← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

النَّضْرِيُّ أَبَا لَيْلَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ كَعْبٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُغَفَّلِ، وَهُمَا يَبْكِيَانِ فَقَالَ لَهُمَا: مَا يُبْكِيكُمَا؟ . قَالَا: جِئْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيَحْمِلَنَا، فَلَمْ يَجِدْ مَا يَحْمِلُنَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نتقَوَّى بِهِ عَلَى الْخُرُوجِ مَعَهُ، فَأَعْطَاهُمَا نَاضِحًا (١) لَهُ، وَزَوَّدَهُمَا شَيْئًا مِنْ تَمْرٍ، فَخَرَجَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . * شَأْنُ عُلْبَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵁ -: وَأَمَّا عُلْبَةُ بْنُ زَيْدٍ ﵁ فَإِنَّهُ قَامَ فَصَلَّى مِنْ لَيْلَتِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ بَكَى، وَقَالَ: اللَّهُمَّ! إِنَّكَ قَدْ أَمَرْتَ بِالْجِهَادِ، وَرَغَّبْتَ فِيهِ، ثُمَّ لَمْ تَجْعَلْ عِنْدِي مَا أَتَقَوَّى بِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمْ تَجْعَلْ في يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا يَحْمِلُنِي عَلَيْهِ، وَإِنِّي أَتَصَدَّقُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بِكُلِّ مَظْلَمَةٍ أَصَابَنِي بِهَا في مَالٍ أَوْ جَسَدٍ أَوْ عِرْضٍ. فَلَمَّا أَصْبَحَ مَعَ النَّاسِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيْنَ الْمُتَصَدِّقُ هَذِهِ اللَّيْلةَ؟ " فَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيْنَ الْمُتَصَدِّقُ؟ فَلْيَقُمْ"، فَقَامَ إِلَيْهِ عُلْبَةُ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَبْشِرْ، فَوَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ كُتِبَتْ في الزَّكَاةِ الْمُتَقَبَّلَةِ" (٢).

стр. 2207

وَإِنَّ لَنَا هُنَا لَوَقفةً تُرِينَا كَيْفَ بَلَغَ حُبُّ الْجِهَادِ وَالْبَذْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ في نُفُوسِ الصَّحَابَةِ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يُؤثِرُونَ رِضَا اللَّهِ وَرَسُولهِ ﷺ عَلَى كُلِّ مَحْبُوبٍ لَدَيْهِمْ، وَبِهَذِهِ الْمَعَانِي وَالْخَصَائِصِ النَّفْسِيَّةِ فتَحُوا الْعَالَمَ وَسَادُوا الدُّنْيَا (١). * شَأْنُ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ وَأَصْحَابِهِ: رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَسْأَلُه الْحُمْلَانَ (٢) لَهُمْ، إِذْ هُمْ مَعَهُ في جَيْشِ الْعُسْرَةِ، وَهِيَ غَزْوَةُ تَبوكَ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنَّ أَصْحَابِي أَرْسَلُونِي إِلَيْكَ لِتَحْمِلَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيْءٍ" (٣) وَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ، وَلَا أَشْعُرُ، وَرَجَعْتُ حَزِينًا مِنْ مَنع النَّبِيِّ ﷺ ، وَمِنْ مَخَافَةِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ وَجَدَ في نَفْسِهِ عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَأَخْبَرتُهُمُ الذِي قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمْ أَلْبَثْ إِلَّا سُوَيْعَةً إِذْ سَمِعْتُ بِلَالًا يُنَادِي: أَيْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ (٤)! فَأَجَبْتَهُ، فَقَالَ: أَجِبُّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُوكَ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ، قَالَ

стр. 2208

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خُذْ هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ (١)، وَهَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ لِسِتَّةِ أَبْعِرَةٍ ابْتَاعَهُنَّ (٢) حِينَئِذٍ مِنْ سَعْدٍ (٣) فَانْطَلِقْ بِهِنَّ إِلَى أَصْحَابِكَ، فَقُلْ: إِنَّ اللَّه -أَوْ قَالَ- إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ فَارْكبُوهُنَّ"، فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِمْ بِهِنَّ فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ لَا أَدَعُكُمْ حَتَّى يَنْطَلِقَ مَعِي بَعْضُكُمْ إِلَى مَنْ سَمِعَ مَقَالة رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَا تَظُنُّوا أَنِّي حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا لِي: إِنَّكَ عِنْدَنَا لَمُصَدَّقٌ، وَلَنَفْعَلَنَّ مَا أَحْبَبْتَ، فَانْطَلَقَ أَبُو مُوسَى بِنَفَرٍ مِنْهُمْ حَتَّى أَتَوُا الذِينَ سَمِعُوا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْعَهُ إِيَّاهُمْ، ثُمَّ إِعْطَاءَهُمْ بَعْدُ، فَحَدَّثُوهُمْ بِمِثْلِ مَا حَدَّثَهُمْ بِهِ أَبُو مُوسَى (٤). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في الصَّحِيحَيْنِ قَالَ أَبُو مُوسَى ﵁: فَقُلْنَا: مَا صَنَعْنَا؟ حَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَحْمِلُنَا وَمَا عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا، تَغَفَّلْنَا (٥) رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمِينَهُ، وَاللَّهِ لَا نُفْلحُ أَبَدًا، فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ، فَقُلْنَا لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا أَتَيْنَاكَ نَسْتَحْمِلُكَ، وَإِنَّكَ حَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلُنَا، ثُمَّ حَمَلْتَنَا، أَفَنَسِيتَ؟

стр. 2209

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَسْتُ أَنَا أَحْمِلُكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّه حَمَلَكُمْ، إِنِّي وَاللَّهِ لا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا" (١). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الْحَافِظُ في الْفتْحِ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ: ١ - اسْتِحْبَابُ حَنْثِ الْحَالِفِ في يَمِينِهِ إِذَا رَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا. ٢ - انِعْقَادُ الْيَمِينِ في الْغَضَبِ (٢). * قِصَّةُ وَاثِلَةَ بنِ الأَسْقَعِ ﵁ -: رَوَى أَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ وَاثِلَةَ بنِ الْأَسْقَعِ ﵁ قَالَ: نَادَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَخَرَجْتُ إِلَى أَهْلِي، فَأَقْبَلْتُ وَقَدْ خَرَجَ أَوَّلُ صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَطَفِقْتُ في الْمَدِينَةِ أُنَادِي: أَلَا مَنْ يَحْمِلُ رَجُلًا لَهُ سهْمُهُ، فنَادَى شَيْخٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالَ: لَنَا سَهْمُهُ عَلَى أَنْ نَحْمِلَهُ عُقْبَةً وَطَعَامُهُ مَعَنَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَسِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ، قَالَ: فَخَرَجْتُ مَعَ خَيْرِ صَاحِبٍ حَتَّى أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْنَا، فَأَصَابَنِي قَلَائِصُ (٣) فَسُقْتُهُنَّ حَتَّى أَتَيْتُهُ، فَخَرَجَ فَقَعَدَ عَلَى حَقِيبَةٍ مِنْ حَقَائِبِ إِبِلِهِ، ثُمَّ قَالَ: سُقْهُنَّ مُدْبِرَاتٍ، ثُمَّ قَالَ: سُقْهُنَّ مُقْبِلَاتٍ، فَقَالَ: مَا أَرَى قَلَائِصَكَ إِلَّا كِرَامًا، قَالَ: إِنَّمَا هِيَ غَنِيمَتُكَ التِي شَرَطْتُ لَكَ،

стр. 2210

قَالَ: خُذْ قَلَائِصَكَ يَا ابْنَ أَخِي فَغَيْرُ سَهْمِكَ أَرَدْنَا (١). * الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ: جَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ في التَّخَلُّفِ وَتَعَلَّلُوا بِالْجَهْدِ وَكَثْرَةِ الْعِيَالِ، فَأَذِنَ لَهُمْ، وَلَكِنْ لَمْ يَعْذُرْهُمْ، أَيْ لَمْ يَقْبَلْ عُذْرَهُمْ لِكَذِبِهِمْ فِيهِ، وَكَانُوا اثْنَانِ وَثَمَانُونَ رَجُلًا (٢). فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣) لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ (٣). فَالذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، وَيَعْتَقِدُونَ بِيَوْمِ الْجَزَاءِ، لَا يَنْتَظِرُونَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُمْ في أَدَاءِ فَرِيضَةِ الْجِهَادِ، وَلَا يَتَلَكَّؤُونَ في تَلْبِيَةِ دَاعِي النَّفْرَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ بِالْأَمْوَالِ وَالْأَرْوَاحِ، بَلْ يُسَارِعُونَ إِلَيْهَا خِفَافًا وثِقَالًا كَمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ، طَاعَةً لِأَمْرِهِ، وَيَقِينًا بِلِقَائِهِ، وَثِقَةً بِجَزَائِهِ، وَابْتِغَاءً لِرِضَاهُ، وَإِنَّهُمْ لَيَتَطَوَّعُونَ تَطَوُّعًا فَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى مَنْ يَسْتَحِثُّهُمْ، فَضْلًا عَنِ الْإِذْنِ لَهُمْ، إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُ أُولَئِكَ الذِينَ خَلَتْ قُلُوبُهُمْ مِنَ الْيَقِينِ فَهُمْ يَتَلَكَّؤُونَ وَيَتَلَمَّسُونَ الْمَعَاذِيرَ، لَعَلَّ عَائِقًا مِنَ الْعَوَائِقِ يَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النّهُوضِ بِتَكَالِيفِ الْعَقِيدَةِ التِي يَتَظَاهَرُونَ بِهَا، وَهُمْ

стр. 2211

يَرْتَابُونَ فِيهَا وَيَتَرَدَّدُونَ (١). * تَخَلُّفُ المُنَافِقِينَ: وَلَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ بِالْجَهَازِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى النَّفِيرِ، أَخَذَ الْمُنَافِقُونَ في تَثْبِيطِ هِمَمِ النَّاسِ، وَقَالُوا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا طَاقَةَ لَهُ بِالرُّومِ، وَالسَّفَرُ بَعِيدٌ، فَرَدَّ عَلَيْهِمُ اللَّهُ ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا (٢) قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا (٣) لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ (٤) وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (٥). قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَا تَنْفِرُوا في الْحَرِّ، زَهَادَةً في الْجِهَادِ، وَشَكًّا في الْحَقِّ، وَإِرْجَافًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٦). إِنَّ هَؤُلَاءِ لَهُمْ نَمُوذَجٌ لِضَعْفِ الْهِمَّةِ، وَطَرَاوَةِ الْإِرَادَةِ، وَكَثِيرُونَ هُمُ الذِينَ يُشْفِقُونَ مِنَ الْمَتَاعِبِ، وَيَنْفِرُونَ مِنَ الْجَهْدِ، وَيُؤثِرُونَ الرَّاحَةَ الرَّخِيصةَ عَلَى الْكَدْحِ الْكَرِيمِ، وَيُفَضِّلُونَ السَّلَامَةَ الذَّلِيلَةَ عَلَى الْخَطَرِ الْعَزِيزِ، وَهُمْ يَتَسَاقَطُونَ

стр. 2212

إِعْيَاءً (١) خَلْفَ الصُّفُوفِ الْجَادَّةِ الزَّاحِفَةِ الْعَارِفَةِ بِتَكَالِيفِ الدَّعَوَاتِ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الصُّفُوفَ تَظَلُّ في طَرِيقِهَا الْمَمْلُوءِ بِالْعَقَبَاتِ وَالْأَشْوَاكِ؛ لِأَنَّهَا تُدْرِكُ بِفِطْرَتِهَا أَنَّ كِفَاحَ الْعَقَبَاتِ وَالْأَشْوَاكِ فِطْرَةٌ في الْإِنْسَانِ، وَأَنَّهُ أَلذُّ وَأَجْمَلُ مِنَ الْقُعُودِ وَالتَّخَلُّفِ وَالرَّاحَةِ الْبَلِيدَةِ التِي لَا تَلِيقُ بِالرِّجَالِ (٢). * مَوْقِفُ الْمُنَافِقِ الْجَدِّ بْنِ قَيسٍ: قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ في جَهَازِهِ لِغَزْوَةِ تَبُوكٍ للْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ أَحَدَ بَنِي سَلمَةَ: "يَا جَدُّ، هَلْ لَكَ الْعَامُ في جِلَادِ (٣) بَنِي الْأَصْفَرِ؟ " (٤). فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَوَ تَأْذَنُ لِي وَلَا تَفْتِنِّي؟ فَوَاللَّهِ لَقَدْ عَرَفَ قَوْمِي أَنَّهُ مَا مِنْ رَجُل بِأَشَدِّ عُجْبًا بِالنِّسَاءِ مِنِّي، وَإِنِّي أَخْشَى إِنْ رَأَيْتُ نِسَاءَ بَنِي الْأَصْفَرِ أَنْ لَا أَصْبِرَ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ لَهُ: "قَدْ أَذِنْتُ لَكَ"، فَنَزَلَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى في الْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ (٥).

стр. 2213

قَالَ الْإِمَامُ ابْن جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تَفْسِيرِهِ: تَضَاهَرَتِ الْأَخْبَارُ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ في الْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ (١). قُلْتُ: وَالْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ هَذَا هُوَ سَيِّدُ بَنِي سَلِمَةَ (٢)، وَقَدِ انْتَزَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ السِّيَادَةَ (٣)، وَهُوَ صَاحِبُ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَلَمْ يُبَايِعْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ (٤). * تَثْبِيطُ الْمُنَافِقِينَ: وَكَانَ رَهْطٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ مِنْهُمْ: وَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَرَجُلٌ مِنْ أَشْجَعَ يُقَالُ لَهُ: مَخْشِي (٥) بْنُ حُمَيِّرٍ (٦)، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَتَحْسَبُونَ جِلَادَ بَنِي الْأَصْفَرِ كَقِتَالِ الْعَرَبِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا؟ وَاللَّهِ لَكَأَنَّا بِكُمْ غَدًا مُقَرَّنِينَ (٧) في الْحِبَالِ، إِرْجَافًا وَتَرْهِيبًا لِلْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ مَخْشِي بْنُ حُمَيِّر: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقَاضِي عَلَى أَنْ يُضْرَبَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَأَنَّا نَنْفَلِتُ أَنْ يَنْزِلَ فِينَا قُرْآن لِمَقَالَتِكُمْ هَذِهِ.

стр. 2214

في هَذِهِ الْفَتْرَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁: "أَدْرِكِ الْقَوْمَ، فَإِنَّهُمْ قَدِ احْتَرَقُوا، فَسَلْهُمْ عَمَّا قَالُوا، فَإِنْ أَنْكَرُوا فَقُلْ: بَلَى، قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا". فَانْطَلَقَ إِلَيْهِمْ عَمَّارٌ ﵁ فَقَالَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، فَقَالَ وَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (١). * كَلَامُ الْجُلَاسِ (٢) بْنِ سُوَيْدِ بْنِ الصَّامِتِ: رَوَى الأُمَوِيُّ في تَارِيخِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ فِيهِ ذِكْرُ الْمُنَافِقِينَ، قَالَ الْجُلَاسُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ الصَّامِتِ: وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ صَادِقًا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، فَسَمِعَهُ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ، فَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ يَا جُلَاسُ إِنَّكَ لَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَأَحْسَنُهُمْ عِنْدِي يَدًا، وَأَعَزُّهُمْ عَلَيَّ أَنْ يُصِيبَهُ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، وَلقدْ قُلْتَ مَقَالَةً لَئِنْ ذَكَرْتَهَا، لَتَفْضَحَنَّكَ، وَلَئِنْ سَكَتُّ عَلَيْهَا، لَتُهْلِكَنِّي، وَلَإِحْدَاهُمَا أَشَدُّ عَلَيَّ مِنَ الْأُخْرَى، ثُمَّ مَشَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ

стр. 2215

- ﷺ فَذَكَرَ لَه مَا قَالَ جُلَاسٌ، فَأَتَى جُلَاسٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وجَعَلَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ مَا قَالَ، وَلقدْ كَذَبَ عَلَيَّ عُمَيْرٌ، وَمَا قُلْتُ مَا قَالَ عُمَيْرٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فيه: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (١). قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ في السِّيرَةِ: فزَعَمُوا أَنَّ الْجُلَاسَ تَابَ، وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ، حَتَّى عُرِفَ مِنْهُ الْإِسْلَامُ وَالْخَيْرُ (٢). * بِنَاءُ المُنَافِقِينَ مَسْجِدَ الضِّرَارِ: وَوَصَلَتِ الْجُرْأَةُ بِالْمُنَافِقِينَ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولهِ أَنْ يَبْنُوا مَسْجِدًا قبَيْلَ غَزْوَةِ تَبُوكَ لِيَجْتَمِعُوا فِيهِ، وَيُدِيرُوا حَلَقَاتِ تَآمُرِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ بَنَوْهُ لِلْمَنْفَعَةِ وَالتَّوْسِعَةِ عَلَى أَهْلِ الضَّعْفِ وَالْعِلَّةِ، وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الْمَسِيرِ إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ الذِي أَمَرَهُمْ ببنَائِهِ أَبُو عَامِرٍ الْفاسِقُ (٣)، وَكَانَ وَاعَدَهُمْ أَنْ يُعِينَهُمْ بِالْمَالِ وَالسِّلَاحِ، وَأَنْ يَأْتِيَهُمْ بِقُوَّةٍ مِنَ الرّومِ لِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ ﷺ منَ

стр. 2216

الْمَدِينَةِ، وَكَانُوا قَدْ طَلَبُوا مِنَ الرَّسُولِ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، وَلَكِنَّ اللَّه فَضَحَ حَقِيقَةَ نوايَاهُمْ، فَأَنْزَلَ عَلَى رَسُولهِ ﷺ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (١). فَامْتَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَقَالَ: "إِنِّي عَلَى جَنَاحِ سَفَرٍ، وَحَالِ شغْلٍ، وَلَوْ قَدِمْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَأَتَيْنَاكُمْ، فَصَلَّيْنَا لَكُمْ فِيهِ" (٢). وَكَانَ نُزُولُ هَذِهِ الْآيَاتِ عِنْدَمَا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ تَبُوكَ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ أَمَرَ بِإِحْرَاقِ مَسْجِدِ الضِّرَارِ كَمَا سَيَأْتِي. فَهَذَا هُوَ مَسْجِدُ الضِّرَارِ الذِي اتُّخِذَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَكِيدَةً لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، لَا يُرَادُ بِهِ إِلَّا الْإِضْرَارُ بِالْمُسْلِمِينَ، وَإِلَّا الْكُفْرُ بِاللَّهِ، وَإِلَّا سَتْرُ الْمُتَآمِرِينَ عَلَى الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ، الْكَائِدِينَ لَهَا في الظَّلَامِ، وَإِلَّا التَّعَاوُنُ مَعَ أَعْدَاءَ هَذَا الدِّينِ عَلَى الْكَيْدِ لَهُ تَحْتَ سِتَارِ الدِّينِ. . .، هَذَا الْمَسْجِدُ مَا يَزَالُ يُتَّخَذُ في صُوَرٍ شَتَّى تُلَائِمُ ارْتِقَاءَ الْوَسَائِلِ الْخَبِيثَةِ التِي يَتَّخِذُهَا أَعْدَاءُ هَذَا الدِّينِ، تُتَّخَذُ في صُورَةِ نَشَاطٍ ظَاهِرُهُ لِلْإِسْلَامِ، وَبَاطِنُهُ لِسَحْقِ الْإِسْلَامِ، أَوْ

стр. 2217

تَشْوِيهِهِ وَتَمْوِيهِهِ وَتَمْيِيعِهِ (١). * تَخَلُّفُ عَدَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الصَّادِقِينَ: وَكَانَ نَفَرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَبْطَأَتْ بِهِمُ النِّيَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى تَخَلَّفُوا عَنْهُ عَنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا ارْتِيَابٍ مِنْهُمْ، مِثْلُ: كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَمُرَارَةَ بْنِ الرَّبِيعِ، وَهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ، وَأَبُو لُبَابَةَ، وَهُوَ أَحَدُ الذِينَ رَبَطُوا أَنْفُسَهُمْ في سَوَارِي الْمَسْجِدِ، وَكَانُوا نَفَرَ صِدْقٍ، لَا يُتَّهَمُونَ في إِسْلَامِهِمْ (٢). * خُرُوجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى تَبُوكَ: فَلَمَّا تَجَهَّزَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ بِجَيْشِهِ الْعَظِيمِ، وَكَانَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا (٣). رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْو غَزَاهَا قَطّ إِلَّا في غَزْو تبوكَ. . . فَغَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في حَرَّةٍ شَدِيدَةٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا، وَمَفَازًا (٤)، وَاسْتَقْبَلَ عَدُوًّا كَثِيرًا، . . . وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ كَثِيرٌ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ -يُرِيدُ بِذَلِكَ الدِّيوَانَ (٥) -.

стр. 2218

وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمَدِينَةِ: مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيَّ ﵁، وَيُقَالُ: سِبَاعَ بْنَ عُرْفُطَةَ الغِفَارِيَّ ﵁، وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ، وَاسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يَؤُمُّ النَّاسَ في الصَّلَاةِ (١). وَكَانَ يَظُنُّ مَنْ تَخَلَّفَ أَنْ لَا أَحَدَ يَتَفَقَّدُهُ لِكَثْرَةِ أَفْرَادِ الْجَيْشِ، وَلَكِنَّ الرَّسُولَ ﷺ تَفَقَّدَ وَهُوَ في طَرِيقِهِ إِلَى تَبُوكَ بَعْضَ مَنْ تَخَلَّفَ، فَقَدْ سَأَلَ أَبَا رُهْمٍ كُلْثُومَ بْنَ الْحُصَيْنِ الْغِفَارِيَّ ﵁ عَمَّنْ تَخَلَّفَ مِنْ بَنِي غِفَارٍ وَأَسْلَمَ (٢)، وَعِنْدَمَا وَصَلَ تَبُوكَ سَأَلَ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ (٣). * عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ لَمْ يَشْهَدْ تَبُوكَ: وَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِب ﵁، عَلَى أَهْلِهِ وَأَمَرَهُ بِالْإِقَامَةِ فِيهِمْ، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: أَتُخَلِّفنِي في الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءَ؟ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ

стр. 2219

مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي؟ ". فَأَرْجَفَ بِهِ الْمُنَافِقُونَ وَقَالُوا: مَا خَلَفهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا اسْتِثْقَالًا لَهُ وَتَخَفُّفًا مِنْهُ، فَأَخَذَ عَلِيٌّ ﵁، سِلَاحَهُ، ثُمَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ نَازِلٌ بِالْجُرْفِ (١)، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: "مَا جَاءَ بِكَ يَا عَلِيٌّ؟ ". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! زَعَمَ النَّاسُ أنّكَ إِنَّمَا خَلَّفْتَنِي أَنَّكَ اسْتَثْقَلْتَنِي وَتَخَفَّفْتَ مِنِّي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَذَبُوا، وَلَكِنَّنِي خَلَّفْتُكَ لِمَا تَرَكْتُ وَرَائِي، فَارْجعْ فَاخْلفنِي في أَهْلِي وَأَهْلِكَ، أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى غير أنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي؟ ". قَالَ: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ رَاوِي الْحَدِيثِ: فَأَدْبَرَ عَلَيَّ ﵁ مُسْرِعًا كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى غُبَارِ قَدَمَيْهِ يَسْطَعُ (٢).

стр. 2220

* تَخَلُّفُ رَأسِ المُنَافِقِينَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلولٍ: مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَضَرَبَ عَسْكَرَهُ في ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ (١)، وَضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، رَئِسُ الْمُنَافِقِينَ، عَسْكَرَهُ عَلَى حِدَةٍ أَسْفَلَ مِنْهُ نَحْوِ ذُبَابٍ (٢)، -وَكَانَ قَدْ خَرَجَ في مَجْمُوعَةٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ- فَلَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَحْوَ تَبُوكَ تَخَلَّفَ عَنْهُ وَمَعَهُ الْمُنَافِقُونَ، وَقَالَ: يَغْزُو مُحَمَّد بَنِي الْأَصْفَرِ مَعَ جَهْدِ الْحَالِ وَالْحَرِّ وَالْبَلَدِ الْبَعِيدِ إِلَى مَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ، يَحْسَبُ أَنَّ قِتَالَهُمْ مَعَهُ اللَّعِبَ! وَاللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَصْحَابِهِ مُقَرَّنِينَ بِالْحِبَالِ، إِرْجَافًا بِرَسولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ (٣). * تَوْزِيعُ الْأَلْوِيَةِ وَالرَّايَاتِ: وَقَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ عَقَدَ الْأَلْوِيةَ وَالرَّايَاتِ، وَدَفَعَ لِوَاءَهُ الْأَعْظَمَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ (٤) ﵁، وَأَعْطَى الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ ﵁ رَايَةَ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَعْطَى أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ ﵁ رَايَةَ الْأَوْسِ، وَأَعْطَى الْحُبَابَ بْنَ الْمُنْذِرِ رَايَةَ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ دَلِيلَ الرَّسولِ ﷺ إِلَى تَبُوك عَلْقَمَةُ بْنُ الْفغْوَاءِ الْخُزَاعِيُّ ﵁ (٥).

стр. 2221

* شَأْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ ﵁ صَاحِبِ النَّفْسِ اللَّوَّامَةِ: وَكَانَ أَبُو خَيْثَمَةَ ﵁ مِمَّنْ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَلَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى تَبُوكَ أَيَّامًا، دَخَلَ أَبُو خَيْثَمَةَ ﵁ عَلَى أَهْلِهِ في يَوْمٍ حَارٍّ، فَوَجَدَ امْرَأَتَيْنِ لَهُ في عَرِيشَيْنِ لَهُمَا في حَائِطِهِ (١)، قَدْ رَشَّتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَرِيشَهَا، وَبَرَّدَتْ لَهُ فِيهِ مَاءً، وَهَيَّأَتْ لَهُ فِيهِ طَعَامًا، فَلَمَّا دَخَلَ قَامَ عَلَى بَابِ الْعَرِيشِ، فنَظَرَ إِلَى امْرَأَتَيْهِ وَمَا صَنَعَتَا لَهُ، فَقَالَ ﵁: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الضِّحِّ، وَالرِّيحِ، وَالْحَرِّ (٢)، وَأَبُو خَيْثَمَةَ في ظِلٍّ بَارِدٍ، وَطَعَامٍ مُهَيَّأٍ، وَامْرَأَةٍ حَسْنَاءَ في مَالِهِ مُقِيمٌ! ! مَا هَذَا بِالنِّصْفِ (٣)، ثُمَّ قَالَ لِزَوْجَتَيْهِ: وَاللَّهِ لَا أَدْخُلُ عَرِيشَ وَاحِدَهٍ مِنْكُمَا حَتَّى أَلْحَقَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَهَيِّئَا لِي زَادًا، فَفَعَلَتَا، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، وَانْطَلَقَ يَتْبَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَدْرَكَهُ بِتبوكٍ، حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ نَازِلٌ بِتبوكَ، قَالَ النَّاسُ: هَذَا رَاكِبٌ عَلَى الطَّرِيقِ مُقْبِلٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ"، فَقَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هُوَ وَاللَّهِ أَبُو خَيْثَمَةَ، فَلَمَّا أَنَاخَ بَعِيرَهُ سَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَكَى ﵁، فَقَالَ لَه رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوْلَى لَكَ يَا أَبَا خَيْثَمَةَ" (٤).

стр. 2222

قَالَ أَبُو خَيْثَمَةَ: كِدْتُ يَا نَبِيِّ اللَّهِ أَنْ أَهْلِكَ بِتَخَلُّفِي عَنْكَ، وَتَزَيَّنَتْ لِيَ الدُّنْيَا، وَتَزَيَّنَ لِي مَالِي في عَيْنِي، وَكِدْتُ أَنْ أَخْتَارَهُ عَلَى الْجِهَادِ، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَدَعَا لَهُ بِالْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ (١). وَهَكَذَا نَجَا أَبُو خَيْثَمَةَ ﵁، لِأَنَّهُ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْ هَذِهِ الْغَزْوَةِ إِلَّا مُنَافِقٌ أَوْ رَجُلٌ ضَعِيفٌ مَعْذُورٌ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: . . . فَكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ في النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَطُفْتُ فِيهِمْ أَحْزَنَنِي أنِّي لَا أَرَى إِلَّا رَجُلَا مَغْمُوصًا (٢) عَلَيْهِ النِّفَاقُ، أَوْ رَجُلَا مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ (٣). * إِبْطَاءُ جَمَلِ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ ﵁ -: أَمَّا أَبُو ذَرٍّ ﵁ فَقَدْ أَبْطَأَ بِهِ بَعِيرُهُ، فَأَخَذَ مَتَاعَهُ فَحَمَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ خَرَجَ يَتْبَعُ رَسُولَ اللَّهِ مَاشِيًا حَتَّى أَدْرَكَهُ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، جَعَلَ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ الرَّجُلُ، فَيَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! تَخَلَّفَ فُلَانٌ، فَيَقُولُ: "دَعُوهُ، فَإِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ

стр. 2223

فَسَيُلْحِقُهُ اللَّهُ تَعَالَى بِكُمْ، وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمُ اللَّهُ مِنْهُ". فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ تَخَلَّفَ أَبُو ذَرٍّ، وَأَبْطَأَ بِهِ بَعِيرُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "دَعُوهُ، فَإنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ، فَسَيُلْحِقُهُ اللَّهُ بِكُمْ، وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمُ اللَّهُ مِنْهُ". وَتَلَوَّمَ (١) أَبُو ذَرٍّ عَلَى بَعِيرِهِ، فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَيْهِ أَخَذَ مَتَاعَهُ فَحَمَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ خَرَجَ مَاشِيًا يَتْبَعُ الرَّسُولَ ﷺ ، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في بَعْضِ مَنَازِلهِ، فَنَظَرَ نَاظِرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ يَمْشِي عَلَى الطَّرِيقِ وَحْدَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُنْ أَبَا ذَرٍّ" فَلَمَّا تَأَمَّلَهُ القوْمُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ وَاللَّهِ أَبُو ذَرٍّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رَحِمَ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ، يَمْشِي وَحْدَهُ، وَيَمُوتُ وَحْدَهُ، وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ" (٢). * تَحَقُّقُ خَبَرِ وَفَاةِ أَبِي ذَرٍّ ﵁ -: وَقَدْ تَحَقَّقَ قَوْلُ الرَّسُولِ ﷺ في أَبِي ذَرٍّ ﵁، فَإِنَّهُ في خِلَافَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁، سَكَنَ أَبُو ذَرٍّ الرَّبَذَةَ (٣)، وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَهُ وَغُلَامَهُ، فَلَمَّا

стр. 2224

حَضَرَهُ الْمَوْتُ، قَالَ لَهُمَا: اغْسِلَانِي وَكَفِّنَاني، ثُمَّ ضَعَانِي عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، فَأَوَّلُ رَكْبٍ يَمُرُّ بِكُمْ، قُولُوا: هَذَا أَبُو ذَرٍّ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَعِينُونَا عَلَى دَفْنِهِ، فَلَمَّا مَاتَ ﵁، غَسَّلَاهُ وَكَفَّنَاهُ، ثُمَّ وَضَعَاهُ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَأَقْبلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ في رَهْطٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عُمَّارًا، فَلَمْ يَرُعْهُمْ إِلَّا الْجَنَازَةَ عَلَى ظَهْرِ الطَّرِيقِ، قَدْ كَادَتْ الْإِبِلُ أَنْ تَطَأَ الْجَنَازَةَ، وَقَامَ إِلَيْهِمُ الْغُلَامُ، فَقَالَ: هَذَا أَبُو ذَرٍّ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَعِينُونَا عَلَى دَفْنِهِ، فَاسْتَهَلَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ يَبْكِي، وَيَقُولُ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَمْشِي وَحْدَكَ، وَتَمُوتُ وَحْدَكَ، وَتُبْعَثُ وَحْدَكَ"، ثُمَّ نَزَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَدَفنوهُ ﵁ (١). * رِوَايَةٌ أُخْرَى فِي وَفَاةِ أَبِي ذَرٍّ ﵁ -: رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ أُمِّ ذَرٍّ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا ذَرٍّ الْوَفَاةُ بَكَيْتُ، فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: مَا يُبْكِيكِ؟ قُلْتُ: وَمَا لِي لَا أَبْكِي، وَأَنْتَ تَمُوتُ بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَلَا يَدَ لِي بِدَفْنِكَ، وَلَيْسَ عِنْدِي ثَوْبٌ يَسَعُكَ فَأُكُفِّنَكَ فِيهِ. فَقَالَ ﵁: فَلَا تَبْكِي وَأَبْشِرِي، فَانِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَيَمُوتَنَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ يَشْهَدُهُ عِصَابَةٌ (٢) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ".

стр. 2225

وَلَيْسَ مِنْ أُولَئِكَ النَّفرِ أَحَدٌ إِلَّا وَقَدْ مَاتَ في قَرْيَةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ، وَإِنِّي أَنَا الذِي أَمُوتُ بِفَلَاةٍ، وَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ وَلَا كُذِبْتُ (١). * حَدِيثٌ في فَضْلِ أَبِي ذَرٍّ ﵁ -: رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ، وَابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ (٢)، وَلَا أَقَلَّتِ (٣) الْغَبْرَاءُ (٤) عَلَى ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقِ مِنْ أَبِي ذَرٍّ" (٥). * مُرُورُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْحِجْرِ (٦): أَكْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرِيقَهُ إِلَى تَبُوكَ، وَفِي الطَّرِيقِ مَرُّوا بِالْحِجْرِ دِيَارِ

стр. 2226

ثَمُودَ، فَاسْتَحَثَّ (١) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَاحِلَتَهُ، وَنَزَلَ قَرِيبًا مِنْ دِيَارِ ثَمُودَ، فَاسْتَقَى النَّاسُ مِنْ بِئْرٍ كَانَ بِالْحِجْرِ وَاعْتَجَنُوا بِهِ، فَلَمَّا عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكينَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ" (٢). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الذِينَ عُذِّبُوا إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ" (٣). وَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا يَشْرَبُوا مِنْ بِئْرِهَا وَلَا يَسْتَقُوا، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا نَزَلَ الْحِجْرَ في غَزْوَةِ تبوكٍ أَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَشْرَبُوا مِنْ بِئْرِهَا، وَلَا يَسْتَقُوا مِنْهَا، فَقَالُوا: قَدْ عَجَنَّا مِنْهَا وَاسْتَقَيْنَا، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَطْرَحُوا ذَلِكَ الْعَجِينَ، وَيُهْرِيقُوا

стр. 2227

ذَلِكَ الْمَاءَ، وَأَنْ يَعْلِفُوا الْإِبِلَ ذَلِكَ الْعَجِينَ (١). * خُطْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في أَصْحَابِهِ: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ خَطِيبًا في النَّاسِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: لَمَّا مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِالْحِجْرِ، قَالَ: "لَا تَسْألوا الْآيَاتِ، وَقَدْ سَأَلهَا قَوْمُ صَالِحٍ، فَكَانَتْ تَرِدُ (٢) مِنْ هَذَا الْفَجِّ (٣)، وَتَصْدُرُ (٤) مِنْ هَذَا الْفَجِّ، فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَعَقَرُوهَا، وَكَانَتْ تَشْرَبُ مَاءَهُمْ يَوْمًا، وَيَشْربُونَ لَبَنَهَا يَوْمًا، فَعَقَرُوهَا، فَأَخَذَتْهُمْ صَيْحَةٌ أَهْمَدَ (٥) اللَّهُ مَنْ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ مِنْهُمْ، إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا كَانَ في حَرَمِ اللَّهِ"، قِيلَ: مَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ ، قَالَ: "هُوَ أَبُو رِغَالٍ (٦)، فَلَمَّا خَرَجَ مِنَ الْحَرَمِ، أَصَابَهُ مَا أَصَابَ قَوْمَهُ" (٧).

стр. 2228

وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثارِ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَتَسَارَعَ النَّاسُ إِلَى أَهْلِ الْحِجْرِ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَنُودِيَ في النَّاسِ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُمْسِكٌ بَعِيرَهُ، فَقَالَ: "عَلَامَ تَدْخُلُونَ عَلَى قَوْمٍ قَدْ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؟ ". فَنَادَاهُ رَجُلٌ: نَعْجَبُ مِنْهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَعْجَبَ مِنْ ذَلِكَ؟ رَجُلٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ (١) يُخْبِرُكُمْ بِمَا كَانَ قَبْلَكُمْ، وَبِمَا هُوَ كَائِن بَعْدَكُمْ، فَاسْتَقِيمُوا وَسَدِّدُوا، فَإِنَّ اللَّه لَا يَعْبَأُ بِعَذَابِكُمْ شَيْئًا، ثُمَّ يَأْتِي قَوْمٌ لَا يَدْفَعُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ شَيْئًا" (٢). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الْحَافِظُ في الْفَتْحِ: وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ: ١ - الْحَثُّ عَلَى الْمُرَاقَبَةِ. ٢ - الزَّجْرُ عَنِ السُّكْنَى في دِيَارِ الْمُعَذَّبِينَ. ٣ - الْإِسْرَاعُ عِنْد الْمُرُورِ بِهَا، وَقَدْ أُشِيرَ إِلَى ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ

стр. 2229

وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ (١). * اخْرُصُوا (٢) لِلْمَرْأَةِ: أَكْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرِيقَهُ إِلَى تَبُوكَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى وَادِي الْقِرَى (٣) إِذَا امْرَأَةٌ في حَدِيقَةٍ لَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "اخْرُصُوا"، فَخَرَصَ الْقَوْمُ، وَخَرَصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ (٤)، فَقَالَ لَهَا: "أَحْصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهَا حَتَّى أَرْجعَ إِلَيْكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ"، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى قَدِمَ تَبُوكَ، . . . فَلَمَّا أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ تَبُوكَ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ، جَاءَ وَادِي الْقِرى، فَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: "كَمْ جَاءَتْ حَدِيقَتُكِ؟ ". قَالَتْ: عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، خَرْصَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٥). * الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَوَاتِ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَوَاتِ في هَذِهِ الْغَزْوةِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ

стр. 2230

مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوةِ تَبُوكٍ، فَكَانَ يُصَلِّي الظّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا (١). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في مُسْنَدِ الْإِمَامٍ أَحْمَدَ وَابْنِ حِبَّانَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بنِ وَاثِلَةَ ﵁ قَالَ: أَنَّ مُعَاذًا ﵁ أَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ تَبُوكَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ (٢). * مَا لَاقَاهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ شِدَّةٍ، وَظُهُورُ الْمُعْجِزَاتِ: وَاشْتَدَّتْ في الطَّرِيقِ حَاجَةُ النَّاسِ إِلَى الْمَاءِ، وَقَدْ أَصْبَحُوا وَلَا مَاءَ مَعَهُمْ، وَأَصَابَهُمْ مِنَ الْعَطَشِ مَا كَادَ يَقْطَعُ رِقَابَهُمْ حَتَّى حَمَلَهُمْ ذَلِكَ عَلَى نَحْرِ إِبِلِهِمْ لِيَشُقُّوا أَكْرَاشَهَا وَيَشْرَبُوا مَاءَهَا، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: حَدِّثْنَا عَنْ شَأْنِ الْعُسْرَةِ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: خَرَجْنَا إِلَى تَبُوكَ في قَيْظٍ شَدِيدٍ، فنَزَلْنَا مَنْزِلًا، أَصَابَنَا فِيهِ عَطَشٌ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّ رِقَابَنَا سَتَنْقَطِعُ، حَتَّى إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَذْهَبُ يَلْتَمِسُ الْمَاءَ، فَلَا يَرْجعُ حَتَّى نَظُنَّ

стр. 2231

أَنَّ رَقَبَتَهُ سَتَنْقَطِعُ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْحَرُ بَعِيرَهُ، فَيَعْصِرُ فَرْثَهُ فَيَشْرَبُهُ، وَيَجْعَلُ مَا بَقِيَ عَلَى كَبِدِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ عَوَّدَكَ اللَّهُ في الدُّعَاءِ خَيْرًا، فَادْعُ لَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَرَفَعَ يَدَيْهِ ﷺ ، فَلَمْ يَرْجِعْهُمَا حَتَّى أَظَلَّتْ سَحَابَةٌ، فَسَكَبَتْ (١)، فَمَلَأُوا مَا مَعَهُمْ، ثُمَّ ذَهَبْنَا نَنْظُرُ، فَلَمْ نَجِدْهَا جَاوَزَتِ الْعَسْكَرَ (٢). * قِصَةُ الْمَجَاعَةِ: وَأَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ شَدِيدَةٌ حَتَّى اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في نَحْرِ نَوَاضِحِهِمْ (٣) لِيَأْكُلُوا مِنْهَا، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ غَزْوَةُ تَبُوكَ، أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ أَذِنْتَ لَنَا فَنَحَرْنَا نَوَاضِحَنَا فَأَكَلْنَا وَادَّهَنَّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "افْعَلُوا"، فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنْ فَعَلْتَ قَلَّ الظَّهْرُ (٤)، وَلَكِنِ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، ثُمَّ ادْعُ اللَّه لَهُمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ فِي

стр. 2232

ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ"، قَالَ: فَدَعَا بِنِطْعٍ (١) فَبَسَطَهُ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ، وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ، وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكِسْرَةٍ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطْعِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ يَسِيرٌ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِ بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ قَالَ: "خُذُوا في أَوْعِيَتِكُمْ"، قَالَ: فَأَخَذُوا في أَوْعِيَتِهِمْ، حَتَّى مَا ترَكُوا في الْعَسْكَرِ وِعَاءً إِلَّا مَلَؤُوهُ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وَفضَلَتْ فَضْلَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، لَا يَلقى اللَّه بِهِمَا عَبْدٌ غيْرُ شَاكٍّ، فيحْجَبُ عَنِ الْجَنَّةِ" (٢). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الْحَافِظُ في الْفَتْحِ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ: ١ - حُسْنُ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَإِجَابَتُهُ إِلَى مَا يَلْتَمِسُ مِنْهُ أَصحَابُهُ، وَإِجْرَاؤُهُمْ عَلَى الْعَادَةِ الْبَشَرِيَّةِ في الِاحْتِيَاجِ إِلَى الزَّادِ في السَّفَرِ. ٢ - وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ ظَاهِرَةٌ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ دَالَّةٌ عَلَى قُوَّةِ يَقِينِهِ بِإِجَابَةِ

стр. 2233

دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَعَلَى حُسْنِ نَظَرِهِ لِلْمُسْلِمِينَ. ٣ - وَفِيهِ جَوَازُ الْمَشُورَةِ عَلَى الْإِمَامِ بِالْمَصْلَحَةِ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنْهُ الْاسْتِشَارَةُ (١). * مَجَاعَةٌ أُخْرَى أَصَابَتْهُمْ: وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ فُضَالة بْنِ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ، فَجُهِدَ بِالظَّهْرِ جَهْدًا شَدِيدًا، فَشَكَوْا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مَا بِظَهْرِهِمْ مِنَ الْجَهْدِ، فَتَحَيَّنَ (٢) بِهِمْ مَضِيقًا فَسَارَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ، فَقَالَ: "مُرُّوا بِسْمِ اللَّهِ"، فَمَرَّ النَّاسُ عَلَيْهِ بِظَهْرِهِمْ، فَجَعَلَ يَنْفُخُ بِظَهْرِهِمْ، وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ احْمِلْ عَلَيْهَا في سَبِيلِكَ، إِنَّكَ تَحْمِلُ عَلَى الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ، وَعَلَى الرَّطْبِ وَاليَابِسِ، في الْبَرِّ وَالْبَحْرِ". قَالَ فُضَالَةُ ﵁: فَمَا بَلَغْنَا الْمَدِينَةَ حَتَّى جَعَلَتْ تُنَازِعُنَا أَزِمَّتَهَا. قَالَ فُضَالَةُ ﵁: هَذِهِ دَعْوَةُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ، فَمَا بَالُ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ! فَلَمَّا قَدِمْنَا الشَّامَ غَزَوْنَا غَزْوَةَ قُبْرُسَ في الْبَحْرِ، فَلَمَّا رَأَيْتُ

стр. 2234

السُّفُنَ في الْبَحْرِ، وَمَا يَدْخُلُ فِيهَا، عَرَفْتُ دَعْوَةَ النَّبِيِّ ﷺ (١). * فُقْدَانُ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاسْتِهْزَاءُ الْمُنَافِقِينَ: أَكْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرِيقَهُ إِلَى تَبُوكَ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ ضلَّتْ نَاقَتُهُ، فَقَالَ زَيْدُ بْنُ اللُّصَيْتِ (٢) -وَكَانَ يَهُودِيًّا مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ أَسْلَمَ فنَافَقَ-: أَليْسَ مُحَمَّد يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَيُخْبِرُكُمْ عَنْ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَهُوَ لَا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ؟ ! فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ نَفَرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَالُوا: قَاتَلَكَ اللَّهُ نَافَقْتَ، فَلِمَ خَرَجْتَ وَهَذَا في نَفْسِكَ؟ . قَالَ: خَرَجْتُ لِأُصِيبَ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، فَسَبُّوهُ وَقَالُوا لَهُ: وَاللَّهِ مَا نَكُونُ مِنْكَ بِسَبِيلٍ، وَلَوْ عَلِمْنَا أَنَّ هَذَا في نَفْسِكَ مَا صَحِبْتَنَا سَاعَةً. وَكَانَ زَيْدُ بْنُ اللُّصَيْتِ في رَحْلِ عُمَارَةَ بْنِ حَزْمٍ الْعَقَبِيِّ الْبَدْرِيِّ ﵁، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعُمَارَةُ عِنْدَهُ: "إِنَّ رَجُلًا قَالَ: هَذَا مُحَمَّدٌ يُخْبِرُكُمْ أنَّهُ نَبِيٌّ وَيَزْعُمُ أنَّهُ يُخْبِرُكُمْ بِأَمْرِ السَّمَاءِ، وَهُوَ لَا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ إِلَّا مَا عَلَّمَنِي اللَّهُ، وَقَدْ دَلَّنِي اللَّهُ عَلَيْهَا، وَهِيَ في هَذَا الْوَادِي، في شِعْبِ كَذَا وَكَذَا، قَدْ حبَسَتْهَا شَجَرَةٌ بِزِمَامِهَا، فَانْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُونِي بِهَا".

стр. 2235

فَذَهَبَ الصَّحَابَةُ ﵃، فَوَجَدُوهَا كَذَلِكَ، فَجَاؤُوا بِهَا، وَرَجَعَ عُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ إِلَى رَحْلِهِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَعَجَبٌ مِنْ شَيْءٍ حَدَثنَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ مَقَالَةِ قَائِلٍ أَخْبَرَهُ اللَّهُ عَنْهُ بْكَذَا وَكَذَا -لِلَّذِي قَالَ زَيْدُ بْنُ اللُّصَيْتِ- فَقَالَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ في رَحْلِ عُمَارَةَ، وَلَمْ يَحْضرْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : زَيْدٌ وَاللَّهِ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ، فَأَقْبَلَ عُمَارَةُ عَلَى زَيْدِ بْنِ اللُّصيْتِ يَجَأُ (١) في عُنُقِهِ، وَيَقُولُ: في رَحْلِي لَدَاهِيَةٌ وَمَا أَشْعُرُ، اُخْرُجْ أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ مِنْ رَحْلِي، فَلَا تصْحَبْنِي (٢). * مُرُورُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ: رَوَى أَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ وَالنَّسَائِيُّ في السُّنَنِ الْكُبْرَى بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى في غَزْوَةِ تَبُوكَ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ (٣)، فإذا في فِنَاءِ (٤) الْبَيْت قِرْبَةٌ مُعَلَّقَةٌ، فَسَأَلَ (٥) الْمَاءَ؟ . فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهَا مَيْتَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "دِبَاغُهَا طُهُورُهَا".

стр. 2236

وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَليْسَ قَدْ دَبَغْتِهَا؟ ". قَالَتْ: بَلَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَإِنَّ دِبَاغَهَا ذَكَاتُهَا" (١). قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: الذَّكَاةُ وَالتَّذْكِيَةُ: الذَّبْحُ، جَعَلَ دِبَاغَ الْجِلْدِ بِمَنْزِلَةِ الذَّبْحِ، فَإِنَّ جِلْدَ الْمَذْبُوحِ طَاهِرٌ (٢). * ائْتِمَامُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ -: وَفِي طَرِيقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى تَبُوكَ، وَبَعْدَ أَنْ نَزَلَ الْجَيْشُ في اللَّيْلِ، وَعِنْدَ الفجْرِ ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِقَضَاءَ الْحَاجَةِ، وَكَانَ مَعَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ﵁، فتَأَخَّرَ، فَقَدَّمَ الْمُسْلِمُونَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ﵁، وَصَلَّى بِهِمُ الفجْرَ، وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَدْرَكَ رَكْعَةً، وَأَتَمَّ رَكْعَةً، فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ، وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحَيْهِمَا عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁، قَالَ: عَدَلَ (٣) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَنَا مَعَهُ في غَزْوَةِ تَبُوكٍ، قَبْلَ الفجْرِ، فَعَدَلْتُ مَعَهُ، فَأَنَاخَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَبَرَّزَ (٤)، ثُمَّ جَاءَنِي، فَسَكَبْتُ (٥) عَلَى

стр. 2237

يَدَيْهِ مِنَ الْإِدَاوَةِ (١)، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ حَسَرَ (٢) عَنْ ذِرَاعَيْهِ، فَضَاقَ كُمُّ جُبَّتِهِ (٣)، فَأَدْخَلَ يَدَيْهِ، فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ، فَغَسَلَهُمَا إِلَى الْمِرْفَقِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ رَكِبَ، فَأَقْبَلْنَا نَسِيرُ حَتَّى نَجِدَ النَّاسَ في الصَّلَاةِ، قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ﵁، فَصَلَّى بِهِمْ حِينَ كَانَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، وَوَجَدْنَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ قَدْ رَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَرَاءَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَصَلَّى الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ سَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يُتِمُّ صَلَاتَهُ، فَفَزعَ الْمُسْلِمُونَ، وَأَكْثَرُوا التَّسْبِيحَ؛ لِأَنَّهُمْ سَبَقُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ لَهُمْ: "أَحْسَنْتُمْ" أَوْ قَالَ: "أَصَبْتُمْ" (٤). * زِيَادَةٌ ضَعِيفَةٌ: زَادَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ والْحَاكِمُ في الْمُسْتَدْرَكِ وَابْنُ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا قُبِضَ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يُصلِّي

стр. 2238

خَلْفَ رَجُلٍ صَالِحٍ مِنْ أُمَّتِهِ" (١). * لَا يَأْخُذْ مِنْ عَيْنِ تَبُوكَ أَحَدٌ: أَكْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرِيقَهُ إِلَى تَبُوكَ، وَقَبْلَ أَنْ يَأْتُوهَا بِيَوْمٍ واحدٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "إِنَّكُمْ سَتَأْتونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَيْنَ (٢) تَبُوكٍ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَأْتُوهَا حَتَّى يُضْحِي النَّهَارُ، فَمَنْ جَاءَهَا، فَلَا يَمَسَّ مِنْ مَائِهَا شَيْئًا حَتَّى آتِي" (٣). * فَوَاتُ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَقِصَّةُ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ -: رَوَى الطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمَّا كُنَّا بِدَهَاسٍ (٤) مِنَ الْأَرْضِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ يَكْلَؤُنَا (٥) اللَّيْلةَ؟ ".

стр. 2239

قَالَ بِلَالٌ: أَنَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذًا تَنَامُ"، فنَامَ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَاسْتَيْقَظَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَقُلْنَا: تَكَلَّمُوا حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، فَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "افْعَلُوا مَا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ مَنْ نَامَ أَوْ نَسِيَ" (١). وَأَمَّا قِصَّةُ أَبِي قَتَادَةَ ﵁، فَقَدْ أَخْرَجَهَا الْإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ ﵁: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في سَفَرٍ (٢)، فَخَطَبَنَا ﷺ ، فَقَالَ: "إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ عَشِيّتَكُمْ وَلَيْلَتَكُمْ، وَتَأْتُونَ الْمَاءَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا". قَالَ أَبُو قَتَادَةَ ﵁: فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ (٣)، وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ، فنَعِسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَمَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَأَتَيْتُهُ فَدَعَمْتُهُ (٤)، مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوقِظَهُ، حَتَّى اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى تَهَوَّرَ اللَّيْلُ (٥)، مَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَدَعَمْتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوقِظَهُ، حَتَّى اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى إِذَا

стр. 2240

كَانَ مِنْ آخِرِ السَّحَرِ مَالَ مَيْلَةً هِيَ أَشَدُّ مِنَ الْمَيْلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ حَتَّى كَادَ يَنْجَفِلُ (١)، فَأَتَيْتُهُ فَدَعَمْتُهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ ﷺ ، فَقَالَ ﷺ : "مَنْ هَذَا؟ ". قُلْتُ: أَبُو قَتَادَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَتَى كَانَ هَذَا مَسِيرَكَ مِنِّي؟ ". قُلْتُ: مَا زَالَ هَذَا مَسِيرِي مُنْذُ اللَّيْلَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "حَفِظَكَ اللَّهُ بِمَا حَفِظْتَ بِهِ نَبِيَّهُ"، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ ﵁: . . . فَمَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الطَّرِيقِ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ (٢)، ثُمَّ قَالَ: "احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلَاتَنَا"، فَنِمْنَا، فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَالشَّمْسُ في ظَهْرِهِ، فَقُمْنَا فَزِعِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "ارْكبُوا"، فَرَكِبْنَا فَسِرْنَا، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ نَزَلَ، ثُمَّ دَعَا بِمَيْضَأَةٍ (٣) كَانَتْ مَعِي فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ، فتَوَضَّأَ مِنْهَا وُضُوءًا دُونَ وُضُوءٍ، وَبَقِيَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "احْفَظْ عَلَيْنَا مَيْضَأَتكَ، فَسَيَكُونُ لَهَا نَبَأٌ". ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ (٤)، ثُمَّ صَلَّى الْغَدَاةَ (٥) فَصَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ أَبُو قَتادَةَ ﵁: وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَرَكِبْنَا مَعَهُ، فَجَعَلَ بَعْضُنَا

стр. 2241

يَهْمِسُ إِلَى بَعْضٍ: مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعْنَا بِتَفْرِيطِنَا في صَلَاتِنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "أَمَا لَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ؟ ". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ في النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يِجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَنْتَبِهُ لَهَا، فَإِذَا كَانَ الْغَدُ فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا" (١). قَالَ أَبُو قَتَادَةَ ﵁: فَلَمَّا اشْتَدَّتِ الظَّهِيرَةُ جَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْنَا عَطَشْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا هُلْكَ عَلَيْكُمْ"، ثُمَّ قَالَ: "أَطْلِقُوا لِي غُمَرِي (٢) "، وَدَعَا بِالْمَيْضَأَةِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُبُّ، وَأَبُو قَتَادَةَ ﵁ يَسْقِيهِمْ، فَلَمْ يَعْدُ أَنْ رَأَى النَّاسُ مَاءً في الْمَيْضَأَةِ تَكَابُّوا (٣) عَلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "أَحْسِنُوا الْمَلَأَ (٤)، كُلُّكُمْ سَيَرْوَى"، فَفَعَلُوا، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُبُّ، وَأَسْقِيهِمْ حَتَّى مَا بَقِيَ غَيْرِي وَغَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ صَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لِي: "اشْرَبْ"، فَقُلْتُ: لَا أَشْرَبُ حَتَّى تَشْرَبَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ سَاقِي الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شرْبًا"، فَشَرِبْتُ، وَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .

стр. 2242

قَالَ أَبُو قَتَادَةَ ﵁: فَأَتَى النَّاسُ الْمَاءَ (١) جَامِّينَ (٢) رِوَاءً (٣). * وُصُولُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى تَبُوكَ وَأَخْذُ الْمُنَافِقِينَ مَاءَهَا: وَلَمَّا وَصَلَ الْمُسْلِمُونَ تَبوكَ، وَجَدُوا عَيْنَهَا قَلِيلَةَ الْمَاءِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَالَ لَهُمْ: "إِنَّكُمْ سَتَأْتُونَ غَدًا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، عَيْنَ تبُوكٍ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَأْتُوهَا حَتَّى يُضْحِي النَّهَارُ، فَمَنْ جَاءَهَا مِنْكُمْ فَلَا يَمَسَّ مِنْ مَائِهَا شَيْئًا حَتَّى آتِي"، فَسَبَقَهُ إِلَيْهَا رَجُلَانِ (٤) فَاسْتَقَيَا مَا فِيهَا، فَسَبَّهُمَا (٥) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ لَهُمَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ غَرَفُوا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْعَيْنِ، قَلِيلًا قَلِيلًا، حَتَّى اجْتَمَعَ في شَيْءٍ، ثُمَّ غَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِيهَا، فَجَرَتِ الْعَيْنُ بِمَاءٍ كَثِيرٍ، فَاسْتَقَى النَّاسُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ رَاوِي الْحَدِيثِ-: "يُوشِكُ يَا مُعَاذُ إِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ، أَنْ

стр. 2243

تَرَى مَا هَا هُنَا قَدْ مُلِئَ جِنَانًا" (١). وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ في السِّيرَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَئِنْ بَقِيتُمْ، أَوْ مَنْ بَقِيَ مِنْكُمْ، لَتَسْمَعُنَّ بِهَذَا الْوَادِي، وَهُوَ أَخْصَبُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَمَا خَلفهُ" (٢). * نُزُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في تَبُوكَ وَخُطْبَتُهُ فِيهَا: لَمَّا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى تَبُوكَ ضرِبَتْ لَهُ قُبَّةٌ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَهُوَ في قُبَّةٌ مِنْ أَدَمٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ (٣). فَلَمَّا اسْتَقَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي تَبُوكَ خَطَبَ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ تَبُوكَ، فَقَالَ: "مَا في النَّاسِ مِثْلُ رَجُلٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ لِيُجَاهِدَ في سَبِيلِ اللَّهِ، وَيَجْتَنِبَ شُرُورَ

стр. 2244

النَّاسِ، وَمِثْلُ رَجُلٍ بَادٍ (١) في غَنَمِهِ يَقْرِي (٢) ضَيْفَهُ، وَيُؤَدِّي حَقَّهُ" (٣). * خُطْبَةٌ غَيْرُ ثَابِتَةٍ: وَقِيلَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ خُطْبَةً طَوِيلَةً في تَبُوكَ، قَالَ فِيهَا: "أَيُّهَا النَّاسُ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كتَابُ اللَّهِ، وَأَوْثَقَ الْعُرَى كَلِمَةُ التَّقْوَى، وَخَيْرَ الْمِلَلِ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ، وَخَيْرَ السُّنَنِ سَنَّةُ مُحَمَّدٍ، وَأَشرَفَ الْحَدِيثِ ذِكْرُ اللَّهِ، وَأَحْسَنَ الْقَصَصِ هَذَا الْقُرْآنُ، وَخَيْرَ الْأُمُورِ عَوَازِمُهَا، وَشرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَشرَفَ الْمَوْتِ قَتْلُ الشُّهَدِاءِ، وَأَعْمَى الْعَمَى الضَّلَالة بَعْدَ الْهُدَى، وَخَيْرَ الْأَعْمَالِ مَا نَفَعَ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ مَا اتُّبِعَ، وَشرَّ الْعَمَى عَمَى الْقَلْبِ. . . إِلَخِ". رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْبَيْهَقِيُّ في دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ (٤)، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ: وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَفِيهِ نَكَارَةٌ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ (٥).

стр. 2245

* إِقَامَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِتَبُوكَ: وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا (١)، لَمْ يَلْقَ كَيْدًا، وَلَمْ يُوَاجِهْ عَدُوًّا، وَكَانَ يُرْسِلُ السَّرَايَا إِلَى القبَائِلِ عَلَى أَطْرَافِ الشَّامِ، وَأَرْسَلَ رِسَالَةً إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، كَمَا سَيَأْتِي. * حِرَاسَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحْرَسُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ، بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَامَ غَزْوَةِ تَبُوكٍ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يُصَلِّي، فَاجْتَمَعَ وَرَاءَهُ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَحْرُسُونَهُ (٢). * هُبُوبُ رِيحٍ شَدِيدَةٍ: أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ أَنَّهُ سَتَهُبُّ عَلَيْهِمْ -وَهُمْ فِي تَبُوكَ- رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَقَدْ رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁، قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ. . . فَلَمَّا أَتيْنَا تَبُوكًا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَا
следующие страницы →