← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

بنُ بَكْرٍ -وَهُمُ الذِينَ اسْتُرْضِعَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَاس مِنْ هِلَالٍ، وَفِي بَنِي جُشْمٍ رَجُل يُقَالُ لَهُ "دُرَيْدُ بنُ الصِّمَّةِ" (١) شَيْخٌ كَبِير قَدْ عَمِيَ، لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ إِلَّا التَّيَمُّنُ (٢) بِرَأْيِهِ، ومَعْرِفَتُهُ بِالحَرْبِ، وَكَانَ شُجَاعًا مُجَرِّبًا، وَفِي ثَقِيفٍ سَيِّدَانِ لَهُمْ، فِي الأَحْلَافِ: قَارِبُ بنُ الأَسْوَدِ، وَفِي بَنِي مَالِكٍ: ذُو الخِمَارِ سُبَيْعُ بنُ الحَارِثِ، وَأَخُوهُ أَحْمَرُ بنُ الحَارِثِ، وَقَدْ بَلَغَ جَيْشُ الكُفَّارِ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَكَانَ جِمَاعُ أَمْرِ النَّاسِ إِلَى مَالِكِ بنِ عَوْفٍ النَّصْرِيِّ (٣)، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ ابنُ ثَلَاثِينَ سَنَةً. فَلَمَّا أَجْمَعَ مَالِكُ بنُ عَوْفٍ السَّيْرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أمَرَ النَّاسَ أَنْ يَسُوقُوا مَعَهُمْ أَمْوَالَهُمْ، وَنِسَاءَهُمْ، وَأَبْنَاءَهُمْ، فَسَارَ بِهِمْ حَتَّى نَزَلُوا بِأَوْطَاسَ (٤). * نَصِيحَةُ دُرَيْدِ بنِ الصِّمَّةِ وَتَنْظِيمُ مَالِكٍ جَيْشَهُ: وَلَمَّا نَزَلَ مَالِكُ بنُ عَوْفٍ بِأَوْطَاسَ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَفِيهِمْ: دُرَيْدُ بنُ الصِّمَّةِ، فَقَالَ دُرَيْدٌ لِلنَّاسِ: بِأَيِّ وَادٍ أَنْتُمْ؟ . قَالُوا: بِأَوْطَاسَ، فَقَالَ: نِعْمَ مَجَالُ الخَيلِ، لَا حَزْنَ (٥) ضِرْسٍ (٦)، وَلَا

стр. 2032

سَهْلَ (١) دَهْسٍ (٢)، مَالِي أَسْمَعُ رُغَاءَ (٣) البَعِيرِ، وَنُهَاقَ الحَمِيرِ، وَبُكَاءَ الصَّغِيرِ، وَيُغَارَ (٤) الشَّاءِ؟ قَالُوا: سَاقَ مَالِكُ بنُ عَوْفٍ مَعَ النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ، فَقَالَ: أَيْنَ مَالِكٌ؟ فَدُعِيَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا مَالِكُ! إِنَّكَ قَدْ أَصْبَحْتَ رَئِيسَ قَوْمِكَ، وَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ كَائِنٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ مِنَ الأَيَّامِ، مَالِي أَسْمَعُ رُغَاءَ البَعِيرِ، وَنُهَاقَ الحَمِيرِ، وَبُكَاءَ الصَّغِيرِ، وَيُغَارَ الشَّاءَ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: سُقْتُ مَعَ النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ. قَالَ: ولمَ ذَاكَ؟ قَالَ مَالِكٌ: أَرَدْتُ أَنْ أَجْعَلَ خَلْفَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، لِيُقَاتِلَ عَنْهُمْ. فَقَالَ لَهُ دُرَيْدٌ: رَاعِي ضَأْنٍ وَاللَّهِ، وَهَلْ يَرُدُّ المُنْهَزِمَ شَيْءٌ؟ إِنَّهَا إِنْ كَانَتْ لَكَ لَمْ يَنْفَعْكَ إِلَّا رَجُلٌ بِسَيْفِهِ وَرُمْحِهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْكَ فُضِحْتَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، ثُمَّ قَالَ: مَا فَعَلْتْ كَعْبٌ وَكِلَابٌ؟ -وَهُمَا بَطْنَانِ مِنْ هَوَازِنَ- قَالُوا: لَمْ يَشْهَدْهَا مِنْهُمْ أَحَدٌ.

стр. 2033

فَقَالَ دُرَيْدٌ: غَابَ الحِدُّ وَالجِدُّ (١)، وَلَوْ كَانَ يَوْمَ عَلَاءٍ وَرِفْعَةٍ لَمْ تَغِبْ عَنْهُ كَعْبٌ وَلَا كِلَابٌ، وَلَوَدِدْتُ أَنَّكُمْ فَعَلْتُمْ مَا فَعَلَتْ كَعْبٌ وَكِلَابٌ. ثُمَّ قَالَ: يَا مَالِكُ! إِنَّكَ لَمْ تَصْنَعْ بِتَقْدِيمِ البَيْضَةِ (٢) بَيْضَةِ هَوَازِنَ إِلَى نُحُورِ الخَيْلِ شَيْئًا، ارْفَعْهُمْ إِلَى مُتَمَنَّعِ بِلَادِهِمْ، وَعُلْيَاءِ قَوْمِهِمْ، ثُمَّ أَلْقِ الصُّبَاةَ (٣) عَلَى مُتُونِ الخَيْلِ، فإِنْ كَانَتْ لكَ لحِقَ بِكَ مِنْ وَرَائِكَ، وَإِنْ كَانَتْ عَليْكَ أَلْفَاكَ (٤) ذَلِكَ، وَقَدْ أَحْرَزْتَ (٥) أَهْلَكَ وَمَالَكَ. فَقَالَ مَالِكُ بنُ عَوْفٍ: لَا وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ ذَلِكَ، إِنَّكَ كَبِرْتَ وَكَبِرَ عَقْلُكَ، وَاللَّهِ لَتُطِيعُنَّنِي يَا مَعْشَرَ هَوَازِنَ، أَوْ لَأَتَّكِئَنَّ عَلَى هَذَا السَّيْفِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ ظَهْرِي. قَالُوا: أَطَعْنَاكَ، فَقَالَ دُرَيْدٌ: هَذَا يَوْمٌ لَمْ أَشْهَدْهُ، وَلَمْ يَفُتْنِي. ثُمَّ أَمَرَ مَالِكُ بنُ عَوْفٍ بِالخَيْلِ فَصُفَّتْ، ثُمَّ صُفَّتِ المُقَاتِلَةُ، ثُمَّ صُفَّتِ النِّسَاءُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ، ثُمَّ صُفَّتِ النَّعَمُ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: إِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَاكْسِرُوا جُفُونَ سُيُوفِكُمْ، ثُمَّ شُدُّوا عَلَيْهِمْ شَدَّةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ (٦).

стр. 2034

* اسْتِكْشَافُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَبَرَ هَوَازِنَ: فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِاجْتِمَاعِ هَوَازِنَ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بنَ أَبِي حَدْرَدٍ الأَسْلَمِيَّ ﵁، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي النَّاسِ، فَيُقِيمَ فِيهِمْ حَتَّى يَعْلَمَ عِلْمَهُمْ، ثُمَّ يَأتِيهِ بِخَبَرِهِمْ، فَانْطَلَقَ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ ﵁، فَدَخَلَ فِي هَوَازِنَ، فَأَقَامَ فِيهِمْ حَتَّى سَمِعَ وَعَلِمَ مَا قَدْ أَجْمَعُوا لَهُ مِنْ حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْبَرَهُ الخَبَرَ (١). * اسْتِعَارَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ السِّلَاحَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: وَبَعْدَ أَنْ جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَعْلُومَاتِ العَسْكَرِيَّةَ المَطْلُوبَةَ عَنْ جَيْشِ هَوَازِنَ، اسْتَعَدَّ لِمُوَاجَهَتِهِمْ، فَاسْتَعَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ صَفْوَانَ بنِ أُمَيَّةَ -وَكَانَ مَا زَالَ مُشْرِكًا- أَدْرَاعًا وَسِلَاحًا، فَقَالَ صَفْوَانُ: أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدُ؟ . قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ"، فَأَعَارَ صَفْوَانُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِائَةَ دِرْعٍ (٢)

стр. 2035

* خُرُوجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى حُنَيْنٍ: وَبَعْدَ أَنْ أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا (١)، خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ يَوْمَ السَّبْتِ لِسِتِّ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ شَوَّالَ سَنَةَ ثَمَانٍ لِلْهِجْرَةِ، وَاسْتَعَمَلَ عَتَّابَ بنَ أَسِيدٍ ﵁ أَمِيرًا عَلَى مَكَّةَ، وَهُوَ أَوَّلُ أَمِيرٍ فِي الإِسْلَامِ عَلَى مَكَّةَ (٢). وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنَ المُسْلِمِينَ: عَشَرَةُ آلَافٍ الذِينَ جَاؤُوا مَعَهُ مِنَ المَدِينَةِ لِفَتْحِ مَكَّةَ، وَأَلْفانِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَهُمُ الطُّلَقَاءُ (٣)، وَأَكْثَرُهُمْ حَدِيثُو عَهْدٍ بِالإِسْلَامِ، لَمْ يَتَمَكَّنِ الإِسْلَامُ مِنْ قُلُوبِهِمْ (٤)، وَخَرَجَ معَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَاسٌ كَثِير مِنَ المُشْرِكِينَ مِثْلَ: صَفْوانَ بنِ أُمَيَّةَ، وَسُهَيْلِ بنِ عَمْرٍو، وَغَيْرِهُمْ.

стр. 2036

وَيُعْتَبَرُ هَذَا الجَيْشُ أَكْبَرَ جَيْشٍ إِسْلَامِيٍّ يَخْرُجُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى ذَلِكَ الحِينِ، وَلهَذَا سَادَ شُعُورٌ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ (١) أَنَّهُمْ لَنْ يُغْلَبُوا (٢) مِنْ قِلَّةٍ (٣). * قِصَّةُ نَبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ: فَلَمَّا عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَا وَقَعَ فِي قُلُوبِ بَعْضِ المُسْلِمِينَ مِنْ هَذَا الشُّعُورِ، وَهُوَ الِافْتِخَارُ بِكَثْرَتِهِمْ وَالِاعْتِمَادُ عَلَيْهَا، قَالَ لَهُمْ: "إِنَّ نَبِيًّا كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَعْجَبَتْهُ أُمَّتُهُ، فَقَالَ: لَنْ يَرُومَ (٤) هَؤُلَاءِ شَيْءٌ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ خَيِّرْهُمْ بَيْنَ إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَيَسْتَبِيحَهُمْ، أَوِ الجُوعَ، أَوِ المَوْتَ".

стр. 2037

قَالَ: فَقَالُوا: أَمَّا القَتْلُ أَوِ الجُوعُ، فَلَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، وَلَكِنِ المَوْتُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَمَاتَ فِي ثَلَاثٍ سَبْعُونَ ألفًا" (١). * شَجَرَةُ ذَاتُ أَنْوَاطٍ (٢): وَفِي الطَّرِيقِ إِلَى حُنَيْنٍ رَأَوْا شَجَرَةً خَضْرَاءَ عَظِيمَةً يُقَالُ لَهَا: "ذَاتُ أَنْوَاطٍ"، كَانَتِ العَرَبُ تُعَلِّقُ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ، وَيَذْبَحُونَ عِنْدَهَا وَيَعْكُفُونَ عَلَيْهَا، فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ مِنَ الطُّلَقَاءَ مِمَّنْ هُمْ حَدِيثُو عَهْدٍ بِالجَاهِلِيَّةِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُ أَكبَرُ، قُلْتُمْ وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، إِنَّهَا السُّنَنُ (٣)، لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ سُنَّةً سُنَّةً" (٤). وَفِي هَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ قُلُوبَ هَؤُلَاءَ الطُّلقَاءِ لَمْ تَتَشَرَّبِ الإِسْلَامَ بَعْدُ؛ لِحَدَاثَةِ عَهْدِهِمْ بِالجَاهِلِيَّةِ.

стр. 2038

أَكْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مسِيرَهُ إِلَى حُنَيْنٍ، فَأَطْنَبَ (١) السَّيْرَ حَتَّى كَانَتْ عَشِيَّةً، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَارِسٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي انْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ حَتَّى طَلَعْتُ عَلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا أَنَا بِهَوَازِنَ عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهِمْ (٢) بِظُعْنِهِمْ (٣) وَنَعْمِهِمْ (٤) وَنِسَائِهِمْ اجْتَمَعُوا فِي حُنَيْنٍ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: "تِلْكَ غَنِيمَةُ المُسْلِمِينَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ" (٥). * فَضِيلَةٌ لِأنَسَ بنِ أَبِي مِرْثَدٍ ﵁ -: ثُمَّ قَالَ ﷺ : "مَنْ يَحْرُسُنَا اللَّيْلةَ؟ ". فَقَالَ أَنَسُ بنُ أَبِي مِرْثَدٍ الغَنَوِيُّ ﵁: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَارْكَبْ"، فَرَكِبَ فَرَسًا لَهُ، فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اسْتَقْبِلْ هَذَا الشِّعْبَ (٦) حَتَّى تَكُونَ فِي أَعْلَاهُ، وَلَا تَنْزِلْ مِنْ فَرَسكَ اللَّيْلةَ".

стр. 2039

فَلَمَّا أَصْبَحُوا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مُصَلَّاهُ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: "هَلْ أَحْسَسْتُمْ فَارِسَكُمْ؟ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَحْسَسْنَاهُ، فَثُوِّبَ (١) بِالصَّلَاةِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهُوَ يُصَلِّي يَلْتَفِتُ إِلَى الشِّعْبِ، حَتَّى إِذَا قَضَى صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ، قَالَ: "أَبْشِرُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ فَارِسُكُمْ"، فَجَعَلْنَا نَنْظُرُ إِلَى خِلَالِ الشَّجَرِ فِي الشِّعْبِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ جَاءَ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنِّي انْطَلَقْتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَى هَذَا الشِّعْبِ حَيْثُ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ طَلَعْتُ الشِّعْبَيْنِ كِلَيْهِمَا، فنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَلْ نزلْتَ اللَّيْلةَ؟ "، قَالَ: لَا، إِلَّا مُصَلِّيًا، أَوْ قَاضِيًا حَاجَةً. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ أَوْجَبْتَ (٢)، فَلَا عَلَيْكَ أَنْ لَا تَعْمَلَ بَعْدَهَا" (٣). ثُمَّ أَكْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بجَيْشِهِ حَتَّى وَصَلَ إِلَى حُنَيْنٍ مَسَاءَ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ لِعَشْرِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ شَوَّالٍ.

стр. 2040

* تَعْبِئَةُ مَالِكِ بنِ عَوْفٍ جَيْشَهُ: وَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ عَمِدَ مَالِكُ بنُ عَوْفٍ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَعَبَّأَهُمْ فِي وَادِي حُنَيْنٍ، وَكَانَ قَدْ سَبَقَ المُسْلِمِينَ إِلَيْهِ، وَفَرَّقَ النَّاسَ فِيهِ، وَأَوْعَزَ إِلَيْهِمْ أَنْ يَرْشُقُوا المُسْلِمِينَ بِالنَّبْلِ أَوَّلَ مَا يَطْلُعُونَ، ثُمَّ يَحْمِلُوا عَلَيْهِمْ حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ. * تَعْبِئَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ: وَفِي السَّحَرِ عَبَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَيْشَهُ، وَعَقَدَ الأَلْوِيَةَ وَالرَّايَاتِ، وَرَتَّبَ جُنْدَهُ فِي هَيْئَةِ صُفُوفٍ مُنْتَظِمَةٍ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَغْلَتَهُ البَيْضَاءَ -التِي أَهْدَاهَا لَهُ فَرْوَةُ بنُ نُفَاثَةَ الجُذَامِيُّ-، وَلَبِسَ دِرْعَيْنِ، وَالمِغْفَرَ وَالبَيْضَةَ، وَاسْتَقْبَلَ الصُّفُوفَ، وَطَافَ عَلَيْهِمْ، فَأَمَرَهُمْ وَحَضَّهُمْ عَلَى القِتَالِ، وَبَشَّرَهُمْ بِالفَتْحِ إِنْ صَبَرُوا وَصَدَقُوا. وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَنِي سُلَيْمٍ خَالِدَ بنَ الوَليدِ ﵁، فَلَمْ يَزَلْ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ حَتَّى وَرَدَ الجِعْرَانَةَ (١). وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ أَنَسٌ ﵁: وَعَلَى مَجْنَبَةِ خَيْلِنَا خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ ﵁ (٢) * هَزِيمَةُ المُسْلِمِينَ وَفِرَارُهُمْ: بَدَأَ المُسْلِمُونَ يَنْحَدِرُونَ فِي وَادِي حُنَيْنٍ -وَكَانَ مُنْحَدَرًا شَدِيدًا- وَذَلِكَ

стр. 2041

فِي عِمَايَةِ الصُّبْحِ (١)، وَهُمْ لَا يَدْرُونَ بِوُجُودِ كُمَنَاءَ العَدُوِّ فِي مَضَايِقِ هَذَا الوَادِي وَأَحْنَائِهِ (٢) وشِعَابِهِ، فَمَا رَاعَهُمْ (٣) وَهُمْ يَنْحَطُّونَ إِلَّا الكتَائِبُ قَدْ شَدَّتْ عَلَيْهِمْ شَدَّةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَبَدَأَ الضَّرْبُ بِخَالِدِ بنِ الوَليدِ ﵁ حَتَّى سَقَطَ، وَانْكَشَفَتْ خَيْلُ بَنِي سُلَيْمٍ مُوَلِّيَةً، وَتَبِعَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ، وَهُمُ الطُّلَقَاءُ، وَبَدَأَ الفِرَارُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ (٤). قَالَ جَابِرٌ ﵁: فَوَاللَّهِ مَا رَجَعَتْ رَاجِعَةُ النَّاسِ مِنْ هَزِيمَتِهِمْ حَتَّى وَجَدُوا الأَسْرَى مُكَتَّفِينَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٥). وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ البَرَاءُ بنُ عَازِبٍ ﵁: فَلَقُوا قَوْمًا رُمَاة لَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ، فَرَشَقُوهُمْ (٦) رَشْقًا مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ (٧). فَلَمَّا رَأَى أَبُو سُفْيَانَ بنُ حَرْبٍ هَزِيمَةَ المُسْلِمِينَ -وَكَانَ قَدِ اعْتَزَلَ هُوَ وَصَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ، وَحَكِيمُ بنُ حِزَامٍ، وَرِجَالٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَرَاءَ تَلٍّ يَنْظُرُونَ

стр. 2042

لِمَنْ يَكُونُ النَّصْرُ- فَقَالَ وَكَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بالإِسْلَامِ: لَا تَنْتَهِي هَزِيمَتُهُمْ دُونَ البَحْرِ، وَصَرَخَ كَلَدَةُ بنُ الحَنْبَلِ (١) وَهُوَ مَعَ أَخِيهِ لِأُمِّهِ صَفْوَانَ بنَ أُمَيَّةَ: أَلَا بَطَلَ السِّحْرُ اليَوْمَ، فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ: اسْكُتْ فَضَّ اللَّهُ فَاَك (٢)، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَرُبَّنِي (٣) رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَرُبَّنِي رَجُل مِنْ هَوَازِنَ (٤). * ثَبَاتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: وَانْحَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ اليَمِينِ، وَثَبَتَ مَعَهُ نَفَرٌ قَلِيلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ والأَنْصَارِ (٥)، وَأَهْلُ بَيْتِهِ، فِيهِمْ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ،

стр. 2043

وَالعَبَّاسُ، وَابْنُهُ الفَضْلُ، وَأَبُو سُفْيَانَ بنُ الحَارِثِ، وَرَبِيعَةُ بنُ الحَارِثِ، وَأَيْمَنُ بنُ عُبَيْدٍ، وَهُوَ ابنُ أُمِّ أَيْمَنَ حَاضِنَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ، وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنَادِي: "إِلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ! هَلُمُّوا إِلَيَّ! أنَا رَسُولُ اللَّهِ، أنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ"، لَكِنْ لَمْ يَلْتَفِتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ (١). ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْكُضُ بِبَغْلَتِهِ (٢) قِبَلَ المُشْرِكِينَ، وَهُوَ يَقُولُ: أَنَّا النِّبِيُّ لَا كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ (٣)

стр. 2044

وَالعَبَّاسُ ﵁، آخِذٌ بِلِجَامِ بَغْلَتِهِ ﷺ ، وَأَبُو سُفْيَانَ بنُ الحَارِثِ آخِذٌ بِرِكَابِهَا يَكُفَّانِهَا عَنِ الإِسْرَاعِ نَحْوَ العَدُوِّ، وَهُوَ ﷺ لَا يَأْلُو يُسْرعُ نَحْوَ المُشْرِكِينَ (١). وَهَذا فِي غَايَةِ مَا يَكُونُ مِنَ الشَّجَاعَةِ التَّامَّةِ، إِنَّهُ فِي مِثْلِ هَذَا اليَوْمِ فِي حَوْمَةِ الوَغَى (٢)، وَقَدِ انْكَشَفَ عَنْهُ جَيْشُهُ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ عَلَى بَغْلَتِهِ، وَلَيْسَتْ سَرِيعَةَ الجَرْي، وَلَا تَصْلُحُ لِكَرٍّ وَلَا لِفَرِّ وَلَا لِهَرَبٍ، وَهُوَ مَعَ هَذَا أَيْضًا يُرْكِضُهَا إِلَى وُجُوهِهِمْ، وَيُنَوِّهُ بِاسْمِهِ لِيَعْرِفَهُ مَنْ يَعْرِفُهُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ دَائِمًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَمَا هَذَا كُلّهُ إِلَّا ثِقَةً بِاللَّهِ، وَتَوَكُّلًا عَلَيْهٍ، وَعِلْمًا مِنْهُ بِأَنَّهُ سَيَنْصُرُهُ وَيُتِمُّ مَا أَرْسَلَهُ بِهِ، وَيُظْهِرُ دِينَهُ عَلَى سَائِرِ الأَدْيَانِ (٣). * نُزُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَغْلَتِهِ: ثُمَّ نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَغْلَتِهِ، فَاسْتَنْصَرَ رَبَّهُ ودَعَاهُ قَائِلًا: "اللَّهُمَّ! نَزِّلْ

стр. 2045

نَصرَكَ (١) اللَّهُمَّ إِنْ تَشْأْ أَنْ لَا تُعبَدَ بَعْدَ اليَوْمِ" (٢). وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ بِكَ أُحَاوِلُ (٣)، وبِكَ أُصَاوِلُ (٤) وبِكَ أُقَاتِلُ" (٥). وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَاتِلُ، وَالصَّحَابَةُ الذِينَ ثبتُوا يُقَاتِلُونَ مَعَهُ، وَيَتَّقُونَ بِهِ لِشَجَاعَتِهِ وثَبَاتِهِ ﷺ كَعَادَتِهِم فِي مِثلِ هَذِهِ المَوَاقِفِ العَصِيبَةِ. قَالَ البَرَاءُ بنُ عَازِبٍ ﵁: كُنَّا، وَاللَّهِ إِذَا اخمَرَّ البَأْسُ نَتَّقِي بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِي بِهِ، يَعنِي النَّبِيَّ ﷺ (٦). وَقَالَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: كُنَّا إِذَا احمَرَّ البَأْسُ، وَلَقِيَ القَوْمُ القَوْمَ، اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَمَا يَكُونُ مِنَّا أَحَدٌ أَدنى إِلَى القَوْمِ مِنْهُ (٧).

стр. 2046

* شَيْبَةُ بنُ عُثْمَانَ يُرِيدُ قَتْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: وَلَمَّا رَأَى شَيْبَةُ بنُ عُثْمَانَ بنِ أَبِي طَلْحَةَ -وَقَدْ قُتِلَ أَبُوهُ يَوْمَ أُحُدٍ كَافِرًا- رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَدِ انْهَزَمَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ إِلَّا نَفَرًا قَلِيلًا، قَالَ: اليَوْمَ أُدرِكُ ثَأْرِي مِنْ مُحَمَّدٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ مَعَ أَهْلِ مَكَّةَ -وَهُمُ الطُّلَقَاءُ- وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُصِيبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غِرَّةً (١) فَيَثْأَرَ مِنْهُ، وَكَانَ يَقُولُ: لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ العَرَبِ وَالعَجَمِ أَحَدٌ إِلَّا اتّبعَ مُحَمَّدًا مَا اتَّبعْتُهُ أبَدًا. فَجَاءَ رَجُلٌ عَنْ يَمِينهِ ﷺ ، فَإِذَا هُوَ العَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁، فَقَالَ: عَمُّهُ وَلَنْ يَخْذُله، ثُمَّ جَاءَهُ عَنْ يَسَاره فَإِذَا هُوَ بِأَبِي سُفْيَانَ بنِ الحَارِثِ ﵁، فَقَالَ: ابنُ عَمِّهِ وَلَنْ يَخْذُله، ثُمَّ جَاءَهُ مِنْ خَلْفِهِ، فَمَا بَقِيَ إِلَّا أَنْ يَضْرِبَهُ بِالسَّيْفِ إِذْ رُفِعَ له شُوَاظٌ (٢) مِنْ نَارٍ كَالبَرقِ كَادَ أَنْ يُخرِقَهُ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى بَصَرِهِ وَمَشَى القَهْقَرَى (٣)، قَالَ شَيْبَةُ: فَعَلِمتُ أنَّهُ ممنُوع. وَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: "يَا شَيْبُ يَا شَيْبُ! ادنُ مِنِّي"، فَدَنَا، فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدْرَهُ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُ الشَّيْطَانَ". قَالَ شَيْبَةُ: فَرَفَعْتُ إِلَيْهِ بَصَرِي، وَلَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ سَمْعِي وَبَصَرِي وَنَفْسِي، وَأَذْهَبَ اللَّهُ مَا كَانَ ليَّ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا شَيْبُ! قَاتِلِ الكُفَّارَ".

стр. 2047

قَالَ شَيْبَةُ: فتَقَدَّمْتُ أَمَامَهُ، أَضْرِبُ بِسَيْفِي، واللَّهُ يَعلَمُ أنَي أُحِبُّ أَنْ أَقِيَهُ بِنَفْسِي، وَلَوْ لَقِيتُ تِلْكَ السَّاعَةَ أَبِي لَوْ كَانَ حَيًّا لَأَوْقَعتُ بِهِ السَّيْفَ، فَجَعَلْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . فَلَمَّا انْهَزَمَ المُشْرِكُونَ، وَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مُعَسْكَرِهِ، وَدَخَلَ خِبَاءَهُ، دَخَلَ عَلَيْهِ شَيْبَةُ محبًا لِرُؤْيَةِ وَجْهِهِ ﷺ وَسُرُورًا بِهِ، فَلَّما رَآه رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ له: "يَا شَيْبُ! الذِي أَرَادَ بِكَ اللَّه خَيْرًا مِمَّا أَرَدتَ بِنَفْسِكَ"، ثُمَّ حَدَّثَهُ شَيْبَةُ بِكُل مَا أَضْمَرَهُ فِي نَفْسِهِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ ذَكَرَهُ لِأَحَدٍ قَطُّ، ثُمَّ قَالَ شَيْبَةُ: فَإِنِّي أَشْهدُ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّهُ، وَأَنّكَ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ ﷺ : استِغْفِر لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "غَفَرَ اللَّهُ لَكَ" (١). * رُجُوعُ المُسْلِمِينَ وَانْهِزَامُ الكُفَّارِ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمِّهِ العَبَّاسِ ﵁، وَكَانَ رَجُلًا صَيِّتًا (٢): "يا عَبَّاسُ! نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ" (٣).

стр. 2048

وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ أَنَسٌ ﵁: فنَادَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَالَ المُهاجِرِينَ! يَالَ المُهاجِرِينَ"، ثُمَّ قَالَ: "يَالَ الأَنْصَارِ! يَالَ الأَنْصَارِ" (١). فَلَمَّا سَمِعَ المُسْلِمُونَ نِدَاءَ العَبَّاسِ ﵁، أَقْبَلُوا، وَهُمْ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ. وَيَذْهبُ الرَّجُلُ لِيُثْنِيَ بَعِيرَهُ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، فَيَأْخُذُ دِرعَهُ، فَيَقْذِفُهَا فِي عُنُقِهِ، ويَأْخُذُ سَيْفَهُ وَتُرْسَهُ، وَيَقْتَحِمُ عَنْ بَعِيرِهِ، ويُخَلِّي سَبِيلَهُ، فَيَؤُمُّ (٢) الصَّوْتَ حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٣). قَالَ العَبَّاسُ ﵁: فَوَاللَّهِ لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ (٤)، حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي، عَطْفَةُ البَقَرِ عَلَى أَوْلَادِهَا (٥). لَقَدْ هَتَفَ العَبَّاسُ ﵁ بِأَصْحَابِ العَقَائِدِ، وَرِجَالِ الفِدَاءِ عِنْدَ الصِّدَامِ فَهُمْ وَحدَهُمْ الذِينَ تَنْجَحُ بِهِمُ الرِّسَالَاتُ وَتُفْرَجُ الكُرُوبُ، أَمَّا هَذَا الغُثَاءُ مِنَ العَوَامِّ

стр. 2049

الحِرَاصِ عَلَى الدُّنْيَا، السُّعَاةِ إِلَى المَغَانِمِ، فَمَا يَقُومُ بِهِمْ أَمْرٌ، أَوْ يَثْبُتُ بِهِمْ قَدَمٌ (١). وَتَجَالَدَ النَّاسُ مُجَالَدَةً شَدِيدَةً، وَأَشْرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَلَى بَغْلَتِهِ كَالمُتَطَاوِلِ عَلَيْهَا يَنْظُرُ إِلَى قِتَالِهِم، ثُمَّ قَالَ: "الآنَ حَمِيَ الوَطِيسُ" (٢)، ثُمَّ أَخَذَ حَصَيَاتٍ (٣) فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوة الكُفَّارِ، وَقَالَ: "شَاهَتِ الوُجُوهُ"، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا امتَلَأَتْ عَيْنَاهُ، وَفَمُهُ تُرَابًا (٤). ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "انْهَزَمُوا وَرَبِّ الكَعْبَةِ، انْهَزَمُوا وَرَبِّ الكَعبَةِ" (٥). * نُزُولُ المَلَائِكَةِ: ثُمَّ أَيَّدَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِأَنْ أَنْزَلَ مَلَائَكَتُه لِإرْهَابِ الكُفَّارِ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ الذَّهبِيُّ فِي السِّيرَةِ بِسَندٍ جَيِّدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى أُمِّ بُرثُنٍ، عَمَّنْ شَهِدَ حُنَيْنًا كَافِرًا، قَالَ: لَمَّا الْتَقَيَا وَالمُسْلِمُونَ لَمْ

стр. 2050

يَقُومُوا لَنَا حَلْبَ شَاةٍ، فَجِئْنَا نَهُشُّ سُيُوفَنَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى إِذَا غَشِينَاهُ إِذَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ رِجَالٌ حِسَانُ الوُجُوهِ، فَقَالُوا: شَاهتِ الوُجُوهُ، فَارجِعُوا، فَهُزِمْنَا (١). وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ لِغَيْرِهِ عَنْ يَعلَى بنِ عَطَاءٍ قَالَ: . . . فَحَدَّثَنِي أَبْنَاؤُهُمْ، عَنْ آبَائِهِمْ، أَنَّهُمْ قَالُوا: . . . وَسَمِعْنَا صَلْصَلَةً (٢) بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ كَإِمرَارِ الحَدِيدِ عَلَى الطَّسْتِ الحَدِيدِ، فَهزَمَهُمُ اللَّهُ (٣). قُلْتُ: وَلَمْ تُقَاتِلِ المَلَائِكَةُ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ، وَإِنَّمَا نَزَلَتْ لِتَخْوِيفِ الكُفَّارِ، وَلَمْ تُقَاتِلِ المَلَائِكَةُ فِي غَزْوَةٍ قَطُّ إِلَّا فِي غَزْوَةِ بدرٍ الكُبْرَى، فَقَدْ رَوَى ابنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمْ تُقَاتِلِ المَلَائِكَةُ فِي يَوْمٍ سِوَى بَدرٍ مِنَ الأَيَّامِ، وَكَانُوا يَكُونُونَ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الأَيَّامِ عَدَدًا وَمَدَدًا لَا يَضْرِبُونَ (٤). * مُتَابَعَةُ الكُفَّارِ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَالَ يَوْمَئِذٍ: "مَنْ قتَلَ كافِرًا (٥) فَلَهُ سَلَبُهُ"، فَقتَلَ

стр. 2051

أَبُو طَلْحَةَ الأَنْصَارِيُّ ﵁ يَوْمَئِذٍ عِشْرِينَ رَجُلًا، وَأَخَذَ أَسْلَابَهم (١) * شَجَاعَةُ أُمِّ سُلَيْمٍ ﵂: وَكَانَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ ﵂ -وَالِدَةُ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁، وَزَوْجِ أَبِي طَلْحَةَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَدْ خَرَجَتْ مَعَ زَوْجِهَا، وَكَانَ مَعَهَا خِنْجَرٌ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ اتَّخَذَتْ يَوْمَ حُنَيْنٍ خِنْجَرًا، فَكَانَ مَعَها، فَرَآها أَبُو طَلْحَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذِهِ أُمُّ سُلَيْمٍ مَعَها خِنْجَرٌ، فَقَالَ لَهُا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا هَذَا الخِنْجَرُ؟ ". قَالَتْ: اتَّخَذْتُهُ، إِنْ دَنَا مِنِّي أَحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ بَقَرْتُ (٢) بِهِ بَطْنَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضْحَكُ، ثُمَّ قَالَتْ ﵂: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَقْتُلُ مَنْ بَعدَنَا مِنَ الطُّلَقَاءِ انْهَزَمُوا بِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا أُمَّ سُلَيْمٍ! إِنَّ اللَّه قَدْ كَفَى وَأَحْسَنَ" (٣). * قِصَّةُ صَاحِبِ الجَمَلِ الأَحْمَرِ: قَالَ جَابِرُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: . . . وَكَانَ أَمَامَ هوَازِنَ رَجُلٌ ضَخْمٌ

стр. 2052

عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ، فِي يَدهِ رَايَةٌ سَوْدَاءُ فِي رَأْسِ رُمحٍ طَوِيلٍ لَهُ أَمَامَ النَّاسِ، وَهوَازِنُ خَلْفَهُ، فَإِذَا أَدْرَكَ طَعَنَ بِرُمحِهِ، وَإِذَا فَاتَهُ النَّاسُ رَفَعَ لِمَنْ وَرَاءه فَاتَّبَعُوهُ، فَرَصَدَ (١) له عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، كِلَاهُمَا يُرِيدُهُ، فَضَرَبَ عَلِيٌّ ﵁ عُرقُوبَي (٢) الجَمَلِ، فَوَقَعَ عَلَى عَجُزِهِ (٣)، وَضَرَبَ الأَنْصَارِيُّ سَاقَهُ، فَطَرَحَ قَدَمَهُ بِنِصْفِ سَاقِهِ، فَوَقَعَ، وَاقْتَتَلَ النَّاسُ حَتَّى كَانَتِ الهزِيمَةُ (٤). * أَبُو قَتَادَةَ ﵁ وَقَتِيلُهُ: وَنَفَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ أَبَا قتَادَةَ الحَارِثَ بنَ رِبْعِيٍّ ﵁، سَلَبَ رَجُلٍ قتَلَهُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي قتَادَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حُنَيْنٍ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ، قَالَ: فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا (٥) رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ، فَاسْتَدَرتُ إِلَيْهِ حَتَّى آتَيْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ، فَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ، وَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ المَوْتِ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ المَوْتُ، فَأَرْسَلَنِي، فَلَحِقْتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ، فَقَالَ: مَا لِلنَّاسِ؟ ، قُلْتُ: أَمرُ اللَّهِ ، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ

стр. 2053

رَجَعُوا (١)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَلَهُ سَلَبُهُ"، فَقُمْتُ، فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَسْتُ، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ الثَّانِيَةَ، فَقُمْتُ، فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهدُ لِي؟ ، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ الثَّالِثَةَ، فَقُمْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَالَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ"؟ ، فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ القِصَّةَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَسَلَبُ ذَلِكَ القَتِيلِ عِنْدِي، فَأَرْضِهِ مِنْ حَقِّهِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁: لَا هَا اللَّهُ (٢) إِذًا لَا يَعْمَدُ (٣) إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ، يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ، وَعَنْ رَسُولهِ ﷺ ، فيعْطِيكَ سَلَبَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَدَقَ فَأَعْطِهِ إِيَّاهُ". قَالَ أَبُو قتَادَةَ: فَأَعْطَانِي، فَبِعْتُ الدِّرْعَ، فَابْتَعْتُ (٤) بِهِ مَخْرَفًا (٥) فِي بَنِي سَلِمَةَ (٦)، فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ (٧) فِي الإِسْلَامِ (٨).

стр. 2054

قَالَ الإِمَامُ البَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ قَتَلَ مُشْرِكًا فِي القِتَالِ يَسْتَحِقُّ سَلَبَهُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الغَانِمِينَ، وَأَنَّ السَّلَبَ لَا يُخَمَّسُ قَلَّ ذَلِكَ أَم كَثُرَ، وَرُوِيَ أَنَّ سَلَمَةَ بنَ الأَكْوَعِ قَتَلَ مُشْرِكًا، فَجَاءَ بِجَمَلِهِ يَقُودُهُ عَلَيْهِ رَحلُهُ وَسِلَاحُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟ "، قَالُوا: ابْنُ الأَكْوَعِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ" (١). وَسَوَاءً نَادَى الإِمَامُ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يُنَادِ، وَسَوَاءً كَانَ القَاتِلُ بَارَزَ المَقْتُولَ، أَوْ لَمْ يبارِزْهُ؛ لِأَنَّ أبَا قَتَادَةَ قَتَلَ القَتِيلَ قَبْلَ قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ : "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَله سَلَبُهُ"، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُبَارَزَةٌ، ثُمَّ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ جَمِيعَ سَلَبِهِ له، فَكَانَ ذَلِكَ القَوْلُ مِنَ الرَّسُوِل ﷺ شَرعُ حُكْمٍ، وَهذَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، ومَنْ بَعدَهُم، وَإِليْهِ ذَهبَ الأوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ (٢). * شِدَّةُ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ ﵁ -: رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ

стр. 2055

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَوَازِنَ، فَبَيْنَا نَحْنُ نَتَضَحَّى (١) مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ، فَأَنَاخَهُ (٢)، ثُمَّ انْتَزَع طَلَقًا (٣) مِنْ حَقَبِهِ (٤) فَقَيَّدَ بِهِ الجَمَلَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ يَتَغَدَّى مَعَ القَوْمِ، وَجَعَلَ يَنْظُرُ، وَفينَا ضَعفَة وَرِقَّةٌ فِي الظَّهْرِ (٥)، وَبَعْضُنَا مُشَاةٌ، إِذْ خَرَجَ يَشْتَدُّ، فَأَتَى جَمَلَهُ، فَأَطْلَقَ قَيْدَهُ، ثُمَّ أَناخَهُ وَقَعَدَ عَلَيْهِ، فَأَثَارَهُ، فَاشْتَدَّ بِهِ الجَمَلُ، وَهُوَ طَلِيعَةٌ (٦) لِلْكُفَّارِ، فَاتَّبَعَهُ رَجُلٌ عَلَى نَاقَةٍ وَرقَاءَ (٧)، قَالَ سَلَمَةُ: فَاتَّبَعتُهُ أَعْدُو، فَكُنْتُ عِنْدَ وِرْكِ (٨) النَّاقَةِ، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ، حَتَّى كُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ الجَمَلِ، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ حَتَّى أَخَذْتُ بِخِطَامِ (٩) الجَمَلِ فَانَخْتُهُ، فَلَمَّا وَضَعَ رُكْبَتَهُ فِي الأَرْضِ اخْترَطْتُ (١٠) سَيْفِيَ، فَضَرَبْتُ رَأْسَ الرَّجُلِ، فنَدَرَ (١١)، ثُمَّ

стр. 2056

جِئْتُ بِالجَمَلِ أَقُودُهُ، عَلَيْهِ رَحْلُهُ وسِلَاحُهُ، فَاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَقَالَ: "مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟ ". قَالَ سَلَمَةُ: قُلْتُ: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَكَ سَلَبُهُ أَجْمَعُ" (١). * الرَّسُولُ ﷺ يَبْحَثُ عَنْ خالِدِ بنِ الوَلِيد ﵁ -: ذَكَرْنَا فِي بِدَايَةِ أَمرِ حُنَيْنٍ هزِيمَةَ المُسْلِمِينَ، وَأَنَّ هوَازِنَ اسْتَطَاعَتْ مِنْ خِلَالِ الكَمَائِنِ أَنْ تَضْرِبَ مُقَدِّمَةَ المُسْلِمِينَ مِمَّا أَدَّى إِلَى فِرَارِهِم، وَمِنْ بَيْنِ الذِينَ جُرِحُوا وَسَقَطُوا مِنْ شِدَّةِ الجِرَاحِ خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ ﵁، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ نَصْرَهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ، وَفَرَّتْ هَوَازِنُ، أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُ عَنْ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ ﵁، فَقَدْ رَوَى ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَزْهرٍ ﵁ قَالَ: أَنَّ خالِدَ بنَ الوَلِيدِ ﵁ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَكَانَ عَلَى خَيْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَقَد رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: "مَنْ يَدُلُّ عَلَى رَحْلِ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ؟ ". قَالَ ابنُ الأَزهرِ: فَمَشَيْتُ، أَوْ قَالَ: سَعَيْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَنَا مُحتَلِمٌ أَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى رَحْلِ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ؟ حَتَّى دُلِلْنَا عَلَى رَحْلِهِ، فَإِذَا هُوَ قَاعد مُسْتَنِدٌ إِلَى مُؤَخَّرِ رَحْلِهِ، فَأَتَاهُ

стр. 2057

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَنَظَرَ إِلَى جُرْحِهِ، ونَفَثَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (١). وَظَلَّ المُسْلِمُونَ يَتْبَعُونَ الكُفَّارَ حَتَّى تَفَرَّقُوا فِي كُلِّ وَجْهٍ، لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَأَسْلَمَ عِنْدَ ذَلِكَ نَاسٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ -وَهُمُ الطُّلَقَاءُ- لِمَا رَأَوْا مِنْ نَصْرِ اللَّهِ لِرَسُولِهِ ﷺ ، وأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ (٢). وَهَكَذَا انهزَمَ الكُفَّارُ هزِيمَةً مُنْكَرَةً، وَغَنِمَ المُسْلِمُونَ نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيهِمْ وَأَنْعَامَهُمْ. * مُطَارَدَةُ الكُفَّارِ وَسَرِيَّةُ أَبِي عَامِرٍ ﵁ إَلى أَوْطَاسٍ: وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ هَوَازِنَ لَمَّا انْهَزَمَتْ ذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مِنْهُمْ فِيهِمْ رَئِيسُهُم مَالِكُ بنُ عَوْفٍ النَّصرِيُّ، فَلَجَؤُوا إِلَى الطَّائِفِ، فَتَحَصَّنُوا بِهَا، وَسَارَتْ فِرقَةٌ، فَعَسْكَرُوا بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ أَوْطَاسٍ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِم سَرِيَّةً مِنْ أَصْحَابِهِ بِقِيَادَةِ أَبِي عَامِرٍ الأَشْعَرِيِّ ﵁، وَهُوَ عَمُّ (٣) أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵀،

стр. 2058

فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا فَرَغَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْ حُنَيْنٍ بَعَثَ أَبَا عَامِرٍ عَلَى جَيْشٍ إِلَى أَوْطَاسٍ، فَلَقِيَ دُرَيْدَ بنَ الصِّمَّةِ فَقُتِلَ (١) دُرَيْدٌ، وهزَمَ اللَّه أَصحَابَهُ، قَالَ أَبُو مُوسَى ﵁: وَبَعَثَنِي مَعَ أَبِي عَامِرٍ فَرُمِيَ أَبُو عَامِرٍ فِي رُكْبَتِهِ، رَمَاهُ جُشَمِيٌّ (٢) بِسَهْمٍ فَأَثْبَتَهُ فِي رُكْبَتِهِ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا عَمِّ مَنْ رَمَاكَ؟ . فَأَشَارَ إِلَى أَبِي مُوسَى، فَقَالَ: ذَاكَ قَاتِلِي الذِي رَمَانِي، فَقَصَدْتُ لَهُ فَلَحِقْتُهُ، فَلَمَّا رَآنِي وَلَّى فَاتَّبَعْتُهُ، وَجَعَلْتُ أَقُولُ لَهُ: أَلَا تَسْتَحِي أَلَّا تَثْبُتَ، فَكَفَّ، فَاخْتَلَفْنَا ضَربَتَيْنِ بِالسَّيْفِ فَقَتَلْتُهُ، ثُمَّ رَجَعتُ إِلَى أَبِي عَامِرٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ قَتَلَ صَاحِبَكَ، قَالَ: فَانْزِعْ هَذَا السَّهْمَ، فنَزْعْتُهُ فَنَزَا (٣) مِنْهُ المَاءُ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ أَبُو عَامِرٍ: اسْتَغْفِر لِي. قَالَ أَبُو مُوسَى ﵁: وَاسْتَعمَلَنِي أَبُو عَامِرٍ عَلَى النَّاسِ، ومَكَثَ يَسِيرًا، ثُمَّ إنَّه مَاتَ، فَلَمَّا مَاتَ رَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي بَيْتٍ عَلَى

стр. 2059

سَرِيرٍ مُرمِلٍ (١)، وَعَلْيِه فِرَاشٌ، وَقَدْ أَثَّرَ رِمَالُ السَّرِيرِ بِظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجَنْبَيْهِ، فَأَخْبَرتَهُ بِخَبَرِنَا وَخَبَرِ أَبِي عَامِرٍ، وقُلْتُ له: قَالَ: قُلْ له يَسْتَغْفِر لِي، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَاءٍ فتَوَضَّأَ مِنْهُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعبيْدٍ، أَبِي عَامِرٍ" حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ! اجْعَلْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ مِنَ النَّاسِ"، فَقُلْتُ: وَلي يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَاسْتَغْفِرْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ اللَّهِ بنِ قَيْسٍ ذَنْبَهُ، وَأَدْخِلْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُدْخَلًا كَرِيمًا" (٢). * قِصَّةُ سَهْلِ بنِ حُنَيفٍ (٣) ﵁: رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بنِ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ قَالَ: اغْتَسَلَ أَبِي سَهْلُ بنُ حُنَيْفٍ، فنَزَعَ جُبَّةً كَانَتْ عليه يَوْمَ حُنَيْنٍ حِينَ هزَمَ اللَّهُ العَدُوَّ، وَكَانَ رَجُلًا أَبْيَضَ، حَسَنَ الجِسْمِ وَالجِلْدِ، إِلَيْهِ عَامِرُ بنُ رَبِيعَةَ أَخُو بَنِي عَدِيِّ بنِ كَعْبٍ، وَهُوَ يَغْتَسِلُ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَاليَوْمِ قَطُّ، وَلَا جَارِيَةً فِي سِتْرِها بِأَحْسَنَ جَسَدًا مِنْ جَسَدِ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ (٤)،

стр. 2060

فوُعِكَ (١) سَهْلٌ مَكَانَهُ، وَاشْتَدَّ وَعْكُهُ، فَأتيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ سَهْلَ بنَ حُنَيْفٍ وُعِكَ، وَإِنَّهُ غَيْرُ رَائِحٍ مَعَكَ، فَأتاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْبَرُوهُ بِالذِي كَانَ مِنْ شَأْنِ عَامِرِ بنِ رَبِيعَةَ. وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَلْ تَتَّهِمُونَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ؟ ". قَالُوا: نَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بنُ رَبِيعَةَ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامِرًا، فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: "عَلَام يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ هلَّا إِذَا رَأَيْتَ مَا يُعْجِبُكَ بَرَّكْتَ؟ إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ شَيْئًا يُعجِبُهُ، فَلْيُبَرِّكْ، فَإِنَّ العَيْنَ حَقٌّ". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَامِرِ بنِ رَبِيعَةَ: "اغْتَسِلْ لَهُ". فَغَسَلَ وَجْههُ وَيَدَيْهِ، وَمِرفَقَيْهِ، وَرُكْبَتَيْهِ، وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ، وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ فِي قَدَحٍ، ثُمَّ صُبَّ ذَلِكَ المَاءُ عَلَى سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ، يَصُبُّهُ رَجُلٌ عَلَى رَأْسِهِ وَظَهْرِهِ مِنْ خَلْفِهِ، فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ، لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ (٢).

стр. 2061

* جَمْعُ الغَنَائِمِ: وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالغَنَائِمِ، فَجُمِعَتْ، وَكَانَ السَّبْيُ سِتَّةَ آلَافٍ مِنَ النِّسَاءَ وَالأَطْفَالِ، وَالإِبِلُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، وَالغَنَمُ أَكْثَرُ مِنْ أَربَعِينَ أَلْفِ شَاةٍ، وَأَرْبَعَةُ آلَافِ أُوقِيَّةِ فِضَّةٍ، فَجَعَلَ عَلَيْهَا مَسْعُودَ بنَ عَمرٍو الغِفَارِيَّ ﵁، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَحُبِسَتْ بِالجِعِرَانَةِ، وَلَمْ يَقْسِمْهَا حَتَّى انْصَرَفَ مِنْ غَزْوَةِ الطَّائِفِ (١). * شُهدَاءُ المُسْلِمِينَ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ: كَانَتْ خَسَارَةُ المُسْلِمِينَ طَفِيفَةً جِدًّا، فَقَدِ اسْتُشْهِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ أرْبَعَةُ نَفَرٍ، وَهُمْ: أَيْمَنُ بنُ عُبَيْدٍ ابنُ أُمِّ أَيْمَنَ، وَيَزِيدُ بنُ زَمعَةَ الأَسَدِيُّ، وَسُرَاقَةُ بنُ الحَارِثِ الأَنْصَارِيُّ، وَأَبُو عَامِرٍ الأَشْعَرِيُّ ﵃ جَمِيعًا (٢). وَجُرِحَ مِنْهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بنُ أَبِي أَوْفَى، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: رَأَيْتُ بِيَدِ ابْنِ أَبِي أَوْفى ضَربَةً، قَالَ: ضُرِبْتُهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ (٣). وَجُرِحَ كَذَلِكَ خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ ﵁ كَمَا تَقَدَّمَ. * * *

стр. 2062

غَزْوَةُ الطَّائِفِ وَهَذِهِ الْغَزْوَةُ فِي الْحَقِيقَةِ امْتِدَادٌ لِغَزْوَةِ حُنَيْنٍ (١)، وَذَلِكَ أَنَّ مُعْظَمَ فُلُولِ (٢) هَوَازِنَ وَثَقِيفٍ دَخَلُوا الطَّائِفَ مَعَ قَائِدِهم مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ النَّصْرِيِّ، وَتَحَصَّنُوا بِهَا، فَسَارَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ حُنَيْنٍ، وَذَلِكَ فِي شَهْرِ شَوَّالٍ سَنَةَ ثَمَان لِلْهِجْرَةِ. وَكَانَتْ ثَقِيفٌ لَمَّا انْهَزَمُوا مِنْ حُنَيْنٍ وَأَوْطَاسٍ، تَحَصَّنُوا بِحُصُونِهِمُ الْمَنِيعَةِ فِي الطَّائِفِ. * طَرِيقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الطَّائِفِ: تَحَرَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الطَّائِفِ، وَقَدْ جَعَلَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ خَالِدَ بْنَ الْوَليدِ ﵁، وَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي طَرِيقِهِ إِلَى الطَّائِفِ بِقَبْرِ أَبِي رِغَالٍ (٣)،

стр. 2063

وَهُوَ أَبُو ثَقِيفٍ، وَكَانَ مِنْ ثَمُودَ قَوْمِ صَالِحٍ ﵇، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَذَا قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ، وَهُوَ أَبُو ثَقِيفٍ، وَكَانَ مِنْ ثَمُودَ، كَانَ فِي حَرَمِ اللَّهِ، فَمَنَعَهُ حَرَمُ اللَّهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْهُ أَصَابَتْهُ النِّقْمَةُ التِي أَصَابَتْ قَوْمَهُ بِهَذَا الْمَكَانِ، فَدُفِنَ فِيهِ، وَآيَةُ (١) ذَلِكَ أَنَّهُ دُفِنَ مَعَهُ غُصْنٌ مِنْ ذَهبٍ، إِنْ أَنْتُمْ نَبَشْتُمْ عَنْهُ أصَبْتُمُوهُ مَعَهُ"، فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ فَاسْتَخْرَجُوا الْغُصْنَ (٢). * حِصَارُ الطَّائِفِ وَإِصَابَةُ نَفَرٍ مِنَ المُسلِمِينَ: ثُمَّ أَكْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرِيقَهُ إِلَى الطَّائِفِ حَتَّى نَزَلَ قَرِيبًا مِنْ حِصْنِ

стр. 2064

الطَّائِفِ، فَضَرَبَ عَسْكَرَهُ هُنَاكَ، وَفَرَضَ عَلَى أَهْلِها الْحِصَارَ (١)، وَأَشْرَفَتْ ثَقْيفٌ، وَأَقَامُوا يَرْمُونَ الْمُسْلِمِينَ بِالنِّبَالِ وَالْحِجَارَةِ رَمْيًا شَدِيدًا، حَتَّى أُصِيبَ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِجِرَاحٍ، فَاضْطَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يرتَفِعَ بِعَسْكَرِهِ إِلَى مَسْجِدِ الطَّائِفِ الْيَوْمَ، فَعَسْكَرَ هُنَاكَ، وَكَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂. * قِصَّةُ الْمُخَنَّثِ: فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، وَعِنْدَها أَخُوهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةَ، وَمُخَنَّثٌ (٢) يُدْعَى هِيتًا (٣)، فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الطَّائِفَ غَدًا، فَعَلَيْكَ بِابْنَةِ (٤). . . . .

стр. 2065

غَيْلَانَ (١)، فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ، وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ (٢)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَدْخُلَنَّ هؤُلَاءِ عَلَيْكُنَّ" (٣). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ حَجْبُ النِّسَاءِ عَمَّنْ يَفْطَنُ لِمَحَاسِنِهِنَّ، وَهذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي إِبْعَادِ مَنْ يُسْتَرَابُ (٤) بِهِ فِي أَمرٍ مِنَ الْأُمُورِ (٥). * رَميُ الرَّسُولِ ﷺ أَهْلَ الطَّائِفِ بِالْمَنْجَنِيقِ: وَنَصَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ، وَقَذَفَ بِهِ الْقَذَائِفَ،

стр. 2066

وَهذَا أَوَّلُ مَنْجَنِيقٍ يُرْمَى بِهِ فِي الْإِسْلَامِ، كَمَا نَثَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَسَكَ (١) حَوْلَ الْحِصْنِ. ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحُثُّ أَصْحَابَهُ ﵃ عَلَى الرَّمْي، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي نَجِيحٍ (٢) السُلَمِيِّ ﵁ قَالَ: حَاصَرنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حِصْنَ الطَّائِفِ، فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ بَلَغَ بِسَهْمٍ فَلَهُ دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ لَهُ عَدلُ مُحَرَّرٍ (٣)، وَمَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ". قَالَ أَبُو نَجِيحٍ ﵁: فَبَلَغْتُ يَوْمَئِذٍ سِتَّةَ عَشَرَ سَهْمًا (٤). وَلَمَّا كَانَ الْقِتَالُ تَرَاشُقًا بِالسِّهامِ عَنْ بُعْدٍ، اسْتَخْدَمَ الْمُسْلِمُونَ "الدَّبَابَةَ" (٥)؛ لِيَحْمُوا بِهَا أَنْفُسَهُم مِنَ السِّهامِ، حَتَّى يَصِلُوا إِلَى الْحِصْنِ، فَعِنْدَمَا

стр. 2067

رَأَتْهُمْ ثَقِيفٌ، أَلْقَتْ عَلَيْهِمْ قِطَعًا مِنْ حَدِيدٍ مُحَمَّاةً بِالنَّارِ، فَأَحْرَقَتِ "الدَّبَابَةَ" فَخَرَجُوا مِنْ تَحْتِهَا، فَرَمُوهُمْ بِالنِّبَالِ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ رِجَالًا. ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَطْعِ أَعْنَابِ ثَقِيفٍ وَتَحْرِيقِهَا، فَقَطَعَها الْمُسْلِمُونَ قَطْعًا ذَرِيعًا، فَسَأَلَتْ ثَقِيفٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَدَعَها للَّهِ وَالرَّحِمِ، فَقَالُوا لَهُ: لِمَ تَقْطَعُ أَمْوَالَنَا؟ إِمَّا أَنْ تَأْخُذَهَا إِنْ ظَهَرْتَ عَلَيْنَا، وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا للَّهِ وَالرَّحِمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَإِنِّي أَدَعُهَا للَّهِ وَالرَّحِمِ" (١). * إِسْلَامُ عَبِيدٍ مِنَ الطَّائِفِ: ثُمَّ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَيُّمَا عَبْدٍ نَزَلَ مِنَ الْحِصْنِ وَخَرَجَ إِلَيْنَا فَهُوَ حُرٌّ! فَنَزَلَ إِلَيْهِ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا، فِيهِمْ: نُفَيْعُ بْنُ مَسْرُوحٍ، تَسَوَّرَ حِصْنَ الطَّائِفِ وَتَدَلَّى بِبَكْرَةٍ مُسْتَدِيرَةٍ، يُسْتَقَى عَلَيْهَا الْمَاءَ، فكَنَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرَةَ، فَأَسْلَمَ هَؤُلَاءِ الْعَبِيدُ، فَأَعْتَقَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا أَسْلَمَتْ ثَقِيفٌ بَعْدَ ذَلِكَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِم أَبَا بَكْرَةَ، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ: "هُوَ طَلِيقُ اللَّهِ وَطَلِيقُ رَسُولِهِ"، وإنَ مَوْلى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٢).

стр. 2068

* رُؤْيَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَحِيلُ الْمُسْلِمِينَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ رَأَى رُؤْيَا، وَهُوَ مُحَاصِرٌ ثَقِيفًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا أبا بَكْرٍ! إِنِّي رَأَيْتُ أَنِّي أُهْدِيَتْ لِي قَعْبَةٌ (١) مَمْلُوءَةٌ زُبْدًا، فنَقَرَهَا دِيكٌ، فَهَرَاقَ مَا فِيهَا"، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: مَا أَظُنُّ أَنْ تُدْرِكَ مِنْهُمْ يَوْمَكَ هَذَا مَا تُرِيدُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَأَنَا لَا أَرَى ذَلِكَ" (٢). وَلَمَّا طَالَ حِصَارُ الطَّائِفِ وَاسْتَعْصَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يُؤْذَنْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِفَتْحِ الطَّائِفِ، قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: "نَادِ فِي النَّاسِ: إِنَّا قَافِلُونَ (٣) إِنْ شَاءَ اللَّهُ"، فَثَقُلَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَاسْتَنْكَرُوهُ، وَقَالُوا: نَذْهَبُ وَلَا نَفْتَحُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ"، فَغَدَوْا فَأَصَابَهُمْ جِرَاحٌ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَحْرَقَتْنَا نِبَالُ ثَقِيفٍ، فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا وَائْتِ بِهِمْ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ"، فَسُرُّوا بِذَلِكَ وَأَذْعَنُوا، وَجَعَلُوا يَرحَلُونَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضْحَكُ (٤).

стр. 2069

وَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَتَى بِثَقِيفٍ مُسْلِمِينَ، قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْجِعرَانَةِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْوُفُودِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. * إِسْلَامُ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ الْجُعْشُمِيِّ: غَادَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الطَّائِفَ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْجِعْرَانَةِ، وَفِي الطَّرِيقِ لَقِيَهُ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ الْجُعْشُمِيُّ، فَدَخَلَ فِي كَتِيبَةٍ مِنْ خَيْلِ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلُوا يَقْرَعُونَهُ بِالرِّمَاحِ وَيَقُولُونَ: إِلَيْكَ إِلَيْكَ، مَاذَا تُرِيدُ؟ قَالَ سُرَاقَةُ: فَدَنَوْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ، وَاللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى سَاقِهِ فِي غَرْزِهِ (١) كَأَنَّهَا جِمَارَةٌ (٢)، قَالَ: فَرَفَعْتُ يَدِي بِالْكِتَابِ، ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذَا كِتَابُكَ لِي (٣)، أَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَوْمُ وَفَاءٍ وَبرٍّ، ادْنُهْ". قَالَ سُرَاقَةُ: فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَأَسْلَمْتُ، ثُمَّ تَذَكَّرتُ شَيْئًا أَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ فَمَا أَذْكُرُهُ، إِلَّا أَنِّي قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الضَّالَّةُ مِنَ الْإِبِلِ تَغْشَى حِيَاضِي،

стр. 2070

وَقَدْ مَلأْتُهَا لِإِبِلِي، هَلْ لِي مِنْ أَجْر فِي أَنْ أَسْقِيَها؟ . قَالَ ﷺ : "نَعَمْ، فِي كلِّ ذَاتِ كَبِدٍ حَرَّى (١) أَجْرٌ". قَالَ سُرَاقَةُ: ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى قَوْمِي، فَسُقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَدَقَتِي (٢). * قِسْمَةُ الْغَنَائِمِ بِالْجِعْرَانَةِ: ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْجِعْرَانَةَ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ لِخَمسِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ، فَنَزَلَ بِهَا، وَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَة لَا يَقْسِمُ الْغَنَائِمَ، يَبْتَغِي أَنْ يَقْدُمَ عَلَيْهِ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَيَحْرِزُوا (٣) مَا أُصِيبَ مِنْهُمْ، فَلَمَّا لَمْ يَجِئْهُ أَحَدٌ أَمَرَ بِتَقْسِيمِ الْغَنَائِمِ. * الْبَدْءُ بِالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ (٤) وَهُمْ سَادَاتُ الْعَرَبِ: أَوَّلُ مَنْ أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ مِنَ الْغَنَائِمِ هُمْ سَادَاتُ الْعَرَبِ، يَتَأَلَّفُهُمْ إِلَى
следующие страницы →