Полный текст (2 595 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
اللُّؤْلُؤ الْمكنُون فِي سِيْرَة النَّبِيّ الْمَأْمُون
[٤]
стр. 1927
حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للمؤلف
فهرسة مكتبة الكويت الوطنية أثْنَاء النشر
٢٣٩ العازمي، مُوسَى بن رَاشد.
اللُّؤْلُؤ الْمكنُون فِي سِيْرَة النَّبِيّ الْمَأْمُون: دراسة مُحَققَة للسيرة النَّبَوِيَّة (الْجُزْء الرابع)
تأليف مُوسَى بن رَاشد العازمي - ط ١ - الكويت: مُوسَى بن رَاشد العازمي، ٢٠١١
ج ٤ (٦٩٦ ص)؛ ٢٤ سم.
ردمك: ٧ - ٠٤ - ٤٤ - ٩٩٩٦٦ - ٩٧٨
١. السِّيرَة النَّبَوِيَّة ... أ. العنوان
ردمك: ٧ - ٠٤ - ٤٤ - ٩٩٩٦٦ - ٩٧٨
رقم الْإِيدَاع: ٢٤٣/ ٢٠١١
الطبعة الأولى
١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م
تمّ طباعة الْكتاب على نَفَقَة عبد اللَّه الْعلي المطوع ﵀
الناشر
المكتبة العامرية
إعلان وطباعة وَنشر وتوزيع
الكويت - حَولي - شَارِع الْمثنى - مجمع البدري - مَحل رقم ١٣
تلِي فاكس: ٠٠٩٦٥٢٢٦٢٣٨٨٠ - جوال: ٠٠٩٦٥٩٩٨٦٢١٩٧
الْبَرِيد الإلكتروني:
al_aamria@hotmail.com
manaar ١@yahoo.com
موقع المكتبة:
www.sites.google.com/site/amriabookstore
стр. 1928
دولة الكويت
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية
السيد الفاضل/ مدير إدارة الثقافة الإسلامية المحترم
السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته,, وبعد
بالإشارة إلى الكتاب رقم (٣١٥) بشأن مراجعة: مادة بحث عدد (١)
الوارد بتاريخ: ٣/ ٣/ ٢٠١١
بعنوان: اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون ج ٤
إعداد: موسى بن راشد العازمي
نشر: المؤلف
بعد الإطلاع على النسخة المذكورة أعلاه ومراجعتها نحيطكم علمًا بأنه لم تتبين لنا ملاحظات تذكر.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام,,
رئيس لجنة الكتب والمصنفات الفنية
الأصل بتوقيع
خليف مثيب الأذينة
الوكيل المساعد للشئون الثقافية
стр. 1929
غَزْوَةُ فَتْحِ مَكَّةَ مِنْ بِدَايَتِهَا إِلَى نِهَايَتِهَا
الفَتْحُ الأَعْظَمُ فَتْحُ مَكَّةَ
هَذَا الفَتْحُ الذِي أَعَزَّ اللَّهُ بِهِ دِينَهُ، وَرَسُولَهُ، وَجُنْدَهُ، وَحِزْبَهُ الأَمِينَ، وَاسْتَنْقَذَ بِهِ بَلَدَهُ وَبَيْتَهُ الذِي جَعَلَهُ هُدًى لِلْعَالَمِينَ مِنْ أَيْدِي الكُفَّارِ وَالمُشْرِكِينَ، وَهُوَ الفَتْحُ الذِي اسْتَبْشَرَ بِهِ أَهْلُ السَّمَاءَ، وَضُرِبَتْ أَطْنَابُ عِزِّهِ عَلَى مَنَاكِبِ الجَوْزَاءَ، ودَخَلَ النَّاسُ بِهِ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، وَأَشْرَقَ بِهِ وَجْهُ الأَرْضُ ضِيَاءً وَابْتِهَاجًا (١) .
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الفَتْحَ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ (٢) وَقَاتَلَ (٣) أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٤) . الحواشي
(١) انظر زاد المعاد (٣/ ٣٤٧).(٢) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تفسيره (٨/ ١٢): الجمهور على أن المراد بالفتح هاهنا فتح مكة.(٣) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تفسيره (٨/ ١٢): أي: لا يستوي هذا -أي الذي أنفق وقاتل قبل الفتح- ومن لم يفعل كفعله، وذلك أن قبل فتح مكة كان الحال شديدًا، فلم يكن يؤمن حينئذ إلا الصديقون، وأما بعد الفتح فإنه ظهر الإسلام ظهورًا عظيمًا، ودخل الناس في دين اللَّه أفواجًا، ولهذا قال سبحانه: ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾.(٤) سورة الحديد آية(١٠) .стр. 1930
وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (١) .
* سَبَبُ الفَتْحِ:
وَكَانَ سَبَبُ غَزْوَةِ الفَتْحِ: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ بَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ كَانَ فِي أَحَدِ بُنُودِ الصُّلْحِ: أَنَّ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَهْدِهِ دَخَلَ فِيهِ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ دَخَلَ فِيهِ، وأَنَّ القَبِيلَةَ التِي تَنْضَمُّ إِلَى أَيِّ الفَرِيقَيْنِ تُعْتَبَرُ جُزْءًا مِنْ ذَلِكَ الفَرِيقِ، فَأَيُّ عُدْوَانٍ تتعَرَّضُ لَهُ أَيٌّ مِنْ تِلْكَ القَبَائِلِ يُعْتَبَرُ عُدْوَانًا عَلَى ذَلِكَ الفَرِيقِ -كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ- فَدَخَلَتْ خُزَاعَةُ فِي عَقْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَهْدِهِ، وَدَخَلَتْ بَنُو بَكْرِ بنِ عَبْدِ مَنَاةَ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ.
* الحُرُوبُ بَيْنَ القَبِيلَتَيْنِ قَدِيمَةٌ:
وَكَانَ بَيْنَ القَبِيلَتَيْنِ عَدَاوَاتٌ وَحُرُوبٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ، وَوَقَعَتِ الهُدْنَةُ، وَأَمِنَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنَ الآخَرِ، اغْتَنَمَ بَنُو بَكْرٍ هَذِهِ الفُرْصَةَ، وَأَرَادُوا أَنْ يُصِيبُوا مِنْ خُزَاعَةَ ثَأْرَهُمُ القَدِيمَ.
فَخَرَجَ نَوْفَلُ بنُ مُعَاوِيَةَ الدَّيْلِيُّ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي بَكْرٍ حَتَّى بَيَّتُوا (٢) الحواشي
(١) سورة النصر بكاملها.(٢) بَيَّته: جاءه ليلًا. انظر النهاية (١/ ١٦٧).стр. 1931
خُزَاعَةَ لَيْلًا وَهُمْ آمِنُونَ، عَلَى مَاءٍ لَهُمْ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ، يُقَالُ لَهُ: "الوَتِيرُ"، وَكَانَ مِنْهُمُ الْمُصَلِّي وَمِنْهُمُ النَّائِمُ، فَأَصَابُوا مِنْهُمْ رِجَالًا، فَاقْتَتَلُوا إِلَى أَنْ دَخَلُوا الحَرَمَ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَيْهِ قَالَتْ بَنُو بَكْرٍ لِنَوْفَلِ بنِ مُعَاوِيَةَ: يَا نَوْفَلُ! إنَّا قَدْ دَخَلْنَا الحَرَمَ، إِلَهَكَ، إِلَهَكَ.
فَقَالَ نَوْفَلٌ كَلِمَةً عَظِيمَةً: لَا إِلَهَ اليَوْمَ يَا بَنِي بَكْرٍ! أَصِيبُوا ثَأْرَكُمْ، فَلَعَمْرِي إِنَّكُمْ لَتَسْرِقُونَ فِي الحَرَمِ، أَفَلَا تُصِيبُونَ ثَأْرَكُمْ فِيهِ؟ .
فَانْطَلَقَتْ هَذِهِ المَجْمُوعَةُ مِنْ خُزَاعَةَ هَارِبِينَ، وَبَنُو بَكْرٍ وَرَاءَهُمْ بِالسُّيُوفِ، حَتَّى لَجَؤُوا إِلَى دَارِ بُدَيلِ بنِ وَرْقَاءَ -سَيِّدِ خُزَاعَةَ- فَوَجَدُوا البَابَ مُغْلَقًا، فَقَتَلَتْهُمْ بَنُو بَكْرٍ عِنْدَ بَابِ بُدَيلِ بنِ وَرْقَاءَ سَيِّدِ خُزَاعَةَ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ عِشْرُونَ رَجُلًا، وَشَارَكَ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِي قَتْلِ خُزَاعَةَ، مِنْهُمْ: صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ، وَحُوَيْطِبُ بنُ عَبْدِ العُزَّى، وَمِكْرَزُ بنُ حَفْصٍ، وَعِكْرِمَةُ بنُ أَبِي جَهْلٍ، وَسُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو.
وَكَانَ ذَلِكَ فِي شَهْرِ شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ.
* نَدَمُ قُرَيْشٍ:
ثُمَّ نَدِمَتْ قُرَيْشٌ عَلَى مَا صَنَعَتْ مِنْ مُسَاعَدَةِ بَنِي بَكْرٍ فِي قَتْلِ خُزَاعَةَ، وَعَلِمُوا أَنَّ هَذَا نَقْضٌ وَاضِحٌ لِصُبْحِ الحُدَيْبِيَةِ الذِي كَانَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَجَاءَ الحَارِثُ بنُ هِشَامٍ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ بنِ حَرْبٍ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا فَعَلَ القَوْمُ، فَقَالَ: هَذَا أَمْرٌ لَمْ أَشْهَدْهُ، وَلَمْ أَغِبْ عَنْهُ، وَإِنَّهُ لَشَرٌّ، وَوَاللَّهِ لَيَغْزُونَا مُحَمَّدٌ (١) . الحواشي
(١) أخرج ذلك كله: ابن حبان في صحيحه - كتاب الجنايات - باب القصاص - رقم الحديث =стр. 1932
* خُزَاعَةُ تَسْتَنْجِدُ بِالرَّسُولِ ﷺ -:
وَلَمَّا انْقَضَى القِتَالُ خَرَجَ عَمْرُو بنُ سَالِمٍ الخُزَاعِيُّ، حَتَّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ:
يَا رَبِّ إِنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدَا ... حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الأَتْلَدَا (١)
قَدْ كُنْتُمُ وُلْدًا وَكُنَّا وَالِدًا (٢) ... ثمَّتَ أَسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدَا
فَانْصُرْ هَدَاكَ اللَّهُ نَصْرًا أَعْتَدَا (٣) ... وَادْعُ عِبَادَ اللَّهِ يَأْتُوا مَدَدَا
فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ قَدْ تَجَرَّدَا ... أَبْيَضَ مِثْلَ البَدْرِ يَسْمُو صُعُدَا
فِي فَيْلَقٍ كَالبَحْرِ يَجْرِي مُزْبِدَا ... إِنَّ قُرَيْشًا أَخْلَفُوكَ المَوْعِدَا
وَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ المُؤَكَّدَا ... وَجَعَلُوا لِي فِي كَدَاءٍ (٤) رُصَّدَا
وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتُ أَدْعُو أَحَدَا ... وَهُمْ أَذَلُّ وَأَقَلُّ عَدَدَا
هُمْ بَيَّتُونَا بِالوَتِيرِ هُجَّدَا (٥) ... وَقَتَلُونَا رُكَّعًا وَسُجَّدَا الحواشي
(٥٩٩٦) - وإسناده حسن - وأخرجه ابن سعد في طبقاته (٢/ ٣١٦) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٣٧ وما بعدها) - والبيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٥ وما بعدها).(١) الأتْلَدَا: القديم. انظر النهاية (١/ ١٨٩).(٢) قال السُهيلي في الرَّوْض الأُنُف (٤/ ١٤٦): يريد أن بني عبد مناف أمهم من خزاعة، وكذلك: قُصي بن كلاب أمه: فاطمة بنت سعد الخزاعية، والوُلد بمعنى الوَلد.(٣) أعتدا: أي حاضرا. انظر لسان العرب (٩/ ٣١).(٤) كَداء: بفتح الكاف: هي الثنية العليا بمكة مما يلي المقابر: وهو المعلا. انظر النهاية (٤/ ١٣٦).(٥) المُتَهجد: هو المصلي بالليل، ومنه قوله تَعَالَى في سورة الإسراء آية(٧٩) : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ انظر النهاية (٥/ ٢١١).стр. 1933
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نُصِرْتَ يَا عَمْرَو بنَ سَالِمٍ"، فَمَا بَرِحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ سَحَابَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ هَذِهِ السَّحَابَةَ لَتَسْتَهِلُّ بِنَصْرِ بَنِي كَعْب".
ثُمَّ خَرَجَ بدَيلُ بنُ وَرْقَاءَ -سَيِّدُ خُزَاعَةَ- فِي نَفَرٍ مِنْ خُزَاعَةَ، حَتَّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، فَأَخْبَرُوهُ تَفَاصِيلَ الخَبَرِ، وَأَنَّ قُرَيْشًا سَاعَدَتْ بَنِي بَكْرٍ عَلَى قتلِ رِجَالِ خُزَاعَةَ، ثُمَّ خَرَجَ هَذَا الوَفْدُ مِنْ خُزَاعَةَ رَاجِعًا إِلَى مَكَّةَ (١) .
* خُرُوجُ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى المَدِينَةِ لِيُجَدِّدَ الصُّلْحَ:
وَلَمَّا نَدِمَتْ قُرَيْشٌ عَلَى نَقْضِهِمُ العَهْدَ وَتَخَوَّفُوا سُوءَ صَنِيعِهِمْ، عَقَدَتْ مَجْلِسًا اسْتِشَارِيًّا، وَقَرَّرَتْ أَنْ تَبْعَثَ قَائِدَهَا أَبَا سُفْيَانَ مُمَثِّلًا لَهَا؛ لِيَقُومَ بِتَجْدِيدِ الصُّلْحِ.
وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرَ أَصْحَابَهُ بِمَا سَتَفْعَلُهُ قُرَيْشٌ إِزَاءَ غَدْرِهِمْ، فَقَالَ: "كَأَنَّكُمْ بِأَبِي سُفْيَانَ قَدْ جَاءَكُمْ لِيَشُدَّ العَقْدَ، وَيَزِيدَ فِي المُدَّةِ"، وَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ مِنْ مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانَ بِعُسْفَانَ لَقِيَ بُدَيلَ بنَ وَرْقَاءَ وَأَصْحَابَهُ رَاجِعِينَ مِنَ المَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ يَا بُدَيلُ؟ -وَظَنَّ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: سِرْتُ فِي خُزَاعَةَ فِي هَذَا السَّاحِلِ، وَفِي بَطْنِ هَذَا الوَادِي، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَوَ مَا جِئْتَ مُحَمَّدًا؟ قَالَ: لَا. الحواشي
(١) أخرج ذلك كله: ابن إسحاق في السيرة (٤/ ٤٣) وإسناده صحيح.стр. 1934
فَلَمَّا رَاحَ بُدَيلُ إِلَى مَكَّةَ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَئِنْ جَاءَ بُدَيلُ المَدِينَةَ لَقَدْ عَلَفَ (١) بِهَا النَّوَى (٢) ، فَأَتَى مَبْرَكَ رَاحِلَتِهِ، فَأَخَذَ مِنْ بَعْرِهَا، فَفَتَّهُ، فَرَأَى فِيهِ النَّوَى، فَقَالَ: أَحْلِفُ بِاللَّهِ، لَقَدْ جَاءَ بُدَيلٌ مُحَمَّدًا.
* مَوْقِفُ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ ﵂:
ثُمَّ خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ حَتَّى قَدِمَ المَدِينَةَ، فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ رَمْلَةَ أُمِّ حَبِيبَةَ ﵂، فَلَمَّا ذَهَبَ لِيَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَوَتْهُ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّهُ! أَرَغِبْتِ بِي عَنْ هَذَا الفِرَاشِ، أَمْ رَغِبْتِ بِهِ عَنِّي؟
قَالَتْ: بَلْ هُوَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَنْتَ مُشْرِكٌ نَجِسٌ، فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ تَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَصَابَكِ يَا بُنَيَّةُ بَعْدِي شَرٌّ، ثُمَّ خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! اشْدُدِ العَقْدَ، وَزِدْنَا فِي المُدَّةِ، فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "وَلِذَلِكَ قَدِمْتَ! هَلْ كَانَ مِنْ حَدَثٍ قِبَلَكُمْ؟ ".
قَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ، نَحْنُ عَلَى عَهْدِنَا وَصُلْحِنَا يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، لَا نُغَيِّرُ وَلَا نُبَدِّلُ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
* طَلَبُ أَبِي سُفْيَانَ الشَّفَاعَةَ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ:
فَلَمَّا رَأَى أَبُو سُفْيَانَ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ ، ذَهَبَ. الحواشي
(١) علف: هو ما تأكله الماشية. انظر النهاية (٣/ ٢٦٠).(٢) النَّوَى: جمع نواة التمر. انظر لسان العرب (١٤/ ٣٤٤).стр. 1935
إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، فَكَلَّمَهُ أَنْ يُكَلِّمَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، ثُمَّ أَتَى عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁، فكلَّمَهُ أَنْ يَشْفَعَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِتَجْدِيدِ العَقْدِ، وَزِيَادَةِ المُدَّةِ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: أَأَنَا أَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَوَاللَّهِ لَوْ لَمْ أَجِدْ إِلَّا الذَّرَّ (١) لَجَاهَدْتُكُمْ بِهِ (٢) .
وَفِي رِوَايَةِ البَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ: قَالَ لَهُ عُمَرُ ﵁: مَا كَانَ مِنْ حِلْفِنَا جَدِيدًا فَأَخْلَقَهُ (٣) اللَّهُ، وَمَا كَانَ مِنْهُ مُثْبَتًا فَقَطَعَهُ اللَّهُ، وَمَا كَانَ مِنْهُ مَقْطُوعًا فَلَا وَصَلَهُ اللَّهُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ: جُزِيتَ مِنْ ذِي رَحِمٍ سُوءًا (٤) .
ثُمَّ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ ﵁ فكَلَّمَهُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: جِوَارِي فِي جِوَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
ثُمَّ خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ فَدَخَلَ عَلَى عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، وَعِنْدَهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَعِنْدَهَا الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ غُلَامٌ يَدِبُّ بَيْنَ يَدَيْهَا، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ! إِنَّكَ أَمَسُّ القَوْمِ بِنَا رَحِمًا، وَإِنِّي قَدْ جِئْتُكَ فِي حَاجَةٍ فَلَا أَرْجِعَنَّ كَمَا جِئْتُ خَائِبًا، فَاشْفَعْ لِي إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ، وَاللَّهِ لَقَدْ عَزَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَمْرٍ مَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُكَلِّمَهُ فِيهِ.
فَالْتَفَتَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى فَاطِمَةَ فَقَالَ لَهَا: يَا ابْنَةَ مُحَمَّدٍ! هَلْ لَكِ أَنْ تَأْمُرِي الحواشي
(١) الذَّرُّ: النمل الأحمر الصغير، واحدتها: ذَرَّة. انظر النهاية (٢/ ١٤٥).(٢) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٤٤ - ٤٥) - دلائل النبوة للبيهقي (٥/ ٨).(٣) الشيء الخَلِق: البالي. انظر لسان العرب (٤/ ١٩٥).(٤) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٥/ ١٠).стр. 1936
بُنَيَّكِ هَذَا فَيُجِيرَ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَكُونَ سَيِّدَ العَرَبِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ؟ .
فَقَالَتْ ﵂: وَاللَّهِ مَا بَلَغَ بُنَيَّ ذَاكَ أَنْ يُجِيرَ بَيْنَ النَّاسِ، وَمَا يُجِيرُ أَحَدٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
فَحِينَئِذٍ أَظْلَمَتِ الدُّنْيَا أَمَامَ عَيْنَيْ أَبِي سُفْيَانَ، فَقَالَ لِعَلِيٍّ ﵁ فِي يَأْسٍ وَقُنُوطٍ: يَا أَبَا حَسَنٍ! إِنِّي أَرَى الأُمُورَ قَدِ اشْتَدَّتْ عَلَيَّ، فَانْصَحْنِي.
فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ لَكَ شَيْئًا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا، وَلَكِنَّكَ سَيِّدُ بَنِي كِنَانَةَ، فَقُمْ فَأَجِرْ بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ الْحَقْ بِأَرْضِكَ.
فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَوَ ترَى ذَلِكَ مُغْنِيًا عَنِّي شَيْئًا؟ .
قَالَ: لَا وَاللَّهِ، مَا أَظُنُّهُ، وَلَكِنِّي لَا أَجِدُ لَكَ غَيْرَ ذَلِكَ.
فَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا أَيُّها النَّاسُ! إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! قَدْ أَجَرْتُ بَيْنَ النَّاسِ، وَلَا وَاللَّهِ مَا أَظُنُّ أَنْ يُخْفِرَنِي (١) أَحَدٌ، وَلَا يَرُدَّ جِوَارِي أَحَدٌ.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "أَنْتَ تَقُولُ ذَلِكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ"، ثُمَّ رَكِبَ بَعِيرَهُ وَانْطَلَقَ إِلَى مَكَّةَ.
* تَجَمُّعُ قُرَيْشٍ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ:
فَلَمَّا قَدِمَ أَبُو سُفْيَانَ عَلَى قُرَيْشٍ، قَالُوا: مَا وَرَاءَكَ؟ هَلْ جِئْتَ بِكِتَابٍ مِنْ مُحَمَّدٍ أَوْ عَهْدٍ؟ . الحواشي
(١) خَفَرْتُ الرجل: أجرته وحفظته. انظر النهاية (٢/ ٥٠).стр. 1937
قَالَ: لَا وَاللَّهِ، لَقَدْ أَبَى عَلَيَّ، وَقَدْ تَتَبَّعْتُ أَصْحَابَهُ، فَمَا رَأَيْتُ قَوْمًا لِمَلِكٍ عَلَيْهِمْ أَطْوَعَ مِنْهُمْ لَهُ، فَجِئْتُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ خَيْرًا، ثُمَّ جِئْتُ ابْنَ الخَطَّابِ فَوَجَدْتُهُ أَعْدَى العَدُوِّ، ثُمَّ جِئْتُ عَلِيًّا فَوَجَدْتُهُ أَلْيَنَ القَوْمِ، وَقَدْ أَشَارَ عَلَيَّ بِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ، فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي هَلْ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا أَمْ لَا؟ .
قَالُوا: بِمَ أَمَرَكَ؟ .
قَالَ: أَمَرَنِي أَنْ أُجِيرَ بَيْنَ النَّاسِ، وَقَالَ لِي: لِمَ تَلْتَمِسُ جِوَارَ النَّاسِ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَلَا تُجِيرُ أَنْتَ عَلَيْهِ وَعَلَى قَوْمِكَ، وَأَنْتَ سَيِّدُ قُرَيْشٍ، وَأَكْبَرُهَا، وَأَحَقُّهَا أَنْ يُخْفَرَ جِوَارُهُ، فَفَعَلْتُ.
قَالُوا: فَهَلْ أَجَازَ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ؟
قَالَ: لَا، وَإِنَّمَا قَالَ: "أَنْتَ تَقُولُ ذَلِكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ؟ ".
فَقَالُوا لَهُ: وَيْلَكَ! وَاللَّهِ إِنْ زَادَ الرَّجُلُ عَلَى أَنْ لَعِبَ بِكَ، وَجِئْتَنَا بِمَا لَا يُغْنِي عَنْكَ وَلَا عَنَّا شَيْئًا.
قَالَ: وَاللَّهِ مَا وَجَدْتُ غَيْرَ ذَلِكَ (١) .
* تَهَيُّؤُ الرَّسُولِ ﷺ لِلْغَزْوِ وَكِتْمَانُهُ الأَمْرَ:
ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَائِشَةَ ﵂ أَنْ تُعِدَّ لَهُ جَهَازَهُ (٢) ، وَلَا الحواشي
(١) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٤٤) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣١٧) - دلائل النبوة للبيهقي (٥/ ٩ - ١٠).(٢) تجهيزُ الغازي: إعدادُ ما يحتاج إليه في غزوه. انظر النهاية (١/ ٣١٠).стр. 1938
تُعْلِمَ أَحَدًا أَيْنَ يُرِيدُ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِالجَهَازِ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ عَلَى ابْنَتِهِ عَائِشَةَ ﵂، وَهِيَ تُعِدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَهَازَهُ، فَقَالَ لَهَا: أَيْ بُنَيَّةُ! أَأَمَرَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُجَهِّزُوهُ؟
قَالَتْ: نَعَمْ.
قَالَ: فَأَيْنَ تَرَيْنَهُ يُرِيدُ؟ ، فَصَمَتَتْ.
فَقَالَ: لَعَلَّهُ يُرِيدُ بَنِي الأَصْفَرَ -وَهُمُ الرُّومُ-، فَصَمَتَتْ.
فَقَالَ: فَلَعَلَّهُ يُرِيدُ أَهْلَ نَجْدٍ، فَصَمَتَتْ.
فَقَالَ: فَلَعَلَّهُ يُرِيدُ قُرَيْشًا، وَإِنَّ لَهُمْ مُدَّةً؟ فَصَمَتَتْ ﵂.
فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ مَخْرَجًا؟
قَالَ: "نَعَمْ".
قَالَ: لَعَلَّكَ تُرِيدُ بَنِي الأَصْفَرَ؟
قَالَ: "لَا".
قَالَ: أَتُرِيدُ أَهْلَ نَجْدٍ؟
قَالَ: "لَا".
قَالَ: فَلَعَلَّكَ تُرِيدُ قُرَيْشًا؟
قَالَ: "نَعَمْ".
стр. 1939
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَليْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ مُدَّةً؟
قَالَ ﷺ : "أَلَمْ يَبْلُغْكَ مَا صَنَعُوا بِبَنِي كَعْبٍ؟ ".
وَلَمْ يُسَمِّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلنَّاسِ الجِهَةَ التِي يَقْصِدُهَا، ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ سَائِرٌ إِلَى مَكَّةَ، وَأَمَرَهُمْ بِالجِدِّ وَالتَّهَيُّؤِ، فتَجَهَّزَ النَّاسُ، وَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَهْلِ البَادِيَةِ وَمَنْ حَوْلَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ بِأَنْ يَتَجَهَّزُوا مَعَهُ، فَمِنْهُمْ مَنْ وَافَاهُ بِالمَدِينَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَحِقَهُ بِالطَّرِيقِ كَبَنِي سُلَيْمٍ، فَمِنَ القَبَائِلِ التِي قَدِمَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ: أَسْلَمُ، وَغِفَارٌ، وَمُزَيْنَةُ، وَأَشْجَعُ، وَجُهَيْنَةُ، فَاجْتَمَعَ مَعَهُ ﷺ عَشْرَةُ آلَافِ رَجُلٍ (١) .
* دُعَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللَّه بِأَخْذِ العُيُونِ:
وَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَبَّهُ أَنْ يُعْمِيَ عَنْ قُرَيْشٍ خَبَرَهُ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ! خُذِ العُيُونَ وَالأَخْبَارَ عَنْ قُرَيْشٍ حَتَّى نَبْغَتَهَا (٢) فِي بِلَادِهَا" (٣) .
وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالأَنْقَابِ (٤) ، وَأَوْقَفَ عَلَى كُلِّ نَقَبٍ جَمَاعَةً، وَقَالَ الحواشي
(١) انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٣١٧).(٢) البَغْتة: الفجأة. انظر النهاية (١/ ١٤١).(٣) أخرج هذا الحديث ابن إسحاق في السيرة (٤/ ٤٦) - وأورده ابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ٦٧٧).(٤) الأنْقَاب: جمع نقب: وهو الطريق بين الجبلين. انظر النهاية (٥/ ٨٩).стр. 1940
لَهُمْ: "لَا تَدَعُوا أَحَدًا يَمُرُّ بِكُمْ تُنْكِرُونَهُ إِلَّا رَدَدْتُمُوهُ" (١) .
* بَعْثُ سَرِيَّةِ إِضَمٍ:
وَزِيَادَةً فِي الإِخْفَاءِ وَالتَّعْمِيَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةَ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ إِلَى بَطْنِ إِضَمٍ، لِيَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّهُ تَوَجَّهَ إِلَى هُنَاكَ -وَقَدْ ذَكَرْنَا أَمْرَ هَذِهِ السَّرِيَّةِ فِيمَا مَضَى-.
* كِتَابُ حَاطِبٍ ﵁ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ:
وَلَمَّا أَجْمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسِيرَ إِلَى مَكَّةَ، كَتَبَ حَاطِبُ بنُ أَبِي بَلْتَعَةَ ﵁ كِتَابًا إِلَى قُرَيْشٍ يُخْبِرُهُمْ بِمَسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ أَعْطَاهُ امْرَأَةً مِنْ مُزَيْنَةَ، وَجَعَلَ لَهَا جُعْلًا (٢) عَلَى أَنْ تُبَلِّغَهُ قُرَيْشًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالزُّبَيْرَ بنَ العَوَّامِ وَأَبَا مِرْثَدٍ الغَنَوِيَّ (٣) وَكُلُّنَا فَارِسٌ، فَقَالَ: "انْطَلِقُوا حَتَّى تَأَتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ (٤) فَإِنَّ بِهَا الحواشي
(١) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٤٦) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣١٧) - دلائل النبوة للبيهقي (٥/ ٧).(٢) الجعل: أي أجرة. انظر النهاية (١/ ٢٦٧).(٣) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث(٤٢٧٤) : المقداد بدل أبي مرثد الغنوي.
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٣١٢): يحتمل أن يكون الثلاثة كانوا معه، فذكر أحد الراويين عنه ما لم يذكره الآخر.(٤) روضةُ خاخ: موضع بين مكة والمدينة. انظر النهاية (٢/ ٨٢).стр. 1941
امْرَأةً (١) مِنَ المُشْرِكِينَ مَعَهَا صَحِيفَةٌ (٢) مِنْ حَاطِبِ بنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى المُشْرِكِينَ، فَأْتُونِي بِهَا".
قَالَ عَلِيٌّ ﵁: فَانْطَلَقْنَا عَلَى أَفْرَاسِنَا حَتَّى أَدْرَكْنَاهَا حَيْثُ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، تَسِيرُ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا، فَقُلْنَا لَهَا: أَيْنَ الكِتَابُ الذِي مَعَكِ؟
قَالَتْ: مَا مَعِيَ كِتَابٌ، فَأَنَخْنَا بِهَا بَعِيرَهَا، فَابْتَغَيْنَا فِي رَحْلِهَا، فَلَمْ نَجِدْ فِيهِ شَيْئًا، فَقَالَ صَاحِبَايَ: مَا نَرَى مَعَهَا الكِتَابَ، فَقُلْتُ: لَقَدْ عَلِمْتُمَا مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَالذِي أَحْلِفُ بِهِ لَئِنْ لَمْ تُخْرِجِي الكِتَابَ لَأُجَرِّدَنَّكِ (٣) ، فَأَهْوَتْ إِلَى حُجْزَتِهَا (٤) ، وَهِيَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ، فَأَخْرَجَتِ الصَّحِيفَةَ، فَانْطَلَقْنَا الحواشي
(١) وقع عند ابن إسحاق في السيرة (٤/ ٤٧): أن اسمها سارة مولاة لبعض بني عبد المطلب.
قال الحافظ في الفتح (١٤/ ٣١٧): وقد اختُلِفَ هل كانت مسلمة أو على دين قومها، فالأكثر على الثاني، فقد عُدَّت فيمن أهدر النبي ﷺ دمهم يوم الفتح -كما سيأتي- لأنها كانت تُغني بهجائه ﷺ ، وهجاء أصحابه.(٢) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث(٤٢٧٤) : كتاب.(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١٤/ ٣١٦): أي أنزع ثيابك حتى تَصيري عريانة.(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٦/ ٣٠٩): الحُجْزة: بضم الحاء وسكون الجيم: معقد الإزار والسراويل.
وفي رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث(٤٢٧٤) : فأخرجته -أي الكتاب- من عِقَاصِها.
والعِقَاص: جمع عِقْصة أو عَقِيصَة، وهي الضفيرة من الشعر إذا لويت وجُعلت مثل الرمانة، أو لم تلو، والمعنى: أخرجت الكتاب من ضفائرها المعقوصة. انظر جامع الأصول (٨/ ٣٦١) - النهاية (٣/ ٢٥٠).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٦/ ٣٠٩): ويجمع بينهما بأن تكون عَقِيصتها طويلة بحيث تصل إلى حجزتها، فربطته في عقيصتها وغرزته بحجزتها.стр. 1942
بِهَا (١) إِلَى لرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ ﷺ لِحَاطِبٍ: "يَا حَاطِبُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ ".
قَالَ: لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ، -أَيْ كَانَ حَلِيفًا لَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا-، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ المُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ أَهْلِيهِمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَلَمْ أَفْعَلْهُ كُفْرًا، وَلَا ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي، وَلَا رِضًا بِالكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلَامِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقكُمْ" (٢) .
فَقَالَ عُمَرُ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، فَدَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ (٣) ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ"، فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ، وَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولَهُ أَعْلَمُ.
وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ الحواشي
(١) أي بالصحيفة.(٢) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث(٣٩٨٣) قال رسول اللَّه ﷺ : "صدق ولا تقولوا له إلا خيرًا".(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٦٢٥): إنما قال ذلك عُمَر ﵁ مع تصديقِ رَسُول اللَّهِ ﷺ لحاطب فيما اعتذر به، لما كان عند عمر ﵁ من القوة في الدين، وبغض من ينسب إلى النفاق، وظن أن من خالف ما أمره به رَسُول اللَّهِ ﷺ استحق القتل، لكنه لم يجزم بذلك، فلذلك استأذن في قتله، وأطلق عليه منافقًا؛ لكونه أبطن خلاف ما أظهر.стр. 1943
تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (١) .
وَأَوَّلُ مَا يَقِفُ الإِنْسَانُ أَمَامَهُ هُوَ فِعْلَةُ حَاطِبٍ ﵁، وَهُوَ المُسْلِمُ المُهَاجِرُ، وَهُوَ أَحَدُ الذِينَ أَطْلَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى سِرِّ الْحَمْلَةِ. . . وَفِيهَا مَا يَكْشِفُ عَنْ مُنْحَنيَاتِ النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ العَجِيبَةِ، وَتَعَرُّضِ هَذِهِ النَّفْسِ لِلَحَظَاتِ الضعْفِ البَشَرِيِّ مَهْمَا بَلَغَ مِنْ كَمَالِهَا وَقُوَّتِهَا، وَأَنْ لَا عَاصِمَ إِلَّا اللَّهُ مِنْ هَذِهِ اللَّحَظَاتِ، فَهُوَ الذِي يُعِينُ عَلَيْهَا.
ثُمَّ يَقِفُ الإِنْسَانُ مَرَّةً أُخْرَى أَمَامَ عَظَمَةِ الرَّسُولِ ﷺ وَهُوَ لَا يَعْجَلُ حَتَّى يَسْأَلَ: "مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ" فِي سَعَةِ صَدْرٍ وَعَطْفٍ عَلَى لَحْظَةِ الضَّعْفِ الطَّارِئَةِ فِي نَفْسِ صَاحِبِهِ، وَإِدْرَاكٍ مُلْهَمٍ بِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ صَدَقَ، وَمِنْ ثَمَّ يَكُفُّ الصَّحَابَةَ عَنْهُ: "صَدَقَ وَلَا تَقُوُلُوا إِلَّا خَيْرا. . . " لِيُعِينَهُ وَيَنْهَضَهُ مِنْ عَثْرَتِهِ، فَلَا الحواشي
(١) سورة الممتحنة آية(١) .
وقصة حاطب ﵁ أخرجها: البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب إذا اضطر الرجل إلى النظر في شعور أهل الذمة - رقم الحديث(٣٠٨١) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب فضل من شهد بدرًا - رقم الحديث(٣٩٨٣) - وباب غزوة الفتح وما بعث به حاطب بن أبي بلتعة ﵁ إلى أهل مكة - رقم الحديث(٤٢٧٢) - وأخرجه في كتاب استتابة المرتدين - باب ما جاء في المتأولين - رقم الحديث(٦٩٣٩) - وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل أهل بدر ﵃، وقصة حاطب بن أبي بلتعة - رقم الحديث(٢٤٩٤) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث(٦٠٠) -(٨٢٧) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث(٤٤٣٦) .стр. 1944
يُطَارِدُهُ بِهَا وَلَا يَدَعَ أَحَدًا يُطَارِدُهُ. . . بَيْنَمَا نَجِدُ الإِيمَانَ الجَادَّ الحَاسِمَ الجَازِمَ، فِي شِدَّةِ عُمَرَ ﵁: إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، فَدَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ، . . . فَعُمَرُ ﵁ إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى العَثْرَةِ ذَاتِهَا فَيَثُورُ لَهَا حِسُّهُ الحَاسِمُ وَإِيمَانُهُ الجَازِمُ.
أَمَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا مِنْ خِلَالِ إِدْرَاكِهِ الوَاسِعِ الشَّامِلِ لِلنَّفْسِ البَشَرِيَّةِ عَلَى حَقِيقَتِهَا، وَمِنْ كُلِّ جَوَانِبِهَا، مَعَ العَطْفِ الكَرِيمِ المُلْهَمِ الذِي تُنْشِئُهُ المَعْرِفَةُ الكُلِّيَّةُ. فِي مَوْقِفِ المُرَبِّي الكَرِيمِ العَطُوفِ المُتَأَنِّي النَّاظِرِ إِلَى جَمِيعِ المُلَابَسَاتِ وَالظُّرُوفِ. . . (١) .
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي قِصَّةِ حَاطِبٍ ﵁ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - أَنَّ المُؤْمِنَ وَلَوْ بَلَغَ بِالصَّلَاحِ أَنْ يُقْطَعَ لَهُ بِالجَنَّةِ لَا يُعْصَمُ مِنَ الوُقُوعِ فِي الذَّنْبِ؛ لِأَنَّ حَاطِبًا ﵁ دَخَلَ فِيمَنْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُمُ الجَنَّةَ، وَوَقَعَ مِنْهُ مَا وَقَعَ.
٢ - وَفِيهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ كَفَّرَ المُسْلِمَ بِارْتِكَابِ الذَّنْبِ، وَعَلَى مَنْ جَزَمَ بِتَخْلِيدِهِ فِي النَّارِ، وَعَلَى مَنْ قَطَعَ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يُعَذَّبَ.
٣ - وَفِيهِ أَنَّ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ الْخَطَأُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْحَدَهُ، بَلْ يَعْتَرِفَ وَيَعْتَذِرَ لِئَلَّا يَجْمَعَ بَيْنَ ذَنْبَيْنِ. الحواشي
(١) انظر في ظلال القرآن (٦/ ٣٥٣٨).стр. 1945
٤ - وَفِيهِ جَوَازُ التَّشْدِيدِ فِي اسْتِخْلَاصِ الحَقِّ، وَالتَّهْدِيدِ بِمَا لَا يَفْعَلُهُ المُهَدِّدُ تَخْوِيفًا لِمَنْ يَسْتَخْرِجُ مِنْهُ الحَقَّ.
٥ - وَفِيهِ هَتْكُ سِتْرِ الجَاسُوسِ.
٦ - وَفِيهِ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ إِطْلَاعُ اللَّهِ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ عَلَى قِصَّةِ حَاطِبٍ مَعَ المَرأَةِ.
٧ - وَفِيهِ إِشَارَةُ الكَبِيرِ عَلَى الإِمَامِ بِمَا يَظْهَرُ لَهُ مِنَ الرَّأْيِ العَائِدِ نَفْعُهُ عَلَى المُسْلِمِينَ وَيَتَخَيَّرُ الإِمَامُ فِي ذَلِكَ.
٨ - وَفِيهِ جَوَازُ العَفْوِ عَنِ العَاصِي.
٩ - وَفِيهِ أَنَّ العَاصِيَ لَا حُرْمَةَ لَهُ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الأَجْنَبِيَّةَ يَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَيْهَا مُؤْمِنَةً كَانَتْ أَوْ كَافِرَةً، وَلَوْلَا أَنَّهَا لِعِصْيَانِهَا سَقَطَتْ حُرْمَتُهَا مَا هَدَّدَهَا عَلِيٌّ ﵁ بِتَجْرِيدِهَا.
١٠ - وَفِيهِ جَوَازُ غُفْرَانِ جَمِيعِ الذُّنُوبِ الجَائِزَةِ الوُقُوعِ عَمَّنْ شَاءَ اللَّهُ خِلَافًا لِمَنْ أَبَى ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ البِدَعِ.
١١ - وَقَدِ اسْتُشْكِلَ إِقَامَةُ الحَدِّ عَلَى مِسْطَحٍ ﵁ بِقَذْفِ عَائِشَةَ ﵂ فِي حَادِثَةِ الإِفْكِ مَعَ أَنَّ مِسْطَحًا ﵁ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، فَلَمْ يُسَامَحْ بِمَا ارْتَكَبَهُ مِنْ الْكَبِيرَةِ، وَسُومِحَ حَاطِبٌ، وَعُلِّلَ بِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وَالجَوَابُ: أَنَّ مَحَلَّ العَفْوِ عَنِ البَدْرِيِّ فِي الأُمُورِ التِي لَا حَدَّ فِيهَا.
стр. 1946
١٢ - وَفيهِ جَوَازُ غُفْرَانِ مَا تَأخَّرَ مِنَ الذُّنُوبِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الدُّعَاءُ بِهِ فِي عِدَّةِ أَخْبَارٍ.
١٣ - وَفيهِ تَأَدُّبُ عُمَرَ ﵁، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي إِقَامَةُ الحَدِّ وَالتَّأْدِيبِ بِحَضْرَةِ الإِمَامِ إِلَّا بَعْدَ اسْتِئْذَانِهِ.
١٤ - وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ لِعُمَرَ ﵁ وَلِأَهْلِ بَدْرٍ كُلِّهِمْ.
١٥ - وَفِيهِ البُكَاءُ عِنْدَ السُّرُورِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ ﵁ بَكَى حِينَئِذٍ لِمَا لَحِقَهُ مِنَ الخُشُوعِ وَالنَّدَمِ عَلَى مَا قَالَه فِي حَقِّ حَاطِبٍ ﵁ (١) .
* خُرُوجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ:
خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مِنَ المَدِينَةِ، مُتَوَجِّهًا إِلَى مَكَّةَ، وَمَعَهُ عَشَرَةُ آلَافٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَلَمْ يتَخَلَّفْ عَنْهُ أَحَدٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَكَانُوا صِيَامًا.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ فِي ضبْطِ اليَوْمِ الذِي خَرَجَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ، وَالذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ السِّيَرِ وَالمَغَازِي أَنَّهُ خَرَجَ فِي عَاشِرِ رَمَضَانَ، وَدَخَلَ مَكَّةَ لِتِسْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةٍ خَلَتْ مِنْهُ (٢) . الحواشي
(١) انظر فتح الباري (١٤/ ٣١٩).(٢) انظر فتح الباري (٤/ ٦٩١) - سيرة ابن هشام (٤/ ٤٨) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣١٧).стр. 1947
وَاسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى المَدِينَةِ أَبَا رُهْمٍ كُلْثُومَ (١) بنَ الحُصَيْنِ الغِفَارِيَّ ﵁.
* مُرُورُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَبْرِ أُمِّهِ:
وَلَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بالْأَبْوَاءِ أَوْ وَدَّانَ، نَزَلَ فزَارَ قَبْرَ أُمِّهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ بريْدَةَ بنِ الحُصَيْبِ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فنَزَلَ بِنَا (٢) وَنَحْنُ مَعَهُ قَرِيبٌ مِنْ أَلْفِ رَاكِبٍ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ (٣) ، فَقَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁، فَفَدَّاهُ بِالأَبِ وَالأُمِّ يَقُولُ: مَالَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي فِي الِاسْتِغْفَارِ لِأُمِّي، فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، فَدَمَعَتْ عَيْنَايَ رَحْمَةً لَهَا مِنَ النَّارِ" (٤) . الحواشي
(١) هذه رواية الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث(٢٣٩٢) - والحاكم في المستدرك - رقم الحديث(٦٥٧٦) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٤٨) وإسناده حسن - وفي رواية ابن سعد في طبقاته (٢/ ٣١٧): عبد اللَّه بن أم مكتوم.
قلتُ: يمكن الجمع بأن يكون أبا رُهم ﵁ خلفه رَسُول اللَّهِ ﷺ ليحكم المدينة، وعبد اللَّه بن أم مكتوم خلفه ﷺ للصلاة.(٢) وقع في رواية الإمام أحمد في المسند - رقم الحديث(٢٣٠١٧) تحديد المكان الذي نزل فيه رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فعن بُريدة ﵁ قال: خرجتُ مع النبي ﷺ حتى إذا كُنَّا بودَّان.
ووقع في رواية أخرى في المسند - رقم الحديث(٢٣٠٣٨) تحديد هذا السفر، قال بريدة ﵁: أن رَسُول اللَّهِ غزا غزوة الفتح، وذكر الحديث.(٣) ذَرَفَت العين: إذا جرى دمعها. انظر النهاية (٢/ ١٤٧).(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث(٢٣٠٠٣) - وأخرجه ابن حبان في =стр. 1948
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ: جَوَازُ زِيَارَةِ المُشْرِكِينَ فِي الحَيَاةِ وَقُبُورِهِمْ بَعْدَ الوَفَاةِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَتْ زِيَارَتُهُمْ بَعْدَ الوَفَاةِ، فَفِي الحَيَاةِ أَوْلَى، وَفيهِ النَّهْيُ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ لِلْكُفَّارِ (١) .
* إِسْلَامُ أَبِي سُفْيَانَ بنِ الحَارِثِ وَعَبْدِ اللَّهِ بنِ أَبِي أُمَيَّةً:
أَكَمْلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرِيقَهُ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى نَبِيقِ العُقَابِ، فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةَ، لَقِيَهُ أَبُو سُفْيَانَ بنَ الحَارِثِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، ابْنُ عَمِّ الرَّسُولِ ﷺ ، وَأَخُوهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مِنْ حَلِيمَةَ السَّعْدِيَّةِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ أَبِي أُمَيَّةَ بنِ المُغِيرَةِ، ابْنُ عَمَّةِ الرَّسُولِ ﷺ عَاتِكَةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَأَخُو أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ الرَّسُولِ ﷺ لِأَبِيهَا.
أَمَّا أَبُو سُفْيَانَ فَقَدْ كَانَ يَأْلَفُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَلَا يُفَارِقُهُ قَبْلَ النُّبوَّةِ، فَلَمَّا بُعِثَ عَادَاهُ وَهَجَاهُ وَهَجَا أَصْحَابَهُ بِقَصَائِدَ كَثِيرَةٍ، وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ حَسَّانُ بنُ ثَابِتٍ ﵁ شَاعِرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ:
أَلَا أَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنِّي ... مُغَلْغَلَةً فَقَدْ بَرِحَ الخَفَاءُ
هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ ... وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الجَزَاءُ
هَجَوْتُ مُحَمَّدًا بَرًّا تَقِيًّا ... رَسُولَ اللَّهِ شِيمَتُهُ الوَفَاءُ (٢) الحواشي
(٥٣٩٠) - وأصل الحديث في صحيح مسلم - كتاب الجنائز - باب استئذان النبي ﷺ ربه في زيارة قبر أمه - رقم الحديث(٩٧٦) .(١) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (٧/ ٣٩).(٢) أخرج هجاء حسان ﵁ بهذه الأبيات: الإمام مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة -=стр. 1949
وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بنُ أَبِي أُمَيَّةَ فَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ إِيذَاءً لِلرَّسُولِ ﷺ بَعْدَ النُّبُوَّةِ (١) ، فَلَمَّا لَقِيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْرَضَ عَنْهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَا كَانَ يَلْقَى مِنْهُمَا مِنْ شِدَّةِ الأَذَى، فَالْتَمَسَا الدُّخُولَ عَلَيْهِ، فكَلَّمَتْهُ أُمّ سَلَمَةَ ﵂ فِيهِمَا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَا يَكُنِ ابْنُ عَمِّكَ وَابْنُ عَمَّتِكَ أَشْقَى النَّاسِ بِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا حَاجَةَ لِي بِهِمَا، أَمَّا ابْنُ عَمِّي فهَتَكَ عِرْضِي، وَأَمَّا ابْنُ عَمَّتِي وَصِهْرِي فَهُوَ الذِي قَالَ لِي بِمَكَّةَ مَا قَالَ".
فَلَمَّا بَلَغَ الخَبَرُ إِلَيْهِمَا، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ وَمَعَهُ ابْنُهُ جَعْفَر: وَاللَّهِ لَيَأْذَننَّ لِي أَوْ لَآخُذَنَّ بِيَدِ ابْنِي هَذَا، ثُمَّ لَنَذْهَبَنَّ فِي الأَرْضِ حَتَّى نَمُوتَ عَطَشًا أَوْ جُوعًا، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَقَّ لَهُمَا، ثُمَّ أَذِنَ لَهُمَا، وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ لِأَبِي سُفْيَانَ: ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، فَقُلْ لَه مَا قَالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ لِيُوسُفَ ﵇: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ (٢) ، فَإِنَّهُ لَا يَرْضَى أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ أَحْسَنَ قَوْلا مِنْهُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ أَبُو سُفْيَانَ، فَقَالَ لَه رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٣) . الحواشي
(٢٤٩٠) - وانظر ديوان حسان بن ثابت ﵁ ص ٢٠.(١) ذكرنا إيذاءهما لرَسُول اللَّه ﷺ في بداية أمر البعثة، فراجعه.(٢) سورة يوسف آية(٩١) .(٣) سورة يوسف آية(٩٢) .
أخرج قصة إسلام أبي سفيان بن الحارث: الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب مناقب أبي سفيان بن الحارث - رقم الحديث(٥١٥٧) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٤٩) - وإسناده صحيح كما قال الألباني في السلسلة الصحيحة - رقم الحديث(٣٣٤١) .стр. 1950
فَأَسْلَمَ أَبُو سُفْيَانَ وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ أَبِي أُمَيَّةَ، وَقَبِلَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْهُمَا إِسْلَامَهُمَا، وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمَا، وَثَبَتَ أَبُو سُفْيَانَ ﵁ ثَبَاتًا عَظِيمًا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ -كَمَا سَيَأْتِي فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ -.
وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بنُ أَبِي أُمَيَّةَ، فَقَدْ شَهِدَ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ غَزْوَةَ الْفَتْحِ، وَحُنَيْنٍ، وَاسْتُشْهِدَ فِي غَزْوَةِ الطَّائِفِ ﵁.
* إِفْطَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنُزُولُهُ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ:
وَاصَلَ رَسُول اللَّهِ ﷺ طَرِيقَهُ إِلَى مَكَّةَ وَهُوَ صَائِمٌ، وَالنَّاسُ صِيَامٌ مَعَهُ، وَقَدْ صَبَّ رَسُول اللَّه ﷺ المَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ مِنْ شِدَّةِ العَطَشِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ فِي رَمَضَانَ مِنَ المَدِينَةِ، وَمَعَهُ عَشَرَةُ آلَافٍ، وَذَلِكَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِ سِنِينَ وَنصْفٍ مِنْ مَقْدَمِهِ المَدِينَةَ، فَسَارَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ إِلَى مَكَّةَ، يَصُومُ وَيَصُومُونَ حَتَّى بَلَغَ الكَدِيدَ (١) -وَهُوَ مَاءٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ (٢) - أَفْطَرَ وَفَطِرُوا (٣) . الحواشي
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ٦٩٠): الكديد: بفتح الكاف وكسر الدال: مكان معروف وقع تفسيره في نفس الحديث بأنه بين عُسْفان وقُديد.
ووقع في رواية مسلم - رقم الحديث(١١١٤) من حديث جابر ﵄ قال: حتى بلغ كُراع الغميم، وهو بضم الكاف، والغميم بفتح الغين، وهو اسم واد أمام عسفان.
قال القاضي عِياض رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: اختلفت الروايات في الموضع الذي أفطر رَسُول اللَّهِ ﷺ فيه، والكل في قصة واحدة، وكلها متقاربة، والجميع من عمل عُسفان.(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ٦٩٠): قُديد: بضم القاف على التصغير.(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الصيام - باب إذا صام أيامًا من رمضان ثم سافر -=стр. 1951
وَرَوَى الإِمَامُ مَالِكٌ فِي المُوَطَأِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالعَرْجِ (١) يَصُبُّ المَاءَ عَلَى رَأْسِهِ مِنَ العَطَشِ، أَوْ مِنَ الحَرِّ، ثُمَّ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ طَائِفَةً مِنَ النَّاسِ قَدْ صَامُوا حِينَ صُمْتَ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالكَدِيدِ، دَعَا بِقَدَحٍ، فَشَرِبَ (٢) ، فَأَفْطَرَ النَّاسُ (٣) .
وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَافَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الفَتْحِ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ، فَشَرِبَ نَهَارًا لِيَرَاهُ النَّاسُ، ثُمَّ أَفْطَرُوا حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ، وَافْتَتَحَ مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ (٤) .
وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَكَّةَ، وَنَحْنُ صِيَامٌ، فنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الحواشي
(١٩٤٤) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب غزوة الفتح في رمضان - رقم الحديث(٤٢٧٦) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الصيام - باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر - رقم الحديث(١١١٣) .(١) العَرْج: بفتح العين وسكون الراء: قرية جامعة من عمل الفُرع، على أيام من المدينة. انظر النهاية (٣/ ١٨٤).(٢) في رواية الإمام مسلم في صحيحه - رقم الحديث(٩٠) من حديث جابر ﵁ قال: ثم دعا بقدح من ماء فرفعه، حتى نظر الناس إليه، ثم شرب.(٣) أخرجه الإمام مالك في الموطأ - كتاب الصيام - باب ما جاء في الصيام في السفر - رقم الحديث(٢٢) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث(٤٥٩٦) - وأصله في صحيح مسلم - رقم الحديث(٩٠) .(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث(٢٩٩٤) .стр. 1952
"إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، وَالفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ"، فَكَانَتْ رُخْصَةً، فَمِنَّا مَنْ صَامَ، وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، ثُمَّ نَزَلْنَا مَنْزِلًا آخَرَ، فَقَالَ ﷺ : "إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوَّكُمْ، وَالفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ، فَأَفْطِرُوا"، وَكَانَتْ عَزْمَةً (١) .
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ ﵁: آذَنَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالرَّحِيلِ عَامَ الفَتْحِ فِي لَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ رَمَضَانَ، فَخَرَجْنَا صُوَّامًا، حَتَّى إِذَا بَلَغْنَا الكَدِيدَ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالفِطْرِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ مِنْهُمُ الصَّائِمُ، وَمِنْهُمُ المُفْطِرُ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَدْنَى مَنْزِلٍ تِلْقَاءَ العَدُوِّ أَمَرَنَا بِالفِطْرِ، فَأَفْطَرْنَا أَجْمَعِينَ (٢) .
* جَنْيُ (٣) الكَبَاثِ (٤) وَانْكِشَاف سَاقِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁:
ثُمَّ أَخَذَ الصَّحَابَةُ ﵃ -وَهُمْ فِي مَرِّ الظَّهْرَانِ- يَجْنُونَ ثَمَرَ الكَباثِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَجْنِي الكَبَاثَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَلَيْكُمْ بِالأَسْوَدِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ أَطْيَبُهُ"، قَالَ: فَقُلْنَا: أَكُنْتَ تَرْعَى الغَنَمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ (٥) . الحواشي
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الصيام - باب أجر المفطر في السفر إذا تولى العمل - رقم الحديث(١١٢٠) .(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث(١١٨٢٥) .(٣) جَنَى الثمرة: تناولها من شجرتها. انظر لسان العرب (٢/ ٣٩٣).(٤) الكَباث: بفتح الكاف والباء الخفيفة: هو النضيج من ثمر الأراك. انظر فتح الباري (٧/ ١٠٠) - النهاية (٤/ ١٢١).(٥) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٧/ ١٠٠): وإنما قال له الصحابةُ ﵃: أكنتَ ترعى =стр. 1953
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ، وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ رَعَاهَا" (١) .
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ ﵁ فِيمَنْ يَجْتَنِي، فَجَعَلَ أَحَدُهُمْ إِذَا أَصَابَ حَبَّةً طَيِّبَةً قَذَفهَا فِي فِيهِ، وَكَانُوا يَنْظُرُونَ إِلَى دِقَّةِ سَاقَيِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، وَهُوَ يَرْقَى فِي الشَّجَرَةِ، فَيَضحَكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مِمَّ تَضْحَكُونَ؟ " قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ، فَقَالَ- ﷺ : "وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهُمَا أَثْقَلُ فِي المِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ" (٢) ، وَكَانَ ابنُ مَسْعُودٍ ﵁ مَا اجْتَنَى مِنْ شَيْءٍ جَاءَ بِهِ وَخِيَارُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
* إِشْعَالُ النِّيرَانِ:
وَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ عِشَاءً، إِذْ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِإِيقَادِ النِّيرَانِ، فَأَوْقَدُوا النِّيرَانَ، فَكَانَ مَنْظَرًا مَهِيبًا، النِّيرَانُ مِلْءَ الأَرْضِ، وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الحَرَسِ عُمَرَ بنَ الخطَّابِ ﵁. الحواشي
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب أحاديث الأنبياء - باب ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ - رقم الحديث(٣٤٠٦) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الأشربة - باب فضيلة الأسود من الكباث - رقم الحديث(٢٠٥٠) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث(١٤٤٩٧) .(٢) أخرج هذا الحديث الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث(٣٩٩١) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث(٣٥٣) - وإسناده حسن.
ووقع في رواية البيهقي في دلائله (٥/ ٢٩) أن رَسُول اللَّهِ ﷺ قال هذا الحديث في ابن مسعود ﵁ وهم في مسيرهم إلى فتح مكة.стр. 1954
* هِجْرَةُ العَبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁ -:
وَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الجُحْفَةَ لَقِيَهُ العَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁ مُهَاجِرًا بِأَهْلِهِ وَعِيَالِهِ إِلَى المَدِينَةِ، وَمَا كَانَ يَعْلَمُ عَنْ أَمْرِ جَيْشِ المُسْلِمِينَ، فَدَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَفَرِحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِ فَرَحًا عَظِيمًا (١) .
وَهُوَ آخِرُ مَنْ هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ؛ لِأَنَّ بَعْدَهُ تَمَّ فتحُ مَكَّةَ، وَالرَّسُولُ ﷺ قَالَ: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ" (٢) .
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: اخْتُلِفَ فِي الوَقْتِ الذِي أَسْلَمَ فِيهِ العَبَّاسُ ﵁، فَقِيلَ: أَسْلَمَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، وَأَقَامَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ فِي ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ المُسْلِمِينَ، رَوَى ذَلِكَ ابْنُ سَعْدٍ (٣) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِي إِسْنَادِهِ الكَلْبِيُّ وَهُوَ مَتْرُوكٌ، وَيَرُدُّهُ أَنَّ العَبَّاسَ أُسِرَ بِبَدْرٍ، وَقَدْ فَدَى نَفْسَهُ، وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي راَفِعٍ ﵁ (٤) فِي قِصَّةِ بَدْرٍ: "كَانَ الإِسْلامُ دَخَلَ عَلَيْنَا أَهْلَ البيْتِ" (٥) ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى إِسْلَامِ العَبَّاسِ حِينَئِذٍ، فَإِنَّهُ كَانَ مِمَّنْ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَفَدَى نَفْسَهُ وَعَقِيلًا ابْنَ أَخِيهِ أَبِي الحواشي
(١) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٤٨).(٢) هذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب لا هجرة بعد الفتح - رقم الحديث(٣٠٧٧) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب تحريم مكة وصيدها وخلاها - رقم الحديث(١٣٥٣) .(٣) في طبقاته (٤/ ٣٢٣).(٤) أبو رافع ﵁: هو مولى العباس ﵁، ثم مولى رَسُول اللَّهِ ﷺ .(٥) أخرج قول أبي رافع هذا: الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث(٢٣٨٦٤) - وإسناده ضعيف.стр. 1955
طَالِبٍ، وَالمَشْهُورُ أَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ فَتْحِ خَيْبَرَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ الحَجَّاجِ بنِ عِلَاطٍ (١) .
وَلِأَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يُهَاجِرْ قَبْلَ الفَتْحِ لَمْ يُدْخِلْهُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ فِي أَهْلِ الشُّورَى مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِفَضْلِهِ وَاسْتِسْقَائِهِ بِهِ (٢) .
* حَدِيثٌ ضَعِيفٌ جِدًّا:
قُلْتُ: وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَدْرٍ وَمَعَهُ عَمُّهُ العَبَّاسُ، قَالَ لَه: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَذِنْتَ لِي فَخَرَجْتُ إِلَى مَكَّةَ فَهَاجَرْتُ مِنْهَا، أَوْ قَالَ: فَأُهَاجِرُ مِنْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا عَمُّ اطْمَئِنَّ فَإِنَّكَ خَاتَمُ المُهَاجِرِينَ فِي الهِجْرَةِ، كَمَا أنا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ فِي النُّبوَّة" (٣) .
فَهَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا، فِي سَنَدِهِ أَبُو مُصْعَبٍ إِسْمَاعِيلُ بنُ قَيْسٍ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ. الحواشي
(١) حديث الحجاج بن عِلاط ﵁ أخرجه: الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث(١٢٤٠٩) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث(٤٥٣٠) وإسناده صحيح -وقد ذكرناه في غزوة خيبر- فراجعه.(٢) حديثُ استسقاء عُمر بن الخطاب ﵁ بالعباس ﵁ أخرجه: البخاري في صحيحه - كتاب الاستسقاء - باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا - رقم الحديث(١٠١٠) .
وانظر كلام الحافظ في الفتح (٣/ ٥٨٤) (٧/ ٤٤٢).(٣) أخرجه الامام أحمد في فضائل الصحابة - رقم الحديث(١٨١٢) .стр. 1956
وَأَوْرَدَهُ الذَّهَبِيُّ فِي سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ، وَقَالَ: إِسْنَادُهُ وَاهٍ (١) .
وَلقدْ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْعَبَّاسِ ﵁ وَوَلَدِهِ بِالمَغْفِرَةِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العَبَّاسَ فَقَالَ: "إِذَا كَانَ غَدَاةَ الِاثْنَيْنِ فَائْتِنِي أَنْتَ وَوَلَدُكَ"، قَالَ: فَغَدَا وَغَدَوا مَعَهُ، قَالَ: فَأَلْبَسَنَا كِسَاءً لَهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلعَبَّاسِ وَلِوَلدِهِ مَغفِرَةً ظاهِرَةً بَاطِنةً لا تُغَادِرُ ذَنْبًا، اللَّهمَّ اخْلُفْهُ فِي وَلدِهِ" (٢) .
* تَحَسُّسُ قُرَيْشٍ الأَخْبَارَ وَإِسْلَامُ أَبِي سُفْيَانَ بنِ حَرْبٍ:
وَكَانَ اللَّهُ قَدْ أَخَذَ العُيُونَ عَنْ قُرَيْشٍ، فَلَمْ يَأْتِهِمْ خَبَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا يَدْرُونَ مَا هُوَ فَاعِلٌ، فَبَعَثُوا أبَا سُفْيَانَ بنَ حَرْبٍ يتَحَسَّسُ الأَخْبَارَ، وَقَالُوا لَهُ: إِنْ لَقِيتَ مُحَمَّدًا فَخُذْ لَنَا مِنْهُ أَمَانًا.
فَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ، وَمَعَهُ حَكِيمُ بنُ حِزَامٍ، وَبُدَيْلُ بنُ وَرْقَاءَ، يَلْتَمِسُونَ الأَخْبَارَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
* أَرْبَعَةٌ أَرْبَأُ (٣) بِهِمْ عَنِ الشِّرْكِ:
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَيْلَةَ قُرْبِهِ مِنْ مَكَّةَ: "إِنَّ بِمَكَّةَ لَأَرْبَعَةَ نَفَرٍ مِنْ قُرَيشٍ أَرْبَأُ بِهِمْ عَنِ الشِّرْكِ، وَأغَبُ لَهُمْ فِي الإِسْلَامِ"، فَقِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ الحواشي
(١) انظر سير أعلام النبلاء (٢/ ٨٤).(٢) أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة - رقم الحديث(١٧٩٥) .(٣) يُقال: إني لأربَأُ بك عن ذلك الأمر: أي أرفعك عنه. انظر لسان العرب (٥/ ٩٤).стр. 1957
اللَّهِ؟ قَالَ: "عَتَّابُ بنُ أَسِيدٍ، وَجبيْرُ بنُ مُطْعِمٍ، وَحَكِيمُ بنُ حِزَامٍ، وَسُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو" (١) .
فَأَقْبَلَ هَؤُلَاءِ النَّفرُ الثَّلَاثَةُ -وَهُمْ أَبُو سُفْيَانَ، وَحَكِيمُ بنُ حِزَامٍ، وَبُدَيْلُ بنُ وَرْقَاءَ- حَتَّى أَتَوْا مَرَّ الظَّهْرَانِ، فَإِذَا هُمْ بِنِيرَانٍ كَثِيرَةٍ، فَفَزِعُوا، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا رَأَيْتُ كَاللَّيْلَةِ نِيرَانًا قَطُّ وَلَا عَسْكَرَ، فَقَالَ بُدَيْلُ بنُ وَرْقَاءَ: هَذِهِ وَاللَّهِ خُزَاعَةُ حَمَشَتْهَا (٢) الحَرْبُ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: خُزَاعَةُ أَذَلُّ وَأَقَلُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ نِيرَانُهَا وَعَسْكَرُهَا (٣) .
فِي هَذِهِ الفَتْرَةِ كَانَ العَبَّاسُ ﵁ يَلْتَمِسُ أَحَدًا يُخْبِرُ قُرَيْشًا بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى تَسْتَسْلِمَ وَلَا تُقَاتِلَ، فَعَرَفَ العَبَّاسُ صَوْتَ أَبِي سُفْيَانَ، وَهُوَ يَتَحَدَّثُ مَعَ بُدَيْلِ بنِ وَرْقَاءَ، فنَادَا، قَالَ: يَا أَبَا حَنْظَلَةَ!
فَعَرَفَ أَبُو سُفْيَانَ صَوْتَ العَبَّاسِ، فَقَالَ: أَبَا الفَضْلِ! مَا وَرَاءَكَ.
فَقَالَ العَبَّاسُ: وَيْحَكَ يَا أبَا سُفْيَانَ! هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ (٤) ، وَاصَبَاحَ قُرَيْشٍ وَاللَّهِ! . الحواشي
(١) أخرج هذا الحديث: الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر عتاب بن أسيد - رقم الحديث(٦٥٨٢) - وأورده الذهبي في سير أعلام النبلاء (٣/ ٤٧) وإسناده ضعيف: فيه مجهول وضعيفان.(٢) حَمَشْتُها: جمعتها. انظر لسان العرب (٣/ ٣٢٤).(٣) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح - رقم الحديث(٤٢٨٠) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٥٠).(٤) هذه رواية ابن إسحاق في السيرة (٤/ ١٥١).
وفي رواية ابن سعد في طبقاته (٢/ ٣١٧) قال: هذا رَسُول اللَّهِ ﷺ في عشرة آلاف.стр. 1958
فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَمَا الحِيلَةُ؟
قَالَ العَبَّاسُ: وَاللَّهِ لَئِنْ ظفَرَ بِكَ لَيَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ، فَارْكَبْ فِي عَجُزِ (١) هَذِهِ البَغْلَةِ -بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى آتِيَ بِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَسْتَأْمِنُهُ لَكَ.
فَرَكِبَ أَبُو سُفْيَانَ خَلْفَ العَبَّاسِ عَلَى بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَرَجَعَ صَاحِبَاهُ حَكِيمُ بنُ حِزَامٍ، وَبُدَيْلُ بنُ وَرْقَاءَ إِلَى مَكَّةَ.
قَالَ العَبَّاسُ ﵁: فَجِئْتُ بِهِ، كُلَّمَا مَرَرْتُ بِنَارٍ مِنْ نِيرَانِ المُسْلِمِينَ قَالُوا: مَنْ هَذَا؟ فَإِذَا رَأَوْا بَغْلَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهَا، قَالُوا: عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ، حَتَّى مَرَرْتُ بِنَارِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ وَقَامَ إِلَيَّ، فَلَمَّا رَأَى أَبَا سُفْيَانَ عَلَى عَجُزِ الدَّابَّةِ قَالَ: أَبُو سُفْيَانَ عَدُوُّ اللَّهِ؟ الحَمْدُ للَّهِ الذِي أَمْكَنَ مِنْكَ بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلَا عَهْدٍ، ثُمَّ أَخَذَ يَشْتَدُّ نَحْوَ رَسولِ اللَّهِ ﷺ (٢) ، وَرَكَضَتِ البَغْلَةُ، فَسَبَقَتْهُ فَاقْتَحَمْتُ (٣) عَنِ البَغْلَةِ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسولِ اللَّهِ ﷺ وَدَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسولَ اللَّهِ! هَذَا أَبُو سُفْيَانَ قَدْ أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْهُ بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلَا عَهْدٍ، فَدَعْنِي فَلْأَضْرِبْ عُنُقَهُ.
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي قَدْ أَجَرتُهُ، ثُمَّ جَلَسْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا أَكْثَرَ عُمَرُ فِي شَأْنِ أَبِي سُفْيَانَ، قُلْتُ: مَهْلًا يَا عُمَرُ! فَوَاللَّهِ لَوْ كَانَ مِنْ رِجَالِ بَنِي الحواشي
(١) العَجُز: هو مؤخرة الشيء. انظر النهاية (٣/ ١٦٨).(٢) كان سببُ اشتدادِ عُمر ﵁ إلى رَسُول اللَّهِ ﷺ ليطلب منه الإذن في قتل أبي سفيان، وقد يحصل على الإذن، ففطن العباس ﵁ لذلك فاشتدَّ على البغلة إلى رَسُول اللَّهِ ﷺ ليستأمن من رَسُول اللَّهِ ﷺ لأبي سفيان.(٣) يُقال: اقتحم عن الدابة: إذا رمى بنفسه عنها. انظر النهاية (٤/ ١٧).стр. 1959
عَدِيِّ بنِ كَعْبٍ مَا قُلْتَ هَذَا، وَلَكِنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ مِنْ رِجَالِ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ.
فَقَالَ عُمَرُ ﵁: مَهْلًا يَا عَبَّاسُ! فَوَاللَّهِ لَإِسْلَامُكَ يَوْمَ أَسْلَمْتَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلَامِ الخَطَّابِ لَوْ أَسْلَمَ (١) .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اذْهَبْ بِهِ (٢) يَا عَبَّاسُ إِلَى رَحْلِكَ، فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَأْتِنِي بِهِ".
قَالَ العَبَّاسُ ﵁: فَذَهَبْتُ بِأَبِي سُفْيَانَ إِلَى رَحْلِي، فَباتَ عِنْدِي، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا رَآه رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "وَيْحَكَ يَا أبا سُفْيَانَ! أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ ".
فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا أَحْلَمَكَ وَأَكْرَمَكَ وَأَوْصَلَكَ! وَاللَّهِ لقَدْ ظَنَنْتُ أَنْ لَوْ كَانَ مَعَ اللَّهِ إِلَهٌ غَيْرُهُ لقَدْ أَغْنَى عَنِّي شَيْئًا بَعْدُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَيْحَكَ يَا أبا سُفْيَانَ! أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ ".
قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا أَحْلَمَكَ وَأَكْرَمَكَ وَأَوْصَلَكَ! أَمَّا هَذِهِ فَإِنَّ فِي النَّفْسِ مِنْهَا حَتَّى الآنَ شَيْئًا.
فَقَالَ لَهُ العَبَّاسُ: وَيْحَكَ! أَسْلِمْ، وَاشْهَدْ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا الحواشي
(١) أخرج ذلك كله أبو داود في سننه - كتاب الخراج والفيء - باب ما جاء في فتح مكة - رقم الحديث(٣٠٢٢) -وهو حديث صحيح لغيره- وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٥١) - وإسناده صحيح.(٢) أي بأبي سفيان.стр. 1960
رَسُولُ اللَّهِ، قَبْلَ أَنْ تُضْرَبَ عُنُقُكَ، فَشَهِدَ أَبُو سُفْيَانَ شَهَادَةَ الحَقِّ فَأَسْلَمَ.
ثُمَّ قَالَ العَبَّاسُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبُّ الفَخْرَ، فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئًا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ، مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دخَلَ المَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ" (١) .
* تَحَرُّكُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَرِّ الظَّهْرَانِ إِلَى مَكَّةَ:
ثُمَّ غَادَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّ الظَّهْرَانِ، وَأَمَرَ العَبَّاسَ ﵁ أَنْ يَحْبِسَ أبَا سُفْيَانَ بِمَضِيقِ الوَادِي عِنْدَ خَطْمِ (٢) الجَبَلِ، حَتَّى تَمُرَّ بِهِ جُنُودُ اللَّهِ فَيَرَاهَا (٣) ، فَحَبَسَهُ العَبَّاسُ حَيْثُ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -مُنَادِيًا فنَادَى: لِتُصْبِحْ كُلُّ قَبِيلَةٍ عِنْدَ رَايَةِ صَاحِبِهَا وَتُظْهِرْ مَا مَعَهَا مِنَ الأَدَاةِ وَالعُدَّةِ، وَبَدَأَتِ القَبَائِلُ تَمُرُّ كَتِيبَةً كَتِيبَةً عَلَى أَبِي سُفْيَانَ، وَكُلَّمَا مَرَّتْ قَبِيلَةٌ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ لِلْعَبَّاسِ: يَا عَبَّاسُ! مَنْ هَذِهِ؟
فَيَقُولُ: سُلَيْمٌ، فَيَقُولُ أَبُو سُفْيَانَ: مَالِي وَسُلَيْمٍ؟ ، ثُمَّ تَمُرُّ القَبِيلَةُ، فَيَقُولُ: يَا عَبَّاسُ! مَنْ هَذِهِ؟ فَيَقُولُ: هَذِهِ غِفَارٌ، فَيَقُولُ: مَالِي وَلغِفَارٍ؟ ، ثُمَّ مَرَّتْ أَسْلَمُ، الحواشي
(١) أخرج ذلك مختصرًا الإمام مسلم - رقم الحديث(٨٦) - وأبو داود في سننه - رقم الحديث(٣٠٢٢) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٥١) وإسناده صحيح.(٢) خطم الجبل: رَعْنُ الجبل، وهو الأنفُ النادر منه. انظر النهاية (١/ ٣٨٨).(٣) لعل أمر رَسُول اللَّهِ ﷺ للعباس أن يوقف أبا سفيان حتى يرى جُند المسلمين حتى لا يُفكّر في القتال ويُسلم مكة؛ لأن رَسُول اللَّهِ ﷺ لا يريد قِتالًا، بل يريد أن تستسلم مكة.стр. 1961
ثُمَّ مُزَيْنَةُ، ثُمَّ جُهَيْنَةُ، ثُمَّ أَشْجَعُ، حَتَّى مَرَّتْ كُلُّ القَبَائِلِ، مَا تَمُرُّ قَبِيلَةٌ إِلَّا سَأَلَ العَبَّاسَ عَنْهَا، فَإِذَا أَخْبَرَهُ قَالَ: مَالِي وَلبَنِي فُلَانٍ (١) ؟
* مُرُورُ الكَتِيبَةِ الخَضْرَاءِ:
ثُمَّ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ فِي كَتِيبَتِهِ الخَضْرَاءِ (٢) ، فِيهَا المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ، وَلَا أَحَدَ مَعَهُمْ، لَا يُرَى مِنْهُمْ إِلَّا الحَدَقُ (٣) مِنَ الحَدِيدِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ، وَرَايَةُ المُهَاجِرِينَ مَعَ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ ﵁، وَرَايَةُ الأَنْصَارِ مَعَ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ ﵁، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا عَبَّاسُ! مَنْ هَؤُلَاءَ؟ .
قَالَ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا لِأَحَدٍ بِهَؤُلَاءِ قبَلٌ وَلَا طَاقَةٌ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ يَا أبَا الفَضْلِ لَقَدْ أَصْبَحَ مُلْكُ ابنِ أَخِيكَ اليَوْمَ عَظِيمًا.
فَقَالَ العَبَّاسُ ﵁: وَيْحَكَ يَا أبَا سُفْيَانُ! إِنَّهَا النُّبُوَّةُ.
فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: نَعَمْ (٤) . الحواشي
(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح - رقم الحديث(٤٢٨٠) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٥٢) - والبيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٣٥).(٢) يُقال: كَتِيبة خضراء: إذا غلب عليها لبسُ الحديد، شُبّه سواده بالخضرة، والعرب تطلق الخضرة على السواد. انظر النهاية (٢/ ٤٠).(٣) الحَدَق: العيون. انظر النهاية (١/ ٣٤١).(٤) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٥٢) - دلائل النبوة للبيهقي (٥/ ٣٥).стр. 1962
* نَزْعُ الرَّايَةِ مِنْ سَعْدِ بنِ عُبادَةَ ﵁ -:
فَلَمَّا مَرَّتِ الأَنْصَارُ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ صَرَخَ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ ﵁ وَكَانَتْ رَايَةُ الأَنْصَارِ مَعَهُ-: يَا أَبَا سُفْيَانَ اليَوْمَ يَوْمُ المَلْحَمَةِ (١) ، اليَوْمَ تُسْتَحَلُّ الكَعْبَةُ، اليَوْمَ أَذَلَّ اللَّهُ قُرَيْشًا.
فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ لِلْعَبَّاسِ: يَا عَبَّاسُ حَبَّذَا يَوْمُ الذِّمَارِ (٢) ، فَلَمَّا حَاذَى (٣) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا سُفْيَانَ نَادَاهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمَرْتَ بِقَتْلِ قَوْمِكَ؟ قَالَ: "لَا"، قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ مَا قَالَ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ؟
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا قَالَ؟ "، قَالَ: قَالَ كَذَا وَكَذَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَذَبَ (٤) سَعْدٌ، وَلَكِنْ هَذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللَّهُ فِيهِ الكَعْبَةَ، وَيَوْمٌ تُكْسَى (٥) فِيهِ الكَعْبَةُ".
ثُمَّ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ ﵁ فنَزَعَ الرَّايَةَ مِنْ يَدِهِ وَجَعَلَهَا بِيَدِ ابْنِهِ قَيْسٍ (٦) . الحواشي
(١) المَلْحَمة: الحرب والقتال الذي لا مخلص منه. انظر جامع الأصول لابن الأثير (٨/ ٣٦٦).(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٢٠): الذِّمار: بكسر الذال أي الهلاك.(٣) يُقال: حاذيت موضعًا: إذا صرت بجانبه. انظر لسان العرب (٣/ ٩٨).(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٢١): كذب: أي أخطأ.(٥) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٢١): المراد باليوم الزمان، كما قال يوم الفتح، فأشار النبي ﷺ إلى أنه هو الذي يكسوها في ذلك العام، ووقع ذلك.(٦) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب أين ركز النبي ﷺ الراية يوم =стр. 1963
* الرَّايَةُ تُعْطَى الزُّبَيْرَ بنَ العَوَّامِ ﵁ -:
فكَلَّمَ سَعْدٌ ﵁ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْخُذَ الرَّايَةَ مِنِ ابْنِهِ قَيْسٍ مَخَافَةَ أَنْ يَقَعَ فِي خَطَأٍ، فَأَخَذَهَا مِنْهُ، وَأَعْطَاهَا الزُّبَيْرَ بنَ العَوَّامِ ﵁.
فَقَدْ أَخْرَجَ البَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ البُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ قَيْسٌ فِي مُقَدِّمَةِ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ، فكَلَّمَ سَعْدٌ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَصْرِفه عَنِ المَوْضِعِ الذِي فِيهِ مَخَافَةَ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى شَيْءٍ، فَصَرَفه عَنْ ذَلِكَ (١) .
وَجَزَمَ مُوسَى بنُ عُقْبَةَ فِي المَغَازِي عَنِ الزُّهْرِيِّ: بِأنَّهُ دَفَعَهَا إِلَى الزُّبَيْرِ ﵁ (٢) .
* ذَهَابُ أَبِي سُفْيَانَ لِمَكَّةَ وَأَمْرِهِمْ بِالِاسْتِسْلَامِ:
ثُمَّ قَالَ العَبَّاسُ لِأَبِي سُفْيَانَ: النَّجَاءَ (٣) إِلَى قَوْمِكَ، فَأَسْرَعَ أَبُو سُفْيَانَ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ، وَصَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتهِ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! هَذَا مُحَمَّدٌ قَدْ جَاءَكُمْ فِيمَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ، فَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، فَقَامَتْ إِلَيْهِ زَوْجَتُهُ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، وَأَخَذَتْ بِلِحْيَتهِ فَقَالَتْ: اقْتُلُوا الحَمِيتَ (٤) الدَّسِمَ (٥) الحواشي
(٤٢٨٠) - والبيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٤٤) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث(٦١٤٥) .(١) أورده الحافظ في الفتح (٨/ ٣٢١) وعزاه إلى البزار، وصحح إسناده.(٢) انظر فتح الباري (٨/ ٣٢٠).(٣) النجاء: السرعة. انظر النهاية (٥/ ٢١).(٤) الحميت: هو الوعاء الذي يكون فيه السَّمْن ونحوه، فأرادت أن تنسبه إلى الضخم والسمن. انظر النهاية (١/ ٤١٩) - الرَّوْض الأُنُف (٤/ ١٥٨).(٥) الدسم: الأسود الدنيء. انظر النهاية (٢/ ١١٠).стр. 1964
الأَحْمَسَ (١) ، قُبِّحَ مِنْ طَلِيعَةِ قَوْمٍ.
فَقَالَ لَهَا أَبُو سُفْيَانَ: وَيْلَكِ! جَاءَ بِالحَقِّ، فَاسْكُتِي وَادْخُلِي بَيْتَكِ، وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ إِنْ لَمْ تُسْلِمِي لَتُضْرَبَنَّ عُنُقُكِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى قَوْمِهِ وَقَالَ: وَيْلَكُمْ! لَا تَغُرَّنَّكُمْ هَذِهِ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَكُمْ مَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ، فَمَنَ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، قَالُوا: قَاتَلَكَ اللَّهُ! وَمَا تُغْنِي عَنَّا دَارُكَ؟
قَالَ: وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ، وَكَفَّ يَدَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ المَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، فتَفَرَّقَ النَّاسُ إِلَى دُورِهِمْ وَإِلَى المَسْجِدِ (٢) .
* نُزُولُ جَيْشِ المُسْلِمِينَ بِذِي طُوَى (٣) :
وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَيْرِهِ إِلَى مَكَّةَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى ذِي طُوَى، وَهُنَاكَ أَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ تَنْظِيمَ وَتَرْتِيبَ جَيْشِهِ، فَجَعَلَ خَالِدَ بنَ الوَليدِ ﵁ عَلَى المَجْنَبَةِ (٤) اليُمْنَى، وَمَعَهُ أَسْلَمُ وَسُلَيْمٌ وَغِفَارٌ وَمُزَيْنَةَ وَجُهَيْنَةَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ أَسْفَلِهَا مِنْ كُدَيٍّ (٥) ، وَجَعَلَ الزُّبَيْرَ بنَ العَوَّامِ ﵁ عَلَى المَجْنَبَةِ اليُسْرَى، وَمَعَهُ المُهَاجِرُونَ، وَكَانَتْ مَعَهُ رَايَةُ الرَّسُولِ ﷺ . الحواشي
(١) الأحمس هنا: الذي لا خير فيه انظر الرَّوْض الأُنُف (٤/ ١٥٨).(٢) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٥٣) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣١٧).(٣) ذي طُوى: بضم الطاء وفتح الواو المخففة: موضع عند باب مكة. انظر النهاية (٣/ ١٣٣).(٤) مجنبة الجيش: هي التي تأخذ في الميمنة والميسرة. انظر النهاية (١/ ٢٩٢).(٥) كُدَيّ: بضم الكاف وتشديد الياء: موضع بأسفل مكة. انظر النهاية (٤/ ١٣٦).стр. 1965
وَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ أَعْلَاهَا مِنْ كَدَاءَ (١) ، وَأَنْ يُعَزِّزَ رَايَتَهُ بِالحَجُونِ (٢) ، وَلَا يَبْرَحَ (٣) حَتَّى يَأْتِيَهُ، وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ علَى مُقَدِّمَتِهِ قَيْسَ بنَ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ ﵄، وَمَعَهُ الأَنْصَارُ، وَجَعَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ بنَ الجرَّاحِ ﵁ عَلَى الرَّجَّالَةِ (٤) .
وَعَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُمَرَائِهِ: "لَا تُقَاتِلُوا إِلَّا مَنْ قَاتَلَكُمْ، وَنَهَاهُمْ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَأَنْ لَا يُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا يَتْبَعُوا مُدْبِرًا" (٥) . الحواشي
(١) كَداء: بفتح الكاف: هي الثنية العليا بمكة مما يلىِ المقابر. انظر النهاية (٤/ ١٣٦).(٢) الحَجُون: بفتح الحاء وضم الجيم: هو مكان معروف بالقرب من مقبرة مكة. انظر فتح الباري (٨/ ٣٢١).(٣) لا يبرح: لا يفارق. انظر لسان العرب (١/ ٣٦١).(٤) الرجالة: بفتح الراء: وهم المشاة. انظر النهاية (٢/ ١٨٨).
وفي رواية الإمام مسلم في صحيحه - رقم الحديث(١٧٨٠) : البَيَاذِقة: وهو بفتح الباء وكسر الذال وهم الرجالة، واللفظة فارسية معربة، وقيل: سُمّوا بذلك لخفة حركتهم، وأنهم ليس معهم ما يثقلهم. انظر النهاية (١/ ١٦٨).
وفي رواية أخرى في صحيح مسلم - رقم الحديث(١٧٨٠) ، ومسند الإمام أحمد - رقم الحديث(١٠٩٤٨) قال: الحُسر.
بضم الحاء: وهو جمع حاسر، وهو الذي لا درع عليه ولا مغفر. انظر النهاية (١/ ٣٦٩).
وأخرج ذلك كله: مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب فتح مكة - رقم الحديث(١٧٨٠) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث(١٠٩٤٨) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٥٤) - والبيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٤١).(٥) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٥٧) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣١٧).следующие страницы →