← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

وَرُبَّمَا قَالَ: "الْمُقَيَّرِ" (١). ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "احْفَظُوهُنَّ، وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ" (٢). قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفتْحِ: وَمَعْنَى النَّهْيُ عَنِ الِانْتِبَاذِ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ بِخُصُوصِهَا؛ لِأَنَّهُ يُسْرعُ فِيهَا الْإِسْكَارُ، فَرُبَّمَا شَرِبَ مِنْهَا مَنْ لَا يَشْعُرُ بِذَلِكَ (٣). وَكَانَ هَذَا التَّحْرِيمُ فِي الشَّرَابِ مِنْ هَذِهِ الْأَسْقِيَةِ صَدْرَ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ صَارَ مَنْسُوخًا بِحَدِيثِ بريْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ ﵁ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَلفظُهُ: "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ ثَلَاثٍ: . . . وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ فِي هَذِهِ الْأَسْقِيَةِ، فَاشْرَبُوا، وَلَا تَشْرَبُوا حَرَامًا". وَفِي رِوَايَةٍ: "وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا حَرَامًا" (٤). * أَدِلَّةٌ عَلَى تَقَدُّمِ إِسْلَامِ قَبِيلَةِ عَبْدِ الْقَيْسِ: ١ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيل عَلَى تَقَدُّمِ إِسْلَامِ قَبِيلَةِ عَبْدِ الْقَيْسِ.

стр. 2172

٢ - رَوَى الإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ (١) بَعْدَ جُمُعَةٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَسْجِدِ عَبْدِ القيْسِ بِجُوَاثِي (٢) مِنَ الْبَحْرَيْنِ (٣). ٣ - وَمِنَ الأَدِلَّةِ كَذَلِكَ عَلَى تَقَدُّمِ إِسْلَامِ قَبِيلَةِ عَبْدِ الْقَيْسِ مَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ عَنِ الْأَشَجِّ الْعَصْرِيِّ ﵁ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فِي رِفْقَةٍ مِنْ عَبْدِ القيْسِ -وَهَذِهِ كَانَتْ فِي الْوِفَادَةِ الثَّانِيَةِ التِي كَانَتْ فِي عَامِ الْوُفُودِ سَنَةَ تِسْعٍ لِلْهِجْرَةِ- فَلَمَّا قَدِمُوا. . . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَعْشَرَ عَبْدِ الْقَيْسِ، مَا لِي أَرَى وُجُوهَكُمْ قَدْ تَغَيَّرَتْ"، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ نَحْنُ بِأَرْضٍ وَخِمَةٍ (٤). * الوِفَادَة الثَّانِيَة: وَأَمَّا الْوِفَادَةُ الثَّانِيَةُ، فَكَانَتْ فِي عَامِ الْوُفُودِ مِنَ الْعَامِ التَّاسِعِ الْهِجْرِيِّ،

стр. 2173

قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعُونَ أَوْ عِشْرُونَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْقَيْسِ، فِيهِمْ رِجَالُ الْوِفَادَةِ الْأُولَى وَآخَرُونَ، مِنْهُمْ: الْجَارُودُ بْنُ عَمْرٍ والْعَبْدِيُّ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ عَنِ الْأَشَجِّ الْعَصْرِيِّ (١) ﵁ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ في رِفْقَةٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ لِيَزُورَهُ، فَأَقْبَلُوا، فَلَمَّا قَدِمُوا، رُفِعَ (٢) لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَنَاخُوا (٣) رِكَابَهُمْ (٤)، فَابْتَدَرَ (٥) الْقَوْمُ، وَلَمْ يَلْبَسُوا إِلَّا ثِيَابَ سَفَرِهِمْ، وَأَقَامَ الْعَصْرِيّ، فَعَقَلَ (٦) رَكَائِبَ أَصْحَابِهِ وَبَعِيرَهُ، ثُمَّ أَخْرَجَ ثِيَابَهُ مِنْ عَيْبَتِهِ (٧)، وَذَلِكَ بِعَيْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ (٨) يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ"، قَالَ: مَا هُمَا؟ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ"، فَقَالَ الْأَشَجُّ ﵁: شَيْءٌ لا جُبِلْتُ عَلَيْهِ، أَوْ شَيْءٌ أَتَخَلَّقُهُ؟ (٩)، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا، بَلْ

стр. 2174

جُبِلْتَ عَلَيْهِ" (١)، قَالَ: الْحَمْدُ للَّهِ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَعْشَرَ عَبْدِ الْقَيْسِ، مَا لِي أَرَى وُجُوهَكُمْ قَدْ تَغَيَّرَتْ" (٢)، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! نَحْنُ بِأَرْضٍ وَخِمَةٍ، كُنَّا نَتَّخِذُ مِنْ هَذِهِ الْأَنْبِذَةِ مَا يَقْطَعُ اللُّحْمَانَ فِي بُطُونِنَا، فَلَمَّا نَهَيْتَنَا عَنِ الظُّرُوفِ (٣)، فَذَلِكَ الذِي ترَى فِي وُجُوهِنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ الظُّرُوفَ لَا تُحِلُّ وَلَا تُحَرِّمُ، وَلَكِنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَلَيْسَ أَنْ تَحْبِسُوا فتَشْرَبُوا، حَتَّى إِذَا امْتَلَأَتِ الْعُرُوقُ تَنَاحَرْتُمْ، فَوَثَبَ الرَّجُلُ عَلَى ابْنِ عَمِّهِ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ، فَتَرَكَهُ أَعْرَجَ" (٤). وَكَانَ الْجَارُودُ بْنُ الْمُعَلَّى الْعَبْدِيُّ ﵁ نَصْرَانيًا، فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا

стр. 2175

مُحَمَّدُ! إِنِّي كُنْتُ عَلَى دِينٍ، وَإِنِّي تَارِكٌ دِينِي لِدِينِكَ، أَفتَضْمَنُ لِي دِينِي؟ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ، أنَّا ضَامِنٌ لِذَلِكَ، إِنَّ الذِي أَدْعُوكَ إِلَيْهِ خَيْرٌ مِنَ الذِي كُنْتَ عَلَيْهِ"، فَأَسْلَمَ (١). ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ فِي ﷺ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَدَعَا لِقَبِيلَةِ عَبْدِ القيْسِ، فَقَالَ ﷺ : "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ الْقَيْسِ إِذْ أَسْلَمُوا طَائِعِينَ غَيْرَ كَارِهِينَ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا مَوْتُورِينَ (٢)، إِذْ بَعْضُ قَوْمِنَا لَا يُسْلِمُونَ حَتَّى يُخْزَوْا وَيُوتَرُوا". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ خَيْرَ أَهْلِ الْمَشْرِقِ عَبْدُ الْقَيْسِ" (٣). * صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُنَّةَ الظُّهْرِ بَعْدَ الْعَصْرِ: وَانْشَغَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ، حَتَّى فَاتَتْهُ رَكْعَتَا سُنَّةِ الظُّهْرِ، فَمَا صَلَّاهَا إِلَّا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَنْهَى عَنْهُمَا -أَيْ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ- ثُمَّ رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا حِينَ صَلَّى الْعَصْرَ، فَسَأَلْتُهُ عَنْهُمَا، فَقَالَ: "يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ! سَأَلْتِ عَنِ الرَّكعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ؟ إِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ بِالْإِسْلَامِ مِنْ قَوْمِهِمْ، فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ

стр. 2176

الظُّهْرِ، فَهُمَا هَاتَانِ" (١). وَأَقَامَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا أَرَادُوا الرُّجُوعَ إِلَى بِلَادِهِمْ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْحُمْلَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَاللَّهِ مَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ"، فَقَالَ الْجَارُودُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بِلَادِنَا ضَوَالًّا (٢) مِنْ ضَوَالِّ النَّاسِ، أَفَنَتَبَلَّغُ عَلَيْهَا؟ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا، تِلْكَ حَرَقُ النَّارِ" (٣)، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، وَقَدْ أَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْجَوَائِزِ (٤). * * *

стр. 2177

وَفْدُ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ بَعَثَتْ بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، وَهُمْ بَطْنٌ مِنْ هَوَازِنَ، ضِمَامَ (١) بْنَ ثَعْلَبَةَ ﵁ وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَذَلِكَ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ مَنْ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، غَيْرَ أَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَطْمَئِنُّوا، فَأَرْسَلُوا ضِمَامَ بْنَ ثَعْلَبَةَ، فَجَاءَ ضِمَامٌ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَأَنَاخَ بَعِيرَهُ فِي الْمَسْجِدِ (٢)، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ -وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَّكِئًا بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِهِ- فَقَالَ الصَّحَابَةُ: هَذَا الرَّجُلُ الْأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ، فَقَالَ ضِمَامٌ: ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ أَجَبْتُكَ"، فَقَالَ ضِمَامٌ: إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلةِ، فَلَا تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ". فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَتَانَا رَسُولُكَ، فَزَعَمَ أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ.

стр. 2178

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَدَقَ". فَقَالَ ضِمَامٌ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُ". قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُ". قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ؟ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُ". قَالَ: أُنْشِدُكَ بِالذِي خَلَقَ السَّمَاءَ، وَخَلَقَ الْأَرْضَ، وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ". قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَدَقَ". قَالَ: أُنْشِدُكَ بِالذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ". قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا صَوْمَ شَهْرٍ فِي سَنَتِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَدَقَ".

стр. 2179

قَالَ: أُنْشِدُكَ بِالذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ". قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً فِي أَمْوَالِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَدَقَ". قَالَ: أُنْشِدُكَ بِالذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ". قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَدَقَ". قَالَ: أُنْشِدُكَ بِالذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ". فَلَمَّا فَرَغَ ضِمَامٌ مِنْ سُؤَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ. وَفِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ قَالَ ضِمَامٌ ﵁: سَأُؤَدِّي هَذِهِ الفرَائِضَ، وَأَجْتَنِبُ مَا نَهَيْتَنِي عَنْهُ، ثُمَّ لَا أَزِيدُ وَلَا أَنْقُصُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَئِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ".

стр. 2180

وَفِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنْ يَصْدُقْ ذُو الْعَقِيصَتَيْنِ (١)، يَدْخُلِ الْجَنَّةَ". ثُمَّ أَتَى ضِمَامٌ بَعِيرَهُ، فَأَطْلَقَ عِقَالَهُ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: بِئْسَتِ اللَّاتُ وَالْعُزَّى، قَالُوا: مَهْ يَا ضِمَامُ، اتَّقِ الْبَرَصَ وَالْجُذَامَ، اتَّقِ الْجُنُونَ. قَالَ: وَيْلَكُمْ، إِنَّهُمَا وَاللَّهِ لَا يَضُرَّانِ وَلَا يَنْفَعَانِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ رَسُولًا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا اسْتَنْقَذَكُمْ بِهِ مِمَّا كُنْتُمْ فِيهِ، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِهِ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ، وَنَهَاكُمْ عَنْهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: فَوَاللَّهِ مَا أَمْسَى مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَفِي حَاضِرِهِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إِلَّا مُسْلِمًا، فَمَا سَمِعْنَا بِوَافِدِ قَوْمٍ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ ضِمَامِ بنِ ثَعْلبَةَ (٢).

стр. 2181

* وَهْمُ الْوَاقِدِيِّ: قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: جَزَمَ الْوَاقِدِيُّ فِي مَغَازِيهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبٍ أَنَّ قُدُومَ ضِمَامٍ كَانَ سَنَةَ خَمْسٍ لِلْهِجْرَةِ، فَيَكُونُ قَبْلَ فَرْضِ الْحَجِّ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ قُدُومَهُ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ النَّهْي فِي الْقُرْآنِ عَنْ سُؤَالِ الرَّسُولِ ﷺ (١)، وَآيَةِ النَّهْي فِي الْمَائِدَةِ، وَنُزُولُهَا مُتَأَخِّرٌ جِدًّا (٢). ثَانِيهَا: أَنَّ إِرْسَالَ الرُّسُلِ إِلَى الدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَامِ إِنَّمَا كَانَ ابْتِدَاؤُهُ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَمُعْظَمُهُ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ. ثَالِثُهَا: أَنَّ فِي الْقِصَّةِ أَنَّ قَوْمَهُ أَوْفَدُوهُ، وَإِنَّمَا كَانَ مُعْظَمُ الْوُفُودِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ. رَابِعُهَا: فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ -الذِي أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ- (٣):

стр. 2182

أَنَّ قَوْمَهُ أَطَاعُوهُ وَدَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ رُجُوعِهِ إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَدْخُلْ بَنُو سَعْدٍ -وَهُوَ ابْنُ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ- فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا بَعْدَ وَقْعَةِ حُنَيْنٍ، وَكَانَتْ فِي شَوَالٍ سَنَةَ ثَمَانٍ. فَالصَّوَابُ أَنَّ قُدُومَ ضِمَامٍ كَانَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ (١) وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُمَا (٢). * * *

стр. 2183

هَجْرُ الرَّسُولِ ﷺ أَزْوَاجَهُ وَفِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَقَبْلَ غَزْوَةِ تَبُوكَ هَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَزْوَاجَهُ، وَآلَى (١) مِنْهُنَّ شَهْرًا، فَاعْتَزَلَ عَنْهُنَّ فِي مَشْرُبَةٍ (٢) لَهُ. * سَبَبُ هَذَا الْهَجْرِ: اخْتُلِفَ فِي السَّبَبِ الذِي مِنْ أَجْلِهِ هَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا، فتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ، أَنَّ أَيَّتُنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ فَلْتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ (٣)، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ -وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ أَنْ تُوجَدَ مِنْهُ رِيحٌ كَرِيهَةٌ- فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ لَهُ: ذَلِكَ، فَقَالَ ﷺ : "لَا، بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَلَنْ أَعُودَ لَهُ"، فنَزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ. . .﴾ إِلَى قَوْلِهِ

стр. 2184

تَعَالَى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ. . .﴾ (١)، لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ، ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ (٢)، لِقَوْلهِ: "بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا" (٣). * سَبَبٌ آخَرُ: وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أُهْدِيَ لِي لَحْمٌ فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أُهْدِيَ مِنْهُ لِزَيْنَبَ (٤)، فَأَهْدَيْتُ لَهَا فَرَدَّتْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "زِيدِيهَا"، فَزِدْتُهَا فَرَدَّتْهُ، فَقَالَ ﷺ : "أَقْسَمْتُ عَلَيْكِ إِلَّا زِدْتِيهَا"، فَزِدْتُهَا فَرَدَّتْهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَدَخَلَتْنِي غَيْرَةٌ، فَقُلْتُ: لَقَدْ أَهَانَتْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنْتِ وَهِيَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ يُهِينَنِي مِنْكُنَّ أَحَدٌ، أُقْسِمُ لَا أَدْخُلُ عَلَيْكُنَّ شَهْرًا". قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَغَابَ عَنَّا تِسْعًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْنَا مَسَاءَ الثَّلَاثِينَ، فَقُلْتُ: كُنْتَ حَلَفْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ شَهْرًا، فَقَالَ ﷺ : "شَهْرٌ هَكَذَا، وَشَهْرٌ هَكَذَا"، وَفرَقَ بَيْنَ كَفَّيْهِ وَأَمْسَكَ فِي الثَّالِثَةِ الْإِبْهَامَ (٥).

стр. 2185

* سَبَبٌ آخَرُ: وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ (١) يَطَؤُهَا، فَلَمْ تَزَلْ بِهِ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ حَتَّى حَرَّمَهَا عَلَى نَفْسِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ. . .﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ (٢). قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَانَ سَبَبًا لِاعْتِزَالِهِنَّ، وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِمَكَارِمِ أَخْلَاقِهِ ﷺ ، وَسَعَةِ صَدْرهِ، وَكَثْرَةِ صَفْحِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ حَتَّى تَكَرَّرَ مُوجِبُهُ مِنْهُنَّ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهُنَّ (٣). * أَحْدَاثُ الْقِصَّةِ: وَأَمَّا أَحْدَاثُ قِصَّةِ هَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَزْوَاجَهُ، فَقَدْ أَخْرَجَهَا الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَغَيْرُهُمَا، وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيلُ الْحَادِثَةِ: عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الْأَنْصَارِ (٤) فِي بَنِي

стр. 2186

أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَهُمْ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ، وَكُنَّا نتنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَيَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِمَا حَدَثَ مِنْ خَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْوَحْي أَوْ غَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى الْأَنْصَارِ إِذَا قَوْمٌ تَغْلِبُهُم نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ (١) نِسَاؤُنَا يَأْخُذْنَ مِنْ أَدَبِ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ، فَصَخِبتُ (٢) عَلَى امْرَأَتِي فَرَاجَعَتْنِي، فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي، قَالَتْ: وَلمَ (٣) تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ لَيُرَاجِعَنَّهُ، وَإِنَّ إِحْدَاهُنَّ لَتَهْجُرُهُ الْيَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ. قَالَ عُمَرُ: فَأَفْزَعَنِي ذَلكَ، فَقُلْتُ لَهَا: قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُنَّ، ثُمَّ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي (٤)، فنَزَلْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ لَهَا: أَيْ حَفْصَةُ! أَتُغَاضِبُ إِحْدَاكُنَّ النَّبِيَّ ﷺ الْيَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: قَدْ خِبْتِ وَخَسِرْتِ، أَفتَأْمَنِينَ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ لِغَضَبِ رَسُولِ اللَّه ﷺ فتَهْلِكِي؟ لَا تَسْتَكْثِرِي (٥) النَّبِيَّ ﷺ ، وَلَا تُرَاجِعِيهِ فِي شَيْءٍ وَلَا تَهْجُرِيهِ، وَسَلِينِي

стр. 2187

مَا بَدَا لَكِ، وَلَا يَغُرَنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ أَوْضَأَ (١) مِنْكِ، وَأَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ -يُرِيدُ عَائِشَةَ ﵂، قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ لِقَرَابَتِي مِنْهَا، فكَلَّمْتُهَا، فَقَالَتْ: عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، دَخَلْتَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَبْتَغِيَ أَنْ تَدْخُلَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَزْوَاجِهِ؟ قَالَ عُمَرُ: فَأَخَذَتْنِي وَاللَّهِ أَخْذًا كَسَرَتْنِي عَنْ بَعْضِ مَا كُنْتُ أَجِدُ، فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهَا، وَنَدِمْتُ عَلَى كَلَامِي لِنِسَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: وَكُنَّا قَدْ تَحَدَّثْنَا أَنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ الْخَيْلَ لِتَغْزُوَنَا، فنَزَلَ صَاحِبِي الْأَنْصَارِيُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ، فَرَجَعَ إِلَيْنَا عِشَاءً، فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا، وَقَالَ: أثَمَّ هُوَ؟ فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ حَدَثَ الْيَوْمَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، قُلْتُ: مَا هُوَ؟ أَجَاءَ غَسَّانُ؟ قَالَ: لَا، بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَهْوَلُ، طَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ نِسَاءَهُ، فَقُلْتُ: خَابَتْ حَفْصَةُ وَخَسِرَتْ، وَقَدْ كُنْتُ أَظُنُّ هَذَا يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ، فَجَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي، فَصَلَّيْتُ صَلَاةَ الفجْرِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مشْرُبَةٌ لَهُ فَاعْتَزَلَ فِيهَا، وَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإِذَا هِيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ أَلَمْ أَكُنْ حَذَّرْتُكِ هَذَا، أَطَلَقكُنَّ النَّبِيُّ ﷺ ؟ . قَالَتْ: لَا أَدْرِي، هَا هُوَ ذَا مُعْتَزِلٌ فِي الْمَشْرُبَةِ، فَخَرَجْتُ فَجِئْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ، فَإِذَا حَوْلَهُ رَهْطٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ، فَجَلَسْتُ مَعَهُمْ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا

стр. 2188

أَجِدُ، فَجِئْتُ الْمَشْرُبَةَ التِي فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَإِذَا بِرَبَاحٍ (١) غُلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَاعِدًا عَلَى أُسْكُفَّةِ (٢) الْمَشْرُبَةِ مُدَلٍّ رِجْلَيْهِ عَلَى نَقِيرٍ مِنْ خَشَبٍ، وَهُوَ جِذْعٌ يَرْقَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَيَنْحَدِرُ، فنَادَيْتُ: يَا رَبَاحُ! اسْتَأْذِنْ لِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَدَخَلَ، فكَلَّمَ النَّبِيَّ ﷺ ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: كَلَّمْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَذَكَرْتَكَ لَهُ فَصَمَتَ، فَانْصَرَفْتُ حَتَّى جَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الذِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ! اسْتَأْذِنْ لِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَدَخَلَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ، فَصَمَتَ، فَرَجَعْتُ، فَجَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الذِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ! اسْتَأْذِنْ لِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنِّي أَظُنّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ظَنَّ أَني جِئْتُ مِنْ أَجْلِ حَفْصَةَ، وَاللَّهِ لَئِنْ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِضَرْبِ عُنُقِهَا لَأَضْرِبَنَّ عُنُقِهَا، وَرَفَعْتُ صَوْتِي، فَدَخَلَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ، فَقَالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصمَتَ، قَالَ عُمَرُ: فَلَمَّا وَلَّيْتُ مُنْصَرِفًا أَوْمَأَ إِلَيَّ رَبَاحٌ أَنِ ارْقَهْ، وَقَالَ: قَدْ أَذِنَ لَكَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا هُوَ مُضطَجعٌ عَلَى رِمَالِ (٣) حَصِيرٍ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ قَدْ أثَرَ الرِّمَالُ بِجَنْبِهِ مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ (٤) حَشْوُهَا لِيفٌ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ: يَا

стр. 2189

رَسُولَ اللَّهِ! أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ فَرَفَعَ إِلَيَّ بَصَرَهُ، فَقَالَ: "لَا"، فَقُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ أَسْتَأْنِسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ رَأَيْتَنِي وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ إِذَا قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فتَبَسَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ رَأَيْتَنِي وَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَقُلْتُ لَهَا: لَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ أَوْضَأَ مِنْكِ وَأَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُرِيدُ عَائِشَةَ ﵂ -فتَبَسَّمَ النَّبِيُّ ﷺ تَبَسُّمَةً أُخْرَى، فَجَلَسْتُ حِينَ رَأَيْتُهُ تَبَسَّمَ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي فِي بَيْتِهِ، فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ غَيْرَ أَهَبَةٍ (١) ثَلَاثَةٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اُدْعُ اللَّهَ فَلْيُوَسِّعْ عَلَى أُمَّتِكَ، فَإِنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ قَدْ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ وَأُعْطُوا الدُّنْيَا وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَالَ عُمَرُ ﵁: فَبَكَيْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا يُبْكِيكَ؟ "، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ. فَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ: "أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ ، إِنَّ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا". فَقُلْتُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ عُمَرُ ﵁: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقْسَمَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ -أَيْ عَلَى

стр. 2190

أَزْوَاجِهِ- شَهْرًا مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ، حِينَ عَاتَبَهُ اللَّهُ . * دُخُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَزْوَاجِهِ وَتَخَيُّرُهُنَّ: فَلَمَّا مَضَتْ تِسْع وَعِشْرُونَ لَيْلَةً دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ فَبَدَأَ بِهَا، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّكَ كُنْتَ قَدْ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وإِنَمَا أَصْبَحْتَ مِنْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةُ أَعُدُّهَا عَدًّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الشَّهْرُ تِسْع وَعِشْرُونَ لَيْلَةً"، فَكَانَ ذَلِكَ الشَّهْرُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةَ التَّخْيِيرِ فَبَدَأَ بِي أَوَّلَ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ، فَقَالَ ﷺ : "يَا عَائِشَةُ إِنِّي ذَاكِرٌ لَكَ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي فِيهِ، حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ"، قَالَتْ: وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ " (١). قَالَتْ: فَفِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ، فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، ثُمَّ خَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ كُلَّهُنَّ، فَقُلْنَ مِثْلَ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ (٢).

стр. 2191

* فَوَائِدُ قِصَّةِ هَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَزْوَاجَهُ: قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَفِي قِصَّةِ هَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَزْوَاجَهُ مِنَ الْفَوَائِدِ: ١ - أَنَّ شِدَّةَ الْوَطْأَةِ عَلَى النِّسَاءِ مَذْمُومٌ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ بِسِيرَةِ الْأَنْصَارِ فِي نِسَائِهِمْ، وَتَرَكَ سِيرَةَ قَوْمِهِ. ٢ - وَفِيهِ تَأْدِيبُ الرَّجُلِ ابْنَتَهُ وَقَرَابَتَهُ بِالْقوْلِ؛ لِأَجْلِ إِصْلَاحِهَا لِزَوجِهَا. ٣ - وَفِيهِ جَوَازُ ضَرْبِ الْبَابِ وَدَقُّهُ إِذَا لَمْ يَسْمَعِ الدَّاخِلُ بِغَيْرِ ذَلِكَ. ٤ - وَفِيهِ دُخُولُ الْآبَاءِ عَلَى الْبَنَاتِ، وَلَوْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِ الزَّوْجِ. ٥ - وَفِيهِ التَّنْقِيبُ عَنْ أَحْوَالِهِنَّ لَا سِيَّمَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُتَزَوِّجَاتِ. ٦ - وَفِيهِ حِرصُ الصَّحَابَةِ ﵃ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ وَالضَّبْطِ بِأَحْوَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ٧ - وَفِيهِ أَنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَجْعَلُ لِنَفْسِهِ وَقْتًا يَتَفَرَّغُ فِيهِ لِأَمْرِ مَعَاشِهِ وَحَالِ أَهْلِهِ.

стр. 2192

٨ - وَفِيهِ الصَّبْرُ عَلَى الزَّوْجَاتِ وَالْإِغْضَاءُ عَنْ خِطَابِهِنَّ وَالصَّفْحُ عَمَّا يَقَعُ مِنْهُنَّ مِنْ زَلَلٍ فِي حَقِّ الْمَرْءَ دُونَ مَا يَكُونُ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى. ٩ - وَفِيهِ جَوَازُ اتِّخَاذِ الْحَاكِمِ عِنْدَ الْخَلْوَةِ بَوَّابًا يَمْنَعُ مَنْ يَدْخُلُ إِلَيْهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ. ١٠ - وَفِيهِ الرِّفْقُ بِالْأَصْهَارِ وَالْحَيَاءُ مِنْهُمْ إِذَا وَقَعَ لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِهِ مَا يَقْتَضِي مُعَاتَبَتَهُمْ. ١١ - وَفِيهِ أَنَّ السُّكُوتَ قَدْ يَكُونُ أَبْلَغَ مِنَ الْكَلَامِ، وَأَفْضَلَ فِي بَعْضِ الْأَحَايِينِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَوْ أَمَرَ غُلَامَهُ بِرَدِّ عُمَرَ ﵁، لَمْ يَجُزْ لِعُمَرَ الْعَوْدُ إِلَى الِاسْتِئْذَانِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَلَمَّا سَكَتَ فَهِمَ عُمَرُ ﵁ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُؤْثِرْ رَدَّهُ مُطْلَقًا. ١٢ - وَفِيهِ أَنَّ الْحَاجِبَ إِذَا عَلِمَ مَنع الْإِذْنِ بِسُكُوتِ الْمَحْجُوبِ لَمْ يَأْذَنْ. ١٣ - وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الِاسْتِئْذَانِ عَلَى الْإِنْسَانِ، وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَالَةٍ يَكْرَهُ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهَا. ١٤ - وَفِيهِ جَوَازُ تَكْرَارِ الْاسْتِئْذَانِ لِمَنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ إِذَا رَجَا حُصُولَ الْإِذْنِ، وَأَنْ لَا يَتَجَاوَزَ بِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ١٥ - وَفِيهِ أَنَّ الْمَرْءَ إِذَا رَأَى صَاحِبَهُ مَهْمُومًا اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُحَدِّثَهُ بِمَا

стр. 2193

يُزِيلُ هَمَّهُ وَيُطَيِّبُ نَفْسَهُ؛ لِقَوْلِ عُمَرَ: لَأَقُولَنَّ شَيْئًا يُضْحِكُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ اسْتِئْذَانِ الْكَبِيرِ فِي ذَلِكَ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ ﵁. ١٦ - وَفِيهِ تَذْكِيرُ الْحَالِفِ بِيَمِينِهِ إِذَا وَقَعَ مِنْهُ مَا ظَاهِرُهُ نِسْيَانُهَا، لَا سِيَّمَا مِمَّنْ له تَعَلُّقٌ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ خَشِيَتْ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ نَسِيَ مِقْدَارَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَهُوَ شَهْر، وَالشَّهْرُ ثَلَاثُونَ يَوْمًا أَوْ تِسْعَة وَعِشْرُونَ يَوْمًا، فَأَعْلَمَهَا أَنَّ الشَّهْرَ اسْتَهَلَّ، فَإِنَّ الذِي كَانَ الْحَلْفُ وَقَعَ فِيهِ جَاءَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا. ١٧ - وَفِيهِ سُكْنَى الْغُرْفَةِ ذَاتِ الدَّرَجِ وَاتِّخَاذُ الْخِزَانَةِ لِأَثَاثِ الْبَيْتِ وَالْأَمْتِعَةِ. ١٨ - وَفِيهِ التَّنَاوُبُ فِي مَجْلِسِ الْعَالِمِ إِذَا لَمْ تَتَيَسَّرِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى حُضُورِهِ لِشَاغِلٍ شَرْعِيٍّ مِنْ أَمْرٍ دِينِيٍّ أَو دُنْيَوِيٍّ. ١٩ - وَفِيهِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَلَوْ كَانَ الْآخِذُ فَاضِلًا وَالْمَأْخُوذُ عَنْهُ مَفْضُولًا. ٢٠ - وَفِيهِ رِوَايَةُ الْكَبِيرِ عَنِ الصَّغِيرِ. ٢١ - وَفِيهِ أَنَّ الْأَخْبَارَ التِي تُشَاعُ وَلَوْ كَثُرَ نَاقِلُوهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ مَرْجِعُهَا إِلَى أَمْرٍ حِسِّيٍّ مِنْ مُشَاهَدَةٍ أَوْ سَمَاعٍ لَا تَسْتَلْزِمُ الصِّدْقَ، فَإِنَّ جَزْمَ الْأَنْصَارِيِّ فِي رِوَايَةٍ بِوُقُوعِ التَّطْلِيقِ، وَكَذَا جَزْمُ النَّاسِ الذِينَ رَآهُمْ عُمَرُ ﵁ عِنْدَ الْمِنْبَرِ بِذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ شَاعَ بَيْنَهُمْ ذَلِكَ مِنْ شَخْصٍ بِنَاءً عَلَى التَّوَهُّمِ الذِي تَوَهَّمَهُ مِنِ

стр. 2194

اعْتِزَالِ النَّبِيِّ ﷺ نِسَاءَهُ، فَظُنَّ لِكَوْنِهِ لَم تَجْرِ عَادَتُهُ بِذَلِكَ أَنَّهُ طَلَّقَهُنَّ، فَأَشَاعَ أَنَّهُ طَلَّقَهُنَّ، فَشَاعَ ذَلِكَ، فتَحَدَّثَ النَّاسُ بِهِ. ٢٢ - وَفِيهِ مَا كَانَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ مِنْ مَحَبَّةِ الِاطِّلَاع عَلَى أَحْوَالِ النَّبِيِّ ﷺ جَلَّتْ أَوْ قَلَّتْ، وَاهْتِمَامُهُمْ بِمَا يَهْتَمُّ لَهُ لإِطْلَاقِ الْأَنْصَارِيِّ اعْتِزَالَهُ نِسَاءَهُ الذِي أَشْعَرَ عِنْدَهُ بِأنَّهُ طَلَقهُنَّ الْمُقْتَضِي وُقُوعَ غَمِّهِ بِذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْ طُرُوقِ مَلِكِ الشَّامِ الْغَسَّانِيِّ بِجُيُوشهِ الْمَدِينَةَ لِغَزْوِ مَنْ بِهَا. ٢٣ - وَفِيهِ أَنَّ الْغَضَبَ وَالْحُزْنَ يَحْمِلُ الرَّجُلَ الْوَقُورَ عَلَى تَرْكِ التَّأَنِّي الْمَأْلُوفِ مِنْهُ؛ لِقَوْلِ عُمَرَ ﵁: ثُمَّ غَلَبَنِي عَلَى مَا أَجِدُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ٢٤ - وَفِيهِ شِدَّةُ الْفَزَعِ وَالْجَزَعِ لِلْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ. ٢٥ - وَفِيهِ جَوَازُ نَظَرِ الْإِنْسَانِ إِلَى نوَاحِي بَيْتِ صَاحِبِهِ وَمَا فِيهِ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَكْرَهُ ذَلِكَ، وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ مَا وَقَعَ لِعُمَرَ ﵁ وَبَيْنَ مَا وَرَدَ مِنَ النَّهْي عَنْ فُضولِ النَّظَرِ. ٢٦ - وَفِيهِ كَرَاهَةُ سُخْطِ النِّعْمَةِ وَاحْتِقَارِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ، وَلَوْ كَانَ قَلِيلًا وَالِاسْتِغْفَارُ مِنْ وُقُوعِ ذَلِكَ، وَطَلَبُ الْاسْتِغْفَارِ مِنْ أَهْلِ الفضْلِ، وَإِيثَارُ الْقنَاعَةِ، وَعَدَمُ الِالْتِفَاتِ إِلَى مَا خُصَّ بِهِ الْغَيْرُ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ. ٢٧ - وَفِيهِ الْمُعَاقَبَةُ عَلَى إِفْشَاءِ السِّرِّ بِمَا يَلِيقُ بِمَنْ أَفْشَاهُ (١).

стр. 2195

غَزوَةُ تَبُوكَ مِنْ بدَايَتِهَا إِلَى نِهَايَتِهَا غَزوَةُ تَبُوكَ (١) أَو (الْعُسْرَةِ) (٢) كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ في رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ لِلْهِجْرَةِ، وَهِيَ آخِرُ غَزَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا والْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا حَتَّى كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ، . . . وَهِيَ آخِرُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا (٣).

стр. 2196

وَرَوَى الْحَاكِمُ في الْمُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: . . . وَكَانَ آخِرَ غَزْوَةٍ غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَبُوكُ (١). وَكَانَتْ في وَقْتٍ حَارٍّ جِدًّا وَقَحْطٍ، وَضِيقٍ شَدِيدٍ في النَّفَقَةِ وَالظَّهْرِ (٢) وَالْمَاءِ. * سَبَبُ الْغَزْوَةِ: اخْتُلِفَ في سَبَبِ هَذِهِ الْغَزْوَةِ، فَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَلَغَهُ أَنَّ هِرَقْلَ مَلِكَ الرُّومِ جَمَعَ جُمُوعًا كَثِيرَةً مِنَ الرُّومِ وَالْغَسَاسِنَةِ وَقَبائِلِ الْعَرَبِ الْمُوَالِيَةِ لَهُ، فَعَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِمْ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ (٣). قُلْتُ: وَيَظْهَرُ ذَلِكَ جَلِيًّا في حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ الذِي مَضَى قَبْلَ قَلِيلٍ-، وَهُوَ يَرْوِي قِصَّةَ هَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَزْوَاجَهُ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الْأَنْصَارِ في بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ -وَهُمْ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ- وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَيَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِمَا حَدَثَ مِنْ خَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْوَحْي أَوْ غَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، . . . وَكُنَّا قَدْ تَحَدَّثْنَا أَنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ الخَيْلَ لِتَغْزُونَا، فَنَزَلَ صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ، فَرَجَعَ إِلَيْنَا عِشَاءً فضَرَبَ بَابِي

стр. 2197

ضَرْبًا شَدِيدًا، وَقَالَ: قَدْ حَدَثَ اليَوْمَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، قُلْتُ لَهُ: مَا هُوَ؟ أَجَاءَ غَسَّانُ؟ ، قَالَ: لَا بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَهْوَلُ، طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ (١). * رَأْيُ الْحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ: وَيَرَى الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ أَنَّ السَّبَبَ فِي عَزْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى غَزْوِ الرُّومِ؛ لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ، بَعْدَمَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَمْرِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فَعَزَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قِتَالِ الرُّومِ؛ لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ، وَأَوْلَى النَّاسِ بِالدَّعْوَةِ إِلَى الْحَقِّ لِقُرْبِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢). قُلْتُ: وَالذِي نَمِيلُ إِلَيْهِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- في سَبَبِ غَزْوَةِ تَبُوكَ، مَا بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ غَزْوِ الرُّومِ لَهُمْ، وَذَلِكَ وَاضِحٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ، وَحَدِيثِ عُمَرَ ﵁. * اسْتِنْفَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ لِلْغَزوِ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ بِالتَّهَيُّؤِ لِغَزْوِ الرُّومِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَلَّمَا

стр. 2198

يَخْرُجُ إِلَى غَزْوَةٍ إِلَّا وَوَرَّى (١) بِغَيْرِهَا، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ وَغَزْوَةِ تَبُوكَ (٢)، فَغَزْوَةُ خَيْبَرَ، فلِأنَّ اللَّه تَعَالى وَعَدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بفَتْحِهَا، وَأمَّا غزْوَةُ تَبُوكَ، فَلبُعْدِ الشُّقَّةِ (٣)، وَشِدَّةِ الزَّمَانِ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ في شِدَّةِ الْحَرِّ، حِينَ طَابَتِ الظِّلَالُ، وَأَيْنَعَتِ الثِّمَارُ، وَحُبِّبَ إِلَى النَّاسِ الْمُقَامُ، وَكَثْرَةِ الْعَدُوِّ. . . وَكَانَ لِهَذِهِ الْعَوَامِلِ الْمُخْتَلِفَةِ أَثَرُهَا في تَثَاقُلِ بَعْضِ النَّاسِ عِنْدَ النَّفْرَةِ، فَبَدَأَتِ الْآيَاتُ تَنْزِلُ في سُورَةِ التَّوْبَةِ لِتُعَالِجَ هَذَا الْأَمْرَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)

стр. 2199

انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١). ذَلِكَ بَدْءُ الْعِتَابِ لِلْمُتَخَلِّفِينَ، وَالتَّهْدِيدِ بِعَاقِبةِ التّثاقُلِ عَنِ الْجِهَادِ في سبِيلِ اللَّهِ، وَالتَّذْكِيرِ لَهُمْ بِمَا كَانَ مِنْ نَصْرِ اللَّهِ تَعَالَى لِرَسُولِهِ ﷺ ، قَبْلَ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَبِقُدْرَته عَلَى إِعَادَةِ هَذَا النَّصْرِ بِدُونِهِمْ، فَلَا يَنَالُهُمْ عِنْدَئِذٍ إِلَّا إِثْمُ التَّخَلُّفِ وَالتَّقْصِيرِ (٢). فَأَسْرَعَ الْمُسْلِمُونَ يتَجَهَّزُونَ لِلْخُرُوجِ، وَأَخَذَتِ القبَائِلُ تَقْدُمُ الْمَدِينَةَ مِنْ كُلِّ حَدْبٍ وَصَوْبٍ، مِنْهَا: غِفَارٌ، وَأَسْلَمُ، وَجُهَيْنَةَ، وَأَشْجَعَ، وَبَنُو كَعْبٍ مِنْ خُزَاعَةَ. * حَضُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّفَقَةِ لِجَيْشِ الْعُسْرَةِ: حَثَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّحَابَةَ ﵃ عَلَى الْإِنْفَاقِ لِجَيْشِ الْعُسْرَةِ، فتَسَابَقَ الصَّحَابَةُ ﵃ إِلَى التَّنَافُسِ في الْإِنْفَاقِ كُلٌّ حَسَبَ مَقْدِرَتِهِ، وَإِلَيْكُمْ بَعْضَ هَذِهِ النَّفَقَاتِ: * إِنْفَاقُ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيق وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄: كَانَ أَوَّلَ مَنْ جَاءَ بِصَدَقَتِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄، فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ

стр. 2200

- ﷺ يَوْمًا (١) أَنْ نَتَصَدَّقَ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ، إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا، فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ "، قُلْتُ: مِثْلَهُ، وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا أَبَا بَكْرٍ مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ "، قَالَ ﵁: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّه وَرَسُولَهُ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁ وَاللَّهِ لَا أُسَابِقُكَ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا (٢). * إِنْفَاقُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ -: قَالَ الْإِمَامُ الذَّهَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَمْ يُنْفِقْ أَحَدٌ أَعْظَمَ مِنْ نَفَقَةِ عُثْمَانَ ﵁ (٣). رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ حِينَ حُوصِرَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: أُنْشِدُكُمُ اللَّه، وَلَا أُنْشِدُ إِلَّا أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ : أَلسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ". . . مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ فَلَهُ الْجَنَّةُ"، فَجَهَّزْتُهُ (٤).

стр. 2201

وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَفِي الفضَائِلِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: جَاءَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِأَلْفِ دِينَارٍ في ثَوْبِهِ حِينَ جَهَّزَ النَّبِيُّ ﷺ جَيْشَ الْعُسْرَةِ، فَصَبَّهَا في حِجْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَلِّبُهَا بِيَدِهِ وَيَقُولُ: "مَا ضَرَّ ابْنُ عَفَّانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ" يُرَدِّدُهَا مِرَارًا (١). وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالطَّيَالِسِيُّ في مُسْنَدَيْهِمَا بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِالشَّوَاهِدِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَبَّابٍ السُّلَمِيِّ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَثَّ عَلَى جَيْشِ الْعُسْرَةِ، فَقَامَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ فَقَالَ: عَلَيّ مِئَةُ بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا (٢) وَأَقْتَابِهَا (٣)، ثُمَّ حَثَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَانِيَةً، فَقَامَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ فَقَالَ: عَلَيَّ مِئَةٌ أُخْرَى بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا، ثُمَّ حَثَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَالِثَةً، فَقَامَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ فَقَالَ: عَلَيَّ مِئَةٌ أُخْرَى بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَبَّابٍ: فَرَأَيْتُ

стр. 2202

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْزِلُ عَنِ الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَقُولُ: "مَا عَلَى عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ هَذَا" مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا (١) * إِنْفَاقُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ -: رَوَى الإِمَامُ ابْنُ جَرِيرٍ الطبرِيُّ في تَفْسِيرِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "تَصَدَّقُوا، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَ بَعْثًا" (٢). قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ عِنْدِي أَرْبَعَةَ آلَافٍ: أَلفيْنِ أُقْرِضُهُمَا اللَّه، وَأَلفيْنِ لِعِيَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَبَارَكَ لَكَ فِيمَا أَمْسَكْتَ" (٣). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، قَالَ: جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً (٤) مِنْ ذَهَبٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ (٥). قَالَ الْحَافِظُ في الْفَتْحِ: وَقَدِ اخْتُلِفَ في إِنْفَاقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁

стр. 2203

يَوْمَ تَبُوكَ اخْتلَافًا شَدِيدًا، وَأَصَحُّ الطُّرُقِ فيه أَنَّهُ أَنْفَقَ ثَمَانيَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ (١). * تَتَابُعُ الصَّحَابَةِ ﵃ في الْإِنْفَاقِ لِجَيْشِ الْعُسْرَةِ: وَتَتَابَعَ الصَّحَابَةُ ﵃ بِصَدَقَاتِهمْ لِجَيْشِ الْعُسْرَةِ، فَجَاءَ أَبُو عَقِيلٍ (٢) بِنِصْفِ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا أُمِرْنَا بِالصَّدَقَةِ، كُنَّا نتحَامَلُ، فَجَاءَ أَبُو عَقِيلٍ بِنِصْفِ صَاعٍ (٣). وَوَقَعَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ في قِصَّةِ تَوْبَةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: . . . فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ رَأَى رَجُلًا يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ"، فَإِذَا هُوَ أَبُو خَيْثَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ (٤) وَهُوَ الذِي تَصَدَّقَ بِصَاعِ التَّمْرِ حِينَ لَمَزَهُ (٥) الْمُنَافِقُونَ (٦). قَالَ الْحَافِظُ في الْفتْحِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ مَنْ جَاءَ بِالصَّاعِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ فِيهَا: أَنَّهُ جَاءَ بِصَاعٍ، وَكَذَا وَقَعَ في الزَّكَاةِ -في صَحِيحِ

стр. 2204

الْبُخَارِيِّ-: "وَجَاءَ رَجُلٌ فتَصَدَّقَ بِصَاعٍ" (١)، وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ "فَجَاءَ أَبُو عَقِيل بِنِصْفِ صَاعٍ" (٢). * اسْتِهْزَاءُ الْمُنَافِقِينَ: وَلَمَّا أَنْفَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁ قَالَ الْمُنَافِقُونَ: مَا فَعَلَ هَذَا إِلَّا رِيَاءً، وَلَمَّا أَنْفَقَ أَبُو عَقِيلٍ، قَالُوا: إِنَّ اللَّه لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ (٣) هَذَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ في هَؤُلَاءَ الْمُنَافِقِينَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ (٤) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٥). * أَمْرُ الْبَكَّائِينَ: وَجَاءَ جَمَاعَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانُوا سَبْعَةً وَهُمْ: سَالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ،

стр. 2205

وَعُلْبَةُ (١) بْنُ زَيْدٍ، وَأَبُو لَيْلَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْحُمَامِ بْنِ الْجَمُومِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغَفَّلِ، وَهَرَمِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ، يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَحْمِلَهُمْ، وَكَانُوا كُلُّهُمْ مُعْسِرِينَ وَذَوِي حَاجَةٍ، وَلَا يُحِبُّونَ التَّخَلُّفَ عَنْ هَذِهِ الْغَزْوَةِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ"، فتَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لِيَخْرُجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في هَذِهِ الْغَزْوَةِ، وَقَدْ عَذَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ (٢). وَلَمَّا خَرَجَ الْبَكَّاؤُونَ مِنْ عِنْدِ الرَّسُولِ ﷺ لَقِيَ ابْنُ يَامِينَ بْنِ عُمَيْرٍ

стр. 2206

النَّضْرِيُّ أَبَا لَيْلَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ كَعْبٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُغَفَّلِ، وَهُمَا يَبْكِيَانِ فَقَالَ لَهُمَا: مَا يُبْكِيكُمَا؟ . قَالَا: جِئْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيَحْمِلَنَا، فَلَمْ يَجِدْ مَا يَحْمِلُنَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نتقَوَّى بِهِ عَلَى الْخُرُوجِ مَعَهُ، فَأَعْطَاهُمَا نَاضِحًا (١) لَهُ، وَزَوَّدَهُمَا شَيْئًا مِنْ تَمْرٍ، فَخَرَجَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . * شَأْنُ عُلْبَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵁ -: وَأَمَّا عُلْبَةُ بْنُ زَيْدٍ ﵁ فَإِنَّهُ قَامَ فَصَلَّى مِنْ لَيْلَتِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ بَكَى، وَقَالَ: اللَّهُمَّ! إِنَّكَ قَدْ أَمَرْتَ بِالْجِهَادِ، وَرَغَّبْتَ فِيهِ، ثُمَّ لَمْ تَجْعَلْ عِنْدِي مَا أَتَقَوَّى بِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمْ تَجْعَلْ في يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا يَحْمِلُنِي عَلَيْهِ، وَإِنِّي أَتَصَدَّقُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بِكُلِّ مَظْلَمَةٍ أَصَابَنِي بِهَا في مَالٍ أَوْ جَسَدٍ أَوْ عِرْضٍ. فَلَمَّا أَصْبَحَ مَعَ النَّاسِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيْنَ الْمُتَصَدِّقُ هَذِهِ اللَّيْلةَ؟ " فَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيْنَ الْمُتَصَدِّقُ؟ فَلْيَقُمْ"، فَقَامَ إِلَيْهِ عُلْبَةُ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَبْشِرْ، فَوَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ كُتِبَتْ في الزَّكَاةِ الْمُتَقَبَّلَةِ" (٢).

стр. 2207

وَإِنَّ لَنَا هُنَا لَوَقفةً تُرِينَا كَيْفَ بَلَغَ حُبُّ الْجِهَادِ وَالْبَذْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ في نُفُوسِ الصَّحَابَةِ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يُؤثِرُونَ رِضَا اللَّهِ وَرَسُولهِ ﷺ عَلَى كُلِّ مَحْبُوبٍ لَدَيْهِمْ، وَبِهَذِهِ الْمَعَانِي وَالْخَصَائِصِ النَّفْسِيَّةِ فتَحُوا الْعَالَمَ وَسَادُوا الدُّنْيَا (١). * شَأْنُ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ وَأَصْحَابِهِ: رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَسْأَلُه الْحُمْلَانَ (٢) لَهُمْ، إِذْ هُمْ مَعَهُ في جَيْشِ الْعُسْرَةِ، وَهِيَ غَزْوَةُ تَبوكَ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنَّ أَصْحَابِي أَرْسَلُونِي إِلَيْكَ لِتَحْمِلَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيْءٍ" (٣) وَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ، وَلَا أَشْعُرُ، وَرَجَعْتُ حَزِينًا مِنْ مَنع النَّبِيِّ ﷺ ، وَمِنْ مَخَافَةِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ وَجَدَ في نَفْسِهِ عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَأَخْبَرتُهُمُ الذِي قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمْ أَلْبَثْ إِلَّا سُوَيْعَةً إِذْ سَمِعْتُ بِلَالًا يُنَادِي: أَيْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ (٤)! فَأَجَبْتَهُ، فَقَالَ: أَجِبُّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُوكَ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ، قَالَ

стр. 2208

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خُذْ هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ (١)، وَهَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ لِسِتَّةِ أَبْعِرَةٍ ابْتَاعَهُنَّ (٢) حِينَئِذٍ مِنْ سَعْدٍ (٣) فَانْطَلِقْ بِهِنَّ إِلَى أَصْحَابِكَ، فَقُلْ: إِنَّ اللَّه -أَوْ قَالَ- إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ فَارْكبُوهُنَّ"، فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِمْ بِهِنَّ فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ لَا أَدَعُكُمْ حَتَّى يَنْطَلِقَ مَعِي بَعْضُكُمْ إِلَى مَنْ سَمِعَ مَقَالة رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَا تَظُنُّوا أَنِّي حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا لِي: إِنَّكَ عِنْدَنَا لَمُصَدَّقٌ، وَلَنَفْعَلَنَّ مَا أَحْبَبْتَ، فَانْطَلَقَ أَبُو مُوسَى بِنَفَرٍ مِنْهُمْ حَتَّى أَتَوُا الذِينَ سَمِعُوا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْعَهُ إِيَّاهُمْ، ثُمَّ إِعْطَاءَهُمْ بَعْدُ، فَحَدَّثُوهُمْ بِمِثْلِ مَا حَدَّثَهُمْ بِهِ أَبُو مُوسَى (٤). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في الصَّحِيحَيْنِ قَالَ أَبُو مُوسَى ﵁: فَقُلْنَا: مَا صَنَعْنَا؟ حَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَحْمِلُنَا وَمَا عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا، تَغَفَّلْنَا (٥) رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمِينَهُ، وَاللَّهِ لَا نُفْلحُ أَبَدًا، فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ، فَقُلْنَا لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا أَتَيْنَاكَ نَسْتَحْمِلُكَ، وَإِنَّكَ حَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلُنَا، ثُمَّ حَمَلْتَنَا، أَفَنَسِيتَ؟

стр. 2209

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَسْتُ أَنَا أَحْمِلُكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّه حَمَلَكُمْ، إِنِّي وَاللَّهِ لا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا" (١). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الْحَافِظُ في الْفتْحِ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ: ١ - اسْتِحْبَابُ حَنْثِ الْحَالِفِ في يَمِينِهِ إِذَا رَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا. ٢ - انِعْقَادُ الْيَمِينِ في الْغَضَبِ (٢). * قِصَّةُ وَاثِلَةَ بنِ الأَسْقَعِ ﵁ -: رَوَى أَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ وَاثِلَةَ بنِ الْأَسْقَعِ ﵁ قَالَ: نَادَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَخَرَجْتُ إِلَى أَهْلِي، فَأَقْبَلْتُ وَقَدْ خَرَجَ أَوَّلُ صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَطَفِقْتُ في الْمَدِينَةِ أُنَادِي: أَلَا مَنْ يَحْمِلُ رَجُلًا لَهُ سهْمُهُ، فنَادَى شَيْخٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالَ: لَنَا سَهْمُهُ عَلَى أَنْ نَحْمِلَهُ عُقْبَةً وَطَعَامُهُ مَعَنَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَسِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ، قَالَ: فَخَرَجْتُ مَعَ خَيْرِ صَاحِبٍ حَتَّى أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْنَا، فَأَصَابَنِي قَلَائِصُ (٣) فَسُقْتُهُنَّ حَتَّى أَتَيْتُهُ، فَخَرَجَ فَقَعَدَ عَلَى حَقِيبَةٍ مِنْ حَقَائِبِ إِبِلِهِ، ثُمَّ قَالَ: سُقْهُنَّ مُدْبِرَاتٍ، ثُمَّ قَالَ: سُقْهُنَّ مُقْبِلَاتٍ، فَقَالَ: مَا أَرَى قَلَائِصَكَ إِلَّا كِرَامًا، قَالَ: إِنَّمَا هِيَ غَنِيمَتُكَ التِي شَرَطْتُ لَكَ،

стр. 2210

قَالَ: خُذْ قَلَائِصَكَ يَا ابْنَ أَخِي فَغَيْرُ سَهْمِكَ أَرَدْنَا (١). * الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ: جَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ في التَّخَلُّفِ وَتَعَلَّلُوا بِالْجَهْدِ وَكَثْرَةِ الْعِيَالِ، فَأَذِنَ لَهُمْ، وَلَكِنْ لَمْ يَعْذُرْهُمْ، أَيْ لَمْ يَقْبَلْ عُذْرَهُمْ لِكَذِبِهِمْ فِيهِ، وَكَانُوا اثْنَانِ وَثَمَانُونَ رَجُلًا (٢). فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣) لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ (٣). فَالذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، وَيَعْتَقِدُونَ بِيَوْمِ الْجَزَاءِ، لَا يَنْتَظِرُونَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُمْ في أَدَاءِ فَرِيضَةِ الْجِهَادِ، وَلَا يَتَلَكَّؤُونَ في تَلْبِيَةِ دَاعِي النَّفْرَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ بِالْأَمْوَالِ وَالْأَرْوَاحِ، بَلْ يُسَارِعُونَ إِلَيْهَا خِفَافًا وثِقَالًا كَمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ، طَاعَةً لِأَمْرِهِ، وَيَقِينًا بِلِقَائِهِ، وَثِقَةً بِجَزَائِهِ، وَابْتِغَاءً لِرِضَاهُ، وَإِنَّهُمْ لَيَتَطَوَّعُونَ تَطَوُّعًا فَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى مَنْ يَسْتَحِثُّهُمْ، فَضْلًا عَنِ الْإِذْنِ لَهُمْ، إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُ أُولَئِكَ الذِينَ خَلَتْ قُلُوبُهُمْ مِنَ الْيَقِينِ فَهُمْ يَتَلَكَّؤُونَ وَيَتَلَمَّسُونَ الْمَعَاذِيرَ، لَعَلَّ عَائِقًا مِنَ الْعَوَائِقِ يَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النّهُوضِ بِتَكَالِيفِ الْعَقِيدَةِ التِي يَتَظَاهَرُونَ بِهَا، وَهُمْ
следующие страницы →