← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

يَهْمِسُ إِلَى بَعْضٍ: مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعْنَا بِتَفْرِيطِنَا في صَلَاتِنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "أَمَا لَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ؟ ". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ في النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يِجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَنْتَبِهُ لَهَا، فَإِذَا كَانَ الْغَدُ فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا" (١). قَالَ أَبُو قَتَادَةَ ﵁: فَلَمَّا اشْتَدَّتِ الظَّهِيرَةُ جَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْنَا عَطَشْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا هُلْكَ عَلَيْكُمْ"، ثُمَّ قَالَ: "أَطْلِقُوا لِي غُمَرِي (٢) "، وَدَعَا بِالْمَيْضَأَةِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُبُّ، وَأَبُو قَتَادَةَ ﵁ يَسْقِيهِمْ، فَلَمْ يَعْدُ أَنْ رَأَى النَّاسُ مَاءً في الْمَيْضَأَةِ تَكَابُّوا (٣) عَلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "أَحْسِنُوا الْمَلَأَ (٤)، كُلُّكُمْ سَيَرْوَى"، فَفَعَلُوا، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُبُّ، وَأَسْقِيهِمْ حَتَّى مَا بَقِيَ غَيْرِي وَغَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ صَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لِي: "اشْرَبْ"، فَقُلْتُ: لَا أَشْرَبُ حَتَّى تَشْرَبَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ سَاقِي الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شرْبًا"، فَشَرِبْتُ، وَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .

стр. 2242

قَالَ أَبُو قَتَادَةَ ﵁: فَأَتَى النَّاسُ الْمَاءَ (١) جَامِّينَ (٢) رِوَاءً (٣). * وُصُولُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى تَبُوكَ وَأَخْذُ الْمُنَافِقِينَ مَاءَهَا: وَلَمَّا وَصَلَ الْمُسْلِمُونَ تَبوكَ، وَجَدُوا عَيْنَهَا قَلِيلَةَ الْمَاءِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَالَ لَهُمْ: "إِنَّكُمْ سَتَأْتُونَ غَدًا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، عَيْنَ تبُوكٍ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَأْتُوهَا حَتَّى يُضْحِي النَّهَارُ، فَمَنْ جَاءَهَا مِنْكُمْ فَلَا يَمَسَّ مِنْ مَائِهَا شَيْئًا حَتَّى آتِي"، فَسَبَقَهُ إِلَيْهَا رَجُلَانِ (٤) فَاسْتَقَيَا مَا فِيهَا، فَسَبَّهُمَا (٥) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ لَهُمَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ غَرَفُوا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْعَيْنِ، قَلِيلًا قَلِيلًا، حَتَّى اجْتَمَعَ في شَيْءٍ، ثُمَّ غَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِيهَا، فَجَرَتِ الْعَيْنُ بِمَاءٍ كَثِيرٍ، فَاسْتَقَى النَّاسُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ رَاوِي الْحَدِيثِ-: "يُوشِكُ يَا مُعَاذُ إِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ، أَنْ

стр. 2243

تَرَى مَا هَا هُنَا قَدْ مُلِئَ جِنَانًا" (١). وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ في السِّيرَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَئِنْ بَقِيتُمْ، أَوْ مَنْ بَقِيَ مِنْكُمْ، لَتَسْمَعُنَّ بِهَذَا الْوَادِي، وَهُوَ أَخْصَبُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَمَا خَلفهُ" (٢). * نُزُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في تَبُوكَ وَخُطْبَتُهُ فِيهَا: لَمَّا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى تَبُوكَ ضرِبَتْ لَهُ قُبَّةٌ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَهُوَ في قُبَّةٌ مِنْ أَدَمٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ (٣). فَلَمَّا اسْتَقَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي تَبُوكَ خَطَبَ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ تَبُوكَ، فَقَالَ: "مَا في النَّاسِ مِثْلُ رَجُلٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ لِيُجَاهِدَ في سَبِيلِ اللَّهِ، وَيَجْتَنِبَ شُرُورَ

стр. 2244

النَّاسِ، وَمِثْلُ رَجُلٍ بَادٍ (١) في غَنَمِهِ يَقْرِي (٢) ضَيْفَهُ، وَيُؤَدِّي حَقَّهُ" (٣). * خُطْبَةٌ غَيْرُ ثَابِتَةٍ: وَقِيلَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ خُطْبَةً طَوِيلَةً في تَبُوكَ، قَالَ فِيهَا: "أَيُّهَا النَّاسُ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كتَابُ اللَّهِ، وَأَوْثَقَ الْعُرَى كَلِمَةُ التَّقْوَى، وَخَيْرَ الْمِلَلِ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ، وَخَيْرَ السُّنَنِ سَنَّةُ مُحَمَّدٍ، وَأَشرَفَ الْحَدِيثِ ذِكْرُ اللَّهِ، وَأَحْسَنَ الْقَصَصِ هَذَا الْقُرْآنُ، وَخَيْرَ الْأُمُورِ عَوَازِمُهَا، وَشرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَشرَفَ الْمَوْتِ قَتْلُ الشُّهَدِاءِ، وَأَعْمَى الْعَمَى الضَّلَالة بَعْدَ الْهُدَى، وَخَيْرَ الْأَعْمَالِ مَا نَفَعَ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ مَا اتُّبِعَ، وَشرَّ الْعَمَى عَمَى الْقَلْبِ. . . إِلَخِ". رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْبَيْهَقِيُّ في دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ (٤)، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ: وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَفِيهِ نَكَارَةٌ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ (٥).

стр. 2245

* إِقَامَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِتَبُوكَ: وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا (١)، لَمْ يَلْقَ كَيْدًا، وَلَمْ يُوَاجِهْ عَدُوًّا، وَكَانَ يُرْسِلُ السَّرَايَا إِلَى القبَائِلِ عَلَى أَطْرَافِ الشَّامِ، وَأَرْسَلَ رِسَالَةً إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، كَمَا سَيَأْتِي. * حِرَاسَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحْرَسُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ، بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَامَ غَزْوَةِ تَبُوكٍ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يُصَلِّي، فَاجْتَمَعَ وَرَاءَهُ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَحْرُسُونَهُ (٢). * هُبُوبُ رِيحٍ شَدِيدَةٍ: أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ أَنَّهُ سَتَهُبُّ عَلَيْهِمْ -وَهُمْ فِي تَبُوكَ- رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَقَدْ رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁، قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ. . . فَلَمَّا أَتيْنَا تَبُوكًا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَا

стр. 2246

إِنَّهَا سَتَهُبُّ اللَّيلةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلَا يَقُومَنَّ أَحَدٌ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ بَعِيرٌ فَلْيَعْقِلْهُ، فَعَقَلْنَاهَا، وَهَبَّتْ رِيحٌ شدِيدَةٌ، فَقَامَ رَجُلٌ فَألقَتْهُ بِجَبَلِ طَيْءٍ" (١). وَفي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ: فَفَعَلَ النَّاسُ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إِلَّا رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ، خَرَجَ أَحَدُهُمَا لِحَاجَتِهِ، وَخَرَجَ الآخَرُ فِي طَلَبِ بَعِيرٍ لَهُ، فَأَمَّا الذِي ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ، فَإِنَّهُ خُنِقَ عَلَى مَذْهَبِهِ، وَأَمَّا الذِي ذَهَبَ فِي طَلَبِ بَعِيرِهِ، فَاحْتَمَلَتْهُ الرِّيحُ، حَتَّى طَرَحَتْهُ بِجبلَيْ طَيْءٍ (٢). * غَسْلُ الْأَعْضَاءِ فِي الْوُضُوء مَرَّةً وَاحِدَةً: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي تَبوكٍ إِذَا تَوَضَّأَ غَسَلَ كُلَّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ صحيح لِغَيْرِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تبوكَ تَوَضَّأَ وَاحِدَةً وَاحِدَةً (٣). قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ الْوُضُوءَ يُجْزِئُ مَرَّةً مَرَّةً، وَمَرَّتَيْنِ أَفْضَلُ، وَأَفْضَلُهُ ثَلَاثٌ، وَلَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ (٤).

стр. 2247

* اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: وَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي تَبوكَ جَاءَهُ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ ﵁، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسِتِّ عَلَامَاتٍ مِنْ عَلَامَاتِ السَّاعَةِ، فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، وَابْنُ مَاجَه فِي سُنَنِهِ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ ﵁ قَالَ: أَتيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيَّ، وَقَالَ: "ادْخُلْ"، قُلْتُ: أَكُلِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "كُلُّكَ"، فَدَخَلْتُ، ثُمَّ قَالَ لِي: "اعْدُدْ (١) سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: مَوتِي (٢)، ثُمَّ فتحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ مَوْتَانِ يَأْخُذُ فِيكُمْ كقُعَاصِ (٣) الْغَنَمِ (٤)، ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ (٥)، حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ ساخِطًا، ثُمَّ فِتْنةٌ (٦) لَا يَبْقَى بَيْتٌ

стр. 2248

مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا دَخَلَتْهُ، ثُمَّ هُدْنَةٌ (١) تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الْأَصْفَرِ فَيَغْدِرُونَ، فَيَأْتُونَكُم تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً (٢)، تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ ألفًا" (٣). * أَكْلُ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنَ الْجُبْنِ: وَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي تَبُوكَ إِذْ جِيءَ له بِجُبْنَةٍ، فَأَمَرَ بِقَطْعِهَا وَأَكَلَهَا، فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِجُبْنَةٍ فِي تَبُوكَ، فَدَعَا بِسِكِّينٍ، فَسَمَّى، وَقَطَعَ (٤). وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ لِغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أُوتَى النَّبِيُّ ﷺ بِجُبْنَةٍ فِي غَزَاةٍ، فَقَالَ: "أَيْنَ صنِعَتْ هَذِهِ"؟ قَالُوا: بِفَارِسَ، وَنَحْنُ نُرَى أَنَّهُ يُجْعَلُ فِيهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ ﷺ : "اطْعَنُوا فِيهَا بِالسِّكِّينِ، وَاذْكرُوا اسْمَ اللَّهِ، وَكُلُوا" (٥). * قِصَّةُ الطَّاعُونِ: وَفِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ مَا يَفْعَلُ الْإِنْسَانُ إِذَا وَقَعَ

стр. 2249

الطَّاعُونُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَد بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيِّ عَنْ أَبِيهِ، أَوْ عَنْ عَمِّهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ: "إِذَا وَقَعَ الطَّاعُونُ بِأَرضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا، وَإذَا وَقَعَ وَلَسْتُمْ بِهَا، فَلَا تَقْدُمُوا عَلَيْهِ" (١). * أُعْطِيتُ اللَّيلةَ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلي: وَهُنَاكَ وَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي تَبُوكَ، أَكْرَمَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ بِإِعْطَائِهِ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلَهُ، فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثار بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَامَ تَبوكَ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يُصَلِّي، فَاجْتَمَعَ وَرَاءهُ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَحْرُسُونَهُ، حَتَّى إِذَا صَلَّى، وَانْصَرَفَ إِلَيْهِمْ، قَالَ: "لقَدْ أُعْطِيتُ اللَّيْلةَ خَمْسًا، مَا أُعْطِيَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: أُرْسِلْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً، وَكَانَ مِنْ قبلي إِنَّمَا يُرْسَلُ النَّبِيُّ إِلَى قَوْمهِ، وَنُصِرْتُ عَلَى الْعَدُوِّ بِالرُّعْبِ، وَلَوْ كَانَتْ بَيْني وَبَيْنَهُ مَسِيرَةُ شَهْرٍ مُلِئَ مِنِّي رُعْبًا، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَكَانَ مَنْ قَبْلِي يُعْظِمُونَ أَكْلَهَا، كَانُوا يَحْرِقُونَهَا، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، أَيْنَمَا أَدْرَكتْنِي الصَّلَاةُ تَمَسَّحْتُ (٢) وَصَلَّيْتُ، وَكَانَ مَنْ قَبْلِي يُعْظِمُونَ ذَلِكَ، إِنَّمَا كَانُوا يُصَلُّونَ فِي

стр. 2250

كَنَائِسِهِمْ وَبِيَعِهِمْ (١)، وَالْخَامِسَةُ هِيَ مَا هِيَ، قِيلَ لِي: سَلْ، فَإِنَّ مَنْ قَبْلَكَ سَأَلَ، فَأَخَّرْتُ مَسْأَلتِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ لَكُمْ، وَلِمَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" (٢). * مُصَالَحَةُ أَهْلِ أَيْلةَ (٣): وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِتَبُوكَ يُحَنَّهُ (٤) بْنُ رُؤْبَة (٥) صَاحِبَ أَيْلَةَ، فَصَالَحَ رسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَعْطَاهُ الْجِزيةَ ثَلَاثَمِائَةِ دِينَار كُلَّ سَنَةٍ، وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةِ رَجُلٍ، وَأَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بغْلَةً بَيْضَاءَ، فكَسَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بُرْدًا، وَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلِأَهْلِ أَيْلَةَ كِتَابًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﷺ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَزْوَةَ تبوكَ. . . وَأَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، وَكَسَاهُ (٦) برْدًا، وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ (٧).

стр. 2251

أَمَّا نَصُّ كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ أَيْلَةَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ مُرْسَلٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كتَبَ لِأَهْلِ أَيْلَةَ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذِهِ أَمَنَةٌ مِنَ اللَّهِ ، وَمُحَمَّدٍ النَّبِيِّ لِيُحَنَّةَ بْنِ رُؤْبَةَ، وَأَهْلِ أَيْلةَ لِسُفُنِهِمْ وَلِسَيَّارَتهِمْ، وَلبحْرِهِمْ وَلبرِّهِمْ، ذِمَّةُ اللَّهِ ، وَذِمَّةُ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ، وَلِمَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِنْ كُلِّ مَارٍّ مِنَ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَالْيَمَنِ وَأَهْلِ البحْرِ، فَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا، فَإِنَّهُ لَا يَحُولُ مَالُهُ دُونَ نَفْسِهِ، وَإِنَّهُ طَيِّبَةٌ لِمَنْ أَخَذَهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُمْنَعُوا مَاءً يَرِدُونَهُ، وَلَا طَرِيقًا يَرِدُونَهَا مِنْ بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ" (١). * مُصَالَحَةُ يَهُودِ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ: وَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِتَبُوكَ يَهُودُ جَرْبَاءَ، وَأَذْرُحَ، فَأَعْطَوْهُ الْجِزْيَةَ، فكَتَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابًا فَهُوَ عِنْدَهُمْ، وَهَذَا نَصُّهُ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ لِأَهْلِ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ أَنَّهُمْ آمِنُونَ بِأَمَانِ اللَّهِ وَأَمَانِ مُحَمَّدٍ، وَأَنَّ عَلَيْهِمْ مِائَةَ دِينَارٍ فِي كُلِّ رَجَب وَافِيَةً

стр. 2252

طَيِّبَةً، وَاللَّهُ كفِيلٌ عَلَيْهِمْ" (١). * إِسْلَامُ مَالِكِ بْنِ أَحْمَرَ الْعُوفِيِّ: وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِتَبُوكَ، مَالِكُ بْنُ أَحْمَرَ الْعُوفِيُّ، فَأَسْلَمَ، وَسَأله أَنْ يَكْتُبَ له كِتَابًا يَدْعُوهُ بِهِ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَكَتَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي رُقْعَةٍ مِنْ أَدَمٍ، وَهَذَا نَصُّهُ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحْيمِ، هَذَا كِتَاب مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى ابْنِ أَحْمَرَ وَمَنْ اتَّبَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَمَانًا لَهُمْ، مَا أَقَامُوا الصَّلَاةَ، وَآتَوُا الزَّكَاةَ، وَخَالفوا الْمُشْرِكِينَ، وَأَدَّوُا الْخُمُسَ مِنَ الْمَغْنَمِ" (٢). * قِصَّةُ الذِي عَضَّ أُصْبُعَ صَاحِبِهِ: أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ يَعَلَى بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ، وَكَانَتْ أَوْثَقُ أَعْمَالِي فِي نَفْسِي، فَاسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا فَقَاتَلَ رَجُلًا فَعَضَّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ وَنَزَعَ ثَنِيّتَهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَهْدَرَهَا، فَقَالَ ﷺ : "أيدْفَعُ يَدَهُ إِلَيْكَ فتَقْضِمُهَا كَمَا يَقْضِمُ الْفَحْلُ". وَفِي رِوَايَةٍ النَّسَائِيِّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى قَالَ ﷺ : "يَنْطَلِقُ أَحَدُكمْ إِلَى أَخِيهِ، فَيَعَضَّهُ عَضِيضَ الْفَحْلِ، ثُمَّ يَأْتِي فَيَطْلُبُ الْعَقْلَ (٣)؟ لَا عَقْلَ لَهَا"، فَأَبْطَلَهَا رَسُولُ اللَّه ﷺ (٤).

стр. 2253

* فَضْلُ الْوُضُوءِ: رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ لِغَيْرِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا يُحَدِّثُ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ: "مَنْ قَامَ إِذَا اسْتَقَلَّتِ الشَّمْسُ (١) فَتَوَضَّأ، فَأحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ (٢)، غُفِرَ لَهُ خَطَايَاهُ، فَكَانَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ". قَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ ﵁: فَقُلْتُ: الْحَمْدُ للَّهِ الذِي رَزَقَنِي أَنْ أَسْمَعَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، وَكَانَ تُجَاهِي جَالِسًا: أَتَعْجَبُ مِنْ هَذَا؟ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعْجَبَ مِنْ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ، فَقُلْتُ: وَمَا ذَاكَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمَّي؟ . فَقَالَ عُمَرُ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ رَفَعَ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ" (٣).

стр. 2254

* بَعْثُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ﵁ إِلَى أُكَيْدَرَ (١) دُوْمَةَ (٢): وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ﵁، فِي أَرْبَعِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ فَارِسًا إِلَى أُكَيْدَرَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بَدُوْمَةِ الْجَنْدَلِ، وَكَانَ رَجُلًا مِنْ كِنْدَةَ قَدْ مَلَكَهُمْ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا، وَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّكَ سَتَجِدُهُ يَصِيدُ الْبَقَرَ". فَخَرَجَ خَالِدٌ ﵁ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ حِصْنِ أُكَيْدَرَ بِمَنْظَرِ الْعَيْنِ، وَكَانَتْ لَيْلَةً مُقْمِرَةً صَائِفَةً، وَهُوَ عَلَى سَطْحٍ لَهُ، وَمَعَهُ امْرَأتُهُ، فَجَاءَتِ الْبَقَرُ تَحُكُّ بِقُرُونِهَا بَابَ قَصْرِهِ، فَقَالَتْ له امْرَأَتُهُ: هَلْ رَأَيْتَ مِثْلَ هَذَا قَطُّ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، قَالَتْ: فَمَنْ يَتْرُكُ هَذه؟ قَالَ: لَا أَحَدَ، فَنَزَلَ، فَأَمَرَ بِفَرَسِهِ فَأُسْرِجَ لَهُ، وَرَكِبَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فِيهِمْ أَخٌ له يُقَالُ لَهُ: حَسَّانٌ، فَلَمَّا خَرَجُوا تَلَقَّتْهُمْ خَيْلُ خَالِدٍ ﵁، فَاسْتَأْسَرَ أُكَيْدَرَ، وَقَاتَلَ أَخُوهُ حَسَّانٌ حَتَّى قُتِلَ، وَهَرَبَ مَنْ كَانَ مَعَهُمَا، فَدخَلَ الْحِصْنَ، وَأَجَارَ خَالِدٌ أُكَيْدَرَ مِنَ الْقَتْلِ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنْ يَفْتَحَ له دُوْمَةَ

стр. 2255

الْجَنْدَلِ، فَفَعَلَ، وَصَالَحَهُ عَلَى أَلْفَيْ بَعِيرٍ، وَثَمَانِمِائَةِ رَأْسٍ، وَأَرْبَعِمِائَةِ دِرْعٍ، وَأَرْبَعِمِائَةِ رُمْحٍ، فَعَزَلَ خَالِدٌ ﵁ صَفِيَّ (١) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَسَمَ مَا بَقِيَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، فَصَارَ لِكُلِّ رَجُل مِنْهُمْ خَمْسَ فَرَائِضَ (٢). ثُمَّ قَدِمَ خَالِدٌ بِأُكَيْدَرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ. وَأَهْدَى أُكَيْدَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَغْلَةً، وَجُبَّةً (٣) مِنْ سُنْدُسٍ (٤) مَنْسُوجٍ فِيهَا الذَّهَبُ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتَعْجَبُونَ مِنْ لِينِ هَذِهِ؟ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْهَا وَأليَنُ" (٥). * رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ: قُلْتُ: وَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ (٦) مِنْ أَنَّ خَالِدَ بنَ الْوَلِيدِ ﵁

стр. 2256

أَخَذَ هَذِهِ الْجُبَّةَ مِنْ أُكَيْدِرَ عَنْ طَرِيقِ الِاسْتِلَابِ، فَفِيهِ نَظَرٌ، وَالصَّحِيحُ هُوَ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ أَنَّ أُكَيْدَرَ أَهْدَى هَذِهِ الْجُبَّةَ لِلرَّسُولِ ﷺ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو يعَلَى بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ النُّعْمَانِ: أنَّهُ لَمَّا قَدِمَ أُكَيْدَرُ أَخْرَجَ قِبَاءً (١) مِنْ ديبَاجٍ مَنْسُوجًا بِالذَّهَبِ، فَرَدَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَنَّهُ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ مِنْ رَدِّ هَدِيَّتِهِ فَرَجَعَ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ادْفَعْهُ إِلَى عُمَرَ" (٢). وَفي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ فِي صَحِيحَيْهِمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يُعْطِهَا عُمَرَ ﵁ لِيَلْبَسَهَا، وَلذَلِكَ كَسَاهَا عُمَرُ ﵁ لِأَخٍ له كَانَ بِمَكَّةَ مُشْرِكًا (٣). * رِسَالَةُ الرَّسُولِ ﷺ إِلَى هِرَقلَ عَظِيمِ الرُّومِ: ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ ﷺ بِرِسَالَةٍ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ (٤)

стр. 2257

يَدْعُوهُ فِيهَا إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: إِمَّا الدُّخُولُ فِي الْإِسْلَامِ، أَوْ دَفع الْجِزيَةِ، أَوِ الْقِتَالُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ قَالَ: لَقِيتُ التَّنُوخِيَّ (١) رَسُولَ هِرَقْلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحِمْصٍ، وَكَانَ جَارًا لِي، شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ بَلَغَ الفنَدَ (٢) أَوْ قَرُبَ، فَقُلْتُ لَهُ: أَلَا تُخْبِرُنِي عَنْ رِسَالَةِ هِرَقْلَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَرِسَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى هِرَقْلَ؟ فَقَالَ: بَلَى، قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَبُوكَ، فَبَعَثَ دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ إِلَى هِرَقْلَ، فَلَمَّا أَنْ جَاة كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَعَا قِسِّيسِي (٣) الرُّومِ وَبَطِارِقتَهَا (٤)، ثُمَّ أَغْلَقَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ بَابًا، فَقَالَ: قَدْ نَزَلَ هَذَا الرَّجُلُ حَيْثُ رَأَيْتُمْ، وَقَدْ أَرْسَلَ إِلَيَّ يَدْعُونِي إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: يَدْعُونِي إِلَى أَنْ أَتَّبِعَهُ عَلَى دِينِهِ، أَوْ عَلَى أَنْ نُعْطِيَهُ مَالَنَا عَلَى أَرْضِنَا، وَالْأَرْضُ أَرْضُنَا، أَوْ نُلْقِيَ إِلَيْهِ الْحَرْبَ. ثُمَّ قَالَ هِرَقْلُ: وَاللَّهِ لَقَدْ عَرَفْتُمْ فِيمَا تَقْرَؤُونَ مِنَ الْكُتُبِ لَيَأْخُذَنَّ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ، فَهَلُمَّ نَتَّبِعُهُ عَلَى دِينِهِ، أَوْ نُعْطِيهِ مَالَنَا مِنْ أَرْضِنَا، فنَخَرُوا نَخْرَةَ رَجُلٍ

стр. 2258

وَاحِدٍ حَتَّى خَرَجُوا مِنْ بَرَانِسِهِمْ (١)، وَقالُوا: تَدْعُونَا إِلَى أَنْ نَدَعَ النَّصْرَانِيَّةَ، أَوْ نَكُونَ عَبِيدًا لِأَعْرَابيٍّ جَاءَ مِنَ الْحِجَازِ! . فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّهُمْ إِنْ خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ، أَفْسَدُوا عَلَيْهِ الرّومَ رَفَّأَهُمْ (٢) وَلَمْ يَكَدْ (٣)، ؤقَالَ: إِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ لَكُمْ لِأَعْلَمَ صَلَابَتَكُمْ عَلَى أَمْرِكُمْ، ثُمَّ دَعَا رَجُلًا مِنْ عَرَبِ تُجِيبَ كَانَ عَلَى نَصَارَى الْعَرَبِ، فَقَالَ لَهُ: ادْعُ لِي رَجُلًا حَافِظًا لِلْحَدِيثِ، عَرِبيَّ اللِّسَانِ، أَبْعَثْهُ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ بِجَوَابِ كِتَابِهِ، فَجَاءَ بِي، فَدَفعَ إِلَيَّ هِرَقْلُ كِتَابًا، فَقَالُ: اذْهَبْ بِكِتَابِي إِلَى هَذَا الرَّجُلِ، فَمَا ضَيَّعْتَ مِنْ حَدِيثِهِ فَاحْفَظْ لِي مِنْهُ ثَلَاثَ خِصَالٍ: ١ - انْظُرْ هَلْ يَذْكُرُ صَحِيفَتَهُ التِي كَتَبَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟ . ٢ - وَانْظُرْ إِذَا قَرَأَ كِتَابِي، فَهَلْ يَذْكُرُ اللَّيْلَ؟ . ٣ - وَانْظُرْ فِي ظَهْرِهِ، هَلْ بِهِ شَيْءٌ لا يَرِيبُكَ؟ قَالَ التَّنُوخِيُّ: فَانْطَلَقْتُ بِكِتَابِهِ حَتَّى جِئْتُ تَبُوكَ، فَإِذَا هُوَ (٤) جَالِسٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِهِ مُحْتَبِيًا (٥) عَلَى الْمَاءِ (٦)، فَقُلْتُ: أَيْنَ صَاحِبُكُمْ؟

стр. 2259

قِيلَ: هَا هُوَ ذَا، فَأَقْبَلْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَنَاوَلتُهُ كِتَابِي، فَوَضَعَهُ فِي حَجْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: "مِمَّنْ أَنْتَ؟ "، فَقُلْتُ: أنا أَحَدُ تَنُوخٍ. قَالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : "هَلْ لَكَ فِي الْإِسْلَامِ الْحَنِيفِيَّةِ مِلَّةِ أَبِيكَ إِبْرَاهِيمَ؟ ". قُلْتُ: إِنِّي رَسولُ قَوْمٍ، وَعَلَى دِينِ قَوْم، لَا أَرْجعُ عَنْهُ حَتَّى أَرْجعَ إِلَيْهِمْ. فَضَحِكَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: " ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (١)، يَا أَخَا تَنُوخ، إِنِّي كتَبْتُ بِكِتَابٍ إِلَى كِسْرَى فَمَزَّقَه، وَاللَّهُ مُمَزِّقُهُ وَمُمَزِّقُ مُلْكِهِ، وَكتَبْتُ إِلَى النَّجَاشِيِّ (٢) بِصَحِيفَةٍ فَخَرَّقَهَا، وَاللَّهُ مَخَرِّقُهُ وَمُخرِّقُ مُلْكِهِ، وَكَتَبْتُ إِلَى صَاحِبِكَ بِصَحِيفَةٍ فَأمْسَكَهَا، فَلَنْ يَزَالَ النَّاسُ يَجدُونَ مِنْهُ بَأسًا مَادَامَ فِي الْعَيْشِ خَيْرٌ". قُلْتُ: هَذِهِ إِحْدَى الثَّلَاثَةِ التِي أَوْصَانِي بِهَا صَاحِبِي، وَأَخَذْتُ سَهْمًا مِنْ جُعْبَتِي، فَكَتَبْتُهَا فِي جِلْدِ سَيْفِي، ثُمَّ إِنَّهُ نَاوَلَ الصَّحِيفَةَ رَجُلًا عَنْ يَسَارِهِ، قُلْتُ: مَنْ صَاحِبُ كِتَابِكُمُ الذِي يَقْرَأُ لَكُمْ؟ قَالُوا: مُعَاوِيَةُ، فَإِذَا فِي كِتَابِ صَاحِبِي: تَدْعُونِي إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : "سُبْحَانَ اللَّهِ أَيْنَ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ؟ ". قَالَ التَّنُوخِيُّ: فَأَخَذْتُ سَهْمًا مِنْ جُعْبَتِي، فكَتَبْتُهُ فِي جِلْدِ سَيْفِي، فَلَمَّا أَنْ

стр. 2260

فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ كِتَابِي، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ لَكَ حَقًّا، وَإنَّكَ رَسُولٌ، فَلَوْ وَجَدْتُ عِنْدَنَا جَائِزَةً (١) جَوَّزْنَاكَ بِهَا، إِنَّا سَفْرٌ (٢) مُرْمِلُونَ (٣) ". قَالَ: فَنَادَاهُ رَجُلٌ مِنْ طَائِفَةِ النَّاسِ، قَالَ: أَنَا أُجَوِّزُهُ (٤)، فَفَتَحَ رَحْلَهُ فَإِذَا هُوَ يَأْتِي بِحُلَّةٍ صَفُّورِيَّةٍ (٥)، فَوَضَعَهَا فِي حِجْرِي، قُلْتُ: مَنْ صَاحِبُ الْجَائِزَةِ؟ قِيلَ لِي: عُثْمَانُ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "أَيُّكُمْ يُنْزِلُ هَذَا الرَّجُلَ؟ ". فَقَالَ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنَا، فَقَامَ الْأَنْصَارِيُّ، وَقُمْتُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا خَرَجْتُ مِنْ طَائِفَةِ الْمَجْلِسِ، نَادَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: "تَعَالَ يَا أَخَا تَنُوخٍ"، فَأَقْبَلْتُ أَهْوِي إِلَيْهِ، حَتَّى كُنْتُ قَائِمًا فِي مَجْلِسِي الذِي كُنْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَحَلَّ حَبْوَتَهُ عَنْ ظَهْرِهِ، وَقَالَ: "هَاهُنَا امْضِ لِمَا أُمِرْتَ لَهُ" فَجُلْتُ فِي ظَهْرِهِ، فَإِذَا أَنَا بِخَاتَمٍ فِي مَوْضِعِ عُضُونِ (٦) الْكَتِفِ مِثْلِ الْحَجْمَةِ (٧) الضَّخْمَةِ (٨).

стр. 2261

* وَفَاةُ عَبْدِ اللَّهِ ذُو الْبِجَادَيْنِ ﵁ -: وَفِي تَبُوكٍ تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ ذُو الْبِجَادَيْنِ الْمُزَنِيُّ ﵁. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁: قُمْتُ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، وَأَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكٍ، فَرَأَيْتُ شُعْلَةً مِنْ نَارٍ فِي نَاحِيَةِ الْعَسْكَرِ، فَاتَّبعْتُهَا أَنْظُرُ إِلَيْهَا، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄، وَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ ذُو الْبِجَادَيْنِ قَدْ مَاتَ، وَإِذَا هُمْ قَدْ حَفَرُوا لَهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حُفْرَتِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ يُدَلِّيَانِهِ إِلَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ ﷺ : "أَدْنِيَا إِلَيَّ أَخَاكُمَا"، فَدَلَّيَاهُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا هَيَّأَهُ لِشِقِّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ! إِنِّي قَدْ أَمْسَيْتُ رَاضيًا عَنْهُ، فَارْضَ عَنْهُ"، فَقُلْتُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ صَاحِبَ الْحُفْرَةِ. * لِمَاذَا سُمِّيَ بِذِي الْبِجَادَينِ ؟ : وَإِنَّمَا سُمِّيَ ذَا الْبِجَادَيْنِ؛ لِأنَّهُ كَانَ يُنَازعُ (١) إِلَى الْإِسْلَامِ فَيَمْنَعُهُ، قَوْمُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَيُضَيِّقُونَ عَلَيْهِ، حَتَّى ترَكُوهُ فِي بِجَادٍ (٢) لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَهَرَبَ مِنْهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا كَانَ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ، شَقَّ بِجَادَهُ بِاثْنَيْنِ، فَاتَّزَرَ بِوَاحِدٍ، وَاشْتَمَلَ بِالْآخَرِ، ثُمَّ أتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَنْتَ؟ ".

стр. 2262

قَالَ: أَنَا عَبْدُ الْعُزَّى -وَكَانَ اسْمُهُ عَبْدَ الْعُزَّى يَوْمَئِذٍ- فَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنْتَ عَبْدُ اللَّهِ ذُو الْبِجَادَيْنِ"، ثُمَّ قَالَ له: "انْزِلْ مِنِّي قَرِيبًا"، فَكَانَ يَكُونُ مِنْ أَضْيَافِهِ ﷺ ، وَعَلَّمَهُ الْقُرْاَنَ حَتَّى قَرَأَ قُرآنًا كَثِيرًا، وَكَانَ يَقُومُ فِي الْمَسْجِدِ فَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْقِرَاءَةِ، وَكَانَ رَجُلًا صَيِّتًا (١)، فَشَكَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ألا تَسْمَعُ إِلَى صَوْتِ هَذَا الْأَعْرَابِيِّ، يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ؟ قَدْ مَنَعَ النَّاسَ الْقِرَاءَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "دَعْهُ يَا عُمَرُ، فَإِنَّهُ خَرَجَ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ". فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى تَبُوكٍ خَرَجَ مَعَهُ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ لِي بِالشَّهَادَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَبْغِنِي لِحَاءَ (٢) شَجَرَة"، فَأتَاهُ بِذَلِكَ، فَرَبَطَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَضُدِهِ، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ دَمَهُ عَلَى الْكُفَّارِ"، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ذُو الْبِجَادَيْنِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ هَذَا أَرَدْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّكَ إِنْ خَرَجْتَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَخَذَتْكَ حُمَّى فَقَتَلَتْكَ، فَأنْتَ شَهِيدٌ، أَوْ وَقَصَتْكَ (٣) دَابَّتُكَ، فَأنْتَ شَهِيدٌ، لَا تُبَالِ بَأَيَّتِهِ كَانَ". فَلَمَّا نَزَلُوا تَبُوكَ أَقَامُوا بِهَا أَيَّامًا، فَأَخَذَتْهُ الْحُمَّى فَمَاتَ مِنْهَا ﵁ (٤).

стр. 2263

* حديث في فضل عبد اللَّه ذو البجادين ﵁ -: رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ لِغَيْرِهِ عَنْ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: ذُو البِجَادَيْنِ: "إِنَّهُ أَوَّاهٌ"، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا كَثِيرَ الذِّكْرِ للَّهِ فِي القُرْآنِ، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ فِي الدُّعَاءِ (١). * رُجُوعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ: أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي تَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا -كَمَا ذَكَرْنَا-، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا مِنْ أَيِّ عَدُوٍّ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ مُنْتَصِرًا، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ، وَقَدْ حَدَثَتْ أَحْدَاثٌ، وَهُمْ فِي طَرِيقِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ، مِنْهَا: * حَدِيثُ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ ﵁ -: قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ﵁: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ خَلِيًّا (٢) فَدَنَوْتُ مِنْهُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ البَيْتَ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟ ". قُلْتُ: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! .

стр. 2264

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الصَّوْمُ جُنَّةٌ (١)، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ، كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٢)، ثُمَّ قَالَ ﷺ : "أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ وَعَمُودِهِ، وَذُرْوَةُ سَنَامِهِ؟ ". قَالَ: قُلْتُ: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذُرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"، ثُمَّ قَالَ ﷺ : "أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كلِّهِ، قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ، فَقَالَ ﷺ : "تَكُفَّ عَلَيْكَ هَذَا". قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ! وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إِلَّا حَصَائِدُ ألسِنَتِهِمْ" (٣). * مَكْرُ الْمُنَافِقِينَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: وَفي الطَّرِيقِ إِلَى الْمَدِينَةِ تَآمَرَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَقِيلَ: أَرْبَعَةَ

стр. 2265

عَشَرَ، أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ، عَلَى الْغَدْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمُزَاحَمَتِهِ عَلَى الْعَقَبَةِ (١)، وَلَكِنَّ اللَّهَ عَصَمَ رَسُولَهُ ﷺ مِنْهُمْ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ﵁ قَالَ: لَمَّا أَقبل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَمَرَ مُنَادِيًا فنَادَى: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ الْعَقَبَةَ، فَلَا يَأْخُذْهَا أَحَد، فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُودُهُ حُذَيْفَةُ، وَيَسُوقُ بِهِ عَمَّارٌ، إِذْ أَقْبَلَ رَهْطٌ (٢) مُتَلثِّمُونَ عَلَى الرَّوَاحِلِ (٣)، غَشُوا عَمَّارًا وَهُوَ يَسُوقُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَقبل عَمَّارٌ يَضْرِبُ وُجُوهَ الرَّوَاحِلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحُذَيْفَةَ: "قَدْ، قَدْ" (٤)، حَتَّى هَبَطَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا هَبَطَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، نَزَلَ وَرَجَعَ عَمَّار، فَقَالَ ﷺ : "يَا عَمَّارُ، هَلْ عَرَفْتَ الْقَوْمَ؟ ". فَقَالَ: قَدْ عَرَفْتُ عَامَّةَ الرَّوَاحِلِ وَالْقَوْمُ مُتَلثِّمُونَ، قَالَ ﷺ : "هَلْ تَدْرِي مَا أَرَادُوا؟ "، قَالَ عَمَّارٌ: اللَّهُ وَرَسُول أَعْلَمُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَرَادُوا أَنْ يَنْفِرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَطْرَحُوهُ" (٥).

стр. 2266

وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَرَادُوا أَنْ يَزْحَمُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في الْعَقَبَةِ، فيلْقُوهُ مِنْهَا" (١). وَرَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعَقَبَةِ وَبَيْنَ حُذَيْفَةَ ﵁ بَعْضُ مَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: أُنْشِدُكَ بِاللَّهِ كَمْ كَانَ أَصْحَابُ الْعَقَبَةِ؟ فَقَالَ حُذَيْفَةُ ﵁: كُنَّا نُخْبِرُ أَنَّهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، فَإِنْ كُنْتُ مِنْهُمْ فَقَدْ كَانَ القوْمُ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَأَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنَّ اثْنَى عَشَرَ مِنْهُمْ حَرْبٌ للَّهِ وَلرَسُولهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ، وَعَذْرَ ثَلَاثَةٍ، قَالُوا: مَا سَمِعْنَا مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا عَلِمْنَا بِمَا أَرَادَ الْقَوْمُ (٢). وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿. . . وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ (٣). أَيْ هَمُّوا بِإلْقَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْعَقَبَةِ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَنَالُوا ذَلِكَ. * شَأْنُ أَبِي رُهْمٍ الْغِفَارِيِّ ﵁ -: رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ

стр. 2267

أَبِي رُهْمٍ الْغِفَارِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ، فَلَمَّا قَفَلَ (١)، سِرْنَا لَيْلَةً، فَسِرْتُ قَرِيبًا مِنْهُ، وَأُلْقِيَ عَلَيَّ النّعاسُ، فَطَفِقْتُ (٢) أَسْتَيْقِظُ، وَقَدْ دَنَتْ رَاحِلَتِي مِنْ رَاحِلَتِهِ، فيفْزِعُنِي دُنُوُّهَا خَشْيَةَ أَنْ أُصِيبَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ (٣)، فَأَزْجِرُ (٤) رَاحِلَتِي، حَتَّى غَلَبتْنِي عَيْني فِي بَعْضِ اللَّيْلِ، فَزَحَمَتْ رَاحِلَتِي رَاحِلَتَهُ، وَرِجْلُهُ فِي الْغَرْزِ، فَأَصَبْتُ رِجْلَهُ، فَلَمْ أَسْتَيْقِظْ إِلَّا بِقَوْلهِ ﷺ : "حَسِّ" (٥)، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَقُلْتُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "سِرْ"، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُنِي عَمَّنْ تَخَلَّفَ مِنْ بَنِي غِفَارٍ، فَأَخْبَرتُهُ، فَإذا هُوَ قَالَ: "مَا فَعَلَ النَّفَرُ الْحُمْرُ (٦) الثِّطَاطُ (٧)؟ ". فَحَدَّثْتُهُ بِتَخَلُّفِهمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا فَعَلَ النَّفَرُ السُّودُ الْجِعَادُ (٨)

стр. 2268

الْقِطَاطُ (١) أَوْ الْقِصَارُ، الذِينَ لَهُمْ نَعَمٌ (٢) بِشَبَكَةِ شَرْخٍ (٣)؟ ". قَالَ: فتَذَكَّرتُهُمْ فِي بَنِي غِفَارٍ، فَلَمْ أَذْكُرْهُمْ حَتَّى ذَكَرْتُ رَهْطًا مِنْ أَسْلَمَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أُولَئِكَ رَهْطٌ مِنْ أَسْلَمَ وَقَدْ تَخَلَّفُوا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَمَا يَمْنَعُ أُولَئِكَ حِينَ تَخَلَف أَحَدُهُمْ أَنْ يَحْمِلَ عَلَى بَعْضِ إِبِلِهِ امْرَءًا نَشِيطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِنَّ أَعَزَّ أَهْلِي عَلَيَّ أَنْ يَتَخَلَف عَنِّي الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَأَسْلَمُ وَغِفَارٌ" (٤). * اسْتِعْجَالُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى الْمَدِينَةِ: فَلَمَّا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ إِلَى وَادِي الْقِرَى، قَالَ لِأَصْحَابِهِ: "إِنِّي مُتَعَجِّل إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَعَجَّلَ مَعِي فَلْيَتَعَجَّلْ" (٥). * هَدْمُ مَسْجِدِ الضِّرَارِ: ثُمَّ أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَزَلَ بِذِي أَوَانٍ (٦)، فَجَاءَ جَمَاعَةٌ مِنَ

стр. 2269

الْمُنَافِقِينَ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَأْتِيَ مَسْجِدَهُمْ بِقُبَاءَ لِيُصَلِّي فِيهِ -وَهُوَ مَسْجِدُ الضِّرَارِ- فَنَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِهَذِهِ الْآيَاتِ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (١). فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَالِكَ بْنَ الدُّخْشُمِ (٢) أَخَا بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، وَمَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ أَخَا بَنِي الْعَجْلَانِ، فَقَالَ لَهُمَا: "انْطَلِقَا إِلَى هَذَا الْمَسْجِدِ الظَّالِمِ أَهْله، فَاهْدِمَاهُ وَحَرِّقَاهُ". فَخَرَجَا سَرِيعَيْنِ حَتَّى أَتَياهُ، فَأَشْعَلَا فِيهِ النِّيرَانَ، وَهَدَمَاهُ (٣). وَهَذَا الْمَسْجِدُ -مَسْجِدُ الضِّرَارِ- الذِي اتُّخِذَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَكِيدَةً لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، لَا يُرَادُ بِهِ إِلَّا الْإِضْرَارُ بِالْمُسْلِمِينَ، وَإِلَّا الْكُفْرُ بِاللَّهِ، وَإِلَّا سَتْرُ الْمُتَآمِرِينَ عَلَى الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ، الْكَائِدِينَ لَهَا فِي الظَّلَامِ، وَإِلَّا التَّعَاوُنُ مَعَ أَعْدَاءَ هَذَا الدِّينِ عَلَى الْكَيْدِ لَهُ تَحْتَ سِتَارِ الدِّينِ. . . (٤).

стр. 2270

* قُدُومُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ: فَلَمَّا أَشْرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: "هَذِهِ طَيبَةٌ أَوْ طَابَةٌ"، فَلَمَّا رَأَى جَبَلَ أُحُدٍ، قَالَ ﷺ : "هَذَا جُبيْلٌ (١) يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، ألا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الْأَنْصَارِ؟ ". قَالُوا: بَلَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "دُورُ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ دُورُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، ثُمَّ دُورُ بَنِي سَاعِدَةَ أَوْ دُورُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَج، وَفِي كُلِّ دُورِ الْأَنْصَارِ خَيْرٌ". فَأُخْبِرَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ﵁ بِذَلِكَ، فَأَدْرَكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! خَيَّرْتَ دُورَ الْأَنْصَارِ فَجَعَلْتَنَا آخِرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوَ لَيْسَ بِحَسْبِكُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنَ الْخِيَارِ؟ " (٢). * فَضْلُ النِّيَّةِ الصَّادِقَةِ: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرَ أَصْحَابَهُ ﵃ بِأَنَّ بِالْمَدِينَةِ أُناسًا أَخَذوا أَجْرَ الْغَزْوِ مَعَهُمْ كَامِلًا، حبَسَهُمُ الْعُذْرُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي

стр. 2271

صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبوكَ، فَدَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ، قَالَ: "إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا، مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا، إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ فيهِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ ! ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ، حبَسَهُمُ الْعُذْرُ" (١). * أَهْلُ المَدِينَةِ يَتلَقَّون الجَيْشَ: وَتَسَامَعَ النَّاسُ بِمَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَخَرَجُوا إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ يتلَقَّوْنَهُ، بِحَفَاوَةٍ وَفَرَحٍ وَسُرُورٍ بَالغٍ، وَجَعَلَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ وَالْوَلَائِدُ يَقُلْنَ: طَلَعَ الْبَدْرُ عَلَيْنَا ... مِنْ ثَنِيَّاتِ الْوَدَاعِ وَجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنَا ... مَا دَعَا للَّهِ دَاعٍ (٢) رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ﵁ قَالَ: أَذْكُرُ أَنِّي خَرَجْتُ مَعَ الصِّبْيَانِ نتلَقَّى النَّبِيَّ ﷺ إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ مَقْدَمَهُ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ (٣).

стр. 2272

وَكَانَ خُرُوجُهُ ﷺ إِلَى تَبُوكَ فِي رَجَبٍ، وَعَوْدَتُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي رَمَضَانَ (١) ضُحًى، وَكَانَ قَلَّمَا يَقْدُمُ مِنْ سَفَرٍ سَافَرَهُ إِلَّا ضُحًى، وَكَانَ يَبدَأُ بالْمَسْجِدِ، فَأَتَى مَسْجِدَهُ، فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ (٢). * أَمْرُ الْمُتْخَلِّفِينَ: كَانَتْ غَزْوُةُ تَبُوكَ لِظُرُوفِهَا الْخَاصَّةِ بِهَا اخْتِبَارًا شَدِيدًا وَعَسِيرًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى تَمَيَّزَ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَقَدْ خَرَجَ إِلَى هَذِهِ الْغَزْوَةِ كُلُّ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا صَادِقًا، وَصَارَ التَّخُلُّفُ عَنْ هَذِهِ الْغَزْوَةِ أَمَارَةً (٣) عَلَى نِفَاقِ الرَّجُلِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: . . . فكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَطُفْتُ فِيهِمْ أَحْزَنَنِي أنِّي لَا أَرَى إِلَّا رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ النِّفاقُ، أَوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ (٤). وَكَانَ هَؤُلَاءِ الْمُخَلَّفُونَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ:

стр. 2273

١ - مَأْمُورُونَ مَأْجُورُونَ: كَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ﵃ أَجْمَعِينَ. ٢ - مَعْذُورُونَ: وَهُمُ الضُّعَفَاءُ وَالْمَرْضَى، وَالْمُقِلُّونَ الذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ، وَلَا يَجِدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا يَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، كَالْبَكَّائِينَ وَأَمْثَالِهِمْ. ٣ - عُصَاةٌ مُذْنِبُونَ، وَهُمْ الثَّلَاثَةُ الذِينَ خُلِّفُوا، وَأَبُو لُبَابَةَ وَأَصْحَابُهُ الذِينَ رَبَطُوا أَنْفُسَهُمْ فِي سَوَارِي الْمَسْجِدِ. ٤ - مَلُومُونَ مَذْمُومُونَ، يُظْهِرُونَ خِلَافَ مَا يُبْطِنُونَ، وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَعَاتَبَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ تَخَلَّفَ لِغَيْرِ عُذْرٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُقَصِّرِينَ، وَذَمَّهُمْ، وَوَبَّخَهُمْ، وَقَرَّعَهُمْ أَشَدَّ التَّقْرِيعِ، وَفَضَحَهُمْ أَشَدَّ الفَضِيحَةِ، وَأَنْزَلَ فِيهِمْ قُرآنًا يُتْلَى، وَبَيَّنَ أَمْرَهُمْ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ (١). * مُقَاطَعَةُ الْمُتَخَلِّفِينَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا دَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ، قَالَ لِأَصْحَابِهِ: "مَنْ لَقِيَ مِنْكُمْ أَحَدًا مِنَ الْمُخَلَّفِينَ فَلَا يُكَلِّمَنَّهُ، وَلَا يُجَالِسَنَّهُ" (٢). فَأَعْرَضَ عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيُعْرِضُ عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ أَخِيهِ، وَحَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ لتُعْرِضُ عَنْ زَوْجِهَا، فَمَكَثُوا بِذَلِكَ أَيَّامًا حَتَّى كَرِبَ الذِينَ تَخَلَّفُوا، فَجَاؤُوا النَّبِيَّ ﷺ ، فَجَعَلُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ بِالْجَهْدِ

стр. 2274

وَالْأَسْقَامِ، وَيَحْلِفُونَ لَهُ، فَعَذَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَأَرْجَأَ (١) أَمْرَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَصَاحِبَيْهِ، وَهُمَا هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَمُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ ﵃، حَتَّى تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ (٢). * أَمْرُ أَبِي لُبَابَةَ وَأَصْحَابِهِ ﵃: رَوَى الْإِمَامُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي جَامِعِ الْبَيَانِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ بِسَنَدٍ حَسَن عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ فِي قَؤلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا﴾ (٣)، قال ﵁: كَانُوا عَشَرَةَ رَهْطٍ تَخَلفوا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوةِ تَبُوكَ، فَلَمَّا حَضَرَ رُجُوعُ النَّبِيِّ ﷺ أَوْثَقَ سَبْعَةٌ مِنْهُمْ أَنْفُسَهُمْ بِسَوَارِي الْمَسْجِدِ، وَكَانَ مَمَرُّ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا رَجَعَ مِنَ الْمَسْجِدِ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا رَآهُمْ، قَالَ: "مَنْ هَؤُلَاءِ الْمُوثقُونَ أَنْفُسَهُمْ بِالسَّوَارِي؟ ". قَالُوا: هَذَا أَبُو لُبَابَةَ، وَأَصْحَابٌ له تَخَلَّفُوا عَنْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَحَلَفُوا لَا يُطْلِقُهُمْ أَحَدٌ حَتَّى تُطْلِقَهُمْ، وَتَعْذُرَهُمْ، فَفَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَأَنَا أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَا

стр. 2275

أُطْلِقُهُمْ، وَلَا أَعْذُرُهُمْ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الذِي يُطْلِقُهُمْ، رَغِبُوا عَنِّي (١)، وَتَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ مَعَ المُسْلِمِينَ". فَلَمَّا بَلَغَهُمْ ذَلِكَ، قَالُوا: وَنَحْنُ بِاللَّهِ لَا نُطْلِقُ أَنْفُسَنَا حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الذِي يُطْلِقُنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: وَعَسَى مِنَ اللَّهِ وَاجِبٌ، أَنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، فَلَمَّا نَزَلَتْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فَأَطْلَقَهُمْ، وَعَذَرَهُمْ، فَجَاؤُوا بِأَمْوَالهِمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذِهِ أَمْوَالُنَا فتَصَدَّقْ بِهَا عَنَّا وَاسْتَغْفِرْ لَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا أُمِرْتُ أَنْ آخُذَ أَمْوَالَكُمْ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ (٣) إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ (٤) لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٥). فَأَخَذَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّدَقَةَ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ (٦).

стр. 2276

قِصَّةُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَصَاحِبَيْهِ (١) ﵃ رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةٍ غَزَاهَا إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أنِّي كُنْتُ تَخَلَّفْتُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يُعَاتِبْ أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنْهَا، إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ عِيرَ (٢) قُرَيْشٍ، حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ، وَلقدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ليْلَةَ الْعَقَبَةِ (٣) حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا، وَكَانَ مِنْ خَبَرِي أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ (٤)، وَاللَّهِ مَا اجْتَمَعَتْ عِنْدِي قَبْلَهُ رَاحِلَتَانِ قَطُّ حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ، غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاستَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا (٥)، وَعَدُوًّا كَثِيرًا،

стр. 2277

فَجَلَّى (١) لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الذِي يُرِيدُ، وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَثِيرٌ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ -يُرِيدُ الدِّيوَانَ-. قَالَ كَعْبٌ: فَمَا رَجُل يُرِبدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ إِلَّا ظَنَّ أَنْ سَيَخْفَى لَهُ مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ، وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ الْغَزْوَةَ حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ وَالظِّلَالُ، وَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، فَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أَتجَهَّزَ مَعَهُمْ، فَأَرْجعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: أنا قَادِرٌ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ يتمَادَى بِي حَتَّى اشْتَدَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ (٢)، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَادِيًا وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئًا، فَقُلْتُ: أَتَجَهَّزُ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ أَلْحَقُهُمْ، فَغَدَوْتُ بَعْدَ أَنْ فَصَلُوا (٣) لِاتَجَهَّزَ، فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَلَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى أَسْرَعُوا وَتَفَارَطَ (٤) الْغَزْوُ، وَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكُهُمْ، وَلَيْتَنِي فَعَلْتُ! فَلَمْ يُقَدَّرْ لِي ذَلِكَ، فكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَطُفْتُ فِيهِمْ أَحْزَنَنِي أَنِّي لَا أَرَى إِلَّا رَجُلًا مَغْمُوصًا (٥) عَلَيْهِ النِّفَاقِ، أَوْ رَجُلًا

стр. 2278

مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الضُّعَفَاءَ، وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ، فَقَالَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي القوْمِ بِتبوكَ: "مَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ؟ ". فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ (١): يَا رَسُولَ اللَّهِ! حبَسَهٌ برْدَاهُ (٢)، وَنَظَرُهُ فِي عِطْفَيْهِ (٣). فَقَالَ له مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ﵁: بِئْسَ مَا قُلْتَ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ تَوَجَّهَ قَافِلًا (٤) مِنْ تَبُوكَ، حَضَرَنِي هَمِّي (٥)، فَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الْكَذِبَ، وَأَقُولُ: بِمَ أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَدًا؟ ، وَاسْتَعَنْتُ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رَأْي مِنْ أَهْلِي، فَلَمَّا قِيلَ لِي: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا زَاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ، وَعَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَخْرُجَ مِنْهُ أَبَدًا بِشَيْءٍ فِيهِ كَذِبٌ، فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ، وَصَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَادِمًا، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَيَرْكَعُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَهُ الْمُخَلَّفونَ، فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ وَيَحْلِفُونَ له، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ

стр. 2279

اللَّهِ ﷺ عَلَانِيَتَهُمْ وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ، فَجِئْتُهُ، فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ، ثُمَّ قَالَ: "تَعَالَ" فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي: "مَا خَلَّفكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ (١) ظَهْرَكَ (٢)؟ " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي وَاللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأَيْتُ أَنِّي سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا (٣)، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ (٤) عَلَيَّ فِيهِ، إِنِّي لَأَرْجُو فِيهِ عَفْوَ اللَّهِ، وَلَا وَاللَّهِ مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ (٥)، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ". قَالَ كَعْبٌ ﵁: فَقُمْتُ وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَاتَّبعُونِي، فَقَالُوا لِي: وَاللَّهِ ما عَلِمْنَاكَ كُنْتَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا، وَلقدْ عَجَزْتَ أَنْ لَا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا اعْتَذَرَ بِهِ الْمُخَلَّفُونَ، فَقَدْ كَانَ كَافِيكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكَ.

стр. 2280

قَالَ كَعْبٌ ﵁: فَوَاللَّهِ مَا زَالُوا يُؤَنِّبونَنِي حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأكُذِّبَ نَفْسِي، ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعِي أَحَدٌ؟ ، قَالُوا: نَعَمْ، لَقِيَهُ مَعَكَ رَجُلَانِ، قَالَا مِثْلَ مَا قُلْتَ، فَقِيلَ لَهُمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لَكَ. قَالَ: قُلْتُ مَنْ هُمَا؟ ، قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ الْعَامِرِيُّ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ. قَالَ: فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْرًا (١)، فِيهِمَا أُسْوَةٌ، فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي. قَالَ كَعْبٌ ﵁: وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا أَيها الثَّلَاثَة مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْه (٢)، فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ، وَتَغَيّروا لَنَا، حَتَّى تَنَكَّرَتْ فِي نَفْسِي الْأَرْضُ، فَمَا هِيَ بِالْأَرْضِ التِي أَعْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا (٣)
следующие страницы →