← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

قَالَ ﵁: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ يَقُولُونَ: هَذَا مُحَمَّدٌ، هَذَا مُحَمَّد، حَتَّى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ (١) مِنَ الْبُيُوتِ، قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُضْرَبُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا كَثُرَ عَلَيْهِ رَكِبَ، وَالْمَشْيُ وَالسَّعْيُ أَفْضَلُ (٢). * أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ بِفَسْخِ الحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ: فَلَمَّا أَكْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَوَافَهُ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ، وَكَانَ عَلَى الْمَرْوةِ، أَمَرَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ مِنْ أَصْحَابِهِ قَارِنًا كَانَ أَوْ مُفْرِدًا، أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً، وَيَتَحَلَّلَ مِنْ إِحْرَامِهِ، فَقَالُوا: كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً، وَقَدْ سَمَّيْنَا الْحَجَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "افْعَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ" (٣). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالُوا: أَيُّ الْحِلِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْحِلُّ كُلُّهُ". فَضَاقَتْ بِذَلِكَ صُدُورِ الصَّحَابَةِ ﵃، وَكَبُرَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَرُوحُ أَحَدُنَا إِلَى مِنًى وَذَكَرُهُ يَقْطُرُ مَنِيًّا؟ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ" (٤).

стр. 2417

ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، وَهُوَ غَضْبَانُ، فَقَالَتْ: مَنْ أَغْضَبَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوَ مَا شَعَرْتِ أَنِّي أَمَرْتُ النَّاسَ بِأَمْرٍ، فَإِذَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ". (١) * لِمَاذَا اسْتَنْكَرَ الصَّحَابَةُ ﵃ فَسْخَ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ: وَكَانَ سَبَبُ إِنْكَارِ الصَّحَابَةِ ﵃ هَذَا الْأَمْرَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ (٢)، فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبْطِلَ مَا كَانَتْ تَزْعُمُهُ الْجَاهِلِيَّةُ، وَلذَلِكَ شَدَّدَ عَلَيْهِمْ، وَغَضِبَ لَمَّا تَلَكَّأَ الصَّحَابَةُ ﵃ عَنِ امْتِثَالِ أَمْرِهِ

стр. 2418

- ﷺ ، فَشَدَّدَ عَلَيْهِمْ لِإِزَالَةِ التَّحَرُّجِ مِنْ نُفُوسِهِمْ عَنْ فِعْلٍ مَشْرُوعٍ. * خُطْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَصْحَابِهِ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلنَّاسِ: "قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَتْقَاكُمْ للَّهِ، وَأَصْدَقُكُمْ وَأَبَرُّكُمْ، وَلَوْلَا هَدْيِي لَحَلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ، وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، فَحِلُّوا" (١). فَسَمِعُوا وَأَطَاعُوا ﵃، وَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ، إِلَّا الرَّسُولُ ﷺ ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ ﵃، وَذَوُو الْيَسَارَةِ، وَحَلَّ نِسَاؤُهُ ﷺ بِعُمْرَةٍ إِلَّا عَائِشَةُ ﵂، لَمْ تَحِلَّ مِنْ أَجْلِ حَيْضتِهَا (٢). قَالَ جَابِرٌ ﵁: فَأَتَيْنَا النِّسَاءَ، وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ، وَمَسَسْنَا الطِّيبَ (٣).

стр. 2419

* دُخُولُ الْعُمْرَةِ فِي الحَجِّ: وَهُنَاكَ سَأَلَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ الْجُعْشُمِيُّ ﵁ عُقِيبَ أَمْرِهِ ﷺ أَصْحَابَهُ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عُمْرتُنَا هَذِهِ لِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ . فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَابِعَهُ، وَقَالَ: "بَلْ لِلْأَبَدِ، دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ"، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (١). * مَا أَفْضَلُ أَنْوَاعِ النُّسُكِ ؟ : وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي أَيِّ أَنْوَاعِ نُسُكِ الْحَجِّ الثَّلَاثَةِ أَفْضَلُ: الْإِفْرَادُ، أَمْ التَّمَتُّعُ، أَمِ الْقِرَانُ؟ . مِنْ خِلَالِ مَا ذَكَرْنَا، تَتَّضِحُ الدِّلَالَةُ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ التَّمَتُّعِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَخْذًا مِنْ هَذَا، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا أَشُكُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ قَارِنًا، وَلَكِنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ لِتَأَسُّفِهِ عَلَيْهِ.

стр. 2420

وَرَدَّ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ قَوْلَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀، فَقَالَ: وَجَوَابُهُ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَتَأَسَّفْ لِكَوْنِهِ -أَي التَّمَتُّعُ- أَفْضَلَ مِنَ الْقِرَانِ فِي حَقِّ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، وَإِنَّمَا تَأَسَّفَ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَشُقَّ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي بَقَائِهِ عَلَى إِحْرَامِهِ وَأَمْرِهِ لَهُمْ بِالْإِحْلَالِ، وَلِهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَمَّا تَأَمَّلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ هَذَا السِّرَّ نَصَّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ، عَلَى أَنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ، لِأَمْرِهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالتَّمَتُّعِ، وَأَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ فِي حَقِّ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، كَمَا اخْتَارَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (١). * إِقَامَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ: ثُمَّ عَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ طَوَافِهِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَأَمْرِهِ أَصْحَابَهُ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ لِمَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ، حَتَّى نَزَلَ بِالْأَبْطَحِ شَرْقِيِّ مَكَّةَ، فَأَقَامَ هُنَاكَ بَقِيَّةَ يَوْمِ الْأَحَدِ، وَالِاثْنَيْنِ، وَالثُّلَاثَاءِ، وَالْأَرْبِعَاءِ حَتَّى صَلَّى الصُّبْحَ مِنْ يَوْمِ الْخَمِيسِ، كُلُّ ذَلِكَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ هُنَاكَ، وَلَمْ يَعُدْ إِلَى الْكَعْبَةِ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ. رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ فَطَافَ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَمْ يَقْرَبِ الْكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ (٢).

стр. 2421

قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَلَعَلَّهُ ﷺ تَرَكَ الطَّوَافَ تَطَوُّعًا خَشْيَةَ أَنْ يَظُنَّ أَحَدٌ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ التَّخْفِيفَ عَلَى أُمَّتِهِ، وَنُقِلَ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ ﵀ أَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ لِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ (١). * قَصْرُ الصَّلَاةِ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُدَّةَ إِقَامَتِهِ هُنَاكَ إِلَى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ (٢) إِلَى الْبَطْحَاءِ (٣)، فتَوَضَّأَ (٤)، وَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ (٥)، وَكَانَ يَمُرُّ مِنْ وَرَائِهَا الْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ، ثُمَّ قَامَ النَّاسُ، فَجَعَلُوا يَأْخُذُونَ يَدَهُ، فَيَمْسَحُونَ بِهَا وُجُوهَهُمْ، فَأَخَذْتُ يَدَهُ، فَوَضَعْتُهَا عَلَى وَجْهِي، فَإِذَا هِيَ أَبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ، وَأَطْيَبُ رِيحًا مِنَ الْمِسْكِ (٦).

стр. 2422

* فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ: ١ - الْتِمَاسُ الْبَرَكَةِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ٢ - وَضْعُ السُّتْرَةِ لِلْمُصَلِّي حَيْثُ يَخْشَى الْمُرُورَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالِاكْتِفَاءُ فِيهَا بِمِثْلِ غِلَظِ الْعَنَزَةِ. ٣ - وَفِيهِ أَنَّ قَصْرَ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ مِنَ الْإِتْمَامِ لِمَا يُشْعِرُ بِهِ الْخَبَرُ مِنْ مُوَاظَبَتِهِ ﷺ عَلَيْهِ. ٤ - وَفِيهِ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْقَصْرِ مِنْ حِينِ مُفَارَقَةِ الْبَلَدِ الذِي يَخْرُجُ مِنْهُ. ٥ - وَفِيهِ تَعْظِيمُ الصَّحَابَةِ ﵃ لِلنَّبِيِّ ﷺ (١). * يَا لَسَعَادَةَ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلةَ ﵁ -: وَحِينَئِذٍ رَأَى أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ الْبَكْرِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَعُدَّ مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵁. رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْهُ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ، وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ (٢). وَرَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ الْجُرَيْرِيِّ،

стр. 2423

عَنْ أَبِي الطُّفْيَلِ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: رَأَيْتَ النَّبِيَّ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَا أَعْلَمُ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ رَجُلًا حَيًّا رَأَى النَّبِيَّ ﷺ غَيْرِي. وَفِي لفظٍ قَالَ ﵁: مَا بَقِيَ أَحَدٌ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ غَيْرِي (١). قَالَ الْإِمَامُ الذَّهَبِيُّ فِي السِّيَرِ: أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ اللَّيْثِيُّ خَاتِمُ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الدُّنْيَا، وَكَانَ ﵁ صَادِقًا، عَالِمًا، شَاعِرًا، فَارِسًا، عُمِّرَ دَهْرًا طَوِيلًا، وَشَهِدَ مَعَ عَلِيٍّ ﵁ حُرُوبَهُ، وَمَاتَ بِمَكَّةَ سَنَةً عَشْرٍ وَمِئَةٍ (٢). وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ، فَقَالَ: "أَرَأَيْتُكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِئَةِ سَنةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ" (٣). قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْه الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: إِنَّمَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ هَذِهِ الْمُدَةَ تَخْتَرِمُ (٤) الْجِيلَ الذِي هُمْ فِيهِ، فَوَعَظَهُمْ بِقِصَرِ أَعْمَارِهِمْ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ أَعْمَارَهُمْ لَيْسَتْ كَأَعْمَارِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأَمَمِ لِيَجْتَهِدُوا فِي الْعِبَادَةِ (٥).

стр. 2424

* قُدُومُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ مِنَ الْيَمَنِ: فِي هَذِهِ الْفتْرَةِ قَدِمَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ مِنَ الْيَمَنِ حَاجًّا، فَدَخَلَ عَلَى زَوْجَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَوَجَدَهَا قَدْ حَلَّتْ، وَتَكَحَّلَتْ، وَلَبِسَتْ ثِيَابَ صِبْغٍ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، وَقَالَ لَهَا: مَنْ أَمَرَكِ بِهَذَا؟ ، قَالَتْ: أَمَرَنِي أَبِي بِهَذَا. فَأَتَى عَلِيٌّ ﵁ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُحَرِّشًا (١) عَلَى فَاطِمَةَ ﵂ لِلَّذِي صَنَعَتْ مُسْتَفْتِيًا (٢) رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيمَا ذَكَرَتْ عَنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَدَقَتْ، صَدَقَتْ، أَنَا أَمَرْتُهَا بِهِ". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ ﵁: "مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟ " (٣). قَالَ ﵁: قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا تَحِلَّ" (٤). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ ﵁: "فَأَهْدِ وَامْكُثْ حَرَامًا كَمَا أَنْتَ" (٥).

стр. 2425

وَكَانَ عَلِيٌّ ﵁، قَدِمَ بِهَدْيٍ مِنَ الْيَمَنِ، فَكَانَ مَجْمُوعُ الْهَدْيِ الذِي قَدِمَ بِهِ، وَالذِي أَتَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِئَةَ بَدَنَةٍ (١). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِي: "انْطَلِقْ، فَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَحِلَّ كَمَا حَلَّ أَصْحَابُكَ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَهْلَلْتُ كَمَا أَهْلَلْتَ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَهَلْ مَعَكَ هَدْيٌ؟ "، قَالَ عَلِيٌّ ﵁: لَا (٢)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَأَقِمْ كَمَا أَنْتَ، وَلَكَ ثُلُثُ هَدْيِي"، فَأَشْرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي هَدْيِهِ (٣). * قُدُومُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ -: وَقَدِمَ مِنَ الْيَمَنِ أَيْضًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ﵁، فَجَاءَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْبَطْحَاءَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بِمَا أَهْلَلْتَ". قَالَ: قُلْتُ: أَهْلَلْتُ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَلْ مَعَكَ مِنْ هَدْيٍ؟ ".

стр. 2426

قَالَ: لَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَاسْعَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوةِ، ثُمَّ حِلَّ"، فَفَعَلَ (١). * خُرُوجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ إِلَى مِنًى: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ (٢)، وَهُوَ الْيَوْمُ الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَكَانَ يَوْمَ الْخَمِيسِ ضُحًى، تَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مِنًى، وَقَدْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مَنْ كَانَ أَحَلَّ مِنْهُمْ، فَلَمَّا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مِنًى نَزَلَ هُنَاكَ، وَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، قَصْرًا رَكْعَتَيْنِ، وَبَاتَ بِمِنًى تِلَكْ اللَّيْلَةِ، وَكَانَتْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، وَصَلَّى بِهَا الصُّبْحَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلَا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ (٣).

стр. 2427

رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِمِنًى خَمْسَ صَلَوَاتٍ (١). وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: مِنْ سُنَّةِ الْحَجِّ أَنْ يُصَلِّيَ الْإِمَامُ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، وَالصُّبْحَ بِمِنًى (٢). * تَوَجُّهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى عَرَفَةَ وَخُطبَتُهُ بِهَا: فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ -مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ- نَهَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى عَرَفَةَ، وَأَمَرَ أَنْ تُضْرَبَ لَهُ قُبَّةٌ مِنْ شَعْرٍ بِنَمِرَةَ (٣)، فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَالِكًا طَرِيقَ ضَبٍّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِهِ ﷺ الْمُلَبِّي، وَمِنْهُمُ الْمُكَبِّرُ، وَهُوَ يَسْمَعُ ذَلِكَ وَلَا يُنْكِرُ عَلَى هَؤُلَاءَ وَلَا عَلَى هَؤُلَاءِ (٤)، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى عَرَفَةَ وَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِنَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ

стр. 2428

فَرُحِلَتْ لَهُ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى أَتَى بَطْنَ الْوَادِي مِنْ أَرْضِ عُرَنَةَ، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ (١)، خُطْبَةً عَظِيمَةً جَامِعَةً، قَرَّرَ فِيهَا قَوَاعِدَ الْإِسْلَامِ، وَهَدَمَ فِيهَا قَوَاعِدَ الشِّرْكِ وَالْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّه تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ: "أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا. أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ دِمَاءَكُمْ (٢) وَأَمْوَالَكُمْ (٣) حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ

стр. 2429

هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا. أَلَا إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ إِيَادِ (١) بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، كَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلُ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأوّلُ رِبًا أَضَعَ رِبَانَا، رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ. فَاتَّقَوا اللَّه فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (٢).

стр. 2430

أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ اللَّه قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ، وَالْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ (١)، وَلِلْعَاهِرِ (٢) الْحَجَرُ (٣)، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ، وَمَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنةُ اللَّهِ التَّابِعَةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا تُنْفِقُ الْمَرْأَةُ شيْئًا مِنْ بَيْتِهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا"، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الطَّعَامَ؟ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ذَلِكَ أَفْضَلُ أَمْوَالِنَا". الْعَارِيَةُ (٤) مُؤَدَّاةٌ، وَالْمِنْحَةُ (٥) مَرْدُودَةٌ، وَالدَّينُ مَقْضِيٌّ، وَالزَّعِيمُ (٦)

стр. 2431

غَارِمٌ (١) ". "مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا، فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ لِلْمُحْرِمِ" (٢). "وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كتَابَ اللَّهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ ". قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

стр. 2432

بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا (١) إِلَى النَّاسِ: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ" (٢). فَهَذِهِ خُطْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَكَانَتْ قَصِيرَةً. رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَالِمِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيِّ أَنْ لَا يُخَالِفَ ابْنَ عُمَرَ فِي الْحَجِّ. . . فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ لِلْحَجَّاجِ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَاقْصُرِ الْخُطْبَةَ وَعَجِّلِ الْوُقُوفَ (٣). وَكَانَ الرَّجُلُ الذِي يَصْرُخُ فِي النَّاسِ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِعَرَفَةَ رَبِيعَةَ بْنَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، أَخُو صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَكَانَ صَيِّتًا (٤)، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَهُ: "يَا رَبِيعَةُ! قُلْ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ كَذَا"،

стр. 2433

فَيَصْرَخُ بِهِ (١). * جَمْعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَوُقُوفُهُ بِعَرَفَةَ: فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ خُطْبَتِهِ أَمَرَ بِلَالًا ﵁، فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا (٢). ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ جَبَلَ (٣) الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا، مُشْتَغِلًا بِالدُّعَاءِ، وَالتَّضَرُّعِ، وَالِابْتِهَالِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ (٤).

стр. 2434

* هَلْ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمِ عَرَفَةَ أَمْ لَا ؟ : وَقَدْ شَكَّ النَّاسُ فِي صِيَامِهِ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أُمُّ الفضْلِ زَوْجُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵄، بِقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبَهُ ﷺ أَمَامَ النَّاسِ، وَهُوَ عَلَى بَعِيرِهِ (١). رَوَى الشَّيْخَانِ كَذَلِكَ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ﵂ قَالَتْ: أَنَّ النَّاسَ شَكُّوا فِي صِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِحِلَابٍ (٢)، وَهُوَ وَاقِفٌ فِي الْمَوْقِفِ، فَشَرِبَ مِنْهُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ (٣). وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَوْمُ عَرَفَةَ (٤)، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ،

стр. 2435

وَهُنَّ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ" (١). قَالَ ابْنُ القيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ إِفْطَارُ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ، وَقَدْ ذُكِرَ لِفْطِرْهِ ﷺ بِعَرَفَةَ عِدَّةُ حِكَمٍ: ١ - مِنْهَا أَنَّهُ أَقْوَى عَلَى الدُّعَاءِ. ٢ - وَمِنْهَا أَنَّ الْفِطْرَ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ فِي فَرْضِ الصَّوْمِ، فَكَيْفَ بِنَفْلِهِ. ٣ - وَمِنْهَا أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ نَهَى عَنْ إِفْرَادِهِ بِالصَّوْمِ، فَأَحَبَّ أَنْ يَرَى النَّاسُ فِطْرَهُ فِيهِ تَأْكِيدًا لِنَهْيِهِ عَنْ تَخْصِيصِهِ بِالصَّوْمِ، وَإِنْ كَانَ صَوْمُهُ لِكَوْنِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ لَا يَوْمَ جُمُعَةٍ (٢). وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ أَنْ يَرْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ (٣)، فَقَالَ: "عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ" (٤).

стр. 2436

وَأَخْبَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ عَرَفَةَ لَا تَخْتَصُّ بِمَوْقِفِهِ الذِي وَقَفَ فِيهِ، بَلْ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، فَقَالَ ﷺ : "وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ" (١). وَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى النَّاسِ أَنْ يَكُوُنوا عَلَى مَشَاعِرِهِمْ (٢) وَيَقِفُوا بِهَا، فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ، وَابْنُ مَاجَه فِي سُنَنِهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَيْبَانَ ﵁ قَالَ: أَتَانَا ابْنُ مِرْبِعٍ الْأَنْصَارِيُّ بِعَرَفَةَ، وَنَحْنُ بِمَكَانٍ مِنَ الْمَوْقِفِ بَعِيدٍ، فَقَالَ: إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْكُمْ يَقُولُ: "كُونُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ، فَإِنَّكُمْ عَلَى إِرْث مِنْ إِرْثِ إِبْرَاهِيمَ" (٣). * سُؤُالُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحَجِّ: وَهُنَاكَ أَقْبْلَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحَجِّ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ

стр. 2437

يَعْمَرَ الدَّيْلِيِّ ﵁ قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، وَأَتَاهُ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ الْحَجُّ؟ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ (١)، فقدْ تَمَّ حَجُّهُ" (٢). * دُعَاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنْشَغِلًا فِي عَرَفَةَ بِالدُّعَاءِ، وَكَانَ فِي دُعَائِهِ رَافِعًا يَدَيْهِ إِلَى صَدْرِهِ كَاسْتِطْعَامِ الْمِسْكِينِ. رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَاتٍ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو، فَمَالَتْ بِهِ نَاقَتُهُ، فَسَقَطَ خِطَامُهَا (٣)، فتَنَاوَلَ الْخِطَامَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَهُ الْأَخْرَى (٤). وَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ أَنَّ أَفْضَلَ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ

стр. 2438

قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (١). وَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ أَنَّهُ: "مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟ " (٢). وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ". . . مَا مِنْ يَوْمٍ أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِأَهْلِ الْأَرْضِ أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُ: اُنْظُرُوا إِلَى عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ (٣) جَاؤُوا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ يَرْجُونَ رَحْمَتِي، وَلَمْ يَرَوْا عَذَابِي، فَلَمْ يُرَ يَوْمٌ أَكْثَرُ عِتْقًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ" (٤). وَعِنْدَ الْمُنْذِرِيِّ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁

стр. 2439

قَالَ: وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَفَاتٍ، وَقَدْ كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَؤُوبَ (١)، فَقَالَ: "يَا بِلَالُ أَنْصِتْ لِيَ النَّاسَ"، فَقَامَ بِلَالٌ، فَقَالَ: أَنْصِتُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَنْصَتَ النَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَعْشَرَ النَّاسِ أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇ آنِفًا فَأَقْرَأَنِي مِنْ رَبِّي السَّلَامَ، وَقَالَ: إِنَّ اللَّه غَفَرَ لِأَهْلِ عَرَفَاتٍ، وَأَهْلِ الْمَشْعَرِ، وَضَمِنَ عَنْهُمُ التَّبِعَاتِ"، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا لَنَا خَاصَّةً؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَذَا لَكُمْ، وَلِمَنْ أَتَي مِنْ بَعْدِكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: كَثُرَ خَيْرُ اللَّهِ وَطَابَ (٢). * نُزُولُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾: وَنَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٣)، فَلَمَّا سَمِعَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ بَكَى، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا يُبْكِيكَ يَا عُمَرُ؟ ". قَالَ: أَبْكَانِي أَنَّا كُنَّا فِي زِيَادَةٍ، أَمَا إِذَا كَمُلَ، فَإِنَّهُ لَا يَكْمُلُ شَيْءٌ إِلَّا

стр. 2440

نَقَصَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَدَقْتَ" (١). قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَكَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ اسْتَشْعَرَ وَفَاةَ النَّبِيِّ ﷺ (٢). فَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ نَعْيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّهَا نَزَلَتْ قَبْلَ موتهِ ﷺ بِنَحْوِ ثَمَانِينَ يَوْمًا (٣). رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، قَالَ عُمَرُ ﵁: أَيُّ آيَةٍ؟ . قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. فَقَالَ عُمَرُ ﵁: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَالْمَكَانَ الذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ، يَوْمَ جُمُعَةٍ (٤).

стр. 2441

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: هَذِهِ أَكْبْرُ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، حَيْثُ أَكْمَلَ تَعَالَى لَهُمْ دِينَهُمْ، فَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى دِينٍ غَيْرِهِ، وَلَا إِلَى نَبِيٍّ غَيْرِ نَبِيِّهِمْ ﷺ ، وَلهَذَا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ، وَبَعَثَهُ إِلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، فَلَا حَلَالَ إِلَّا مَا أَحَلَّهُ، وَلَا حَرَامَ إِلَّا مَا حَرَّمَهُ، وَلَا دِينَ إِلَّا مَا شَرَعَهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ أَخْبَرَ بِهِ فَهُوَ حَقٌّ، وَصِدْقٌ، وَلَا كَذِبَ فِيهِ وَلَا خُلْفَ (١). * خَطَأٌ مَشْهُورٌ: وَأَمَّا مَا اشْتَهَرَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ هِيَ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ، فَهُوَ خَطَأٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ هِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (٢). قَالَ الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: وَالْقَوْلُ بِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ (٣). وَبَوَّبَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ، بَابُ ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾، وَأَخْرَجَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَلَفْظُهُ:

стр. 2442

آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ آيَةُ الرِّبَا (١). قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: كَذَا تَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ -أَي الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ- بِقَوْلهِ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾، وَأَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ قَوْلَي ابْنِ عَبَّاسٍ، فَإِنَّهُ جَاءَ عَنْهُ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَجَاءَ عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ : ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْهُ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طُرُقٍ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ، وَزَادَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: يَقُولُونَ إِنَّهُ مَكَثَ بَعْدَهَا ﷺ تِسْعَ لَيَالٍ. وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَيْنِ القوْلَيْنِ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ هِيَ خِتَامُ الْآيَاتِ الْمُنَزَّلَةِ فِي الرِّبَا إِذْ هِيَ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهِنَّ (٢). * حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الذِي سَقَطَ عَنْ رَاحِلَتِهِ: وَهُنَاكَ بِعَرَفَةَ سَقَطَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَمَاتَ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُكَفَّنَ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا يُمَسَّ بِطِيبٍ، وَأَنْ يُغَسَّلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَلَا يُغَطَّى رَأْسُهُ وَلَا وَجْهُهُ، وَأَخْبَرَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى يَبْعَثُهُ

стр. 2443

يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا (١). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ: ١ - اسْتِحْبَابُ تَكْفِينِ الْمُحْرِمِ فِي ثِيَابِ إِحْرَامِهِ. ٢ - وَفِيهِ أَنَّ إِحْرَامَهُ بَاقٍ، وَأَنَّهُ لَا يُكَفَّنُ فِي الْمَخِيطِ. ٣ - وَفِيهِ التَّكْفِينُ فِي الثِّيَابِ الْمَلْبُوسَةِ. ٤ - وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ دَوَامِ التَّلْبِيَةِ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْإِحْرَامُ. ٥ - وَأَنَّ الْإِحْرَامَ يَتَعَلَّقُ بِالرَّأْسِ لَا بِالْوَجْهِ (٢). * إِفَاضَةُ (٣) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ (٤): فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَاسْتَحْكَمَ غُرُوبُهَا بِحَيْثُ ذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، وَغَابَ

стр. 2444

الْقُرْصُ، أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، سَالِكًا طَرِيقَ الْمَأْزِمَيْنِ (١)، وَهُوَ يُلَبِّي فِي مَسِيرِهِ، وَقَدْ أَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ﵄، خَلْفَهُ، وَأَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالسَّكِينَةِ (٢)، وَقَدْ ضَمَّ إِلَيْهِ زِمَامَ نَاقَتِهِ، حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ طَرَفَ رَحْلِهِ، وَهُوَ يَقُولُ ﷺ : "رُوَيْدًا أَيُّهَا النَّاسُ! عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينةِ، فَإِنَّ الْبِرَّ (٣) لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ (٤) "، وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ الْعَنَقَ (٥)، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً (٦) سَارَ النَّصَّ (٧)، وَهُوَ فَوْقَ الْعَنَقِ، وَكُلَّمَا أَتَى حَبْلًا (٨) مِنَ الْحِبَالِ أَرْخَى لِلنَّاقَةِ زِمَامَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ. فَلَمَّا كَانَ فِي الطَّرِيقِ عِنْدَ الشِّعْبِ (٩) نَزَلَ ﷺ ، فَبَالَ وَتَوَضَّأَ وُضُوءًا

стр. 2445

خَفِيفًا (١) بِمَاءِ زَمْزَمٍ (٢)، فَقَالَ لَهُ أُسَامَةُ ﵁: الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الصَّلَاةُ أَمَامَكَ" (٣). * جَمْعُهُ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ في الْمُزْدَلِفَةِ: ثُمَّ سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، وَهِيَ الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ، فتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَمَرَ بالْأَذَانِ، فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ حَطِّ الرِّحَالِ وَتَبْرِيكِ الْجِمَالِ، فَلَمَّا حَطُّوا رِحَالَهُمْ، أَمَرَ فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ بِإِقَامَةٍ بِلَا أَذَانٍ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ (٤).

стр. 2446

وَلَمْ يُحْي رَسُولُ اللَّه ﷺ تِلْكَ اللَّيْلَةَ -وَهِيَ لَيْلَةُ عِيدِ الْأَضْحَى- وَلَا صَحَّ عَنْهُ ﷺ في إِحْيَاءِ لَيْلَتَي الْعِيدَيْنِ شَيْءٌ (١). قَالَ الْإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّهُ لَا يُصَلِّي صَلَاةَ الْمَغْرِبِ دُونَ جَمْعٍ، فَإِذَا أَتَى جَمْعًا، وَهُوَ الْمُزْدَلِفَةُ، جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَمْ يَتَطَوَّعْ فِيمَا بَيْنَهُمَا، وَهُوَ الذِي اخْتَارَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَذَهَبَ إِلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، قَالَ سُفْيَانُ: وَإِنْ شَاءَ، صَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ تَعَشَّى، وَوَضَعَ ثِيَابَهُ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ، بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ، يُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَيُقِيمُ، وَيُصَلِّي الْمَغْرِبَ، ثُمَّ يُقِيمُ وَيُصَلِّي الْعِشَاءَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ (٢).

стр. 2447

* إِذْنُهُ ﷺ لِضَعَفَةِ أَهْلِهِ بِالتَّعَجُّلِ إِلَى مِنًى: وَأَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ لِضَعَفَةِ أَهْلِهِ مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ أَنْ يَتَقَدَّمُوا إِلَى مِنًى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الْقَمَرِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ. رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: نَزَلْنَا الْمُزْدَلِفَةَ، فَاسْتَأْذَنتِ النَّبِيَّ ﷺ سَوْدَةُ أَنْ تَدْفَعَ قَبْلَ حَطْمَةِ (١) النَّاسِ، وَكَانَتِ امْرَأَةً بَطِيئَةً (٢)، فَأَذِنَ لَهَا، فَدَفَعَتْ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، وَأَقَمْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا نَحْنُ، ثُمَّ دَفَعْنَا بِدَفْعِهِ، فَلَأَنْ أَكُونُ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا اسْتَأْذَنتْ سَوْدَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ (٣). وَرَوَى الشَّيْخَانِ كَذَلِكَ في صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَنَا (٤) مِمَّنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ في ضَعَفَةِ أَهْلِهِ (٥).

стр. 2448

وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سنَنِهِ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُغَيْلِمَةَ (١) بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، عَلَى حُمْرَاتٍ (٢) لَنَا مِنْ جَمْعٍ، فَجَعَلَ يَلْطَخُ (٣) أَفْخَاذَنا، وَيَقُولُ: "أُبَيْنِيَّ (٤)، لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ" (٥). * وُقُوفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ (٦)، ثُمَّ دَفْعُهُ إِلَى مِنًى: فَلَمَّا طَلَعَ الفجْرُ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ مُغْلِسًا (٧) بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَذَلِكَ يَوْمَ النَّحْرِ (٨)، وَهُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبرِ، وَهُوَ يَوْمُ الْأَذَانِ بِبَرَاءَةِ اللَّهِ

стр. 2449

وَرَسُولهِ مِنْ كُلِّ مُشْرِكٍ، وَكَانَ يَوْمَ السَّبْتِ. ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاقتَهُ الْقصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَدَعَا اللَّهَ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، وَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، وَذَلِكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ (١). وَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ حِينَ وَقَفَ عَلَى الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ أَنَّ الْمُزْدَلِفَةَ كُلُّهَا مَوْقِفٌ فَقَالَ: "وَقَفْتُ هَاهُنَا، والْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ" (٢). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَذَا قُزَحُ (٣)، وَهُوَ الْمَوْقِفُ

стр. 2450

وَجَمْعٌ (١) كُلُّهَا مَوْقِفٌ" (٢). * حَدِيثُ عُرْوَةَ بْنِ مُصرِّسٍ (٣) الطَّائِيِّ ﵁: وَهُنَاكَ سَأَلَ عُرْوَةُ بْنُ مُضَرِّسٍ الطَّائِيُّ ﵁ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ بِمُزْدَلِفَةَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُ مِنْ جَبَلَيْ طَيْءٍ، أَكْلَلْتُ (٤) مَطِيَّتِي (٥)، وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي، وَاللَّهِ مَا ترَكْتُ مِنْ حَبْلٍ، إِلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ، فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ شَهِدَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ -صَلَاةَ الفجْرِ بِالْمُزْدَلِفَةِ- وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ (٦) ".

стр. 2451

* جَمْعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْجِمَارَ: وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، غَدَاةَ يَوْمِ النَّحْرِ أَنْ يَلْتَقِطَ لَهُ حَصَى الْجِمَارِ، فَالْتَقَطَ لَهُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ مِنْ حَصَى الْخَذْفِ (١)، فَلَمَّا وَضَعَهُنَّ في يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ، بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلو في الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ في الدِّينِ" (٢). ثُمَّ دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ منَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، مُخَالِفًا لِلْمُشْرِكِينَ الذِينَ كَانُوا لَا يُفِيضونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَأَرْدَفَ خَلْفَهُ الفضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ (٣) ﵄، وَكَانَ رَجُلًا حَسَنَ الشَّعْرِ أَبْيَضَ وَسِيمًا، وَانْطَلَقَ

стр. 2452

أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ﵄ في سُبَّاقِ قُرَيْشٍ (١). فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّتْ بِهِ ظُعُنٌ (٢) يَجْرِينَ، فَطَفِقَ (٣) الْفَضْلُ ﵁ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ، فَحَوَّلَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ، يَصْرِفُ وَجْهَهُ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ، حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ (٤). * سُؤَالُ الرَّجُلِ عَنْ أُمِّهِ: وَفِي مَسِيرِهِ ﷺ إِلَى مِنًى أتِاهُ رَجُل فَسَأَلهُ عَنْ أُمِّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي عَجُوزٌ كَبِيرةٌ، وَإِنْ حَمَلْتُهَا لَمْ تَسْتَمْسِكْ، وَإِنْ رَبَطْتُهَا خَشِيتُ أَنْ أَقْتُلَهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيهِ؟ ". قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَحُجَّ عَنْ أُمِّكَ" (٥).

стр. 2453

* وُصُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى وَادِي مُحَسِّرٍ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ سَيْرًا لَيِّنًا، وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ، فَلَمَّا أَتَى مُحَسِّرًا حَرَّكَ (١) ناقَتَهُ قلِيلًا (٢). قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀: وَهَذِهِ كَانَتْ عَادَتُهُ ﷺ في الْمَوَاضِعِ التِي نَزَلَ فِيهَا بَأْسُ اللَّهِ بِأَعْدَائِهِ، فَإِنَّ هُنَالِكَ أَصَابَ أَصْحَابَ الْفِيلِ مَا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا، وَلذَلِكَ سُمِّيَ ذَلِكَ الْوَادِي وَادِي مُحَسِّرٍ؛ لِأَنَّ الْفِيلَ حَسَرَ فِيهِ، أَيْ أَعْيَى، وَانْقَطَعَ عَنِ الذَّهَابِ إِلَى مَكَّةَ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ ﷺ في سُلُوكِهِ الْحِجْرَ دِيَارَ ثَمُودَ، فَإِنَّهُ تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ، وَأَسْرَعَ السَّيْرَ (٣). وَلَمَّا أَوْضَعَ (٤) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في وَادِي مُحَسِّرٍ، قَالَ لِلنَّاسِ: "عَلَيْكُمْ بِحَصَى الخَذْفِ الذِي يُرْمَى بِهِ الْجَمْرَةُ"، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالسَّكِينَةِ، وَقَالَ: "لِتَأْخُذْ أُمَّتِي مَنْسَكَهَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا ألقَاهُمْ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا" (٥).

стр. 2454

* رَمْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ: ثُمَّ سَلَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى التِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ، وَكَانَ يُلَبِّي في مَسِيرِهِ ذَلِكَ حَتَّى شَرَعَ في الرَّمْي. رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ﵄ كَانَ رَدِفَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَ الفضْلَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى، فكِلَاهُمَا قَالَا: لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ (١). فَلَمَّا أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ -وَهِيَ الْجَمْرَةُ الْكُبْرَى- وَقَفَ في أَسْفَلِ الْوَادِي، وَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْجَمْرَةَ، وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَمَعَهُ بِلَالٌ وَأُسَامَةُ ﵄، أَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ، وَالْآخَرُ يُظَلِّله بِثَوْبٍ مِنَ الشَّمْسِ، وَكَانَ الْوَقْتُ ضُحًى، فَرَمَاهَا ﷺ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، وَهُوَ يَقُولُ: "لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ" (٢). رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسنَدِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ قُدَامَةَ

стр. 2455

بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيِّ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يوْمَ النَّحْرِ يَرْمِي الْجَمْرَةَ عَلَى نَاقَتِهِ، لَا ضَرْبٌ، وَلَا طَرْدٌ، وَلَا إِلَيْكَ إِلَيْكَ (١). وَازْدَحَمَ النَّاسُ عِنْدَ الرَّمْي، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بالرَّوِيَّةِ في الرَّمْي، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَأَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدْ حَسَنٍ عَنْ أُمِّ جُنْدُبٍ الْأَزْدِيَّةِ ﵂ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُوَلَ اللَّهِ ﷺ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي يَوْمَ النَّحْرِ، وَهُوَ يَقُولُ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا يَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلَا يُصِيبُ بَعْضُكُمْ، وَإِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ، فَارْمُوهَا بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ" (٢). * خُطْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ: ثُمَّ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في النَّاسَ بِمِنًى حِينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى، وَهُوَ وَاقِفٌ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ عَلَى نَاقَتِهِ، وَقِيلَ عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ، وَعَلِيٌّ ﵁ يُعَبِّرُ عَنْهُ، وَالنَّاسُ بَيْنَ قَائِمٍ وَقَاعِدٍ، وَأَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في خُطْبَتِهِ هَذِهِ بَعْضَ مَا كَانَ أَلْقَاهُ في خُطْبَةِ عَرَفَةَ، وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْجَمْعِ الذِي اجْتَمَعَ حَوْلَهُ. وَقَرَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في خُطْبَتِهِ هَذِهِ تَحْرِيمَ الزِّنَى، وَالْأَمْوَالِ، وَالْأَعْرَاضِ، وَذَكَرَ حُرْمَةَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَحُرْمَةَ مَكَّةَ عَلَى جَمِيعِ الْبِلَادِ، فَكَانَ مِمَّا
следующие страницы →