← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

ثُمَّ مُزَيْنَةُ، ثُمَّ جُهَيْنَةُ، ثُمَّ أَشْجَعُ، حَتَّى مَرَّتْ كُلُّ القَبَائِلِ، مَا تَمُرُّ قَبِيلَةٌ إِلَّا سَأَلَ العَبَّاسَ عَنْهَا، فَإِذَا أَخْبَرَهُ قَالَ: مَالِي وَلبَنِي فُلَانٍ (١)؟ * مُرُورُ الكَتِيبَةِ الخَضْرَاءِ: ثُمَّ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ فِي كَتِيبَتِهِ الخَضْرَاءِ (٢)، فِيهَا المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ، وَلَا أَحَدَ مَعَهُمْ، لَا يُرَى مِنْهُمْ إِلَّا الحَدَقُ (٣) مِنَ الحَدِيدِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ، وَرَايَةُ المُهَاجِرِينَ مَعَ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ ﵁، وَرَايَةُ الأَنْصَارِ مَعَ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ ﵁، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا عَبَّاسُ! مَنْ هَؤُلَاءَ؟ . قَالَ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا لِأَحَدٍ بِهَؤُلَاءِ قبَلٌ وَلَا طَاقَةٌ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ يَا أبَا الفَضْلِ لَقَدْ أَصْبَحَ مُلْكُ ابنِ أَخِيكَ اليَوْمَ عَظِيمًا. فَقَالَ العَبَّاسُ ﵁: وَيْحَكَ يَا أبَا سُفْيَانُ! إِنَّهَا النُّبُوَّةُ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: نَعَمْ (٤).

стр. 1962

* نَزْعُ الرَّايَةِ مِنْ سَعْدِ بنِ عُبادَةَ ﵁ -: فَلَمَّا مَرَّتِ الأَنْصَارُ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ صَرَخَ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ ﵁ وَكَانَتْ رَايَةُ الأَنْصَارِ مَعَهُ-: يَا أَبَا سُفْيَانَ اليَوْمَ يَوْمُ المَلْحَمَةِ (١)، اليَوْمَ تُسْتَحَلُّ الكَعْبَةُ، اليَوْمَ أَذَلَّ اللَّهُ قُرَيْشًا. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ لِلْعَبَّاسِ: يَا عَبَّاسُ حَبَّذَا يَوْمُ الذِّمَارِ (٢)، فَلَمَّا حَاذَى (٣) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا سُفْيَانَ نَادَاهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمَرْتَ بِقَتْلِ قَوْمِكَ؟ قَالَ: "لَا"، قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ مَا قَالَ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا قَالَ؟ "، قَالَ: قَالَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَذَبَ (٤) سَعْدٌ، وَلَكِنْ هَذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللَّهُ فِيهِ الكَعْبَةَ، وَيَوْمٌ تُكْسَى (٥) فِيهِ الكَعْبَةُ". ثُمَّ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ ﵁ فنَزَعَ الرَّايَةَ مِنْ يَدِهِ وَجَعَلَهَا بِيَدِ ابْنِهِ قَيْسٍ (٦).

стр. 1963

* الرَّايَةُ تُعْطَى الزُّبَيْرَ بنَ العَوَّامِ ﵁ -: فكَلَّمَ سَعْدٌ ﵁ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْخُذَ الرَّايَةَ مِنِ ابْنِهِ قَيْسٍ مَخَافَةَ أَنْ يَقَعَ فِي خَطَأٍ، فَأَخَذَهَا مِنْهُ، وَأَعْطَاهَا الزُّبَيْرَ بنَ العَوَّامِ ﵁. فَقَدْ أَخْرَجَ البَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ البُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ قَيْسٌ فِي مُقَدِّمَةِ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ، فكَلَّمَ سَعْدٌ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَصْرِفه عَنِ المَوْضِعِ الذِي فِيهِ مَخَافَةَ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى شَيْءٍ، فَصَرَفه عَنْ ذَلِكَ (١). وَجَزَمَ مُوسَى بنُ عُقْبَةَ فِي المَغَازِي عَنِ الزُّهْرِيِّ: بِأنَّهُ دَفَعَهَا إِلَى الزُّبَيْرِ ﵁ (٢). * ذَهَابُ أَبِي سُفْيَانَ لِمَكَّةَ وَأَمْرِهِمْ بِالِاسْتِسْلَامِ: ثُمَّ قَالَ العَبَّاسُ لِأَبِي سُفْيَانَ: النَّجَاءَ (٣) إِلَى قَوْمِكَ، فَأَسْرَعَ أَبُو سُفْيَانَ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ، وَصَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتهِ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! هَذَا مُحَمَّدٌ قَدْ جَاءَكُمْ فِيمَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ، فَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، فَقَامَتْ إِلَيْهِ زَوْجَتُهُ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، وَأَخَذَتْ بِلِحْيَتهِ فَقَالَتْ: اقْتُلُوا الحَمِيتَ (٤) الدَّسِمَ (٥)

стр. 1964

الأَحْمَسَ (١)، قُبِّحَ مِنْ طَلِيعَةِ قَوْمٍ. فَقَالَ لَهَا أَبُو سُفْيَانَ: وَيْلَكِ! جَاءَ بِالحَقِّ، فَاسْكُتِي وَادْخُلِي بَيْتَكِ، وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ إِنْ لَمْ تُسْلِمِي لَتُضْرَبَنَّ عُنُقُكِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى قَوْمِهِ وَقَالَ: وَيْلَكُمْ! لَا تَغُرَّنَّكُمْ هَذِهِ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَكُمْ مَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ، فَمَنَ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، قَالُوا: قَاتَلَكَ اللَّهُ! وَمَا تُغْنِي عَنَّا دَارُكَ؟ قَالَ: وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ، وَكَفَّ يَدَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ المَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، فتَفَرَّقَ النَّاسُ إِلَى دُورِهِمْ وَإِلَى المَسْجِدِ (٢). * نُزُولُ جَيْشِ المُسْلِمِينَ بِذِي طُوَى (٣): وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَيْرِهِ إِلَى مَكَّةَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى ذِي طُوَى، وَهُنَاكَ أَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ تَنْظِيمَ وَتَرْتِيبَ جَيْشِهِ، فَجَعَلَ خَالِدَ بنَ الوَليدِ ﵁ عَلَى المَجْنَبَةِ (٤) اليُمْنَى، وَمَعَهُ أَسْلَمُ وَسُلَيْمٌ وَغِفَارٌ وَمُزَيْنَةَ وَجُهَيْنَةَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ أَسْفَلِهَا مِنْ كُدَيٍّ (٥)، وَجَعَلَ الزُّبَيْرَ بنَ العَوَّامِ ﵁ عَلَى المَجْنَبَةِ اليُسْرَى، وَمَعَهُ المُهَاجِرُونَ، وَكَانَتْ مَعَهُ رَايَةُ الرَّسُولِ ﷺ .

стр. 1965

وَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ أَعْلَاهَا مِنْ كَدَاءَ (١)، وَأَنْ يُعَزِّزَ رَايَتَهُ بِالحَجُونِ (٢)، وَلَا يَبْرَحَ (٣) حَتَّى يَأْتِيَهُ، وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ علَى مُقَدِّمَتِهِ قَيْسَ بنَ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ ﵄، وَمَعَهُ الأَنْصَارُ، وَجَعَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ بنَ الجرَّاحِ ﵁ عَلَى الرَّجَّالَةِ (٤). وَعَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُمَرَائِهِ: "لَا تُقَاتِلُوا إِلَّا مَنْ قَاتَلَكُمْ، وَنَهَاهُمْ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَأَنْ لَا يُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا يَتْبَعُوا مُدْبِرًا" (٥).

стр. 1966

* عَشَرَةٌ لَا عَهْدَ لَهُمْ وَلَا أَمَانٌ: وَاسْتَثْنَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةً مِنَ المُشْرِكِينَ مِنَ الأَمَانِ وَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ وَإِنْ وُجِدُوا مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ، وَهُمْ: ١ - عِكْرِمَةُ بنُ أَبِي جَهْلٍ: لِشِدَّةِ عَدَاوَتهِ لِلْإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ، وَمَا أَلْحَقَهُ مِنْ أَذًى شَدِيدٍ بِالمُسْلِمِينَ. ٢ - عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَعْدِ بنِ أَبِي السَّرْحِ: وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ، وَكَتَبَ الوَحْيَ، فَأَزَلَّهُ الشَّيْطَانُ فَارْتَدَّ، وَلَحِقَ بِالكُفَّارِ (١). ٣ - مِقْيَسُ بنُ صُبَابَةَ (٢): وَكَانَ أَخَاهُ قُتِلَ خَطَأً عَلَى يَدِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فِي غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ، فَأُعْطِيَ الدِّيَةَ، ثُمَّ عَدَا مِقْيَسُ عَلَى الأَنْصَارِيِّ فَقتَلَهُ وَهَرَبَ إِلَى مَكَّةَ مُرْتَدًّا (٣). ٤ - عَبْدُ اللَّهِ بنُ خَطَلٍ (٤): وَكَانَ مُسْلِمًا، فَأَرْسَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَحَدِ الأَنْصَارِ لِأَخْذِ الصَّدَقَةِ، وَكَانَ مَعَهُمَا مَوْلًى لَهُ مُسْلِمٌ يَخْدُمُهُ، فَعَدا عَلَى المَوْلَى

стр. 1967

فَقتَلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصْنَعْ لَهُ طَعَامًا، ثُمَّ ارْتَدَّ، وَأَخَذَ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بالشِّعْرِ. ٥ - الحُوَيْرِثُ بنُ نُقَيْذٍ (١): وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلرَّسُولِ ﷺ بِمَكَّةَ، وَكَانَ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بشِعْرِهِ. ٦ - هَبَّارُ بنُ الأَسْوَدِ: وَهَذَا الرَّجُلُ كَانَ قَدِ اعْترَضَ زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَمَا هَاجَرَتْ إِلَى المَدِينَةِ، وَكَانَتْ حَامِلًا، فَضَرَبَ بَعِيرَهَا، فَهَاجَ البَعِيرُ وَسَقَطَتْ زَيْنَبُ عَلَى صَخْرَةٍ، وَسَقَطَ حَمْلُهَا (٢). ٧ - هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ: وَكَانَتْ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَهِيَ التِي بَقَرَتْ (٣) بَطْنَ حَمْزَةَ ﵁ يَوْمَ أُحُدٍ، وَمَثَّلَتْ بِهِ. ٨ - سَارَةُ: مَوْلَاةٌ لِبَعْضِ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَهِيَ التِي أَخَذَتْ كِتَابَ حَاطِبِ بنِ أَبِي بَلْتَعَةَ ﵁ لِتُوصِلَهُ إِلَى المُشْرِكِينَ. ٩ - ١٠ - قَيْنَتَانِ (٤) لِابْنِ خَطَلٍ، وَكَانتا تُغَنِّيَانِ بِهِجَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَذَكَرَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهْدَرَ كَذَلِكَ دَمَ: ١١ - كَعْب بنِ زُهَيْرِ بنِ أَبِي سُلْمَى الشَّاعِرُ المَشْهُورُ صَاحِبُ قَصِيدَةِ "بَانَتْ سُعَادُ".

стр. 1968

١٢ - وَحْشِيِّ بنِ حَرْبٍ: الذِي قتَلَ حَمْزَةَ ﵁ (١). رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أَمَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ إِلَّا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأتَيْنِ، وَقَالَ: "اقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ: عِكْرِمَةُ بنُ أَبِي جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ خَطَلٍ، وَمِقْيسُ بنُ صُبَابةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ سَعْدِ بنِ أَبِي السَّرْحِ" (٢). وأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَده وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائيُّ فِي السُّنَنِ الكُبْرَى بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ ﵁، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ قُتِلَ مِنَ الأَنْصَارِ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ رَجُلًا، وَمِنَ المُهَاجِرِينَ سِتَّةٌ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : لَئِنْ كَانَ لَنَا يَوْمٌ مِثْلُ هَذَا مِنَ المُشْرِكِينَ، لَنُرْبِيَنَّ (٣) عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الفَتْحِ، قَالَ رَجُلٌ لَا يَعْرِفُ: لَا قُرَيْشَ بَعْدَ اليَوْمِ، فنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "أَمِنَ الأَسْوَدُ وَالأَبْيَضُ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا، نَاسًا سَمَّاهُمْ" (٤).

стр. 1969

قُلْتُ: وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ مَا آل إِلَيْهِ أَمْرُ هَؤُلَاءِ العَشَرَةِ. * أَوْبَاشُ قُرَيْشٍ: فِي هَذِهِ الفَتْرَةِ قَامَتْ قُرَيْشٌ وَوَبَّشَتْ أَوْبَاشًا (١) لَهَا، وَأَتْبَاعًا مِنْ بَنِي بَكْرٍ وَبَنِي الحَارِثِ ابْنَيْ عَبْدِ مَنَافٍ وَهُذَيْلٍ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يَكُوُنوا بِأَسْفَلِ مَكَّةَ، وَقَالُوا: نُقَدِّمُ هَؤُلَاءِ، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ شَيْءٌ كُنَّا مَعَهُمْ، وَإِنْ أُصِيبُوا أَعْطَيْنَا الذِي سُئِلْنَا، فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّه ﷺ نَادَى أبَا هُرَيْرَةَ ﵁. فَقَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "اهْتِفْ لِي بِالأَنْصَارِ، وَلَا يَأْتِينِي إِلَّا أَنْصَارِيٌّ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: فَهَتَفْتُ بِهِمْ، فَجَاؤُوا فَأَطَافُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَرَوْنَ إِلَى أَوْبَاشِ قُريْشٍ وَأَتْبَاعِهِمْ، احْصُدُوهُمْ حَصْدًا، حَتَّى تُوَافُونِي بِالصَّفَا" (٢). * دُخُولُ المُسْلِمِينَ مَكَّةَ وَشَأْنُ أَهْلِ الخَنْدَمَةِ (٣): وَتَحَرَّكَتْ كُلُّ كَتِيبَةٍ مِنَ الجَيْشِ الإِسْلَامِيِّ عَلَى الطَّرِيقِ التِي كُلِّفَتِ الدُّخُولَ مِنْهَا، وَلَمْ تَلْقَ أَيَّةَ مُقَاوَمَةٍ تُذْكَرُ، إِلَّا خَالِدَ بنَ الوَليدِ ﵁، فَقَدْ مَضَى

стр. 1970

حَتَّى دَخَلَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ، فَلَقِيَهُ صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ، وَعِكْرِمَةُ بنُ أَبِي جَهْلٍ، وَسُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو (١) بِالخَنْدَمَةِ، فِي جَمْعٍ مِنْ أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ وَأَتْبَاعِهَا، فَمَنَعُوهُ مِنَ الدُّخُولِ، وَشَهَرُوا السِّلَاحَ، وَرَمَوْهُ بِالنَّبْلِ، فَقَاتَلَهُمْ خَالِدٌ ﵁، فَقتَلَ مِنْهُمْ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ رَجُلًا، وَانْهَزَمُوا، وَاسْتَمَرَّ خَالِدٌ ﵁ يَدْفَعُهُمْ حَتَّى انْتَهَى بِهِمُ القَتْلُ إِلَى بَابِ المَسْجِدِ، فَلَمَّا رَاَهُمْ أَبُو سُفْيَانَ بنُ حَرْبٍ، صَاحَ بِهِمْ: مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ وَكَفَّ يَدَهُ فَهُوَ آمِنٌ، فَجَعَلُوا يَقْتَحِمُونَ الدُّورَ، وَيُغْلِقُونَ أَبْوَابَهَا عَلَيْهِمْ (٢). * شَأْنُ حِمَاسِ (٣) بنِ قَيْسٍ: وَكَانَ مِنْ بَيْنِ الذِينَ انْهَزَمُوا حِمَاسُ بنُ قَيْسٍ مِنْ بَنِي بَكْرٍ، وَقَدْ كَانَ قَبْلَ دُخُولِ المُسْلِمِينَ يُعِدُّ سِلَاحَهُ وَيُصْلِحُهُ لِقِتَالِ المُسْلِمِينَ. فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: لِمَاذَا تُعِدُّ سِلَاحَكَ؟ قَالَ: لِمُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ. قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَرَى يَقُومُ لِمُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ شَيْءٌ. قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أُخْدِمَكِ بَعْضَهُمْ. فَلَمَّا انْهَزَمَ حِمَاسٌ وَفرَّ، دَخَلَ بَيْتَهُ، وَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَغْلِقِي عَلَيَّ بَابِي. قَالَتْ: فَأَيْنَ مَا كُنْتَ تَقُولُ؟ قَالَ:

стр. 1971

إِنَّكِ لَوْ شَهِدْتِ يَوْمَ الخَنْدَمَهْ ... إِذْ فَرَّ صَفْوَان وَفَرَّ عِكْرِمَهْ وَأَبُو يَزِيدَ (١) قَائِمٌ كَالمُؤْتَمَهْ (٢) ... وَاسْتَقْبَلَتْهُمْ بِالسُّيُوفِ المُسْلِمَهْ يَقْطَعْنَ كُلَّ سَاعِدٍ وَجُمْجُمَهْ ... ضَرْبًا فَلا يُسْمَعُ إِلَّا غَمْغَمَهْ لَهم نَهِيتٌ (٣) خَلْفَنا وَهَمْهَمَهْ ... لَمْ تَنْطِقِي فِي اللَّوْمِ أَدْنَى كَلِمَهْ (٤) * قَتلَى خَيْلِ خَالِدٍ ﵁ -: وَقَدْ قُتِل مِنْ خَيْلِ خَالِدٍ ﵁ رَجُلَانِ شَذَّا عَنْهُ، فَسَلَكَا طَرِيقًا غَيْرَ طَرِيقِهِ، فَقُتِلَا جَمِيعًا، وَهُمَا: كُرْزُ (٥) بنُ جَابِرٍ الفِهْرِيُّ، وَحبيْشُ بنُ الأَشْعَرِ (٦) الخُزَاعِيُّ، وَهُوَ أَخُو أُمِّ مَعْبَدَ التِي مَرَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُهَاجِرًا (٧). * فَزَعُ أَبِي سُفْيَانَ بنِ حَرْبٍ: وَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أُبِيحَتْ (٨)

стр. 1972

خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ، لَا قُرَيْشٌ بَعْدَ اليَوْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ ألقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلقَ بَابهُ فَهُوَ آمِنٌ" (١). ثُمَّ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى خَالِدٍ ﵁ يَأْمُرُهُ أَنْ يَرْفَعَ يَدَهُ عَنِ القَتْلِ، فَلَمَّا قَدِمَ خَالِدٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَامَهُ رَسُولُ اللَّه- ﷺ ، وَقَالَ لَه: "لِمَ قَاتَلْتَ، وَقَدْ نَهَيْتُكَ عَنِ القِتَالِ؟ ". فَقَالَ: هُمْ بَدَؤُونَا بِالقِتَالِ، وَوَضَعُوا فِينَا السِّلَاحَ، وَأَشْعَرُونَا بِالنَّبْلِ، وَقَدْ كَفَفْتُ يَدِيَ مَا اسْتَطَعْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "قَضَاءُ اللَّهِ خَيْرٌ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُفُّوا عَنِ السِّلَاحِ إِلَّا خُزَاعَةَ مِنْ بَنِي بَكْرٍ"، فَأُذِّنَ لَهُمْ إِلَى صَلَاةِ العَصْرِ، ثُمَّ صَلَّى العَصْرَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كفُّوا السِّلَاحَ" (٢). * التَّجَمُّعُ فِي الخَيفِ (٣): وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ الصَّحَابَةَ ﵃ أَنْ يَتَجَمَّعُوا فِي الخَيْفِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ

стр. 1973

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْزُلنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، إِذَا فَتَحَ اللَّهُ، الخَيْفُ حَيْثُ تَقَاسَمُوا (١) عَلَى الكُفْرِ" (٢). قَالَ العُلَمَاءُ: وَكَانَ نُزُولُه ﷺ هُنَا شُكْرًا للَّهِ تَعَالَى عَلَى الظُّهُورِ بَعْدَ الاخْتِفَاءِ، وَعَلَى إِظْهَارِ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٣). وَلَمْ يَنْزِلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَارَهُ التِي كَانَتْ فِي مَكَّةَ؛ لِأَنَّ عَقِيلَ بنَ أَبِي طَالِبٍ بَاعَهَا، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ زَمَنَ الفَتْحِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ، فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَهَلْ ترَكَ عَقِيلٌ مِنْ مَنْزِلٍ؟ ". وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ، وَلَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ وَلَا عَلِيٌّ ﵄؛ لِانَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ (٤).

стр. 1974

قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ هَذَا الحُكْمِ -أَيْ عَدَمِ تَوْرِيثِ المُسْلِمِ الكَافِرَ- فِي أَوَائِلِ الإِسْلَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الهِجْرَةُ لَمَّا وَقَعَتْ اسْتَوْلَى عَقِيلٌ وَطَالِبٌ عَلَى مَا خَلَّفهُ أَبُو طَالِبٍ -وَكَانَ قَدْ مَاتَ قَبْلَ الهِجْرَةِ- وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ قَدْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَا خَلَفهُ عَبْدُ اللَّهِ وَالِدُ الرَّسُولِ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ شَقِيقَهُ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الهِجْرَةُ وَلَمْ يُسْلِمْ طَالِبٌ، وَتَأَخَّرَ إِسْلَامُ عَقِيلٍ، اسْتَوْلَيَا عَلَى مَا خَلَّفَ أَبُو طَالِبٍ، وَمَاتَ طَالِبٌ قَبْلَ بَدْرٍ، وَتَأَخَّرَ عَقِيلٌ، فَلَمَّا تَقَرَّرَ حُكْمُ الإِسْلَامِ بِتَرْكِ تَوْرِيثِ المُسْلِمِ مِنَ الكَافِرِ، اسْتَمَرَّ ذَلِكَ بِيَدِ عَقِيلٍ، فَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى ذَلِكَ، وَكَانَ عَقِيلٌ قَدْ بَاعَ تِلْكَ الدُّورَ كُلَّهَا. وَفِي قَوْلِهِ ﷺ : "هَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ؟ "، إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا بِغَيْرِ بَيْعٍ لَنَزَلَ فِيهَا (١). * أَوَّلُ مَنْ وَصَلَ الزُّبَيْرُ ﵁ -: وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ وَصَلَ إِلَى الخَيْفِ هُوَ الزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامِ ﵁، وَنَصَبَ عِنْدَهَا رَايَتَهُ، وَضَرَبَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُبَّةً مِنْ أَدَمٍ (٢). * دُخُولُ الرَّسُولِ ﷺ مَكَّةَ: ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ مِنْ أَعْلَاهَا مِنْ كَدَاءَ فِي كَتِيبتِهِ الخَضْرَاءِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ ﵃، وَذَلِكَ بُكْرَةَ يَوْمِ الجُمُعَةِ لِعَشْرِ

стр. 1975

لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ، وَهُوَ رَاكِبٌ نَاقَتَهُ القَصْوَاءَ مُرْدِفًا أُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ ﵄ خَلْفَهُ، عَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ (١)، وَاضِعًا رَأْسَهُ الشَّرِيفَ عَلَى رَاحِلَتِهِ تَوَاضُعًا للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ حِينَ رَأَى مَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الفَتْحِ، حَتَّى إِنَّ لِحْيَتَهُ لَتَكَادُ تَمَسُّ وَسَطَ رَحْلِهِ ﷺ ، وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الفَتْحِ يُرَجِّعُ (٢) بِهَا صَوْتَهُ (٣). قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّد الغَزَالِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ هَذَا الفَتْحَ المُبِينَ لَيُذَكِّرُهُ بِمَاضٍ طَوِيلِ الفُصُولِ، كَيْفَ خَرَجَ مُطَارَدًا؟ ، وَكَيْفَ يَعُودُ اليَوْمَ مَنْصُورًا مُؤَيَّدًا. . .؟ ! وَأَيُّ كَرَامَةٍ عُظْمَى حَفَّهُ اللَّهُ بِهَا فِي هَذَا الصَّبَاحِ المَيْمُونِ! وَكُلَّمَا اسْتَشْعَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذه النَّعْمَاءَ ازْدَادَ للَّهِ عَلَى رَاحِلَتِهِ خُشُوعًا وَانْحِنَاءً، وَيبدُو أَنَّ هُنَاكَ عَوَاطِفُ أُخْرَى كَانَتْ تَجِيشُ (٤) فِي بَعْضِ الصُّدُورِ (٥). * اغْتِسَالُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي دَارِ أمِّ هَانِئٍ ﵂: وَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَارَ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ

стр. 1976

اللَّهُ عَنْهَا، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ صَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ فِي بَيْتِهَا، وَذَلِكَ ضُحًى. قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: لم أَرَهُ ﷺ صَلَّى صَلَاةً أَخَفَّ مِنْهَا، غَيْرَ أنهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ (١). قَالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَكَانَتْ هَذِهِ صَلَاةَ الفَتْحِ، وَكَانَ أُمَرَاءُ الإِسْلَامِ إِذَا فتَحُوا حِصْنًا أَوْ بَلَدًا، صَلُّوا عُقَيْبَ الفَتْحِ هَذِهِ الصَّلَاةَ اقْتِدَاء بِرَسُولِ اللَّه ﷺ ، وَفِي القِصَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا بِسَبَبِ الفَتْحِ شُكْرًا للَّهِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُهُ صَلَّاهَا قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا (٢). قُلْتُ: وَقَدْ صَلَّى سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ يَوْمَ فَتْحِ المَدَائِنِ فِي إِيوَانِ كِسْرَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ (٣). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: إِنَّمَا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أُمِّ هَانِئٍ؛ لِيَغْتَسِلَ وَيُصَلِّيَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَيْثُ ضُرِبَتْ خَيْمَتُهُ فِي الخَيْفِ عِنْدَ شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ (٤).

стр. 1977

* حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ ﵁ قَالَتْ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْفَتْحِ، فَأَتَتْهُ بِشَرَابٍ، فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ فَضَلَتْ مِنْهُ فَضْلةٌ، فنَاوَلَهَا فَشَرِبَتْهُ، ثُمَّ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ فَعَلْتُ شَيْئًا مَا أَدْرِي يُوَافِقُكَ أَمْ لَا؟ قَالَ: "وَمَا ذَاكَ يَا أُمَّ هَانِئٍ؟ "، قَالَتْ: كُنْتُ صَائِمَةً، فكَرِهْتُ أَنْ أَرُدَّ فَضْلَكَ، فَشَرِبْتُهُ، قَالَ: "تَطَوُّعًا أَوْ فَرِيضَةً؟ "، قَالَتْ: بَلْ تَطَوُّعًا، فَقَالَ ﷺ : "فَإِنَّ الصَّائِمَ الْمُتَطَوِّعَ بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ صَامَ، وَإنْ شَاءَ أَفْطَرَ" (١). فَهَذَا الحَدِيثُ ضَعِيفٌ، لِاضْطِرَابِ إِسْنَادِهِ (٢) وَنَكَارَةِ مَتْنِهِ (٣)، قَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَهُ: وَحَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ. * إِجَارَةُ أُمِّ هَانِئٍ لِقَرِيبَيْنِ لَهَا: وَأَجَارَتْ أُمُّ هَانِئٍ ﵂، رَجُلَيْنِ مِنْ أَقَارِبِهَا (٤)، كَانَا فَرَّا إِلَيْهَا،

стр. 1978

وَكَانَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ يَتْبَعُهُمَا، فَقَدْ رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ ﵂ قَالَتْ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْترهُ بِثَوْبٍ، قَالَتْ: فَسَلَّمْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ هَذِهِ؟ ". قُلْتُ: أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَرْحَبًا يَا أُمَّ هَانِئٍ"، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ، . . . قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ ابْنُ أُمِّي عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرتُهُ، فُلَانُ بنُ هُبَيْرَةَ (١). فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ" (٢). * طَوَاف رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالبَيْتِ وَتَطْهِيرُهُ مِنَ الأَصْنَامِ: ثُمَّ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسْجِدَ الحَرَامَ، وَالمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَخَلْفَهُ وَحَوْلَهُ، يُهَلِّلُونَ وَيُكَبِّرُونَ، فَأَقْبلَ إِلَى الحَجَرِ الأَسْوَدِ فَاسْتَلَمَهُ بِمِحْجَنٍ (٣) في يَدِهِ، ثُمَّ طَافَ بِالبَيْتِ سَبْعَّاَ عَلَى رَاحَلِتِه، وَحَوْلَ البَيْتِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ صَنَمًا مَشْدُودَةٌ بِالحَدِيدِ، فَجَعَلَ كُلَّمَا دَنَا مِنْ صَنَمٍ يَطْعَنُهَا بِمِحْجَنِهِ،

стр. 1979

وَيَقُولُ: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (١)، ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ (٢). فَمَا يُشِيرُ عَلَى صَنَمٍ مِنْهَا فِي وَجْهِهِ إِلَّا وَقَعَ لِقَفَاهُ، وَلَا يُشِيرُ إِلَى قَفَاهُ إِلَّا وَقَعَ لِوَجْهِهِ حَتَّى مَا بَقِيَ مِنْهَا صَنَمٌ إِلَّا وَقَعَ (٣). * دُخُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الكَعْبَةَ وَتَطْهِيرُهَا مِنَ الصُّوَرِ: ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُثْمَانَ بنَ طَلْحَةَ ﵁ حَاجِبَ (٤) الكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُ: "ائْتِنِي بِالمِفْتَاحِ"، فَذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى أُمِّهِ، فَأَبَتْ أَنْ تُعْطيَهُ المِفْتَاحَ فِي بِدَايَةِ الأَمْرِ، ثُمَّ إِنَّهَا أَعْطَتْهُ إِيَّاهُ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ، فَفَتَحَ بَابَ الكَعْبَةِ، وَأَمَرَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ أَنْ يَدْخُلَ، فَيَمْحُوَ كُلَّ صُورَةٍ فِيهَا، فَلَمْ يَدْخُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى مُحِيَتْ كُلُّ صُورَةٍ فِيهَا (٥).

стр. 1980

ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الكَعْبَةَ، فَوَجَدَ حَمَامَةً مِنْ عِيدَانٍ، فكَسَرَهَا بِيَدهِ، ثُمَّ طَرَحَهَا (١)، وَوَجَدَ بَعْضَ الآثَارِ لِلصُّوَرِ، فَوَجَدَ صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﵉ فِي أَيْدِيهِمَا الأَزْلَامُ (٢)، وَوَجَدَ أَيْضًا صُورَةً لِمَرْيَمَ ﵍، فَقَالَ ﷺ : "قَاتَلَهُمُ اللَّهُ، وَاللَّهِ مَا اسْتَقْسَمَا بِالأَزْلَامِ قَطُّ". ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَقِيَّةِ تِلْكَ الصُّوَرِ فَمَحَاهَا (٣). وَفِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ أُسَامَةُ ﵁ قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ، فَأَتَيْتُهُ بِهِ، فَجَعَلَ يَمْحُوهَا، وَيَقُولُ: "قَاتَلَ اللَّهُ قَوْمًا يُصَوِّرُونَ مَا لَا يَخْلُقُونَ" (٤).

стр. 1981

ذَكَرْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ قَدْ أَمَرَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ بِمَسْحِ الصُّوَرِ، وَوَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هُوَ الذِي مَسَحَهَا. قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَالذِي يَظْهَرُ أَنَّ عُمَرَ ﵁ مَحَا مَا كَانَ مِنَ الصُّوَرِ مَدْهُونًا مَثَلًا، وَأَخْرَجَ مَا كَانَ مَخْرُوطًا، وَأَمَّا مَسْحُ النِّبِيِّ ﷺ لِلصُّوَرِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ بَقِيَتْ بَقِيَّةٌ خَفِيَ عَلَى مَنْ مَحَاهَا أَوّلًا (١). * إِغْلَاقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيهِ بَابَ الكَعْبَةِ: ثُمَّ أَغْلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَابَ الكَعْبَةِ (٢)، وَمَا كَانَ مَعَهُ فِي هَذَا المَكَانِ العَظِيمِ الطَّاهِرِ إِلَّا أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ، وَبِلَالُ بنُ رَبَاحٍ، وَعُثْمَانُ بنُ طَلْحَةَ، وَقِيلَ الفَضْلُ بنُ عَبَّاسٍ -وَفِيهِ نَظَرٌ- (٣)، ﵃، فَمَكَثَ فِيهِ طَوِيلًا، فَجَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينهِ، وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ، وَكَانَ البَيْتُ

стр. 1982

يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ، وَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَلَمَّا خَرَجَ اسْتَبَقَ النَّاسُ، فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ ﵄ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ، فَوَجَدَ بِلَالًا وَرَاءَ البَابِ قَائِمًا، فَسَأ: أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ . فَأَشَارَ لَهُ إِلَى المَكَانِ الذِي صَلَّى فِيهِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فنَسِيتُ أَنْ أَسْأله كَمْ صَلَّى مِنْ سَجْدَةٍ؟ (١). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - رِوَايَةُ الصَّاحِبِ عَنِ الصَّاحِبِ. ٢ - سُؤَالُ المَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الأَفْضَلِ وَالِاكْتِفَاءِ بِهِ. ٣ - وَالحُجَّةُ بِخَبَرِ الوَاحِدِ. ٤ - وَفيهِ اخْتِصَاصُ السَّابِقِ بِالبُقْعَةِ الفَاضِلَةِ. ٥ - وَفِيهِ السُّؤَالُ عَنِ العِلْمِ وَالحِرْصُ عَلَيهِ. ٦ - وَفِيهِ فَضِيلَةُ ابنِ عُمَرَ لِشِدَّةِ حِرْصِهِ عَلَى تَتَبُّعِ آثارِ النَّبِيِّ ﷺ لِيَعْمَلَ بِهَا.

стр. 1983

٧ - وَفيهِ أَنَّ الفَاضِلَ مِنَ الصَّحَابَةِ قَدْ كَانَ يَغِيبُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ المَشَاهِدِ الفَاضِلَةِ، وَيَحْضُرُهُ مَنْ هُوَ دُونَهُ، فَيَطَّلِعَ عَلَى مَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَغَيْرَهُمَا مِمَّنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ بِلَالٍ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ لَمْ يُشَارِكُوهُمْ فِي ذَلِكَ. ٨ - وَفيهِ مَشْرُوعِيَّهُ الأَبْوَابِ وَالْغَلْقِ لِلْمَسَاجِدِ. ٩ - وَفيهِ أَنَّ السُّتْرَةَ إِنَّما تُشْرَعُ حَيْثُ يُخْشَى المُرُورُ، فَإِنَّهُ ﷺ صَلَّى بَيْنَ العَمُودَيْنِ، وَلَمْ يُصَلِّ إِلَى أَحَدِهِمَا، وَالذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ ترَكَ ذَلِكَ لِلِاكْتِفَاءِ بِالقُرْبِ مِنَ الجِدَارِ. ١٠ - وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ قَوْلَ العُلَمَاءِ تَحِيَّةُ المَسْجِدِ الحَرَامِ الطَّوَافُ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ دَاخِلِ الكَعْبَةِ لِكَوْنِهِ ﷺ جَاءَ فَأَنَاخَ عِنْدَ البَيْتِ، فَدَخَلَهُ، فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، فَكَانَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ إِمَّا لِكَوْنِ الكَعْبَةِ كَالمَسْجِدِ المُسْتَقِلِّ، أَوْ هُوَ تَحِيَّةُ المَسْجِدِ العَامِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ١١ - وَفيهِ اسْتِحْبَابُ دُخُولِ الكَعْبَةِ (١). * خُطْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ مَكَّةَ وَعَفْوُهُ عَنْهُمْ: ثُمَّ وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ علَى بَابِ الكَعْبَةِ، وَقَدِ اسْتَكْفَّ (٢) لَهُ النَّاسُ يَنْتَظِرُونَ مَاذَا يَصْنَعُ؟ فَأَخَذَ بِعَضَادَتِيِ البَابِ وَهُمْ تَحْتَهُ، فَقَالَ ﷺ : "اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ،

стр. 1984

وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، أَلَا إِنَّ كُلَّ مَأْثَرَةٍ كَانَتْ فِي الجَاهِلِيَّةِ تُذْكَرُ وَتُدْعَى مِنْ دَمٍ، أَوْ مَالٍ تَحْتَ قَدَمِي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ سِقَايَةِ الحَاجِّ، وَسِدَانَةِ البَيْتِ، أَلَا إِنَّ قَتِيلَ الخَطَأِ شِبْهَ العَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالعَصَا، فَفِيهِ الدِّيَةُ مُغَلَّظَةً: مِائَهٌ مِنَ الإِبِلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَةً (١)، فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا" (٢). "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبَيَّةَ (٣) الجَاهِلِيَّةِ، وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا، النَّاسُ رَجُلَانِ: بَرٌّ تَقِيٌّ كرِيمٌ عَلَى اللَّهِ ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ ، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ بَنُو آدمَ، وَخُلِقَ آدَمُ مِنْ تُرَابٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾، لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ فَخْرَهُمْ بِرِجَالٍ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ عِدَّتِهِمْ مِنَ الْجِعْلَانِ (٤) التِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتْنَ" (٥). "أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ مَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ (٦) فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَإِنَّ الإِسْلَامَ لَمْ يَزِدْهُ

стр. 1985

إِلَّا شِدَّةً، وَلَا حِلْفَ فِي الإِسْلَامِ" (١). وَقَالَ ﷺ : "مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابَيْنِ، فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ، وَلَهُ مِثْلُ الذِي لَنَا، وَعَلَيْهِ مِثْلُ الذِي عَلَيْنَا، وَمَنْ أَسْلَمَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَلَهُ أَجْرُهُ، وَلَهُ مِثْلُ الذِي لَنَا، وَعَلَيْهِ مِثْلُ الذِي عَلَيْنَا" (٢). ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا مَعْشَرَ قُرَيشٍ! مَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِل بِكُمْ؟ ". قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَقُولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لِإخْوَتهِ: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ (٣)، اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلقاءُ" (٤).

стр. 1986

فَعَفَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُمْ جَمِيعًا، وَدَخَلُوا فِي الإِسْلَامِ. * دَفْعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِفْتَاحَ الكَعْبَةِ إِلَى أَهْلِهِ: ثُمَّ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي المَسْجِدِ، وَمِفْتَاحُ الكَعْبَةِ فِي يَدِهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اجْمَعْ لَنَا الحِجَابَةَ مَعَ السِّقَايَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيْنَ عُثْمَانُ بنُ طَلْحَةَ؟ ". فَدُعِيَ له، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَاكَ مِفْتَاحَكَ يَا عُثْمَانُ! اليَوْمُ يَوْمُ بِرٍّ وَوَفَاءٍ" (١). وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعُثْمَانَ: "خُذُوهَا يَا بَنِي أَبِي طَلْحَةَ تَالِدَةً خَالِدَةً، لَا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إِلَّا ظَالِمٌ" (٢). وَنَزَلَ فِي هَذَا المَوْقِفِ قَوْلُه تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٣). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ: وَهَذَا مِنَ المَشْهُورَاتِ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ -أَيْ فِي شَأْنِ عُثْمَانَ بنِ طَلْحَةَ ﵁ (٤).

стр. 1987

قُلْتُ: وَلَا يَزَالُ مِفْتَاحُ الكَعْبَةِ فِي بَنِي شَيْبَةَ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَإِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولهِ ﷺ . * أَبُو سُفْيَانَ يُفَكِّرُ فِي قِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: أَخْرَجَ البَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، وَابْنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: رَأَى أَبُو سُفْيَانَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي وَالنَّاسُ يَطَؤُونَ عَقِبَهُ، فَقَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ: لَوْ عَاوَدْتُ هَذَا الرَّجُلَ القِتَالَ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ: لَوْ جَمَعْتُ لِمُحَمَّدٍ جَمْعًا. قَالَ: فَإِنَّهُ لَيُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِذَلِكَ، إِذْ ضَرَبَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَقَالَ: "إِذًا يُخْزِيكَ اللَّهُ". قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِمَّا تَفَوَّهْتُ بِهِ. ثُمَّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا أَيْقَنْتُ أَنَّهُ نَبِيٌّ حَتَّى السَّاعَةَ (١) * بِلَالٌ ﵁ يُؤَذِّن فَوْقَ الكَعْبَةِ: وَحَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلَالًا ﵁ أَنْ يَصْعَدَ فيؤَذِّنَ فَوْقَ الكَعْبَةِ، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ بنُ حَرْبٍ، وَعَتَّابُ بنُ أَسِيدٍ، وَالحَارِثُ بنُ هِشَامٍ جُلُوسٌ بِفَنَاءِ الكَعْبَةِ، فَقَالَ عَتَّابٌ: لَقَدْ أَكْرَمَ اللَّهُ أَسِيدًا أَنْ لَا يَكُونَ سَمِعَ هَذَا فَيَسْمَعَ مِنْهُ مَا يُغِيظُهُ، وَقَالَ الحَارِثُ بنُ هِشَامٍ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّهُ مُحِقٌّ

стр. 1988

لَا تَّبَعْتُهُ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَا أَقُولُ شَيْئًا، لَوْ تَكَلَّمْتُ لَأَخْبَرَتْ عَنِّي هَذِهِ الحَصَى (١). فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُمْ: "قَدْ عَلِمْتُ الذِي قُلْتُمْ"، ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَقَاَل الحَارِثُ وَعَتَّابٌ: نَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا اطَّلَعَ عَلَى هَذَا أَحَدٌ كَانَ مَعَنَا، فَنَقُولَ أَخْبَرَكَ (٢). * صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ: وَفِي يَوْمِ الفَتْحِ صَلَّى رَسُولُ اللَّه ﷺ جَمِيعَ الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِم فِي صَحِيحِهِ، وَالإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَد عَنْ بريْدَةَ بنِ الحُصَيْبِ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الفَتْحِ، تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، وَصَلَّى الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ فَعَلْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي عَمْدًا فَعَلْتُهُ يَا عُمَرُ" (٣). قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ النَّبِيَّ

стр. 1989

- ﷺ كَانَ يُوَاظِبُ عَلَى الوُضُوءَ لِكُلِّ صلَاةٍ عَمَلًا بِالأَفْضَلِ، وَصَلَّي الصَّلَوَاتِ فِي هَذَا اليَوْمِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ بَيَانًا لِلْجَوَازِ، كَمَا قَالَ ﷺ : "عَمْدًا صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ". وَفِي هَذَا الحَدِيثِ جَوَازُ سُؤَالِ المَفْضُولِ الفَاضِلَ عَنْ بَعْضِ أَعْمَالِهِ التِي فِي ظَاهِرِهَا مُخَالفَةً لِلْعَادَةِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونَ عَنْ نِسْيَانٍ فَيَرْجعُ عَنْهَا، وَقَدْ تَكُونَ تَعَمُّدًا لِمَعْنًى خَفِيٍّ عَلَى المَفْضُولِ، فَيَسْتَفِيدَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (١). * إِسْلَامُ أَبِي قُحَافَةَ وَالِدُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄: وَلَمَّا جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي المَسْجِدِ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ وَجَاءَ بِأَبِيهِ يَقُودُهُ، وَكَانَ قَدْ عَمِيَ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ ﵁: "هَلَّا تَرَكْتَ فِي بَيْتِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا آتِيهِ فِيهِ"، وَذَلِكَ إِكْرَامًا لِأَبي بَكْرٍ ﵁، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هُوَ أَحَقُّ أَنْ يَمْشِي إِلَيْكَ مِنْ أَنْ تَمْشِيَ إِلَيْهِ أَنْتَ. فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ مَسَحَ صَدْرَهُ، وَقَالَ له: "أَسْلِمْ تَسْلَمْ"، فَأَسْلَمَ أَبُو قُحَافَةَ وَالِدُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، وَكَانَ رَأْسُ أَبِي قُحَافَةَ وَلحْيَتُهُ يَوْمَ الفَتْحِ كَالثُّغَامَةِ (٢) بَيَاضًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ، وَجَنِّبُوهُ السَّوَاد" (٣).

стр. 1990

* إِسْلَامُ السَّائِبِ بنِ أَبِي السَّائِبِ ﵁ -: كَذَلِكَ جِيءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يوْمَ الفَتْحِ بِالسَّائِبِ بنِ أَبِي السَّائِبِ، وَكَانَ شَرِيكًا لَهُ ﷺ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَرَحَّبَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَجَعَلَ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ ﵁ وَآخَرُونَ يُثْنُونَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُعَلِّمُونِي بِهِ، قَدْ كَانَ صَاحِبِي فِي الجَاهِلِيَّةِ". فَقَالَ السَّائِبُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَنِعْمَ الصَّاحِبُ كُنْتَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا سَائِبُ! انْظُرْ أَخْلَاقَكَ التِي كنْتَ تَصْنَعُهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَاجْعَلْهَا فِي الإِسْلَامِ، أَقْرِ (١) الضَّيْفَ، وَأَكْرِمِ اليَتِيمَ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ" (٢) * إِسْلَامُ فُضَالة بنَ عُمَيْرٍ ﵁ -: وَهَمَّ فُضَالَةُ بنُ عُمَيْرِ بنِ المُلَوَّحِ أَنْ يَقْتُلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَطُوفُ

стр. 1991

بِالبَيْتِ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ لَهُ: "أَفُضَالَةُ؟ ". قَاَلَ: نَعَمْ، فُضَالَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَاذَا كُنْتَ تُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَكَ؟ " قَالَ: لَا شَيْءَ، كُنْتُ أَذْكُرُ اللَّهَ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: "اسْتَغْفِرِ اللَّهَ"، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الشَّرِيفَةَ عَلَى صَدْرِهِ، فَسَكَنَ قَلْبُهُ، فَكَانَ فُضَالَةُ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَنْ صَدْرِي حَتَّى مَا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْهُ (١). * خَبَرٌ لَا يَصِحُّ: رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ الوَليدِ بنِ عُقْبَةَ بنِ أَبِي مُعَيْطٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، جَعَلَ أَهْلُ مَكَّةَ يَأْتُونَهُ بِصِبْيَانِهِمْ، فَيَدْعُو لَهُمْ بِالبَرَكَةِ، وَيَمْسَحُ رُؤُوسَهُمْ، فَجِيءَ بِي إِلَيْهِ، وَأَنَا مُخَلَّقٌ (٢) فَلَمْ يَمَسَّنِي مِنْ أَجْلِ الخَلُوقِ (٣).

стр. 1992

وهَذَا الحَدِيثُ مُضْطَرِبُ الإِسْنَادِ، وَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ الوَلِيدُ بنُ عُقْبَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ صَغِيرًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَعَثَهُ سَاعِيًا إِلَى بَنِي المُصْطَلِقِ (١)، وَشَكَتْهُ زَوْجُتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَرُوِيَ أَنَّ الوَليدَ وَأَخُوهُ عُمَارَةُ بنُ عُقْبَةَ خَرَجَا لِيَرُدَّا أُخْتَهُمَا أُمَّ كُلْثُومٍ عَنِ الهِجْرَةِ، وَكَانَتْ هِجْرتُهَا فِي هُدْنَةِ الحُدَيْبِيَةِ (٢). * مُتَابَعَةُ العَشَرَةِ الذِينَ أَهْدَرَ دَمَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -: ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهْدَرَ دَمَ عَدَدٍ مِنَ المُشْرِكِينَ حَتَّى لَوْ وُجِدُوا مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ وَمِنْهُمْ مَنِ اخْتَفَى، ثُمَّ أَسْلَمَ، كَمَا سَيَأْتِي: ١ - إِسْلَامُ عِكْرِمَةَ بنِ أَبِي جَهْلٍ ﵁ -: لَمَّا انْهَزَمَ عِكْرِمَةُ بنُ أَبِي جَهْلٍ أَمَامَ خَالِدِ بنِ الوَليدِ ﵁، فَرَّ خَارجَ مَكَّةَ، وَذَهَبَ إِلَى جُدَّةَ، وَرَكِبَ البَحْرَ، فَأَصَابَتْهُمْ عَاصِفٌ (٣)، فَقَالَ أَصْحَابُ السَّفِينَةِ: أَخْلِصُوا، فَإِنَّ آلِهَتَكُمْ لَا تُغْنِي عَنْكُمْ شَيْئًا هَاهُنَا، فَقَالَ عِكْرِمَةُ: وَاللَّهِ، لَئِنْ لَمْ يُنَجِّنِي مِنَ البَحْرِ إِلَّا الإِخْلَاصُ، ما يُنَجِّينِي فِي البَرِّ غَيْرِهِ، اللَّهُمَّ! إِنَّ لَكَ عَلَيَّ

стр. 1993

عَهْدًا إِنْ أَنْتَ عَافَيْتَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ، أَنْ اَتِيَ مُحَمَّدًا، حَتَّى أَضَعَ يَدِيَ فِي يَدِهِ، فَلَأَجِدَنَّهُ عَفُوًّا كَرِيمًا (١). * رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ: وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الإِمَامُ مَالِكٌ فِي المُوَطَّأِ مِنْ أَنَّ عِكْرِمَةَ ﵁ هَرَبَ إِلَى اليَمَنِ فَلَحِقَتْهُ زَوْجَتُهُ وَدَعَتْهُ إِلَى الإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ، فَهِيَ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ (٢). * إِسْلَامُ عِكْرِمَةَ بنِ أَبِي جَهْلٍ ﵁ -: فَلَمَّا دَنَا عِكْرِمَةُ إِلَى مَكَّةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "يَأْتِيكُمْ عِكْرِمَةُ بنُ أَبِي جَهْل مُؤْمِنًا مُهَاجِرًا، فَلَا تَسُبُّوا أَبَاهُ، فَإِنَّ سَبَّ المَيِّتِ يُؤْذِي الحَيَّ، وَلَا يَبْلُغُ المَيِّتَ". فَلَمَّا وَصَلَ عِكْرِمَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَامَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ لَهُ: "مَرْحَبًا بِالرَّاكِبِ المُهَاجِرِ" (٣).

стр. 1994

وَأَسْلَمَ عِكْرِمَةُ ﵁، وَبَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُطَأْطِئٌ (١) رَأْسَهُ اسْتِحْيَاءً: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اسْتِغْفِرْ لِي كُلَّ عَدَاوَةٍ عَادَيْتُكَهَا، أَوْ مَوْكِبٍ أَوْضَعْتُ فِيهِ أُرِيدُ فِيهِ إِظْهَارَ الشِّرْكِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ! اغْفِرْ لِعِكْرِمَةَ كُلَّ عَدَاوَوة عَادَانِيهَا أَوْ مَوْكِبٍ أَوْضَعَ فِيهِ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّ عَنْ سَبِيلِكَ" (٢). وَهَكَذَا أَسْلَمَ عِكْرِمَةُ ﵁ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَقَدِ اسْتُشْهِدَ ﵁ يَوْمَ مَعْرَكَةِ أَجْنَادِينَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ ٢ - عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَعْدِ بنِ أَبِي السَّرْحِ ﷺ -: وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَعْدِ بنِ أَبِي السَّرْحِ فَإِنَّهُ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَهْدَرَ دَمَهُ، اخْتَفَى وَذَهَبَ إِلَى عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ ﵁، وَكَانَ أَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَلَمَّا هَدَأَ النَّاسُ وَاطْمَأَنُّوا، اسْتَأْمَنَ لَهُ عُثْمَانُ ﵁ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ أَتَى بِهِ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بَايعْ عَبْدَ اللَّهِ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ، فنَظَرَ إِلَيْهِ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَأْبَى، فَبَايَعَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ عُثْمَانُ وَعَبْدُ اللَّهِ، أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: "أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا حِينَ رَآنِي كفَفْتُ يَدِيَ عَنْ بَيْعَتِهِ، فَيَقْتُلَهُ؟ ". قَالُوا: مَا دَرَيْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا فِي نَفْسِكَ، فَهَلَّا أَوْمَأْتَ (٣) إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ؟ .

стр. 1995

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الأَعْيُنِ" (١). وَهَكَذَا أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَعْدِ بنِ أَبِي السَّرْحِ ﵁، وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَكَانَتْ لَهُ مَوَاقِفُ مَحْمُودَةٌ فِي الفُتُوحِ الإِسْلَامِيَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهُوَ الذِي فَتَحَ إِفْرِيقِيَّةَ، وَتُوُفِّيَ ﵁ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ لِلْهِجْرَةِ (٢). رَوَى البَغَوِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ يَزِيدَ بنِ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ: خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَعْدِ بنِ أَبِي السَّرْحِ إِلَى الرَّمْلَةِ (٣)، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الصُّبْحِ قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ آخِرَ عَمَلِي الصُّبْحَ، فتَوَضَّأَ، ثُمَّ صَلَّى، فَسَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ يُسَلِّمُ عَنْ يَسَارِهِ، فَقَبَضَ اللَّهُ رُوحَهُ، يَرْحَمُهُ اللَّهُ (٤). ٣ - مِقْيَسُ بنُ صُبَابَةَ: وَأَمَّا مِقْيَسُ بنُ صُبَابَةَ، فَأَدْرَكَهُ النَّاسُ فِي السُّوقِ، فَقتَلُوهُ (٥).

стр. 1996

وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ أَنَّ الذِي قَتَلَهُ نُمَيْلَةُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثيُّ ﵁ (١). ٤ - عَبْدُ اللَّهِ بنُ خَطَلٍ: وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بنُ خَطَلٍ، فَقتَلَهُ أَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ ﷺ ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ (٢). قَالَ الإِمَامُ البَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: وَفِي أَمْرِهِ ﷺ بِقَتْلِ ابْنِ خَطَلٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الحَرَمَ لَا يَعْصِمُ مِنْ إِقَامَةِ عُقُوبَةٍ وَجَبَتْ عَلَى إِنْسَانٍ، وَلَا يُوجِبُ تَأْخِيرَهَا (٣).

стр. 1997

٥ - الحُوَيْرِث بن نُقَيْذٍ: وَأَمَّا الحُوَيْرِثُ بنُ نُقَيْذٍ، فَأَدْرَكَهُ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَقَتَلَهُ (١). ٦ - هَبَّارُ بنُ الأَسْوَدِ: وَأَمَّا هَبَّارُ بنُ الأَسْوَدِ، فَهَرَبَ يَوْمَ الفَتْحِ، فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَدِمَ المَدِينَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَ، وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ (٢). وَقَدْ ذَكَرْنَا -فِيمَا تَقَدَّمَ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِحَرْقِ هَبَّارِ بنِ الأَسْوَدِ بِالنَّارِ لِمَنْ قَدِرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ نَخَسَ بَعِيرَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَمَا أَرَادَتِ الهِجْرَةَ إِلَى المَدِينَةِ، وَكَانَتْ حَامِلًا فَسَقَطَتْ مِنَ البَعِيرِ، وَسَقَطَ مَا فِي بَطْنِهَا. ٧ - هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ: وَأَمَّا هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، زَوْجُ أَبِي سُفْيَانَ، فَإِنَّهَا اخْتَفَتْ يَوْمَ الفَتْحِ، ثُمَّ إِنَّهَا أَسْلَمَتْ وَبَايَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا سَيَأْتِي-. ٨ - سَارَةُ مَوْلَاةُ بَنِي عَبْدِ المُطلِبِ: وَأَمَّا سَارَةُ فَهِيَ التِي أَعْطَاهَا حَاطِبُ بنُ أَبِي بَلْتَعَةَ ﵁ كِتَابَهُ إِلَى قُرَيْشٍ، فَإِنَّهَا اخْتَفَتْ يَوْمَ الفَتْحِ، فَاسْتُؤْمِنَ لَهَا، وَاخْتُلِفَ فِي إِسْلَامِهَا (٣).

стр. 1998

٩ - ١٠ - قَيْنَتَا ابْنِ خَطَلٍ: وَأَمَّا قَيْنَتَا ابْنِ خَطَلٍ، فَقُتِلَتْ إِحْدَاهُمَا، وهَرَبَتِ الأُخْرَى، حَتَّى اسْتُؤْمِنَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَسْلَمَتْ (١). وَأَمَّا وَحْشِيٌّ بنُ حَرْبٍ، وَكَعْبُ بنُ زُهَيْرٍ، فَإِنَّهُمَا أَسْلَمَا، وَسَتَأْتِي قِصَّةُ إِسْلَامِهِمَا. * تَخَوُّفُ الأَنْصَارِ مِنْ بَقَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ: وَلَمَّا تَمَّ فَتْحُ مَكَّةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهِيَ بَلَدُهُ وَوَطَنُهُ وَمَوْلدُهُ، قَالَتِ الأَنْصَارُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَمَّا الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ، وَرَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ، أَتَرَوْنَ إِذْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَرْضَهُ وَبَلَدَهُ يُقِيمُ بِهَا؟ . فنَزَلَ الوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا ذَكَرَ الأَنْصَارُ، فَلَمَّا انْقَضَى الوَحْيُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ"، قَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: "قُلْتُمْ: أَمَّا الرَّجُلُ فَأَدْرَكتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ". قَالُوا: قَدْ كَانَ ذَاكَ. فَقَالَ ﷺ : "كَلَّا، إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولَهُ، هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ، وَالمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ".

стр. 1999

فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَبْكُونَ، وَيَقُولُونَ: وَاللَّهِ! مَا قُلْنَا الذِي قُلْنَا إِلَّا الضِّنَّ (١) بِاللَّهِ وَبِرَسُولهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ وَيَعْذِرَانِكُمْ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: فَوَاللَّهِ مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا بَلَغَ نَحْرَهُ بِالدُّمُوعِ (٢). * بَيْعَةُ أَهْلِ مَكَّةَ: وَاجْتَمَعَ النَّاسُ بِمَكَّةَ لِبَيْعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَلَسَ لَهُمْ عَلَى الصَّفَا، وَعُمَرُ بنُ الخَطَّاب ﵁ تَحْتَهُ، أَسْفَلَ مِنْ مَجْلِسِهِ يَأْخُذُ عَلَى النَّاسِ، فَجَاءَهُ الكِبَارُ وَالصِّغَارُ، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، فَبَايَعُوهُ عَلَى الإِسْلَامِ، وَعَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِيمَا اسْتَطَاعُوا. رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَد بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ الأَسْوَدِ بنِ خَلَفٍ، قَالَ: أَنَّ أَبَاهُ الأَسْوَدَ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُبَايِعُ النَّاسَ يَوْمَ الفَتْحِ، قَالَ: جَلَسَ عِنْدَ قَرْنِ مَسْفَلَةٍ (٣)، فَبَايَعَ النَّاسَ عَلَى الإِسْلَامِ وَالشَّهَادَةِ، قُلْتُ: وَمَا الشَّهَادَةُ؟ قَالَ: بَايَعَهُمْ عَلَى الإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوله (٤). وَرَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ مُجَاشِعٍ بنِ مَسْعُودٍ السُّلَمِيِّ قَالَ:

стр. 2000

أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِأَخِي بَعْدَ الفَتْحِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُكَ بِأَخِي لِتُبَايِعَهُ عَلَى الهِجْرَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ذَهَبَ أَهْلُ الهِجْرَةِ بِمَا فِيهَا"، فَقُلْتُ: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُبَايِعُهُ؟ قَالَ ﷺ : "أُبايِعُهُ عَلَى الإِسْلَامِ، وَالإِيمَانِ، وَالجِهَادِ" (١) وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِالشَّوَاهِدِ عَنْ يَعْلَى بنِ أُمَيَّةَ ﵁ قَالَ: جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي أُمَيَّةُ يَوْمَ الفَتْحِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَايِعْ أَبِي عَلَى الهِجْرَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَلْ أُبَايِعُهُ عَلَى الجِهَادِ، فَقَدِ انْقَطَعَتِ الهِجْرَةُ" (٢). وَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا -وَاللَّفْظُ لِابْنِ حِبَّانَ- عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، أَوْ قَالَتْ: بَعْدَ الْيَوْمِ، إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يَفِرُّونَ بِدِينِهِمْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولهِ مِنْ أَنْ يُفْتَنُوا (٣)، وَقَدْ أَفْشَى اللَّهُ
следующие страницы →