← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ أَنَّ الذِي قَتَلَهُ نُمَيْلَةُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثيُّ ﵁ (١). ٤ - عَبْدُ اللَّهِ بنُ خَطَلٍ: وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بنُ خَطَلٍ، فَقتَلَهُ أَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ ﷺ ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ (٢). قَالَ الإِمَامُ البَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: وَفِي أَمْرِهِ ﷺ بِقَتْلِ ابْنِ خَطَلٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الحَرَمَ لَا يَعْصِمُ مِنْ إِقَامَةِ عُقُوبَةٍ وَجَبَتْ عَلَى إِنْسَانٍ، وَلَا يُوجِبُ تَأْخِيرَهَا (٣).

стр. 1997

٥ - الحُوَيْرِث بن نُقَيْذٍ: وَأَمَّا الحُوَيْرِثُ بنُ نُقَيْذٍ، فَأَدْرَكَهُ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَقَتَلَهُ (١). ٦ - هَبَّارُ بنُ الأَسْوَدِ: وَأَمَّا هَبَّارُ بنُ الأَسْوَدِ، فَهَرَبَ يَوْمَ الفَتْحِ، فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَدِمَ المَدِينَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَ، وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ (٢). وَقَدْ ذَكَرْنَا -فِيمَا تَقَدَّمَ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِحَرْقِ هَبَّارِ بنِ الأَسْوَدِ بِالنَّارِ لِمَنْ قَدِرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ نَخَسَ بَعِيرَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَمَا أَرَادَتِ الهِجْرَةَ إِلَى المَدِينَةِ، وَكَانَتْ حَامِلًا فَسَقَطَتْ مِنَ البَعِيرِ، وَسَقَطَ مَا فِي بَطْنِهَا. ٧ - هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ: وَأَمَّا هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، زَوْجُ أَبِي سُفْيَانَ، فَإِنَّهَا اخْتَفَتْ يَوْمَ الفَتْحِ، ثُمَّ إِنَّهَا أَسْلَمَتْ وَبَايَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا سَيَأْتِي-. ٨ - سَارَةُ مَوْلَاةُ بَنِي عَبْدِ المُطلِبِ: وَأَمَّا سَارَةُ فَهِيَ التِي أَعْطَاهَا حَاطِبُ بنُ أَبِي بَلْتَعَةَ ﵁ كِتَابَهُ إِلَى قُرَيْشٍ، فَإِنَّهَا اخْتَفَتْ يَوْمَ الفَتْحِ، فَاسْتُؤْمِنَ لَهَا، وَاخْتُلِفَ فِي إِسْلَامِهَا (٣).

стр. 1998

٩ - ١٠ - قَيْنَتَا ابْنِ خَطَلٍ: وَأَمَّا قَيْنَتَا ابْنِ خَطَلٍ، فَقُتِلَتْ إِحْدَاهُمَا، وهَرَبَتِ الأُخْرَى، حَتَّى اسْتُؤْمِنَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَسْلَمَتْ (١). وَأَمَّا وَحْشِيٌّ بنُ حَرْبٍ، وَكَعْبُ بنُ زُهَيْرٍ، فَإِنَّهُمَا أَسْلَمَا، وَسَتَأْتِي قِصَّةُ إِسْلَامِهِمَا. * تَخَوُّفُ الأَنْصَارِ مِنْ بَقَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ: وَلَمَّا تَمَّ فَتْحُ مَكَّةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهِيَ بَلَدُهُ وَوَطَنُهُ وَمَوْلدُهُ، قَالَتِ الأَنْصَارُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَمَّا الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ، وَرَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ، أَتَرَوْنَ إِذْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَرْضَهُ وَبَلَدَهُ يُقِيمُ بِهَا؟ . فنَزَلَ الوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا ذَكَرَ الأَنْصَارُ، فَلَمَّا انْقَضَى الوَحْيُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ"، قَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: "قُلْتُمْ: أَمَّا الرَّجُلُ فَأَدْرَكتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ". قَالُوا: قَدْ كَانَ ذَاكَ. فَقَالَ ﷺ : "كَلَّا، إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولَهُ، هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ، وَالمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ".

стр. 1999

فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَبْكُونَ، وَيَقُولُونَ: وَاللَّهِ! مَا قُلْنَا الذِي قُلْنَا إِلَّا الضِّنَّ (١) بِاللَّهِ وَبِرَسُولهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ وَيَعْذِرَانِكُمْ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: فَوَاللَّهِ مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا بَلَغَ نَحْرَهُ بِالدُّمُوعِ (٢). * بَيْعَةُ أَهْلِ مَكَّةَ: وَاجْتَمَعَ النَّاسُ بِمَكَّةَ لِبَيْعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَلَسَ لَهُمْ عَلَى الصَّفَا، وَعُمَرُ بنُ الخَطَّاب ﵁ تَحْتَهُ، أَسْفَلَ مِنْ مَجْلِسِهِ يَأْخُذُ عَلَى النَّاسِ، فَجَاءَهُ الكِبَارُ وَالصِّغَارُ، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، فَبَايَعُوهُ عَلَى الإِسْلَامِ، وَعَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِيمَا اسْتَطَاعُوا. رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَد بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ الأَسْوَدِ بنِ خَلَفٍ، قَالَ: أَنَّ أَبَاهُ الأَسْوَدَ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُبَايِعُ النَّاسَ يَوْمَ الفَتْحِ، قَالَ: جَلَسَ عِنْدَ قَرْنِ مَسْفَلَةٍ (٣)، فَبَايَعَ النَّاسَ عَلَى الإِسْلَامِ وَالشَّهَادَةِ، قُلْتُ: وَمَا الشَّهَادَةُ؟ قَالَ: بَايَعَهُمْ عَلَى الإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوله (٤). وَرَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ مُجَاشِعٍ بنِ مَسْعُودٍ السُّلَمِيِّ قَالَ:

стр. 2000

أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِأَخِي بَعْدَ الفَتْحِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُكَ بِأَخِي لِتُبَايِعَهُ عَلَى الهِجْرَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ذَهَبَ أَهْلُ الهِجْرَةِ بِمَا فِيهَا"، فَقُلْتُ: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُبَايِعُهُ؟ قَالَ ﷺ : "أُبايِعُهُ عَلَى الإِسْلَامِ، وَالإِيمَانِ، وَالجِهَادِ" (١) وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِالشَّوَاهِدِ عَنْ يَعْلَى بنِ أُمَيَّةَ ﵁ قَالَ: جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي أُمَيَّةُ يَوْمَ الفَتْحِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَايِعْ أَبِي عَلَى الهِجْرَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَلْ أُبَايِعُهُ عَلَى الجِهَادِ، فَقَدِ انْقَطَعَتِ الهِجْرَةُ" (٢). وَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا -وَاللَّفْظُ لِابْنِ حِبَّانَ- عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، أَوْ قَالَتْ: بَعْدَ الْيَوْمِ، إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يَفِرُّونَ بِدِينِهِمْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولهِ مِنْ أَنْ يُفْتَنُوا (٣)، وَقَدْ أَفْشَى اللَّهُ

стр. 2001

الإِسْلَامَ، فَحَيْثُ شَاءَ العَبْدُ عَبَدَ رَبَّهُ" (١). وَرَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ (٢)، وَلَكِنْ جِهَاد وَنيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا" (٣). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَهَذ الأَحَادِيثُ وَالآثَارُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الهِجْرَةَ إِمَّا الكَامِلَةُ أَوْ مُطْلَقًا قَدِ انْقَطَعَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ؛ لِأَنَّ النَّاسَ دَخَلُوا فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، وَظَهَرَ الإِسْلَامُ، وَثَبُتَتْ أَرْكَاُنهُ وَدَعَائِمُهُ، فَلَمْ تَبْقَ هِجْرَةٌ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَعْرِضَ حَالٌ يَقْتَضِي الهِجْرَةَ، بِسَبَبِ مُجَاوَرَةِ أَهْلِ الحَرْبِ، وَعَدَمِ القُدْرَةِ عَلَى إِظْهَارِ الدِّينِ عِنْدَهُمْ، فتَجِبُ الهِجْرَةُ إِلَى دَارِ الإِسْلَامِ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ العُلَمَاءِ، وَلَكِنْ هَذِهِ الهِجْرَةُ لَيْسَتْ كَالهِجْرَةِ قَبْلَ الفَتْحِ، كَمَا أَنَّ كُلًّا مِنَ الجِهَادِ وَالإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَشْرُوعٌ، وَرُغِّبَ فِيهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَلَيْسَ

стр. 2002

كَالإِنْفَاقِ وَلَا الجِهَادِ قَبْلَ الفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١). * بَيْعَةُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ: فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَيْعَةِ الرِّجَالِ، بَايَعَ النِّسَاءَ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ نِسَاءُ قُرَيْشٍ، فِيهِنَّ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ التِي أَهْدَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دمَهَا، وَكَانَتْ مُتَنَقِّبَةً مُتَنَكِّرَةً خَوْفًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَعْرِفَهَا، فَلَمَّا دَنَوْنَ مِنْهُ، قَالَ لَهُنَّ ﷺ : "تُبَايِعْنَنِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا؟ ". فَقَالَتْ هِنْدٌ: وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَأْخُذُ عَلَيْنَا أَمْرًا مَا تَأْخُذُهُ عَلَى الرِّجَالِ، وَسَنُؤْتيكَهُ. قَالَ ﷺ : "وَلَا تَسْرِقْنَ". فَقَالَتْ هِنْدٌ: وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأُصِيبُ مِنْ مَالِ أَبِي سُفْيَانَ الهَنَةَ (٢) وَالهَنَةَ، وَمَا أَدْرِي أَكَانَ ذَلِكَ حِلًّا لِي أَمْ لَا؟ . فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ، وَكَانَ شَاهِدًا: أَمَّا مَا أَصَبْتِ فِيمَا مَضَى فَأَنْتِ مِنْهُ فِي حِلٍّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَإِنَّكِ لَهِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ؟ ".

стр. 2003

قَالَتْ: نَعَمْ، فَاعْفُ عَمَّا سَلَفَ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَلَا تَزْنِينَ". قَالَتْ هِنْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ تَزْنِي الحُرَّةُ؟ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَلَا تَقْتُلْنَ أَوْلَادَكُنَّ". فَقَالَتْ هِنْدٌ: قَدْ رَبَّيْنَاهُمْ صِغَارًا، وَقَتَلْتَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ كِبَارًا، فَأَنْتَ وَهُمْ أَعْلَمُ! فَضَحِكَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ مِنْ قَوْلهَا حَتَّى اسْتَغْرَبَ (١)، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "وَلَا تَأتِينَ بِبُهْتَانٍ تَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُنَّ وَأَرْجُلِكُنَّ". فَقَالَتْ هِنْدٌ: وَاللَّهِ إِنَّ إِتْيَانَ البُهْتَانِ لَقَبِيحٌ، وَلَبَعْضُ التَّجَاوُزِ أَمْثَلُ، وإِنَّكَ مَا تَأْمُرُنَا إِلَّا الرُّشْدَ، وَمَكَارِمَ الأَخْلَاقِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَلَا تَعْصِينَنِي فِي مَعْرُوفٍ". فَقَالَتْ هِنْدٌ: مَا جَلَسْنَا هَذَا المَجْلِسَ وَنَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نَعْصِيَكَ فِي مَعْرُوفٍ. فَبَايَعَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ هِنْدٌ مِنْ بَيْنِ النِّسَاءَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نُصَافِحُكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ (٢)، إِنَّمَا قَوْلي لِامْرَأَةٍ، قَوْلي

стр. 2004

لِمِائَةِ امْرَأَةٍ" (١). فَلَمَّا رَجَعَت هِنْدٌ إِلَى بَيْتِهَا عَمَدَتْ إِلَى صَنَمٍ كَانَ عِنْدَهَا، فَجَعَلَتْ تَكْسِرُهُ، وَتَقُولُ: كُنَّا مِنْكَ فِي غُرُورٍ (٢). * سُؤَالُ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ عَنِ النَّفَقَةِ: ثُمَّ إِنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةٍ ذَهَبَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ مِنْ أَهْلِ خِبَاءٍ (٣) أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَذِلُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، ثُمَّ مَا أَصْبَحَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَهْلَ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَأَيْضًا وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ". قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ" (٤).

стр. 2005

قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي الحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى وُفُورِ عَقْلِ هِنْدٍ ﵂، وَحُسْنِ تَأْتِّيهَا فِي المُخَاطَبَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ صَاحِبَ الحَاجَةِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاهُ اعْتِذَارًا، إِذَا كَانَ فِي نَفْسِ الذِي يُخَاطِبُهُ عَلَيْهِ مَوْجِدَةٌ، وَأَنَّ المُعْتَذِرَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ مَا يَتَأَكَّدُ بِهِ صِدْقُهُ عِنْدَ مَنْ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ هِنْدًا قَدَّمَتِ الِاعْتِرَافَ بِذِكْرِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ البُغْضِ؛ لِيَعْلَمَ صِدْقَهَا فِيمَا ادَّعَتْهُ مِنَ المَحَبَّةِ (١). * إِسْلَامُ صَفْوَانَ بنِ أُمَيَّةَ: لَمْ يَكُنْ صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ مِمَّنْ أُهْدِرَ دَمُهُ، لَكِنَّهُ كَانَ زَعِيمًا كَبِيرًا مِنْ زُعَمَاءِ قُرَيْشٍ، فَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ القَتْلَ، فَهَرَبَ خَارجَ مَكَّةَ، فَاسْتَأْمَنَ لَهُ ابنُ عَمِّهِ عُمَيْرُ بنُ وَهْبٍ (٢)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ صَفْوَانَ بنَ أُمَيَّةَ سَيِّدُ قَوْمِهِ، وَقَدْ خَرَجَ هَارِبًا مِنْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَدْرِكِ ابْنَ عَمِّكَ فَهُوَ آمِنٌ". فَقَالَ عُمَيْرٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَعْطِنِي آيَةً (٣) يَعْرِفُ بِهَا أَمَانَكَ، فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ردَاءَ (٤) الذِي دَخَلَ بِهِ مَكَّةَ.

стр. 2006

فَلَحِقَ عُمَيْرُ بنُ وَهْبٍ حَتَّى أَدْرَكَ صَفْوَانَ بِجُدَّةَ يُرِيدُ أَنْ يَرْكَبَ البَحْرَ، فَقَالَ لَهُ: يَا صَفْوَانُ! فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، اللَّهَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ أَنْ تُهْلِكَهَا، فَهَذَا أَمَانٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ جِئْتُكَ بِهِ. فَقَالَ صَفْوَانٌ: وَيْحَكَ! اغْرُبْ عَنِّي فَلَا تُكَلِّمْنِي. فَقَالَ عُمَيْرٌ: أَيْ صَفْوَانُ! فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، جِئْتُكَ مِنْ عِنْدِ أَفْضَلِ النَّاسِ، وَأَبَرِّ النَّاسِ، وَأَحْلَمِ النَّاسِ، وَخَيْرِ النَّاسِ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّكَ عِزُّهُ عِزُّكَ، وَشَرَفُهُ شَرَفُكَ، وَمُلْكُهُ مُلْكُكَ. فَقَالَ صَفْوَانُ: إِنِّي أَخَافُهُ عَلَى نَفْسِي. فَقَالَ عُمَيْر: هُوَ أَحْلَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْرَمُ، فَرَجَعَ صَفْوَانُ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ رِدَاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَنَادَاهُ عَلَى رُؤُوسِ النَّاسِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ هَذَا عُمَيْرَ بنَ وَهْب جَاءَنِي بِرِدَائِكَ، وَزَعَمَ أَنَّكَ قَدْ أَمَّنْتَنِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَدَقَ انْزِلْ أَبَا وَهْبٍ". فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، لَا أَنْزِلُ حَتَّى تُبَيِّنَ لِي، وَاجْعَلْنِي فِيهِ بِالْخِيَارِ شَهْرَيْنِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَلْ أَنْتَ بِالْخِيَارِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، لَعَلَّ اللَّهَ يَهْدِيكَ". فنَزَلَ، ثُمَّ خَرَجَ صَفْوَانُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى حُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ وَهُوَ مُشْرِك، ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ (١).

стр. 2007

* مَهَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: وَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُبَايِعَهُ، فَأَخَذَتْهُ الرِّعْدَةُ مِنْ مَهَابَةِ الرَّسُولِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّما أَنَّا ابْنُ امْرَأَةٍ كَانَتْ تَأكُلُ القَدِيدَ (١) بِمَكَّةَ" (٢). * خُطْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَدَاةَ يَوْمِ الفَتحٍ: رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الخُزَاعِيِّ ﵁ قَالَ: أَذِنَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الفَتْحِ فِي قِتَالِ بَنِي بَكْرٍ حَتَّى أَصَبْنَا مِنْهُمْ ثَأْرَنَا، وَهُوَ بِمَكَّةَ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَفْعِ السَّيْفِ، فَلَقِيَ رَهْطٌ

стр. 2008

مِنَّا الغَدَ رَجُلًا مِنْ هُذَيْلٍ فِي الحَرَمِ يَؤُمُّ (١) رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيُسْلِمَ، وَكَانَ قَدْ وَتَرَهُمْ (٢) الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانُوا يَطْلُبُونَهُ، فَقَتَلُوهُ، وَبَادَرُوا أَنْ يَخْلُصَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَأْمَنَ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا، وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُهُ غَضِبَ غَضَبًا أَشَدَّ مِنْهُ، . . . فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العَصْرَ، قَامَ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَهِيَ حَرَامٌ مِنْ حَرَامِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ فِيهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ (٣) بِهَا شَجَرًا، لَمْ تَحْلُلْ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ يَكُونُ بَعْدِي، وَلَمْ تَحْلُلْ لِي إِلَّا هَذِهِ السَّاعَةَ (٤)، غَضَبًا عَلَى أَهْلِهَا، أَلَا ثُمَّ قَدْ رَجَعَتْ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، أَلَا فَلْيُبَلَغِّ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغَائِبَ، فَمَنْ قَالَ لَكُمْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَاتَلَ بِهَا، فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَلَّهَا لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَحْلُلْهَا لَكُمْ. يَا مَعْشَرَ خُزَاعَةَ، ارْفَعُوا أَيْدِيكُمْ عَنِ القَتْلِ، فَقَدْ كَثُرَ أَنْ يَقَعَ، لَئِنْ قَتَلْتُمْ

стр. 2009

قَتِيلًا لَأَدِيَنَّهُ، فَمَنْ قُتِلَ بَعْدَ مَقَامِي هَذَا فَأَهْله بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِنْ شَاؤُوا فَدَمُ قَاتِلِهِ، وَإِنْ شَاؤُوا فَعَقْلُهُ" (١)، ثُمَّ وَدَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلَ الهُذَلِيَّ الذِي قتَلَتْهُ خُزَاعَةُ (٢). وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَعْدَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ مَنْ قَتَلَ فِي الحَرَمِ، أَوْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ، أَوْ قَتَلَ بِذُحُولِ (٣) الجَاهِلِيَّةِ، لَا دِعْوَةَ (٤) فِي الإِسْلَامِ، ذَهَبَ أَمْرُ الجَاهِلِيَّةِ، الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ (٥) الأَثْلَبُ"، قَالُوا: وَمَا الأَثْلَبُ؟ قَالَ ﷺ : "الحَجَرُ، وَفِي الأَصَابِعُ عَشْرٌ عَشْرٌ، وَفِي المَوَاضِحِ (٦) خَمْسٌ خَمْسٌ، لَا صَلَاةَ بَعْدَ الغَدَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَلَا

стр. 2010

تُنْكَحُ المَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلَا عَلَى خَالَتِهَا، وَلَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ عَطِيَّة إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا" (١). وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُلُّ حِلْفٍ كَانَ فِي الجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً، وَلَا حِلْفَ فِي الإِسْلَامِ (٢)، وَلَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، يَدُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ (٣)، وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَدِيَةُ الكَافِرِ كنِصْفِ دِيَةِ المُسْلِمِ، أَلَا وَلَا شِغَارَ (٤) فِي الإِسْلَامِ، وَلَا جَنَبَ (٥) وَلَا جَلَبَ (٦)، وتُؤْخَدُ صَدَقَاتُهُمْ فِي دِيَارِهِمْ، يُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ، وَيَرُدُّ

стр. 2011

عَلَى المُسْلِمِينَ أَقْصَاهُمْ" (١). فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو شَاهٍ، قَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ (٢)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اكْتبوا لِأَبِي شَاهٍ" (٣). وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ صَبْرًا (٤) بَعْدَ هَذَا اليَوْمِ، إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ" (٥). قَالَ العُلَمَاءُ: مَعْنَاهُ الإِعْلَامُ بِأَنَّ قُرَيْشًا يُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ وَلَا يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ كَمَا ارْتَدَّ غَيْرُهُمْ بَعْدَهُ ﷺ مِمَّنْ حُورِبَ وَقُتِل صَبْرًا، وَلْيَس المُرَادُ أَنَّهُمْ لَا يُقْتَلُونَ ظُلْمًا صَبْرًا، فَقَدْ جَرَى عَلَى قُرَيْشٍ بَعْدَ ذَلِكَ مَا هُوَ مَعْلُومٌ (٦).

стр. 2012

* إِقَامَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ وَأَعْمَالُهُ فِيهَا: أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ تِسْعَةَ عَشَرَ (١) يَقْصُرُ (٢). وَخِلَالَ هَذِهِ الأَيَّامِ رَسَّخَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَقِيدَةَ التَّوْحِيدِ، وَأَخَذَ يُفَقِّهُ النَّاسَ بِأَمْرِ دِينِهِمْ، وبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَمِيمَ بنَ أُسَيْدٍ الخُزَاعِيَّ؛ لِيُجَدِّدَ أَنْصَابَ الحَرَمِ (٣). كَمَا بَثَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرَايَاهُ لِلدَّعْوَةِ إِلَى الإِسْلَامِ، وَلِكَسْرِ الأَوْثَانِ التِي

стр. 2013

كَانَتْ حَوْلَ الكَعْبَةِ، فكُسِرَتْ كُلُّهَا، وَنَادَى مُنَادِيهِ بِمَكَّةَ: "مَنْ كَانَ يُؤْمنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلَا يَدَع فِي بَيْتِهِ صَنَمًا إِلَّا كسَرَهُ" (١). * السَّرَايَا وَالبُعُوث التِي بَعَثَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَثْنَاءَ وُجُودِهِ بِمَكَّةَ: ١ - سَرِيَّةُ سَعْدِ بنِ زَيْدٍ ﵁ إِلَى مَنَاةَ (٢): أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَعْدَ بنَ زَيْدٍ الأَشْهَلِيَّ ﵁ فِي عِشْرِينَ فَارِسًا إِلَى مَنَاةَ لِيَهْدِمَهَا، وَكَانَتْ بِالمُشَلَّلِ (٣)، وَذَلِكَ لَسِتِّ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ العَامِ الثَّامِنِ لِلْهِجْرَةِ، فَلَمَّا انْتهَى سَعْدٌ إِلَيْهَا، قَالَ لَهُ سَادِنُهَا (٤): مَا تُرِيدُ؟ . قَالَ: هَدْمَ مَنَاةٍ! قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ، فَأَقْبَلَ سَعْدٌ يَمْشِي إِلَيْهَا، فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ عُرْيَانَةٌ سَوْدَاءُ ثَائِرَةُ الرَّأْسِ، تَدْعُو بِالوَيْلِ، وَتَضْرِبُ صَدْرَهَا، فَقَالَ لَهَا السَّادِنُ: مَنَاةُ دُونَكِ بَعْضُ غَضَبَاتِكِ! فَضَرَبَهَا سَعْدٌ ﵁ فَقتَلَهَا، وَأَقْبَلَ إِلَى بَيْتِهَا وَإِلَى الصَّنَمِ مَعَ أَصْحَابِهِ

стр. 2014

فَهَدَمُوهُ، وَلَمْ يَجِدُوا فِي خِزَانَتِهِ شَيْئًا، وَانْصَرَفَ رَاجِعًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١). ٢ - سَرِيَّةُ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ ﵁ إِلَى العُزَّى (٢): وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَالِدَ بنَ الوَليدِ ﵁ فِي ثَلَاثِينَ فَارِسًا مِنَ الصَّحَابَةِ لِهَدْمِ العُزَّى، وَذَلِكَ لِخَمْسِ لَيَالي بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَكَانَتْ بِنَخْلَةٍ (٣)، وَهِيَ أَعْظَمُ أَصْنَامِهِمْ، فَأَتَاهَا خَالِدٌ ﵁، وَكَانَتْ عَلَى ثَلَاثِ سَمُرَاتٍ (٤)، فَقَطَعَ السَّمُرَاتِ، وَهَدَمَ البَيْتَ الذِي كَانَ عَلَيْهَا، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ارْجعْ، فَإِنَّكَ لَمْ تَصْنَعْ شَيْئًا"، فَرَجَعَ خَالِدٌ، فَلَمَّا بَصُرَتْ بِهِ السَّدَنَةُ، وَهُمْ حَجَبَتُهَا، أَمْعَنُوا (٥) فِي الجَبَلِ وَهُمْ يَقُولُونَ: يَا عُزَّى يَا عُزَّى، فَأَتَاهَا خَالِدٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ عُرْيَانَةٌ نَاشِرَةٌ شَعْرَهَا، تَحْتَفِنُ (٦) التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهَا، فَعَمَّمَهَا خَالِدٌ بِالسَّيْفِ حَتَّى قَتَلَهَا، وَهُوَ يَقُولُ:

стр. 2015

يَا عِزُّ كُفْرَانِكِ لَا سُبْحَانَكِ ... إِنِّي رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ أَهَانَكِ ثُمَّ رَجَعَ خَالِدٌ ﵁ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تِلْكَ العُزَّى" (١). ٣ - سَرِيَّةُ عَمْرِو بنِ العَاصِ ﵁ إِلَى سُوَاعَ (٢): ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمْرَو بنَ العَاصِ ﵁، إِلَى سُوَاعَ لِهَدْمِهِ، وَكَانَ بِرُهَاطٍ (٣) مِنْ أَرْضِ يَنْبُعَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ. قَالَ عَمْرٌو ﵁: فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَعِنْدَهُ السَّادِنُ، قَالَ: مَا تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَهْدِمَهُ. قَالَ: لَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ.

стр. 2016

قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ: تُمْنَعُ! قُلْتُ: حَتَّى الآنَ أَنْتَ فِي البَاطِلِ، وَيْحَكَ! وَهَلْ يَسْمَعُ أَوْ يُبْصِرُ؟ قَالَ عَمْرٌو: فَدَنَوْتُ مِنْهُ فكَسَرتُهُ، وَأَمَرْتُ أَصْحَابِي فَهَدَمُوا بَيْتَ خِزَانَتِهِ فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا، ثُمَّ قُلْتُ لِلسَّادِنِ: كَيْفَ رَأَيْتَ؟ . قَالَ: أَسْلَمْتُ للَّهِ (١). ٤ - سَرِيَّةُ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ ﵁ إِلَى بَنِي جَذِيْمَةَ (٢): ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَالِدَ بنَ الوَليدِ ﵁ إِلَى بَنِي جَذِيْمَةَ (٣)، وَكَانُوا بِأَسْفَلِ مَكَّةَ عَلَى لَيْلَةٍ نَاحِيَةَ يَلَمْلَمَ (٤)، وَذَلِكَ فِي شَوَّالَ مِنَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَذَلِكَ خِلَالَ إِقَامَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ أَيَّامَ الفَتْحِ؛ لِيَدْعُوَهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ.

стр. 2017

فَخَرَجَ خَالِدٌ ﵁ وَمَعَهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ رَجُلًا مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَبَنُو سُلَيْمٍ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِمْ دَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: "صَبَأْنَا صَبَأْنَا" (١)، فَجَعَلَ خَالِدٌ ﵁ يَقْتُلُ مِنْهُمْ وَيَأْسِرُ، وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَ السَّرِيَّةِ أَسِيرَهُ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ خَالِدٌ ﵁ ذَاتَ يَوْمٍ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَسِيرَهُ، فَأَبَى جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ ﵄، حَيْثُ قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَقْتُلُ أَسِيرِي، وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرَهُ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَخْبَرُوهُ بِمَا حَدَثَ، رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ" مَرَّتَيْنِ (٢). وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ: أَنَّ بَنِي سُلَيْمٍ هُمُ الذِينَ قَتَلُوا مَنْ بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الأَسْرَى، أَمَّا المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ فَلَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، وَأَطْلَقُوا أَسْرَاهُمْ (٣). وَقَدْ وَدَى رَسُولُ اللَّهِ قتلَى بَنِي جَذِيْمَةَ (٤). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: إِنَّمَا أَرَادَ خَالِدُ بنُ الوَليدِ ﵁ نُصْرَةَ الإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخْطَأَ فِي أَمْرٍ وَاعْتَقَدَ أَنَّهُمْ يَنْتَقِصُونَ الإِسْلَامَ بِقَوْلهِمْ صَبَأْنَا

стр. 2018

صَبَأْنَا، وَلَمْ يَفْهَمْ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ أَسْلَمُوا فَقتَل طَائِفَةً كَثِيرَةً مِنْهُمْ وَأَسَرَ بَقِيَّتَهُمْ، وَقَتَلَ أَكْثَرَ الأَسْرَى أَيْضًا، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَعْزِلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بَلِ اسْتَمَرَّ بِهِ أَمِيرًا، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَبْرَّأَ مِنْهُ فِي صَنِيعِهِ ذَلِكَ، وَوَدَى مَا كَانَ جَنَاهُ خَطَأً فِي دَمٍ أَوْ مَالٍ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَعْزِلْهُ الصِّدِّيقُ ﵁ حِينَ قَتَلَ مَالِكَ بنَ نويْرَةَ أَيَّامَ الرِّدَّةِ، وَتَأَوَّلَ عَلَيْهِ مَا تَأَوَّلَ حِينَ ضَرَبَ عُنُقَهُ، وَاصْطفَى امْرَأَتَهُ أُمَّ تَمِيمٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁: اعْزِلْهُ فَإِنَّ فِي سَيْفِهِ رَهَقًا (١)، فَقَالَ الصِّدِّيقُ ﵁: لَا أُغْمِدُ سَيْفًا سَلَّهُ اللَّهُ عَلَى المُشْرِكِينَ (٢). وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَالذِي يَظْهَرُ أَنَّ التَّبَرُّؤَ مِنَ الفِعْلِ لَا يَسْتَلْزِمُ إِثْمَ فَاعِلِهِ، وَلَا إِلْزَامَهُ الغَرَامَةَ، فَإِنَّ إِثْمَ المُخْطِئِ مَرْفُوعٌ، وَإِنْ كَانَ فِعْلَهُ لَيْسَ بِمَحمودٍ (٣). * النِّزَاعُ بَيْنَ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ ﵄: وَوَقَعَ بَيْنَ خَالِدِ بنِ الوَليدِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ ﵄، شَرٌّ بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ ﵁: عَمِلْتَ بِأَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ فِي الإِسْلَامِ. فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ ﵁: إِنَّمَا ثَأَرْتُ لِأَبِيكَ.

стр. 2019

فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ ﵁: كَذَبْتَ، قَدْ قتَلْتَ قَاتِلَ أَبِي، وَلَكِنَّكَ ثَأَرْتَ بِعَمِّكَ الفَاكِهِ بنِ المُغِيرَةِ. فَسَبَّ خَالِدٌ ﵁ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ عَوْفٍ ﵁، فشَكَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ ﵁ خَالِدَ بنَ الوَليدِ ﵁ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا خَالِدُ، لِمَ تُؤْذِي رَجُلًا مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ؟ لَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا لَمْ تُدْرِكْ عَمَلَهُ". فَقَالَ خَالِدٌ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَقَعُونَ فِيَّ، فَأَرُدُّ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُؤْذُوا خَالِدًا، فَإِنَّهُ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ صَبَّهُ اللَّه عَلَى الكُفَّارِ" (١). وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَهْلًا يَا خَالِدُ، دَعْ عَنْكَ أَصْحَابِي، فَوَاللَّهِ لَوْ كَانَ لَكَ أُحُدٌ ذَهَبًا، ثُمَّ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا أَدْرَكْتَ غَدْوَةَ (٢) رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِي وَلَا رَوْحَتَهُ" (٣). وَفِي رِوَايةٍ أُخْرَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَسُبُّوا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِي،

стр. 2020

فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا أَدْرَكَ مُدَّ (١) أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ" (٢). * سَبَبُ تَفْضِيلِ نَفَقَةِ الصَّحَابَةِ ﵃: قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَسَبَبُ تَفْضِيلِ نَفَقَتِهِمْ ﵃ أَنَّهَا كَانَتْ فِي وَقْتِ الضَّرُورَةِ وَضِيقِ الحَالِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ، وَلِأَنَّ إِنْفَاقَهُمْ كَانَ فِي نُصْرَتِهِ ﷺ وَحِمَايَتِهِ، وَذَلِكَ مَعْدُومٌ بَعْدَهُ، وَكَذَا جِهَادُهُمْ وَسَائِرُ طَاعَتِهِمْ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ (٣)، وَهَذَا كُلُّهُ مَعَ مَا كَانَ فِي أَنْفُسِهِمْ مِنَ الشَّفَقَةِ وَالتَّوَدُّدِ وَالخُشُوعِ وَالتَّوَاضُعِ وَالإِيثَارِ وَالجِهَادِ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ، وَفَضِيلَةُ الصُّحْبَةِ وَلَوْ لَحْظةً لَا يُوَازِيهَا عَمَلٌ وَلَا يَنَالُ دَرَجَتَهَا شَيْءٌ، وَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ (٤). * شَيْءٌ مِنْ فَضَائِلِ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ ﵁ -: أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ

стр. 2021

- ﷺ : ". . . وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احْتبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ (١) فِي سَبِيلِ اللَّهِ" (٢). * بَعْضُ مَا حَكَمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَكَّةَ: أَفْتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خِلَالَ إِقَامَتِهِ بِمَكَّةَ فِي بَعْضِ الأُمُورِ، فَمِنْ ذَلِكَ: ١ - حُكْمُهُ ﷺ فِي ابْنِ وَلِيدَةَ (٣) زَمْعَةَ (٤): رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ عُتْبَةُ (٥) بنُ أَبِي وَقَّاص عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ ابنَ وَليدَةَ زَمْعَهَ مِنِّي، فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ، فَلَمَّا كَانَ عَامَ الفَتْحِ، أَخَذَهُ سَعْدٌ، فَقَالَ: ابنُ أَخِي عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ، فَقَامَ

стр. 2022

عَبْدُ بنُ زَمْعَةَ، فَقَالَ: أَخِي وَابْنُ وَليد أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فتَسَاوَقَا (١) إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابنُ أَخِي، قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ، فَقَالَ عَبْدُ بنُ زَمْعَةَ: أَخِي وَابْنُ وَليدَةَ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى شِبْهِهِ، فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بنُ زَمْعَةَ، الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ (٢) الحَجَرُ"، ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ ﵂: "احْتَجِبِي مِنْهُ"، لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ (٣). ٢ - حُكْمُهُ ﷺ فِي المَرْأَةِ السَّارِقَةِ: رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّتْهُمُ (٤) المَرْأَةُ المَخْزُومِيَّةُ (٥) التِي سَرَقَتْ (٦) فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ

стр. 2023

- ﷺ ، وَمَنْ يَجْتَرِئُ (١) عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ حِبُّ (٢) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ ، فكلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (٣). فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتَشْفَعُ (٤) فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ ". فَقَالَ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَخَطَبَ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا ضَلَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهُمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَأَيْمُ اللَّهِ (٥)، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ (٦) بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لقطَعَ مُحَمَّد يَدَهَا"، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

стр. 2024

بِتِلْكَ المَرْأَةِ فَقُطِعَتْ يَدُهَا، ثُمَّ تَابَتْ، وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا (١). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - مَنع الشَّفَاعَةِ فِي حُدُودِ اللَّهِ. ٢ - وَفِيهِ دُخُولُ النِّسَاءَ مَعَ الرِّجَالِ فِي حَدِّ السَّرِقَةِ. ٣ - وَفِيهِ قَبُولُ تَوْبَةِ السَّارِقِ. ٤ - وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ لِأُسَامَةَ ﵁. ٥ - وَفِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَاطِمَةَ ﵂، عِنْدَ أَبِيهَا ﷺ فِي أَعْظَمِ المَنَازِلِ، فَإِنَّ فِي القِصَّةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا الغَايَةُ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُ ﷺ . ٦ - وَفِيهِ تَرْكُ المُحَابَاةِ فِي إِقَامَةِ الحَدِّ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ وَلَدًا أَوْ قَرِيبًا، أَوْ كَبِيرَ القَدْرِ، وَالتَّشْدِيدُ فِي ذَلِكَ، وَالإِنْكَارُ عَلَى مَنْ رَخَّصَ فِيهِ، أَوْ تَعَرَّضَ لِلشَّفَاعَةِ فِيمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ. ٧ - وَفِيهِ جَوَازُ ضَرْبِ المَثَلِ بِالكَبِيرِ القَدْرِ لِلْمَبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ عَنِ الفِعْلِ وَمَرَاتِبُ ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ.

стр. 2025

٨ - وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ الإِخْبَارِ عَنْ أَمْرٍ مُقَدَّرٍ يُفِيدُ القَطْعَ بِأَمْرٍ مُحَقَّقٍ. ٩ - وَفِيهِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى أَمْرٍ لَا يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ أَوْ لَا يَفْعَلُهُ لَا يَحْنَثُ. ١٠ - وَفِيهِ الِاعْتِبَارُ بِأَحْوَالِ مَنْ مَضَى مِنَ الأُمَمِ، وَلَاسِيَّمَا مَنْ خَالَفَ أَمْرَ الشَّرْعِ (١). ٣ - تَحْرِيمُهُ ﷺ بَيْعَ الخَمْرِ وَالمَيْتَةِ والخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ: وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِمَكَّةَ عَنْ بَيْعِ الخَمْرِ، وَأَمَرَ بِإِهْرَاقِهِ وَكَسْرِ جِرَارِهِ، وَنَهَى عَنْ بَيْعِ الأَصْنَامِ وَالمَيْتَةِ وَالخِنْزِيرِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، وَهُوَ بِمَكَّةَ عَامَ الفَتْحِ: "إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ وَالمَيْتَةِ وَالخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ". فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ، فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الجُلُودُ، ويَسْتَصْبِحُ (٢) بِهَا النَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا، هُوَ حَرَامٌ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: "قَاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ، إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ (٣)، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ" (٤).

стр. 2026

قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: قَالَ جُمْهُورُ العُلَمَاءِ: العِلَّةُ فِي مَنع بَيْعِ المَيْتَةِ وَالخَمْرِ وَالخِنْزِيرِ النَّجَاسَةُ، فَيَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى كُلِّ نَجَاسَةٍ، وَالعِلَّةُ فِي مَنع بَيْعِ الأَصْنَامِ عَدَمُ المَنْفَعَةِ المُبَاحَةِ (١). ٤ - تَحْرِيمُهُ ﷺ نِكَاحِ المُتْعَةِ تَحْرِيمًا نِهَائِيًّا: وَفِي فَتْحِ مَكَّةَ أَحَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِكَاحَ المُتْعَةِ، ثُمَّ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ حَرَّمَهَا، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ مُسْلِم فِي صَحِيحِهِ وَالإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ الرَّبِيعِ بنِ سَبْرَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ الفَتْحِ" (٢). وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ الرَّبِيعِ بنِ سَبْرَةَ الجُهَنِيِّ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنِّي قَدْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الِاسْتِمْتَاع مِنَ النِّسَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ" (٣). قَالَ المَازَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ثَبَتَ أَنَّ نِكَاحَ المُتْعَةِ كَانَ جَائِزًا فِي أَوَّلِ

стр. 2027

الإِسْلَامِ، ثُمَّ ثَبَتَ بِالأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّهُ نُسِخَ، وَانْعَقَدَ الإِجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ (١). وَقَالَ الإِمَامُ البَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ نِكَاحِ المُتْعَةِ، وَهُوَ كَالإِجْمَاع بَيْنَ المُسْلِمِينَ (٢). وَأَخْرَجَ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءَ، فَقَالَتْ: بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، وَقَرَأَتْ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٣). فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ مَا زَوَّجَهُ اللَّهُ، أَوْ مَلَّكَهُ فَقَدْ عَدَا (٤). وَرَوَى ابْنُ مَاجَه فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَمَّا وَليَ عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ ﵁، خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذِنَ لَنَا فِي الْمُتْعَةِ ثَلَاثَةً، ثُمَّ حَرَّمَهَا، وَاللَّهِ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا يَتَمَتَّعُ وَهُوَ مُحْصَنٌ إِلَّا رَجَمْتُهُ بِالْحِجَارَةِ، إِلَّا أَنْ يَأْتِنِي بِأَرْبَعَةٍ يَشْهَدُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَحَلَّهَا بَعْدَ إِذْ حَرَّمَهَا (٥).

стр. 2028

* قَوْلَةٌ جَمِيلَةٌ لِلشَّيْخِ مُحَمَّد الغَزَالِي ﵀: وَفِي يَوْمِ الفَتْحِ قَدْ تَرْجعُ بِنَا الذِّكرَيَاتُ إِلَى رِجَالٍ لَمْ يَشْهَدُوا هَذَا النَّصْرَ المُبِينَ، وَلَمْ يَسْمَعُوا صَوْتَ بِلَالٍ ﵁ يَرِنُّ فَوْقَ ظَهْرِ الكَعْبَةِ بِشِعَارِ التَّوْحِيدِ، وَلَمْ يَرَوُا الأَصْنَامَ مَكْبُوبَةً عَلَى وُجُوهِهَا مُسَوَّاةً بِالرُّغَامِ (١)، وَلَمْ يَرَوْا عُبَّادَهَا الأَقْدَمِينَ وَقَدْ أَلْقَوُا السَّلَمَ وَاتَّجَهُوا إِلَى الإِسْلَامِ. . . إِنَّهُمْ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا إِبَّانَ المَعْرَكَةِ الطَّوِيلَةِ التِي نَشِبَتْ بَيْنَ الإِيمَانِ وَالكُفْرِ، وَلَكِنَّ النَّصْرَ الذِي يَجْنِي الأَحْيَاءُ ثِمَارَهُ اليَوْمَ لَهُمْ فِيهِ نَصِيبٌ كَبِيرٌ، وَجَزَاؤُهُمْ عَلَيْهِ مَكْفُولٌ عِنْدَ مَنْ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ (٢). * أَثَرُ فَتْحِ مَكَّةَ وَدُخُولِ النَّاسِ فِي دِينِ اللَّهِ أَفوَاجًا: كَانَ لِفَتْحِ مَكَّةَ أَثَر عَمِيقٌ فِي نُفُوسِ العَرَبِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَرَبَّصُونَ (٣) نَتِيجَةَ الصِّرَاعِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَقُرَيْشٍ، فَلَمَّا انتصَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قُرَيْشٍ دَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا. رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَمْرِو بنِ سَلَمَةَ الجَرْمِيِّ (٤) ﵁ أَنَّهُ

стр. 2029

قَالَ: كَانَتِ العَرَبُ تَلَوَّمُ (١) بِإِسْلَامِهِمُ الفَتْحَ، فَيَقُولُونَ: اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ، فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ، فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ الفَتْحِ بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ (٢). وَقَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: وَإِنَّمَا كَانَتِ العَرَبُ تَرَبَّصُ بِالإِسْلَامِ أَمْرَ هَذَا الحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ، وَأَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا كَانُوا إِمَامَ النَّاسِ وَهَادِيهِمْ، وَأَهْلَ البَيْتِ الحَرَامِ، وَصَرِيحَ (٣) وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ بنِ إِبْرَاهِيمَ ﵉، وَقَادَةَ العَرَبِ لَا يُنْكَرُونَ ذَلِكَ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ هِيَ التِي نَصَبَتْ (٤) لِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخِلَافِهِ، فَلَمَّا افْتُتِحَتْ مَكَّةُ، وَدَانَتْ لَهُ قُرَيْشٌ، وَدَوَّخَهَا (٥) الإِسْلَامُ، وَعَرَفَتِ العَرَبُ أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا عَدَاوَتِهِ، فَدَخَلُوا فِي دِينِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ : ﴿أَفَوَاجًا﴾ (٦)، يَضْرِبُونَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (٧). وَسَنُفَصِّلُ أَمْرَ دُخُولِ النَّاسِ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا عِنْدَ الحَدِيثِ عَنْ عَامِ الوُفُودِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

стр. 2030

مِنْ بِدَايَةِ غَزْوَةِ حُنَيْنٍ الَى نِهَايَةِ غَزْوَةِ الطَّائِفِ غَزْوَةِ حُنَيْنٍ (١) وَيُقَالُ لَهَا غَزْوَةُ أَوْطَاسٍ (٢)، وَهُوَ المَوْصعُ الذِي كَانَتْ بِهِ الوَقْعَةُ فِي آخِرِ الأَمْرِ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: غَزْوَةُ هَوَازِنَ (٣). * سَبَبُهَا: وَكَانَ سَبَبُ هَذِهِ الغَزْوَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ، وخَضَعَتْ لَهُ قُرَيْشٌ، خَافَ أَشْرَافُ هَوَازِنَ وَثَقِيفٍ أَنْ يَغْزُوَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَحَشَدُوا وَعَزَمُوا عَلَى قِتَالِهِ (٤). * جُمُوعُ هَوَازِنَ وَعَدَدُهُمْ: وَاجْتَمَعَتْ إِلَى هَوَازِنَ وَثَقِيفٍ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ مِنَ القَبَائِلِ وَهُمْ: نَصْرٌ وَسَعْدُ

стр. 2031

بنُ بَكْرٍ -وَهُمُ الذِينَ اسْتُرْضِعَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَاس مِنْ هِلَالٍ، وَفِي بَنِي جُشْمٍ رَجُل يُقَالُ لَهُ "دُرَيْدُ بنُ الصِّمَّةِ" (١) شَيْخٌ كَبِير قَدْ عَمِيَ، لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ إِلَّا التَّيَمُّنُ (٢) بِرَأْيِهِ، ومَعْرِفَتُهُ بِالحَرْبِ، وَكَانَ شُجَاعًا مُجَرِّبًا، وَفِي ثَقِيفٍ سَيِّدَانِ لَهُمْ، فِي الأَحْلَافِ: قَارِبُ بنُ الأَسْوَدِ، وَفِي بَنِي مَالِكٍ: ذُو الخِمَارِ سُبَيْعُ بنُ الحَارِثِ، وَأَخُوهُ أَحْمَرُ بنُ الحَارِثِ، وَقَدْ بَلَغَ جَيْشُ الكُفَّارِ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَكَانَ جِمَاعُ أَمْرِ النَّاسِ إِلَى مَالِكِ بنِ عَوْفٍ النَّصْرِيِّ (٣)، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ ابنُ ثَلَاثِينَ سَنَةً. فَلَمَّا أَجْمَعَ مَالِكُ بنُ عَوْفٍ السَّيْرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أمَرَ النَّاسَ أَنْ يَسُوقُوا مَعَهُمْ أَمْوَالَهُمْ، وَنِسَاءَهُمْ، وَأَبْنَاءَهُمْ، فَسَارَ بِهِمْ حَتَّى نَزَلُوا بِأَوْطَاسَ (٤). * نَصِيحَةُ دُرَيْدِ بنِ الصِّمَّةِ وَتَنْظِيمُ مَالِكٍ جَيْشَهُ: وَلَمَّا نَزَلَ مَالِكُ بنُ عَوْفٍ بِأَوْطَاسَ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَفِيهِمْ: دُرَيْدُ بنُ الصِّمَّةِ، فَقَالَ دُرَيْدٌ لِلنَّاسِ: بِأَيِّ وَادٍ أَنْتُمْ؟ . قَالُوا: بِأَوْطَاسَ، فَقَالَ: نِعْمَ مَجَالُ الخَيلِ، لَا حَزْنَ (٥) ضِرْسٍ (٦)، وَلَا

стр. 2032

سَهْلَ (١) دَهْسٍ (٢)، مَالِي أَسْمَعُ رُغَاءَ (٣) البَعِيرِ، وَنُهَاقَ الحَمِيرِ، وَبُكَاءَ الصَّغِيرِ، وَيُغَارَ (٤) الشَّاءِ؟ قَالُوا: سَاقَ مَالِكُ بنُ عَوْفٍ مَعَ النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ، فَقَالَ: أَيْنَ مَالِكٌ؟ فَدُعِيَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا مَالِكُ! إِنَّكَ قَدْ أَصْبَحْتَ رَئِيسَ قَوْمِكَ، وَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ كَائِنٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ مِنَ الأَيَّامِ، مَالِي أَسْمَعُ رُغَاءَ البَعِيرِ، وَنُهَاقَ الحَمِيرِ، وَبُكَاءَ الصَّغِيرِ، وَيُغَارَ الشَّاءَ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: سُقْتُ مَعَ النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ. قَالَ: ولمَ ذَاكَ؟ قَالَ مَالِكٌ: أَرَدْتُ أَنْ أَجْعَلَ خَلْفَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، لِيُقَاتِلَ عَنْهُمْ. فَقَالَ لَهُ دُرَيْدٌ: رَاعِي ضَأْنٍ وَاللَّهِ، وَهَلْ يَرُدُّ المُنْهَزِمَ شَيْءٌ؟ إِنَّهَا إِنْ كَانَتْ لَكَ لَمْ يَنْفَعْكَ إِلَّا رَجُلٌ بِسَيْفِهِ وَرُمْحِهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْكَ فُضِحْتَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، ثُمَّ قَالَ: مَا فَعَلْتْ كَعْبٌ وَكِلَابٌ؟ -وَهُمَا بَطْنَانِ مِنْ هَوَازِنَ- قَالُوا: لَمْ يَشْهَدْهَا مِنْهُمْ أَحَدٌ.

стр. 2033

فَقَالَ دُرَيْدٌ: غَابَ الحِدُّ وَالجِدُّ (١)، وَلَوْ كَانَ يَوْمَ عَلَاءٍ وَرِفْعَةٍ لَمْ تَغِبْ عَنْهُ كَعْبٌ وَلَا كِلَابٌ، وَلَوَدِدْتُ أَنَّكُمْ فَعَلْتُمْ مَا فَعَلَتْ كَعْبٌ وَكِلَابٌ. ثُمَّ قَالَ: يَا مَالِكُ! إِنَّكَ لَمْ تَصْنَعْ بِتَقْدِيمِ البَيْضَةِ (٢) بَيْضَةِ هَوَازِنَ إِلَى نُحُورِ الخَيْلِ شَيْئًا، ارْفَعْهُمْ إِلَى مُتَمَنَّعِ بِلَادِهِمْ، وَعُلْيَاءِ قَوْمِهِمْ، ثُمَّ أَلْقِ الصُّبَاةَ (٣) عَلَى مُتُونِ الخَيْلِ، فإِنْ كَانَتْ لكَ لحِقَ بِكَ مِنْ وَرَائِكَ، وَإِنْ كَانَتْ عَليْكَ أَلْفَاكَ (٤) ذَلِكَ، وَقَدْ أَحْرَزْتَ (٥) أَهْلَكَ وَمَالَكَ. فَقَالَ مَالِكُ بنُ عَوْفٍ: لَا وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ ذَلِكَ، إِنَّكَ كَبِرْتَ وَكَبِرَ عَقْلُكَ، وَاللَّهِ لَتُطِيعُنَّنِي يَا مَعْشَرَ هَوَازِنَ، أَوْ لَأَتَّكِئَنَّ عَلَى هَذَا السَّيْفِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ ظَهْرِي. قَالُوا: أَطَعْنَاكَ، فَقَالَ دُرَيْدٌ: هَذَا يَوْمٌ لَمْ أَشْهَدْهُ، وَلَمْ يَفُتْنِي. ثُمَّ أَمَرَ مَالِكُ بنُ عَوْفٍ بِالخَيْلِ فَصُفَّتْ، ثُمَّ صُفَّتِ المُقَاتِلَةُ، ثُمَّ صُفَّتِ النِّسَاءُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ، ثُمَّ صُفَّتِ النَّعَمُ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: إِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَاكْسِرُوا جُفُونَ سُيُوفِكُمْ، ثُمَّ شُدُّوا عَلَيْهِمْ شَدَّةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ (٦).

стр. 2034

* اسْتِكْشَافُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَبَرَ هَوَازِنَ: فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِاجْتِمَاعِ هَوَازِنَ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بنَ أَبِي حَدْرَدٍ الأَسْلَمِيَّ ﵁، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي النَّاسِ، فَيُقِيمَ فِيهِمْ حَتَّى يَعْلَمَ عِلْمَهُمْ، ثُمَّ يَأتِيهِ بِخَبَرِهِمْ، فَانْطَلَقَ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ ﵁، فَدَخَلَ فِي هَوَازِنَ، فَأَقَامَ فِيهِمْ حَتَّى سَمِعَ وَعَلِمَ مَا قَدْ أَجْمَعُوا لَهُ مِنْ حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْبَرَهُ الخَبَرَ (١). * اسْتِعَارَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ السِّلَاحَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: وَبَعْدَ أَنْ جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَعْلُومَاتِ العَسْكَرِيَّةَ المَطْلُوبَةَ عَنْ جَيْشِ هَوَازِنَ، اسْتَعَدَّ لِمُوَاجَهَتِهِمْ، فَاسْتَعَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ صَفْوَانَ بنِ أُمَيَّةَ -وَكَانَ مَا زَالَ مُشْرِكًا- أَدْرَاعًا وَسِلَاحًا، فَقَالَ صَفْوَانُ: أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدُ؟ . قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ"، فَأَعَارَ صَفْوَانُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِائَةَ دِرْعٍ (٢)

стр. 2035

* خُرُوجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى حُنَيْنٍ: وَبَعْدَ أَنْ أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا (١)، خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ يَوْمَ السَّبْتِ لِسِتِّ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ شَوَّالَ سَنَةَ ثَمَانٍ لِلْهِجْرَةِ، وَاسْتَعَمَلَ عَتَّابَ بنَ أَسِيدٍ ﵁ أَمِيرًا عَلَى مَكَّةَ، وَهُوَ أَوَّلُ أَمِيرٍ فِي الإِسْلَامِ عَلَى مَكَّةَ (٢). وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنَ المُسْلِمِينَ: عَشَرَةُ آلَافٍ الذِينَ جَاؤُوا مَعَهُ مِنَ المَدِينَةِ لِفَتْحِ مَكَّةَ، وَأَلْفانِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَهُمُ الطُّلَقَاءُ (٣)، وَأَكْثَرُهُمْ حَدِيثُو عَهْدٍ بِالإِسْلَامِ، لَمْ يَتَمَكَّنِ الإِسْلَامُ مِنْ قُلُوبِهِمْ (٤)، وَخَرَجَ معَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَاسٌ كَثِير مِنَ المُشْرِكِينَ مِثْلَ: صَفْوانَ بنِ أُمَيَّةَ، وَسُهَيْلِ بنِ عَمْرٍو، وَغَيْرِهُمْ.
следующие страницы →