْكتاب على نَفَقَة عبد اللَّه الْعلي المطوع ﵀ الناشر المكتبة العامرية إعلان وطباعة وَنشر وتوزيع الكويت - حَولي - شَارِع الْمثنى - مجمع البدري - مَحل رقم ١٣ تلِي فاكس: ٠٠٩٦٥٢٢٦٢٣٨٨٠ - جوال: ٠٠٩٦٥٩٩٨٦٢١٩٧ الْبَرِيد الإلكتروني: al_aamria@hotmail.com manaar ١@yahoo.com موقع المكتبة: www.sites.google.com/site/amriabookstore

стр. 1928

دولة الكويت وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية السيد الفاضل/ مدير إدارة الثقافة الإسلامية المحترم السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته,, وبعد بالإشارة إلى الكتاب رقم (٣١٥) بشأن مراجعة: مادة بحث عدد (١) الوارد بتاريخ: ٣/ ٣/ ٢٠١١ بعنوان: اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون ج ٤ إعداد: موسى بن راشد العازمي نشر: المؤلف بعد الإطلاع على النسخة المذكورة أعلاه ومراجعتها نحيطكم علمًا بأنه لم تتبين لنا ملاحظات تذكر. وتفضلوا بقبول فائق الاحترام,, رئيس لجنة الكتب والمصنفات الفنية الأصل بتوقيع خليف مثيب الأذينة الوكيل المساعد للشئون الثقافية

стр. 1929

غَزْوَةُ فَتْحِ مَكَّةَ مِنْ بِدَايَتِهَا إِلَى نِهَايَتِهَا الفَتْحُ الأَعْظَمُ فَتْحُ مَكَّةَ هَذَا الفَتْحُ الذِي أَعَزَّ اللَّهُ بِهِ دِينَهُ، وَرَسُولَهُ، وَجُنْدَهُ، وَحِزْبَهُ الأَمِينَ، وَاسْتَنْقَذَ بِهِ بَلَدَهُ وَبَيْتَهُ الذِي جَعَلَهُ هُدًى لِلْعَالَمِينَ مِنْ أَيْدِي الكُفَّارِ وَالمُشْرِكِينَ، وَهُوَ الفَتْحُ الذِي اسْتَبْشَرَ بِهِ أَهْلُ السَّمَاءَ، وَضُرِبَتْ أَطْنَابُ عِزِّهِ عَلَى مَنَاكِبِ الجَوْزَاءَ، ودَخَلَ النَّاسُ بِهِ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، وَأَشْرَقَ بِهِ وَجْهُ الأَرْضُ ضِيَاءً وَابْتِهَاجًا (١). وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الفَتْحَ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ (٢) وَقَاتَلَ (٣) أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٤).

стр. 1930

وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (١). * سَبَبُ الفَتْحِ: وَكَانَ سَبَبُ غَزْوَةِ الفَتْحِ: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ بَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ كَانَ فِي أَحَدِ بُنُودِ الصُّلْحِ: أَنَّ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَهْدِهِ دَخَلَ فِيهِ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ دَخَلَ فِيهِ، وأَنَّ القَبِيلَةَ التِي تَنْضَمُّ إِلَى أَيِّ الفَرِيقَيْنِ تُعْتَبَرُ جُزْءًا مِنْ ذَلِكَ الفَرِيقِ، فَأَيُّ عُدْوَانٍ تتعَرَّضُ لَهُ أَيٌّ مِنْ تِلْكَ القَبَائِلِ يُعْتَبَرُ عُدْوَانًا عَلَى ذَلِكَ الفَرِيقِ -كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ- فَدَخَلَتْ خُزَاعَةُ فِي عَقْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَهْدِهِ، وَدَخَلَتْ بَنُو بَكْرِ بنِ عَبْدِ مَنَاةَ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ. * الحُرُوبُ بَيْنَ القَبِيلَتَيْنِ قَدِيمَةٌ: وَكَانَ بَيْنَ القَبِيلَتَيْنِ عَدَاوَاتٌ وَحُرُوبٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ، وَوَقَعَتِ الهُدْنَةُ، وَأَمِنَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنَ الآخَرِ، اغْتَنَمَ بَنُو بَكْرٍ هَذِهِ الفُرْصَةَ، وَأَرَادُوا أَنْ يُصِيبُوا مِنْ خُزَاعَةَ ثَأْرَهُمُ القَدِيمَ. فَخَرَجَ نَوْفَلُ بنُ مُعَاوِيَةَ الدَّيْلِيُّ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي بَكْرٍ حَتَّى بَيَّتُوا (٢)
следующие страницы →