← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

قَالَ: إِنَّ آخِرَ كَلَامٍ كَلَّمَنِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إِذِ اسْتَعمَلَنِي عَلَى الطَّائِفِ، فَقَالَ: "خَفِّفِ الصَّلَاةَ عَلَى النَّاسِ" حَتَّى وَقَّتَ لِي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (١)، وَأَشْبَاهها مِنَ الْقُرآنِ (٢). قَالَ الدُّكْتُورُ مُحَمَّدُ أَبُو شَهْبَةَ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى: وَكَانَتْ تِلْكَ حِكْمَةً بَالِغَةً مِنَ الرَّسُولِ ﷺ ، فَإِنَّ قَوْمًا رَغِبُوا (٣) أَنْ يتَحَلَّلُوا مِنَ الصَّلَاةِ يَنْبَغِي أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمْ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى لَا يَسْأَمُوا (٤)، وَلَعَلَّ فِي هَذَا بَلَاغًا لِلَّذِينَ يُنَفِّرُونَ النَّاسَ أَوْ بَعضَهُم بِإِطَالَةِ الصَّلَاةِ (٥). * شَكْوَى عُثْمَانَ ﵁ -: جَاءَ عُثْمَانُ ﵁ يَوْمًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، بَعْدَ أَنِ اسْتعمَلَهُ، يَشْكُو إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي، يُلَبِّسُها عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ذَاكَ شَيْطَان يُقَالُ لَهُ خِنْزَبُ (٦)، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْهُ، وَاتْفُلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا".

стр. 2312

قَالَ عُثْمَانُ ﵁: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهبَهُ اللَّهُ عَنِّي (١). وَرَوَى ابْنُ مَاجَه فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ﵁ قَالَ: لَمَّا اسْتعمَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الطَّائِفِ، جَعَلَ يعرِضُ لِي شَيْءٌ فِي صَلَاتِي، حَتَّى مَا أَدرِي مَا أُصَلِّي، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ، رَحَلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "ابْنَ أَبِي الْعَاصِ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "مَا جَاءَ بِكَ؟ ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! عَرَضَ لِي شَيْءٌ فِي صَلَاتِي حَتَّى مَا أَدْرِي مَا أُصَلَي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ذَاكَ الشَّيْطَانُ، ادْنُهْ". قَالَ: فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَجَلَسْتُ عَلَى صُدُورِ قَدَمِي. قَالَ: فَضَرَبَ صَدْرِي بِيَدِهِ، وَتَفَلَ فِي فَمِي، وَقَالَ: "اخْرُجْ عَدُوَّ اللَّهِ"، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ لِي: "الْحَقْ بِعَمَلِكَ". قَالَ عُثْمَانُ ﵁: فَلَعَمْرِي مَا أَحسَبُهُ خَالَطَنِي بَعدُ (٢).

стр. 2313

* شَكْوَى ثَانِيَةٌ لِعُثْمَانَ ﵁ -: شَكَا عُثْمَانُ ﵁ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ضَع يَدَكَ عَلَى الذِي تَأَلَّمُ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ، ثَلَاثًا، وَقُلْ: سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ وَقُدْرَتهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ" (١). * رَجُلٌ عُصِمَ مِنَ الْقَتْلِ: رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدَيْهِمَا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَوْسِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ، فكنَّا فِي قبةٍ، فَقَامَ مَنْ كَانَ فِيهَا غَيْرِي وَغَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَ رَجُل فَسَارَّهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اذهبْ فَاقْتُلْهُ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَليْسَ يَشْهدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ ". قَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّهُ يَقُولُها تَعَوُّذًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رُدَّهُ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا حَرُمَتْ عَلَيَّ دِمَاؤُهُم وَأَموَالُهم إِلَّا بِحَقِّها" (٢).

стр. 2314

* إِسْلَامُ ثَقِيفٍ: ثُمَّ انْصَرَفَ الْوَفْدُ إِلَى بِلَادِهِم، بَعْدَ أَنْ أَقَامُوا نِصْفَ شَهْرٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ أَكْرَمَهُمْ وَحبَاهُمْ، فَلَمَّا أَتَوُا الطَّائِفَ وَجَاءَتْهُمْ ثَقِيفٌ كتَمُوهُمُ الْحَقِيقَةَ، وَأَظْهرُوا الْحُزْنَ وَالْكَآبَةَ، وَخَوَّفُوهُم بِالْحَرْبِ وَالْقِتَالِ، وَقَالُوا لَهُمْ: أتَيْنَا رَجُلًا فَظًّا غَلِيظًا قَدْ ظَهرَ بِالسَّيْفِ وَدَانَ (١) لَهُ النَّاسُ، فَعَرَضَ عَلَيْنَا أُمُورًا شِدَادًا أَبَيْنَاهَا عَلَيْهِ، سَأَلنَا أَنْ نَهْدِمَ اللَّاتَ، وَنُبْطِلَ أَموَالَنَا فِي الرِّبَا، وَنُحَرِّمَ الْخَمْرَ وَالزِّنَى، فَأَخَذَتْ ثَقِيفٌ نَخْوَةَ الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَا نَقْبَلُ هَذَا أَبَدًا، فَقَالُوا لَهُمْ: أَصْلِحُوا السِّلَاحَ وَتَهيَّؤوا لِلْقِتَالِ. فَمَكَثَتْ ثَقِيفٌ كَذَلِكَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، ثُمَّ أَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فَقَالُوا لِلْوَفْدِ: وَاللَّهِ مَا لَنَا بِهِ مِنْ طَاقَةٍ، وَقَدْ أَدَاخَ الْعَرَبَ كُلَّها، فَارْجِعُوا إِلَيْهِ، وَأَعْطُوهُ مَا سَأَلَ وَصَالِحُوهُ عَلَيْهِ. فَعِنْدَ ذَلِكَ أَبْدَى الْوَفْدُ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ، وَقَالُوا لَهُمْ: قَدْ قَاضَيْنَاهُ وَأَسْلَمْنَا، وَوَجَدنَاهُ أَتْقَى النَّاسِ وَأَوْفَاهُم، وَأَرحَمَهُم، وَأَصْدَقَهُمْ، وَقَدْ بُورِكَ لَنَا وَلَكُمْ فِي مَسِيرِنَا إِلَيْهِ، وفيمَا قَاضَيْنَاهُ عَلَيْهِ. فَقَالَتْ ثَقِيفٌ: لِمَ كتَمْتُمُونَا هَذَا الْحَدِيثَ، وَغَمَمْتُمُونَا أَشَدَّ الْغَمِّ؟ . فَقَالُوا: أَرَدْنَا أَنْ يَنْزِعَ اللَّهُ مِنْ قُلُوبِكُمْ نَخْوَةَ الشَّيْطَانِ، فَأَسْلَمُوا (٢).

стр. 2315

* اسْتِجَابَةُ دُعَاءِ الرَّسُولِ ﷺ -: وَهكَذَا اسْتَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى دُعَاءَ الرَّسُولِ ﷺ بِإِسْلَامِ ثَقِيفٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرطِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِر ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا" (١). * هَدْمُ اللَّاتِ: مَكَثَتْ ثَقِيفٌ أَيَّامًا، ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهِمْ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَدْ أَمَّرَ عَلَيْهِمْ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ﵁؛ لِهدمِ الطَّاغِيَةِ اللَّاتِ -وَكَانَتْ فِي بَيْتٍ-، فَلَمَّا عَمَدُوا إِلَى اللَّاتِ لِيَهْدِمُوهَا، وَاسْتَكَفَّتْ (٢) ثَقِيفٌ كُلُّها، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، يَنْظُرُونَ إِلَيْهِم، وَلَا يَرَوْنُ أَنَّهَا سَتُهْدَمُ، وَيَظُنُّونَ أَنَّهَا سَتَمنَعُهُمْ، فَقَامَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ﵁، وَكَانَ مَعَ خَالِدٍ ﵁، فَأَخَذَ الفأْسَ، وَقَالَ لِأصحَابِهِ: وَاللَّهِ لَأُضْحِكَنَّكُمْ مِنْ ثَقِيفٍ، فَضَرَبَ بِالفأْسِ، ثُمَّ سَقَطَ يَرْكُضُ، فَارْتَجَّ أَهْلُ الطَّائِفِ بِصَيْحَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَالُوا: أَبْعَدَ اللَّهُ الْمُغِيرَةَ قَدْ قَتَلَتْهُ الرَّبَّةُ (٣)، وَفَرِحُوا حِينَ رَأَوْهُ سَاقِطًا، وَقَالُوا: مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فَلْيَقْتَرِبْ وَلْيَجْتَهِد عَلَى هَدْمِهَا، فَوَاللَّهِ لَا تُسْتَطَاعُ أَبَدًا، فَوَثَبَ الْمُغِيرَةُ ﵁ وَقَالَ: قَبَّحَكُمُ اللَّهُ يَا مَعْشَرَ ثَقِيفٍ إِنَّمَا هِيَ

стр. 2316

لُكَاعُ (١) حِجَارَةٍ وَمَدَرٍ (٢)، فَاقْبَلُوا عَافِيَةَ اللَّهِ وَاعْبُدُوهُ، ثُمَّ ضَرَبَ الْبَابَ فَكَسَرَهُ، ثُمَّ عَلَا سُورَهَا وَعَلَا الرِّجَالُ مَعَهُ، فَمَا زَالُوا يَهْدِمُونَها حَجَرًا حَجَرًا حَتَّى سَوَّوْها بِالْأَرْضِ، وَجَعَلَ صَاحِبُ الْمِفْتَاحِ يَقُولُ: لَيُغْضَيَنَّ (٣) الْأَسَاسُ فَلَيُخْسَفَنَّ بِهِمْ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ الْمُغِيرَةُ ﵁، قَالَ لِخَالِدٍ: دَعنِي أَخفِرُ أَسَاسَهَا، فَحَفَرَهُ حَتَّى أَخْرَجُوا تُرَابَها، وَانْتَزَعُوا حُلِيَّها، وَأَخَذُوا ثِيَابَهَا، فَبُهِتَتْ ثَقِيفٌ، وَرَجَعَ أَصْحَابُ الرَّسُولِ ﷺ قَدِمُوا عَلَيْهِ بِحُلِيِّهَا وَكِسْوَتِها، فَقَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ يَوْمِهِ، وَحَمَدُوا اللَّه ، عَلَى نُصْرَةِ نَبِيِّهِ ﷺ وَإِعْزَازِ دِينِهِ (٤). * * *

стр. 2317

٢ - وَفْدُ الدَّاوِيِّينَ قَدِمَ وَفْدُ الدَّارِيِّينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُنْصَرَفَهُ مِنْ تَبُوكَ، وَكَانُوا عَشَرَةَ نَفَرٍ، فِيهِمْ: تَمِيمُ بْنُ أَوْسٍ الدَّارِيُّ، وَأَخُوهُ نُعَيْمٌ، وَكَانُوا عَلَى دِينِ النَّصرَانِيَّةِ، فَأَسْلَمُوا وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ. * رِوَايَةُ حَدِيثِ الْجسَّاسَةِ (١) وَالدَّجَالِ (٢): وَمِنْ فَضَائِلِ تَمِيمٍ ﵁ أَنَّهُ ذَكَرَ لِلرَّسُولِ ﷺ قِصَّةَ الْجَسَّاسَةِ وَالدَّجَّالِ، وَحَدَّثَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ بِذَلِكَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ﵂ قَالَتْ: . . . سَمِعْتُ نِدَاءَ الْمُنَادِي، مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يُنَادِي: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَخَرَجْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَصَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فكُنْتُ فِي صَفِّ النِّسَاءِ التِي تَلِي ظُهُورَ القوْمِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَهُ، جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ: "لِيَلْزَم كُلُّ إِنْسَانٍ مُصَلَّاهُ"، ثُمَّ قَالَ: "أَتَدْرُونَ لِمَ جَمَعتُكُم؟ "، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ.

стр. 2318

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي، وَاللَّهِ مَا جَمَعتُكُمْ لِرَغْبَةٍ وَلَا لِرَهْبَةٍ، وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ؛ لِأَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ، كَانَ رَجُلًا نَصْرَانِيًا، فَجَاءَ فَبَايَعَ وَأَسْلَمَ، وَحَدَّثَنِي حَدِيثًا وَافَقَ الذِي كنْتُ أُحَدِّثُكُم عَنْ مَسِيحِ الدَّجَّالِ، حَدَّثَنِي: أنَّهُ رَكِبَ فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ، مَعَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ لَخْمٍ وَجُذَامٍ، فَلَعِبَ بِهِمُ الْمَوْجُ شَهْرًا فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ أَرْفَؤُوا (١) إِلَى جَزِيرة فِي الْبحرِ حَتَّى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، فَجَلَسُوا فِي أَقْرُبِ (٢) السَّفِينَةِ، فَدَخَلُوا الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيتُهُمْ دَابَّة أَهْلَبُ (٣) كَثِيرُ الشَّعْرِ، لَا يَدْرُونَ مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ، مِنْ كَثْرَةِ الشَّعْرِ، فَقَالُوا: وَيْلَكِ! مَا أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ، قَالُوا: وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟ قَالَتْ: أَيُّها الْقَوْمُ! انْطَلِقُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ (٤)، فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالْأَشْوَاقِ، قَالَ: لَمَّا سَمَّتْ لَنَا رَجُلًا فَرِقْنَا (٥) مِنْهَا أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا سِرَاعًا، حَتَّى دَخَلْنَا الدَّيْرَ، فَإِذَا فِيهِ أَعظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقًا،

стр. 2319

وَأَشَدُّهُ وِثَاقًا، مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ، مَا بَيْنَ رُكبَتَيْهِ إِلَى كَعْبَيْهِ، بِالْحَدِيدِ، قُلْنَا: وَيْلَكَ! مَا أَنْتَ؟ . قَالَ: قَدْ قَدِرْتُمْ عَلَى خَبَرِي، فَأَخْبِرُونِي مَا أَنْتُمْ؟ . قَالُوا: نَحْنُ أُناسٌ مِنَ الْعَرَبِ، رَكبْنَا فِي سَفِينَةٍ بَحرِيةٍ، فَصَادَفَنَا الْبَحْرُ حَتَّى اغْتَلَمَ (١)، فَلَعِبَ بِنَا الْمَوْجُ شَهْرًا، ثُمَّ أَرْفَأَنَا إِلَى جَزِيرَتِكَ هَذِهِ، فَجَلَسْنَا فِي أَقْرُبِهَا، فَدَخَلْنَا الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتْنَا دَابَّةٌ أَهْلَبُ كثِيرُ الشَّعْرِ، لَا يُدْرَى مَا قُبُلُهُ مِنْ دبرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعْرِ، فَقُلْنَا: وَيْلَكِ! مَا أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ، قُلْنَا: وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟ قَالَتْ: اعمِدُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ، فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالْأَشْوَاقِ، فَأَقْبَلْنَا إِلَيْكَ سِرَاعًا، وَفَزِعْنَا مِنْهَا، وَلَمْ نَأْمَنْ أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً. فَقَالَ: أَخْبِرُوني عَنْ نَخْلِ بَيْسَانَ (٢)، قُلْنَا: عَنْ أَيِّ شَأْنِها تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: أَسْالكُم عَنْ نَخْلِها، هَلْ يُثْمِر؟ قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ لَا تُثْمِرَ، قَالَ: أَخْبِرُوني عَنْ بُحَيْرَةِ

стр. 2320

الطبرِيَّةِ (١)، قُلْنَا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: هَلْ فِيهَا مَاءٌ؟ قُلْنَا: هِيَ كثِيرَةُ الْمَاءِ. قَالَ: أَمَا إِنَّ مَاءَها يُوشِكُ أَنْ يَذْهَبَ، قَالَ: أَخْبِرُوني عَنْ عَيْنِ زُغَرَ (٢)، قُلْنَا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: هَلْ فِي الْعَيْنِ مَاءٌ؟ وَهلْ يَزْرَعُ أَهْلُها بِمَاءِ الْعَيْنِ؟ قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ، هِيَ كثِيرَةُ الْمَاءِ، وَأَهْلُهَا يَزْرَعُونَ مِنْ مَائِهَا. قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ نَبِيِّ الْأُمِّيِّينَ مَا فَعَلَ؟ قُلْنَا: قَدْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَنَزَلَ يَثْرِبَ. قَالَ: أَقَاتَلَهُ الْعَرَبُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: كَيْفَ صَنَعَ بِهِمْ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ أنَّهُ قَدْ ظَهرَ عَلَى مَنْ يَلِيهِ مِنَ الْعَرَبِ وَأَطَاعُوهُ. فَقَالَ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ؟

стр. 2321

قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: أَمَا إِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَإِنِّي مُخْبِرُكُم عَنِّي، إِنِّي أنَّا الْمَسِيحُ (١)، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لِي فِي الْخُرُوج، فَأَخْرُجُ فَأَسِيرُ فِي الْأَرْضِ فَلَا أَدَعُ قريَةً إِلَّا هبَطْتُها فِي أَربَعِينَ لَيْلَةً، غَيْرَ مَكَّةَ وَطَيْبَةَ، فَهُمَا مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ، كِلْتَاهُمَا، كُلَّمَا أَردتُ أَنْ أَدخُلَ وَاحِدَةً، أَوْ وَاحِدًا مِنْهُمَا، اسْتَقْبَلَنِي مَلَكٌ بِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتًا (٢)، يَصُدُّنِي عَنْهَا، وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ (٣) مِنْهَا مَلَائِكَةً يَحْرُسُونَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَطَعَنَ بِمِخْصَرَتِهِ (٤) فِي الْمِنْبَرِ: "هَذِهِ طَيْبَةٌ، هَذِهِ طَيْبَةٌ، هَذِهِ طَيْبَةٌ" يَعنِي الْمَدِينَةَ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ طَيْبَةً الْمَدِينَةُ، إِنَّ اللَّه حَرَّمَ حَرَمِي عَلَى الدَّجَّالِ أَنْ يَدخُلها"، ثُمَّ حَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَالذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، مَا لَهَا طَرِيقٌ ضَيِّقٌ، وَلَا وَاسعٌ، فِي سَهْلٍ، وَلَا فِي جَبَلٍ، إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكٌ شَاهِرٌ بِالسَّيْفِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، مَا يَسْتَطِيعُ الدَّجَّالُ أَنْ يَدْخُلَها عَلَى أَهْلِهَا".

стр. 2322

ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلَا هَلْ كُنْتُ حَدَّثْتُكُمْ ذَلِكَ؟ ". فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَإِنَّهُ أعجَبَنِي حَدِيثُ تَمِيمٍ أَنَّهُ وَافَقَ الذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْهُ وَعَنِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ، أَلَا إِنَّهُ فِي بَحْرِ الشَّامِ أَوْ بَحْرِ الْيَمَنِ، لَا بَلْ مِنْ قبلٍ الْمَشْرِقِ، مَا هُوَ؟ مِنْ قبل الْمَشْرِقِ، مَا هُوَ؟ مِنْ قِبلِ الْمَشْرِقِ، مَا هُوَ؟ "، وَأَوْمَأَ بِيَدهِ إِلَى الْمَشْرِقِ (١). * تَبْشِيرُ الْمُسْلِمِينَ بِانْتِشَارِ الإِسْلَامِ: وَرَوَى كَذَلِكَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ ﵁ حَدِيثًا عَنِ الرَّسُولِ ﷺ فِيهِ تَبْشِيرٌ كَبِيرٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِأَنَّ اللَّه تَعَالَى سَيَنْصُرُ دِينَهُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ (٢) مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ". وَكَانَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ ﵁ يَقُولُ: قَدْ عَرَفْتُ ذَلِكَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، لَقَدْ أَصَابَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمُ الْخَيْرُ، وَالشَّرَفُ، وَالْعِزُّ، وَلَقَدْ أَصَابَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ

стр. 2323

كَافِرًا الذُّلُّ وَالصَّغَارُ وَالْجِزْيَةُ (١). * شَيْءٌ مِنْ فَضَائِلِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ﵁ -: قَالَ الْإِمَامُ الذَّهبِيُّ فِي السِّيَرِ: تَمِيمٌ الدَّارِيُّ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ، أَبُو رُقَيَّةَ، اللَّخْمِيُّ، الْفِلَسْطِينيُّ، وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَنَةَ تِسْعٍ، فَأَسْلَمَ، وَكَانَ عَابِدًا، تَلَّاءً لِكِتَابِ اللَّهِ (٢). رَوَى ابْنُ سعد فِي طَبَقَاتِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي الْمُهلَّبِ، قَالَ: كَانَ تَمِيمٌ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي سَبْعٍ (٣). وَرَوَى الْبَغَوِيُّ فِي الْجَعدِيَّاتِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مَسْرُوق قَالَ: قَالَ لِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: هَذَا مَقَامُ أَخِيكَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، صَلَّى لَيْلَةً حَتَّى أَصبَحَ أَوْ يَقْرَأُ آيَةً يُرَدِّدُهَا، وَيَبْكِي، وَهِيَ قَوْلُه تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٤). * * *

стр. 2324

٣ - وَفْدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفْدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعصَعَةَ، فِيهِمْ: عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ (١)، وَأَرْبَدُ بْنُ قَيْسٍ، وَكَانَا رُؤَسَاءَ الْقَوْمِ وَمِنْ شَيَاطِينِهِمْ، وَلَا يُرِيدانِ الْإِسْلَامَ، لَكِنْ بِسَبَبِ ضَغْطِ قَوْمِهِمَا عَلَيْهِمَا، وَلِأَنَّ كُلَّ النَّاسِ أَسْلَمُوا، فَوَافَقَا عَلَى الذَّهابِ إِلَى الْمَدِينَةِ لِمُلَاقَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلأَنَّهُمَا لَا يُرِيدانِ الْإِسْلَامَ اتَّفَقَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وَأَرْبَدُ بْنُ قَيْسٍ عَلَى اغْتِيَالِ الرَّسُولِ ﷺ . فَقَالَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ لِأَرْبَدَ بْنِ قَيْسٍ: إِذَا قَدِمْنَا عَلَى الرَّجُلِ فَإِنِّي سَأَشْغَلُ عَنْكَ وَجههُ، فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَاقْتُلْهُ بِالسَّيْفِ. فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا مُحَمَّدٌ خَالِّنِي (٢)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا وَاللَّهِ حَتَّى تُؤْمنَ بِاللَّهِ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ"، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدٌ خَالِّنِي، وَجَعَلَ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَيَنْتَظِرُ مِنْ أَرْبَدَ بْنِ قَيْسٍ مَا كَانَ أَمَرَهُ بِهِ، وَهُوَ ضَرْبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالسَّيْفِ لِيَقْتُلَهُ، فَجَعَلَ أَرْبَدُ لَا يَفْعَلُ، فَلَمَّا رَأَى عَامِرٌ مَا يَصْنَعُ أَرْبَدُ، قَالَ: يَا مُحَمَّدٌ مَا تَجْعَلُ لِي إِنْ أَسْلَمتُ؟

стр. 2325

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَكَ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْكَ مَا عَلَيْهِمْ". فَقَالَ: أَتجْعَلُ لِيَ الْأَمرَ مِنْ بَعدِكَ إِنْ أَسْلَمتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ، وَلَا لِقَوْمِكَ". فَقَالَ عَامِرٌ: أَتَجْعَلُ لِيَ الْوَبَرَ (١)، وَلَكَ الْمَدَرَ (٢)؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا". فَقَامَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَأَملَأَنَّهَا عَلَيْكَ خَيْلًا وَرِجَالًا، فَلَمَّا وَلَّى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ اكْفِنِي عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ، وَاهْدِ بَنِي عَامِرٍ، وَأَغْنِ الْإِسْلَامَ عَنْ عَامِرٍ" (٣). وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: أَنَّ عَامِرًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أُخَيِّرُكَ بَيْنَ خِصَالٍ ثَلَاثٍ: يَكُونُ لَكَ السَّهْلُ وَلِي أَهْلُ الْمَدَرِ، أَوْ أَكُونُ خَلِيفَتَكَ، أَوْ أَغْزُوكَ بِأَهْلِ غَطَفَانَ بِأَلْفٍ وَأَلْفٍ (٤).

стр. 2326

فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ عَامِر لِأَرْبَدَ: وَيْلَكَ يَا أَرْبَدُ أَيْنَ مَا كُنْتُ أَمَرتُكَ بِهِ؟ وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ رَجُلٌ هُوَ أَخْوَفَ عِنْدِي عَلَى نَفْسِي مِنْكَ، وَايْمُ اللَّهِ لَا أَخَافُكَ بَعْدَ الْيَوْمِ أَبَدًا، فَقَالَ أَرْبَدُ: لَا تَعجَلْ عَلَيَّ، وَاللَّهِ مَا هَمَمْتُ بِالذِي أَمَرتَنِي بِهِ مِنْ أَمرِهِ إِلَّا دَخَلْتَ بَيْني وَبَيْنَ الرَّجُلِ، حَتَّى مَا أَرَى غَيْرَكَ، أَفَأَضْرِبُكَ بِالسَّيْفِ؟ فَتَعَجَّبَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ مِنْ ذَلِكَ. * هَلَاكُ عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ وَأَرْبَدَ بْنِ قَيْسٍ قبَّحَهُمَا اللَّهُ: ثُمَّ رَجَعَ وَفْدُ بَنِي عَامِرِ بنِ صَعْصَعَةَ إِلَى بِلَادِهم، حَتَّى إِذَا كَانَا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ بَعَثَ اللَّه عَلَى عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ الطَّاعُونَ فِي عُنقِهِ، فَأَوَى إِلَى بَيْتِ امرَأَةٍ مِنْ بَنِي سَلُولٍ، وَكَانُوا مَوْصُوفِينَ بِاللُّؤْمِ، فَصَارَ يَتَأَسَّفُ عَلَى مَجِيءِ الْمَوْتِ له فِي بَيْتِهَا، وَيَقُولُ: يَا بَنِي عَامِرٍ أَغُدَّةً كَغُدَّةِ الْبَعِيرِ، وَمَوْتًا فِي بَيْتِ امرَأَةٍ مِنْ بَنِي سَلُولٍ؟ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى مَاتَ فِي بَيْتها لَعَنَهُ اللَّهُ. وَأَمَّا أَرْبَدُ بْنُ قَيْسٍ فَإِنَّهُ لَمَّا قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ سَأَلُوهُ: مَا وَرَاءَكَ يَا أَرْبَدُ؟ قَالَ: لَا شَيْءَ، وَاللَّهِ لقد دَعَانَا مُحَمَّد إِلَى عِبَادَةِ شَيْءٍ لَوَدِدتُ أَنَّهُ عِنْدِي الآنَ، فَأرْمِيهِ بِالنَّبْلِ حَتَّى أَقْتُلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ مَقَالَتِهِ هَذِهِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ مَعَهُ جَمَلُهُ يَتْبَعُهُ، فَأَرْسَلَ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى جَمَلِهِ صَاعِقَةً فَأَحْرَقَتْهُمَا، وَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى فِي عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ وَأَرْبَدَ بْنِ قَيس، قَوْلُه تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ

стр. 2327

كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (١). * إِرسَالُ بَنِي عَامِرٍ وَفْدًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِسْلَامُهُمْ: فَلَمَّا رَأَى بَنُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ مَا حَلَّ بِعَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ، وَأَرْبَدَ بْنِ قَيْسٍ أَرسَلُوا وَفْدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَعْلَنُوا إِسْلَامَهُم، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرطِ مُسْلِمٍ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ وَفَدَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي رَهْطٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، قَالَ:

стр. 2328

فَأَتَيْنَاهُ، فَسَلَّمنَا عَلَيْهِ، فَقُلْنَا: أَنْتَ وَليُّنَا، وَأَنْتَ سَيِّدُنَا، وَأَنْتَ أَطْوَلُ عَلَيْنَا، وَأَنْتَ أَفْضَلُنَا عَلَيْنَا فَضْلًا، وَأَنْتَ الْجَفْنَةُ الْغَرَّاءُ (١). فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قُولُوا قَوْلَكُمْ، وَلَا يَسْتَجِرَنَّكُمُ (٢) الشَّيْطَانُ" (٣). قَالَ ابْنُ الْأَثِيرُ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ: وَمَعنَى الْحَدِيثِ: يَقُولُ: تَكَلَّمُوا بِمَا يَحْضُرُكُم مِنَ الْقَوْلِ، وَلَا تَسْجَعُوا، كَأَنَّمَا تَنْطِقُونَ عَلَى لِسَانِ الشَّيْطَانِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا مَدَحُوهُ، فَكَرِهَ لَهُمُ الْمبالَغَةَ فِي الْمدحِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ (٤). قُلْتُ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دِلَالَةٌ وَاضِحَةٌ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى عَدَمِ الْمبالَغَةِ وَمُجَاوَزَةِ الْحَدِّ فِي مَدحِهِ ﷺ ، وَهُوَ الْإِطْرَاءُ الذِي نَهى عَنْهُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَالْإِمَامِ أَخمَدَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَريَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُوله" (٥).

стр. 2329

٤ - وَفْدُ بَنِي حَنِيفَةَ وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَنَةِ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ وَفْدٌ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، وَكَانُوا يَسْكُنُونَ الْيَمَامَةَ (١). وَكَانَ الْوَفْدُ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فِيهِمْ: رَجَّالُ (٢) بْنُ عُنْفُوَةَ، وَمُجَّاعَةُ بْنُ مُرَارَةَ، وَكَانَ مَعَهم مُسَيْلِمَةُ بْنُ حَبِيبٍ الْكَذَّابُ. فَأَنْزَلَهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَارَ رَفلَةَ بْنِتِ الْحَارِثِ -وَكَانَتْ دَارُهَا دَارَ الْوُفُودِ- وَأُجْرِيتْ عَلِيْهم ضِيَافَةٌ، ثُمَّ جَاؤُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ فَأَسْلَمُوا وَبَايَعُوا، إِلَّا مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابُ. رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: إِنْ جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ الْأَمرَ مِنْ بَعدِهِ تَبعتُهُ، وَقَدِمَها فِي بَشَرٍ كَثِيرٍ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَمَعَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ ﵁، وَفِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِطْعَةُ جَرِيدٍ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى مُسَيْلِمَةَ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالَ لَهُ: "لَوْ سَأَلْتَنِي هَذِهِ

стр. 2330

الْقِطْعَةَ مَا أَعْطَيْتُكَهَا، وَلَنْ تَعْدُوَ أَمرَ اللَّهِ فِيكَ، وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ، لَيَعقِرَنَّكَ (١) اللَّهُ، وَإِنِّي لَأَرَاكَ الذِي أُرِيتُ فِيهِ مَا رَأَيْتُ، وَهذَا ثَابِتٌ يُجِيبُكَ عَنِّي" (٢)، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: فَسَأَلْتُ عَنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّكَ أَرَى الذِي أُرِيتُ فِيهِ مَا أُرِيتُ"، فَأَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "بَيْنَا أنَّا نَائِم رَأَيْتُ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهبٍ، فَأَهمَّنِي شَأْنُهُمَا، فَأوحِيَ إِلَيَّ فِي الْمَنَامِ: أَنِ انْفُخْهُمَا، فنفَخْتُهُمَا، فَطَارَا، فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ بَعدِي أَحَدُهُمَا الْعَنْسِيُّ (٣) صَاحِبُ صَنْعَاءَ، وَالآخَرُ مُسَيْلِمَةُ صَاحِبُ الْيَمَامَةِ" (٤). * خَبَرٌ شَاذٌّ وَضَعِيفٌ: قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَفِي سِيَاقِ ابْنِ إِسْحَاقَ (٥) مَا يُخَالِفُ مَا فِي

стр. 2331

الصَّحِيحِ، فَذَكَرَ: أَنَّ مُسَيْلِمَةَ قَدِمَ مَعَ وَفْدِ قَوْمِهِ، وَأنَّهُمْ تَرَكُوهُ فِي رِحَالِهِمْ يَحْفَظُهَا لَهُمْ، وَذَكَرُوهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَخَذُوا مِنْهُ جَائِزَتَهُ، وَأَنَّهُ ﷺ قَالَ لَهُمْ عَنْ مُسَيْلِمَةَ: "لَيْسَ بِشَرِّكُمْ"، وَأَنَّ مُسَيْلِمَةَ لَمَّا ادَّعَى أَنَّهُ أُشْرِكَ فِي النُّبُوَّةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ احْتَجَّ بِهذِهِ الْمَقَالَةِ. وَهذَا مَعَ شُذُوذِهِ ضَعِيف الْإِسْنَادِ لِانْقِطَاعِهِ، وَأَمْرُ مُسَيْلِمَةَ كَانَ عِنْدَ قَوْمِهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَدْ كَانَ يُقَالُ لَهُ: رحمَانُ الْيَمَامَةِ لِعِظَمِ قَدْرِهِ فِيهِمْ، وَكَيْفَ يَلْتَئِمُ هَذَا الْخَبَرُ الضَّعِيفُ مَعَ قَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اجْتَمَعَ بِهِ وَخَاطَبَهُ، وَصَرَّحَ له بِحَضْرَةِ قَوْمِهِ أَنَّهُ لَوْ سَأَلهُ قِطْعَةَ الْجَرِيدَةَ مَا أَعْطَاهُ (١). قُلْتُ: سَيَأْتِي خَبَرُ تَنَبُّؤِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. * رُجُوعُ الْوَفدِ إِلَى اليَمَامَةِ: وَلَمَّا أَرَادَ وَفْدُ بَنِي حَنِيفَةَ الرُّجُوعَ إِلَى الْيَمَامَةِ أَعطَاهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِدَاوَةً (٢) فِيهَا مَاءٌ مِنْ فَضْلِ طَهُورِهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالنَّسَائيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجْنَا سِتَّةً وَفْدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، خَمسَةٌ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، فَبَايَعنَاهُ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، وَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّ بِأَرْضِنَا

стр. 2332

بِيعَةً (١) لَنَا، وَاسْتَوْهَبْنَاهُ مِنْ فَضْلِ طُهُورِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فتَوَضَّأَ مِنْهُ وَتَمَضْمَضَ، وَصَبَّ لَنَا فِي إِدَاوَةٍ، ثُمَّ قَالَ: "اذْهبُوا بِهذَا الْمَاءِ، فَإِذَا قَدِمتُم بَلَدَكُم، فَاكْسِرُوا بِيعَتَكُم، ثُمَّ انْضَحُوا (٢) مَكَانَها مِنْ هَذَا الْمَاءِ، وَاتَّخِذُوا مَكَانَها مَسْجِدًا". فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّه! الْبَلَدُ بَعِيدٌ، وَالْحَرُّ شَدِيدٌ، وَالْمَاءُ يَنْشَفُ، قَالَ: "فَأَمِدُّوهُ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا طِيبًا". فَخَرَجْنَا فتَشَاحَحْنَا (٣) عَلَى حَملِ الْإِدَاوَةِ أَيُّنَا يَحْمِلُهَا، فَجَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، نَوْبًا (٤) لِكُلِّ رَجُلٍ مِنَّا يَوْمًا وَلَيْلَةً، فَخَرَجْنَا بِهَا حَتَّى قَدِمنَا بَلَدَنَا، فَعَمِلْنَا الذِي أَمَرَنَا (٥)، وَرَاهِبُ ذَلِكَ القوْمِ رَجُل مِنْ طَيْءٍ، فنَادَيْنَا بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ الرَّاهِبُ: دَعوَةُ حَقٍّ، ثُمَّ هَرَبَ، فَلَمْ يُرَ بَعْدُ (٦). * * *

стр. 2333

٥ - وَفْدُ نَجْرَانَ (١) وَفِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفْدُ نَصَارَى نَجْرَانَ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إِلَيْهِم كِتَابًا يَدْعُوهُم فِيهِ إِلَى الْإِسْلَامِ، أَوِ الْجِزْيَةِ، وَإِلَّا آذَنَهُمْ بِحَربٍ، فَذُعِرَ أَهْلُ نَجْرَانَ ذُعْرًا شَدِيدًا، فبعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفْدَهُم، وَكَانُوا سِتِّينَ رَجُلًا، فِيهِمْ أَربَعَةً وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ، مِنْهُمْ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ إِلَيْهِم يَؤُولُ أَمْرُهُمْ، أَحَدُهُمْ: الْعَاقِبُ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَسِيحِ، وَهُوَ أَمِيرُ الْقَوْمِ، وَذُو رَأْيِهِمْ، وَالذِي لَا يَصْدِرُونَ (٢) إِلَّا عَنْ رَأْيِهِ، وَالثَّانِي: السَّيِّدُ، وَاسْمُهُ الْأَيْهَمُ، وَيُقَالُ: شُرَحْبِيلُ، وَهُوَ ثِمَالُهُمْ (٣)، وَصَاحِبُ رَحْلِهِمْ وَمُجْتَمَعِهِمْ، وَالثَّالِثُ: الْأُسْقُفُ، وَاسْمُهُ أَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ مِنْ بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَهُوَ حَبْرُهُمْ (٤) وَإِمَامُهُمْ. فَلَمَّا وَصَلَ الْوَفْدُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَالْتَقَوْا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، دَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ

стр. 2334

- ﷺ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَامْتَنَعُوا (١). رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ مُرسَلٍ رِجَاله ثِقَاتٌ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: جَاءَ رَاهِبَا نَجْرَانَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَسْلِمَا تَسْلَمَا". فَقَالَا: قَدْ أَسْلَمْنَا قَبْلَكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "كَذَبْتُمَا مَنَعَكُمَا مِنَ الْإِسْلَامِ ثَلَاثٌ: سُجُودُكُمَا لِلصَّلِيبِ، وَقَوْلُكُمَا: اتَّخَذَ اللَّه وَلَدًا، وَشُرْبُكُمَا الْخَمْرَ" (٢). ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ ينَاقِشُهُمْ فِي عِيسَى ﵇، فَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ مُرْسَلٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ وَفْدَ نَجْرَانَ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالُوا: مَا تَقُولُ فِي عِيسَى؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هُوَ رُوحُ اللَّهِ، وَكَلِمَتُهُ، وَعَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ" (٣). وَنَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ

стр. 2335

وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (١). وَكَثُرَ النِّقَاشُ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ وَفْدِ نَجْرَانَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتْلُو عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ وَيَقْرَعُ بَاطِلَهُم بِالْحُجَّةِ، فَلَمَّا لَمْ تُجْدِ مَعَهُمُ الْمُجَادَلَةُ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، طَلَبُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبَاهِلَهُمْ (٢)، فَوَافَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ (٣)، فَخَافُوا مِنَ الْمباهلَةِ، وَرَفَضُوهَا. رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ الْعَاقِبُ وَالسَّيِّدُ صَاحِبَا نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُرِيدَانِ أَنْ يُلَاعِنَاهُ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: لَا تَفْعَلْ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَاعَنَنَا، لَا نُفْلِحُ نَحْنُ وَلَا عَقِبُنَا مِنْ بَعْدِنَا (٤). قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: لَوْ خَرَجَ الذِينَ يُبَاهِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ،

стр. 2336

لَرَجَعُوا لَا يَجِدُونَ مَالًا وَلَا أَهْلًا (١). ثُمَّ إِنَّهُمْ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنَّا نُعْطِيكَ مَا سَأَلْتَنَا (٢). فَقَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ صَالَحَهُمْ عَلَى الْجِزيةِ، فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ نَجْرَانَ عَلَى أَلفيْ حُلَّةٍ: النِّصْفُ فِي صَفَرٍ، وَالنِّصْفُ فِي رَجَبٍ، يُؤَدُّونَها إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَعَارِيَّةٍ ثَلَاثِينَ دِرْعًا، وَثَلَاثِينَ فَرَسًا، وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا، وَثَلَاثِينَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ السِّلَاحِ، يَغْزُونَ بِهَا، وَالْمُسْلِمُونَ ضَامِنُونَ لَهَا حَتَّى يَرُدُّوها عَلَيْهِمْ إِنْ كَانَ بِالْيَمَنِ كَيْد أَوْ غَدرَةٌ، عَلَى أَنْ لَا تُهْدَمَ لَهُمْ بِيعَةٌ (٣)، وَلَا يُخْرَجَ لَهُمْ قَسٌّ (٤)، وَلَا يُفْتَنُوا عَنْ دِينِهِمْ، مَا لَمْ يُحْدِثُوا حَدَثًا، أَوْ يَأْكُلُوا رِبًا (٥).

стр. 2337

* بَعْثُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ﵁ مَعَهُمْ: فَلَمَّا قَبَضَ أَهْلُ نَجْرَانَ كِتَابَهُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَرَادُوا الْانْصِرَافَ إِلَى نَجْرَانَ، طَلَبُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبْعَثَ مَعَهُمْ رَجُلًا أَمِينًا، لِيَقْبِضَ مَالَ الصُّلْحِ، وَليَحْكُمَ بَيْنَهُمْ فِي أَشْيَاءَ اخْتَلَفُوا فِيهَا فِي أَمْوَالِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ"، فَاسْتَشْرَفَ (١) لَهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ"، فَلَمَّا قَامَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ" (٢). قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْأَمَانَةُ مُشْتركَة بَيْنَهُ ﵁ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃، لَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَصَّ بَعْضَهُمْ بِصِفَاتٍ غَلَبَتْ عَلَيْهِمْ، وَكَانُوا بِهَا أَخْصَّ (٣). وَرَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ -وَاللَّفْظُ لِأَحمَدَ-

стр. 2338

عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ أَهْلُ الْيَمَنِ (١) عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: ابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا يُعَلِّمُنَا كِتَابَ رَبَّنَا والسُّنَةَ (٢)، قَالَ: فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ ﵁، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِم، وَقَالَ: "هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ" (٣). * فَوَائِدُ قِصَّةِ وَفْدِ نَجْرَانَ: قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَفِي قِصَّةِ أَهْلِ نَجْرَانَ مِنَ الْفَوَائِدِ: ١ - أَنَّ إِقْرَارَ الْكَافِرِ بِالنُّبُوَّةِ لَا يَدْخِلُهُ فِي الْإِسْلَامِ حَتَّى يَلْتَزِمَ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ. ٢ - وَفِيهَا جَوَازُ مُجَادَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَدْ تَجِبُ إِذَا تَعَيَّنَتْ مَصْلَحَتُهُ. ٣ - وَفِيهَا مَشْرُوعِيَّةُ مُبَاهَلَةِ الْمُخَالِفِ إِذَا أَصَرَّ بَعْدَ ظُهُورِ الْحُجَّةِ، وَقَدْ دَعَا ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ إِلَى ذَلِكَ، ثُمَّ الْأَوْزَاعِيُّ، وَوَقَعَ ذَلِكَ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَمِمَّا عُرِفَ بِالتَّجْرِبَةِ أَنَّ مَنْ بَاهَلَ وَكَانَ مُبْطِلًا لَا تَمْضِي عَلَيْهِ سَنَةٌ مِنْ يَوْمِ الْمُبَاهَلَةِ، وَوَقَعَ لِي ذَلِكَ مَعَ شَخْصٍ كَانَ يَتَعَصَّبُ لِبَعْضِ الْمَلَاحِدَةِ، فَلَمْ يَقُمْ بَعْدَهَا غَيْرَ شَهْرَيْنِ. ٤ - وَفِيهَا مُصَالَحَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ،

стр. 2339

وَيَجْرِي ذَلِكَ مَجْرَى ضَرْبِ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَالٌ يؤْخَذُ مِنَ الْكُفَّارِ عَلَى وَجْهِ الصَّغَارِ فِي كُلِّ عَامٍ. ٥ - وَفِيهَا بَعْثُ الْإِمَامِ الرَّجُلَ الْعَالِمَ الْأَمِينَ إِلَى أَهْلِ الْهُدْنَةِ فِي مَصْلَحَةِ الْإِسْلَامِ. ٦ - وَفِيهَا مَنْقَبَةٌ ظَاهِرَةٌ لِأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ﵁ (١). * * *

стр. 2340

وَفَاةُ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - وَفِي أَوَاخِرِ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ تُوُفِّيَتْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَزَوْجُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵄. رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَابْنُ مَاجَه فِي سُنَنِهِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نُغَسِّلُ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ، فَقَالَ: "اغْسِلْنَها ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي"، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حَقْوَهُ (١)، وَقَالَ: "أَشْعِرْنَهَا (٢) إِيَّاهُ" (٣). وَرَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: شَهِدْنَا بِنْتًا (٤) لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ، قَالَ أَنَسٌ: فَرَأَيْتُ

стр. 2341

عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَلْ مِنْكُمْ رَجُلٌ لَمْ يُقَارِفِ (١) اللَّيْلةَ؟ ". فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ ﵁: أَنَا، قَالَ: "فَانْزِلْ"، قَالَ أَنَسٌ: فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا (٢). وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ ﷺ قَالَ: أَنَّ رُقَيَّةَ (٣) - بِنْتَ رَسولِ اللَّهِ ﷺ لَمَا مَاتَت، قَالَ رَسُولُ ﷺ : "لَا يَدْخُلِ الْقَبْرَ رَجُلٌ قَارَفَ أَهْلَهُ"، فَلَمْ يَدْخُلْ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ الْقَبْرَ (٤). * حُزْنُ الرَّسُولِ ﷺ عَلَيْهَا: وَحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ابْنَتِهِ أُمِّ كُلْثُومٍ ﵂ حَتَّى رُئِيَ الدَّمْعُ يَتَحَدَّرُ مِنْ عَيْنَيْهِ، وَبِمَوْتِهَا ﵂ لَمْ يَبْقَ مِنْ بَنَاتِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا فَاطِمَةُ ﵂.

стр. 2342

وَفَاةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ قَبَّحَهُ اللَّهُ وَفي ذِي الْقَعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ، مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ لَعَنَهُ اللَّهُ، بَعْدَ أَنْ مَرِضَ عِشْرِينَ لَيْلَةً. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ الذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ فِي مَرَضِهِ الذِي مَاتَ فِيهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ عَرَفَ فِيهِ الْمَوْتَ، فَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ كُنْتُ أَنْهاكَ عَنْ حُبِّ يَهُودَ"، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَقَدْ أَبْغَضَهُمْ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، فَمَهْ (١). ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ هَذَا بِحِينِ عِتَابٍ، هُوَ الْمَوْتُ، فَإِنْ مِتُّ فَامْنُنْ عَلَيَّ، فكَفِّنِّي فِي قَمِيصِكَ (٢) وَصَلِّ عَلَيَّ وَاسْتَغْفِر لِي.

стр. 2343

فَلَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ قَبَّحَهُ اللَّهُ جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ (١) ﵁ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصهُ يُكَفِّنُ فِيهِ أَبَاهُ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، فَقَدْ رَوى الشَّيْخَانِ فِي صَحْيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ جَاءَ ابْنُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ، وَصَلِّ عَلَيْهِ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُ، فَأَعْطَاهُ قَمِيصَهُ، وَقَالَ لَهُ: "إِذَا فَرَغْتَ مِنْهُ فَآذِنِّي" (٢). * صَلَاةُ الرَّسُولِ ﷺ وَمَوْقِفُ عُمَرَ ﵁ -: فَلَمَّا وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِ يُرِيدُ الصَّلَاةَ، قَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، وَجَذَبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ منْ ثَوْبِهِ، وَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ، وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ وَهُوَ الْقَائِلُ -أَي ابن سلول- يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، كَذَا

стр. 2344

وَكَذَا، يُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوله، فتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: "أَخِّر عَنِّي يَا عُمَرُ"، فَلَمَّا أَكْثَرَ عَلَيْهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي خُيِّرتُ فَاخْتَرْتُ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرُ لَهُ لَزِدتُ عَلَيْهَا" (١). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ بهاّ: "إِنَّمَا خَيَّرَني اللَّهُ، فَقَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾، وَسَأَزِيدُهُ عَلَى السَّبْعِينَ" (٢). قَالَ عُمَرُ ﵁: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَوَاللَّهِ مَا لَبِثَ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا عَلَيْهِ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٣). قَالَ عُمَرُ ﵁: فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ (٤).

стр. 2345

* لِمَاذَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ ؟ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَإِنَّمَا لَمْ يَأْخُذِ الرَّسُولِ ﷺ بِقَوْلِ عُمَرَ ﷺ ، وَصَلَّى عَلَيْهِ إِجْرَاءً لَهُ عَلَى ظَاهِرِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَاسْتِصْحَابا لِظَاهِرِ الْحُكْمِ، وَلمَا فِيهِ مِنْ إِكْرَامِ وَلَدِهِ الذِي تَحَقَّقَتْ صَلَاحِتيهُ، وَمَصْلَحَةِ الِاسْتِئْلَافِ لِقَوْمِهِ، وَدَفع الْمَفْسَدَةِ، وَكَانَ الرَّسُولُ ﷺ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ يَصْبِرُ عَلَى أَذَى الْمُشْرِكِينَ، وَيَعْفُو، وَيَصْفَحُ، ثُمَّ أُمِرَ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، فَاسْتَمَرَّ صَفْحُهُ وَعَفْوُهُ ﷺ عَمَّنْ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ، وَلَوْ كَانَ بَاطِنُهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ الِاسْتِئْلَافِ، وَعَدَمِ التَّنْفِيرِ عَنْهُ، وَلذَلِكَ قَالَ: "لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ" (١)، فَلَمَّا حَصَلَ الْفَتْحُ وَدَخَلَ الْمُشْرِكُونَ فِي الْإِسْلَامِ، وَقَلَّ أَهْلُ الْكُفْرِ وَذَلُّوا، أُمِرَ بِمُجَاهَرَةِ الْمُنَافِقِينَ وَحَمْلِهِمْ عَلَى حُكْمِ مُرِّ الْحَقِّ، وَلَاسِيَّمَا وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ النَّهْي الصَّرِيحِ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أُمِرَ فِيهِ بِمُجَاهَرَتِهِمْ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ عَمَّا وَقَعَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى (٢). * فَوَائِدُ هَذِهِ الْقِصَّةِ: وَفِي قِصَّةِ وَفَاةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ مِنَ الْفَوَائِدِ: ١ - أَنَّ الْمُنَافِقَ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ.

стр. 2346

٢ - وَفِيهِ رِعَايَةُ الْحَيِّ الْمُطِيعِ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْمَيِّتِ الْعَاصِي. ٣ - وَفِيهِ التَّكْفِينُ بِالْمَخِيطِ. ٤ - وَفِيهِ الْعَمَلُ بِالظَّاهِرِ إِذَا كَانَ النَّصُّ مُحْتَمِلًا. ٥ - وَفِيهِ جَوَازُ تَنْبِيهِ الْمَفْضُولِ لِلْفَاضِلِ عَلَى مَا يَظُنُّ أنَّهُ سَهَا عَنْهُ. ٦ - وَتَنْبِيهُ الفاضِلِ الْمَفْضُولَ عَلَى مَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ. ٧ - وَفيهِ جَوَازُ اسْتِفْسَارِ السَّائِلِ الْمَسْؤُولَ وَعَكْسهُ عَمَّا يَحْتَمِلُ مَا دَارَ بَيْنَهُمَا. ٨ - وَفِيهِ جَوَازُ التَّبَسُّمِ فِي حُضُورِ الْجَنَازَةِ عِنْدَ وُجُودِ مَا يَقْتَضِيهِ، وَقَدِ اسْتَحَبَّ أَهْلُ الْعِلْمِ عَدَمَ التَّبَسُّمِ مِنْ أَجْلِ تَمَامِ الْخُشُوعِ، فيسْتَثْنَى مِنْهُ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ (١). * * *

стр. 2347

حَجُّ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ بِالنَّاسِ وَفي أَوَاخِرِ شَهْرِ ذِي القعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ (١) لِلْهِجْرَةِ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ

стр. 2348

- ﷺ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁، أَمِيرًا عَلَى الْحَجِّ لِيُقِيمَ لِلْمُسْلِمِينَ حَجَّهُمْ، وَبَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ يتَابع الدَّعْوَةَ وَالْوُفُودَ التِي جَاءَتْ لِتُعْلِنَ إْسِلَامَهَا عِنْدَهُ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ. وَإِنَّمَا لَمْ يَرْغَبْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالُخُرُوجِ إِلَى الْحَجِّ لِكَرَاهَتِهِ الِاخْتِلَاطَ بِأَهْلِ الشِّرْكِ الذِينَ يَتَنَسَّكُونَ بِغَيْرِ التَّوْحِيدِ، وَرُبَّمَا طَافُوا بِالْبَيْتِ عُرَاةً، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيَصُدَّهُمْ لِلْعُقُودِ التِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ (١). فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَبَعَثَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعِشْرِينَ بَدَنَة (٢) قَلَّدَهَا (٣) وَأَشْعَرَهَا (٤) بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ (٥)، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا

стр. 2349

نَاجِيَةَ بْنَ جُنْدُبٍ الْأَسْلَمِيَّ ﵁، وَسَاقَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ خَمْسَ بَدَنَاتٍ (١). فَلَمَّا خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ مِنَ الْمَدِينَةِ، نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِسُورَةِ بَرَاءَةٍ (٢)، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ لِيُعْلِنَهَا عَلَى النَّاسِ فِي الْحَجِّ (٣). فَلَمَّا كَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فِي الطَّرِيقِ إِلَى مَكَّةَ، إِذْ سَمِعَ رُغَاءَ (٤) نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقَصْوَاءَ، فَظَنَّ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَإِذَا عَلِيٌّ ﵁، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَمِيرٌ أَنْتَ أَمْ رَسُولٌ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: لَا، بَلْ رَسُولٌ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ (٥) كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَّرَهُ عَلَى الْمَوْسِمِ (٦)، وَأَمَرَ عَلِيًّا ﵁ أَنْ

стр. 2350

يُنَادِيَ بِبَعْضِ الْأُمُورِ كَمَا سَيَأْتِي. ثُمَّ مَضى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ فَأَقَامَ لِلنَّاسِ الْحَجَّ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمَ النَّحْرِ، قَامَ عَلِيٌّ ﵁، فَأَذَّنَ (١) بِالذِي أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهِيَ: ١ - لَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ مُشْرِك (٢). ٢ - وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ (٣). ٣ - وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ. ٤ - مَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ فَعَهْدُهُ إِلَى مُدَّتِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ له عَهْدٌ، فَأَجَلُهُ أَرْبعَةُ أَشْهُرٍ، فَإِذَا مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَإِنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُوله (٤).
следующие страницы →