← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

٧ - وَفْدُ حَضْرَمَوْتَ قَدِمَ وَفْدُ حَضْرَمَوْتَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ وَفْدِ كِنْدَةَ، وَكَانَ فِيهِمْ: وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ (١) ﵁ وكَانَ أَحَدَ الأَشْرَافِ مِنْ أَبْنَاءِ المُلُوكِ -وَفي طَريقهمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ أَخَذَ عَدُوٌّ لَهُمْ وَائِلَ بْنَ حُجْرٍ، فَحَلَفَ أَحَدُهُمْ -وَهُوَ سُوَيْدُ بْنُ الْحَنْظَلِيَّةِ- أَنَّهُ أَخُوهُ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ قَالَ: خَرَجْنَا نُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَمَعَنَا وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ، فَأَخَذَهُ عَدُوٌّ له، فَتَحَرَّجَ النَّاسُ أَنْ يَحْلِفُوا، فَحَلَفْتُ أَنَا: إِنَّهُ أَخِي، فَخَلَّي سَبِيلَهُ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْبَرتُهُ أَنَّ الْقَوْمَ تَحَرَّجُوا أَنْ يَحْلِفُوا وَحَلَفْتُ أنا: إِنَّهُ أَخِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنْتَ كُنْتَ أبرَّهُمْ وَأَصْدَقَهُمْ، صَدَقْتَ الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمُ" (٢). فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى الْمَدِينَةِ رَحَّبَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَقْطَعَ (٣) وَائِلَ بْنَ

стр. 2382

حُجْرٍ ﵁ أَرْضًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقْطَعَهُ أَرْضًا، وَأَرْسَلَ مَعَهُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ﵄ أَنْ أَعْطِهَا إِيَّاهُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ ﵁: أَرْدِفْنِي خَلْفَكَ، فَقَالَ وَائِلٌ ﵁: لَا تَكُنْ مِنْ أَرْدَافِ الْمُلُوكِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ ﵁: أَعْطِنِي نَعْلَكَ (١)، فَقَالَ وَائِلٌ ﵁: انْتَعِلْ ظِلَّ النَّاقَةِ (٢)، قَالَ: فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ مُعَاوِيَةُ ﵁، أَتَيْتُهُ، فَأَقْعَدَنِي مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ، وَذَكَرَ لِيَ الْحَدِيثَ، فَقَالَ وَائِلٌ ﵁: وَدِدْتُ أنَي كُنْتُ حَمَلْتُهُ بَيْنَ يَدَيَّ (٣). * حِرْصُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁ عَلَى تَعَلُّمِ الدِّينِ: وَكَانَ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ ﵁ لَمَّا وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَرِيصًا عَلَى تَعَلُّمِ أَمْرِ الدِّينِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: لَأَنْظُرَنَّ كَيْفَ يُصَلِّي؟ ، قَالَ: فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَكَبَّرَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى كَانَتَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ أَخَذَ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى كَانَتَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، فَلَمَّا رَكَعَ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبتَيْهِ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى كَانَتَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ،

стр. 2383

فَلَمَّا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ مِنْ وَجْهِهِ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَلَمَّا قَعَدَ افْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ حَدَّ مِرْفَقِهِ عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَي، وَعَقَدَ ثَلَاثِينَ، وَحَلَّقَ وَاحِدَةً، وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ (١). * * *

стр. 2384

٨ - وَفْدُ مَذْحِجَ (١) قَدِمَ وَفْدُ مَذْحِجَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَكَانَ فِيهِمْ: هَانِئُ بْنُ يَزِيدَ ﵁، فَقَدْ أخَرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ هَانِئِ بْنِ يَزِيدَ ﵁، قَالَ: أَنَّ هَانِئًا لَمَّا وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مَعَ قَوْمِهِ، فَسَمِعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَنُّونَ هَانِئًا أَبَا الْحَكَمِ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ له: "إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ، وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ، فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ؟ ". فَقَالَ ﵁: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ، رَضُوا بِي حَكَمًا، فَأَحْكُمُ بَيْنَهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ ذَلِكَ لَحَسَنٌ، فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟ ". قَالَ: شُرَيْحٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَمُسْلِمٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَأَيُّهُمْ أَكْبَرُ؟ ". قَالَ: شُرَيْحٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ"، فَدَعَا لَهُ وَلوَلَدِهِ، فَلَمَّا أَرَادَ

стр. 2385

الْقَوْمُ الرُّجُوعَ إِلَى بِلَادِهِمْ، أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَرْضًا حَيْثُ أَحَبَّ فِي بِلَادِهِ، فَقَالَ أَبُو شُرَيْحٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ يُوجِبُ لِيَ الْجَنَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "طِيبُ الْكَلَامِ، وَبَذْلُ السَّلَامِ، وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ" (١). وَهَكَذَا تَتَابَعَتِ الْوُفُودُ إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ فِي سَنَتَيْ تِسْعٍ وَعَشْرٍ، وَتَأَخَّرَ بَعْضُهَا إِلَى السَّنَةِ الْحَادِيَةَ عَشَرَ لِلْهِجْرَةِ. * * *

стр. 2386

كَلِمَةٌ بَيْنَ يَدَيْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَلَمَّا تَمَّ مَا أَرَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى، مِنْ تَطْهِيرِ نُفُوسِ الْأُمَّةِ مِنْ شَوَائِبِ الْوَثَنِيَّةِ، وَعَادَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِنَارَتِهَا بِنُورِ الْإِيمَانِ، وَإِشْعَالِ مَجَامِرِهَا بَالْحُبِّ وَالْحَنَانِ، وَتَمَّ مَا أَرَادَهُ اللَّهُ ، مِنْ تَطْهِيرِ بَيْتِهِ مِنَ الرِّجْسِ وَالْأَوْثَانِ، وَتَاقَتْ نُفُوسُ الْمُسْلِمِينَ، الذِينَ بَعُدَ عَهْدُهُمْ عَنْ حَجِّ الْبَيْتِ، وَطفَحَتْ كَأْسُ الْحُبِّ وَالْحَنَانِ، حَتَّى فَاضَتْ، وَدَنَتْ سَاعَةُ الْفِرَاقِ، وَأَلْجَأَتِ الضَّرُورَةُ إِلَى وَدَاعِ الْأُمَّةِ، آذَنَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ فِي الْحَجِّ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ لِيَحُجَّ الْبَيْتَ، وَيَلْقَى الْمُسْلِمِينَ، وَيُعَلِّمَهُمْ دِينَهُمْ وَمَنَاسِكَهُمْ، وَيُؤَدِّيَ الشَّهَادَةَ، ويُبَلِّغَ الْأَمَانَةَ، وَيُوصِي الْوَصَايَا الْأَخِيرَةَ، وَيَأْخُذَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ، وَيَمْحُوَ آثارَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَيَطْمِسَهَا وَيَضَعَهَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ. وَكَانَتْ هَذِهِ الْحَجَّةُ تَقُومُ مَقَامَ أَلْفِ خُطْبَةٍ، وَأَلْفِ دَرْسٍ، وَكَانَتْ مَدْرَسَةً مُتَنَقِّلَةً، وَمَسْجِدًا سَيَّارًا، وَثُكَنَةً (١) جَوَّالَةً، يتعَلَّمُ فِيهَا الْجَاهِلُ، وَيَنْتَبِهُ الْغَافِلُ، وَيَنْشَطُ فِيهَا الْكَسْلَانُ، وَيَقْوَى فِيهَا الضَّعِيفُ، وَكَانتْ سَحَابَةَ رَحْمَةٍ تَغْشَاهُمْ فِي

стр. 2387

الْحِلِّ وَالتِّرْحَالِ، وَهِيَ سَحَابَةُ صُحْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَحُبِّهِ وَعَطْفِهِ، وَتَرْبِيَتِهِ وَإِشْرَافِهِ (١). * تَسْجِيلُ دَقَائِقِ حَجَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: وَقَدْ سَجَّلَ الرُّوَاةُ الْعُدُولُ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ كُلَّ دَقِيقَةٍ مِنْ دَقَائِقِ هَذِهِ الْحَجَّةِ، وَكُلَّ حَادِثَةٍ مِنْ حَوَادِثِهَا الصَّغِيرَةِ تَسْجِيلًا لَا يُوجَدُ لَهُ نَظِير فِي رِحْلَاتِ الْمُلُوكِ وَالْعُظَمَاءِ، وَالْعُلَمَاءِ وَالنُّبَغَاءِ (٢). * * *

стр. 2388

حجة الوداع من بدايتها إلى نهايتها حَجَّةُ (١) الْوَدَاعِ وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْحَجَّةُ الْمُبَارَكَةُ حَجَّةَ الْوَدَاعِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَدَّعَ النَّاسَ فِيهَا، وَلَمْ يَحُجَّ بَعْدَهَا. فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الجَمَرَاتِ فِي الحَجَّةِ التِي حَجَّ بِهَا، وَقَالَ: "هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ"، فَطَفِقَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ"، وَوَدَّعَ النَّاسَ، فَقَالُوا: هَذِهِ حَجَّةُ الْوَدَاعِ (٢). وَتُسَمَّى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَحُجَّ مِنَ الْمَدِينَةِ بَعْدَ فَرْضِ الْحَجِّ (٣) غَيْرَهَا.

стр. 2389

وَتُسَمَّى حَجَّةَ الْبَلَاغِ وَالتَّمَامِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَلَّغَ النَّاسَ شَرْعَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْ دَعَائمِ الْإِسْلَامِ وَقَوَاعِدِهِ شَيْءٌ إِلَّا وَقَدْ بَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا بَيَّنَ لَهُمْ شَرِيعَةَ الْحَجِّ، وَوَضَّحَهُ، وَشَرَحَهُ، أَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِ، وَهُوَ وَاقِف بِعَرَفَةَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١). * هَلْ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ الهِجْرَةِ أَمْ لَا ؟ : رَوَي التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَجَّ ثَلَاثَ حِجَجٍ: حَجَّتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ، وَحَجَّةً بَعْدَمَا هَاجَرَ (٢). وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَجَّ النَّبِيُّ

стр. 2390

- ﷺ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ حِجَجًا، وَحَجَّ بَعْدَمَا هَاجَرَ الْوَدَاعَ (١). قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَهُوَ مَبْنِيٌّ -أَيْ حَجُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ الْهِجْرَةِ- عَلَى عَدَدِ وُفُودِ الْأَنْصَارِ إِلَى الْعَقَبَةِ بِمِنًى بَعْدَ الْحَجِّ، فَإِنَّهُمْ قَدِمُوا أَوَّلًا فَتَوَاعَدُوا، ثُمَّ قَدِمُوا ثَانِيًا فَبَايَعُوا الْبَيْعَةَ الْأُولَى، ثُمَّ قَدِمُوا ثَالِثًا، فَبَايَعُوا الْبَيْعَةَ الثَّانِيَةَ -كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ- (٢). * خُرُوجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ لِلْحَجِّ: وَفي ذِي الْقَعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ لِلْهِجْرَةِ أُذِّنَ فِي النَّاسِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَاجٌّ هَذَا الْعَامَ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُول اللَّهِ، وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ (٣). قَالَ جَابِرٌ (٤) ﵁: فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ رَاكِبًا أَوْ رَاجِلًا إِلَّا قَدِمَ (٥).

стр. 2391

وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَابْنِ حِبَّانَ، قَالَ جَابِر ﵁ وَهُوَ يَصِفُ كَثْرَةَ النَّاسِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ-: فنَظَرْتُ بَيْنَ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي مَدَّ بَصَرِي، وَالنَّاسُ مُشَاةٌ، وَرُكْبَانٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُلَبِّي. . . (١). خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ يَوْمَ السَّبْتِ (٢) لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ (٣)، بَعْدَ أَنْ ترَجَّلَ (٤) وَادَّهَنَ (٥)، وَبَعْدَ أَنْ صَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعًا (٦).

стр. 2392

وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمَدِينَةِ: أَبَا دُجَانَةَ السَّاعِدِيَّ ﵁، وَيُقَالُ: سِبَاعَ بْن عُرْفُطَةَ الْغِفَارِيَّ ﵁ (١). * خُرُوجُ نِسَائِهِ ﷺ مَعَهُ: خَرَجَ مَعَهُ ﷺ أَكْثَرُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ حَاجٍّ (٢)، وَكَانَتْ نِسَاؤُهُ ﷺ كُلُّهُنَّ مَعَهُ فِي الْهَوَادِج (٣). رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِنِسَائِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "هَذِهِ الْحَجَّةُ، ثُمَّ ظُهُورُ الْحُصُرِ" (٤).

стр. 2393

قَالَ: فَكُنَّ كُلُّهُنَّ يَحْجُجْنَ غَيْرَ زَيْنَبَ بْنِتِ جَحْشٍ، وَسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ، كَانَتَا تَقُولَانِ: وَاللَّهِ لَا تُحَرِّكُنَا دَابَّةٌ بَعْدَ أَنْ سَمِعْنَا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١). * طَرِيقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ (٢) وَإِحْرَامُهُ بِهَا: انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّه ﷺ إِلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ -وَهِيَ وَادِي الْعَقِيقِ- سَالِكًا طَرِيقَ الشَّجَرَةِ حَتَّى بَلَغَهَا قَبْلَ أَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ، فَصَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ، ثم بَاتَ هُنَاكَ حَتي أَصْبَحَ (٣)، وَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ، وَالصُّبْحَ، وَالظُّهْرَ، فَصَلَّى بِهَا -أَيْ فِي ذِي الْحُلَيْفَةِ- خَمْسَ صَلَوَاتٍ. وَطَافَ (٤) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَلَى نِسَائِهِ التِّسْعِ ﵅. (٥).

стр. 2394

فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: "أَتَانِي اللَّيْلةَ آتٍ مِنْ رَبِّي (١)، فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةً فِي حَجَّة" (٢). ثُمَّ اغْتَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ، وَهَذَا الْغُسْلُ غَيْرُ غُسْلِ الْجِمَاعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ طَيَّبَتْهُ عَائِشَةُ ﵂، بِيَدِهَا بِذَرِيرَةٍ (٣) وَبِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ، فِي بَدَنِهِ وَرَأْسِهِ، حَتَّى كَانَ وَبِيصُ (٤) الطِّيبِ يُرَى فِي مَفْرَقِ رَأْسِهِ ﷺ وَلحْيَتِهِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ (٥)، ثمَّ لبَّدَ (٦) شَعْرَ رَأسِهِ بِالْعَسَلِ (٧) حَتَّى لا يَشْعَثَ، ثُمَّ تَجَرَّدَ فِي إِزَارِهِ

стр. 2395

وَرِدَائِهِ (١)، ثُمَّ دَعَا بِهَدْيِهِ فَأَشْعَرَهُ وَقَلَّدَهُ (٢)، وَكَانَ عَلَى هَدْيِهِ نَاجِيَةُ بْنُ جُنْدُبٍ الْأَسْلَمِيُّ (٣) ﵁، ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ فِي مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ (٤)، وَقِيلَ: إِنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لِلْإِحْرَامِ (٥).

стр. 2396

ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي مُصَلَّاهُ وَقَرَنَ بَيْنَهُمَا (١)، ثُمَّ خَرَجَ فَرَكِبَ نَاقتَهُ الْقَصْوَاءَ (٢) فَأَهَلَّ أَيْضًا (٣)، ثُمَّ أَهَلَّ لَمَّا اسْتَقَلَّتْ (٤) بِهِ عَلَى

стр. 2397

الْبَيْدَاءِ (١) وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ! حَجَّةٌ لَا رِيَاءَ فِيهَا وَلَا سُمْعَةً" (٢). وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَاكِبًا عَلَى رَحْلٍ رَثٍّ (٣)، وَقَطِيفَةٍ تُسَاوِي أَوْ لَا تُسَاوِي أَرْبَعَةَ دَرَاهِمٍ (٤).

стр. 2398

* تَلْبِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: ثُمَّ لَبَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "لبَّيْكَ اللَّهُمَّ لبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ" (١). "لبَّيْكَ: إِلَهَ الْحَقِّ لبَّيْكَ" (٢). وَالنَّاسُ مَعَهُ ﷺ يزِيدُونَ فِي التَّلْبِيَةِ، وَيَنْقُصُونَ، وَهُوَ ﷺ يُقِرُّهُمْ، وَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ. قَالَ جَابِرٌ ﵁: وَلَبَّى النَّاسُ، وَالنَّاسُ يَزِيدُونَ: ذَا الْمَعَارجِ، وَنَحْوَهُ مِنَ الْكَلَامِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَسْمَعُ، فَلَمْ يَقُلْ لَهُمْ شَيْئًا (٣).

стр. 2399

وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جِبْرِيلُ ﵇، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْمُرَ أَصْحَابَهُ ﵃ بِرَفْعِ أَصْوَاتِهِمْ بِالتَّلْبِيَةِ، فَإِنَّهَا مِنْ شِعَارِ الْحَجِّ (١). قَالَ الْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ حَتَّى تُبَحَّ أَصْوَاتُهُمْ (٢). وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ وَابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "الْعَجُّ (٣) وَالثَّجُّ (٤) ". * وِلَادَةُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ -: وَفِي ذِي الْحُلَيْفَةِ وَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيَّةُ (٥) ﵂

стр. 2400

زَوْجُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَابْنُ مَاجَه عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ خَرَجَ حَاجًّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، وَمَعَهُ امْرَأَتَهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيَّةُ، فَلَمَّا كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ (١)، وَلَدَتْ أَسْمَاءُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَتَى أَبُو بَكْرٍ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵁ أَنْ يَأْمُرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، وَتَسْتَثْفِرَ (٢) بِثَوْبٍ، ثُمَّ تُهِلَّ بِالْحَجِّ، وَتَصْنَعَ مَا يَصْنَعُ النَّاسُ، إِلَّا أَنَّهَا لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ (٣). قَالَ ابْنُ القيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَفِي قِصَّتِهَا ثَلَاثُ سُنَنٍ: إِحْدَاهُمَا: غُسْلُ الْمُحْرِمِ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ الْحَائِضَ تَغْتَسِلُ لِإِحْرَامِهَا. وَالثَّالِثَةُ: أَنَّ الْإِحْرَامَ يَصِحُّ مِنَ الْحَائِضِ (٤).

стр. 2401

* مَسِيرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَكَّةَ وَأَحْدَاثٌ جَرَتْ فِي الطَّرِيقِ: مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي طَرِيقِهِ إِلَى مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَفِي الطَّرِيقِ حَدَثَتْ بَعْضُ الْأَحْدَاثِ، مِنْ ذَلِكَ: * شَأْنُ الْمَاشِي عَلَى قَدَمَيْهِ: روَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَابْنُ حِبَّانَ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ حِبَّانَ- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا (١) يُهَادَى (٢) بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا لَهُ؟ ". قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ مَشْي هَذَا، فَلْيَرْكَبْ" (٣) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَإِنَّمَا لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ إِمَّا لِأَنَّ الْحَجَّ رَاكِبًا أَفْضَلُ مِنَ الْحَجِّ مَاشِيًا، فنَذْرُ الْمَشْي يَقْتَضِي الْتِزَامَ تَرْكِ الْأَفْضَلِ، فَلَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، أَوْ لِكَوْنِهِ عَجَزَ عَنِ الْوَفَاءِ بِنَذْرِهِ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ (٤).

стр. 2402

* هَلْ لِلصَّبِيِّ حَجٌّ أَمْ لَا ؟ : رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِامْرَأَةٍ، فَقِيلَ لَهَا: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ، فَأَخَذَتْ بِعَضُدِ صَبِيٍّ كَانَ مَعَهَا، فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ" (١). قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ حُجَّةٌ لِلشَافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ حَجَّ الصَّبِيِّ مُنْعَقِدٌ صَحِيحٌ يُثَابُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُجْزِيهِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، بَلْ يَقَعُ تَطَوُّعًا، وَهَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِيهِ (٢). * شَأْنُ الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ: رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَلَمَةَ الضَّمْرِيِّ ﵁ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يُرِيدُ مَكَّةَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالرَّوْحَاءِ (٣)، إِذَا حِمَارٌ وَحْشِيٌّ عَقِيرٌ (٤)، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "دَعُوهُ، فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ صَاحِبُهُ"، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَهْرٍ، وهو صاحبه، إِلَى رسول اللَّه ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَأْنُكُمْ بِهَذَا الْحِمَارِ، فَأَمَرَ

стр. 2403

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ فَقَسَمَهُ بَيْنَ الرِّفَاقِ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْأُثَايَةِ بَيْنَ الرُّوَيْثَةِ وَالْعَرْجِ (١)، إِذَا ظَبْيٌ حَاقِفٌ (٢) فِي ظِلٍّ، وَفِيهِ سَهْمٌ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ يَقِفُ عِنْدَهُ لَا يَرِيبُهُ (٣) أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يُجَاوِزَهُ (٤). قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الْمُحْرِمِ مِنْ صَيْدِ الْحَلَالِ إِذَا لَمْ يَصِدْهُ لِأَجْلِهِ، وَأَمَّا كَوْنُ صَاحِبِهِ لَمْ يُحْرِمْ، فَلَعَلَّهُ لَمْ يَمُرَّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، فَهُوَ كَأَبِي قَتَادَةَ ﵁ فِي قِصَّتِهِ (٥). وَالْفَرْقُ بَيْنَ قِصَّةِ الظَّبْي، وَقِصَّةِ الْحِمَارِ، أَنَّ الذِي صَادَ الْحِمَارَ كَانَ حَلَالًا، فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ أَكْلِهِ، وَهَذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ حَلَالٌ، وَهُمْ مُحْرِمُونَ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ فِي أَكْلِهِ، وَوَكَّلَ مَنْ يَقِفُ عِنْدَهُ، لِئَلَّا يَأْخُذَهُ أَحَدٌ حَتَّى يُجَاوِزُوهُ (٦). * الْمُحْرمُ يُؤَدَّبُ غُلَامَهُ: ثُمَّ سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا نَزَلَ بِالْعَرْجِ (٧)، وَكَانَتْ زِمَالَتُهُ (٨) وَزِمَالَةُ

стр. 2404

أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ وَاحِدَةً، وَكَانَتْ مَعَ غُلَامِ أَبِي بَكْرٍ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَائِشَةُ إِلَى جَنْبِهِ، وَجَلَسَ أَبُو بَكْرٍ وَأَسْمَاءُ ابْنَتُهُ إِلَى جَنْبِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ يَنْتَظِرُ غُلَامَهُ وَالزِّمَالَةَ، إِذْ طَلَعَ الْغُلَامُ لَيْسَ مَعَهُ الْبَعِيرُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: أَيْنَ بَعِيرُكَ؟ قَالَ: أَضْلَلْتُهُ الْبَارِحَةَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَعِيرٌ وَاحِدٌ تُضِلُّهُ، فَطَفِقَ (١) يَضْرِبُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَبَسَّمُ، وَيَقُولُ: "انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْمُحْرِمِ مَا يَصْنَعُ؟ "، وَمَا يَزِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ، وَيتَبَسَّمُ (٢). * تَلْبِيَةُ الْأَنْبِيَاءِ ﵈: فَلَمَّا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَادِي عُسْفَانَ، قَالَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ! أَيُّ وَادٍ هَذَا؟ ". قَالَ: وَادِي عُسْفَانَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَقَدْ مَرَّ بِهِ هُودٌ وَصالِحٌ عَلَى بَكَرَاتٍ (٣) حُمْرٍ خُطُمُهَا (٤) اللِّيفُ، أُزُرُهُمُ الْعَبَاءُ، وَأَرْدِيَتُهُمُ النِّمَارُ (٥)، يُلَبُّونَ يَحُجُّونَ

стр. 2405

الْبَيْتَ الْعَتِيقَ" (١). * هَدِيَّةُ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ (٢): أَكْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرِيقَهُ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْأَبْوَاءِ (٣)، أَوْ وَدَّانَ (٤)، لَقِيَهُ الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ، فَأَهْدَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ مِنَ الْكَرَاهَةِ، قَالَ لَهُ: "إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ" (٥).

стр. 2406

قَالَ الْإِمَامُ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَجُوزُ لَهُ قَبُولُ الصَّيْدِ إِذَا كَانَ حَيًّا، وَإِنْ كَانَ مَيْتًا يَجُوزُ لَهُ قَبُولُ لَحْمِهِ (١). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَفِي حَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ مِنَ الْفَوَائِدِ: ١ - أَنَّ الْحُكْمَ بِالْعَلَامَةِ لِقَوْلهِ: فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِي. ٢ - وَفِيهِ جَوَازُ رَدِّ الْهَدِيَّةِ لِعِلَّةٍ، وَتَرْجَمَ لَهُ الْمُصَنِّفُ -أَيْ الْبُخَارِيُّ- "مَنْ رَدَّ الْهَدِيَّةَ لِعِلَّةٍ". ٣ - وَفِيهِ الِاعْتِذَارُ عَنْ رَدِّ الْهَدِيَّةِ تَطْيِيبًا لِقَلْبِ الْمُهْدِي. ٤ - وَفِيهِ أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَدْخُلُ فِي الْمُلْكِ إِلَّا بَالْقَبُولِ، وَأَنَّ قُدْرَتَهُ عَلَى تَمَلُّكِهَا لَا تُصَيِّرُهُ مَالِكًا لَهَا. ٥ - وَفِيهِ أَنَّ عَلَى الْمُحْرِمِ أَنْ يُرْسِلَ مَا فِي يَدِهِ مِنَ الصَّيْدِ الْمُمْتَنِعِ عَلَيْهِ اصْطِيَادُهُ (٢). * نُزُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِسَرِفٍ (٣): ثُمَّ وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى سَرِفٍ وَنَزَلَ بِهَا، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: "مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَا" (٤)،

стр. 2407

وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ - كَمَا ذَكَرْنَا -فَحَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَارِنًا (١). وَفِي سَرِفٍ حَاضَتْ عَائِشَةُ ﵂، فِي الْيَوْمِ الذِي نَدَبَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ إِلَى فَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: . . . فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: "مَا يُبْكِيكِ يَا هَنَتَاهُ (٢)؟ ". قَالَتْ: سَمِعْتُ قَوْلَكَ لِأَصْحَابِكَ فَمُنِعْتُ الْعُمْرَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَمَا شَأْنُكِ؟ ". قَالَتْ: لَا أُصَلِّي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَلَا يَضِيرُكِ، إِنَّمَا أَنْتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ، كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ، فكُونِي فِي حَجَّتِكِ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقكِيهَا" (٣).

стр. 2408

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَلَمَّا جِئْنَا سَرِفَ طَمِثْتُ (١)، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: "مَا يُبْكِيكِ؟ ". قَالَتْ: لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَحُجَّ الْعَامَ، أَوْ أَخْرُجِ الْعَامَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَعَلَّكِ نَفِسْتِ" (٢). قَالَتْ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَذَا شَيْءٌ كَتبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي" (٣). وَفِي رِوَايَةٍ ثَالِثَةٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "انْقُضِي رَأْسَكَ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَدَعِي الْعُمْرَةَ"، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَفَعَلْتُ (٤). * مَبِيتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذِي طُوًى (٥) وَدُخُولُهُ مَكَّةَ: أَكْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرِيقَهُ إِلَى مَكَّةَ حَتَّى نَزَلَ بِذِي طُوًى، فَلَمَّا وَصَلَ

стр. 2409

إِلَى ذِي طُوًى قَطَعَ التَّلْبِيَةَ، وَبَاتَ بِهَا لَيْلَةَ الْأَحَدِ لِأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، ثُمَّ أَصْبَحَ فَاغْتَسَلَ وَصَلَّى بِهَا الفجْرَ، ثُمَّ نَهَضَ إِلَى مَكَّةَ نَهَارًا مِنْ أَعْلَاهَا مِنْ كَدَاءَ (١) مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا التِي بِالْبَطْحَاءِ صَبِيحَةَ يَوْمِ الْأَحَدِ، وَنَزَلَ بِالْمُسْلِمِينَ بِظَاهِرِ مَكَّةَ عِنْدَ الْحَجُونِ (٢). * دُخُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَطَوَافُهُ بِالْبَيْتِ: ثُمَّ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ضُحًى، فَدَخَلَهُ مِنْ بَابِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَهُوَ بَابُ بَنِي شَيْبَةَ، الْمَعْرُوفُ الْآنَ بِبَابِ السَّلَامِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبَيْتَ كَبَّرَ، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ، اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً، وَزِدْ مَنْ حَجَّهُ أَوِ اعْتَمَرَهُ تَكْرِيمًا وَتَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا" (٣).

стр. 2410

ثُمَّ بَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَاسْتَلَمَهُ (١) وَقَبَّلَهُ، وَفَاضَتْ عَيْنَاهُ بِالْبُكَاءِ (٢). رَوَى ابْنُ مَاجَه فِي سُنَنِهِ وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَجَرَ وَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ وَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ يَبْكِي طَوِيلًا، ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَإِذَا هُوَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ يَبْكِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا عُمَرُ هَاهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ" (٣). وَرَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ، فَقَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ (٤).

стр. 2411

ثُمَّ طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْبَيْتِ مَاشِيًا (١)، فَرَمَلَ (٢) ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَالرُّكْنَ الْيَمَانِي فِي كُلِّ طَوَافِهِ (٣)، وَقَدِ اضْطَبَعَ (٤) بِرِدَائِهِ فَجَعَلَ طَرَفَيْهِ عَلَى أَحَدِ كَتِفَيْهِ، وَأَبْدَى كَتِفَهُ الْأَخْرَى، وَمَنْكِبَهُ، وَكَانَ كُلَّمَا حَاذَى (٥) الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ اسْتَلَمَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قبَّلَهَا وَكَبَّرَ، أَوِ اسْتَلَمَهُ بِمِحْجَنِهِ (٦)

стр. 2412

وَقَبَّلَ الْمِحْجَنَ وَكَبَّرَ إِذَا ازْدَحَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ (١)، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ -أَي الْأَسْوَدِ وَالْيَمَانِي- فَيَقُولُ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٢). وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَبَّلَ الرُّكْنَ الْيَمَانِي، أَوْ قَبَّلَ يَدَهُ عِنْدَ اسْتِلَامِهِ (٣). فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ طَوَافِهِ، جَاءَ إِلَى خَلْفِ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٤)، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَالْمَقَامُ بَيْنَهُ

стр. 2413

وَبَيْنَ الْبَيْتِ، قَرَأَ فِيهِمَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ بِـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ صَلَاتِهِ، عَادَ إِلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَاسْتَلَمَهُ (١). * سَعْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الصَّفَا مِنَ الْبَابِ الذِي يُقَابِلُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٢)، ثُمَّ قَالَ: "أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ"، فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقَى عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّه وَكَبّرَهُ، وَقَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ"، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ ذَلِكَ، فَقَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ يَمْشِي إِلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ (٣) قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي رَمَلَ (٤)، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: "لَا يُقْطَعُ الْوَادِي إِلَّا شَدًّا (٥) "، وَقَالَ أَيْضًا رَسُولُ اللَّهِ

стр. 2414

- ﷺ : "اسْعَوْا، فَإِنَّ اللَّه كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ" (١)، حَتَّى إِذَا جَاوَزَ الْوَادِي، وَصَعَدَ الْمَرْوَةَ مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَرَقَى عَلَيْهَا حَتَّى نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ، فَقَالَ عَلَيْهَا كَمَا قَالَ عَلَى الصَّفَا (٢). رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِالشَّوَاهِدِ عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي تَجْرَأَةَ ﵂ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ، وَالنَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهُوَ وَرَاءَهُمْ، وَهُوَ يَسْعَى حَتَّى أَرَى رُكْبَتَيْهِ مِنْ شِدَّةِ السَّعْي، يَدُورُ بِهِ إِزَارُهُ (٣).

стр. 2415

وَهَذَا كُلُّهُ يَقْتَضِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مَاشِيًا، لَكِنْ رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. . . (١). وَرَوَى الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ قُدَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَلَى بَعِيرٍ لَا ضَرْبَ، وَلَا طَرْدَ (٢)، وَلَا إِلَيْكَ (٣) إِلَيْكَ (٤). وَقَدْ جَمَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: . . . أَخْبِرْنِي عَنِ الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رَاكِبًا، أَسُنَّةٌ هُوَ؟ ، فَإِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ سُنَّةٌ. فَقَالَ ﵁: صَدَقُوا وَكَذَبُوا، فَقَالَ أَبُو الطُّفَيْلِ: وَمَا قَوْلُكَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا؟ .

стр. 2416

قَالَ ﵁: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ يَقُولُونَ: هَذَا مُحَمَّدٌ، هَذَا مُحَمَّد، حَتَّى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ (١) مِنَ الْبُيُوتِ، قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُضْرَبُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا كَثُرَ عَلَيْهِ رَكِبَ، وَالْمَشْيُ وَالسَّعْيُ أَفْضَلُ (٢). * أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ بِفَسْخِ الحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ: فَلَمَّا أَكْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَوَافَهُ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ، وَكَانَ عَلَى الْمَرْوةِ، أَمَرَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ مِنْ أَصْحَابِهِ قَارِنًا كَانَ أَوْ مُفْرِدًا، أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً، وَيَتَحَلَّلَ مِنْ إِحْرَامِهِ، فَقَالُوا: كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً، وَقَدْ سَمَّيْنَا الْحَجَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "افْعَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ" (٣). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالُوا: أَيُّ الْحِلِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْحِلُّ كُلُّهُ". فَضَاقَتْ بِذَلِكَ صُدُورِ الصَّحَابَةِ ﵃، وَكَبُرَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَرُوحُ أَحَدُنَا إِلَى مِنًى وَذَكَرُهُ يَقْطُرُ مَنِيًّا؟ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ" (٤).

стр. 2417

ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، وَهُوَ غَضْبَانُ، فَقَالَتْ: مَنْ أَغْضَبَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوَ مَا شَعَرْتِ أَنِّي أَمَرْتُ النَّاسَ بِأَمْرٍ، فَإِذَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ". (١) * لِمَاذَا اسْتَنْكَرَ الصَّحَابَةُ ﵃ فَسْخَ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ: وَكَانَ سَبَبُ إِنْكَارِ الصَّحَابَةِ ﵃ هَذَا الْأَمْرَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ (٢)، فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبْطِلَ مَا كَانَتْ تَزْعُمُهُ الْجَاهِلِيَّةُ، وَلذَلِكَ شَدَّدَ عَلَيْهِمْ، وَغَضِبَ لَمَّا تَلَكَّأَ الصَّحَابَةُ ﵃ عَنِ امْتِثَالِ أَمْرِهِ

стр. 2418

- ﷺ ، فَشَدَّدَ عَلَيْهِمْ لِإِزَالَةِ التَّحَرُّجِ مِنْ نُفُوسِهِمْ عَنْ فِعْلٍ مَشْرُوعٍ. * خُطْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَصْحَابِهِ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلنَّاسِ: "قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَتْقَاكُمْ للَّهِ، وَأَصْدَقُكُمْ وَأَبَرُّكُمْ، وَلَوْلَا هَدْيِي لَحَلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ، وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، فَحِلُّوا" (١). فَسَمِعُوا وَأَطَاعُوا ﵃، وَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ، إِلَّا الرَّسُولُ ﷺ ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ ﵃، وَذَوُو الْيَسَارَةِ، وَحَلَّ نِسَاؤُهُ ﷺ بِعُمْرَةٍ إِلَّا عَائِشَةُ ﵂، لَمْ تَحِلَّ مِنْ أَجْلِ حَيْضتِهَا (٢). قَالَ جَابِرٌ ﵁: فَأَتَيْنَا النِّسَاءَ، وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ، وَمَسَسْنَا الطِّيبَ (٣).

стр. 2419

* دُخُولُ الْعُمْرَةِ فِي الحَجِّ: وَهُنَاكَ سَأَلَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ الْجُعْشُمِيُّ ﵁ عُقِيبَ أَمْرِهِ ﷺ أَصْحَابَهُ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عُمْرتُنَا هَذِهِ لِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ . فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَابِعَهُ، وَقَالَ: "بَلْ لِلْأَبَدِ، دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ"، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (١). * مَا أَفْضَلُ أَنْوَاعِ النُّسُكِ ؟ : وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي أَيِّ أَنْوَاعِ نُسُكِ الْحَجِّ الثَّلَاثَةِ أَفْضَلُ: الْإِفْرَادُ، أَمْ التَّمَتُّعُ، أَمِ الْقِرَانُ؟ . مِنْ خِلَالِ مَا ذَكَرْنَا، تَتَّضِحُ الدِّلَالَةُ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ التَّمَتُّعِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَخْذًا مِنْ هَذَا، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا أَشُكُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ قَارِنًا، وَلَكِنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ لِتَأَسُّفِهِ عَلَيْهِ.

стр. 2420

وَرَدَّ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ قَوْلَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀، فَقَالَ: وَجَوَابُهُ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَتَأَسَّفْ لِكَوْنِهِ -أَي التَّمَتُّعُ- أَفْضَلَ مِنَ الْقِرَانِ فِي حَقِّ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، وَإِنَّمَا تَأَسَّفَ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَشُقَّ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي بَقَائِهِ عَلَى إِحْرَامِهِ وَأَمْرِهِ لَهُمْ بِالْإِحْلَالِ، وَلِهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَمَّا تَأَمَّلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ هَذَا السِّرَّ نَصَّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ، عَلَى أَنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ، لِأَمْرِهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالتَّمَتُّعِ، وَأَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ فِي حَقِّ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، كَمَا اخْتَارَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (١). * إِقَامَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ: ثُمَّ عَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ طَوَافِهِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَأَمْرِهِ أَصْحَابَهُ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ لِمَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ، حَتَّى نَزَلَ بِالْأَبْطَحِ شَرْقِيِّ مَكَّةَ، فَأَقَامَ هُنَاكَ بَقِيَّةَ يَوْمِ الْأَحَدِ، وَالِاثْنَيْنِ، وَالثُّلَاثَاءِ، وَالْأَرْبِعَاءِ حَتَّى صَلَّى الصُّبْحَ مِنْ يَوْمِ الْخَمِيسِ، كُلُّ ذَلِكَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ هُنَاكَ، وَلَمْ يَعُدْ إِلَى الْكَعْبَةِ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ. رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ فَطَافَ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَمْ يَقْرَبِ الْكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ (٢).
следующие страницы →