Полный текст (2 595 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
* رُجُوعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدينَةِ:
ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، فَقَدِمَهَا لِسِتِّ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةً ثَمَانٍ لِلْهِجْرَةِ (١).
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: للَّهِ مَا أَفْسَحَ الْمَدَى بَيْنَ هَذِهِ الْأَوْبَةِ (٢) الظَّافِرَةِ بَعْدَ أَنْ تَوَجَّ اللَّهُ هَامَتَهُ بِالفتْحِ الْمُبِينِ، وَبَيْنَ مَقْدِمِهِ إِلَى هَذَا الْبَلَدِ النَّبِيلِ مُنْذُ ثَمَانِيَةِ أَعْوَامٍ؟
لَقَدْ جَاءَهُ مُطَارَدًا يَبْغِي الْأَمَانَ، غَرِيبًا مُسْتَوْحِشًا يَنْشُدُ الْإِيلَافَ (٣) وَالْإِيْنَاسَ، فَأَكْرَمَ أَهْلُهُ مَثْوَاهُ، وَآوَوْهُ وَنَصَرُوهُ، وَاتَّبَعُوا النُّورَ الذِي أُنْزِلَ مَعَهُ، وَاسْتَخَفُّوا بِعَدَاوَةِ النَّاسِ جَمِيعًا مِنْ أَجْلِهِ، وَهَا هُوَ ذَا بَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَعْوَامٍ يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ التِي اسْتَقْبَلَتْهُ مُهَاجِرًا خَائِفًا لِتَسْتَقْبِلَهُ مَرَّةً أُخْرَى، وَقَدْ دَانَتْ لَهُ مَكَّةُ، وَأَلْقَتْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ كِبْرِيَاءَهَا وَجَاهِلِيَّتَهَا، فَأَنْهَضَهَا لِيُعِزَّهَا بِالْإِسْلَامِ، وَعَفَا عَنْ خَطِيئَاتِهَا الْأُولَى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤). стр. 2102
الأَحْدَاثُ بَيْنَ غَزْوَةِ الطَّائِفِ وَغَزْوَةِ تَبُوكَ
قُدُومُ كَعْبِ بْنِ زُهَير بْنِ أَبِي سُلْمَى وَإِسْلامُهُ:
ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى أَنَّ كَعْبَ بْنَ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى مِمَّنْ أَهْدَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَمَهُ، لِأَنَّهُ كَانَ يَهْجُوهُ بِشِعْرِهِ، وَكَانَ شَاعِرًا مُخَضْرَمًا، وَكَانَ أَبُوهُ زُهَيْرَ بْنَ أَبِي سُلْمَى، صَاحِبَ إِحْدَى الْمُعَلَقاتِ السَّبْعِ الْمَشْهُورَةِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهْدَرَ دَمَهُ خَافَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَ، وَقِصَّتُهُ أَخْرَجَهَا الْحَاكِمُ في الْمُسْتَدْرَكِ، وَابْنُ إِسْحَاقَ في السِّيرَةِ بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ، وَكَانَ مِنْ قِصَّتِهِ: أَنَّهُ خَرَجَ هُوَ وَأَخُوهُ بُجَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى أَتَيَا أَبْرَقَ الْعُزَافِ (١)، فَقَالَ بُجَيْرٌ لِكَعْبٍ: اثْبُتْ في غَنَمِنَا هُنَا حَتَّى آتِيَ هَذَا الرَّجُلَ -يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَسْمَعَ مَا يَقُولُ، فَأَقَامَ كَعْبٌ، وَمَضَى بُجَيْرٌ، فَجَاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، فَأَسْلَمَ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ كَعْبًا، قَالَ:
أَلَا أَبْلِغَا عَنِّي بُجَيْرًا رِسَالَةً ... فَهَلْ لَكَ فِيمَا قُلْتَ وَيْحَكَ هَلْ لَكَا
فَبَيِّنْ لَنَا إِنْ كُنْتَ لَسْتَ بِفَاعِلٍ ... عَلَى أَيِّ شَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ دَلَّكَا
عَلَى خُلُقٍ لَمْ تُلْفِ أُمًّا وَلَا أَبًا ... عَلَيْهِ وَلَا تُلْفِي عَلَيْهِ أَخًا لَكَ
سَقَاكَ بِهَا الْمَأْمُونُ كَأَسًا رَوِيَّةً ... فَأَنْهَلَكَ الْمَأْمُونُ مِنْهَا وَعَلَّكَا стр. 2103
وَبَعَثَ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ إِلَى أَخِيهِ بُجَيْرٍ، فَلَمَّا أَتَتْ بُجَيْرًا كَرِهَ أَنْ يَكْتُمَهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا عَلِمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ لَقِيَ كَعْبًا فَلْيَقْتُلْهُ".
فَلَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، وَرَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ الطَّائِفِ كتَبَ بُجَيْرٌ إِلَى أَخِيهِ كَعْبٍ بِذَلِكَ، وَذَكَرَ لَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَتَلَ رِجَالًا بِمَكَّةَ مِمَّنْ كَانَ يَهْجُوهُ وَيُؤْذِيهِ، فَإِنْ كَانَتْ لَكَ في نَفْسِكَ حَاجَةٌ فَطِرْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّهُ لَا يَقْتُلُ أَحَدًا جَاءَهُ مُسْلِمًا، وَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَانْجُ بِنَفْسِكَ، وَمَا أَرَاكَ تُفْلِتُ، ثُمَّ كتَبَ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَبْيَاتًا مِنْهَا:
مَنْ مُبَلِّغٌ كَعْبًا فَهَلْ لَكَ في التِي ... تَلُومُ عَلَيْهَا بَاطِلًا وَهِيَ أَحْزَمُ
إِلَى اللَّهِ لَا الْعُزَّى وَلَا اللَّاتِ، وَحْدَهُ ... فَتَنْجُو إِذَا كَانَ النَّجَاءُ وَتَسْلَمُ
لَدَى يَوْمٍ لَا يَنْجُو وَلَيْسَ بِمُفْلَتٍ ... مِنَ النَّاسِ إِلَّا طَاهِرُ القلْبِ مُسْلِمُ
وَقَالَ لَهُ: اعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يَأْتِيهِ أَحَدٌ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا قَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَإِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا فَأَسْلِمْ، وَأَقْبِلْ.
فَلَمَّا بَلَغَ كَعْبًا الْكِتَابُ ضَاقَتْ بِهِ الْأَرْضُ، وَأَشْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَرْجَفَ (١) بِهِ مَنْ كَانَ في حَاضِرِهِ مِنْ عَدُوِّهِ، فَقَالُوا: هُوَ مَقْتُولٌ، فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ مِنْ شَيْءٍ بُدًّا أَسْلَمَ، وَقَالَ قَصِيدَتَهُ الرَّائِعَةَ التِي يَمْدَحُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَالْمَعْرُوفَةُ بِاسْمِ "بَانَتْ سُعَادُ"، ذَكَرَ فِيهَا خَوْفَهُ وَإِرْجَافَ الْوُشَاةِ (٢) بِهِ مِنْ عَدُوِّهِ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى стр. 2104
قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الصُّبْحَ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ صَلَاتِهِ أَتَاُه كَعْبٌ، وَكَانَ رَسُولٌ اللَّهِ ﷺ لَا يَعْرِفُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ كَعْبَ بْنَ زُهَيْرٍ قَدْ جَاءَ لِيَسْتَأْمِنَ مِنْكَ تَائِبًا مُسْلِمًا، فَهَلْ أَنْتَ قَابِلٌ مِنْهُ إِنْ أَنَا جِئْتُكَ بِهِ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ"، قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! دَعْنِي وَعَدُوَّ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "دَعْهُ عَنْكَ، فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ تَائِبًا نَازِعًا عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ"، ثُمَّ أَنْشَدَ كَعْبٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَصِيدَتَهُ الْمَشْهُورَةَ وَالْمَعْرُوفَةَ "بَانَتْ سُعَادُ"، يَقُولُ في مَطْلَعِهَا:
بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ ... مُتَيَّمٌ إِثْرَهَا لَمْ يُفْدَ مَكْبُولُ
وَمِنْهَا:
نُبِّئْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَوْعَدَنِي ... وَالْعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَأْمُولُ
مَهْلًا هَدَاكَ الذِي أَعْطَاكَ نَافِلَةَ ... الْقُرْآنِ فِيهَا مَوَاعِيظٌ وَتَفْصِيلُ
لَا تَأْخُذَنِّي بِأَقْوَالِ الْوُشَاةِ وَلَمْ ... أُذْنِبْ وَلَوْ كَثُرَتْ فِيَّ الْأَقَاوِيلُ
وَمِنْهَا:
إِنَّ الرَّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ ... مُهَنَّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ مَسْلُولُ
في عُصْبَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ قَائِلُهُمْ ... بِبَطْنِ مَكَّةَ لَمَّا أَسْلَمُوا زُولُوا
стр. 2105
فَلَمَّا بَلَغَ كَعْبٌ قَوْلَهُ: إِنَّ الرَّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ. . . رَمَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بُرْدَتَهُ التِي كَانَتْ عَلَيْهِ، وَإِنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ﵄ بَذَلَ فِيهَا عَشَرَةَ آلَافٍ، فَقَالَ كَعْبٌ: مَا كُنْتُ لِأُوثِرَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَدًا.
فَلَمَّا مَاتَ كَعْب بَعَثَ مُعَاوِيَةُ ﵁ إِلَى وَرَثَتِهِ عِشْرِينَ أَلْفًا، فَأَخَذَهَا مِنْهُمْ، وَيُقَالُ: وَهِيَ الْبُرْدَةُ التِي عِنْدَ السَّلَاطِينِ (١).
قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الشَّوْكَانِيُّ: وَهَذِهِ الْقَصِيدَةُ قَدْ رَوَيْنَاهَا مِنْ طُرُقٍ لَا يَصِحُّ فِيهَا شَيْءٌ، وَذَكَرَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ (٢).
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وَهَذَا مِنَ الْأَمُورِ الْمَشْهُورَةِ جِدًّا، وَلَكِنْ لَمْ أَرَ ذَلِكَ في شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ بِإِسْنَادٍ أَرْتَضِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٣).
* * * стр. 2106
وَفْدُ ثَعْلَبَةَ
قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَرْجِعَهُ مِنَ الْجِعْرَانَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَفْدُ بَنِي ثَعْلَبَةَ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ، فَقَالُوا: نَحْنُ رُسُلُ مَنْ خَلْفَنَا مِنْ قَوْمِنَا، وَنَحْنُ وَهُمْ مُقِرُّونَ بِالْإِسْلَامِ، فَأَنْزَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَارَ رَمْلَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، وَأَمَرَ لَهُمْ بِضِيَافَةٍ، فَجَاءَهُمْ بِلَالٌ ﵁ بِجَفْنَةٍ (١) مِنْ ثَرِيدٍ (٢) بِلَبَنٍ وَسَمْنٍ، فَأَكَلُوا، ثُمَّ شَهِدُوا الظُّهْرَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالُوا لَهُ: إِنَّهُ لَا إِسْلَامَ لِمَنْ لَا هِجْرَةَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "حَيْثُمَا كُنْتُمْ وَاتَّقَيْتُمُ اللَّه فَلَا يَضُرُّكُمْ"، وَأَقَامُوا أَيَّامًا، ثُمَّ جَاؤُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُوَدِّعُونَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِبِلَالٍ: "أَجْزِهِمْ كَمَا تُجِيزُ الْوَفْدَ"، فَجَاءَ بِنَقْرٍ مِنْ فِضَّةٍ (٣)، فَأَعْطَى كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ خَمْسَ أَوَاقٍ، ثُمَّ انْصَرَفُوا إِلَى بِلَادِهِمْ (٤).
* * * стр. 2107
كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَلِكِ عُمَانَ
وَفِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ﵁، إِلَى جَيْفَرَ (١) وَعَبْدٍ ابْنَيْ الْجُلَنْدِيِّ (٢)، وَهُمَا مِنَ الْأَزْدِ بِعُمَانَ، وَالْمَلِكُ مِنْهُمَا جَيْفَرُ، يَدْعُوهُمَا إِلَى الْإِسْلَامِ، وَكتَبَ مَعَه إِلَيْهِمَا كِتَابًا هَذَا نَصُّهُ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، إِلَى جَيْفَرَ، وَعَبْدٍ ابْنَي الْجُلَنْدِيِّ، سلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكُمَا بِدِعَايَةِ الْإِسلَامِ، أَسْلِمَا تَسْلَمَا، فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَى النَّاسِ كاَفَّةً لِأُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا، وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ، فَإِنَّكُمَا إِنْ أَقْرْرْتُمَا بِالْإِسلَامِ وَلَّيْتُكُمَا، وَإِنْ أَبيْتُمَا أَنْ تُقِرَّا بِالْإِسلَامِ، فَإِنَّ مُلْكَكُمَا زَائِلٌ عَنْكُمَا، وَخَيْلِي تَحُلُّ بِسَاحَتِكُمَا، وَتَظْهَرُ نُبُوَّتِي عَلَى مُلْكِكُمَا".
وَكتَبَ الْكِتَابَ أُبَى بْنَ كَعْبٍ ﵁، وَخَتَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
قَالَ عَمْرٌو ﵁: ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى عُمَانَ، فَلَمَّا قَدِمْتُهَا، عَمَدْتُ إِلَى عَبْدٍ، وَكَانَ أَحْلَمَ الرَّجُلَيْنِ، وَأَسْهَلَهُمَا خُلُقًا، فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْكَ، وَإِلَى أَخِيكَ، فَقَالَ: أَخِي الْمُقَدَّمُ عَلَيَّ بِالسِّنِّ وَالْمُلْكِ، стр. 2108
وَأَنَا أُوصِلُكَ إِلَيْهِ حَتَّى يَقْرَأَ كِتَابَكَ، ثُمَّ قَالَ لِي: وَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ؟ .
قُلْتُ: أَدْعُوكَ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَتَخْلَعُ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِهِ، وَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَقَالَ عَبْدٌ: يَا عَمْرُو! إِنَّكَ ابْنُ سَيِّدِ قَوْمِكَ، فكَيْفَ صَنَعَ أَبُوكَ، فَإِنَّ لَنَا فِيهِ قُدْوَةً؟ .
فَقُلْتُ: مَاتَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، وَوَدِدْتُ أَنَّهُ كَانَ أَسْلَمَ، وَصَدَّقَ بِهِ، وَقَدْ كُنْتُ أَنَا عَلَى مِثْلِ رَأْيِهِ حَتَّى هَدَانِي اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ، قَالَ: فَمَتَى تَبِعْتَهُ؟
قُلْتُ: قَرِيبًا، فَسَأَلنِي: أَيْنَ كَانَ إِسْلَامُكَ؟
فَقُلْتُ: عِنْدَ النَّجَاشِيِّ، وَأَخْبَرتُهُ أَنَّ النَّجَاشِيَّ قَدْ أَسْلَمَ.
قَالَ: فكَيْفَ صَنَعَ قَوْمُهُ بِمُلْكِهِ؟
قُلْتُ: أَقَرُّوهُ وَاتَّبَعُوهُ.
قَالَ: وَالْأَسَاقِفَةُ وَالرُّهْبَانُ اتَّبَعُوهُ؟
قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: انظُرْ يَا عَمْرُو مَا تَقُولُ، إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ خَصْلَةٍ في رَجُلٍ أَفْضَحُ لَهُ مِنْ الكَذِبِ.
قُلْتُ: مَا كَذَبْتُ، وَمَا نَسْتَحِلُّهُ في دِينِنَا.
ثُمَّ قَالَ عَبْدٌ: مَا أَرَى هِرَقْلَ عَلِمَ بِإِسْلَامِ النَّجَاشِيِّ.
стр. 2109
قُلْتُ: بَلَى.
قَالَ: بِأَيِّ شَيْءٍ عَلِمْتَ ذَلِكَ؟
قُلْتُ: كَانَ النَّجَاشِيُّ يُخْرِجُ لَهُ خَرْجًا (١)، فَلَمَّا أَسْلَمَ وَصَدَّقَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، قَالَ: لَا وَاللَّهِ، لَوْ سَأَلنِي دِرْهَمًا وَاحِدًا مَا أَعْطَيْتُهُ، فَبَلَغَ هِرَقْلَ قَوْلُهُ، فَقَالَ رَجُلٌ لِهِرَقْلَ: أَتَدَعُ عَبْدَكَ لَا يُخْرِجُ لَكَ خَرْجًا، وَيَدِينُ دِينًا مُحْدَثًا؟
قَالَ هِرَقْلُ: رَجُلٌ رَغِبَ في دِينٍ فَاخْتَارَهُ لِنَفْسِهِ، مَا أَصْنَعُ بِهِ؟ ، وَاللَّهِ لَوْلَا الضِّنُّ (٢) بِمُلْكِي لَصَنَعْتُ كَمَا صَنَعَ.
فَقَالَ عَبْدٌ: انْظُرْ مَا تَقُولُ يَا عَمْرُو.
فَقَالَ عَمْرٌو: وَاللَّهِ صَدَقْتُكَ.
قَالَ عَبْدٌ: فَأَخْبِرْنِي مَا الذِي يَأْمُرُ بِهِ، وَيَنْهَى عَنْهُ؟ .
قُلْتُ: يَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللَّهِ ، وَيَنْهَى عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَيَأْمُرُ بِالْبِرِّ وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَيَنْهَى عَنِ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَعَنِ الزِّنَى، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَعَنْ عِبَادَةِ الْحَجَرِ وَالْوَثَنِ وَالصَّلِيبِ.
فَقَالَ عَبْدٌ: مَا أَحْسَنَ هَذَا الذِي يَدْعُو إِلَيْهِ، لَوْ كَانَ أَخِي يُتَابِعُنِي عَلَيْهِ، стр. 2110
لَرَكِبْنَا حَتَّى نُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ، وَنُصَدِّقَ بِهِ، وَلَكِنَّ أَخِي أَضَنُّ بِمُلْكِهِ مِنْ أَنْ يَدَعَهُ وَيَصِيرَ ذَنَبًا (١).
قُلْتُ: إِنَّهُ إِنْ أَسْلَمَ مَلَّكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ علَى قَوْمِهِ، فَأَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنْ غَنِيِّهِمْ، فَرَدَّهَا عَلَى فَقِيرِهِمْ.
قَالَ: إِنَّ هَذَا لَخُلُقٌ حَسَنٌ، وَمَا الصَّدَقَةُ؟ .
قَالَ عَمْرٌو: فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الصَّدَقَاتِ في الْأَمْوَالِ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الْإِبِلِ.
فَقَالَ: يَا عَمْرُو! تُؤْخَذُ مِنْ سَوَائِمِ (٢) مَوَاشِينَا التِي تَرْعَى الشَّجَرَ، وَتَرِدُ الْمَاءَ؟
قُلْتُ: نَعَمْ.
فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أُرَى قَوْمِي في بُعْدِ دَارِهِمْ، وَكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ يُطِيعُونَ بِهَذَا.
قَالَ عَمْرٌو: فَمَكَثْتُ بِبَابِهِ أَيَّامًا، وَهُوَ يَصِلُ إِلَى أَخِيهِ، فَيُخْبِرُهُ كُلَّ خَبَرِي، ثُمَّ إِنَّهُ دَعَانِي يَوْمًا، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَأَخَذَ أَعْوَانُهُ بِضَبُعَيَّ (٣)، فَقَالَ: دَعُوهُ، فَأُرْسِلْتُ، فَذَهَبْتُ لِأَجْلِسَ، فَأَبَوا أَنْ يَدَعُونِي أَجْلِسُ، فنَظَرْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: تَكَلَّمْ بِحَاجَتِكَ، فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ كِتَابَ الرَّسُولِ ﷺ مَخْتُومًا، فَقَرَأَ الْكِتَابَ حَتَّى انْتَهَى стр. 2111
إِلَى آخِرِهِ، ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى أَخِيهِ -وَهُوَ عَبْدٌ- فَقَرَأَ مِثْلَ قِرَاءَتِهِ، إِلَّا أَنِّي رَأَيْتُ أَخَاهُ أَرَقَّ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا تُخْبِرُنِي عَنْ قُرَيْشٍ كَيْفَ صَنَعَتْ؟
فَقُلْتُ: تَبِعُوهُ، إِمَّا رَاغِبٌ في الدِّينِ، وَإِمَّا مَقُهُورٌ بِالسَّيْفِ.
قَالَ: وَمَنْ مَعَهُ؟
قُلْتُ: النَّاسُ قَدْ رَغِبُوا في الْإِسْلَامِ، وَاخْتَارُوهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَعَرَفُوا بِعُقُولهِمْ مِنْ هُدَى اللَّهِ إِيَّاهُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا في ضَلَالٍ، فَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا بَقِيَ غَيْرَكَ في هَذِهِ الْحَرَجَةِ (١)، وَأَنْتَ إِنْ لَمْ تُسْلِمِ الْيَوْمَ وَتَتَّبِعْهُ، يُوَاطِيُّكَ الْخَيْلَ، وَيُبِيدُ خَضْرَاءَكَ (٢)، فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَيَسْتَعْمِلُكَ عَلَى قَوْمِكَ، وَلَا تَدْخُلُ عَلَيْكَ الْخَيْلُ وَالرِّجَالُ.
فَقَالَ: دَعْنِي يَوْمِي هَذَا، وَارْجعْ إِلَيَّ غَدًا.
قَالَ عَمْرٌو: فَرَجَعْتُ إِلَى أَخِيهِ، فَقَالَ: يَا عَمْرُو! إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يُسْلِمَ إِنْ لَمْ يَضِنَّ بِمُلْكِهِ.
فَقَالَ عَمْرٌو: حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ أَتَيْتُ إِلَيْهِ، فَأَبَى أَنْ يَأْذَنَ لِي، فَانْصَرَفْتُ إِلَى أَخِيهِ، فَأَخْبَرتُهُ أنِّي لَمْ أَصِلْ إِلَيْهِ، فَأَوْصَلَنِي إِلَيْهِ، فَأَدْخَلَنِي عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنِّي فكَّرْتُ فِيمَا دَعَوْتَنِي إِلَيْهِ، فَإِذَا أنَا أَضْعَفُ الْعَرَبِ إِنْ مَلَّكْتُ رَجُلًا مَا في يَدِي، стр. 2112
وَهُوَ لَا تَبْلُغُ خَيْلُهُ هَاهُنَا، وَإنْ بَلَغَتْ خَيْلهُ أَلْفَتْ (١) قِتَالًا لَيْسَ كَقِتَالِ مَنْ لَاقَى.
فَقَالَ عَمْرٌو: وَأَنَا خَارِجٌ غَدًا، فَلَمَّا أَيْقَنَ بِمَخْرَجِي، خَلَا بِهِ أَخُوهُ، فَقَالَ: مَا نَحْنُ فِيمَا قَدْ ظَهَرَ عَلَيْهِ، وَكُلُّ مَنْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ قَدْ أَجَابَهُ.
قَالَ عَمْرٌو: فَلَمَّا أَصْبَحَ أَرْسَلَ إِلَيَّ، فَأَجَابَ إِلَى الْإِسْلَامِ هُوَ وَأَخُوهُ جَمِيعًا، وَصَدَّقَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَخَلَّيَا بَيْنِي وَبَيْنَ الصَّدَقَةِ، وَبَيْنِي وَبَيْنَ الْحُكْمِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَكَانَا لِي عَوْنًا عَلَى مَنْ خَالفَنِي.
فَأَخَذَ عَمْرٌو الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَرَدَّهَا عَلَى فُقَرَائِهِمْ، وَلَمْ يَزَلْ بِعُمَانَ عِنْدَهُمْ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٢).
* مِنْ فَضَائِلِ أَهْلِ عُمَانَ:
رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا إِلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَسَبُّوهُ وَضَرَبُوهُ، فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ أَنَّ أَهْلَ عُمَانَ أَتَيْتَ، مَا سَبُّوكَ وَلَا ضَرَبُوكَ" (٣). стр. 2113
كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى مَلِكِ الْبَحْرِينِ
وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ منْصَرَفَهُ مِنَ الْجِعْرَانَةِ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيَّ ﵁، إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى الْعَبْدِيِّ مَلِكِ الْبَحْرَيْنِ، وَكتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا يَدْعُوهُ فِيهِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَبَعَثَ مَعَهُ نَفَرًا فِيهِمْ: أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁، وَأَوْصَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بمَنْ مَعَهُ خَيْرًا.
فَلَمَّا قَدِمَ الْعَلَاءُ ﵁ عَلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى قَالَ لَهُ: يَا مُنْذِرُ! إِنَّكَ عَظِيمُ الْعَقْلِ في الدُّنْيَا فَلَا تَصْغُرَنَّ عَنِ الْآخِرَةِ، إِنَّ هَذِهِ الْمَجُوسِيَّةَ شَرُّ دِينٍ، يُنْكَحُ فِيهَا مَا يُسْتَحْيَا مِنْ نِكَاحِهِ، وَيَأْكُلُونَ مَا يُتَكَرَّهُ مِنْ أَكْلِهِ، وَتَعْبُدُ في الدُّنْيَا نَارًا تَأْكُلُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَسْتَ بِعَدِيمِ عَقْلٍ وَلَا رَأْيٍ، فَانْظُرْ هَلْ يَنْبَغِي لِمَنْ لَا يَكْذِبُ في الدُّنْيَا أَنْ لَا نُصَدِّقَهُ، وَلِمَنْ لَا يَخُونُ أَنْ لَا نَأْتْمِنَهُ، وَلِمَنْ لَا يُخْلِفُ أَنْ لَا نَثِقَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا هَكَذَا، فَهَذَا هُوَ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ الذِي وَاللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُ ذُو عَقْلٍ أَنْ يَقُولَ: لَيْتَ مَا أَمَرَ بِهِ نَهَى عَنْهُ، أَوْ مَا نَهَى عَنْهُ أَمَرَ بِهِ.
فَقَالَ الْمُنْذِرُ: قَدْ نَظَرْتُ في هَذَا الذِي في يَدَيَّ -يَقْصِدُ كِتَابَ الرَّسُولِ ﷺ فَوَجَدْتُهُ لِلدُّنْيَا دُونَ الآخِرَةِ، وَنَظَرْتُ في دِينِكُمْ فَرَأَيْتُهُ لِلْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا، فَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ كبولِ دِينٍ فِيهِ أُمْنِيَةُ الْحَيَاةِ وَرَاحَةُ الْمَوْتِ؟
وَلقدْ عَجِبْتُ أَمْسَ مِمَّنْ يَقْبَلُهُ، وَعَجِبْتُ الْيَوْمَ مِمَّنْ رَدَّهُ، وَإِنَّ مِنْ إِعْظَامِ مَنْ جَاءَ بِهِ أَنْ يُعَظَّمَ رَسُولُهُ، وَسَأَنْظُرُ.
стр. 2114
ثُمَّ أَسْلَمَ الْمُنْذِرُ، وَكتَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهَذَا نَصُّ كِتَابِهِ:
أَمَّا بَعْدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَإِنِّي قَرَأْتُ كِتَابَكَ عَلَى أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَحَبَّ الْإِسْلَامَ، وَأَعْجَبَهُ وَدَخَلَ فِيهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهُ، وَبِأَرْضِي مَجُوسٌ وَيَهُودُ، فَأَحْدِثْ إِلَيَّ في ذَلِكَ أَمْرَكَ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى، سَلَامٌ عَلَيْكَ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّه الذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أُذَكِّرُكَ اللَّه ، فَإِنَّهُ مَنْ يَنْصَحْ، فَإِنَّمَا يَنْصَحُ لِنَفْسِهِ، وَإِنَّهُ مَنْ يُطِعْ رُسُلِي، وَيَتَّبعْ أَمْرَهُمْ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ نَصَحَ لَهُمْ، فَقَدْ نَصَحَ لِي، وَإِنَّ رُسُلِي قَدْ أَثْنَوْا عَلَيْكَ خَيْرًا، وَإِنِّي قَدْ شَفَعْتُكَ في قَوْمِكَ، فَاتْرُكْ لِلْمُسْلِمِينَ مَا أَسْلَمُوا عَلَيْهِ، وَعَفَوْتُ عَنْ أَهْلِ الذُّنُوبِ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَإِنَّكَ مَهْمَا تُصْلِحُ، فَلَنْ نَعْزِلَكَ عَنْ عَمَلِكَ، وَمَنْ أَقَامَ عَلَى يَهُودِيَّةٍ أَوْ مَجُوسِيَّةٍ فَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ".
وَلَمْ يَزَلِ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ ﵁ عَامِلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْبَحْرَيْنِ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (١). стр. 2115
زَوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْجَونِيَّةِ وَمُفَارَقَتُهُ لَهَا
وَفِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ (١) تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَيْمَةَ بِنْتَ النُّعْمَانِ بْنِ شُرَاحِيلَ الْجَونِيَّةَ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ أَنَّهَا الْكِلَابِيَّةُ، وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ اخْتِلَافًا كَثِيرًا في اسْمِهَا (٢).
قَالَ الْحَافِظُ في الْفَتْحِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ اسْمَهَا أُمَيْمَةُ (٣) بِنْتُ النُّعْمَانِ بْنِ شُرَاحِيلَ الْجَونِيَّةُ، . . . وَأَمَّا الْكِلَابِيَّةُ غَلَطٌ، وَإِنَّمَا هِيَ الْكِنْدِيَّةُ، فَكَأَنَّمَا الْكَلِمَةُ تَصَحَّفَتْ، نَعَمْ لِلْكِلَابِيَّةِ قِصَّةٌ أُخْرَى ذَكَرَهَا ابْنُ سَعْدٍ (٤) عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ: اسْمُهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ، فَاسْتَعَاذَتْ مِنْهُ فَطَلَّقَهَا، فَكَانَتْ تَقُولُ: أَنَا الشَّقِيَّةُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ التِي اسْتَعَاذَتْ مِنْهُ هِيَ الْجَوَنِيَّةُ (٥).
رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ: أَيُّ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ اسْتَعَاذَتْ مِنْهُ؟ стр. 2116
قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ ابْنَةَ الْجَوْنِ لَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَدَنَا مِنْهَا قَالَتْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، فَقَالَ لَهَا: "لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ" (١).
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى انْطَلَقْنَا إِلَى حَائِطٍ (٢) يُقَالُ لَهُ الشَّوْطُ، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى حَائِطَيْنِ، فَجَلَسْنَا بَيْنَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اجْلِسُوا هَهُنَا"، وَدَخَلَ، وَقَدْ أُتِيَ بِالْجَونِيَّةِ، فَأُنْزِلَتْ في بَيْتٍ في نَخْلٍ في بَيْتِ أُمَيْمَةَ (٣) بِنْتِ النُّعْمَانِ بنِ شَرَاحِيلَ، وَمَعَهَا دَايَتُهَا (٤) حَاضِنَةٌ لَهَا، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: "هَبِي نَفْسَكَ لِي"، فَقَالَتْ: وَهَلْ تَهَبُ الْمَلِكَةُ نَفْسَهَا لِلسُّوقَةِ؟ (٥). стр. 2117
قَالَ: فَأَهْوَى بِيَدِهِ يَضَعُ يَدَهُ عَلَيْهَا لِتَسْكُنَ، فَقَالَتْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ" (١).
ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: "يَا أَبَا أُسَيْدٍ، اكْسُهَا رَازِقِيَّيْنِ (٢)، وَأَلْحِقْهَا بِأَهْلِهَا" (٣).
* * * стр. 2118
وِلَادَةُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -
وَفِي ذِي القعْدَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ لِلْهِجْرَةِ وُلِدَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وُلِدَ بِالْعَالِيَةِ حَيْثُ أَنْزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّهُ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةَ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ كَانَ يَخْتَلِفُ إِلَيْهَا هُنَاكَ، وَيَطَؤُهَا بِمُلْكِ الْيَمِينِ، وَمَعَ ذَلِكَ ضَرَبَ عَلَيْهَا الْحِجَابَ، فَلَمَّا حَمَلَتْ وَضَعَتْ هُنَاكَ، فَلَمَّا وُلِدَ، جَاءَ أَبُو رَافِعٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَبَشَّرَهُ بِهِ، فَوَهَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدًا.
رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وُلِدَ لِيَ اللَّيْلةَ غُلَامٌ، فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ" (١).
* تَنَافُسُ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ في إِرْضَاعِ إِبْرَاهِيمَ:
وَتَنَافَسَتْ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ في إِبْرَاهِيمَ أَيَّتُهُنَّ تُرْضِعُهُ، وَكَانَتْ أُمُّهُ مَارِيَةُ قَلِيلَةَ اللَّبَنِ، فَدَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أُمِّ سَيْفٍ، فَكَانَتْ تُرْضِعُهُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: . . . ثُمَّ دَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أُمِّ стр. 2119
سَيْفٍ، امْرَأَةِ قَيْنٍ (١)، يُقَالُ لَهُ: أَبُو سَيْفٍ (٢).
قَالَ أَنَسٌ ﵁: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ مُسْتَرْضَعًا لَهُ في عَوَالِي الْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَنْطَلِقُ وَنَحْنُ مَعَهُ، فَيَدْخُلُ الْبَيْتَ، فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ، ثُمَّ يَرْجعُ (٣).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ أَنَسٌ ﵁: . . . فَانْطَلَقَ -أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْتِيهِ وَاتَّبَعْتُهُ، فَانتهَيْنَا إِلَى أَبِي سَيْفٍ وَهُوَ يَنْفُخُ بِكِيرِهِ (٤)، قَدِ امْتَلَأَ الْبيْتُ دُخَانًا، فَأَسْرَعْتُ الْمَشْيَ بَيْنَ يَدِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا سَيْفٍ! أَمْسِكْ، جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمْسَكَ، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِالصَّبِيِّ، فَضَمَّهُ إِلَيْهِ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ (٥).
وَقَدْ غَارَ نِسَاءُ الرَّسُولِ ﷺ ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِنَّ حِينَ رُزِقَ مِنْ مَارِيَةَ الْوَلَدَ.
قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: دَخَلَ بِهِ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ: "انْظُرِي إِلَى شِبْهِهِ بِي". стр. 2120
قَالَتْ: فَحَمَلَنِي مَا يَحْمِلُ النِّسَاءَ مِنَ الْغَيْرَةِ، فَقُلْتُ: مَا أَرَى شَبَهًا (١).
* حَدِيثٌ ضَعِيفٌ جِدًّا:
قُلْتُ: وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: ذُكِرَتْ أُمُّ إِبْرَاهِيمَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا". فَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَةَ في سُنَنِهِ (٢)، وَالْحَاكِمُ في الْمُسْتَدْرَكِ (٣).
* قِصَّةُ الرَّجُلِ الْمَجْبُوبِ (٤):
رَوَى الطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّاسُ قَدْ تَجَرَّؤُوا عَلَى مَارِيَةَ في قِبْطِيٍّ كَانَ يَخْتَلِفُ إِلَيْهَا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "انْطَلِقْ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ عِنْدَهَا فَاقْتُلْهُ"، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكُونُ في أَمْرِكَ كَالسِّكَّةِ (٥) الْمُحَمَّاةِ، وَأَمْضِي لِمَا أَمَرْتَنِي لَا يَثْنِينِي شَيْءٌ، أَمِ الشَّاهِدُ يَرَى مَا لَا يَرَى الْغَائِبُ؟ .
فَقَالَ ﷺ . "الشَّاهِدُ يَرَى مَا لَا يَرَى الْغَائِبُ".
فَتَوَشَّحْتُ (٦) سَيْفِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ، فَوَجَدْتُهُ خَارِجًا مِنْ عِنْدِهَا عَلَى عُنُقِهِ стр. 2121
جَرَّة، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ اخْتَرَطْتُ (١) سَيْفِي، فَلَمَّا رَآنِي إِيَّاهُ أُرِيدُ، أَلْقَى الْجَرَّةَ، وَانْطَلَقَ هَارِبًا، فَرَقِيَ في نَخْلَةٍ، فَلَمَّا كَانَ في نِصْفِهَا، وَقَعَ مُسْتَلْقِيًا عَلَى قَفَاهُ، وَانْكَشَفَ ثَوبهُ عَنْهُ، فَإِذَا أَنَا بِهِ أَجَبُّ (٢) أَمْسَحُ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِمَّا خَلَقَ اللَّهُ لِلرِّجَالِ، فَغَمَدْتُ سَيْفِي، وَقُلْتُ: مَهْ، قَالَ: خَيْرًا، رَجُلٌ مِنَ الْقِبْطِ، وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنَ الْقِبْطِ، وَزَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْتَطِبُ لَهَا، وَأَسْتَعْذِبُ (٣) لَهَا.
قَالَ عَلِيٌّ ﵁: فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْبَرتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْحَمْدُ للَّهِ الذِي يَصْرِفُ عَنَّا السُّوءَ أَهْلَ الْبَيْتِ" (٤).
* * * стр. 2122
السَّنَةُ التَّاسِعَةُ لِلْهِجْرَةِ وَهِيَ سَنَةُ الْوُفُودِ (١)
كَانَ لِفَتْحِ مَكَّةَ أَثَرٌ كَبِيرٌ في تَعْزِيزِ الْإِسْلَامِ، وَتَغَيُّرِ مَوْقِفِ الْعَرَبِ مِنْهُ، فتَسَارَعُوا إِلَى اعْتِنَاقِ الْإِسْلَامِ.
رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ الْجَرْمِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا بِمَاءٍ مَمَرِّ النَّاسِ، وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا الرُّكْبَانُ، فنَسْأَلُهُمْ مَا لِلنَّاسِ، مَا لِلنَّاسِ؟ مَا هَذَا الرَّجُلُ؟
فَيَقُولُونَ: يَزْعُمُ أَنَّ اللَّه أَرْسَلَهُ، أَوْحَى إِلَيْهِ، أَوْ أَوْحَى اللَّهُ بِكَذَا، فَكُنْتُ أَحْفَظُ ذَلِكَ الْكَلَامَ، فَكَأَنَّمَا يُقَرُّ في صَدْرِي، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَلَوَّمُ (٢) بِإِسْلَامِهِمُ الْفتْحَ، فَيَقُولُونَ: اترُكُوهُ وَقَوْمَهُ، فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ، فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ الْفتْحِ، بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ، وَبَدَرَ أَبِي قَوْمِي بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: جِئْتُكُمْ وَاللَّهِ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ حَقًّا (٣). стр. 2123
فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طِيلَةَ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، يَسْتَقْبِلُ الْوُفُودَ، وَيَبْعَثُ الْعُمَّالَ، وَيَبُثُّ الدُّعَاةَ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا إِلَّا لِغَزْوَةِ تَبُوكَ كَمَا سَيَأْتِي.
وَقَدْ بَلَغَ مَجْمُوعُ الْوُفُودِ مَا يَزِيدُ عَلَى السِّتِّينَ وَفْدًا، وَسَأَذْكُرُ أَهَمَّ هَذِهِ الْوُفُودِ:
* وَفْدُ بَاهِلَةَ:
قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُطَرِّفُ بْنُ الْكَاهِنِ الْبَاهِلِيُّ بَعْدَ الَفتْحِ وَافِدًا لِقَوْمِهِ بِإِسْلَامِهِمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ بَعَثَ إِلَيْهِمْ أَبَا أُمَامَةَ صُدَيَّ (١) بْنَ عَجْلَانِ الْبَاهِلِيَّ، يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَيَعْرِضُ عَلَيْهِمْ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، فَأَبَوا عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ أَسْلَمُوا عَنْ آخِرِهِمْ.
فَلَمَّا قَدِمَ مُطَرِّفٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ لِقَوْمِهِ أَمَانًا، وَكتَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابًا فِيهِ فَرَائِضُ الصَّدَقَاتِ، ثُمَّ قَدِمَ نَهْشَلُ بْنُ مَالِكٍ الْوَائِلِيُّ مِنْ بَاهِلَةَ وَافِدًا لِقَوْمِهِ، فَأَسْلَمَ، وَكتَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلِمَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ كِتَابًا فِيهِ شَرَائِعُ الْإِسْلَامُ، هَذَا نَصُّهُ: стр. 2124
"بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لِنَهْشَلَ بْنِ مَالِكٍ، وَمَنْ مَعَهُ مِنْ بَنِي وَائِلٍ لِمَنْ أَسْلَمَ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَآتَى الزَّكَاةَ، وَأَطَاعَ اللَّه وَرَسُولَهُ، وَأَعْطَى مِنَ الْمَغْنَمِ خُمُسَ اللَّهِ وَسَهْمَ النَّبِيِّ، وَأَشهَدَ عَلَى إِسْلَامِهِ، وَفَارَقَ الْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّهُ آمِنٌ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَبَرِئَ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ مِنَ الظُّلْمِ كلِّهِ، وَأَنَّ لَهُمْ أَنْ لَا يُحْشَرُوا (١)، وَلَا يُعْشَرُوا (٢)، وَعَامِلُهُمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ".
وَكتَبَ الْكِتَابَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ (٣).
* * * стр. 2125
بَعْثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عُمَّالَهُ عَلَى الصَّدَقَاتِ
وَلَمَّا اسْتَهَلَّ هِلَالُ الْمُحَرَّمِ مِنَ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَّالَهُ عَلَى الصَّدَقَاتِ إِلَى كُلِّ مَا أَوْطَأَ الْإِسْلَامُ مِنَ الْمَنَاطِقِ الْمُخْتَلِفَةِ:
١ - فَبَعَثَ الْمُهَاجِرَ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ ﵁ إِلَى صَنْعَاءَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ (١)، وَهُوَ بِهَا.
٢ - وَبَعَثَ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ الْبَيَاضِيَّ ﵁ إِلَى حَضْرَمَوْتَ.
٣ - وَبَعَثَ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ ﵁ إِلَى طَيْءٍ، وَبَنِي أَسَدٍ.
٤ - وَبَعَثَ مَالِكَ بْنَ نويْرَةَ الْيَرْبُوعِيَّ ﵁ إِلَى بَنِي حَنْظَلَةَ، وَفَرَّقَ صَدَقَةَ بَنِي سَعْدٍ عَلَى رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ، فَبَعَثَ الزِّبْرِقَانَ بْنَ بَدِرٍ ﵁ عَلَى نَاحِيَةٍ مِنْهَا، وَقَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ ﵁ عَلَى نَاحِيَةٍ.
٥ - وَبَعَثَ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ ﵁ إِلَى بَنِي تَمِيمٍ.
٦ - وَبَعَثَ الْوَليدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْط ﵁ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ. стр. 2126
٧ - وَبَعَثَ بريْدَةَ بْنَ الْحُصَيْبِ ﵁ إِلَى أَسْلَمَ وَغِفَارٍ، وَيُقَالُ: كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ ﵁.
٨ - وَبَعَثَ ابْنَ اللُّتْبِيَّةَ (١) إِلَى بَنِي سُلَيْمٍ.
٩ - وَبَعَثَ رَافِعَ بْنَ مَكَيْثٍ ﵁ إِلَى جُهَيْنَةَ.
١٠ - وَبَعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ﵁ إِلَى بَنِي فزَارَةَ.
١١ - وَبَعَثَ الضَّحَاكَ بْنَ سُفْيَانَ ﵁ إِلَى بَنِي كِلَابٍ.
١٢ - وَبَعَثَ بُسْرَ بْنَ سُفْيَانَ ﵁ إِلَى بَنِي كَعْبٍ.
١٣ - وَبَعَثَ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْل ﵁ إِلَى هُوَازِنَ.
١٤ - وَبَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ إِلَى أَهْلِ نَجْرَانَ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى أَنَّهُ ﷺ بَعَثَ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ ﵁ عَامِلِهِ عَلَى الْبَحْرَيْنِ؛ لِيَقْبِضُوا مَا اجْتَمَعَ عِنْدَهُ مِنْ صَدَقَةِ الْبَحْرَيْنِ، كَمَا بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ ﵁؛ لِيَأْتِيَ بِجِزْيَتِهَا.
* مُلَاحَظَةٌ مُهِمَّةٌ:
وَتَجْدُرُ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَبْعَثُ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةُ ﵃ أَجْمَعِينَ كُلَّهُمْ دَفْعَةً وَاحِدَةً في الْمُحَرَّمِ مِنَ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ، بَلْ تَأَخَّرَ بَعْثُ بَعْضِهِمْ إِلَى وَقْتِ اعْتِنَاقِ الْإِسْلَامِ مِنْ تِلْكَ القبَائِلِ التِي بُعِثُوا إِلَيْهَا، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ стр. 2127
مَا جَاءَ في رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: أَنَّ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ ﵁، كَانَ مِنْ بَيْنِ الْعُمَّالِ الذِينَ أَرْسَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى صَدَقَاتِ قَوْمِهِمْ، وكَاد إِسْلَامُ عَدِيٍّ ﵁ بَعْدَ بَعْثِهِ ﷺ عَلِيًّا ﵁ لِهَدْم الْفُلْسِ (١)، وَذَلِكَ في رَبِيعٍ الْآخِر مِنَ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهجْرَةِ (٢).
* تَحْذِيرُ رَسُولِ اللَّه ﷺ أَصْحَابَهُ مِنْ غُلُولِ (٣) الصَّدَقَةِ:
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا بَعَثَ أَصْحَابَهُ لِيَأْتُوا بِصَدَقَاتِ هَذِهِ الْقَبَائِلِ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا صَدَقَاتِهِمْ مِنْ حَوَاشِي أَمْوَالِهِمْ (٤)، وَيَتَوَقَّوْا كَرَائِمَهَا، وَكَانَ يَأْمُرُهُمْ بِمَا أَخَذُوا مِنَ الصَّدَقَاتِ أَنْ يُجْعَلَ في ذَوِي قَرَابَةٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمُ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَرَابَةٌ فَلِأَوْلَى الْعَشِيرَةِ، ثُمَّ لِذَوِي الْحَاجَةِ مِنَ الْجِيرَانِ وَغَيْرِهِمْ.
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالطَّيَالِسِيُّ في مُسْنَدَيْهِمَا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ هُلْبٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ وهُوَ يَقُولُ، وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ، فَقَالَ: "لَا يَجِيئَنَّ أَحَدُكُمْ بِشَاةٍ لَهَا يُعَارٌ" (٥). стр. 2128
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ صَحِيحٍ لِغَيْرِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ ﵁ أَنَّهُ تَذَاكَرَ هُوَ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَوْمًا الصَّدَقَةَ، فَقَالَ عُمَرُ: أَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ ذَكَرَ غُلُولَ الصَّدَقَةِ: "أَنَّهُ مَنْ كَلَّ فِيهَا بَعِيرًا أَوْ شَاةً، أَتَى بِهِ يَحْمِله يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنيْسٍ ﵁: بَلَى (١).
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ في الْكَبِيرِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لَهُ: "اتَّقِ اللَّه يَا أَبَا الْوَليدِ! لَا تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِبَعِيرٍ تَحْمِله لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةٌ لَهَا ثُؤَاجٌ (٢) "، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ ذَلِكَ لَكَذَلِكَ؟
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِيْ وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ" (٣).
* شَأْنُ ابْنِ اللُّتْبِيَّةِ:
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ علَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ، стр. 2129
ثُمَّ قَالَ: "مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ فَيَأْتِي فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ (١) وَهَذَا لِي، فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى لَهُ (٢) أَمْ لَا، وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْتِي بِشَيْءٍ (٣) إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ (٤)، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ"، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ (٥) إِبْطَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟ " ثَلَاثًا (٦).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الْحَافِظُ في الْفَتْحِ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ:
١ - أَنَّ الْإِمَامَ يَخْطُبُ في الْأَمُورِ الْمُهِمَّةِ.
٢ - وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ مُحَاسَبَةِ الْمُؤْتَمَنِ.
٣ - وَفِيهِ مَنْعُ الْعُمَّالِ قَبُولَ الْهَدِيَّةِ مِمَّنْ لَهُ عَلَيْهِ حُكْمٌ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْإِمَامُ في ذَلِكَ. стр. 2130
٤ - وَفِيهِ إِبْطَالُ كُلِّ طريق يُتَوَصَّلُ بِهَا مَنْ يَأْخُذُ الْمَالَ إِلَى مُحَابَاةِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ، وَالِانْفِرَادُ بِالْمَأْخُوذِ.
٥ - وَفِيهِ جَوَازُ تَوْبِيخِ الْمُخْطِئِ.
٦ - وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الْمَفْضُولِ في الْإِمَارَةِ، وَالْإِمَامَةِ، وَالْأَمَانَةِ مَعَ وُجُودِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ.
٧ - وَفِيهِ اسْتِشْهَادُ الرَّاوِي وَالنَّاقِلِ بِقَوْلِ مَنْ يُوَافِقُهُ؛ لِيَكُونَ أَوْقَعَ في نَفْسِ السَّامِعِ، وَأَبْلَغَ في طُمَأْنِينَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (١).
* * * стр. 2131
بَعْثُ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ
بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ -وَهُمْ قَوْمُ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ ﵂ زَوْجَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَخْذِ صَدَقَاتِهمْ، وَكَانُوا قَدْ أَسْلَمُوا -وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ مُفَصَّلًا في غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ-.
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِالشَّوَاهِدِ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ ضِرَارٍ، قَالَ: . . . بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْوَليدَ بْنَ عُقْبَةَ إِلَى الْحَارِثِ (١)؛ لِيَقْبِضَ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِمَّا جَمَعَ مِنَ الزَّكَاةِ، فَلَمَّا أَنْ سَارَ الْوَلِيدُ حَتَّى بَلَغَ بَعْضَ الطَّرِيقَ، فَرِقَ (٢)، فَرجَعَ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّهِ! إِنَّ الحَارِثَ مَنَعَنِي الزَّكَاةَ، وَأَرَادَ قَتْلِي، فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبَعْثَ (٣) إِلَى الْحَارِثِ، فَأَقْبَلَ الْحَارِثُ بِأَصْحَابِهِ إِذِ اسْتَقْبَلَ الْبَعْثَ، فَقَالُوا: هَذَا الْحَارِثُ، فَلَمَّا غَشِيَهُمْ، قَالَ لَهُمْ: إِلَى مَنْ بُعِثْتُمْ؟ ، قَالُوا: إِلَيْكَ، قَالَ: وَلِمَ؟ قَالُوا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ стр. 2132
بَعَثَ إِلَيْكَ الْوَليدَ بْنَ عُقْبَةَ، فَزَعَمَ أَنَّكَ مَنَعْتَهُ الزَّكَاةَ، وَأَرَدْتَ قَتْلَهُ! قَالَ: لَا وَالذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ، مَا رَأَيْتُهُ بَتَّةً، وَلَا أَتَانِي! فَلَمَّا دَخَلَ الْحَارِثُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهُ: "مَنَعْتَ الزَّكَاةَ وَأَرَدْتَ قَتْلَ رَسُولِي؟ ! "، قَالَ: لَا وَالذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا رَأَيْتُهُ وَلَا أَتَانِي، وَمَا أَقْبَلْتُ إِلَّا حِينَ احْتَبَسَ عَلَيَّ رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، خَشِيتُ أَنْ تَكُونَ كَانَتْ سَخْطَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فنَزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١).
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ في الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ علَى صَدَقَاتِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ. . . وَكَذَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، مِنْهُمْ: ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَيَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، وَالضَّحَّاكُ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ، وَغَيْرُهُمْ في هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّهَا نَزَلَتْ في الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٢). стр. 2133
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ فِيمَا عَلِمْتُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ نَزَلَتْ في الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ (١).
* * * стр. 2134
سَرِيَّةُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ إِلَى بَنِي الْعَنْبَرِ مِنْ تَمِيمٍ
وَفي مُحَرَّمٍ سَنَةَ تِسْعٍ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ الفزَارِيَّ إِلَى بَنِي الْعَنْبَرِ، وَكَانُوا فِيمَا بَيْنَ السُّقْيَا (١)، وَأَرْضِ بَنِي تَمِيمٍ.
وَسَبَبُ هَذِهِ السَّرِيَّةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بِشْرَ بْنَ سُفْيَانَ الْكَعْبِيَّ ﵁، إِلَى بَنِي كَعْبٍ مِنْ خُزَاعَةَ لِأَخْذِ صَدَقَاتِهِمْ، فَجَاءَ وَقَدْ حَلَّ بِنَوَاحِيهِمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ جُنْدُبِ بْنِ الْعَنْبَرِ التَّمِيمِيُّونَ، فَجَمَعَتْ خُزَاعَةُ مَوَاشِيهَا لِلصَّدَقَةِ، فَاسْتَكْثَرَ ذَلِكَ بَنُو تَمِيمٍ وَشَهَرُوا السُّيُوفَ، وَمَنَعُوا بِشْرًا ﵁ مِنْ أَخْذِ الصَّدَقَةِ.
فَلَمَّا رَأَى بِشْرٌ ﵁ ذَلِكَ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ؟ "، فانتدَبَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ ﵁، فَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في خَمْسِينَ فَارِسًا مِنَ الْعَرَبِ، لَيْسَ فِيهِمْ مُهَاجِرِيٌّ وَلَا أَنْصَارِيٌّ، فَكَانَ يَسِيرُ اللَّيْلَ وَيَكْمُنُ النَّهَارَ، فَهَجَمَ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا رَأَوُا الْجَمْعَ وَلَّوا، فَأَخَذَ عُيَيْنَةُ مِنْهُمْ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا، وَوَجَدَ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً وَثَلَاثِينَ صَبِيًّا، فَأَخَذَهُمْ وَذَهَبَ بِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَمَرَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحُبِسُوا في دَارِ رَمْلَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ (٢). стр. 2135
قُدُومُ وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ وَنُزُولُ سُورَةِ الْحُجُرَاتِ
فَلَمَّا جَاءَتْ سَرِيَّةُ عُيَيْنَةَ بْنِ حْصِنٍ بِالسَّبَايَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَكِبَ وَفْدٌ عَظِيمٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، قِيلَ: كَانُوا تِسْعِينَ أَوْ ثَمَانِينَ رَجُلًا، حَتَّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ عِدَّةٌ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ، مِنْهُمْ: عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ، وَالزِّبْرِقَانُ (١) بْنُ بَدْرٍ، وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ الْمِنْقَرِيُّ، وَقَيْسُ بْنُ الْحَارِثِ، وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ، وَالقَعْقَاعُ بْنُ مَعْبَدٍ، وَالْحَبْحَابُ، وَيُقَالُ: الْحُتَاتُ بْنُ يَزِيدٍ، وَقَدْ كَانَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فتحَ مَكَّةَ وَحُنَيْنًا وَالطَّائِفَ -كَمَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ- فَلَمَّا قَدِمَ وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ إِلَى الْمَدِينَةِ، رَآهُمْ سَبَايَاهُمْ، فَأَخَذَ النِّسَاءُ وَالْأَطْفَالُ يَبْكُونَ، فَعَجَّلَ الْوَفْدُ، وَدَخَلُوا الْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ، وَقَدْ أَذَّنَ بِلَالٌ ﵁ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ، وَالنَّاسُ يَنْتَظِرُونَ خُرُوجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَبْطَأَ الْوَفْدُ خُرُوجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَاؤُوا بَابَهُ، وَأَخَذُوا يُنَادُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ وَرَاءَ الْحُجُرَاتِ: أَنِ اخْرُجْ إِلَيْنَا يَا مُحَمَّدُ! فَآذَى ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ صِيَاحِهِمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَتَعَلَّقُوا بِهِ يُكَلِّمُونَهُ في سَبْيِهِمْ، فَوَقَفَ مَعَهُمْ، ثُمَّ قَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: يَا مُحَمَّدُ! ائْذَنْ لِي، فَوَاللَّهِ إِنَّ حَمْدِي زَيْنٌ، وَإِنَّ ذَمِّي стр. 2136
شَيْنٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ذَاكَ اللَّهُ " (١).
ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ جَلَسَ في صَحْنِ الْمَسْجِدِ، فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ! جِئْنَاكَ نُفَاخِرْكَ، فَأْذَنْ لِشَاعِرِنَا وَخَطِيبِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ أَذِنْتُ لِخَطِيبِكُمْ، فَلْيَقُلْ".
فَقَامَ عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ فَقَالَ: الْحَمْدُ للَّهِ الذِي لَهُ عَلَيْنَا الفضْلُ وَالْمَنُّ، وَهُوَ أَهْلُهُ، الذِي جَعَلَنَا مُلُوكًا، وَوَهَبَ لَنَا أَمْوَالًا عِظَامًا نَفْعَلُ فِيهَا الْمَعْرُوفَ، وَجَعَلَنَا أَعَزَّ أَهْلِ الْمَشْرِقِ، وَأَكْثَرَهُ عَدَدًا، وَأَيْسَرَهُ عُدَّةً، فَمَنْ مِثْلُنَا في النَّاسِ؟
أَلسْنَا بِرُؤُوسِ النَّاسِ وَأُولي فَضْلِهِمْ؟
فَمَنْ فَاخَرَنَا فَلْيَعْدُدْ مِثْلَ مَا عَدَدْنَا، وَإِنَّا لَوْ نَشَاءُ لَأَكْثَرْنَا الْكَلَامَ، وَلَكِنَّا نَحْيَا مِنَ الْإِكْثَارِ فِيمَا أُعْطِينَا، وَإِنَّا نُعْرَفُ بِذَلِكَ، أَقُولُ هَذَا؛ لِأَنْ تَأْتُوا بِمِثْلِ قَوْلنَا، وَأَمْرٍ أَفْضَلَ مِنْ أَمْرِنَا، ثُمَّ جَلَسَ.
* ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ ﵁ يَرُدُّ:
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ أَخِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ стр. 2137
الْخَزْرَجِ، خَطِيبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "قُمْ فَأَجِبِ الرَّجُلَ في خُطْبَتِهِ".
فَقَامَ ثَابِتٌ ﵁ فَقَالَ: الْحَمْدُ للَّهِ الذِي السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ خَلْقُهُ، قَضَى فِيهِنَّ أَمْرَهُ، وَوَسِعَ كُرْسِيَّهُ عِلْمُهُ، وَلَمْ يَكُ شَيْءٌ قَطُّ إِلَّا مِنْ فَضْلِهِ، ثُمَّ كَانَ مِنْ قُدْرَتِهِ أَنْ جَعَلَنَا مُلُوكًا، وَاصْطَفَى مِنْ خَيْرِ خَلْقِهِ رَسُولًا، أَكْرَمَهُ نَسَبًا، وَأَصْدَقهُ حَدِيثًا، وَأَفْضَلَهُ حَسَبًا، فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ، وَائْتَمَنَهُ عَلَى خَلْقِهِ، فَكَانَ خِيرَةَ اللَّهِ مِنَ الْعَالَمِينَ، ثُمَّ دَعَا النَّاسَ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ، فَآمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قَوْمِهِ، وَذَوِي رَحِمِهِ، أَكْرَمِ النَّاسِ حَسَبًا، وَأَحْسَنِ النَّاسِ وُجُوهًا، وَخَيْرِ النَّاسِ فِعَالًا، ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ الْخَلْقِ إِجَابَةً، وَاسْتَجَابَ للَّهِ حِينَ دَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ نَحْنُ، فَنَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ، وَوُزَرَاءُ رَسُولهِ، نُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ، فَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولهِ مَنَعَ مِنَّا مَالَهُ وَدَمَهُ، وَمَنْ كَفَرَ جَاهَدْنَاهُ في اللَّهِ أَبَدًا، وَكَانَ قَتْلُهُ عَلَيْنَا يَسِيرًا، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَستَغْفِرُ اللَّه لِي وَللْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ.
* شِعْر الزِّبْرِقَانِ بنِ بَدْرٍ:
ثُمَّ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ! ائْذَنْ لِشَاعِرِنَا، فَأَذِنَ لَهُ، فَقَامَ الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ، فَقَالَ:
نَحْنُ الْكِرَامُ فَلَا حَيٌّ يُعَادِلُنَا ... مِنَّا الْمُلُوكُ وَفِينَا تُنْصَبُ البِيَعُ
وَنَحْنُ يُطْعِمُ عِنْدَ الْقَحْطِ مُطْعِمُنَا ... مِنَ الشِّوَاءَ (١) إِذَا لَمْ يُؤْنَسِ القزَعُ
إِلَى أَنْ يَقُولَ: стр. 2138
فَلَا تَرَانَا إِلَى حَيٍّ نُفَاخِرُهُمْ ... إِلَّا اسْتَفَادُوا فَكَانُوا الرَّأْسَ يُقْتَطَعُ
فَمَنْ يُفَاخِرُنا في ذَاكَ نَعْرِفُهُ ... فَيَرْجِعُ القوْمُ وَالْأَخْبَارُ تُسْتَمَعُ
إِنَّا أَبَيْنَا وَلَا يَأْبَى لَنَا أَحَدٌ ... إِنَّا كَذَلِكَ عِنْدَ الفخْرِ نَرْتَفِعُ
* حَسَّانُ بنُ ثَابِتٍ ﵁ يَرُدُّ:
وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁، وَكَانَ غَائِبًا، قَالَ حَسَّانُ جَاءَنِي رَسُولُهُ ﷺ ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ إِنَّمَا دَعَانِي لِأُجِيبَ شَاعِرَ بَنِي تَمِيمٍ، فَخَرَجْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَقُولُ:
مَنَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ إِذْ حَلَّ وَسْطَنَا ... عَلَى أَنْفِ رَاضٍ مِنْ مَعَدٍّ وَرَاغِمِ
مَنَعْنَاهُ لَمَّا حَلَّ بَيْنَ بُيُوتِنَا ... بِأَسْيَافِنَا مِنْ كُلِّ بَاغٍ وَظَالِمِ
فَلَمَّا وَصَلَ حَسَّانُ ﵁ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قُمْ يَا حَسَّانُ فَأَجِبْ الرَّجُلَ فِيمَا قَالَ"، فَقَامَ حَسَّانُ فَأَجَابَهُ بِمِثْلِ شِعْرِهِ، فَكَانَ مِمَّا قَالَ:
إِنَّ الذَّوَائِبَ (١) مِنْ فِهْرٍ (٢) وَإِخْوَتِهُمْ ... قَدْ بَيَّنُوا سُنَّةً لِلنَّاسِ تُتَّبَعُ
يَرْضَى بِهَا كُلُّ مَنْ كَانَتْ سَرِيرَتُهُ ... تَقْوَى الْإِلَهِ وَبِالْأَمْرِ الذِي شَرَعُوا
قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا ضَرُّوا عَدُوَّهُمُ ... أَوْ حَاوَلُوا النَّفْعَ في أَشْيَاعِهِمْ نَفَعُوا
سَجِيَّةٌ (٣) تِلْكَ فِيهِمْ غَيْرُ مُحْدَثَةٍ ... إِنَّ الْخَلَائِقَ فَاعْلَمْ شَرُّهَا الْبِدَعُ стр. 2139
إِنْ كَانَ في النَّاسِ سَبَّاقُونَ بَعْدَهُمُ ... فكُلُّ سَبْقٍ لِأَدْنَى سَبْقِهِمْ تَبَعُ
إِلَى أَنْ يَقُولَ ﵁:
أَكْرِمْ بِقَوْمٍ رَسُولُ اللَّهِ شِيعَتُهُمْ ... إِذَا تَفَاوَتَتِ الْأَهْوَاءُ وَالشِّيَعُ
أُهْدِي لَهُمْ مَدْحِي قَلْبٌ يُؤَازِرُهُ ... فِيمَا أُحِبُّ لِسَانٌ حَائِكٌ صَنَعُ
فَإِنَّهُمْ أَفْضَلُ الْأَحْيَاءِ كُلِّهِمِ ... إِنْ جَدَّ بِالنَّاسِ جِدُّ الْقَوْلِ أَوْ شَمَعُوا
فَقَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: وَأَبِي، إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَمُؤْتًى لَهُ، لَخَطِيبُهُ أَخْطَبُ مِنْ خَطِيبِنَا، وَلَشَاعِرُهُ أَشْعَرُ مِنْ شَاعِرِنَا، وَلَأَصْوَاتُهُمْ أَعَلَى مِنْ أَصْوَاتِنَا.
فَلَمَّا فَرَغَ الْقَوْمُ أَسْلَمُوا، وَجَوَّزَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَحْسَنَ جَوَائِزَهُمْ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَبَايَاهُمْ، وَقِيلَ: إِنَّهُ أَعْتَقَ بَعْضًا وَأَفْدَى بَعْضًا، فَقَدْ رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَا أَزَالُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ بَعْدَ ثَلَاثٍ، سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يقُولُهَا فِيهِمْ: "هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ"، وَكَانَتْ فِيهِمْ سَبِيَّةٌ عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂ فَقَالَ: "أَعْتِقِيهَا، فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ"، وجاءت صدقاتهم، فقال: "هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا" (١).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ لِلطَّحَاوِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةِ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنْ سَرَّكِ أَنْ تُعْتِقِي مِنْ وَلَدِ стр. 2140
إِسْمَاعِيلِ، فَأَعْتِقِي مِنْ هَؤُلَاءِ" (١).
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَبْيَ بَنِي الْعَنْبَرِ (٢) كَانَ وُزِّعَ عَلَى الْغَانِمِينَ، وَأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ مَلَكَتْ هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِالشِّرَاءِ أَوِ الْهِبَةِ، ثُمَّ أَعْتَقَهَا عِنْدَمَا جَاءَ قَوْمُهَا يَطْلُبُونَهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْضَ الْآيَاتِ مِنْ سُورَةِ الْحُجُرَاتِ في وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣).
* حَدِيثٌ في فَضْلِ بَنِي تَمِيمٍ:
رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَا أَزَالُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ بَعْدَ ثَلَاثٍ، سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُهَا فِيهِمْ: "هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَالِ" (٤). . . . . следующие страницы →