← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

* جَمْعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْجِمَارَ: وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، غَدَاةَ يَوْمِ النَّحْرِ أَنْ يَلْتَقِطَ لَهُ حَصَى الْجِمَارِ، فَالْتَقَطَ لَهُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ مِنْ حَصَى الْخَذْفِ (١)، فَلَمَّا وَضَعَهُنَّ في يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ، بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلو في الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ في الدِّينِ" (٢). ثُمَّ دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ منَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، مُخَالِفًا لِلْمُشْرِكِينَ الذِينَ كَانُوا لَا يُفِيضونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَأَرْدَفَ خَلْفَهُ الفضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ (٣) ﵄، وَكَانَ رَجُلًا حَسَنَ الشَّعْرِ أَبْيَضَ وَسِيمًا، وَانْطَلَقَ

стр. 2452

أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ﵄ في سُبَّاقِ قُرَيْشٍ (١). فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّتْ بِهِ ظُعُنٌ (٢) يَجْرِينَ، فَطَفِقَ (٣) الْفَضْلُ ﵁ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ، فَحَوَّلَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ، يَصْرِفُ وَجْهَهُ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ، حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ (٤). * سُؤَالُ الرَّجُلِ عَنْ أُمِّهِ: وَفِي مَسِيرِهِ ﷺ إِلَى مِنًى أتِاهُ رَجُل فَسَأَلهُ عَنْ أُمِّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي عَجُوزٌ كَبِيرةٌ، وَإِنْ حَمَلْتُهَا لَمْ تَسْتَمْسِكْ، وَإِنْ رَبَطْتُهَا خَشِيتُ أَنْ أَقْتُلَهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيهِ؟ ". قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَحُجَّ عَنْ أُمِّكَ" (٥).

стр. 2453

* وُصُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى وَادِي مُحَسِّرٍ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ سَيْرًا لَيِّنًا، وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ، فَلَمَّا أَتَى مُحَسِّرًا حَرَّكَ (١) ناقَتَهُ قلِيلًا (٢). قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀: وَهَذِهِ كَانَتْ عَادَتُهُ ﷺ في الْمَوَاضِعِ التِي نَزَلَ فِيهَا بَأْسُ اللَّهِ بِأَعْدَائِهِ، فَإِنَّ هُنَالِكَ أَصَابَ أَصْحَابَ الْفِيلِ مَا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا، وَلذَلِكَ سُمِّيَ ذَلِكَ الْوَادِي وَادِي مُحَسِّرٍ؛ لِأَنَّ الْفِيلَ حَسَرَ فِيهِ، أَيْ أَعْيَى، وَانْقَطَعَ عَنِ الذَّهَابِ إِلَى مَكَّةَ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ ﷺ في سُلُوكِهِ الْحِجْرَ دِيَارَ ثَمُودَ، فَإِنَّهُ تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ، وَأَسْرَعَ السَّيْرَ (٣). وَلَمَّا أَوْضَعَ (٤) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في وَادِي مُحَسِّرٍ، قَالَ لِلنَّاسِ: "عَلَيْكُمْ بِحَصَى الخَذْفِ الذِي يُرْمَى بِهِ الْجَمْرَةُ"، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالسَّكِينَةِ، وَقَالَ: "لِتَأْخُذْ أُمَّتِي مَنْسَكَهَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا ألقَاهُمْ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا" (٥).

стр. 2454

* رَمْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ: ثُمَّ سَلَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى التِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ، وَكَانَ يُلَبِّي في مَسِيرِهِ ذَلِكَ حَتَّى شَرَعَ في الرَّمْي. رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ﵄ كَانَ رَدِفَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَ الفضْلَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى، فكِلَاهُمَا قَالَا: لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ (١). فَلَمَّا أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ -وَهِيَ الْجَمْرَةُ الْكُبْرَى- وَقَفَ في أَسْفَلِ الْوَادِي، وَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْجَمْرَةَ، وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَمَعَهُ بِلَالٌ وَأُسَامَةُ ﵄، أَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ، وَالْآخَرُ يُظَلِّله بِثَوْبٍ مِنَ الشَّمْسِ، وَكَانَ الْوَقْتُ ضُحًى، فَرَمَاهَا ﷺ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، وَهُوَ يَقُولُ: "لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ" (٢). رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسنَدِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ قُدَامَةَ

стр. 2455

بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيِّ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يوْمَ النَّحْرِ يَرْمِي الْجَمْرَةَ عَلَى نَاقَتِهِ، لَا ضَرْبٌ، وَلَا طَرْدٌ، وَلَا إِلَيْكَ إِلَيْكَ (١). وَازْدَحَمَ النَّاسُ عِنْدَ الرَّمْي، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بالرَّوِيَّةِ في الرَّمْي، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَأَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدْ حَسَنٍ عَنْ أُمِّ جُنْدُبٍ الْأَزْدِيَّةِ ﵂ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُوَلَ اللَّهِ ﷺ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي يَوْمَ النَّحْرِ، وَهُوَ يَقُولُ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا يَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلَا يُصِيبُ بَعْضُكُمْ، وَإِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ، فَارْمُوهَا بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ" (٢). * خُطْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ: ثُمَّ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في النَّاسَ بِمِنًى حِينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى، وَهُوَ وَاقِفٌ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ عَلَى نَاقَتِهِ، وَقِيلَ عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ، وَعَلِيٌّ ﵁ يُعَبِّرُ عَنْهُ، وَالنَّاسُ بَيْنَ قَائِمٍ وَقَاعِدٍ، وَأَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في خُطْبَتِهِ هَذِهِ بَعْضَ مَا كَانَ أَلْقَاهُ في خُطْبَةِ عَرَفَةَ، وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْجَمْعِ الذِي اجْتَمَعَ حَوْلَهُ. وَقَرَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في خُطْبَتِهِ هَذِهِ تَحْرِيمَ الزِّنَى، وَالْأَمْوَالِ، وَالْأَعْرَاضِ، وَذَكَرَ حُرْمَةَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَحُرْمَةَ مَكَّةَ عَلَى جَمِيعِ الْبِلَادِ، فَكَانَ مِمَّا

стр. 2456

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلَا إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ (١)، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقِعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ (٢) الذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ ". قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولَهُ أَعْلَمُ. فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: "أَليْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ ". قُلْنَا: بَلَى، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ ". قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولَهُ أَعْلَمُ.

стр. 2457

فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: "أَليْسَ ذَا الْحِجَّةِ؟ ". قُلْنَا: بَلَى، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ ". قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولَهُ أَعْلَمُ. فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: "أَليْسَتِ الْبَلْدَةَ؟ ". قُلْنَا: بَلَى. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا، وَسَتَلقوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، أَلَا فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا أَوْ ضُلَّالًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلِّغُهُ يَكُونُ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ" (١). وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلَا إِنَّمَا هُنَّ أَرْبَعٌ: لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ التِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَسْرِقُوا" (٢).

стр. 2458

"أَلَا وَإِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ أَنْظُرُكُمْ، وَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ، فَلَا تُسَوِّدُوا وَجْهِي، أَلَا وَقَدْ رَأَيْتُمُونِي وَسَمِعْتُمْ مِنِّي، وَسَتُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ، فَلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، أَلَا وَإِنِّي مُسْتَنْقِذٌ رِجَالًا، وَمُسْتَنْقَذٌ مِنِّي آخَرُونَ، فَأَقُولُ: يَارَبِّ أَصْحَابِي! ، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ" (١). وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلَا لَا يَجْنِي (٢) جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَجْنِي وَالِدٌ عَلَى وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يُعْبَدَ في بَلَدِكُمْ هَذَا أَبدًا، وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ في بَعْضِ مَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ" (٣). وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اعْبُدُوا رَبَّكُمْ (٤)، وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا

стр. 2459

شَهْرَكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكُمْ، تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ" (١). وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَبَلَّغَهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ (٢) عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُؤْمِنٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ للَّهِ، وَالنَّصِيحَةُ لِوُلَاةِ الْمُسْلِمِينَ (٣)، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ" (٤). وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ في خُطْبَتِهِ هَذِهِ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِمَنْ قَادَهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ مُجَدَّعًا (٥)، وَعَلَّمَهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَمَرَهُمْ بِالتَّبْلِيغِ عَنْهُ (٦). قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاذٍ التَّيْمِيُّ ﵁: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ بِمِنًى، فَفُتِحَتْ أَسْمَاعُنَا حَتَّى كُنَّا نَسْمَعُ مَا يَقُولُ وَنَحْنُ في مَنَازِلِنَا، فَطَفِقَ

стр. 2460

يُعَلِّمُهُمْ مَنَاسِكَهُمْ (١). وَوَدَّعَ حِينَئِذٍ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ، فَقَالُوا: هَذِهِ حَجَّةُ الْوَدَاعِ (٢). ثُمَّ أَنْزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارُ مَنَازِلَهُمْ، فَقَالَ: "لِيَنْزِلِ الْمُهَاجِرُونَ هَهُنَا"، وَأَشَارَ إِلَى مَيْمَنَةِ الْقِبْلَةِ، "وَالْأَنْصَارُ هَهُنَا"، وَأَشَارَ إِلَى مَيْسَرَةِ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ قَالَ: "لِيَنْزِلِ النَّاسُ حَوْلَهُمْ"، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ عَلَى يَسَارِ مُصَلَّى الْإِمَامِ بِمِنًى (٣). وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبْنَى لَهُ بِنَاءٌ يُظَلِّلُهُ مِنَ الْحَرِّ، فَقَالَ: "لَا، مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ" (٤). * سُؤَالُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: وَهُنَاكَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمَّنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ، وَعَمَّنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ، فَقَالَ: "لَا حَرَجَ" (٥).

стр. 2461

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄: فَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ، إِلَّا قَالَ: "افْعَلْ وَلَا حَرَجَ" (١). قَالَ الْحَافِظُ في الْفَتْحِ: لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ مَنْ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الْبَحْثِ الشَّدِيدِ، وَلَا عَلَى اسْمِ أَحَدٍ مِمَّنْ سَأَلَ في هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَسَأُبَيِّنُ أَنَّهُمْ كَانُوا جَمَاعَةً، لَكِنْ في حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ وَغَيْرِهِ (٢) كَانَ الْأَعْرَابُ يَسْأَلُونَهُ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السَّبَبُ في عَدَمِ ضَبْطِ أَسْمَائِهِمْ" (٣). * نَحْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَدْيَهُ بِمِنًى: ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَنْحَرِ بِمِنًى، فنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً (٤) بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ ﷺ ، وَقَالَ: "نَحَرْتُ هَاهُنَا، وَمِنًى كُلّهَا مَنْحَرٌ، فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ، وَكُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ" (٥).

стр. 2462

وَكَانَتْ تُقَرَّبُ إِلَيْهِ ﷺ الْبُدْنُ أَرْسَالًا (١)، فَقُرِّبَ مِنْهُنَّ إِلَيْهِ خَمْسٌ أَوْ سِتٌّ فَطَفِقْنَ (٢) يَزْدَلِفْنَ (٣) إِلَيْهِ ﷺ بِأَيَّتِهِنَّ يَبْدَأُ (٤)، وَكَانَ ﷺ يَنْحَرُهَا قَائِمَةً مَعْقُولَةً يَدِهَا الْيُسْرَى (٥)، فَلَمَّا نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً أَمْسَكَ، وَأَمَرَ عَلِيًّا ﵁، أَنْ يَنْحَرَ مَا بَقِيَ مِنْهَا (٦)، وَهِيَ سَبْعٌ وَثَلَاثُونَ بَدَنَةً، تَمَامُ الْمِائَةِ (٧).

стр. 2463

ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لعَلِيٍّ ﵁: "اقْسِمْ لُحُومَهَا وَجُلُودَهَا وَجِلَالَهَا (١) فِي الْمَسَاكينِ، وَلَا تُعْطِيَنَّ جَزَّارًا مِنْهَا شَيْئًا فِي جِزَارَتهَا، وَخُذْ لَنَا مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ حِذْيَهً (٢) مِنْ لَحْمٍ، ثُمَّ اجْعَلْهَا فِي قِدْرٍ وَاحِدٍ حَتَّى نَأْكُلَ مِنْ لَحْمِهَا، وَنَحْسُوَ مِنْ مَرَقِهَا"، فَفَعَلَ ﵁ (٣). * ذَبْحُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْبَقَرَ عَنْ نِسَائِهِ: وَذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَرَ؛ لأَنَّهُنَّ كُنَّ مُتَمَتِّعَاتٍ وَعَلَيْهِنَّ الْهَدْيُ (٤).

стр. 2464

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ذَبَحَ عَنْهُنَّ كُلُّهُنَّ بَقَرَةً وَاحِدَةً (١). * حَدِيثٌ شاذٌّ: وَأَمَّا مَا رَوَاهُ النَّسَائيُّ في السُّنَنِ الكُبْرَى عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: ذَبَحَ عَنَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حَجَجْنَا بَقَرَةً بَقَرَةً (٢). فَهُوَ حَدِيثٌ شَاذٌّ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ في الْفَتْحِ (٣)، مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ. وَذَبَحَ الصَّحَابَةُ ﵃ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فنَحَرُوا الْبَعِيرَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُمْ عِنْدَمُا أَمَرَهُمْ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ: ". . . فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ"، كَانُوا يَشْتَرِكُونَ في الْهَدْيِ (٤). * قِصَّةُ الْفَضْلِ مَعَ الخَثعَمِيَّةِ: رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄

стр. 2465

قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ الْفَضْلُ رَجُلًا وَضِيئًا (١) - فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ (٢) مِنْ خَثْعَمَ تَسْتَفْتِيهِ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ في الْحَجِّ أَدْرَكتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ"، وَذَلِكَ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ (٣). وَفِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ في مُسْنَدِهِ وَالتِّرْمِذِيِّ في جَامِعِهِ: عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: . . . ثُمَّ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَنْحَرَ. . . وَاسْتَفْتَتْهُ جَارِيَةٌ شَابَّةٌ مِنْ خَثْعَمٍ، فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ قَدْ أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ في الحَجِّ، أَفيُجْزِئُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ فَقَالَ ﷺ : "حُجِّي عَنْ أَبِيكِ"، وَلَوَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُنُقَ الفَضْلِ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁ وَكَانَ شَاهِدًا-: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ لَوَيْتَ عُنُقَ ابْنِ عَمِّكِ؟ ، فَقَالَ

стр. 2466

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رَأَيْتُ شَابًّا وَشَابَّةً، فَلَمْ آمَنِ الشَّيْطَانَ عَلَيْهِمَا" (١). ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْفَضْلِ ﵄: "ابْنَ أَخِي، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ مَنْ مَلَكَ فِيهِ سَمْعَهُ، وَبَصَرَهُ، وَلِسَانَهُ، غُفِرَ لَهُ" (٢). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الْحَافِظُ في الْفتْحِ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ: ١ - جَوَازُ الِارْتِدَافِ. ٢ - وَفِيهِ تَوَاضُعُ النَّبِيِّ ﷺ . ٣ - وَفِيهِ مَنْزِلَةُ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ . ٤ - وَفِيهِ بَيَانُ مَا رُكِّبَ في الْآدَمِيِّ مِنَ الشَّهْوَةِ، وَجُبِلَتْ طِبَاعُهُ عَلَيْهِ مِنَ النَّظَرِ إِلَى الصُّوَرِ الْحَسَنَةِ. ٥ - وَفِيهِ مَنْعُ النَّظَرِ إِلَى الْأَجْنَبِيَّاتِ وَغَضُّ الْبَصَرِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءَ خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ.

стр. 2467

٦ - وَفِيهِ جَوَازُ كَلَامِ الْمَرْأَةِ وَسَمَاعُ صَوْتِهَا لِلْأَجَانِبِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَالِاسْتِفْتَاءِ عَنِ الْعِلْمِ، وَالتَّرَافُعِ في الْحُكْمِ وَالْمُعَامَلَةِ. ٧ - وَفِيهِ أَنَّ إِحْرَامَ الْمَرْأَةِ في وَجْهِهَا فَيَجُوزُ لَهَا كَشْفُهُ فِي الْإِحْرَامِ. ٨ - وَفِيهِ النِّيَابَةُ فِي السُّؤَالِ عَنِ الْعِلْمِ حَتَّى مِنَ الْمَرْأَةِ عَنِ الرَّجُلِ. ٩ - وَفِيهِ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَالِاعْتِنَاءُ بِأَمْرِهِمَا، وَالْقِيَامُ بِمَصَالِحِهِمَا مِنْ قَضَاءَ دَيْنٍ، وَخِدْمَةٍ، وَنَفَقَةٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا (١). * حَلْقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَأْسَه وَدُعُاؤهُ لِلْمحَلَقِينَ: فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نَحْرِ هَدْيِهِ دَعَا الْحَلَّاقَ، فَحَلَقَ رَأْسَهُ الشَّرِيفَ، حَلَقَهُ مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدْوِيُّ ﵁ (٢). رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: . . . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْحَلَّاقِ: "خُذْ" وَأَشَارَ إِلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ (٣).

стр. 2468

وَرَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا حَلَقَ رَأْسَهُ كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَوَّلَ مَنْ أَخَذَ مِنْ شَعْرِهِ (١). وَرَوَى الْإِمَامُ مُسْلِم في صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ والْحَلَّاقُ يَحْلِقُهُ، وَأَطَافَ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَمَا يُرِيدُونَ أَنْ تَقَعَ شَعْرَةٌ إِلَّا في يَدِ رَجُلٍ (٢). وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُحَمَّدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ ﷺ عنْدَ الْمَنْحَرِ، هُوَ وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَحَايَا، فَلَمْ يُصْبِهُ وَلَا صَاحِبُهُ شَيْءٌ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ في ثَوْبِهِ، فَأَعْطَاهُ وَقَسَمَ مِنْهُ عَلَى رِجَالٍ، وَقَلَّمَ أَظْفَارَهُ، فَأَعْطَاهُ صَاحِبَهُ (٣). وَحَلَقَ أُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ﷺ ، وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُحَلِّقِينَ بِالْمَغْفِرَةِ ثَلَاثًا، وَللْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً (٤).

стр. 2469

* تَطَيُّبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِفَاضَتُهُ بالبَيْتِ: وَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ حِلَاقَةِ رَأْسِهِ الشَّرِيفِ، لَبِسَ الْقَمِيصَ، وَأَصَابَ الطِّيبَ، طَيَّبَتْهُ عَائِشَةُ ﵂، بِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ، قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ (١). ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ قَبْلَ الظُّهْرِ، فَطَافَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ عَلَى رَاحِلَتِهِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ، وَليُشْرِفَ، وَليَسْأَلُوهُ، فَإِنَّ النَّاسَ غَشَوْهُ (٢)، وَكانَ يَسْتَلمُ الرّكْنَ بمِحْجَنِهِ (٣)، كُلَّمَا أَتَى عَلَيْهِ أَشَارَ إِلَيْهِ بهِ وَكَبَّرَ (٤). * شُرْبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ زَمْزَمٍ: ثُمَّ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمْزَمَ وَبَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَسْقُونَ، فَقَالَ ﷺ :

стр. 2470

"انْزِعُوا (١) بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسَ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ" (٢)، ثُمَّ نَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ مَجَّ فِيهِ، ثُمَّ أَفْرَغَهُ في زَمْزَمَ (٣)، ثُمَّ تَوَضَّأ مِنْهُ (٤). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: . . . ثُمَّ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمْزَمَ وَهُمْ يَسْقُونَ وَيَعْمَلُونَ فِيهَا، فَقَالَ: "اعْمَلُوا فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا لَنَزَلْتُ حَتَّى أَضَعَ الْحَبْلَ عَلَى هَذِهِ" يَعْنِي عَاتِقِهِ، وَأَشَارَ إِلَى عَاتِقِهِ (٥). * إِقَامَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى: ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مِنًى مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ بِهَا

стр. 2471

رَكْعَتَيْنِ (١)، وَقِيلَ: صَلَّاهَا بمَكَّةَ (٢)، وَمَكَثَ ﷺ بمِنًى أَيَّامَ التَّشْريقِ الثَّلَاثَة. وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشْرَ بْنَ سُحَيْمٍ ﵁ أَنْ يُنَادِيَ بِمِنًى في النَّاسِ أَنْ "لَا يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَإِنَّ هَذِهِ الأَيَّامَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ"، يَعْنِي أَيَّامَ التَّشْرِيقِ (٣). وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْتِي الْجِمَارَ في أَيَّامِ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةِ، بَعَدْ زَوَالِ الشَّمْسِ، مَاشِيًا ذَاهِبًا وَرَاجِعًا، فَيَرْمِي كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَقِفُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْأُولَى وَالْوُسْطَى مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فيُطِيلُ الْقِيَامَ، وَيَرْفَعُ

стр. 2472

يَدَيْهِ يَدْعُو، وَيَرْمِي الثَّالِثَةَ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَرْجعُ فيصَلِّي الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ (١). وَخِلَالَ إِقَامَتِهِ ﷺ بِمِنًى أَيَّامَ التَّشْرِيقِ لَمْ يَذْهَبْ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، بَلْ بَقِيَ في مِنًى إِلَى حِينِ الْوَدَاعِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ (٢). * مَوَاضِعُ الدُّعَاءِ فِي حَجَّتِهِ ﷺ -: وَقَدْ تَضَمَّنَتْ حَجَّتُهُ ﷺ سِتَّ وَقَفَاتٍ لِلدُّعَاءِ: ١ - عَلَى الصَّفَا. ٢ - عَلَى الْمَرْوَةِ. ٣ - بِعَرَفَةَ. ٤ - بِمُزْدَلِفَةَ. ٥ - عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْأُولَى (الصُّغْرَى). ٦ - عِنْدَ الْجَمْرَةِ الثَّانِيَةِ (الْوُسْطَى) (٣). * اسْتِئْذَانُ الْعَبَّاسِ ﵁ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ: وَاسْتَأْذَنَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ

стр. 2473

لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ السِّقَايَةِ، فَأَذِنَ لَهُ (١)، وَاسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رِعَاءُ الْإِبِلِ في الْبَيْتُوتَةِ خَارجَ مِنًى عِنْدَ الْإِبِلِ، فَأَرْخَصَ لَهُمْ أَنْ يَرْمُوا يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُوا رَمْيَ يَوْمَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ فَيَرْمُونَهُ في أَحَدِهِمَا، ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ (٢). * خُطْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ: وَخَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَكَانَتْ خُطْبَتُهُ في هَذَا الْيَوْمِ تُشْبِهُ خُطْبَتَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَزَادَ فِيهَا بَعْضَ الْأُمُورِ، مِنْهَا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ألا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى، أَبَلَّغْتُ؟ ". قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٣).

стр. 2474

* إِفَاضَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مِنًى ونُزُولُهُ المُحَصَّبَ (١): ثُمَّ نَهَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ مِنًى فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَهُوَ يَوْمُ النَّفَرِ الْآخِرِ، وَنَفَرَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَذَلِكَ بَعْدَ الزَّوَالِ، فَأَفَاضَ إِلَى الْمُحَصَّبِ، وَهُوَ الْأَبْطَحُ، وَهُوَ خَيْفُ (٢) بَنِي كِنَانَةَ، فَوَجَدَ أَبَا رَافِع ﵁، وَكَانَ عَلَى ثَقَلِ (٣) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَدْ ضَرَبَ لَهُ فِيهِ قُبَّةً، فنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُنَاكَ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ بِمِنًى: "نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيفِ بَنِي كِنَانَةَ، حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ"، وَهُوَ الْمَكَانِ الذِي ضَرَبَ فِيهِ أَبُو رَافِعٍ قُبَّتَهُ تَوْفِيقًا مِنَ اللَّهِ ، دُونَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٤). فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمُحَصَّبِ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ ذَلِكَ وَلَيْلَتِهِ، فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً (٥) هُنَاكَ (٦).

стр. 2475

* اعْتِمَارُ عَائِشَةَ ﵂ مِنَ التَّنْعِيمِ (١): وَفِي تِلْكِ اللَّيْلَةِ، لَيْلَةِ الْحَصْبَةِ (٢)، رَغِبَتْ عَائِشَةُ ﵂ في الْعُمْرَةِ، فَقَالَتْ لِلرَّسُولِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَرْجعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، وَأَرْجعُ أَنَا بِحَجَّةٍ؟ (٣). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَتْ ﵂: يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَصْدُرُ (٤) النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ، وَأَصْدُرُ بِنُسُكٍ؟ (٥). فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ"، فَأَبَتْ ﵂، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَخَاهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ﵄، وَأَمَرَهُ أَنْ يُعْمِرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ، تَطْيِيبًا لِقَلْبِهَا، فَخَرَجَتْ ﵂ مَعَ

стр. 2476

أَخِيهَا، فَأَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ مِنَ التَّنْعِيمِ، فَفَرَغَتْ مِنْ عُمْرَتِهَا لَيْلًا، ثُمَّ أَقْبَلَتْ مَعَ أَخِيهَا حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في جَوْفِ اللَّيْلِ وَهُوَ بِالْمُحَصَّبِ، قَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَلْ فَرَغْتُمَا؟ ". قَالَتْ ﵂: نَعَمْ، فَأَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالرَّحِيلِ (١). * طَوَافُ الْوَدَاعِ: وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ أَنْ لَا يَنْصَرِفُوا إِلَى بِلَادِهِمْ حَتَّى يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِمُ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ في كُلِّ وَجْهٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ" (٢). ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ -لَيْلَةِ الْحَصْبَةِ- فَطَافَ بِالْبَيْتِ طَوَافَ الْوَدَاعِ سَحَرًا قَبْلَ صَلَا الصُّبْحِ، وَلَمْ يَرْمَلْ في هَذَا الطَّوَافِ (٣).

стр. 2477

* الرُّخْصَةُ لِلْحَائِضِ فِي تَرْكِ طَوَافِ الْوَدَاعِ: وَرَخَّصَ رَسُول اللَّهِ ﷺ في تَرْكِ طَوَافِ الْوَدَاعِ لِلْحَائِضِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: حَاضَتْ صَفِيَّةُ بَعْدَمَا أَفَاضَتْ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ ، فَقَال: "أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ ". قُلْتُ: حَاضَتْ بَعْدَمَا أَفَاضَتْ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : "فَلْتَنْفِرْ إِذًا" (١). ثُمَّ خَرَجَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مُرْتَحِلًا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَدِ اسْتَصْحَبَ مَعَهُ شَيْئًا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ. فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُ مَاءَ زَمْزَمَ، وَتُخْبِرُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يَحْمِلُهُ (٢). * ارْتِحَالُ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ في غَدِيرِ خُمٍّ (٣): خَرَجَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ مِنَ الثَّنِيَّةِ (٤) السُّفْلَى ثَنِيَّةِ كُدَيٍّ (٥)، وَكَانَتْ

стр. 2478

مُدَّةُ إِقَامَتِهِ ﷺ بِهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى غَدِيرِ خُمٍّ، نَزَلَ هُنَاكَ ﷺ فَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَةً عَظِيمَةً، وَوَعَظَهُمْ وَذَكَّرَهُمْ، فَكَانَ مِمَّا قَالَ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ: ". . . أَمَّا بَعْدُ، ألَا أَيُّهَا النَّاسُ! فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي (١) فَأُجِيبُ، وَأَنَا تَاركٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ (٢): أَوَّلُهُمَا كتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ"، ثُمَّ قَالَ: "وَأَهْلُ بَيْتِي، أَذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أَهْلِ بَيْتِي" (٣). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ". . . إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ ، وَعِتْرَتِي (٤) أَهْلُ بَيْتِي، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، فَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ" (٥).

стр. 2479

ثُمَّ بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَضْلَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، وَبَرَاءَةَ عِرْضِهِ مِمَّا كَانَ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَهُ بِأَرْضِ الْيَمَنِ، بِسَبَبِ مَا كَانَ صَدَرَ مِنْهُ إِلَيْهِمْ مِنَ الْعَدَالَةِ التِي ظَنَّهَا بَعْضُهُمْ جَوْرًا، وَتَضَيُّقًا، وَبُخْلًا، وَالصَّوَابُ كَانَ مَعَهُ ﵁ في ذَلِكَ (١)، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ ﵁، وَقَالَ: "أَلسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟ " (٢). قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَإِنَّ هَذَا مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ" (٣). وَلَمَّا أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَا الْحُلَيْفَةِ بَاتَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَطْرُقَ (٤) النَّاسُ أَهَالِيَهُمْ لَيْلًا عَلَى غَيْرِ أُهْبَةٍ (٥)، فَلَمَّا أَصْبَحَ وَرَأَى الْمَدِينَةَ كَبَّرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَقَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ،

стр. 2480

وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ (١)، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، سَاجِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ" (٢). ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ نَهَارًا، فَأَتَى الْمَسْجِدَ، فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى بَيْتِهِ (٣). * عُمْرَةٌ في رَمَضَانَ كحَجَّةٍ: وَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ حَجَّتِهِ قَالَ لِأُمِّ سِنَانٍ الْأَنْصَارِيَّةِ (٤) رَضِيَ اللَّهُ

стр. 2481

عَنْهَا: "مَا مَنَعَكِ أَنْ تَحُجِّي مَعَنَا؟ ". قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ لَنَا إِلَّا نَاضِحَانِ (١)، فَحَجَّ أَبُو وَلَدِنَا وَابْنُهُ عَلَى نَاضِحٍ، وَترَكَ لَنَا نَاضِحًا نَنْضَحُ عَلَيْهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَإِذَا كَانَ رَمَضَانُ اعْتَمِرِي فِيهِ، فَإِنَّ عُمْرَةً في رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً" (٢). * * *

стр. 2482

الأحداث بين حجة الوداع ودنو أجله ﷺ - * تَنَبُّؤُ مُسَيلِمَةَ الْكَذَّابِ قَبَّحَهُ اللَّهُ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ في السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ مَعَ قَوْمِهِ بَنِي حَنِيفَةَ، وَأَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ حَتَّى يَتَّبِعَهُ، فَأَبَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذلِكَ، فَلَمَّا رَجَعَ وَفْدُ بَنِي حَنِيفَةَ إِلَى الْيَمَامَةِ أَخَذَ مُسَيْلِمَةُ يُفَكِّرُ في أَمْرِهِ حَتَّى ادَّعَى أَنَّهُ أُشْرِكَ في الْأَمْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَادَّعَى النُّبُوَّةَ. وَشَهِدَ لَهُ الرَّجَّالُ بْنُ عُنْفُوَةَ (١) قَبَّحَهُ اللَّهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَشْرَكَهُ في الْأَمْرِ مَعَهُ، فَافْتَتَنَ النَّاسُ بِهِ. وَكَانَ الرَّجَّالُ قَدْ وَفَدَ مَعَ قَوْمِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَ، وَقَرَأَ سُوَرًا مِنَ الْقُرْآنِ، وَفَقِهَ في الدِّينِ، فَرَآه رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا مَعَ فُرَاتِ بْنِ حَيَّانَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ فِيكُمْ لَرَجُلًا ضِرْسُهُ فِي النَّارِ

стр. 2483

أَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ" (١)، فَمَا زَالَا خَائِفِينَ حَتَّى ارْتَدَّ الرَّجَّالُ، وَآمَنَ بِمُسَيْلِمَةَ، وَشَهِدَ لَهُ زُورًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَشْرَكَ مُسَيْلِمَةَ مَعَهُ في النُّبُوَّةِ، فَكَانَ الرَّجَّالُ لَعَنَهُ اللَّهُ أَعْظَمَ فِتْنَةٍ عَلَى بَنِي حَنِيفَةَ مِنْ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، فَإِنَّهُمْ صَدَّقُوهُ وَاسْتَجَابُوا لَهُ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُرِيَ قَبْلَ ذَلِكَ في الْمَنَامِ أَنَّهُ وُضِعَ في يَدَيْهِ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ فَكَرِهَهُمَا، فنَفَخَهُمَا فَطَارَا، فَأَوَّلَهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُريرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ في يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَب، فَأَهَمَّنِي شَأْنُهُمَا، فَأُوحِيَ إِلَيَّ في الْمَنَامِ أَنْ أَنْفُخَهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا، فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ (٢) يَخْرُجَانِ بَعْدِي" (٣). فَكَانَ أَحَدَهُمَا الْعَنْسِيُّ، صَاحِبُ صَنْعَاءَ، وَالْآخَرَ مُسَيْلِمَةُ، صَاحِبُ الْيَمَامَةِ (٤).

стр. 2484

* سَجْعُ (١) مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ قَبَّحَهُ اللَّهُ: وَجَعَلَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ يَسْجَعُ الْأَسَاجِيعَ، وَيَنْظُمُ مِنْ كَلَامِ الْكُهَانِ وَالْمُنَجِّمِينَ مُضَاهَاةً (٢) لِلْقُرْآنِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ قبَّحَهُ اللَّهُ: وَالطَّاحِنَاتِ طَحْنًا، وَالْعَاجِنَاتِ عَجْنًا، وَالْخَابِزَاتِ خُبْزًا، وَالثَّارِدَاتِ (٣) ثَرْدًا، وَاللَّاقِمَاتِ لَقْمًا، إِهَالَةً وَسَمْنًا، لَقَدْ فُضِّلْتُمْ عَلَى أَهْلِ الْوَبَرِ (٤)، وَمَا سَبَقَكُمْ أَهْلُ الْمَدَرِ (٥)، رِيفَكُمْ فَامْنَعُوهُ، وَالْمُعْتَرَّ (٦) فَآوُوهُ، وَالْبَاغِي فنَاوِئُوهُ. وَسَجَعَ أَيْضًا قبَّحَهُ اللَّهُ عَلَى سُورَةِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، فَقَالَ: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْجَوَاهِرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَهَاجِرْ، إِنَّ مُبْغِضَكَ رَجُلٌ فَاجِرٌ. ثُمَّ وَضَعَ مُسَيْلِمَةُ لَعَنَهُ اللَّهُ عَنْ قَوْمِهِ الصَّلَاةَ، وَأَحَلَّ لَهُمُ الْخَمْرَ وَالزِّنَا تَرْغِيبًا لَهُمْ في اتِّبَاعِهِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَشْهَدُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَافْتَتَنَ بِهِ قَوْمُهُ.

стр. 2485

وَسَمَّى مُسيْلِمَةُ نَفْسَهُ "رَحْمَانَ الْيَمَامَةِ"، غَيْرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمَّاهُ "مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ"، وَاشْتَهَرَ بِهَذَا الِاسْمِ حَتَّى لَا يَكَادُ يُعْرَفُ بِغَيْرِهِ (١). * ظُهُورُ الْكَذَّابَينِ وَأَوَّلُهُم مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ: فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ في شَأْنِ مُسَيْلِمَةَ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في النَّاسِ خَطِيبًا، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ ﷺ : "أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ أَكْثَرْتُمْ في شَأْنِ هَذَا الرَّجُلِ، وَإِنَّهُ كذَّابٌ مِنْ ثَلَاثِينَ كَذَّابًا يَخْرُجُونَ قَبْلَ الدَّجَّالِ، كُلُّهُمْ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ" (٢). رُوِيَ أَنَّ طَلْحَةَ النَّمْرِيَّ جَاءَ الْيَمَامَةَ، فَقَالَ: أَيْنَ مُسَيْلِمَةُ؟ . قَالُوا: مَهْ رَسُولَ اللَّهِ! . فَقَالَ: لَا، حَتَّى أَرَاهُ، فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ: أَنْتَ مُسَيْلِمَةُ؟ . قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مَنْ يِأْتِيكَ؟ . قَالَ: رَحْمَانُ.

стр. 2486

قَالَ: أَفِي نُورٍ أَمْ فِي ظُلْمَةٍ؟ فَقَالَ: فِي ظُلْمَةٍ. فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ كَذَّابٌ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا صَادِقٌ، وَلَكِنَّ كَذَّابَ رَبِيعَةَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ صَادِقِ مُضَرَ. وَاتَّبَعَ هَذَا الْأَعْرَابِيُّ الْجِلْفُ (١) لَعَنَهُ اللَّهُ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ حَتَّى قُتِلَ مَعَهُ يَوْمَ عَقْرَبَا (٢)، لَا ﵀ (٣). * كِتَابُ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: ثُمَّ كتَبَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِيهِ: مِنْ مُسَيْلِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي قَدْ أُشْرِكْتُ في الْأَمْرِ مَعَكَ، وَإِنَّ لَنَا نِصْفُ الْأَرْضِ، وَلقُرَيْشٍ نِصْفُ الْأَرْضِ، وَلَكِنَّ قُرَيْشًا قَوْمٌ يَعْتَدُونَ. وَبَعَثَ بِالْكِتَابِ مَعَ رَجُلَيْنِ مِنْ قَوْمِهِ، يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ النَّوَّاحَةِ (٤)، وَالآخَرِ: ابْنُ أُثَالٍ، فَلَمَّا قُرِئَ الْكِتَابُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ

стр. 2487

لَهُمَا: "فَمَا تَقُولَانِ أَنْتُمَا؟ ". قَالَا: نَقُولُ كَمَا قَالَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتَشْهَدَانِ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ ". قَالَا: نَشْهَدُ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ رَسُولُ اللَّهِ.

стр. 2488

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا" (١). * كِتَابُ الرَّسُولِ ﷺ إِلَى مُسَيْلِمَةَ: ثُمَّ كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، السَّلَاُم عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الْأَرْضَ للَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ". وَبَعَثَ بِالْكِتَابِ مَعَ حَبِيبِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁. فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى مُسَيْلِمَةَ وَقُرِئَ عَلَيْهِ قَتَلَ حَبِيبَ بْنَ زَيْدٍ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﵁ (٢). اسْتَمَرَّ مُسَيْلِمَةُ لَعَنَهُ اللَّهُ في فُجُورِهِ وَكَذِبِهِ، وَتَفَاقَمَ أَمْرُهُ وَازْدَادَتْ شَوْكَتُهُ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَخَذَ يَجْمَعُ الْجُمُوعَ لِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَجَهَّزَ لَهُ خَلِيفَةُ الرَّسُولِ ﷺ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁، جَيْشًا أَمَّرَ عَلَيهِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ﵁، وَاسْتَطَاعَ أَنْ يَقْتُلَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ، وَيَهْزِمَهُ في مَعْرَكَةِ الْيَمَامَةِ الْعَظِيمَةِ (٣).

стр. 2489

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فَلَمْ يُمْهِلْهُ اللَّهُ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَيْفًا مِنْ سُيُوفِهِ، وَحَتْفًا مِنْ حُتُوفِهِ فَبَعَجَ (١) بَطْنَهُ، وَفَلَقَ رَأْسَهُ، وَعَجَّلَ اللَّهُ بِرُوحِهِ إِلَى النَّارِ، وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢). * * *

стр. 2490

خُرُوجُ الأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ وَظَهَرَ في صَنْعَاءَ بِالْيَمَنِ الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ، فَادَّعَى النُبوَّةَ أَيْضًا، وَتبِعَهُ قَوْمُهُ بَنُو عَبْسٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ بَنِي مَذْحَجٍ، وَسَمَّى نَفْسَهُ "رَحْمَانَ الْيَمَنِ". وَاسْمُ الْأَسْوَدِ هَذَا عَبْهَلَةُ بْنُ كَعْبٍ، وَإِنَّمَا لُقِّبَ الْأَسْوَدَ، لِأَنَّهُ كَانَ أَسْوَدَ الْوَجْهِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ أَيْضًا: ذُو الْخِمَارِ، لِأَنَّهُ كَانَ يُخَمِّرُ وَجْهَهُ دَائِمًا (١). وَكَانَ الْأَسْوَدُ كَاهِنًا مُشَعْوِذًا، وَكَانَ يُرِي قَوْمَهُ الْأَعَاجِيبَ، وَيَسْبِي قُلُوبَ مَنْ سَمِعَ مَنْطِقَهُ (٢). وَكَانَ أَوَّلُ خُرُوجِهِ بَعْدَ عَوْدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَكَاتَبَتْهُ مَذْحَجٌ، وَوَاعَدُوهُ نَجْرَانَ، فَوَثَبُوا عَلَيْهَا، وَأَخْرَجُوا عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ، وَخَالِدَ بْنَ سَعِيدٍ ﵄ عَامِلَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَنْزَلُوهُ مَنْزِلَهُمَا، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبِ الْأَسْوَدُ أَنِ اسْتَوْلَى عَلَى صَنْعَاءَ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا الْمُهَاجِرَ بْنَ أُمَيَّةَ ﵁ عَامِلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخَذَهَا، ثُمَّ قَوِيَ أَمْرُهُ بِمَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٣).
следующие страницы →