← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

قِصَّةُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَصَاحِبَيْهِ (١) ﵃ رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةٍ غَزَاهَا إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أنِّي كُنْتُ تَخَلَّفْتُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يُعَاتِبْ أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنْهَا، إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ عِيرَ (٢) قُرَيْشٍ، حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ، وَلقدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ليْلَةَ الْعَقَبَةِ (٣) حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا، وَكَانَ مِنْ خَبَرِي أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ (٤)، وَاللَّهِ مَا اجْتَمَعَتْ عِنْدِي قَبْلَهُ رَاحِلَتَانِ قَطُّ حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ، غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاستَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا (٥)، وَعَدُوًّا كَثِيرًا،

стр. 2277

فَجَلَّى (١) لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الذِي يُرِيدُ، وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَثِيرٌ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ -يُرِيدُ الدِّيوَانَ-. قَالَ كَعْبٌ: فَمَا رَجُل يُرِبدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ إِلَّا ظَنَّ أَنْ سَيَخْفَى لَهُ مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ، وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ الْغَزْوَةَ حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ وَالظِّلَالُ، وَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، فَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أَتجَهَّزَ مَعَهُمْ، فَأَرْجعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: أنا قَادِرٌ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ يتمَادَى بِي حَتَّى اشْتَدَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ (٢)، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَادِيًا وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئًا، فَقُلْتُ: أَتَجَهَّزُ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ أَلْحَقُهُمْ، فَغَدَوْتُ بَعْدَ أَنْ فَصَلُوا (٣) لِاتَجَهَّزَ، فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَلَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى أَسْرَعُوا وَتَفَارَطَ (٤) الْغَزْوُ، وَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكُهُمْ، وَلَيْتَنِي فَعَلْتُ! فَلَمْ يُقَدَّرْ لِي ذَلِكَ، فكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَطُفْتُ فِيهِمْ أَحْزَنَنِي أَنِّي لَا أَرَى إِلَّا رَجُلًا مَغْمُوصًا (٥) عَلَيْهِ النِّفَاقِ، أَوْ رَجُلًا

стр. 2278

مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الضُّعَفَاءَ، وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ، فَقَالَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي القوْمِ بِتبوكَ: "مَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ؟ ". فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ (١): يَا رَسُولَ اللَّهِ! حبَسَهٌ برْدَاهُ (٢)، وَنَظَرُهُ فِي عِطْفَيْهِ (٣). فَقَالَ له مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ﵁: بِئْسَ مَا قُلْتَ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ تَوَجَّهَ قَافِلًا (٤) مِنْ تَبُوكَ، حَضَرَنِي هَمِّي (٥)، فَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الْكَذِبَ، وَأَقُولُ: بِمَ أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَدًا؟ ، وَاسْتَعَنْتُ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رَأْي مِنْ أَهْلِي، فَلَمَّا قِيلَ لِي: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا زَاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ، وَعَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَخْرُجَ مِنْهُ أَبَدًا بِشَيْءٍ فِيهِ كَذِبٌ، فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ، وَصَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَادِمًا، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَيَرْكَعُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَهُ الْمُخَلَّفونَ، فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ وَيَحْلِفُونَ له، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ

стр. 2279

اللَّهِ ﷺ عَلَانِيَتَهُمْ وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ، فَجِئْتُهُ، فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ، ثُمَّ قَالَ: "تَعَالَ" فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي: "مَا خَلَّفكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ (١) ظَهْرَكَ (٢)؟ " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي وَاللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأَيْتُ أَنِّي سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا (٣)، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ (٤) عَلَيَّ فِيهِ، إِنِّي لَأَرْجُو فِيهِ عَفْوَ اللَّهِ، وَلَا وَاللَّهِ مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ (٥)، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ". قَالَ كَعْبٌ ﵁: فَقُمْتُ وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَاتَّبعُونِي، فَقَالُوا لِي: وَاللَّهِ ما عَلِمْنَاكَ كُنْتَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا، وَلقدْ عَجَزْتَ أَنْ لَا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا اعْتَذَرَ بِهِ الْمُخَلَّفُونَ، فَقَدْ كَانَ كَافِيكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكَ.

стр. 2280

قَالَ كَعْبٌ ﵁: فَوَاللَّهِ مَا زَالُوا يُؤَنِّبونَنِي حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأكُذِّبَ نَفْسِي، ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعِي أَحَدٌ؟ ، قَالُوا: نَعَمْ، لَقِيَهُ مَعَكَ رَجُلَانِ، قَالَا مِثْلَ مَا قُلْتَ، فَقِيلَ لَهُمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لَكَ. قَالَ: قُلْتُ مَنْ هُمَا؟ ، قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ الْعَامِرِيُّ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ. قَالَ: فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْرًا (١)، فِيهِمَا أُسْوَةٌ، فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي. قَالَ كَعْبٌ ﵁: وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا أَيها الثَّلَاثَة مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْه (٢)، فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ، وَتَغَيّروا لَنَا، حَتَّى تَنَكَّرَتْ فِي نَفْسِي الْأَرْضُ، فَمَا هِيَ بِالْأَرْضِ التِي أَعْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا (٣)

стр. 2281

وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبكِيَانِ، وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبَّ القوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ (١)، فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَطُوفُ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ عَلَيَّ أَمْ لَا؟ ، ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ، وَأُسَارِقُهُ (٢) النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ علَى صَلَاتِي نَظَرَ إِلَيَّ، وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا طَالَ ذَلِكَ عَلَيَّ مِنْ جَفْوَةِ الْمُسْلِمِينَ، مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ (٣) أَبِي قَتَادَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّي، وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ، أُنْشِدُكَ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُنِي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ ؟ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فنَاشَدْتُهُ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فنَاشَدْتُهُ، فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ كَعْبٌ ﵁: فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وَتَوَلَّيْتُ، حَتَّى تَسَوَّرْتُ الْجِدَارَ، فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ، إِذَا نَبَطِيٌّ (٤) مِنْ أَنْبَاطِ أَهْلِ الشَّامِ، مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ، يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إِلَيَّ، حَتَّى إِذَا جَاءَنِي دَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانٍ، فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ

стр. 2282

بِدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ، فَالْحَقْ بِنَا نواسِكَ. فَقُلْتُ حِينَ قَرَأتهَا: وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الْبَلَاءِ! فَتَيَمَّمْتُ (١) بِهَا التَّنُورَ فَسَجَرتُهَا بِهَا (٢)، حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنَ الْخَمْسِينَ، إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ يَأْتِيني فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ (٣). فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ قَالَ: لَا، بَلِ اعْتَزِلْهَا وَلَا تَقْرَبْهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ مِثْلَ ذَلِكَ. فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِكِ، فكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ. قَالَ كَعْبٌ ﵁: فَجَاءَتِ امْرَأَةُ (٤) هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدِمَهُ؟ ، قَالَ: "لَا، وَلَكِنْ لَا يَقْرَبْكِ"، فَقَالَتْ: إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا بِهِ مِنْ حَرَكَةٍ إِلَى شَيْءٍ، وَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَبكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا. فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي امْرَأَتِكَ، فَقَدْ أَذِنَ

стр. 2283

لِامْرَأَةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدِمَهُ؟ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَسْتَأْذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَمَا يُدْرِيني مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا، وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ؟ . قَالَ كَعْبٌ ﵁: فَلَبِثْتُ بِذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ، فَكَمُلَ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَلَامِنَا، فَلَمَّا صَلَّيْتُ صَلَاةَ الفجْرِ صُبْحَ (١) خَمْسِينَ لَيْلَةً، وَأنا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتنَا، فبَيْنَا أنا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ التِي ذَكَرَ اللَّهُ ، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي، وَضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارخٍ أَوْفَى (٢) عَلَى جَبَلِ سَلْعٍ (٣) بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ! أَبْشِرْ. قَالَ كَعْبٌ ﵁: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ. قَالَ: فَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا، حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبشِّرُونَنَا، وَذَهَبَ قبُلَ صَاحِبَيَّ مبشِّرُونَ، وَرَكَضَ إِلَيَّ رَجَل فَرَسًا، وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ قبُلِي، فَأَوْفَى عَلَى الْجَبَلَ، فَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الفرَسِ، فَلَمَّا جَاءَنِي الذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يبشِّرُنِي، نَزَعْتُ له ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُ

стр. 2284

إِيَّاهُمَا بِبُشْرَاهُ، وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا، وَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهَنِّئوني بِالتَّوْبَةِ، يَقُولُونَ: لِتَهْنِئْكَ تَوْبَةَ اللَّهِ عَلَيْكِ، قَالَ حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَحَوْلهُ النَّاسُ، فَقَامَ إِلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵁ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأَنِي، وَاللَّهِ مَا قَامَ إِلَيَّ رَجُل مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ، وَلَا أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ. قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ: "أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ"، فَقُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا، بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ"، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى رَسُولهِ ﷺ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ"، قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الذِي بِخَيْبَرَ، وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا نَجَّانِي بِالصِّدْقِ، وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لَا أُحْدِّثَ إِلَّا صِدْقًا مَا بَقِيتُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَبْلَاهُ (١) اللَّهُ تَعَالَى فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَاللَّهِ مَا تَعَمَّدْتُ كَذْبَةً مُنْذُ قُلْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى يَوْمِي هَذَا، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا بَقِيتُ.

стр. 2285

وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولهِ ﷺ : ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (١). قَالَ كَعْبٌ ﵁: فَوَاللَّهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ أَنْ هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْتُهُ، فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الذِينَ كَذَبُوا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لِأَحَدٍ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (٢). قَالَ كَعْبٌ ﵁: وَكُنَّا تَخَلَّفْنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ الذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ حَلَفُوا لَهُ، فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ، فَبِذَلِكَ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ

стр. 2286

خُلِّفُوا﴾، وَلَيْسَ الذِي ذَكَرَ اللَّهُ مِمَّا خُلِّفنَا تَخَلُّفنَا عَنِ الْغَزْوِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا، وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ له وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، فَقَبِلَ مِنْهُ (١). قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ النَّدَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ تَوْبَةً كَرِيمَةً، شَرَّفَ فِيهَا قَدْرَهُمْ، وَغَسَلَ عَنْهُمْ عَارَهُمْ، وَبَيَّضَ وُجُوهَهُمْ، وَبَدَأَ اللَّهُ الْآيَاتِ (٢) بِالنَّبِيِّ ﷺ وَالْمُهَاجِرِبنَ وَالْأَنْصَارِ الذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ، وَهَكَذَا أَلْحَقَهُمْ (٣) بِأَصْحَابِهِمُ الذِينَ سَبَقُوهُمْ وَوَضَعَهُمْ فِي هَذَا الْمَكَانِ الْمُشَرِّفِ الْكَرِيمِ، وَمَا بَدَأَ بِذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ الذِي غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَلَا بِذِكْرِ الذِينَ سَاهَمُوا فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ إِلَّا لِإِعَادَةِ الثِّقةِ إِلَى نُفُوسِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَرَدِّ اعْتِبَارِهِمْ وَمَكَانَتِهِمْ فِي الْمُجْتَمَعِ، وَلإِزَالَةِ

стр. 2287

مَا يُسَمِّيهِ عُلَمَاءُ النَّفْسِ الْيَوْمَ "بِمُرَكَّبِ النَّقْصِ"، وَهِيَ مَصْلَحَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ مَصَالِحِ التَّوْبَةِ (١). * فَوَائِد قِصَّةِ الثَّلاثَةِ الذِينَ تَخَلَّفوا: قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَفِي قِصَّةِ كَعْبٍ ﵁ مِنَ الْفَوَائِدِ: ١ - جَوَازُ الْغَزْوِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ. ٢ - التَّصْرِيحُ بِجِهَةِ الْغَزْوِ إِذَا لَمْ تَقْتَضِ الْمَصْلَحَةُ سَتْرَهُ. ٣ - أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا اسْتَنْفَرَ الْجَيْشَ عُمُومًا لَزِمَهُمُ النَّفِيرُ، وَلَحِقَ اللَّوْمُ بِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ أَنْ لَوْ تَخَلَّفَ. ٤ - وَفيهَا أَنَّ الْعَاجِزَ عَنِ الْخُرُوجِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَالِهِ لَا لَوْمَ عَلَيْهِ. ٥ - وَفِيهَا اسْتِخْلَافُ مَنْ يَقُومُ مَقَامَ الْإِمَامِ عَلَى أَهْلِهِ وَالضَّعَفَةِ. ٦ - وَفِيهَا تَرْكُ قتلِ الْمُنَافِقِينَ، وَأَجَابَ مَنْ أَجَازَهُ بِأَنَّ التَّرْكَ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَصْلَحَةِ التَّألِيفِ عَلَى الْإِسْلَامِ. ٧ - وَفِيهَا عِظَمُ أَمْرِ الْمَعْصِيَةِ، وَقَدْ نبَّهَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِم عَنْهُ قَالَ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا أَكَلَ هَؤُلَاءَ الثَّلَاثَةُ مَالًا حَرَامًا، وَلَا سَفَكُوا دَمًا حَرَامًا، وَلَا أَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ، أَصَابَهُمْ مَا

стр. 2288

سَمِعْتُمْ، وَضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبتْ، فكَيْفَ بِمَنْ يُوَاقِعُ الْفَوَاحِشَ وَالْكَبَائِرَ؟ . ٨ - وَفِيهَا أَنَّ الْقَوِيَّ فِي الدِّينِ يُؤَاخَذُ بِأَشَدِّ مِمَّا يُؤَاخَذُ الضَّعِيفُ فِي الدِّينِ. ٩ - وَفيهَا جَوَازُ إِخْبَارِ الْمَرْءَ عَنْ تَقْصِيرِهِ وَتَفْرِيطِهِ، وَعَنْ سَبَبِ ذَلِكَ، وَمَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ تَحْذِيرًا وَنَصِيحَةً لِغَيْرِهِ. ١٠ - وَفيهَا جَوَازُ مَدْحِ الْمَرْءَ بِمَا فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ إِذَا أَمِنَ الْفِتْنَةَ، وَتَسْلِيَةُ نَفْسِهِ بِمَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ بِمَا وَقَعَ لِنَظِيرِهِ. ١١ - وَفيهَا فَضْلُ أَهْلِ بَدْرٍ وَالْعَقَبَةِ. ١٢ - وَفِيهَا الْحَلْفُ لِلتَّأْكِيدِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافٍ. ١٣ - وَفِيهَا التَّوْرِيَةُ عَنِ الْمَقْصِدِ. ١٤ - وَفِيهَا رَدُّ الغِيبَةِ. ١٥ - وَفيهَا أَنَّ الْمَرْءَ إِذَا لَاحَتْ لَهُ فُرْصَةٌ فِي الطَّاعَةِ فَحَقُّهُ أَنْ يُبَادِرَ إِلَيْهَا وَلَا يُسَوِّفُ بِهَا لِئَلَّا يُحْرَمَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (١)، وَمِثْلُهُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا

стр. 2289

لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (١)، وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُلْهِمَنَا الْمُبادَرَةَ إِلَى طَاعَتِهِ، وَأَنْ لَا يَسْلُبَنَا مَا خَوَّلَنَا مِنْ نِعْمَتِهِ. ١٦ - وَفيهَا جَوَازُ تَمِنِّي مَا فَاتَ مِنَ الْخَيْرِ. ١٧ - وَفِيهَا أَنَّ الْإِمَامَ لَا يُهْمِلُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، بَلْ يُذَكِّرُهُ لِيُرَاجعَ التَّوْبَةَ. ١٨ - وَفِيهَا جَوَازُ الطَّعْنِ فِي الرَّجُلِ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى اجْتِهَادِ الطَّاعِنِ عَنْ خَمِيَّةٍ للَّهِ وَرَسُولهِ ﷺ . ١٩ - وَفِيهَا جَوَازُ الرَّدِّ عَلَى الطَّاعِنِ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الرَّادِّ وَهْمُ الطَّاعِنِ أَوْ غَلَطُهُ. ٢٠ - وَفِيهَا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ لِلْقَادِمِ أَنْ يَكُونَ عَلَى وُضُوءٍ. ٢١ - وَفيهَا أَنْ يبدَأَ بِالْمَسْجِدِ قَبْلَ بَيْتِهِ فيصَلِّي، ثُمَّ يَجْلِسُ لِمَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ. ٢٢ - وَفِيهَا مَشْرُوعِيَّةُ السَّلَامِ عَلَى الْقَادِمِ وَتَلَقِّيهِ. ٢٣ - وَفِيهَا الْحُكْمُ بِالظَّاهِرِ. ٢٤ - وَفِيهَا قَبُولُ الْمَعَاذِيرِ، وَاسْتِحْبَابُ بُكَاءِ الْعَاصِي أَسَفًا عَلَى مَا فَاتَهُ مِنَ الْخَيْرِ.

стр. 2290

٢٥ - وَفيهَا إِجْرَاءُ الْأَحْكَامِ عَلَى الظَّاهِرِ، وَوُكُولُ السَّرَائِرِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. ٢٦ - وَفِيهَا تَرْكُ السَّلَامِ عَلَى مَنْ أَذْنَبَ، وَجَوَازُ هَجْرِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ، وَأَمَّا النَّهْيُ عَنِ الْهَجْرِ فَوْقَ الثَّلَاثِ، فَمَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ هِجْرَانُهُ شَرْعِيًّا. ٢٧ - وَفِيهَا أَنَّ التَّبَسُّمَ قَدْ يَكُونُ عَنْ غَضَبٍ، كَمَا يَكُونُ عَنْ تَعَجُّبٍ وَلَا يَخْتَصُّ بِالسُّرُورِ. ٢٨ - وَفِيهَا مُعَاتَبَةُ الْكَبِيرِ أَصْحَابَهُ وَمَنْ يَعُزُّ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ. ٢٩ - وَفِيهَا فَائِدَةُ الصِّدْقِ وَشُؤْمُ عَاقبةِ الْكَذِبِ. ٣٠ - وَفِيهَا تَبْرِيدُ حَرِّ الْمُصِيبَةِ بِالتَّأسِّي بِالنَّظِيرِ. ٣١ - وَفِيهَا عِظَمُ مِقْدَارِ الصِّدْقِ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَتَعْلِيقُ سَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالنَّجَاةِ مِنْ شَرِّهِمَا بِهِ. ٣٢ - وَفيهَا أَنَّ مَنْ عُوقِبَ بِالْهَجْرِ، يُعْذَرُ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّ مرَارَةَ بْنَ الرَّبِيعِ ﵁، وَهِلَالَ بنَ أُمَيَّةَ ﵁ لَمْ يَخْرُجَا مِنْ بُيُوتِهِمَا تِلْكَ الْمُدَّةِ. ٣٣ - وَفيهَا سُقُوطُ رَدِّ السَّلَامِ عَلَى الْمَهْجُورِ عَمَّنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ، إِذْ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمْ يَقُلْ كَعْبٌ: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ؟ ٣٤ - وَفِيهَا جَوَازُ دُخُولِ الْمَرْءَ دَارَ جَارِهِ وَصَدِيقِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَمِنْ غَيْرِ الْبَابِ إِذَا عَلِمَ رِضَا. ٣٥ - وَفيهَا أَنَّ مُسَارَقَةَ النَّظَرِ فِي الصَّلَاةِ لَا تَقْدَحُ فِي صِحَّتِهَا.

стр. 2291

٣٦ - وَفِيهَا إِيثَارُ طَاعَةِ الرَّسُولِ عَلَى مَوَدَّةِ القرِيبِ. ٣٧ - وَفِيهَا خِدْمَةُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا، وَالِاحْتِيَاطُ لِمُجَانَبَةِ مَا يُخْشَى الْوُقُوعُ فِيهِ. ٣٨ - وَفِيهَا جَوَازُ تَحْرِيقِ مَا فِيهِ اسْمُ اللَّهِ لِلْمَصْلَحَةِ. ٣٩ - وَفِيهَا مَشْرُوعِيَّةُ سُجُودِ الشُّكْرِ. ٤٠ - وَفِيهَا الْاسْتِبَاقُ إِلَى الْبِشَارَةِ بِالْخَيْرِ، وَإِعْطَاءُ الْبَشِيرِ أَنْفَسَ مَا يَحْضُرُ الذِي يَأْتِيهِ بِالْبِشَارَةِ. ٤١ - وَفِيهَا تَهْنِئَةُ مَنْ تَجَدَّدَتْ لَهُ نِعْمَةٌ، وَالْقِيَامُ إِلَيْهِ إِذَا أَقبَلَ. ٤٢ - وَفِيهَا اجْتِمَاعُ النَّاسِ عِنْدَ الْإِمَامِ فِي الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ. ٤٣ - وَفِيهَا مَشْرُوعِيَّةُ مُصَافَحَةِ الْقَادِمِ وَالْقِيَامِ لَهُ. ٤٤ - وَفِيهَا الْتِزَامُ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْخَيْرِ الذِي يَنْتَفِعُ بِهِ. ٤٥ - وَفِيهَا اسْتِحْبَابُ الصَّدَقَةِ عِنْدَ التَّوْبَةِ. ٤٦ - وَفيهَا أَنَّ مَنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِكُلِّ مَالِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ إِخْرَاجُ جَمِيعِهِ. ٤٧ - وَفيهَا أَنَّ كَعْبًا ﵁ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلينَ مِنَ الْأَنْصَارِ الذِينَ صَلُّوا إِلَى الْقِبْلَتَيْنِ (١).

стр. 2292

مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ حَوْلَ غَزْوَةِ تَبُوكَ نَزَلَتْ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ مِنْ سُورَةِ بَرَاءَةَ حَوْلَ مَوْضُوعِ الْغَزْوَةِ، نَزَلَ بَعْضُهَا قَبْلَ الْخُرُوجِ، وَبَعْضُهَا بَعْدَ الْخُرُوجِ، وَهُوَ فِي السَّفَرِ، وَبَعْضُهَا بَعْدَ الرُّجُوعِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَى ذِكْرِ ظُرُوفِ الْغَزْوَةِ، وَفَضْلِ الْمُجَاهِدِينَ الْمُخْلِصِينَ، وَقَبولِ التَّوْبَةِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ، وَفَضْحِ الْمُنَافِقِينَ، وَكَانَتْ سُورَةُ التَّوْبَةِ مِنْ أَشَدِّ مَا نَزَلَ فِي الْمُنَافِقِينَ حَتَّى كَانَتْ تُسَمَّى: "الفاضِحَةَ"، وَتُسَمَّى: "الْمُبعْثِرَةَ" لِمَا كَشَفَتْ مِنْ سَرَائِرَ المُنَافِقِينَ. رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: سُورَةُ التَّوْبَةِ؟ قَالَ: التَّوْبَةُ هِيَ الفَاضِحَةُ، مَا زَالَتْ تَنْزِلُ: وَمِنْهُمْ، وَمِنْهُمْ، حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهَا لَمْ تُبْقِ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا ذُكِرَ فِيهَا (١). * * *

стр. 2293

الأَحْدَاثُ بَيْنَ غَزْوَةِ تَبُوكَ وَحَجَّةِ الوَدَاعِ عَدَدُ الْغَزَوَاتِ وَالسَّرَايَا وَنَظْرَة عَامَّةٌ عَلَيْهَا انْتَهَتِ الْغَزَوَاتُ النَّبَوِيَّةُ بِغَزْوَةِ تَبُوكَ وَالتِي بَلَغَ عَدَدُهَا سَبْعًا وَعِشْرِينَ غَزْوَةً، قَاتَلَ فِيهَا ﷺ فِي تِسْعِ غَزَوَاتٍ: بَدْرٍ، وَأُحُدٍ، وَالْخَنْدَقِ، وَقُرَيْظَةَ، وَبَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَخَيبرَ، وَالفتْحِ، وَحُنَيْنٍ، وَالطَّائِفِ. وَبَلَغَتْ بُعُوثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسَرَايَاهُ ثَمَانِيةً وَثَلَاثِينَ بَيْنَ بَعْثٍ وَسَرِيَّةٍ، وَقِيلَ: سَبْعًا وَأَرْبَعِينَ، أَوْ ثَمَانِيًا وَأَرْبَعِينَ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَبَدًا، وَلَكِنِّي لَا أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلُهُمْ، وَلَا يَجدُونَ سَعَةً فَيَتَّبِعُوني، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلفوا عَنِّي، وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أَحْيَا، ثُمَّ أُقتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ" (١). وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا بَعَثَ بَعْثًا بَعَثَهُ أَوَّلَ النَّهَارِ (٢)، وَيَقُولُ لَهُمْ:

стр. 2294

"تَأَلَّفُوا النَّاسَ، وَلَا تُغِيرُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى تَدْعُوهُمْ (١)، فَمَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ وَلَا مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ (٢)، إِلَّا تَأْتُونِي بِهِمْ مُسْلِمِينَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَأْتْوني بِنِسَائِهِمْ، وَأَوْلَادِهِمْ وَتَقْتُلُوا رِجَالَهُمْ" (٣). وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى غَزَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبُعُوثِهِ وَسَرَايَاهُ، لَا يُمْكِنُ لَنَا وَلَا لِأَحَدٍ مِمَّنْ يَنْظُرُ فِي أَوْضَاعِ الْحُرُوبِ وَأثارِهَا وَخَلْفِيَّاتِهَا. . . لَا يُمْكِنُ لَنَا إِلَّا أَنْ نَقُولَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَكْبَرَ قَائِدٍ عَسْكَرِيٍّ فِي الدُّنْيَا، وَأَسَدَّهُمْ (٤) وَأَعْمَقَهُمْ فِرَاسَةً وَتَيَقُّظًا، إِنَّهُ صَاحِبُ عَبْقَرِيَّةٍ فَذَّةٍ فِي هَذَا الْوَصْفِ، كَمَا كَانَ سَيِّدَ الرُّسْلِ وَأَعْظَمَهُمْ فِي صِفَةِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، فَلَمْ يَخُضْ مَعْرَكَةً مِنَ الْمَعَارِكِ إِلَّا فِي الظَّرْفِ، وَمِنَ الْجِهَةِ اللَّذَيْنِ يَقْتَضِيهِمَا الْحَزْمُ وَالشَّجَاعَةُ وَالتَّدْبِيرُ، وَلذَلِكَ لَمْ يَفْشَلْ فِي أَيِّ مَعْرَكَةٍ مِنَ الْمَعَارِكِ التِي خَاضَهَا لِغَلَطِهِ فِي الْحِكْمَةِ، وَمَا إِلَيْهَا مِنْ تَعْبِئَةِ الْجَيْشِ، وَتَعْيِينِهِ عَلَى الْمَرَاكِزِ الِاسْتِرَاتِيجِيَّةِ، وَاحْتِلَالِ أَفْضَلِ الْمَوَاضِعِ وَأَوْثَقِهَا لِلْمُجَابَهَةِ، وَاخْتِيَارِ أَفْضَلِ خُطَّةٍ لِإِدَارَةِ دَفَّةِ الْقِتَالِ، بَلْ أَثْبَتَ فِي كُلِّ ذَلِكَ أَنَّ له نَوْعًا آخَرَ مِنَ الْقِيَادَةِ غَيْرُ مَا عَرَفتهَا، وَتَعْرِف الدُّنْيَا فِي الْقُوَّادِ، وَلَمْ يَقَعْ مَا

стр. 2295

وَقَعَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَغَزْوَةِ حُنَيْنٍ إِلَّا مِنْ بَعْضِ الضَّعفِ فِي أَفْرَادِ الْجَيْشِ -كَمَا فِي حُنَيْنٍ- أَوْ مِنْ جِهةِ مَعصِيَتهم أَوَامِرَهُ، وَتَركِهِمُ التَّقَيُّدَ وَالِالْتِزَامَ بِالْحِكْمَةِ وَالْخُطَّةِ اللَّتَيْنِ كَانَ أَوْجَبَهُمَا عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ الْوِجْهةُ الْعَسْكَرِيَّةُ -كَمَا فِي أُحُدٍ-. وَقَدْ تَجَلَّتْ عَبْقَرِّيتهُ ﷺ فِي هَاتَيْنِ الْغَزْوَتَيْنِ عِنْدَ هَزِيمَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَدْ ثَبَتَ مُجَابِهًا لِلْعَدُوِّ، وَاسْتَطَاعَ بِحِكْمَتِهِ الفذَّةِ أَنْ يُخَيّبَهُم فِي أَهْدَافِهِم -كَمَا فَعَلَ فِي أُحُدٍ- أَوْ يُغَيِّر مَجْرَى الْحَرْبِ حِتَّى ولبدِّلَ الْهزِيمَةَ انْتِصَارًا -كَمَا فِي حُنَيْنٍ- مَعَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا التَّطَوُّرِ الْخَطِيرِ، وَمِثْلَ هَذِهِ الْهزِيمَةِ السَّاحِقَةِ تَأْخُذَانِ بِمَشَاعِرِ الْقُوَّادِ، وَتَتْرُكَانِ عَلَى أَعصَابِهِم أَسْوَأَ الأَثَرِ، لَا يَبْقَى لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا همُّ النَّجَاةِ بِأَنْفُسِهِمْ. هَذِهِ مِنْ نَاحِيَةِ الْقِيَادَةِ الْعَسْكَرِيَّةِ الْخَالِصَةِ، أَمَّا مِنْ نَوَاحٍ أُخْرَى، فَإِنَّهُ ﷺ اسْتَطَاعَ بهذِهِ الْغَزَوَاتِ وَالسَّرَايَا فَرضَ الْأَمنِ وَبَسْطَ السَّلَامِ، وإِطْفَاءَ نَارِ الْفِتْنَةِ، وَكَسْرَ شَوْكَةِ الْأَعدَاءِ فِي صِرَاعِ الْإِسْلَامِ وَالْوَثَنِيَّةِ، وَإِلْجَاءَهُم إِلَى الْمُصَالَحَةِ، وَتَخْلِيَةِ السَّبِيلِ لِنَشْرِ الدَّعوَةِ، وَقَدْ أُرِيقَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْغَزَوَاتِ وَالسَّرَايَا أَقَلُّ دَمٍ عُرِفَ فِي تَارِيخِ الْحُرُوبِ وَالْغَزَوَاتِ، فَلَمْ يَتَجَاوَزِ الْقَتْلَى كُلُّها (١٠١٨) قَتِيلًا مِنَ الفَرِيقَيْنِ. كَمَا اسْتَطَاعَ رَسُولُ اللَّهِ هو أَنْ يَتَعَرَّفَ مِنْ خِلَالِ هَذِهِ الْغَزَوَاتِ عَلَى الْمُخْلِصِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَمِمَّنْ يُبْطِنُ النِّفَاقَ، وَيُضْمِرُ (١) نَوَازِعَ الْغَدْرِ وَالْخِيَانَةِ،

стр. 2296

وَقَدْ أَنْشَأَ طَائِفَةً كَبِيرَةً مِنَ الْقُوَّادِ، الذِينَ لَاقُوا بَعدَهُ الْفُرسَ وَالرُّومَانَ فِي مَيَادِينِ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ، فَفَاقُوهُمْ فِي تَخْطِيطِ الْحُرُوبِ وَإِدَارَةِ دَفَّةِ الْقِتَالِ، حَتَّى اسْتَطَاعُوا إِجْلَاءَهُم مِنْ أَرضِهم وَدِيَارِهم وَأَموَالِهِمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ، وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ. وَاسْتَطَاعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِفَضْلِ هَذِهِ الْغَزَوَاتِ، أَنْ يُوَفِّرَ السُّكْنَى وَالْأَرضَ وَالْحِرَفَ وَالْمَشَاغِلَ لِلْمُسْلِمِينَ، حَتَّى قَضَى عَلَى كَثِيرٍ مِنْ مَشَاكِلِ اللَّاجِئِينَ الذِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَالٌ وَلَا دَارٌ، وَهَيَّأَ السِّلَاحَ وَالْكُرَاعَ (١) وَالْعُدَّةَ وَالنَّفَقَاتِ، حَصَلَ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُومَ بِمِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنَ الظُّلْمِ وَالطُّغْيَانِ وَالْبَغْي وَالْعُدوَانِ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ. وَقَدْ غَيَّرَ رَسُولُ اللَّهِ بِهَا أَغْرَاضَ الْحُرُوبِ وَأَهْدَافَها التِي كَانَتْ تَضْطَرِمُ (٢) نَارُ الْحَربِ لِأَجْلِها فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَيْنَمَا كَانَتِ الْحَربُ عِبَارَةً عَنِ النَّهْبِ، وَالسَّلْبِ، وَالْقَتْلِ، وَالْإِغَارَةِ، وَالظُّلْمِ، وَالْبَغْي، وَالْعُدوَانِ، وَأَخْذِ الثَّأْرِ، وَالفوْزِ بِالْوَتْرِ (٣)، وَكَبْتِ (٤) الضَّعِيفِ، وَتَخْرِيبِ الْعِمرَانِ، وَتَدمِيرِ الْبُنْيَانِ، وَهَتْكِ حُرُمَاتِ النِّسَاءَ، وَالقَسْوَةِ بِالضِّعَافِ وَالْوَلَائِدِ وَالصِّبْيَانِ، وَإِهْلَاكِ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ، وَالْعَبَثِ

стр. 2297

وَالفسَادِ فِي الْأَرْضِ -فِي الْجَاهِلِيَّةِ- إِذْ صَارَتْ هَذِهِ الْحَربُ -فِي الْإِسْلَامِ- جِهَادًا فِي تَحْقِيقِ أَهْدَافٍ نَبِيلَةٍ، وَأَغْرَاضٍ سَامِيَةٍ وَغَايَاتٍ مَحمُودةٍ، يَعْتَزُّ بِهَا الْمُجْتَمَعُ الْإِنْسَانِيُّ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، فَقَدْ صَارَتِ الْحَربُ جِهادًا فِي تَخْلِيصِ الْإِنْسَانِ مِنْ نِظَامِ القَهْرِ وَالْعُدْوَانِ، إِلَى نِظَامِ الْعَدَالَةِ وَالنَّصَفِ، مِنْ نِظَامٍ يَأْكُلُ فِيهِ القَوِيُّ الضَّعِيفَ، إِلَى نِظَامٍ يَصِيرُ فِيهِ الْقوِيُّ ضَعِيفًا حَتَّى يُؤْخَذَ مِنْهُ، وَصَارَتْ جِهَادًا فِي تَخْلِيصِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ (١)، وَصَارَتْ جِهَادًا فِي تَطْهِيرِ أَرضِ اللَّهِ مِنَ الْغدرِ وَالْخِيَانَةِ وَالْإِثْمِ وَالْعُدوَانِ إِلَى بَسْطِ الْأَمنِ وَالسَّلَامَةِ وَالرَّأْفَةِ وَالرَّحمَةِ، وَمُرَاعَاةِ الْحُقُوقِ وَالْمُرُوءَةِ. كَمَا شَرَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْحُرُوبِ قَوَاعِدَ شَرِيفَةً أَلْزَمَ التَّقَيُّدَ بِهَا عَلَى جُنُودِهِ وَقُوَّادِهِ، وَلَمْ يَسْمَح لَهُمْ بِالْخُرُوجِ عَنْهَا بِحَالٍ. رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ بُرَيْدةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: "اغْزُوا بِسْمِ اللَّهِ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا (٢)، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا (٣)، وَلَا تَقْتُلُوا وَليدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ أَوْ خِلَالٍ فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ

стр. 2298

فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهاجِرِينَ، وَأَخْبِرهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ، فَلَهُم مَا لِلْمُهاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهاجِرِينَ، فَإِنْ أبوا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأعرَابِ الْمُسْلِمِينَ، يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْتلْ مِنْهُمْ وَكفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُم أبوا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُم، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ، فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصحَابِكَ، فَإِنَّكُم أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمِ أَصْحَابِكُمْ، أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ، وَذِمَّةَ رَسُولهِ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهم عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، فَلَا تُنْزِلْهم عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهم عَلَى حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لَا تدرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَم لَا" (١). وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ بِالتَّيْسِيرِ وَيَقُولُ: "بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا" (٢)، وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَوْمًا بِلَيْلٍ لَمْ يُغِر عَلَيْهِمْ حَتَّى يُصْبِحَ (٣)، وَنَهى

стр. 2299

أَشَدَّ النَّهْي عَنِ التَّحرِيقِ فِي النَّارِ (١)، وَنَهَى عَنْ قتلِ النِّسَاءِ (٢)، وَنَهَى عَنِ النَّهْبِ (٣)، وَنَهَى عَنْ قَطْعِ الْأَشْجَارِ، إِلَّا إِذَا اشْتَدَّتْ إِلَيْها الْحَاجَةُ، وَلَا يَبْقَى سِوَاهُ سَبِيلٌ، وَقَالَ عِنْدَ فَتْحِ مَكَّةَ: "لَا تُجْهِزُنَّ عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا تَتَّبِعُوا مُدبِرًا" (٤)، وَأَمضَى السُّنَّةَ بِأَنَّ السَّفِيرَ لَا يُقْتَلُ (٥)، وَشَدَّدَ فِي النَّهْي عَنْ قَتْلِ الْمُعَاهدِينَ (٦). . . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْقَوَاعِدِ النَّبِيلَةِ التِي طَهَّرَتِ الْحُرُوبَ مِنْ أَدْرَانِ (٧) الْجَاهِلِيَّةِ، حَتَّى جَعَلَتْها جِهادًا مُقَدَّسًا (٨).

стр. 2300

تَبْشِيرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بفَتْحِ الْحِيرَةِ (١) فَلَمَّا انْتَهَى أَمرُ تَبُوكٍ، أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يبشِّرُ الْمُسْلِمِينَ بِفَتْحِ الْحِيرَةِ (٢)، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرطِ مُسْلِمٍ وَالْبَيْهقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ عَنْ خُرَيْمِ (٣) بْنِ أَوْس ﵁ قَالَ: هَاجَرْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُنْصَرَفَهُ مِنْ تَبُوكَ فَأَسْلَمْتُ. . . ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَذِهِ الْحِيرَةُ الْبيْضَاءُ قَدْ رُفِعَتْ إِلَيَّ، وَهَذِهِ الشَّيْمَاءُ بِنْتُ نُفَيْلةَ (٤) الْأَزْدِيَّةُ عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ مُعتَجِرَةً بِخِمَار أَسْوَدَ"، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنْ نَحْنُ دَخَلْنَا الْحِيرَةَ فَوَجَدْتُهَا كَمَا تَصِفُ فَهِيَ لِي؟ (٥). قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هِيَ لَكَ" قَالَ: ثُمَّ كَانَتِ الرِّدَّةُ. . . فَسَارَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ﵁ حَتَّى أَقبلْنَا عَلَى طَرِيقِ الطَّفِّ إِلَى الْحِيرَةِ، فَأَوَّلُ مَنْ يَلْقَانَا حِينَ دَخَلْنَاها الشَّيْمَاءُ بِنْتُ نُفَيْلَةَ (٦)، كَمَا

стр. 2301

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ مُعْتَجِرَةً بِخِمَارٍ أَسْوَدَ، فتَعَلَّقْتُ بِهَا، وَقُلْتُ: هَذِهِ وهَبَهَا لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَدَعَانِي خَالِدٌ عَلَيْهَا بِالْبَيِّنَةِ، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، وَكَانَتِ الْبَيِّنَةُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ، وَمُحَمَّدَ بْنَ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيَّيْنِ، فَسَلَّمها إِلَيَّ، فَنَزَلَ إِلَيْنَا أَخُوهَا: عَبْدُ الْمَسِيحِ يُرِيدُ الصُّلْحَ، فَقَالَ لِي: بِعْنِيهَا، فَقُلْتُ: لَا أَنْقُصُها وَاللَّهِ عَنْ عَشَرَةِ مِائَةِ درهمٍ، فَأَعْطَانِي أَلْفَ دِرهمٍ، وَسَلَّمْتُهَا إِلَيْهِ، فَقِيلَ لِي: لَوْ قُلْتَ مِائَةَ أَلْفٍ لَدَفَعَها إِلَيْكَ، فَقُلْتُ: مَا كُنْتُ أحسَبُ أَنَّ عَدَدًا أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَ مِائَةٍ (١). * * *

стр. 2302

تَتَابُعُ الوُفُودِ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، وَقَضَى عَلَى الْوَثَنِيَّةِ فِيهَا، سَارَعَتِ الْقَبَائِلُ إِلَى اعْتِنَاقِ الْإِسْلَامِ، وَالدُّخُولِ فِيهِ. رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَمرِو بْنِ سَلَمَةَ الْجَرْمِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا بِمَاءٍ مَمَرِّ النَّاسِ، وَكَانَ يَمُرّ بِنَا الرُّكْبَانُ فَنَسْأَلُهُمْ: مَا لِلنَّاسِ، مَا لِلنَّاسِ؟ مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ . فَيَقُولُونَ: يَزْعُمُ أَنَّ اللَّه أَرسَلَهُ، أُوحِيَ إِلَيْهِ، أَوْ أَوْحَى اللَّهُ بِكَذَا، فَكُنْتُ أَحْفَظُ ذَلِكَ الْكَلَامَ، وَكَأَنَّمَا يُقَرُّ (١) فِي صَدرِي، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَلَوَّمُ (٢) بِإِسْلَامِهِمُ الفَتْحَ، فَيَقُولُونَ: اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ فَإِنَّهُ إِنْ ظَهرَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ، فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ الْفَتْحِ بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِم، وَبَدَرَ أَبِي قَوْمِي بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: جِئْتُكُم وَاللَّهِ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ حَقًّا (٣). وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، وَفَرَغَ مِنْ تَبُوكَ،

стр. 2303

وَأَسْلَمَتْ ثَقِيفٌ (١) وَبَايَعَتْ، ضَرَبَتْ إِلَيْهِ وُفُودُ الْعَرَبِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، . . . وَإِنَّمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَرَبَّصُ (٢) بِالْإِسْلَامِ أَمْرُ هَذَا الْحَيِّ مِنْ قُريْشٍ، وَأَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا كَانُوا إِمَامَ النَّاسِ وهَادِيَهُمْ، وَأَهْلَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَصَرِيحَ وَلَدِ إِسمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، ﵉، وَقَادَةَ الْعَرَبِ، لَا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ هِيَ التِي نَصَبَتْ لِحَربِ رَسُولِ اللَّه ﷺ وخِلَافِهِ، فَلَمَّا افْتُتِحَتْ مِكَّةُ وَدَانَتْ (٣) قُرَيْشٌ، وَدَوَّخَهَا (٤) الْإِسْلَامُ، عَرَفَتِ الْعَرَبُ أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا عَدَاوَيهِ، فَدَخَلُوا فِي دِينِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ ﴿أَفْوَاجًا﴾، يَضْرِبُونَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ (٥). وَلذَلِكَ بَلَغَتِ الْوُفُودُ أَوْجَها (٦) فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ بَعْدَ مَقْدِمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ تَبُوكَ، حَتَّى سُمِّيَتْ هَذِهِ السَّنَةُ سَنَةَ الْوُفُودِ لِكَثْرَةِ مَا جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ

стр. 2304

- ﷺ مِنَ الْوُفُودِ (١)، وَتَتَابَعَتْ فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ وَالْحَادِيَةِ عَشْرَةَ لِلْهِجْرَةِ. وَكَانَتْ هَذِهِ الْوُفُودُ تَرِدُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَيَضْرِبُ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْزِلًا لِرَوَاحِلِهم قُربَ مَسْجِدِهِ الشَّرِيفِ، فيقِيمُونَ فِيهِ أَيَّامًا، فَيَسْمَعُونَ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ بَيَانَهُ وَمَوْعِظَتَهُ. وَتَجْدُرُ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ وِفَادَةَ عَامَّةِ الْقَبَائِلِ وَإِنْ كَانَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، لَكِنْ هُنَاكَ قبائِلُ وَفَدَتْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ كَمَا مَرَّ مَعَنَا. وَالْوُفُودُ التِي ذَكَرَها أَهْلُ الْمَغَازِي وَالسِّيَرِ يَزِيدُ عَدَدُها عَلَى السَّبْعِينَ، وَنَحْنُ سَنَذْكُرُ أَهَمَّ هَذِهِ الْوُفُودِ. * * *

стр. 2305

١ - وَفْدُ ثَقِيفٍ كَانَ قُدُومُهُم فِي رَمَضَانَ سَنَةَ تِسْعٍ لِلْهِجْرَةِ، بَعْدَ عَوْدَةِ الرَّسُولِ ﷺ مِنْ تَبُوكَ (١)، وكَانَ من حَدِيثِهِمْ أَنَّهُ لَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُمْ مِنْ غَزْوَةِ الطَّائِفِ اتَّبَعَ أَثَرَهُ سَيِّدُ ثَقِيفٍ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ (٢) حَتَّى أَدرَكَهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَسْلَمَ ﵁، وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ تِسْعٍ لِلْهِجْرَةِ، ثُمَّ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَرجعَ إِلَى قَوْمِهِ لِيَدْعُوَهُم إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَقْتُلُوكَ"، لِعِلْمِهِ ﷺ بِامْتِنَاعِ ثَقِيفٍ، فَقَالَ عُرْوَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أنَّا أَحَبُّ إِلَيْهِم مِنْ أَبْكَارِهم (٣)، أَوْ مِنْ أَبْصَارِهم، وَلَوْ وَجَدُوني نَائِمًا مَا أَيْقَظُونِي.

стр. 2306

فَخَرَجَ عُرْوَةُ ﵁ يَدعُو قَوْمَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُمْ يُطِيعُونَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ سَيِّدًا مُحَبَّبًا مُطَاعًا فِيهِمْ، فَلَمَّا أَشْرَفَ لَهُمْ عَلَى عُلِّيَّةٍ (١) لَهُ، وَقَدْ دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَظْهَرَ لَهُمْ دِينَهُ رَمَوْهُ بِالنَّبْلِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَأَصَابَهُ سَهْمٌ فَقتَلَهُ (٢). وَأَقَامَتْ ثَقِيفٌ بَعْدَ قتلِ عُرْوَةَ أَشْهُرًا، ثُمَّ إِنَّهُمُ ائْتَمَرُوا بَيْنَهُمْ، وَرَأَوْا أَنَّهُمْ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِحَربِ مَنْ حَوْلَهُم مِنَ الْعَرَبِ، وَقَدْ بَايَعُوا وَأَسْلَمُوا، فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ أَنْ يرسِلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَأَرسَلُوا عَبْدَ يَالِيلَ، وَمَعَهُ خَمسَةٌ مِنْ أَشْرَافِهِم فِيهِمْ: عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ ﵁، وَكَانَ أَصغَرَهُم، فَخَرَجَ بِهِم عَبْدُ يَالِيلُ، وَهُوَ رَئِيسُ الْقَوْمِ، وَصَاحِبُ أمرهم، فَلَمَّا دَنَوْا مِنَ الْمَدِينَةِ وَجَدُوا الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعبَةَ ﵁ يرعَى رِكَابَ (٣) أَصحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَتْ رَعْيَتُها نُوبًا (٤) عَلَى أَصْحَابِهِ ﷺ ، فَلَمَّا رَآهُمُ الْمُغِيرَةَ ﵁ ترَكَ الرِّكَابَ، وَذَهَبَ يَشْتَدُّ لِيُبَشِّرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِقُدُومِهِم عَلَيْهِ، فَلَقِيَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁، قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَأَخْبَرَهُ عَنْ قُدُومِ ثَقِيفٍ يُرِيدُونَ الْإِسْلَامَ إِنْ شَرَطَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شُرُوطًا، وَيَكْتُبُوا لَهُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كِتَابًا، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَقْسَمتُ عَلَيْكَ بِاللَّهِ لَا تَسْبِقْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى أَكُونَ أَنَا أُحَدِّثُهُ،

стр. 2307

فَفَعَلَ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِقُدُومِ وَفْدِ ثَقِيفٍ عَلَيْهِ، فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَقْدِمِهِمْ. ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعبَةَ ﵁، فَعَلَّمَهم كَيْفَ يُحَيُّونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى الرَّسُولِ ﷺ حَيَّوْهُ بِتَحِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِنْزَالِهِم فِي الْمَسْجِدِ لِيَكُونَ أَرَقَّ لِقُلُوبِهِمْ، فَضَرَبَ لَهُمْ قُبَّةً فِي نَاحِيَتهِ حَيْثُ يَسْمَعُونَ الْقرآنَ. وَمَكَثُوا يَخْتَلِفُونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهُوَ يَدْعُوهُم إِلَى الْإِسْلَامِ، حَتَّى سَأَلَ رَئِيْسُهُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَن يَكْتُبَ لَهُمْ كِتَابا: يَأْذَنُ لَهُمْ فِيهِ بِالزِّنَى، وَالرِّبَا، وَشُرْبِ الْخَمرِ، وَأَنْ يُعفِيَهُمْ مِنَ الصَّلَاةِ، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقْبَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ (١). رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ﵁ قَالَ: أَنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْزَلَهُمُ الْمَسْجِدَ، لِيَكُونَ أَرَقَّ لِقُلُوبِهم، فَاشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ لَا يُحْشَرُوا (٢)، وَلَا يُعْشَرُوا (٣)، وَلَا يُجَبُّوا (٤)، وَلَا يُسْتَعمَلُ عَلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :

стр. 2308

"إِنَّ لَكُمْ أَنْ لَا تُحْشَرُوا، وَلَا تُعْشَرُوا، وَلَا يُسْتَعمَلُ عَلَيْكُمْ غَيْرُكُمْ، وَلَا خَيْرَ فِي دِينٍ لَا رُكُوعَ (١) فِيهِ" (٢). وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنبَّهٍ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا ﵁ عَنْ شَأْنِ ثَقِيفٍ إِذْ بَايَعَتْ؟ قَالَ: اشْتَرَطَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا صَدَقَةَ عَلَيْهَا وَلَا جِهَادَ، وَأَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: "سَيَتَصَدَّقُونَ وَيُجَاهِدُونَ إِذَا أَسْلَمُوا" (٣). ثُمَّ إِنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: نَعَمْ، لَكَ مَا سَأَلْتَ، وَأَسْلَمُوا، وَاشْتَرَطُوا أَنْ يَتَوَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَدْمَ اللَّاتِ، وَأَنْ لَا يَكْسِرُوا أَوْثَانَهُم بِأَيْدِيهِمْ، فَقَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ ذَلِكَ. فَلَمَّا أَسْلَمُوا صَامُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا بَقِيَ مِنْ رَمَضَانَ، وَكَانَ بِلَالٌ

стр. 2309

-﵁، يَأْتِيهِمْ بِفُطُورِهِمْ وَسُحُورِهِمْ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١). * تَأْمِيرُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ﵁ عَلَى ثَقِيفٍ: وَلَمَّا أَرَادَ وَفْدُ ثَقِيفٍ الِانْصِرَافَ إِلَى بِلَادِهِم سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُؤَمِّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْهُمْ يَؤُمّهُم لِلصَّلَاةِ، فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ ﵁ وَكَانَ أصغَرَهم- لِمَا رَأَى مِنْ حِرصِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرآنِ، وَتَعَلُّمِ الدِّينِ، فَكَانَ عُثْمَانُ ﵁ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْهاجِرَةِ (٢) فَيَسْأَله عَنِ الدِّينِ، فَأَسْلَمَ قبلَهم سِرًّا، وَكتَمَهُمْ ذَلِكَ، وَجَعَلَ يَخْتَلِفُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْتَقْرئُهُ الْقُرْآنَ، فَقَرَأَ سُوَرًا مِنْ فِيِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ إِذَا وَجَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَائِمًا عَمَدَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، فَيَسْأَله عَنْ أَمرِ الدِّينِ، وَيَسْتَقْرئُهُ الْقُرْآنَ، وَيَذْهبُ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁، وَيَسْتَقْرئُهُ الْقُرْآنَ، حَتَّى فَقِهَ فِي الدِّينِ وَعَلِمَ، فَأُعْجِبَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَحَبَّهُ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ هَذَا الْغُلَامَ -يَقْصِدُ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ ﵁ مِنْ أَحْرَصِهِمْ عَلَى التَّفَقُّهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَتَعَلُّمِ الْقُرآنِ. رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرطِ مُسْلِمٍ عَنْ عُثْمَانَ

стр. 2310

بْنِ أَبِي الْعَاصِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اجْعَلْنِي إِمَامَ قَوْمِي (١)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنْتَ إِمَامُهُمْ، وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ، وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أذَانِهِ أَجْرًا" (٢). وَرَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أُمَّ قَوْمَكَ"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي شَيْئًا (٣)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ادْنُهُ"، فَجَلَّسَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ فِي صَدْرِي بَيْنَ ثَدَيَيَّ، ثُمَّ قَالَ: "تَحَوَّلْ"، فَوَضَعَها فِي ظَهْرِي بَيْنَ كَتِفَيَّ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُمَّ قَوْمَكَ، فَمَنْ أَمَّ قَوْمًا فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الْكَبِيرَ، وَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ، وَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ، وَإِنَّ فِيهِمْ ذَا الْحَاجَةِ، وَإِذَا صلى أَحَدُكُمْ وَحْدَهُ، فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ" (٤). وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ قَوِي عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ﵁

стр. 2311

قَالَ: إِنَّ آخِرَ كَلَامٍ كَلَّمَنِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إِذِ اسْتَعمَلَنِي عَلَى الطَّائِفِ، فَقَالَ: "خَفِّفِ الصَّلَاةَ عَلَى النَّاسِ" حَتَّى وَقَّتَ لِي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (١)، وَأَشْبَاهها مِنَ الْقُرآنِ (٢). قَالَ الدُّكْتُورُ مُحَمَّدُ أَبُو شَهْبَةَ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى: وَكَانَتْ تِلْكَ حِكْمَةً بَالِغَةً مِنَ الرَّسُولِ ﷺ ، فَإِنَّ قَوْمًا رَغِبُوا (٣) أَنْ يتَحَلَّلُوا مِنَ الصَّلَاةِ يَنْبَغِي أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمْ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى لَا يَسْأَمُوا (٤)، وَلَعَلَّ فِي هَذَا بَلَاغًا لِلَّذِينَ يُنَفِّرُونَ النَّاسَ أَوْ بَعضَهُم بِإِطَالَةِ الصَّلَاةِ (٥). * شَكْوَى عُثْمَانَ ﵁ -: جَاءَ عُثْمَانُ ﵁ يَوْمًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، بَعْدَ أَنِ اسْتعمَلَهُ، يَشْكُو إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي، يُلَبِّسُها عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ذَاكَ شَيْطَان يُقَالُ لَهُ خِنْزَبُ (٦)، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْهُ، وَاتْفُلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا".

стр. 2312

قَالَ عُثْمَانُ ﵁: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهبَهُ اللَّهُ عَنِّي (١). وَرَوَى ابْنُ مَاجَه فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ﵁ قَالَ: لَمَّا اسْتعمَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الطَّائِفِ، جَعَلَ يعرِضُ لِي شَيْءٌ فِي صَلَاتِي، حَتَّى مَا أَدرِي مَا أُصَلِّي، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ، رَحَلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "ابْنَ أَبِي الْعَاصِ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "مَا جَاءَ بِكَ؟ ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! عَرَضَ لِي شَيْءٌ فِي صَلَاتِي حَتَّى مَا أَدْرِي مَا أُصَلَي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ذَاكَ الشَّيْطَانُ، ادْنُهْ". قَالَ: فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَجَلَسْتُ عَلَى صُدُورِ قَدَمِي. قَالَ: فَضَرَبَ صَدْرِي بِيَدِهِ، وَتَفَلَ فِي فَمِي، وَقَالَ: "اخْرُجْ عَدُوَّ اللَّهِ"، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ لِي: "الْحَقْ بِعَمَلِكَ". قَالَ عُثْمَانُ ﵁: فَلَعَمْرِي مَا أَحسَبُهُ خَالَطَنِي بَعدُ (٢).

стр. 2313

* شَكْوَى ثَانِيَةٌ لِعُثْمَانَ ﵁ -: شَكَا عُثْمَانُ ﵁ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ضَع يَدَكَ عَلَى الذِي تَأَلَّمُ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ، ثَلَاثًا، وَقُلْ: سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ وَقُدْرَتهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ" (١). * رَجُلٌ عُصِمَ مِنَ الْقَتْلِ: رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدَيْهِمَا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَوْسِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ، فكنَّا فِي قبةٍ، فَقَامَ مَنْ كَانَ فِيهَا غَيْرِي وَغَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَ رَجُل فَسَارَّهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اذهبْ فَاقْتُلْهُ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَليْسَ يَشْهدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ ". قَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّهُ يَقُولُها تَعَوُّذًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رُدَّهُ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا حَرُمَتْ عَلَيَّ دِمَاؤُهُم وَأَموَالُهم إِلَّا بِحَقِّها" (٢).

стр. 2314

* إِسْلَامُ ثَقِيفٍ: ثُمَّ انْصَرَفَ الْوَفْدُ إِلَى بِلَادِهِم، بَعْدَ أَنْ أَقَامُوا نِصْفَ شَهْرٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ أَكْرَمَهُمْ وَحبَاهُمْ، فَلَمَّا أَتَوُا الطَّائِفَ وَجَاءَتْهُمْ ثَقِيفٌ كتَمُوهُمُ الْحَقِيقَةَ، وَأَظْهرُوا الْحُزْنَ وَالْكَآبَةَ، وَخَوَّفُوهُم بِالْحَرْبِ وَالْقِتَالِ، وَقَالُوا لَهُمْ: أتَيْنَا رَجُلًا فَظًّا غَلِيظًا قَدْ ظَهرَ بِالسَّيْفِ وَدَانَ (١) لَهُ النَّاسُ، فَعَرَضَ عَلَيْنَا أُمُورًا شِدَادًا أَبَيْنَاهَا عَلَيْهِ، سَأَلنَا أَنْ نَهْدِمَ اللَّاتَ، وَنُبْطِلَ أَموَالَنَا فِي الرِّبَا، وَنُحَرِّمَ الْخَمْرَ وَالزِّنَى، فَأَخَذَتْ ثَقِيفٌ نَخْوَةَ الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَا نَقْبَلُ هَذَا أَبَدًا، فَقَالُوا لَهُمْ: أَصْلِحُوا السِّلَاحَ وَتَهيَّؤوا لِلْقِتَالِ. فَمَكَثَتْ ثَقِيفٌ كَذَلِكَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، ثُمَّ أَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فَقَالُوا لِلْوَفْدِ: وَاللَّهِ مَا لَنَا بِهِ مِنْ طَاقَةٍ، وَقَدْ أَدَاخَ الْعَرَبَ كُلَّها، فَارْجِعُوا إِلَيْهِ، وَأَعْطُوهُ مَا سَأَلَ وَصَالِحُوهُ عَلَيْهِ. فَعِنْدَ ذَلِكَ أَبْدَى الْوَفْدُ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ، وَقَالُوا لَهُمْ: قَدْ قَاضَيْنَاهُ وَأَسْلَمْنَا، وَوَجَدنَاهُ أَتْقَى النَّاسِ وَأَوْفَاهُم، وَأَرحَمَهُم، وَأَصْدَقَهُمْ، وَقَدْ بُورِكَ لَنَا وَلَكُمْ فِي مَسِيرِنَا إِلَيْهِ، وفيمَا قَاضَيْنَاهُ عَلَيْهِ. فَقَالَتْ ثَقِيفٌ: لِمَ كتَمْتُمُونَا هَذَا الْحَدِيثَ، وَغَمَمْتُمُونَا أَشَدَّ الْغَمِّ؟ . فَقَالُوا: أَرَدْنَا أَنْ يَنْزِعَ اللَّهُ مِنْ قُلُوبِكُمْ نَخْوَةَ الشَّيْطَانِ، فَأَسْلَمُوا (٢).

стр. 2315

* اسْتِجَابَةُ دُعَاءِ الرَّسُولِ ﷺ -: وَهكَذَا اسْتَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى دُعَاءَ الرَّسُولِ ﷺ بِإِسْلَامِ ثَقِيفٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرطِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِر ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا" (١). * هَدْمُ اللَّاتِ: مَكَثَتْ ثَقِيفٌ أَيَّامًا، ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهِمْ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَدْ أَمَّرَ عَلَيْهِمْ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ﵁؛ لِهدمِ الطَّاغِيَةِ اللَّاتِ -وَكَانَتْ فِي بَيْتٍ-، فَلَمَّا عَمَدُوا إِلَى اللَّاتِ لِيَهْدِمُوهَا، وَاسْتَكَفَّتْ (٢) ثَقِيفٌ كُلُّها، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، يَنْظُرُونَ إِلَيْهِم، وَلَا يَرَوْنُ أَنَّهَا سَتُهْدَمُ، وَيَظُنُّونَ أَنَّهَا سَتَمنَعُهُمْ، فَقَامَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ﵁، وَكَانَ مَعَ خَالِدٍ ﵁، فَأَخَذَ الفأْسَ، وَقَالَ لِأصحَابِهِ: وَاللَّهِ لَأُضْحِكَنَّكُمْ مِنْ ثَقِيفٍ، فَضَرَبَ بِالفأْسِ، ثُمَّ سَقَطَ يَرْكُضُ، فَارْتَجَّ أَهْلُ الطَّائِفِ بِصَيْحَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَالُوا: أَبْعَدَ اللَّهُ الْمُغِيرَةَ قَدْ قَتَلَتْهُ الرَّبَّةُ (٣)، وَفَرِحُوا حِينَ رَأَوْهُ سَاقِطًا، وَقَالُوا: مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فَلْيَقْتَرِبْ وَلْيَجْتَهِد عَلَى هَدْمِهَا، فَوَاللَّهِ لَا تُسْتَطَاعُ أَبَدًا، فَوَثَبَ الْمُغِيرَةُ ﵁ وَقَالَ: قَبَّحَكُمُ اللَّهُ يَا مَعْشَرَ ثَقِيفٍ إِنَّمَا هِيَ
следующие страницы →