← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

٢ - وَفِيهِ رِعَايَةُ الْحَيِّ الْمُطِيعِ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْمَيِّتِ الْعَاصِي. ٣ - وَفِيهِ التَّكْفِينُ بِالْمَخِيطِ. ٤ - وَفِيهِ الْعَمَلُ بِالظَّاهِرِ إِذَا كَانَ النَّصُّ مُحْتَمِلًا. ٥ - وَفِيهِ جَوَازُ تَنْبِيهِ الْمَفْضُولِ لِلْفَاضِلِ عَلَى مَا يَظُنُّ أنَّهُ سَهَا عَنْهُ. ٦ - وَتَنْبِيهُ الفاضِلِ الْمَفْضُولَ عَلَى مَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ. ٧ - وَفيهِ جَوَازُ اسْتِفْسَارِ السَّائِلِ الْمَسْؤُولَ وَعَكْسهُ عَمَّا يَحْتَمِلُ مَا دَارَ بَيْنَهُمَا. ٨ - وَفِيهِ جَوَازُ التَّبَسُّمِ فِي حُضُورِ الْجَنَازَةِ عِنْدَ وُجُودِ مَا يَقْتَضِيهِ، وَقَدِ اسْتَحَبَّ أَهْلُ الْعِلْمِ عَدَمَ التَّبَسُّمِ مِنْ أَجْلِ تَمَامِ الْخُشُوعِ، فيسْتَثْنَى مِنْهُ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ (١). * * *

стр. 2347

حَجُّ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ بِالنَّاسِ وَفي أَوَاخِرِ شَهْرِ ذِي القعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ (١) لِلْهِجْرَةِ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ

стр. 2348

- ﷺ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁، أَمِيرًا عَلَى الْحَجِّ لِيُقِيمَ لِلْمُسْلِمِينَ حَجَّهُمْ، وَبَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ يتَابع الدَّعْوَةَ وَالْوُفُودَ التِي جَاءَتْ لِتُعْلِنَ إْسِلَامَهَا عِنْدَهُ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ. وَإِنَّمَا لَمْ يَرْغَبْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالُخُرُوجِ إِلَى الْحَجِّ لِكَرَاهَتِهِ الِاخْتِلَاطَ بِأَهْلِ الشِّرْكِ الذِينَ يَتَنَسَّكُونَ بِغَيْرِ التَّوْحِيدِ، وَرُبَّمَا طَافُوا بِالْبَيْتِ عُرَاةً، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيَصُدَّهُمْ لِلْعُقُودِ التِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ (١). فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَبَعَثَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعِشْرِينَ بَدَنَة (٢) قَلَّدَهَا (٣) وَأَشْعَرَهَا (٤) بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ (٥)، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا

стр. 2349

نَاجِيَةَ بْنَ جُنْدُبٍ الْأَسْلَمِيَّ ﵁، وَسَاقَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ خَمْسَ بَدَنَاتٍ (١). فَلَمَّا خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ مِنَ الْمَدِينَةِ، نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِسُورَةِ بَرَاءَةٍ (٢)، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ لِيُعْلِنَهَا عَلَى النَّاسِ فِي الْحَجِّ (٣). فَلَمَّا كَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فِي الطَّرِيقِ إِلَى مَكَّةَ، إِذْ سَمِعَ رُغَاءَ (٤) نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقَصْوَاءَ، فَظَنَّ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَإِذَا عَلِيٌّ ﵁، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَمِيرٌ أَنْتَ أَمْ رَسُولٌ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: لَا، بَلْ رَسُولٌ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ (٥) كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَّرَهُ عَلَى الْمَوْسِمِ (٦)، وَأَمَرَ عَلِيًّا ﵁ أَنْ

стр. 2350

يُنَادِيَ بِبَعْضِ الْأُمُورِ كَمَا سَيَأْتِي. ثُمَّ مَضى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ فَأَقَامَ لِلنَّاسِ الْحَجَّ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمَ النَّحْرِ، قَامَ عَلِيٌّ ﵁، فَأَذَّنَ (١) بِالذِي أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهِيَ: ١ - لَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ مُشْرِك (٢). ٢ - وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ (٣). ٣ - وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ. ٤ - مَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ فَعَهْدُهُ إِلَى مُدَّتِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ له عَهْدٌ، فَأَجَلُهُ أَرْبعَةُ أَشْهُرٍ، فَإِذَا مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَإِنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُوله (٤).

стр. 2351

* بَعْثُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ -: وَبَعَثَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁، أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ فِي نَاسٍ مَعَهُ، فَأَذَّنُوا مَعَ عَلِيٍّ ﵁ فِي النَّاسِ بِعَرَفَةَ، وَبِمِنًى، وَبِالْمَشَاعِرِ كُلِّهَا، بِمَا أَمَرَ بِهِ ﷺ . فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﷺ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ حَيْثُ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ بِبَرَاءَةٍ، قَالَ: كُنَّا نُنَادِي: أنهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ، فَإِنَّ أَجَلَهُ -أَوْ أَمَدَهُ- إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ (١)، فَإِذَا مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ، فَإِنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ، وَلَا يَحُجُّ هَذَا الْبَيْتَ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ.

стр. 2352

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: فكُنْتُ أنادِي حَتَّى صَحِلَ (١) صَوْتي (٢). قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: فَالْحَاصِلُ أَنَّ مباشَرَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ لِذَلِكَ -أَيْ الْإِعْلَامِ- كَانَتْ بِأَمْرِ أَبِي بَكْرٍ ﵁، وَكَانَ يُنَادِي بِمَا يُلْقِيهِ إِلَيْهِ عَلِيٌّ ﵁ مِمَّا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ (٣). وَبِذَلِكَ قَضَى الْإِسْلَامُ نِهَائِيًا عَلَى مَعَالِمِ الشِّرْكِ فِي مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ، وَحَفِظَ لِلْبَيْتِ قُدْسِيَّتَهُ وَحُرْمَتَهُ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْحَجَّةُ بِمَثَابَةِ التَّوْطِئَةِ لِلْحَجَّةِ الْكُبْرَى، وَهِيَ حَجَّةُ الْوَدَاعِ، فَلَمْ يَحُجَّ عَامَ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالتِي تُسَمَّى حَجَّةَ الْوَدَاعِ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. * رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ: رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسنده وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ، وَابْنُ

стр. 2353

حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَشْرُ آيَاتٍ مِنْ بَرَاءَةٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، دَعَا النَّبِيُّ ﷺ أَبَا بَكْرٍ ﵁، فَبَعَثَهُ بِهَا لِيَقْرَأَهَا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، ثُمَّ دَعَانِي النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: "أَدْرِكْ أبا بَكْرٍ، فَحَيْثُمَا لَحِقْتَهُ فَخُذِ الْكِتَابَ مِنْهُ، فَاذْهَبْ بِهِ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ، فَاقْرَأْهُ عَلَيْهِمْ". قَالَ عَلِيٌّ ﵁: فَلَحِقْتُهُ بِالْجُحْفَةِ، فَأَخَذْتُ الْكِتَابَ مِنْهُ، وَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَزَلَ فِيَّ شَيْءٌ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا، وَلَكِنَّ جِبْرِيلَ جَاءَنِي، فَقَالَ: لَنْ يُؤَدِّيَ عَنْكَ إِلَّا أَنْتَ، أَوْ رَجُلٌ مِنْكَ" (١). قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ: وَهَذَا ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ، وَمَتْنُهُ فِيهِ نَكَارَةٌ (٢). وَقَالَ الْإِمَامُ الذَّهَبِيُّ: وَفِي مَتْنِهِ نَكَارَةٌ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعْمَلَ أَبا بَكْرٍ ﵁ عَلَى الْحَجِّ سَنَةَ تِسْعٍ وَلَمْ يَرُدَّهُ، وَلَا رَجَعَ، بَلْ هُوَ الذِي أَقَامَ لِلنَّاسِ الْحَجَّ ذَلِكَ الْعَامَ، وَعَلِيٌّ ﵁ مِنْ جُمْلَةِ رَعِيَّتهِ يُصَلِّي خَلْفَهُ، وَيَدْفَعُ بِدَفْعِهِ، وَيَأتَمِرُ بِأَمْرِهِ، وَإِنَّمَا بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ لِيَكُونَ مَعَهُ، وَيَتَوَلَّي عَلِيٌّ ﵁ إِبْلَاغَ

стр. 2354

الْبَرَاءَةِ لِلْمُشْرِكِينَ نِيَابَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ لِكَوْنِهِ ابْنَ عَمِّهِ مِنْ عَصَبَتِهِ، فَقَدْ كَانَتِ الْعَادَةُ الْمُتَّبَعَةُ عِنْدَهُمْ -أَيْ عِنْدَ الْعَرَبِ- أَنْ لَا يَعْقِدَ الْعَهْدَ وَلَا يَحِلَّهُ إِلَّا الْمُطَاعُ، أَوْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَلَمْ يَكُوُنوا يَقْبَلُونَ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ (١). قُلْتُ: قَدْ ثَبَتَ إِرْسَالُ عَلِيٍّ ﵁ بِبَرَاءَةٍ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ كَمَا تَقَدَّمَ، لَكِنَّ الذِي لَمْ يَثْبُتْ هُوَ رُجُوعُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، وَتَأْمِيرِ عَلِيٍّ ﵁. * * *

стр. 2355

السَّنَةُ العَاشِرَةُ لِلْهِجْرَةِ دَخَلَ الْعَامُ الْعَاشِرُ الْهِجْرِيُّ وَالرَّسُولُ ﷺ يَسْتَقْبِلُ الْوُفُودَ، وَيُرْسِلُ سَرَايَاهُ وَدُعَاتَهُ إِلَى قبائِلِ الْعَرَبِ يَدْعُونَهَا إِلَى الْإِسْلَامِ، وَيُفَقِّهُونَهَا فِي الدِّينِ، . . . وَقَدْ حَدَثَتْ بَعْضُ الْأَحْدَاثِ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْهَا:

стр. 2356

بَعْثُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵄ إِلَى الْيَمَنِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ وَأَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ ﵄، إِلَى الْيَمَنِ (١)، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يُعلِّمَا النَّاسَ الْقُرْآنَ، وَأُمُورَ دِينهِمْ، وَاسْتَعْمَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مِخْلَافٍ (٢) مِنْهَا -وَالْيَمَنُ مِخْلَافَانِ- وَكَانَتْ جِهَةُ مُعَاذٍ ﵁ الْعُلْيَا إِلَى جِهَةِ عَدْنٍ، وَكَانَتْ جِهَةُ أَبِي مُوسَى ﵁ السُّفْلَى، وَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا" (٣). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَفي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ:

стр. 2357

١ - الْأَمْرُ بِالتَّيْسِيرِ فِي الْأُمُورِ، وَالرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ، وَتَحْبِيبِ الْإِيمَانِ إِلَيْهِمْ، وَتَرْكِ الشِّدَّةِ لِئَلَّا تَنْفِرَ قُلُوبُهُمْ، وَلَاسِيَّمَا فِيمَنْ كَانَ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ أَوْ قَارَبَ حَدَّ التَّكْلِيفِ مِنَ الْأَطْفَالِ لِيَتَمَكَّنَ الْإِيمَانُ مِنْ قَلْبِهِ وَيَتَمَرَّنَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْإِنْسَانُ فِي تَدْرِيبِ نَفْسِهِ عَلَى الْعَمَلِ إِذَا صَدَقَتْ إِرَادَتُهُ لَا يُشَدِّدُ عَلَيْهَا، بَلْ يَأْخُذُهَا بِالتَّدْرِيجِ وَالتَّيْسِيرِ حَتَّى إِذَا أَنِسَتْ بِحَالَةٍ وَتَدَاوَلَتْ عَلَيْهَا نَقَلَهَا لِحَالٍ آخَرَ وَزَادَ عَلَيْهَا أَكْثرَ مِنَ الْأُولَى حَتَّى يَصِلَ إِلَى قَدْرِ احْتِمَالِهَا، وَلَا يُكَلِّفُهَا بِمَا لَعَلَّهَا تَعْجَزُ عَنْهُ (١). وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ﵁ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا وَأَبَا مُوسَى إِلَى الْيَمَنِ، فَأَمَرَهُمَا أَنْ يُعَلِّمَانِ النَّاسَ الْقُرْآنَ (٢). * رِوَايَةٌ مُخَالِفَةٌ: وَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِم عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ إِلَى الْيمَنِ ثُمَّ أَتبعَهُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ﵁ (٣). وَهُوَ مُخَالِفٌ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثهُمَا مَعًا، وَجَمَعَ

стр. 2358

بَيْنَهُمَا الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ فَقَالَ: يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَضَافَ مُعَاذًا إِلَى أَبِي مُوسَى بَعْدَ سَبْقِ وِلَايَتِهِ لَكِنْ قَبْلَ تَوَجُّهِهِ فَوَصَّاهُمَا عِنْدَ التَّوَجُّهِ بِذَلِكَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ وَصَّى كُلًا مِنْهُمَا وَاحِدًا بَعْدَ آخَرٍ (١). * سُؤَالُ أَبِى مُوسَى ﵁ -: ثُمَّ سَأَلَ أَبُو مُوسَى ﵁ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنَّ أَرْضَنَا (٢) بِهَا شَرَابٌ مِنَ الشَّعِيرِ، يُقَالُ له: الْمِزْرُ (٣)، وَشَرَابٌ مِنَ الْعَسَلِ، يُقَالُ له: الْبِتْعُ (٤). فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ" (٥). * فَائِدَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا: قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَقَدْ دَلَّ بَعْثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَالِمًا فَطِنًا حَاذِقًا، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يُوَلِّهِ النَّبِيُّ ﷺ الْإِمَارَةَ، وَلَوْ كَانَ فَوَّضَ الْحُكْمَ لِغَيْرِهِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَوْصِيَتِهِ بِمَا وَصَّاهُ بِهِ، وَلذَلِكَ

стр. 2359

اعْتَمَدَ عَلَيْهِ عُمَرُ ﵁، ثُمَّ عُثْمَانُ ﵁، ثُمَّ عَلِيٌّ ﵁. وَأَمَّا الْخَوَارجُ وَالرَّوَافِضُ فَطَعَنُوا فِيهِ، وَنَسَبُوهُ إِلَى الْغَفْلَةِ، وَعَدَمِ الْفِطْنَةِ لِمَا صَدَرَ مِنْهُ فِي التَّحْكِيمِ بِصِفِّينٍ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِي وَغَيْرُهُ: وَالْحَقَّ أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ مَا يَقْتَضِي وَصْفَهُ بِذَلِكَ، وَغَايَةُ مَا وَقَعَ مِنْهُ ﵁ أَنَّ اجْتِهَادَهُ أَدَّاهُ إِلَى أَنْ يَجْعَلَ الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَنَحْوِهِمْ؛ لَمَّا شَاهَدَ مِنَ الِاخْتِلَافِ الشَّدِيدِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ بِصِفِّينٍ، وَآلَ الْأَمْرُ إِلَى مَا آلَ إِلَيْهِ (١). * وَصِيَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِمَعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ -: رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: "إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ (٢) أَمْوَالهمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ" (٣).

стр. 2360

وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالنَّسَائيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ، فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عَدْلَهُ مَعَافِرَ (١)، وَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ بَقَرَةً مُسِنَّةً (٢)، وَمِنْ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعًا (٣) حَوْليًّا (٤)، وَأَمَرَنِي فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرَ، وَمِمَّا سُقِيَ بِالدَّوَالِي (٥) نِصْفَ الْعُشْرِ (٦). وَرَوَى الْإِمَامُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: آخِرَ مَا أَوْصَانِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ وَضَعْتُ رِجْلِي فِي الْغَرْزِ (٧) أَنْ قَالَ: "يَا مُعَاذٌ، أَحْسِنْ خُلُقَكَ لِلنَّاسِ" (٨).

стр. 2361

وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ مُعَاذٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ، قَالَ لَهُ: "كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاء؟ ". قَالَ: أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ؟ ". قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ؟ ".

стр. 2362

قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلَا آلُو (١). قَالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدْرِي بِيَده، ثُمَّ قَالَ: "الْحَمْدُ للَّهِ الذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ" (٢). * حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَ بِهِ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ لَهُ: "إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ، فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ" (٣). * تَوْدِيعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِمُعَاذٍ ﵁ -: رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ

стр. 2363

مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ أنَّهُ قَالَ: لَمَّا بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ خَرَجَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوصِيهُ، وَمُعَاذٌ رَاكِبٌ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي تَحْتَ رَاحِلَتِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا مُعَاذُ، إِنَّكَ عَسَى أَنْ لَا تَلقانِي بَعْدَ عَامِي هَذَا، وَلَعَلَّكَ أَنْ تَمُرَّ بِمَسْجِدِي هَذَا وَقَبْرِي"، فبكَي مُعَاذٌ ﵁ جَشَعًا (١) لِفِرَاقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَحْوَ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: "إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي المُتَّقُونَ، مَنْ كَانُوا وَحَيْثُ كَانُوا" (٢). قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ إِشَارَةٌ، وَظُهُورٌ، وَإِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ مُعَاذًا ﵁ لَا يَجْتَمعُ بِالنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ فَإِنَّهُ أَقَامَ بِالْيَمَنِ حَتَّى كَانَتْ حَجَّةُ الْوَدَاعِ، ثُمَّ كَانَتْ وَفَاتُهُ ﷺ بَعْدَ أَحَدٍ وَثَمَانِينَ يَوْمًا مِنَ يَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ (٣). * رِوَايَةٌ مُخَالِفَةٌ: رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁: أَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ مِنَ الْيَمَنِ (٤)، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُ رِجَالًا بِالْيَمَنِ يَسْجُدُ بَعْضُهُمْ

стр. 2364

لِبَعْضٍ، أَفَلَا نَسْجُدُ لَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ كُنْتُ آمِرًا بَشَرًا يَسْجُدُ لِبَشَرٍ، لَأَمَرْتُ الْمَرْأة أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا" (١). * بَعْضُ الْأَحْدَاثِ التِي حَدَثَتْ لِمُعَاذٍ ﵁ فِي الْيَمَنِ: رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ أَنَّ مُعَاذًا ﵁ لَمَّا قَدِمَ الْيَمَنَ صَلَّي بِهِمُ الصُّبْحَ فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (٢)، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: لَقَدْ قَرَّتْ عَيْنُ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ (٣).

стр. 2365

قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَقَدِ اسْتُشْكِلَ تَقْرِيرُ مُعَاذٍ ﵁ لِهَذَا الْقَائِلِ فِي الصَّلَاةِ، وَتَرْكُ أَمْرِهِ بِالْإِعَادَةِ، وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ: ١ - إِمَّا بِأَنَّ الْجَاهِلَ بِالْحُكْمِ يُعْذَرُ. ٢ - وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ وَلَمْ يُنْقَلْ. ٣ - أَوْ كَانَ الْقَائِلُ خَلْفَهُمْ، وَلَكِنْ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمْ فِي الصَّلَاةِ (١). وَرَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزْيدَ قَالَ: أَتَانَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ﵁ بِالْيَمَنِ مُعلِّمًا وَأَمِيرًا، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ رَجُلٍ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ ابْنَتَهُ وَأُخْتَهُ فَأَعْطَى الِابْنَةَ النِّصْفَ وَالْأُخْتَ النِّصْفَ (٢). وَلَمْ يَزَلْ مُعَاذ ﵁ عَلَى الْيَمَنِ إِلَى أَنْ قَدِمَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، وَوَافَى السَّنَةَ التِي حَجَّ فِيهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، وَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ عَلَى الْحَجِّ (٣). * * *

стр. 2366

وَفَاةُ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعَشْرِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ عَشْرٍ لِلْهِجْرَةِ (١) عِنْدَ مُرْضِعِهِ أُمِّ سَيْفٍ، وَكَانَ عُمْرُهُ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا. أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَيْفٍ القيْنِ (٢) -وَكَانَ ظِئْرًا (٣) لِإِبْرَاهِيمَ- فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ (٤)، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ (٥) -وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ (٦) بِنَفْسِهِ- فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَذْرِفَانِ (٧)، فَقَالَ له عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

стр. 2367

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ (١)، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إَبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ" (٢). وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَاحَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ﵄، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيْسَ هَذَا مِنَّا، لَيْسَ لِصَارخِ حَظٌّ، الْقَلْبُ يَحْزَنُ، وَالْعَيْنُ تَدْمَعُ، وَلَا نَقُولُ مَا يُغْضِبُ الرَّبَّ" (٣). فَلَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِي، وَإِنَّهُ مَاتَ فِي الثَّدْي (٤)، وَإِنَّ لَهُ لَظِئْرَيْنِ (٥) تُكْمِلَانِ رَضَاعَهُ فِي الْجَنَّةِ" (٦).

стр. 2368

قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: وَمَعْنَى تُكْمِلَانِ رَضَاعَهُ أَيْ تُتِمَّانِهِ سَنَتَيْنِ، فَإِنَّهُ تُوُفِّيَ وَلَهُ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ، فَتُرْضِعَانِهِ بَقِيَّةَ السَّنَتَيْنِ (١). وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ ابْنُ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يدْفَنَ بِالْبَقِيعِ (٢). * هَدْيُ الرَّسُولِ ﷺ فِي المُصِيبَةِ: كَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ فِي الجَنَائِزِ أَكْمَلَ الهَدْي، فَقَدْ سَنَّ لِأُمَّتِهِ الْحَمْدَ وَالْاسْتِرْجَاعَ، وَالرِّضَى عَنِ اللَّهِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُنَافِيًا لِدَمْعِ الْعَيْنِ وَحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلذَلِكَ كَانَ أَرْضَى الْخَلْقِ عَنِ اللَّهِ فِي قَضَائِهِ، وَأَعْظَمَهُمْ لَهُ حَمْدًا، وَبَكَى مَعَ ذَلِكَ يَوْمَ مَوْتِ ابْنِهِ إِبْرَاهيمَ رَأْفَةً مِنْهُ، وَرَحْمَةً لِلْوَلَدِ، وَرِقَّةً عَلَيْهِ، وَالقلْبُ مُمْتَلِئٌ بِالرِّضَى عَنِ اللَّهِ وَشُكْرِهِ، وَاللِّسَانُ مُشْتَغِلٌ بِذِكْرِهِ وَحَمْدِهِ (٣). * لَمْ يُصَلِّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ: رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَده وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: لَقَدْ تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ (٤).

стр. 2369

وَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه فِي سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِ (١). فَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا، فِيهِ إِبْرَاهِيمُ بنُ عُثْمَانَ -وَهُوَ الْعَبْسِيُّ- مَتْرُوكٌ. وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ الْبَرَاءَ بْنِ عَازِب ﵁ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ، وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا (٢). فِي سَنَدِهِ جَابِرُ بنُ يَزِيدٌ الجُعْفِيُّ -وَهُوَ ضَعِيفٌ-. قَالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: اخْتُلِفَ فِي السَّبِبِ الذِي لِأَجْلِهِ لَمْ يُصلِّ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: اسْتَغْنَى بِبُنُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ قُرْبَةِ الصَّلَاةِ التِي هِيَ شَفَاعَةٌ لَهُ، كَمَا اسْتَغْنَى الشَّهِيدُ بِشَهَادَتِهِ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: إِنَّهُ مَاتَ يَوْمَ كُسِفَتِ الشَّمْسُ، فَاشْتَغَلَ بِصَلَاةِ الْكُسُوفِ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ (٣). * كُسُوفُ الشَّمْسِ: وَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ،

стр. 2370

فَقَالَ النَّاسُ: إِنَّمَا انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهيمَ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْكُسُوفِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَادْعُوا وَصَلوا حَتَّى تَنْجَلِي" (١). وَفِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَده بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ﵁ قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: كَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، أَلَا وإنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا كذَلِكَ، فَافْزَعُوا إِلَى الْمَسَاجِدِ" (٢). قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: أُمِرَ فِي هَذَا الْخَبَرِ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالقمَرِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ، فَأطْلِقَ هَذَا الْمَقْصُودُ عَلَى سَبَبِهِ، وَهُوَ الْمَسَاجِدُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَتَّصِلُ فِيهَا، لَا أَنَّ الْمَسَاجِدَ يُسْتَغْنَى بِحُضُورِهَا عِنْدَ كُسُوفِ الشَّمْسِ أَوِ الْقَمَرِ دُونَ الصَّلَاةِ (٣).

стр. 2371

* فَضَائِلُ إِبْرَاهِيمَ ﵇ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ أَبِي أَوْفَى: رَأَيْتَ إِبْرَاهِيمَ ابْنَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: مَاتَ صَغِيرًا، وَلَوْ قُضِيَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيٌّ عَاشَ ابْنُهُ، وَلَكِنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ (١). وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أنَّهُ قَالَ: لَوْ عَاشَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ النَّبِيِّ ﷺ لَكَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٢). * * *

стр. 2372

٦ - وَفْدُ كِنْدَةَ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ ثَمَانُونَ رَجُلًا مِنْ قَبِيلَةِ كِنْدَةَ، عَلَى رَأْسِهِمُ الْأَشْعثُ بْنُ قَيْسٍ، وَكَانَتْ مَنَازِلُهُمْ بِالْيَمَنِ. رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ مَاجَه فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي وَفْدٍ لَا يَرَوْنَ أَنِّي أَفْضَلُهُمْ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَزْعُمُ أَنَّكَ مِنَّا! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بَنُو كِنَانَةَ، لَا نَقْفُوا أُمَّنَا (١)، وَلَا نَنْتَفِي مِنْ أَبِينَا". فَكَانَ الْأَشْعَثُ يَقُولُ: لَا أُوتَى بِرَجُلٍ نَفَى قُرَيْشًا مِنَ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ إِلَّا جَلَدْتُهُ الْحَدَّ (٢). وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي وَفْدِ كِنْدَةَ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَلْ لَكَ مِنْ ولدٍ؟ ".

стр. 2373

قُلْتُ: غُلَامٌ وُلِدَ لِي فِي مَخْرَجِي إِلَيْكَ، وَلَوَدِدْتُ أَنَّ مَكَانَهُ شِبَعُ الْقَوْمِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَقُولَنَّ ذَلِكَ، فَإِنَّ فِيهِمْ قُرَّةَ عَيْنٍ، وَأَجْرًا إِذَا قُبِضُوا، ثُمَّ لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ، إِنَّهُمْ لَمَجْبَنةٌ مَحْزَنَةٌ (١)، إِنَّهُمْ لَمَجْبَنَةٌ مَحْزَنَةٌ" (٢). زَادَ الطَّبَرَانِيُّ: "وَمَبْخَلة". وَكَانَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ سَيِّدًا مُطَاعًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَجِيهًا فِي الْإِسْلَامِ، وَقَدِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ ﷺ ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، وَشَهِدَ بَعْدَ دلِكَ مَعَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، الْقَادِسِيَّةَ وَالْمَدَائِنَ، وَجَلُولَاءَ، وَمَاتَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ أَوِ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ بِالْكُوفَةِ (٣). * * *

стр. 2374

بَعْثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ﵁ إِلَى الْيَمَنِ وَفِي رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ﵁ إِلَى الْيَمَنِ، ثُمَّ بَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ بَعْدَهُ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا ﵁ أَنْ يَقْبِضَ الْخُمُسَ مِنْ خَالِد ﵁، وَيُعَلِّمَهُمُ الْقُرْآنَ وَالْإِسْلَامَ، وَيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ! تَبْعَثُنِي، وَأنا شَابٌّ أَقْضِي بَيْنَهُمْ، وَلَا أدْرِي مَا الْقَضَاءُ؟ (١). فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ فِي صَدْرِ عَلِيٍّ ﵁، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ اهْدِ قَلْبَهُ، وَثَبِّتْ لِسَانَهُ" (٢). ثُمَّ أَوْصَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ: "يَا عَلِيُّ إِذَا جَلَسَ إِلَيْكَ الْخَصْمَانِ، فَلَا تَقْضِ بَيْنَهُمَا حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الْآخَرِ، مَا سَمِعْتَ مِنَ الْأَوَّلِ، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ لَكَ الْقَضَاءُ". قَالَ عَلِيٌّ ﵁: فَمَا اخْتَلَفَ عَلَيَّ قَضَاءٌ بَعْدُ، أَوْ مَا أَشْكَلَ عَلَيَّ قَضَاءٌ بَعْدُ.

стр. 2375

وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ ﵁: فَمَا أَعْيَانِي قَضَاءٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ (١). ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ ﵁: "مُرْ أَصْحَابَ خَالِدٍ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ أَنْ يُعَقِّبَ (٢) مَعَكَ فَلْيُعَقِّبْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُقْبِلْ" (٣). فَخَرَجَ عَلِيٌّ ﵁، حَتَّى أَتَى الْيَمَنَ؛ لِيَقْبِضَ خُمُسَ الْغَنَائِمِ التِي غَنِمَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ﵁، فَأتوْا بِغَنَائِمَ وَأَطْفَالٍ وَنسَاءٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ ﵁ عَلَى الْغَنَائِمِ بُرَيْدَةَ بْنَ الْحُصَيْبِ ﵁. ثُمَّ بَعَثَ عَلِيٌّ ﵁ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْغَنَائِمِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْيَمَنِ بِذُهَيْبَةٍ (٤). فِي أَدِيمٍ (٥) مَقْرُوظٍ (٦) لَمْ

стр. 2376

تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا (١)، قَالَ: فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: بَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ، وَالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ، وَزَيْدِ الْخَيْلِ، وَالرَّابِعِ إِمَّا عَلْقَمَةَ (٢)، وإمَّا عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ (٣). * مَثَلٌ فِي الأَمَانةِ: وَلَقَدْ ضَرَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ مَثَلًا عَالِيًا فِي أَدَاءِ الْأَمَانَةِ التِي نِيطَتْ بِهِ (٤)، فَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ إِلَى الْيَمَنِ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ﵁: فَكُنْتُ فِيمَنْ خَرَجَ مَعَهُ، فَلَمَّا أَخَذَ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ سَأَلْنَاهُ أَنْ نَرْكَبَ مِنْهَا وَنُرِيحَ إِبِلَنَا -وَكُنَّا قَدْ رَأَيْنَا فِي إِبِلِنَا خَلَلًا- فَأَبَى عَلَيْنَا، وَقَالَ: إِنَّمَا لَكُمْ مَنْهَا سَهْمٌ كَمَا لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا فَرَغَ عَلِيٌّ ﵁ مِنْ أَمْرِ الْيَمَنِ، انْطَلَقَ رَاجِعًا مُسْرِعا، حَتَّى أَدْرَكَ الْحَجَّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ أَمَّرَ عَلَيْنَا إِنْسَانًا، فَلَمَّا قَضَى حَجَّتَهُ قَالَ له النَّبِيُّ ﷺ : "ارْجعْ إِلَى أَصْحَابِكَ حَتَّى تَقْدُمَ عَلَيْهِمْ". قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ﵁: وَقَدْ كُنَّا سَأَلْنَا الذِي اسْتَخْلفهُ مَا كَانَ عَلِيٌّ ﵁ مَنَعَنَا إِيَّاهُ فَفَعَلَ، فَلَمَّا جَاءَ عَلِيٌّ ﵁ عَرَفَ أَنَّ إِبِلِ الصَّدَقَةِ قَدْ رُكِبَتْ، وَرَأَى أَثَرَ

стр. 2377

المَرْكَبِ، فَذَمَّ الذِي أَمَّرَهَ وَلَامَهُ، وَقَدْ عَدَّ بَعْضُ أَصْحَابِ عَلِيٍّ ﵁ ذَلِكَ مِنْهُ غِلْظَةً وَتَضَيُّقًا، فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ شَكَى أَبُو سَعِيد الْخُدْرِيُّ ﵁ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا كَانَ مِنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ﵁ حَتَّى إِدا كُنْتُ فِي وَسَطِ كَلَامِي ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي، وَكُنْتُ مِنْهُ قَرِيبًا، وَقَالَ: "يَا سَعْدَ بْنَ مَالِكِ (١) بْنِ الشَّهِيدِ (٢) مَهْ بَعْضَ قَوْلِكَ لِأَخِيكَ عَلِيٍّ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ أَحْسَنَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ". قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ﵁: . . . وَاللَّهِ لَا أَذْكُرُهُ بِسُوءٍ أَبَدًا سِرًّا وَلَا عَلَانِيَةً (٣). * مَوْقِفُ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ ﵁ مِنْ عَلِيٍّ ﵁ -: رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ بريْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ ﵁ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا إِلَى خَالِدٍ؛ لِيَقْبِضَ الْخُمُسَ، وَكُنْتُ أُبْغِضُ عَلِيًّا وَقَدِ اغْتَسَلَ (٤)، فَقُلْتُ لِخَالِدٍ: أَلَا تَرَى إِلَى هَذَا؟ فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا بُرَيْدَةُ أَتُبْغِضُ عَلِيًّا؟ ".

стр. 2378

قُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُبْغِضُهُ فَإِنَّ لَهُ فِي الْخُمُسِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ" (١). وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ بريْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ ﵁ قَالَ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ عَلِيِّ بِنِ أَبِي طَالِبٍ حَتَّى أَحْبَبْتُ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ لَا أُحِبُّهُ إِلَّا عَلَى بُغْضِ عَلِيٍّ، فبعِثَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى خَيْلٍ، فَصَحِبْتُهُ، وَمَا أَصْحَبُهُ إِلَّا عَلَى بَغْضَاءِ عَلِيٍّ، فَأَصَابَ سَبْيًا، فكَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَبْعَثَ له مَنْ يُخَمِّسُهُ، فَبُعِثَ إِلَيْنَا عَلِيًّا ﵁، وَفِي السَّبْي وَصِيفَةٌ (٢) مِنْ أَفْضَلِ السَّبْي، فَلَمَّا خَمَّسَهُ، صَارَتِ الْوَصِيفَةُ فِي الْخُمُسِ، ثُمَّ خَمَّسَ، فَصَارَتْ فِي أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ خَمَّسَ، فَصَارَتْ فِي آلِ عَلِيٍّ ﵁، فَأتَانَا وَرَأْسُهُ تَقْطُرُ، فَقُلْنَا: مَا هَذَا (٣)؟

стр. 2379

قَالَ: أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْوَصِيفَةِ صَارَتْ فِي الْخُمُسِ، ثُمَّ صَارَتْ فِي آلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ صَارَتْ فِي آل عَلِيٍّ، وَقَعْتُ عَلَيْهَا، فكَتَبَ الرَّجُلُ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: ابْعَثْنِي، فَبَعَثَنِي مُصَدِّقًا، فَجَعَلْتُ أَقْرَأُ الْكِتَابَ، وَأَقُولُ: صَدَقَ، فَأَمْسَكَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: "أَتُبْغِضُ عَلِيًّا؟ ". فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا (١) تُبْغِضْهُ، وَإِنْ كنْتَ تُحِبُّهُ فَازْدَدْ لَهُ حُبًّا، فَوَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ (٢) لَنَصِيبُ آلِ عَلِيٍّ فِي الْخُمُسِ أَفْضَلُ مِنْ وَصِيفَةٍ". قَالَ بُرَيْدَةُ ﵁: فَمَا كَانَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ بَعْدَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ عَلِيٍّ (٣). وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ بُريْدَةَ ﵁ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ عَلِيٍّ الْيَمَنَ، فَرَأَيْتُ مِنْهُ جَفْوَةً، فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَكَرْتُ عَلِيًّا، فَتَنَقَّصْتُهُ، فَرَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَغَيَّرُ، فَقَالَ: "يَا بُرَيْدَةُ، أَلَسْتُ أَوْلَى بِالْمُؤْمنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟ "، قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ، فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ" (٤). وَرَوَى الْإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁

стр. 2380

قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ إِلَى الْيَمَنِ جَيْشَيْنِ، وَأَمَّرَ عَلَى أَحَدِهِمَا عَلِيًّا ﵁، وَعَلَى الآخَرِ خَالِدًا ﵁، وَقَالَ: "إِذَا كَانَ الْقِتَالُ فَعَلِيٌّ"، قَالَ: فَافْتَتَحَ عَلِيٌّ حِصْنًا، فَأَخَذَ مِنْهُ جَارِيَةً. قَالَ الْبَرَاءُ: فكَتَبَ مَعِي خَالِدٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُخْبِرُهُ، فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَرَأَ الْكِتَابَ، رَأَيْتُهُ يَتَغَيَّرُ لَوْنُهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا تَرَى فِي رَجُلٍ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُوله"، فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَمِنْ غَضَبِ رَسُولِهِ، وَإِنَّمَا أَنَا رَسُولٌ، فَسَكَتَ (١). وَظَلَّ عَلِيٌّ ﵁ فِي الْيَمَنِ يُقْرِئُهُمُ الْقُرْآنَ، وَيُعَلِّمُهُمُ الْإِسْلَامَ، وَكتَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُوَافِيَهُ بِالْمَوْسِمِ -مَوْسِمِ الحَجِّ-، فَرَجَعَ عَلِيٌّ ﵁، فَوَافَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ، كَمَا سَيَأْتِي. * * *

стр. 2381

٧ - وَفْدُ حَضْرَمَوْتَ قَدِمَ وَفْدُ حَضْرَمَوْتَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ وَفْدِ كِنْدَةَ، وَكَانَ فِيهِمْ: وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ (١) ﵁ وكَانَ أَحَدَ الأَشْرَافِ مِنْ أَبْنَاءِ المُلُوكِ -وَفي طَريقهمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ أَخَذَ عَدُوٌّ لَهُمْ وَائِلَ بْنَ حُجْرٍ، فَحَلَفَ أَحَدُهُمْ -وَهُوَ سُوَيْدُ بْنُ الْحَنْظَلِيَّةِ- أَنَّهُ أَخُوهُ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ قَالَ: خَرَجْنَا نُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَمَعَنَا وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ، فَأَخَذَهُ عَدُوٌّ له، فَتَحَرَّجَ النَّاسُ أَنْ يَحْلِفُوا، فَحَلَفْتُ أَنَا: إِنَّهُ أَخِي، فَخَلَّي سَبِيلَهُ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْبَرتُهُ أَنَّ الْقَوْمَ تَحَرَّجُوا أَنْ يَحْلِفُوا وَحَلَفْتُ أنا: إِنَّهُ أَخِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنْتَ كُنْتَ أبرَّهُمْ وَأَصْدَقَهُمْ، صَدَقْتَ الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمُ" (٢). فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى الْمَدِينَةِ رَحَّبَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَقْطَعَ (٣) وَائِلَ بْنَ

стр. 2382

حُجْرٍ ﵁ أَرْضًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقْطَعَهُ أَرْضًا، وَأَرْسَلَ مَعَهُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ﵄ أَنْ أَعْطِهَا إِيَّاهُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ ﵁: أَرْدِفْنِي خَلْفَكَ، فَقَالَ وَائِلٌ ﵁: لَا تَكُنْ مِنْ أَرْدَافِ الْمُلُوكِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ ﵁: أَعْطِنِي نَعْلَكَ (١)، فَقَالَ وَائِلٌ ﵁: انْتَعِلْ ظِلَّ النَّاقَةِ (٢)، قَالَ: فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ مُعَاوِيَةُ ﵁، أَتَيْتُهُ، فَأَقْعَدَنِي مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ، وَذَكَرَ لِيَ الْحَدِيثَ، فَقَالَ وَائِلٌ ﵁: وَدِدْتُ أنَي كُنْتُ حَمَلْتُهُ بَيْنَ يَدَيَّ (٣). * حِرْصُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁ عَلَى تَعَلُّمِ الدِّينِ: وَكَانَ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ ﵁ لَمَّا وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَرِيصًا عَلَى تَعَلُّمِ أَمْرِ الدِّينِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: لَأَنْظُرَنَّ كَيْفَ يُصَلِّي؟ ، قَالَ: فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَكَبَّرَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى كَانَتَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ أَخَذَ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى كَانَتَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، فَلَمَّا رَكَعَ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبتَيْهِ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى كَانَتَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ،

стр. 2383

فَلَمَّا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ مِنْ وَجْهِهِ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَلَمَّا قَعَدَ افْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ حَدَّ مِرْفَقِهِ عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَي، وَعَقَدَ ثَلَاثِينَ، وَحَلَّقَ وَاحِدَةً، وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ (١). * * *

стр. 2384

٨ - وَفْدُ مَذْحِجَ (١) قَدِمَ وَفْدُ مَذْحِجَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَكَانَ فِيهِمْ: هَانِئُ بْنُ يَزِيدَ ﵁، فَقَدْ أخَرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ هَانِئِ بْنِ يَزِيدَ ﵁، قَالَ: أَنَّ هَانِئًا لَمَّا وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مَعَ قَوْمِهِ، فَسَمِعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَنُّونَ هَانِئًا أَبَا الْحَكَمِ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ له: "إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ، وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ، فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ؟ ". فَقَالَ ﵁: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ، رَضُوا بِي حَكَمًا، فَأَحْكُمُ بَيْنَهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ ذَلِكَ لَحَسَنٌ، فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟ ". قَالَ: شُرَيْحٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَمُسْلِمٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَأَيُّهُمْ أَكْبَرُ؟ ". قَالَ: شُرَيْحٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ"، فَدَعَا لَهُ وَلوَلَدِهِ، فَلَمَّا أَرَادَ

стр. 2385

الْقَوْمُ الرُّجُوعَ إِلَى بِلَادِهِمْ، أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَرْضًا حَيْثُ أَحَبَّ فِي بِلَادِهِ، فَقَالَ أَبُو شُرَيْحٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ يُوجِبُ لِيَ الْجَنَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "طِيبُ الْكَلَامِ، وَبَذْلُ السَّلَامِ، وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ" (١). وَهَكَذَا تَتَابَعَتِ الْوُفُودُ إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ فِي سَنَتَيْ تِسْعٍ وَعَشْرٍ، وَتَأَخَّرَ بَعْضُهَا إِلَى السَّنَةِ الْحَادِيَةَ عَشَرَ لِلْهِجْرَةِ. * * *
следующие страницы →