← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

شَيْنٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ذَاكَ اللَّهُ " (١). ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ جَلَسَ في صَحْنِ الْمَسْجِدِ، فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ! جِئْنَاكَ نُفَاخِرْكَ، فَأْذَنْ لِشَاعِرِنَا وَخَطِيبِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ أَذِنْتُ لِخَطِيبِكُمْ، فَلْيَقُلْ". فَقَامَ عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ فَقَالَ: الْحَمْدُ للَّهِ الذِي لَهُ عَلَيْنَا الفضْلُ وَالْمَنُّ، وَهُوَ أَهْلُهُ، الذِي جَعَلَنَا مُلُوكًا، وَوَهَبَ لَنَا أَمْوَالًا عِظَامًا نَفْعَلُ فِيهَا الْمَعْرُوفَ، وَجَعَلَنَا أَعَزَّ أَهْلِ الْمَشْرِقِ، وَأَكْثَرَهُ عَدَدًا، وَأَيْسَرَهُ عُدَّةً، فَمَنْ مِثْلُنَا في النَّاسِ؟ أَلسْنَا بِرُؤُوسِ النَّاسِ وَأُولي فَضْلِهِمْ؟ فَمَنْ فَاخَرَنَا فَلْيَعْدُدْ مِثْلَ مَا عَدَدْنَا، وَإِنَّا لَوْ نَشَاءُ لَأَكْثَرْنَا الْكَلَامَ، وَلَكِنَّا نَحْيَا مِنَ الْإِكْثَارِ فِيمَا أُعْطِينَا، وَإِنَّا نُعْرَفُ بِذَلِكَ، أَقُولُ هَذَا؛ لِأَنْ تَأْتُوا بِمِثْلِ قَوْلنَا، وَأَمْرٍ أَفْضَلَ مِنْ أَمْرِنَا، ثُمَّ جَلَسَ. * ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ ﵁ يَرُدُّ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ أَخِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ

стр. 2137

الْخَزْرَجِ، خَطِيبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "قُمْ فَأَجِبِ الرَّجُلَ في خُطْبَتِهِ". فَقَامَ ثَابِتٌ ﵁ فَقَالَ: الْحَمْدُ للَّهِ الذِي السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ خَلْقُهُ، قَضَى فِيهِنَّ أَمْرَهُ، وَوَسِعَ كُرْسِيَّهُ عِلْمُهُ، وَلَمْ يَكُ شَيْءٌ قَطُّ إِلَّا مِنْ فَضْلِهِ، ثُمَّ كَانَ مِنْ قُدْرَتِهِ أَنْ جَعَلَنَا مُلُوكًا، وَاصْطَفَى مِنْ خَيْرِ خَلْقِهِ رَسُولًا، أَكْرَمَهُ نَسَبًا، وَأَصْدَقهُ حَدِيثًا، وَأَفْضَلَهُ حَسَبًا، فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ، وَائْتَمَنَهُ عَلَى خَلْقِهِ، فَكَانَ خِيرَةَ اللَّهِ مِنَ الْعَالَمِينَ، ثُمَّ دَعَا النَّاسَ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ، فَآمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قَوْمِهِ، وَذَوِي رَحِمِهِ، أَكْرَمِ النَّاسِ حَسَبًا، وَأَحْسَنِ النَّاسِ وُجُوهًا، وَخَيْرِ النَّاسِ فِعَالًا، ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ الْخَلْقِ إِجَابَةً، وَاسْتَجَابَ للَّهِ حِينَ دَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ نَحْنُ، فَنَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ، وَوُزَرَاءُ رَسُولهِ، نُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ، فَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولهِ مَنَعَ مِنَّا مَالَهُ وَدَمَهُ، وَمَنْ كَفَرَ جَاهَدْنَاهُ في اللَّهِ أَبَدًا، وَكَانَ قَتْلُهُ عَلَيْنَا يَسِيرًا، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَستَغْفِرُ اللَّه لِي وَللْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ. * شِعْر الزِّبْرِقَانِ بنِ بَدْرٍ: ثُمَّ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ! ائْذَنْ لِشَاعِرِنَا، فَأَذِنَ لَهُ، فَقَامَ الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ، فَقَالَ: نَحْنُ الْكِرَامُ فَلَا حَيٌّ يُعَادِلُنَا ... مِنَّا الْمُلُوكُ وَفِينَا تُنْصَبُ البِيَعُ وَنَحْنُ يُطْعِمُ عِنْدَ الْقَحْطِ مُطْعِمُنَا ... مِنَ الشِّوَاءَ (١) إِذَا لَمْ يُؤْنَسِ القزَعُ إِلَى أَنْ يَقُولَ:

стр. 2138

فَلَا تَرَانَا إِلَى حَيٍّ نُفَاخِرُهُمْ ... إِلَّا اسْتَفَادُوا فَكَانُوا الرَّأْسَ يُقْتَطَعُ فَمَنْ يُفَاخِرُنا في ذَاكَ نَعْرِفُهُ ... فَيَرْجِعُ القوْمُ وَالْأَخْبَارُ تُسْتَمَعُ إِنَّا أَبَيْنَا وَلَا يَأْبَى لَنَا أَحَدٌ ... إِنَّا كَذَلِكَ عِنْدَ الفخْرِ نَرْتَفِعُ * حَسَّانُ بنُ ثَابِتٍ ﵁ يَرُدُّ: وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁، وَكَانَ غَائِبًا، قَالَ حَسَّانُ جَاءَنِي رَسُولُهُ ﷺ ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ إِنَّمَا دَعَانِي لِأُجِيبَ شَاعِرَ بَنِي تَمِيمٍ، فَخَرَجْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَقُولُ: مَنَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ إِذْ حَلَّ وَسْطَنَا ... عَلَى أَنْفِ رَاضٍ مِنْ مَعَدٍّ وَرَاغِمِ مَنَعْنَاهُ لَمَّا حَلَّ بَيْنَ بُيُوتِنَا ... بِأَسْيَافِنَا مِنْ كُلِّ بَاغٍ وَظَالِمِ فَلَمَّا وَصَلَ حَسَّانُ ﵁ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قُمْ يَا حَسَّانُ فَأَجِبْ الرَّجُلَ فِيمَا قَالَ"، فَقَامَ حَسَّانُ فَأَجَابَهُ بِمِثْلِ شِعْرِهِ، فَكَانَ مِمَّا قَالَ: إِنَّ الذَّوَائِبَ (١) مِنْ فِهْرٍ (٢) وَإِخْوَتِهُمْ ... قَدْ بَيَّنُوا سُنَّةً لِلنَّاسِ تُتَّبَعُ يَرْضَى بِهَا كُلُّ مَنْ كَانَتْ سَرِيرَتُهُ ... تَقْوَى الْإِلَهِ وَبِالْأَمْرِ الذِي شَرَعُوا قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا ضَرُّوا عَدُوَّهُمُ ... أَوْ حَاوَلُوا النَّفْعَ في أَشْيَاعِهِمْ نَفَعُوا سَجِيَّةٌ (٣) تِلْكَ فِيهِمْ غَيْرُ مُحْدَثَةٍ ... إِنَّ الْخَلَائِقَ فَاعْلَمْ شَرُّهَا الْبِدَعُ

стр. 2139

إِنْ كَانَ في النَّاسِ سَبَّاقُونَ بَعْدَهُمُ ... فكُلُّ سَبْقٍ لِأَدْنَى سَبْقِهِمْ تَبَعُ إِلَى أَنْ يَقُولَ ﵁: أَكْرِمْ بِقَوْمٍ رَسُولُ اللَّهِ شِيعَتُهُمْ ... إِذَا تَفَاوَتَتِ الْأَهْوَاءُ وَالشِّيَعُ أُهْدِي لَهُمْ مَدْحِي قَلْبٌ يُؤَازِرُهُ ... فِيمَا أُحِبُّ لِسَانٌ حَائِكٌ صَنَعُ فَإِنَّهُمْ أَفْضَلُ الْأَحْيَاءِ كُلِّهِمِ ... إِنْ جَدَّ بِالنَّاسِ جِدُّ الْقَوْلِ أَوْ شَمَعُوا فَقَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: وَأَبِي، إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَمُؤْتًى لَهُ، لَخَطِيبُهُ أَخْطَبُ مِنْ خَطِيبِنَا، وَلَشَاعِرُهُ أَشْعَرُ مِنْ شَاعِرِنَا، وَلَأَصْوَاتُهُمْ أَعَلَى مِنْ أَصْوَاتِنَا. فَلَمَّا فَرَغَ الْقَوْمُ أَسْلَمُوا، وَجَوَّزَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَحْسَنَ جَوَائِزَهُمْ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَبَايَاهُمْ، وَقِيلَ: إِنَّهُ أَعْتَقَ بَعْضًا وَأَفْدَى بَعْضًا، فَقَدْ رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَا أَزَالُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ بَعْدَ ثَلَاثٍ، سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يقُولُهَا فِيهِمْ: "هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ"، وَكَانَتْ فِيهِمْ سَبِيَّةٌ عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂ فَقَالَ: "أَعْتِقِيهَا، فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ"، وجاءت صدقاتهم، فقال: "هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا" (١). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ لِلطَّحَاوِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةِ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنْ سَرَّكِ أَنْ تُعْتِقِي مِنْ وَلَدِ

стр. 2140

إِسْمَاعِيلِ، فَأَعْتِقِي مِنْ هَؤُلَاءِ" (١). وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَبْيَ بَنِي الْعَنْبَرِ (٢) كَانَ وُزِّعَ عَلَى الْغَانِمِينَ، وَأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ مَلَكَتْ هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِالشِّرَاءِ أَوِ الْهِبَةِ، ثُمَّ أَعْتَقَهَا عِنْدَمَا جَاءَ قَوْمُهَا يَطْلُبُونَهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْضَ الْآيَاتِ مِنْ سُورَةِ الْحُجُرَاتِ في وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣). * حَدِيثٌ في فَضْلِ بَنِي تَمِيمٍ: رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَا أَزَالُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ بَعْدَ ثَلَاثٍ، سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُهَا فِيهِمْ: "هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَالِ" (٤). . . . .

стр. 2141

وَكَانَتْ فِيهِمْ سَبِيَّةٌ (١) عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَالَ ﷺ : "أَعْتِقِيهَا فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ"، وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ، فَقَالَ ﷺ : "هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا" (٢). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الْحَافِظُ في الْفَتْحِ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ: ١ - فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِبَنِي تَمِيمٍ، وَكَانَ فِيهِمْ في الْجَاهِلِيَّةِ وَصَدْرِ الْإِسْلَامِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَشْرَافِ وَالرُّؤَسَاءِ. ٢ - وَفِيهِ الْإِخْبَارُ عَمَّا سَيَأْتِي مِنَ الْأَحْوَالِ الْكَائِنَةِ في آخِرِ الزَّمَانِ (٣). * سَبَبُ نزولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾: وَلَمَّا أَسْلَمَ وَفْدُ بَنِي تَمْيمٍ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُؤَمِّرَ عَلَيْهِمْ أَحَدَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁: أَمِّرْ عَلَيْهِمُ الْقَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدٍ، وَقَالَ عمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَلْ أَمِّرْ عَلَيْهِمُ الْأَقْرَعَ بْنُ حَابِسٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: مَا أَرَدْتَ إِلَّا

стр. 2142

خِلَافِي، فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ، فتَمَارَيَا (١) حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَكَانَ عُمَرُ ﵁ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا حَدَّثَ النَّبِيَّ ﷺ حَدِيثًا حَدَّثَهُ كَأَخِي السِّرَارِ (٣)، لَمْ يُسمِعْهُ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ (٤). * سَببٌ آخَرُ في نُزُولِ الْآيَةِ: رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ -وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾.

стр. 2143

وَكَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ رَفِيعَ الصَّوْتِ، فَقَالَ: أَنَا الذِي كُنْتُ أَرْفَعُ صَوْتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حَبِطَ عَمَلِي، أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ! وَجَلَسَ في أَهْلِهِ حَزِينًا، فتَفَقَّدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَانْطَلَقَ بَعْضُ الْقَوْمِ إِلَيْهِ، فَقَالُوا لَهُ: تَفَقَّدَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، مَالَكَ؟ فَقَالَ: أَنَا الذِي أَرْفَعُ صَوْتِي فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ، وَأَجْهَرُ بِالْقَوْلِ، حَبِطَ عَمَلِي، وَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ بِمَا قَالَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا، بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ". قَالَ أَنَسٌ: وَكُنَّا نراهُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّه مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الَيَمَامَةِ (١) كَانَ فِينَا بَعْضُ الِانْكِشَافِ (٢)، فَجَاءَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاس ﵁، وَقَدْ تَحَنَّطَ وَلَبِسَ كَفَنَهُ، فَقَالَ: بِئْسَمَا تُعَوِّدُونَ أَقْرَانَكُمْ، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ ﵁ (٣). قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْحَافِظُ في الْفتْحِ: الصَّحِيحُ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ كَلَامُ جُفَاةِ الْأَعْرَابِ (٤).

стр. 2144

وَقَالَ الْحَافِظُ في الْفتْحِ: وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ هَذَا الْحَدِيثَ، فَإِنَّ الذِي يَتَعَلَّقُ بِقِصَّةِ الشَّيْخَيْنِ في تَخَالُفِهِمَا في التَّأْمِيرِ هُوَ أَوَّلُ السُّورَةِ: ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ وَلَكِنْ لَمَّا اتَّصَلَ بِهَا قَوْلُهُ: ﴿لَا تَرْفَعُوا﴾ تَمَسَّكَ عُمَرُ ﵁ مِنْهَا بِخَفْضِ صَوْتِهِ، وَجُفَاةُ الْأَعْرَابِ الذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ هُمْ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَالذِي يَخْتَصُّ بِهِمْ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ (١). * فَائِدَةٌ مُهِمَّةٌ: قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ الْعُلَمَاءُ: يُكْرَهُ رَفع الصَّوْتِ عِنْدَ قَبْرِهِ ﷺ ، كَمَا كَانَ يُكْرَهُ في حَيَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ مُحْترَمٌ حَيًّا وَفِي قَبِرْهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، دَائِمًا، ثُمَّ نَهَى عَنِ الْجَهْرِ لَهُ بِالْقوْلِ كَمَا يَجْهَرُ الرَّجُلُ لِمُخَاطَبِهِ مِمَّنْ عَدَاهُ، بَلْ يُخَاطَبُ بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ وَتَعْظِيمٍ، وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدٍ قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا في الْمَسْجِدِ فَحَصَبَنِي (٢) رَجُلٌ، فنَظَرْتُ فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ: اذْهَبْ فَأْتِنِي بِهَذَيْنِ، فَجِئْتُهُ بِهِمَا. فَقَالَ لَهُمَا عُمَرُ ﵁: مَنْ أَنْتُمَا؟ -أَوْ قَالَ: مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا؟ قَالَا: مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ، قَالَ: لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ لَأَوْجَعْتُكُمَا (٣)، تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا في مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ! (٤).

стр. 2145

وَفْدُ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ وَفِي أَوَّلِ سَنَةِ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةُ رَهْطٍ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، فِيهِمْ: حَضْرَمِيُّ بْنُ عَامِرٍ، وَضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ، وَوَابِصَةُ بْنُ مَعْبَدٍ، وَنُقَادَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَطُلَيْحَةُ (١) بْنُ خُوَيْلِدٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ أَصْحَابِهِ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وَتَكَلَّمُوا، فَقَالَ حَضْرَمِيُّ بْنُ عَامِرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا شَهِدْنَا أَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأنَّكَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَجِئْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَمْ تَبْعَثْ إِلَيْنَا بَعْثًا، وَلَمْ نُقَاتِلْكَ كَمَا قَاتَلَتْكَ الْعَرَبُ، وَنَحْنُ عَلَى مَنْ وَرَاءَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢). وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ بَنِي أَسَدٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَتَكَلَّمُوا، فَقَالُوا: قَاتَلَتْكَ مُضَرٌ، وَلَسْنَا

стр. 2146

بِأَقَلِّهِمْ عَدَدًا، وَلَا أَكَلِّهِمْ (١) شَوْكَةً، وَصَلْنَا رَحِمَكَ، فَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄: "تَكَلَّمُوا هَكَذَا"، قَالُوا: لَا، قَالَ: "إِنَّ فِقْهَ هَؤُلَاءِ قَلِيلٌ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْطِقُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ"، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢). قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَبَنُو أَسَدٍ كَانُوا فِيمَنِ ارْتَدَّ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَبِعُوا طُلَيْحَةَ بْنَ خُوَيْلِدٍ الْأَسَدِيَّ لَمَّا ادَّعَى النُّبُوَّةَ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ﵁ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، وَكَسَرَهُمْ، وَرَجَعَ بَقِيَّتُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَتَابَ طُلَيْحَةُ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ (٣). * * *

стр. 2147

سَرِيَّةُ الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ ﵁ إِلَى بَنِي كِلابٍ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الضَّحَّاكَ بْنَ سُفْيَانَ الْكِلَابِيَّ ﵁، فِي سَرِيَّةٍ إِلَى الْقُرَطَاءَ (١)، وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَبِيع الْأَوَّلِ سَنَةَ تِسْعٍ لِلْهِجْرَةِ؛ لِيَدْعُوَهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَمَعَهُ الْأَصَيْدُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ قُرَطٍ، فَلَقُوهُمْ بِالزُّجِّ زُجِّ لَاوَهَ (٢)، فَدَعَوْهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَبَوا، فَقَاتَلُوهُمْ فَهَزَمُوهُمْ، وَلَحِقَ الْأَصَيْدُ أبَاهُ سَلَمَةَ، وَسَلَمَةُ عَلَى فَرَس له فِي غَدِيرٍ بِالزُّجِّ، فَدَعَا أَبَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَعْطَاهُ الْأَمَانَ، فَسَبَّهُ وَسَبَّ دِينَهُ، فَضَرَبَ الْأَصَيْدُ عُرْقُوبَيْ فَرَسِ أَبِيهِ فَوَقَعَ، فَأَمْسَكَ أَبَاهُ إِلَى أَنْ جَاءَهُ أَحَدُ الْمُسْلِمِينَ فَقتَلَهُ، وَلَمْ يَقْتُلْهُ ابْنُهُ (٣). * * *

стр. 2148

سَرِيَّةُ علْقَمَةَ بْنِ مُجَزِّرٍ (١) ﵁ وَسَبَبُ هَذِهِ السَّرِيَّةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا مِنَ الْحَبَشَةِ قَدِ اجْتَمَعُوا بِالْقُرْبِ مِنْ سَوَاحِلِ جُدَّةَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ عَلْقَمَةَ بْنَ مُجَزِّرٍ الْمُدْلِجِيَّ ﵁، وَذَلِكَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ، فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ، فَلَمَّا سَمِعُوا بِمَسِيرِ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِمْ هَرَبُوا، فَلَمْ يَلْقَ عَلْقَمَةُ ﵁ وَأَصْحَابُهُ كَيْدًا. ثُمَّ رَجَعُوا، فَاسْتَأْذَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالتَّعَجُّلِ إِلَى أَهْلِيهِمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ عَلْقَمَةُ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ السَّهْمِيَّ (٢) ﵁، وَكَانَتْ فِيهِ دُعَابَةٌ (٣)، فَنَزَلُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ وَأَوْقَدُوا نَارًا يَصْطَلُونَ (٤) عَلَيْهَا، وَيَصْنَعُونَ طَعَامَهُمْ، فَقَالَ

стр. 2149

لَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ: أَليْسَ لِي عَلَيْكُمُ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ؟ . قَالُوا: بَلَى، قَالَ: أَفَمَا أَنَا آمُرُكُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا فَعَلْتُمُوهُ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَإِنِّي أَعْزِمُ عَلَيْكُمْ بِحَقِّي وَطَاعَتِي إِلَّا تَوَاثَبْتُمْ فِي هَذهِ النَّارِ! ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنَ النَّارِ، وَقَامَ نَاسٌ حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُمْ وَاثِبُونَ فِيهَا، قَالَ: أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِنَّمَا كُنْتُ أَضْحَكُ (١) مَعَكُمْ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ دَخَلْتُمُوهَا لَمْ تَزَالُوا فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ". وَنَزَلَ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٢).

стр. 2150

سَرِيَّةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ إِلَى الْفُلْسِ (١) وَفِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ تِسْعٍ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ لِهَدْمِ الْفُلْسِ، وَمَعَهُ خَمْسُونَ وَمِائَةُ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ وَخَمِسِينَ فَرَسًا، فَشَنُّوا عَلَى قَبِيلَةِ طَيْءٍ مَعَ الْفجْرِ، فَهَدَمُوا الْفُلْسَ وَخَرَّبُوهُ، وَمَلَأُوا أَيْدِيَهُمْ مِنَ السَّبْيِ وَالنَّعَمِ وَالشَّاءِ، وَكَانَ فِي السَّبْيِ سَفَّانَةُ أُخْتُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، وَهَرَبَ عَدِيٌّ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ مَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أُخْتِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، فَأَطْلَقَهَا، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا فِي إِسْلَامِ أَخِيهَا عَدِيٍّ ﵁ (٢). * * *

стр. 2151

قِصَّةُ إِسْلامِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ ﵁ - رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: جَاءَتْ خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ قَالَ: رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَخَرَجْتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَقْصَى الْأَرْضِ مِمَّا يَلِي الرُّومَ، فَأَخَذُوا عَمَّتِي (١) وَنَاسًا، فَلَمَّا أَتَوْا بِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَصُفُّوا لَهُ، قَالَتْ عَمَّتِي: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نَأَى (٢) الْوَافِدُ، وَانْقَطَعَ الْوَلَدُ، وَأَنَا عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ، مَا بِي مِنْ خِدْمَةٍ، فَمُنَّ عَلَيَّ، مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ وَافِدُكِ؟ "، قَالَتْ: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ. قَالَ ﷺ : "الذِي فَرَّ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولهِ؟ ". قَالَتْ: فَمُنَّ عَلَيَّ، قَالَتْ: فَلَمَّا رَجَعَ وَرَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ، تُرَى أَّنَّهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، قَالَ: سَلِيهِ حُمْلَانًا، فَسَأَلتْهُ، فَأَمَرَ لَهَا، قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَتَيْتُ عَدِيًّا، وَقُلْتُ لَهُ: لقَدْ فَعَلْتَ فَعْلَةً مَا كَانَ أَبُوكَ يَفْعَلُهَا (٣)، فَأْتِهِ -أَي ائْتَ

стр. 2152

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَاغِبًا أَوْ رَاهِبًا، فَقَدْ أَتَاهُ فُلَانٌ، فَأَصَابَ مِنْهُ، وَأَتَاهُ فُلَانٌ، فَأَصَابَ مِنْهُ. قَالَ عَدِيٌّ: فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، اسْتَشْرَفَ لِيَ النَّاسُ، وَقَالُوا: جَاءَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، جَاءَ عَدْيُّ بْنُ حَاتِمٍ، فَلَمَّا أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ لِي: "يَا عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ! مَا أَفرَّكَ (١) أَنْ يُقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ فَهَلْ مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ؟ ، مَا أَفَرَّكَ أَنْ يُقَالَ: اللَّهُ أَكْبَر؟ فَهَلْ مِنْ شَيْءٍ أَكْبَرُ مِنَ اللَّهِ؟ ، يَا عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ" ثَلَاثًا. قُلْتُ: إِنِّي عَلَى دِينٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أنَّا أَعْلَمُ بِدِينِكَ مِنْكَ". فَقُلْتُ: أَنْتَ أَعْلَمُ بِدِينِي مِنِّي؟ ! . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ، أَلَسْتَ مِنَ الرَّكُوسِيَّةِ (٢)، وَأَنْتَ تَأْكُلُ مِرْبَاعَ (٣) قَوْمِكَ؟ ". قُلْتُ: بَلَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَإِنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ لَكَ فِي دِينِكَ". قَالَ عَدِيٌّ: فَلَمْ يَعْدُ أَنْ قَالَهَا، فتَضَعْضَعْتُ (٤) لِذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ

стр. 2153

- ﷺ : "أَمَا إِنِّي أَعْلَمُ مَا الذِي يَمْنَعُكَ مِنَ الْإِسْلَامِ، تَقُولُ: إِنَّمَا اتَّبَعَهُ ضَعَفَةُ النَّاسِ، وَمَنْ لَا قُوَّةَ لَهُ، وَقَدْ رَمَتْهُمُ الْعَرَبُ، أَتَعْرِفُ الْحِيرَةَ؟ " (١). قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا، وَقَدْ سَمِعْتُ بِهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَوَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُتَمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ (٢) حَتَّى تَخْرُجَ الظَّعِينَةُ (٣) مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْبَيْتِ فِي غَيْرِ جِوَارِ أَحَدٍ، وَلَيُفْتَحَنَّ كُنُوزَ كسْرَى بْنِ هُرْمُزَ". فَقَالَ عَدِيٌّ: كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ؟ ! . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ، كسْرَى بْنُ هُرْمُزَ، وَلَيُبَذَلَنَّ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ" (٤).

стр. 2154

قَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ ﵁: فَهَذِهِ الظَّعِينَةُ تَخْرُجُ مِنَ الْحِيرَةِ، فتَطُوفُ بِالْبَيْتِ فِي غَيْرِ جِوَارٍ، وَلقدْ كُنْتُ فِيمَنْ فَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكُونَنَّ الثَّالِثَةُ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَالَهَا (١). * حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: أتيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا عَدِيُّ، اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الْوَثَنَ" (٢)، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٣)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ" (٤).

стр. 2155

قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ السَّلَامِ بنِ حَرْبٍ، وَغُطَيفُ بنُ أَعْيَنَ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ فِي الحَدِيثِ. * سُؤَالُ عَدِيٍّ ﵁ عَنْ أَبِيهِ: ثُمَّ إِنَّ عَدِيًّا ﵁ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَبِيهِ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ الْمَعْرُوفِ بِالْكَرَمِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبِي كَانَ يُطْعِمُ الْمَسَاكِينَ، وَيَعْتِقُ الرِّقَابَ، فَهَلْ لَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ أجْرٍ؟ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَباكَ أَرَادَ أَمْرًا فَأَدْرَكَهُ" يَعْنِي الذِّكْرَ. وَفِي رِوَايَةٍ: "فَأَصَابَهُ" (١) * شَيْءٌ مِنْ فَضَائِلِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ -: رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: أَتَيْنَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ وَذَلِكَ فِي خِلَافَتِهِ- فِي وَفْدٍ فَجَعَلَ يَدْعُو رَجُلًا رَجُلًا وَيُسَمِّيهِمْ، فَقُلْتُ: أَمَا تَعْرِفُنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ . قَالَ: بَلَى، أَسْلَمْتَ إِذْ كَفَرُوا، وَأَقْبَلْتَ إِذْ أَدْبَرُوا، وَوَفَيْتَ إِذْ غَدَرُوا، وَعَرَفْتَ إِذْ أَنْكَرُوا.

стр. 2156

فَقَالَ عَدِيٌّ: فَلَا أُبَالِي إِذًا (١). وَرَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ لِي: إِنَّ أَوَّلَ صَدَقَةٍ بَيَّضَتْ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوُجُوهَ أَصْحَابِهِ صَدَقَةُ طَيْءٍ، جِئْتَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٢). * * *

стр. 2157

قُدُومُ وَفْدِ طَيْءٍ قَدِمَ عَلَى رَسولِ اللَّهِ ﷺ وَفْدُ طَيْءٍ، وَذَلِكَ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ (١)، وَكَانُوا خَمْسَةَ عَشَرَةَ رَجُلًا، فِيهِمْ: قَبِيصَةُ بْنُ الْأَسوَدِ، وَقُعيْنُ بْنُ خُلَيْفٍ، وَرَأْسُهُمْ وَسَيِّدُهُمْ زَيْدُ الْخَيْلِ (٢) بْنُ مُهَلْهِلَ مِنْ بَنِي نَبْهَانَ، وَكَانَ شَاعِرًا خَطِيبًا، بَلِيغًا جَوَادًا، فَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ وَرَسولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَنَاخُوا رَوَاحِلَهُمْ بِفِنَاءَ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ دَخَلُوا فَدَنَوْا مِنْ رَسولِ اللَّهِ ﷺ ، فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الْإِسْلَامَ، فَأَسْلَمُوا وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِزَيْدِ الْخَيْلِ: "مَنْ أَنْتَ؟ "، قَالَ: أَنَا زَيْدُ الْخَيْلِ بْنُ مُهَلْهِلَ، فَقَالَ لَهُ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا ذُكِرَ لِي رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ بِفَضْلٍ، ثُمَّ جَاءَنِي إِلَّا رَأَيْتُهُ دُونَ مَا يُقَالُ فِيهِ، إِلَّا زَيْدُ الْخَيْلِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ كُلُّ مَا كَانَ فِيهِ" ثُمَّ سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدَ الْخَيْرِ. ثُمَّ أَجَازَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِخَمْسِ أَوَاقِ فِضَّةٍ، ثُمَّ انْصَرَفُوا إِلَى بِلَادِهِمْ (٣).

стр. 2158

وَفْدُ بَجِيلةَ (١) وأَحْمَسَ (٢) قَدِمَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ ﵁ الْمَدِينَةَ وَمَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ رَجُلًا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ، عَرضَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي خُطْبَتِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذَا البَابِ -أَوْ مِنْ هَذَا الفجِّ- مِنْ خَيْرِ ذِي يَمَنٍ، عَلَى وَجْهِهِ مَسْحَةُ مَلَكٍ"، فَأَخَذَ النَّاسُ كُلُّ رَجُلٍ يَرْجُو أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَإِذَا هُمْ بَجَرِيرٌ ﵁ قَدْ طَلَعَ مِنَ الثَّنِيَّةِ عَلَى رَاحِلَتِه، ومَعَهُ قَوْمُهُ. قَالَ جَرِيرٌ: فَأَنَخْتُ رَاحِلَتِي، ثُمَّ حَلَلْتُ عَيْبَتِي (٣)، ثُمَّ لَبِسْتُ حُلَّتِي، ثُمَّ دَخَلْتُ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ، فَرَمَانِي النَّاسُ بِالْحَدَقِ (٤)، فَقُلْتُ لِجَلِيسِي: يَا عَبْدَ اللَّهِ! ذَكَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، ذَكَرَكَ آنِفًا بِأَحْسَنِ ذِكْرٍ، فَأَخْبَرَهُ مَا قَالَ، قَالَ جَرِيرٌ: فَحَمِدْتُ اللَّهَ عَلَى مَا أَبْلَانِي (٥).

стр. 2159

ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتَّى سَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَبَسَطَ لِي رِدَاءَهُ وَقَالَ: "عَلَى هَذَا يَا جَرِيرٌ فَاقْعُدْ"، وَالْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: "إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ" (١). ثُمَّ أَسْلَمَ جَرِيرٌ هُوَ وَقَوْمُهُ، وَبَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ (٢). قَالَ جَرِيرٌ ﵁: مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وجْهِي (٣). * أَهَمِيَّةُ أَحَادِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ -: تَكْمُنُ أَهَمِيَّةُ أَحَادِيثِ جَرِيرٍ ﵁ بِأَنَّ إِسْلَامَهُ كَانَ مُتَأَخِّرًا، فَيَكُونُ فِعْلُهُ ﵁

стр. 2160

مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ هَمَّامٍ قَالَ: بَالَ جَرِيرٌ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: تَفْعَلُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ. قَالَ الْأَعْمَشُ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَكَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ؛ لِأَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ (١). * خَبَرٌ مُنْكَرٌ: قُلْتُ: وَقَعَ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ لِلطَّحَاوِيِّ قَوْلُ جَرِيرٍ ﵁: أَسْلَمْتُ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: مَا أَسْلَمَ جَرِيرٌ إِلَّا قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً (٢). وَهَذَا الْخَبَرُ إِسْنَادُهُ صَحِيح، لَكِنَّهُ مَرْدُودٌ؛ لِمَا فِي مَتْنِهِ مِنْ نَكَارَةٍ. قَالَ الطَّحَاوِيُّ بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَ هَذَا الْخَبَرَ: وَهَذَا عِنْدَنَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ (٣). قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفتْحِ: اخْتُلِفَ فِي إِسْلَامِ جَرِيرٍ ﵁، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ أَسْلَمَ فِي سَنَةَ الْوُفُودِ سَنَةَ تِسْعٍ، وَوَهِمَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ

стр. 2161

بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا؛ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: "اسْتَنْصِتِ النَّاسَ" (١) فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ ﷺ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَانِينَ يَوْمًا (٢). * * *

стр. 2162

وَفْدُ الأَحْمَسِيِّينَ وَقَدِمَ قَيْسُ بْنُ عَزْرَةَ الْأَحْمَسِيُّ فِي مِائتَيْنِ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ أَحْمَسَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَنْتُمْ؟ "، فَقَالُوا: نَحْنُ أَحْمَسُ (١) اللَّهِ -وَكَانَ يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ- فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَأَنْتُمْ الْيَوْمَ للَّهِ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِبِلَالٍ: "أَعْطِ رَكْبَ بَجِيلةَ، وَابْدَأْ بِالْأَحْمَسِيِّينَ"، فَفَعَلَ (٢). وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ بَجِيلَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اكْسُوا الْبَجَلِيِّينَ، وَابْدَؤُوا بِالْأَحْمَسِيِّينَ"، قَالَ: فتَخَلَّفَ رَجُلٌ مِنْ قَيْسٍ، قَالَ: حَتَّى أَنْظُرَ مَا يَقُولُ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَدَعَا لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسَ مَرَّاتٍ: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمْ" أَوْ "اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِمْ" (٣). * * *

стр. 2163

هَدْمُ ذِي الْخَلَصَةِ (١) ذُو الْخَلَصَةِ، هُوَ بَيْتٌ فِيهِ صَنَمٌ بِالْيَمَنِ لِدَوْسٍ وَخَثْعَمَ (٢) وَبَجِيلَةَ، وَمَنْ كَانَ ببلَادِهِمْ مِنَ الْعَرَبِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجَرِيرٍ ﵁: "ألا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ؟ ". فَقَالَ جَرِيرٌ ﵁: بَلَى، فَعَقَدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِوَاءً، وَانْطَلَقَ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ فَارِسٍ مِنْ أَحْمَسَ، وَكَانُوا أَصْحَابَ خَيْلٍ. قَالَ جَرِيرٌ ﵁: وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَضَرَبَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ يَدِهِ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا"، قَالَ: فَمَا وَقَعْتُ عَنْ فَرَسٍ بَعْدُ. فَانْطَلَقَ جَرِيرٌ ﵁ وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ حَتَّى أَتَى ذِي الْخَلَصَةِ فَحَرَقَهَا بِالنَّارِ وَكَسَرَهَا، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مِنْ أَحْمَسَ، يُكَنَّى أَبَا أَرْطَاةَ (٣) حُصَيْنَ بْنَ رَبِيعَةَ، لِيُبَشِّرَهُ بِهَدْمِهَا، فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ!

стр. 2164

وَالذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا جِئْتُ حَتَّى تَرَكْتُهَا كَأنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ (١)، فَبَرَّكَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ، وَمَا لَبِثَ جَرِيرٌ ﵁ أَنْ رَجَعَ، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلِأَحْمَسَ (٢). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَاَلَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ: ١ - مَشْرُوعِيَّةُ إِزَالَةِ مَا يَفْتَتِنُ بِهِ النَّاسُ مِنْ بِنَاءٍ وَغَيْرِهِ، سَوَاءٌ كَانَ إِنْسَانًا أَوْ حَيَوانًا أَوْ جَمَادًا. ٢ - وَفِيهِ اسْتِمَالَةُ نُفُوسِ الْقَوْمِ بِتَأْمِيرِ مَنْ هُوَ مِنْهُمْ. ٣ - وَفِيهِ الِاسْتِمَالَةُ بِالدُّعَاءِ. ٤ - وَفِيهِ الثَّنَاءُ وَالْبِشَارَةُ فِي الْفُتُوحِ. ٥ - وَفِيهِ فَضْلُ رُكُوبِ الْخَيْلِ فِي الْحَرْبِ. ٦ - وَفِيهِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ. ٧ - وَفِيهِ الْمُبالَغَةُ فِي نِكَايَةِ الْعَدُوِّ.

стр. 2165

٨ - وَفِيهِ مَنَاقِبٌ لَجَرِيرٍ ﵁ وَلقَوْمِهِ. ٩ - وَفِيهِ بَرَكَةُ يَدِ النَّبِيِّ ﷺ وَدُعَائِهِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَدْعُو وِتْرًا، وَقَدْ يُجَاوِزُ الثَّلَاثَ. ١٠ - وَفِيهِ تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ قَوْلِ أَنَسٍ: "كَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا" (١)، فَيُحْمَلُ عَلَى الْغَالِبِ، وَكَأَنَّ الزِّيَادَةَ لِمَعْنًى اقْتَضَى ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَحْمَسَ لِمَا اعْتَمَدُوهُ مِنْ دَحْضِ الْكُفْرِ وَنَصْرِ الْإِسْلَامِ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ الْقَوْمِ الذِينَ هُمْ مِنهُمْ (٢). * * *

стр. 2166

وَفْدُ خَثْعَمَ وَبَعْدَمَا هَدَمَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ ﵁، ذَا الْخَلَصَةِ، وَقتَلَ مَنْ قَتَلَ مِنْ خَثْعَم، قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفْدٌ مِنْهُمْ، فِيهِمْ: أَنَسُ بْنُ مُدْرِكٍ، وَحُصَيْنُ بْنُ مُشَمِّتٍ، فَقَالُوا: آمَنَّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَبَايَعُوهُ بَيْعَةَ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : اكْتُبْ لَنَا كِتَابًا نَتَّبعُ مَا فِيهِ، فَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا، شَهِدَ عَلَيْهِ جَرِيرٌ ﵁، وَمَنْ حَضَرَ (١). * * *

стр. 2167

وَفَاةُ النَّجَاشِيِّ ﵁ وَفَضْلُهُ وَفِي رَجَبٍ مِنَ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ (١)، تُوُفِّيَ أَصْحَمَةُ النَّجَاشِيُّ ﵁ مَلِكُ الْحَبَشَةِ-، فَنَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَصْحَابِهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ، فَصَلَّى عَلَيْهِ صَلَاةَ الْغَائِبِ. وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى عَلَى غَائِبٍ سِوَاهُ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَاتَ بَيْنَ قَوْمٍ نَصَارَى، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ الذِينَ كَانُوا مُهَاجِرِينَ عِنْدَهُ خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ مُهَاجِرِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ عَامَ خَيْبَرَ (٢) -كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ-. رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَعَى لَهُمُ النَّجَاشِيَّ صَاحِبَ الْحَبَشَةِ فِي الْيَوْمِ الذِي مَاتَ فِيهِ، وَقَالَ: "اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ" (٣). وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄،

стр. 2168

قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ مَاتَ النَّجَاشِيُّ: "مَاتَ الْيَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَى أَخِيكُمْ أَصْحَمَةَ" (١). وَرَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَصَفَّنَا وَرَاءَهُ، فكنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ (٢). وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ كُنَّا نتحَدَّثُ: أَنَّهُ لَا يَزَالُ عَلَى قَبْرِهِ نُورٌ (٣). وَقَدْ تَكَلَّمْنَا بِشَيْءٍ عِنِ النَّجَاشِيِّ ﵁ عِنْدَ ذِكْرِ كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الْحَبَشَةِ، فَرَاجِعْهُ. * * *

стр. 2169

وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَبْدُ القيْسِ، قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ يَنْتَمُونَ إِلَى رَبِيعَةَ، وَكَانُوا يَسْكُنُونَ الْبَحْرَيْنَ، وَيَدِينُ بَعْضُهُمْ بِالنَّصْرَانِيَّةِ، وَكَانَتْ لِهَذِهِ الْقَبِيلَةِ وِفَادَتَانِ: * الْوِفَادَةُ الأُولَى: وَكَانَتْ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الْهِجْرَةِ أَوْ قَبْلَهَا، وَكَانَ عَدَدُ الْوَفْدِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَفِيهَا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ عَنِ الْإِيمَانِ، وَعَنِ الْأَشْرِبَةِ، وَكَانَ فِيهِمْ: الْمُنْذِرُ بْنُ عَائِذٍ، وَهُوَ أَشَجُّ عبْدِ الْقيْسِ (١). رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ (٢) عبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنِ القوْمُ؟ "، أَوْ "مَنِ الوَفدُ؟ ". قَالُوا: رَبِيعَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ -أَوِ الْوَفْدِ- غَيْرِ خَزَايَا (٣) وَلَا نَدَامَى"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ (٤) بَعِيدَةٍ، وَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ

стр. 2170

هَذَا الْحَيَّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، وَإِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ (١)، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ، وَسَأَلُوهُ عَنِ الْأَشْرِبَةِ. فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟ "، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ (٢)، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ". وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: "عَنِ الْحَنْتَمِ (٣) وَالدُّبَّاءِ (٤)، وَالنَّقِيرِ (٥)، وَالْمُزَفَّتِ (٦) ".

стр. 2171

وَرُبَّمَا قَالَ: "الْمُقَيَّرِ" (١). ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "احْفَظُوهُنَّ، وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ" (٢). قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفتْحِ: وَمَعْنَى النَّهْيُ عَنِ الِانْتِبَاذِ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ بِخُصُوصِهَا؛ لِأَنَّهُ يُسْرعُ فِيهَا الْإِسْكَارُ، فَرُبَّمَا شَرِبَ مِنْهَا مَنْ لَا يَشْعُرُ بِذَلِكَ (٣). وَكَانَ هَذَا التَّحْرِيمُ فِي الشَّرَابِ مِنْ هَذِهِ الْأَسْقِيَةِ صَدْرَ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ صَارَ مَنْسُوخًا بِحَدِيثِ بريْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ ﵁ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَلفظُهُ: "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ ثَلَاثٍ: . . . وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ فِي هَذِهِ الْأَسْقِيَةِ، فَاشْرَبُوا، وَلَا تَشْرَبُوا حَرَامًا". وَفِي رِوَايَةٍ: "وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا حَرَامًا" (٤). * أَدِلَّةٌ عَلَى تَقَدُّمِ إِسْلَامِ قَبِيلَةِ عَبْدِ الْقَيْسِ: ١ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيل عَلَى تَقَدُّمِ إِسْلَامِ قَبِيلَةِ عَبْدِ الْقَيْسِ.

стр. 2172

٢ - رَوَى الإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ (١) بَعْدَ جُمُعَةٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَسْجِدِ عَبْدِ القيْسِ بِجُوَاثِي (٢) مِنَ الْبَحْرَيْنِ (٣). ٣ - وَمِنَ الأَدِلَّةِ كَذَلِكَ عَلَى تَقَدُّمِ إِسْلَامِ قَبِيلَةِ عَبْدِ الْقَيْسِ مَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ عَنِ الْأَشَجِّ الْعَصْرِيِّ ﵁ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فِي رِفْقَةٍ مِنْ عَبْدِ القيْسِ -وَهَذِهِ كَانَتْ فِي الْوِفَادَةِ الثَّانِيَةِ التِي كَانَتْ فِي عَامِ الْوُفُودِ سَنَةَ تِسْعٍ لِلْهِجْرَةِ- فَلَمَّا قَدِمُوا. . . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَعْشَرَ عَبْدِ الْقَيْسِ، مَا لِي أَرَى وُجُوهَكُمْ قَدْ تَغَيَّرَتْ"، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ نَحْنُ بِأَرْضٍ وَخِمَةٍ (٤). * الوِفَادَة الثَّانِيَة: وَأَمَّا الْوِفَادَةُ الثَّانِيَةُ، فَكَانَتْ فِي عَامِ الْوُفُودِ مِنَ الْعَامِ التَّاسِعِ الْهِجْرِيِّ،

стр. 2173

قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعُونَ أَوْ عِشْرُونَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْقَيْسِ، فِيهِمْ رِجَالُ الْوِفَادَةِ الْأُولَى وَآخَرُونَ، مِنْهُمْ: الْجَارُودُ بْنُ عَمْرٍ والْعَبْدِيُّ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ عَنِ الْأَشَجِّ الْعَصْرِيِّ (١) ﵁ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ في رِفْقَةٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ لِيَزُورَهُ، فَأَقْبَلُوا، فَلَمَّا قَدِمُوا، رُفِعَ (٢) لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَنَاخُوا (٣) رِكَابَهُمْ (٤)، فَابْتَدَرَ (٥) الْقَوْمُ، وَلَمْ يَلْبَسُوا إِلَّا ثِيَابَ سَفَرِهِمْ، وَأَقَامَ الْعَصْرِيّ، فَعَقَلَ (٦) رَكَائِبَ أَصْحَابِهِ وَبَعِيرَهُ، ثُمَّ أَخْرَجَ ثِيَابَهُ مِنْ عَيْبَتِهِ (٧)، وَذَلِكَ بِعَيْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ (٨) يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ"، قَالَ: مَا هُمَا؟ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ"، فَقَالَ الْأَشَجُّ ﵁: شَيْءٌ لا جُبِلْتُ عَلَيْهِ، أَوْ شَيْءٌ أَتَخَلَّقُهُ؟ (٩)، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا، بَلْ

стр. 2174

جُبِلْتَ عَلَيْهِ" (١)، قَالَ: الْحَمْدُ للَّهِ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَعْشَرَ عَبْدِ الْقَيْسِ، مَا لِي أَرَى وُجُوهَكُمْ قَدْ تَغَيَّرَتْ" (٢)، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! نَحْنُ بِأَرْضٍ وَخِمَةٍ، كُنَّا نَتَّخِذُ مِنْ هَذِهِ الْأَنْبِذَةِ مَا يَقْطَعُ اللُّحْمَانَ فِي بُطُونِنَا، فَلَمَّا نَهَيْتَنَا عَنِ الظُّرُوفِ (٣)، فَذَلِكَ الذِي ترَى فِي وُجُوهِنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ الظُّرُوفَ لَا تُحِلُّ وَلَا تُحَرِّمُ، وَلَكِنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَلَيْسَ أَنْ تَحْبِسُوا فتَشْرَبُوا، حَتَّى إِذَا امْتَلَأَتِ الْعُرُوقُ تَنَاحَرْتُمْ، فَوَثَبَ الرَّجُلُ عَلَى ابْنِ عَمِّهِ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ، فَتَرَكَهُ أَعْرَجَ" (٤). وَكَانَ الْجَارُودُ بْنُ الْمُعَلَّى الْعَبْدِيُّ ﵁ نَصْرَانيًا، فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا

стр. 2175

مُحَمَّدُ! إِنِّي كُنْتُ عَلَى دِينٍ، وَإِنِّي تَارِكٌ دِينِي لِدِينِكَ، أَفتَضْمَنُ لِي دِينِي؟ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ، أنَّا ضَامِنٌ لِذَلِكَ، إِنَّ الذِي أَدْعُوكَ إِلَيْهِ خَيْرٌ مِنَ الذِي كُنْتَ عَلَيْهِ"، فَأَسْلَمَ (١). ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ فِي ﷺ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَدَعَا لِقَبِيلَةِ عَبْدِ القيْسِ، فَقَالَ ﷺ : "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ الْقَيْسِ إِذْ أَسْلَمُوا طَائِعِينَ غَيْرَ كَارِهِينَ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا مَوْتُورِينَ (٢)، إِذْ بَعْضُ قَوْمِنَا لَا يُسْلِمُونَ حَتَّى يُخْزَوْا وَيُوتَرُوا". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ خَيْرَ أَهْلِ الْمَشْرِقِ عَبْدُ الْقَيْسِ" (٣). * صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُنَّةَ الظُّهْرِ بَعْدَ الْعَصْرِ: وَانْشَغَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ، حَتَّى فَاتَتْهُ رَكْعَتَا سُنَّةِ الظُّهْرِ، فَمَا صَلَّاهَا إِلَّا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَنْهَى عَنْهُمَا -أَيْ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ- ثُمَّ رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا حِينَ صَلَّى الْعَصْرَ، فَسَأَلْتُهُ عَنْهُمَا، فَقَالَ: "يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ! سَأَلْتِ عَنِ الرَّكعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ؟ إِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ بِالْإِسْلَامِ مِنْ قَوْمِهِمْ، فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ
следующие страницы →