← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

قَالَ: أَفِي نُورٍ أَمْ فِي ظُلْمَةٍ؟ فَقَالَ: فِي ظُلْمَةٍ. فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ كَذَّابٌ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا صَادِقٌ، وَلَكِنَّ كَذَّابَ رَبِيعَةَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ صَادِقِ مُضَرَ. وَاتَّبَعَ هَذَا الْأَعْرَابِيُّ الْجِلْفُ (١) لَعَنَهُ اللَّهُ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ حَتَّى قُتِلَ مَعَهُ يَوْمَ عَقْرَبَا (٢)، لَا ﵀ (٣). * كِتَابُ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: ثُمَّ كتَبَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِيهِ: مِنْ مُسَيْلِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي قَدْ أُشْرِكْتُ في الْأَمْرِ مَعَكَ، وَإِنَّ لَنَا نِصْفُ الْأَرْضِ، وَلقُرَيْشٍ نِصْفُ الْأَرْضِ، وَلَكِنَّ قُرَيْشًا قَوْمٌ يَعْتَدُونَ. وَبَعَثَ بِالْكِتَابِ مَعَ رَجُلَيْنِ مِنْ قَوْمِهِ، يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ النَّوَّاحَةِ (٤)، وَالآخَرِ: ابْنُ أُثَالٍ، فَلَمَّا قُرِئَ الْكِتَابُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ

стр. 2487

لَهُمَا: "فَمَا تَقُولَانِ أَنْتُمَا؟ ". قَالَا: نَقُولُ كَمَا قَالَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتَشْهَدَانِ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ ". قَالَا: نَشْهَدُ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ رَسُولُ اللَّهِ.

стр. 2488

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا" (١). * كِتَابُ الرَّسُولِ ﷺ إِلَى مُسَيْلِمَةَ: ثُمَّ كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، السَّلَاُم عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الْأَرْضَ للَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ". وَبَعَثَ بِالْكِتَابِ مَعَ حَبِيبِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁. فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى مُسَيْلِمَةَ وَقُرِئَ عَلَيْهِ قَتَلَ حَبِيبَ بْنَ زَيْدٍ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﵁ (٢). اسْتَمَرَّ مُسَيْلِمَةُ لَعَنَهُ اللَّهُ في فُجُورِهِ وَكَذِبِهِ، وَتَفَاقَمَ أَمْرُهُ وَازْدَادَتْ شَوْكَتُهُ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَخَذَ يَجْمَعُ الْجُمُوعَ لِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَجَهَّزَ لَهُ خَلِيفَةُ الرَّسُولِ ﷺ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁، جَيْشًا أَمَّرَ عَلَيهِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ﵁، وَاسْتَطَاعَ أَنْ يَقْتُلَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ، وَيَهْزِمَهُ في مَعْرَكَةِ الْيَمَامَةِ الْعَظِيمَةِ (٣).

стр. 2489

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فَلَمْ يُمْهِلْهُ اللَّهُ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَيْفًا مِنْ سُيُوفِهِ، وَحَتْفًا مِنْ حُتُوفِهِ فَبَعَجَ (١) بَطْنَهُ، وَفَلَقَ رَأْسَهُ، وَعَجَّلَ اللَّهُ بِرُوحِهِ إِلَى النَّارِ، وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢). * * *

стр. 2490

خُرُوجُ الأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ وَظَهَرَ في صَنْعَاءَ بِالْيَمَنِ الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ، فَادَّعَى النُبوَّةَ أَيْضًا، وَتبِعَهُ قَوْمُهُ بَنُو عَبْسٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ بَنِي مَذْحَجٍ، وَسَمَّى نَفْسَهُ "رَحْمَانَ الْيَمَنِ". وَاسْمُ الْأَسْوَدِ هَذَا عَبْهَلَةُ بْنُ كَعْبٍ، وَإِنَّمَا لُقِّبَ الْأَسْوَدَ، لِأَنَّهُ كَانَ أَسْوَدَ الْوَجْهِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ أَيْضًا: ذُو الْخِمَارِ، لِأَنَّهُ كَانَ يُخَمِّرُ وَجْهَهُ دَائِمًا (١). وَكَانَ الْأَسْوَدُ كَاهِنًا مُشَعْوِذًا، وَكَانَ يُرِي قَوْمَهُ الْأَعَاجِيبَ، وَيَسْبِي قُلُوبَ مَنْ سَمِعَ مَنْطِقَهُ (٢). وَكَانَ أَوَّلُ خُرُوجِهِ بَعْدَ عَوْدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَكَاتَبَتْهُ مَذْحَجٌ، وَوَاعَدُوهُ نَجْرَانَ، فَوَثَبُوا عَلَيْهَا، وَأَخْرَجُوا عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ، وَخَالِدَ بْنَ سَعِيدٍ ﵄ عَامِلَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَنْزَلُوهُ مَنْزِلَهُمَا، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبِ الْأَسْوَدُ أَنِ اسْتَوْلَى عَلَى صَنْعَاءَ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا الْمُهَاجِرَ بْنَ أُمَيَّةَ ﵁ عَامِلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخَذَهَا، ثُمَّ قَوِيَ أَمْرُهُ بِمَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٣).

стр. 2491

وَكَانَ لِلْأَسْوَدِ شَيْطَانَانِ، يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا: سُحَيْقٌ، وَالْآخَرِ: شُقَيْقٌ، وَكَانَا يُخْبِرَانِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ يَحْدُثُ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ. وَقُتِلَ الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ الْكَذَّابُ قَبْلَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَتَلَهُ فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ ﵁ (١). * * *

стр. 2492

ارْتِدَادُ وَتَنَبُّؤُ طُلَيْحَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ الأَسَدَيِّ كَذَلِكَ ظَهَرَ في بَنِي أَسَدٍ في حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَنبَّئٌ ثَالِثٌ، هُوَ طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الْأَسَدِيُّ، وَكَانَ قَدْ وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ قَوْمِهِ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ ارْتَدَّ، وَادَّعَى النُّبُوَّةَ، وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ، فكَتَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدْعُوهُ إِلَى الْمُوَادَعَةِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضِرَارَ بْنَ الْأَزْوَرِ إِلَى عُمَّالِهِ عَلَى بَنِي أَسَدٍ وَأَمَرَهُمْ بِقِتَالِ مَنِ ارْتَدَّ، وَلَمْ يَلْبَثِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ حَتُّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَلَمَّا كَانَتْ خِلَافَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، بَعَثَ إِلَيْهِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ﵁، فَسَارَ إِلَيْهِ خَالِدٌ ﵁، فَقَاتَلَ طُلَيْحَةَ فَهَزَمَهُ، وَهَرَبَ إِلَى الشَّامِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَشَهِدَ مَعْرَكَةَ القادِسِيَّةِ، فَأَبْلَى بِهَا بَلَاءً عَظِيمًا (١). قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢).

стр. 2493

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: فَمُسَيْلِمَةُ وَالْأَسْوَدُ، وَأَمْثَالُهُمَا لَعَنَهُمُ اللَّهُ أَحَقُّ النَّاسِ دُخُولًا في هَذِهِ الآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَأَوْلَاهُمْ بِهَذِهِ الْعُقُوبَةِ الْعَظِيمَةِ (١). * * *

стр. 2494

السَّنَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ لِلْهِجْرَةِ بَعْثُ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ ﵄ إِلَى البَلْقَاءِ فِي يَوْمِ الِاثْنينِ لِأَرْبَعِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ صَفَرٍ مِنَ السَّنَةِ الْحَادِيَةِ عَشْرَةَ لِلْهِجْرَةِ، نَدَبَ (١) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ لِغَزْوِ الرُّومِ، وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ﵄، وَكَانَ عُمْرُهُ ثَمَانِ عَشْرَةَ سَنَةً (٢)، وَأَمَّرَهُ عَلَى هَذَا الْجَيْشِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُوطِئَ الْخَيْلَ الْبَلْقَاءَ مِنْ أَرْضِ فِلِسْطِينَ فَقَالَ لَهُ: "سِرْ إِلَى مَوْضعِ مَقْتَلِ أَبِيكَ فَأَوْطِئْهُمُ الْخَيْلَ، فَقَدْ وَلَّيْتُكَ هَذَا الْجَيْشَ، فَأَغِرْ صَبَاحًا عَلَى أَهْلِ أُبْنَى (٣) وَحَرِّقْ عَلَيْهِمْ (٤)، وَأَسْرعِ السَّيْرَ تَسْبِقِ الْأَخْبَارَ، فَإِنْ ظَفَّرَكَ اللَّهُ فَأقْلِلِ اللَّبْثَ فِيهِمْ، وَخُذْ مَعَكَ الْأَدِلَّاءَ (٥)، وَقَدِّمِ الْعُيُونَ (٦) وَالطَّلَائِعَ (٧) أَمَامَكَ" (٨).

стр. 2495

فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ بَدَأَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَجَعُهُ الذِي قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ. فَلَمَّا أَصْبَحَ يَوْمَ الْخَمِيسِ عَقَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُسَامَةَ ﵁ لِوَاءً بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: "اغْزُ بِسْمِ اللَّهِ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَاتِلْ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ"، فَخَرَجَ أُسَامَةُ ﵁ بِلِوَائِهِ مَعْقُودًا، فَدَفَعَهُ إِلَى بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيِّ ﵁، وَعَسْكَرَ بِالْجُرْفِ (١). وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ وُجُوهِ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَالْأَنْصَارِ إِلَّا انْتُدِبَ في تِلْكَ السَّرِيَّةِ، فَكَانَ فِيهِمْ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، وَقَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، وَسَلَمَةُ بْنُ أَسْلَمَ بْنِ حَرِيشٍ، ﵃ أَجْمَعِينَ (٢). وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي إِمْرَةِ أُسَامَةَ ﵁ لِحَدَاثَةِ سِنِّهِ ﵁، فَلَمَّا بَلَغَ

стр. 2496

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ قَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، وَبَيَّنَ فَضْلَ أُسَامَةَ ﵁ وَأَنَّهُ خَلِيقٌ بِالْإِمَارَةِ كَمَا سَيَأْتِي. إِلَّا أَنَّ الْأَخْبَارَ الْمُقْلِقَةَ عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَعَلَتْ أُسَامَةَ ﵁ يَتَرَيَّثُ فِي مُعَسْكَرِهِ بِالجُرْفِ، حَتَّى يَعْرِفَ مَا يَقْضِي اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَقَدْ قَضَى اللَّهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا -وَهُوَ جَيْشُ أُسَامَةَ ﵁ أَوَّلُ بَعْثٍ يَنْفُذُ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁. * * *

стр. 2497

دُنُوُّ أَجَلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - وَلَمَّا تَكَامَلَتِ الدَّعْوَةُ، وَسَيْطَرَ الْإِسْلَامُ عَلَى كُلِّ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، وَبَدَتْ طَلَائِعُ انْتِشَارِهِ فِي الْعَالَمِ، وَظَهَرَتْ عَلَى الْأَدْيَانِ كُلِّهَا، أَحَسَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِدُنُوِّ أَجَلِهِ، فَأَخَذَ يَتَهَيَّأُ لِلِقَاءِ رَبِّهِ، وَظَهَرَ مِنْهُ ﷺ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ مَا يَدلُّ عَلَى اقْتِرَابِ الرَّحِيلِ عَنْ هَذِهِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ. * عَلَامَاتُ دُنُوِّ أَجَلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: وَأَوَّلُ مَا عَرَّفَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِاقْتِرَابِ أَجَلِهِ: ١ - نُزُولُ سُورَةِ النَّصْرِ: رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَنَّ عُمَرَ ﵁ سَأَلهُمْ (١) عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ قَالُوا: فَتْحُ الْمَدَائِنِ وَالْقُصُورِ، قَالَ: مَا تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ . قَالَ: أَجَلْ، أَوْ مَثَلٌ ضُرِبَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ ، نُعِيَتْ لَهُ نَفْسُهُ (٢). وَرَوَى الْبُخَارِيُّ أَيْضًا عَنْهُ ﵁: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁، دَعَاهُ مَعَ أَشْيَاخِ

стр. 2498

بَدْرٍ (١)، فَسَأَلهُمْ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُمِرْنَا نَحْمَدُ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرُهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا، وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: فَقَالَ لِي عُمَرُ ﵁: أَكَذَلِكَ تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: لَا، قَالَ: فَمَا تَقُولُ؟ قَالَ ﵁: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَهُ لَهُ، قَالَ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، وَذَلِكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا. فَقَالَ عُمَرُ ﵁: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَقُولُ (٢). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ: ١ - فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَتَأْثِيرٌ لِإِجَابَةِ دَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُعَلِّمَهُ اللَّهُ التَّأْوِيلَ، وَيُفَقِّهَهُ فِي الدِّينِ. ٢ - وَفِيهِ جَوَازُ تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ بِمَا يُفْهَمُ مِنَ الْإِشَارَاتِ، وَإِنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ مَنْ رَسَخَتْ قَدَمُهُ فِي الْعِلْمِ، وَلِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ ﵁: أَوْ فَهْمًا يُؤْتِيهِ

стр. 2499

اللَّهُ رَجُلًا فِي الْقُرْآنِ (١). وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: كَأَنَّهُ ﵁ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ الِاسْتِغْفَارَ فِي خَوَاتِمِ الْأُمُورِ، فَيَقُولُ إِذَا سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ: "أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ" ثَلَاثًا (٢)، وَإِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ: "غُفْرَانَكَ" (٣)، وإذا فرغ من مجلسه قال: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ" (٤). وَوَرَدَ الْأَمْرُ بِالِاسْتِغْفَارِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمَنَاسِكِ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ (٥). وَرَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةً بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إِلَّا يَقُولُ فِيهَا: "سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي" (٦).

стр. 2500

وَسُورَةُ النَّصْرِ هِيَ آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: تَعْلَمُ آخِرَ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ، نَزَلَتْ جَمِيعًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؟ قَالَ ﵄: صَدَقْتَ (١). قُلْتُ: وَهَذَا لَا يُعَارِضُ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْبَرَاءَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَرَاءَةٌ -وَهِيَ التَّوْبَةُ- (٢). قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ آخِرِيَّةَ سُورَةِ النَّصْرِ نُزُولُهَا كَامِلَةً، بِخِلَافِ بَرَاءَةٍ، فَإِنَّ غَالِبهَا نَزَلَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَهِيَ آخِرُ غَزَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٣). ٢ - مُدَارَسَةُ الْقُرْآنِ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُ (٤) الْقُرْآنَ كُلَّ عَامٍ فِي رَمَضَانَ عَلَى جِبْرِيلَ ﵇، مَرَّةً، فَعَرَضَهُ فِي ذَلِكَ الْعَامِ الذِي قُبِضَ فِيهِ مَرَّتَيْنِ، فَقَدْ أَخْرَجَ

стр. 2501

الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَسَرَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَى فَاطِمَةَ ﵂، فَأَخْبَرَهَا: "أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ قَدْ عَارَضَنِي بِهِ الْعَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أَرَى الْأَجَلَ إِلَّا قَدِ اقْتَرَبَ، فَاتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي، فَإِنِّي نِعْمَ السَّلَفُ أنَّا لَكِ" (١). ٣ - مُضَاعَفَةُ اعْتِكَافِ رَمَضَانَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ كُلَّ عَامٍ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا (٢). ٤ - الِاجْتهَادُ فِي الْعِبادَة: وَاجْتَهَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْعَامِ الذِي قُبِضَ فِيهِ مِنَ الْعِبَادَةِ، وَأَكْثَرَ مِنَ الذِّكْرِ وَالِاسْتِغْفَارِ، فَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، نُعِيَتْ

стр. 2502

لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَفْسُهُ حِينَ أُنْزِلَتْ، فَأَخَذَ فِي أَشَدِّ مَا كَانَ اجْتِهَادًا فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ (١). ٥ - تَلْمِيحُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاقْتِرَابِ أَجَلِهِ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَرِّضُ (٢) لِأَصْحَابِهِ بِاقْتِرَابِ أَجَلِهِ، وَيُلَمِّحُ لَهُمْ بِذَلِكَ، فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلنَّاسِ عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ: "لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ" (٣). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الْمُسْنَدِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لِتَأْخُذْ أُمَّتِي مَنْسِكَهَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاهُمْ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا" (٤). رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ زَيْدِ بنِ أَرْقَمٍ ﵁ قَالَ: . . . قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا (٥) بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّر، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ! فَإِنَّمَا أنَّا بَشَرٌ يُوشِكٌ أَنْ يَأْتِي رَسُولُ رَبِّي (٦) فَأُجِيبُ. . " (٧). وَرَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَيَأتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ يَوْمٌ وَلَا يَرَانِي، ثُمَّ لَأَنْ

стр. 2503

يَرَانِي أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ مَعَهُمْ" (١). وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "تَزْعُمُونَ (٢) أَنِّي مِنْ آخِرِكُمْ وَفَاةً، إِنِّي مِنْ أَوَّلِكُمْ وَفَاةً، وَتَتَّبِعُونِي أَفْنَادًا (٣) يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ" (٤). ٦ - صَلَاةُ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ: وَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، خَرَجَ إِلَى أُحُدٍ، فَصَلَّى عَلَى الشُّهَدَاءِ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ، بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءَ وَالْأَمْوَاتِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَطَلَبَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: "إِنِّي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَرَطٌ (٥)، وَأَنَا عَلَيْكُمْ شَهِيدٌ، وَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْحَوْضُ، وَإِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ مَقَامِي هَذَا، وَإِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوهَا". قَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ ﵁ رَاوِي الْحَدِيثِ: فَكَانَتْ آخِرَ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٦).

стр. 2504

٧ - اسْتِغْفَارُهُ ﷺ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ: وَفِي أَوَاخِرِ شَهْرِ صَفَرٍ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْبَقِيعِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَاسْتَغْفَرَ لِأَهْلِهَا، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي مُوَيْهِبَةَ ﵁ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَقَالَ: "يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ، إِنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ، فَانْطَلِقْ مَعِي"، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، قَالَ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْمَقَابِرِ، لِيَهْنِ لَكُمْ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ مِمَّا أَصْبَحَ فِيهِ النَّاسُ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا نَجَّاكُمْ اللَّهُ مِنْهُ، أَقْبَلَتِ الْفِتَنُ كَقِطَعْ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يَتْبَعُ أَوَّلُهَا آخِرَهَا، الْآخِرَةُ شَرٌّ مِنَ الْأُولَى". قَالَ أَبُو مُوَيْهِبَةَ ﵁: ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ، فَقَالَ: "يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ إِنِّي قَدْ أُوتِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الدُّنْيَا وَالْخُلْدَ فِيهَا، ثُمَّ الْجَنَّةَ، وَخُيِّرْتُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ لِقَاءِ رَبِّي وَالْجَنَّةِ" (١). قَالَ أَبُو مُوَيْهِبَةَ ﵁: فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي، فَخُذْ مَفَاتِيحَ الدُّنْيَا وَالْخُلْدَ فِيهَا، ثُمَّ الْجَنَّةَ.

стр. 2505

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا وَاللَّهِ يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ، لَقَدِ اخْتَرْتُ لِقَاءَ رَبِّي وَالْجَنَّةَ"، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَبُدِئَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَجَعِهِ الذِي قَبَضَهُ اللَّهُ فِيهِ حِينَ أَصْبَحَ (١). * ابْتِدَاءُ شَكْوَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمُدَّةُ مَرَضِهِ: ابْتَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَكْوَاهُ، الذِي قَبَضَهُ اللَّهُ فِيهِ، فِي أَوَاخِرِ لَيَالِي شَهْرِ صَفَرٍ، وَكَانَتْ مُدَّةُ مَرَضِهِ ﷺ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ (٢). وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مُدَّةِ مَرَضِهِ يُصَلِّي بِالنَّاسِ إِلَى أَنْ ثَقُلَ بِهِ الْمَرَضُ جِدًّا، فَانْقَطَعَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَأَمَرَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، كَمَا سَيَأْتِي. وَكَانَ أَوَّلَ مَاُ بدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ وَجَعِهِ الصُّدَاعُ الشَّدِيدُ فِي رَأْسِهِ الشَّرِيفِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: رَجَعَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ جَنَازَةٍ بِالْبَقِيعِ (٣)، وَأَنَا أَجِدُ صُدَاعًا فِي رَأْسِي، وَأَنَا أَقُولُ: وَارَأْسَاهُ، فَقَالَ

стр. 2506

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَلْ أَنَا يَا عَائِشَةُ وَارَأْسَاهُ"، ثُمَّ قَالَ: "وَمَا ضَرَّكِ لَوْ مِتِّ قَبْلِي، فَغَسَّلْتُكِ وَكَفَّنْتُكِ، وَصَلَّيْتُ عَلَيْكِ، ثُمَّ دَفَنْتُكِ؟ ". قُلْتُ: لَكَأَنِّي بِكَ أَنْ لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ قَدْ رَجَعْتَ إِلَى بَيْتِي، فَأَعْرَسْتَ فِيهِ بِبَعْضِ نِسَائِكِ، فتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ بُدِئَ فِي وَجَعِهِ الذِي مَاتَ فِيهِ. (١) * تَمْرِيضُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ ﵂: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَطُوفَ عَلَى أَزْوَاجِهِ، كَمَا هِيَ عَادَتُهُ فِي تَعَاهُدِهِنَّ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بَيْتِ مَيْمَونُةَ بِنْتِ الْحَارِثِ ﵂، اشْتَدَّ بِهِ الْمَرَضُ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ ﵂، فَأَذِنَّ لَهُ، ﵅، فَخَرَجَ بَيْنَ عَمِّهِ الْعَبَّاسِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵄، وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ فِي الْأَرْضِ ﷺ . رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَاسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي

стр. 2507

بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ (١)، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُعْتَمِدًا (٢) عَلَى الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعَلَى رَجُلٍ آخَرَ، هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ (٣). وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ أَنْ يُطَبَّبَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ ﵂، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسْأَلُ فِي مَرَضِهِ الذِي مَاتَ فِيهِ يَقُولُ: "أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ ، أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ " يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ، فَأَذِنَّ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونَ حَيْثَ شَاءَ، فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ ﵂ حَتَّى مَاتَ عِنْدَهَا (٤). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ

стр. 2508

اللَّهِ ﷺ لَمَّا كَانَ فِي مَرَضِهِ جَعَلَ يَدُورُ فِي نِسَائِهِ وَيَقُولُ: "أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ "، حِرْصًا عَلَى بَيْتِ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي سَكَنَ (١). * اشْتِدَادُ الْوَجَعِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: وَاشْتَدَّتْ وَطْأَةُ الْمَرَضِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَبَدَأَتِ الْحُمَّى تَشْتَدُّ عَلَيْهِ ﷺ ، وَارْتَفَعَتْ حَرَارَةُ جِسْمِهِ ﷺ ، حَتَّى إِنَّ حَرَارَتَهَا لَتُوجَدُ مِنْ فَوْقِ الثِّيَابِ. رَوَى ابْنُ مَاجَه وَالطَّحَاوِيُّ وَالبُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ المُفْرَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يُوعَكُ (٢)، فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَيْهِ، فَوَجَدْتُ حَرَّهُ (٣) بَيْنَ يَدِي فَوْقَ اللِّحَافِ (٤)، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَشَدَّهَا عَلَيْكَ (٥)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّا كَذَلِكَ، يُضَعَّفُ لَنَا الْبَلَاءُ، وَيُضَعَّفُ لَنَا الْأَجْرُ" (٦).

стр. 2509

وَرَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قاَلَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُوعَكُ، فَمَسَسْتُهُ بِيَدِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ"، فَقُلْتُ: ذَلِكَ، أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَجَلْ"، ثُمَّ قَالَ ﷺ : "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مِنْ مَرَضٍ (١) فَمَا سِوَاهُ، إِلَّا حَطَّ اللَّهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا" (٢). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى إِلَّا حَاتَّ اللَّهُ عَنْهُ خَطَايَاهُ كَمَا تَحَاتَّ وَرَقُ الشَّجَرِ" (٣). وَرَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَعُ (٤) مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٥).

стр. 2510

* قِرَاءَةُ الْمُعَوِّذَاتِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: وَكَانَتْ عَائِشَةُ ﵂، تَقْرَأُ بِالْمُعَوِّذَاتِ (١)، وَتَنْفُثُ (٢) عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِهِنَّ، وَتَمْسَحُ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ ﷺ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا، فَقدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْهَا ﵂ قَالَتْ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَيَنْفُثُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ، كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ، وَأَمْسَحُ عَنْهُ بِيَدِهِ، رَجَاءَ بَرَكَتِهَا (٣). * لَدُّ (٤) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ شِدَّةِ وَجَعِهِ يُغْمَى عَلَيْهِ، ثُمَّ يُفِيقُ، وَأُغْمِيَ عَلَيْهِ مَرَّةً فَخَافُوا عَلَيْهِ، وَظَنُّوا أَنَّ بِهِ ذَاتَ الْجَنْبِ (٥)، فَلَدُّوهُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ

стр. 2511

حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ، قَالَتْ: فَتَشَاوَرَ نِسَاؤُهُ فِي لَدِّهِ، فَلَدُّوهُ، فَلَمَّا أَفَاقَ، قَالَ: "مَا هَذَا؟ ، أَفِعْلُ نِسَاءٍ يَجِئْنَ مِنْ هَاهُنَا؟ "، وَأَشَارَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَكَانَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ فِيهِنَّ، فَقَالُوا: كُنَّا نَتَّهِمُ بِكَ ذَاتَ الْجَنْبِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ ذَلِكَ دَاءٌ، مَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَنِي بِهِ، لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ إِلَّا لُدَّ (١)، إِلَّا عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ"، يَعْنِي الْعَبَّاسَ، قَالَتْ: فَلَقَدْ الْتَدَّتْ مَيْمُونَةُ يَوْمَئِذٍ، وَإِنَّهَا لَصَائِمَةٌ لِعَزِيمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٢). * وَصِيَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعُثْمَانَ ﵁ -: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁، فَجَاءَ، فَخَلَا بِهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَلِّمُهُ وَوَجْهُ عُثْمَانَ يَتَغَيَّرُ، قَالَتْ ﵂: فَكَانَ مِنْ آخِرِ كَلَامٍ كَلَّمَهُ، أَنْ ضَرَبَ مَنْكِبَهُ، وَقَالَ: "يَا عُثْمَانُ، إِنَّ اللَّه عَسَى أَنْ يُلْبِسَكَ (٣) قَمِيصًا (٤)، فَإِنْ أَرَادَكَ الْمُنَافِقُونَ عَلَى خَلْعِهِ

стр. 2512

فَلَا تَخْلَعْهُ حَتَّى تَلْقَانِي، يَا عُثْمَانُ، إِنَّ اللَّهَ عَسَى أَنْ يُلْبِسَكَ قَمِيصًا، فَإِنْ أَرَادَكَ الْمُنَافِقُونَ عَلَى خَلْعِهِ، فَلَا تَخْلَعْهُ حَتَّى تَلقانِي" ثَلَاثًا (١). وَكَانَتْ وَصِيَّةُ الرَّسُولِ ﷺ هَذِهِ لِعُثْمَانَ ﵁ عِنْدَ وَفَاتِهِ ﷺ وَجَاءَ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى التِي أَخْرَجَهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْعَدْوِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂: هَلْ عَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ؟ فَقَالَتْ: مَعَاذَ اللَّهِ غَيْرَ أَنِّي سَأُحَدِّثُكَ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَى حَفْصَةَ، فَقَالَتْ: يَا حَفْصَةُ نَشَدْتُكِ اللَّهَ أَنْ تُكَذِّبِينِي بِحَقٍّ أَوْ تُصَدِّقِينِي بِبَاطِلٍ، قَالَتْ: أَفْعَلُ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: هَلْ تَعْلَمِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُغْمِيَ عَلَيْهِ؟ فَقُلْتُ: أَفَرَغَ؟ (٢). قُلْتُ: لَا أَدْرِي، فَأَفَاقَ، فَقَالَ ﷺ : افْتَحُوا عَنْهُ. فَقُلْتُ: أَبِي، فَسَكَتَ، فَقُلْتِ أنتِ: أَبِي، فَسَكَتَ، فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، أَقُولُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ (٣).

стр. 2513

فَقُلْتُ: أَتَعْلَمِينَ أَنَّ عَلَى الْبَابِ لَرَجُلًا مَا هُوَ بِأَبِي وَلَا بِأَبِيكِ، فَانْظُرِي مَنْ هُوَ؟ فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁، فَدَخَلَ، فَقَالَ ﷺ : "ادْنُهْ" ثَلَاثًا، حَتَّى اتَّكَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ، فَجَعَلَهَا مِنْ وَرَاءِ عُنُقِهِ، ثُمَّ سَارَّهُ، فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَ: فَهِمْتُ. قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ وَوَعَى قَلْبِي حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (١). * خُطْبَةُ مَرَضِ الْمَوْتِ: وَهِيَ آخِرُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَبْلَ وَفَاتِهِ ﷺ بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ اشْتَدَّ الْوَجَعُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَارْتَفَعَتْ حَرَارَتُهُ حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ ﷺ مِنَ الْإِغْمَاءِ قَالَ: "هَرِيقُوا عَلَيَّ سبْعَ (٢) قِرَبٍ لَمْ تُحْلَلَ

стр. 2514

أَوْكِيَتُهُنَّ (١) مِنْ آبَارٍ شَتَّى، لَعَلِّي أَسْتَرِيحُ، فَأَعْهَدَ إِلَى النَّاسِ". فَجِيءَ بِالْقِرَبِ، فَأَجْلَسُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي مِخْضَبٍ (٢) مِنْ نُحَاسٍ لِحَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ﵂، وَصَبُّوا عَلَيْهِ الْمَاءَ، حَتَّى طَفِقَ (٣) يُشِيرُ إِلَيْهِمْ أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ (٤).

стр. 2515

فَعِنْدَ ذَلِكَ أَحَسَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخِفَّةٍ، فَخَرَجَ مُتَوَكِّئًا عَلَى الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ ﵄، عَاصِبًا رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ (١) دَسْمَاءَ (٢)، وَعَلَيْهِ مَلْحَفَةٌ مُتَعَطِّفًا بِهَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ، حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، وَلَمْ يَصْعَدْهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، ثُمَّ جَلَسَ -وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ حَوْلَهُ-، فَقَالَ ﷺ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَاسْتَغْفَرَ لِلشُّهَدَاءِ الذِينَ قُتِلُوا يَوْمَ أُحُدٍ (٣)، ثُمَّ قَالَ ﷺ : "إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ، وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ"، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ ﵁، وَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وأمهاتنا، فَعَجِبَ الصَّحَابَةُ ﵃، وَقَالُوا: مَا يُبْكِي هَذَا الشَّيْخَ! إِنْ يَكُنِ اللَّهُ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁ رَاوِي الْحَدِيثِ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ الْعَبْدُ (٤)، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا.

стр. 2516

ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا أَبَا بَكْرٍ لَا تَبْكِ، إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صَحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ، لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ، إِلَّا بَابُ أَبِي بَكْرٍ" (١). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصَّحِيحِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ (٢) فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ" (٣).

стр. 2517

ثُمَّ أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْأَنْصَارِ ﵃ فَقَالَ: "أُوصِيكُمْ بِالْأَنْصَارِ، فَإِنَّهُمْ كُرْشِي (١) وَعَيْبَتِي (٢)، وَقَدْ قَضَوُا الذِي عَلَيْهِمْ (٣)، وَبَقِي الذِي لَهُمْ، فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ" (٤). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ وَتَقِلُّ الْأَنْصَارُ حَتَّى يَكُونُوا كَالْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ، فَمَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ أَمْرا يَضُرُّ فِيهِ أَحَدًا أَوْ يَنْفَعُهُ، فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ" (٥). ثُمَّ ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَضْلَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵁ وَأَنَّهُ خَلِيقٌ لِلْإِمَارَةِ، فَقَالَ ﷺ : "إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمَارَتهِ، فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ، وَايْمُ

стр. 2518

اللَّهِ، إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلْإِمَارَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هَذَا (١) لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ" (٢). * رِوَايَةٌ غَرِيبَة وَضَعِيفَةٌ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ دَنَا مِنِّي خُفُوقٌ (٣) مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ، وَلَنْ تَرَوْني فِي هَذَا الْمَقَامِ فِيكُمْ، وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَنَّ غَيْرَهُ غَيْرُ مُغْنٍ عَنِّي حَتَّى أَقُومَ فِيكُمْ، أَلَا فَمَنْ كُنْتُ جَلَدْتُ لَهُ ظَهْرًا، فَهَذَا ظَهْرِي فَلْيَسْتَقِدْ، وَمَنْ كُنْتُ أَخَذْتُ لَهُ مَالًا، فَهَذَا مَالِي فَلْيَأْخُذْ مِنْهُ، وَمَنْ كُنْتُ شَتَمْتُ لَهُ عِرْضًا، فَهَذَا عِرْضِي فَلْيَسْتَقِدْ، وَلَا يَقُولَنَّ قَائِلٌ: أَخَافُ الشَّحْنَاءَ مِنْ قِبَلِ رَسُولِ اللَّهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّحْنَاءَ لَيْسَتْ مِنْ شَأْنِي، وَلَا مِنْ خُلُقِي، وَإِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ مَنْ أَخَذَ حَقًّا، إِنْ كَانَ لَهُ عَلَيَّ، وَحَلَّلَنِي، فَلَقِيتُ اللَّهَ ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ عِنْدِي مَظْلَمَةٌ". فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لِي عِنْدَكَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَعْطِهِ يَا فَضْلُ" (٤).

стр. 2519

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ سَاقَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ: وَفِي إِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ غَرَابَةٌ شَدِيدَةٌ (١). * هَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَكتُبَ كِتَابًا: وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ قَبْلَ وَفَاتِهِ ﷺ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ اشْتَدَّ بِهِ الْوَجَعُ: "ائْتُونِي بِكِتَابٍ (٢) أَكْتُبُ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ"، وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْوَجَعُ، وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ، حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ (٣)، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ، فَاخْتَصَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولَ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ ﵁، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغَطَ (٤) وَالِاخْتِلَافَ عِنْدَ

стр. 2520

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ ﷺ : "قُومُوا عَنِّي، لَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ". فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ (١) كُلَّ الرَّزِيَّةِ، مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ، مِنِ اخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ (٢). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَفِي الْحَدِيثِ: ١ - دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ كِتَابَةِ الْعِلْمِ. ٢ - وفَيِهِ أَنَّ الِاخْتِلَافَ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا فِي حِرْمَانِ الْخَيْرِ، كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ الرّجَلْيِن اللَّذَيْنِ تَخَاصَمَا فَرُفِعَ تَعْيِينُ لَيْلَةِ القدْرِ بِسَبَبِ ذَلِكَ (٣). * وَصِيَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: وَأَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِثَلَاثٍ: ١ - إِخْرَاجُ الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ.

стр. 2521

٢ - إِجَازَةُ الْوَفْدِ (١) بِنَحْوِ مَا كَانَ يُجِيزُهُمْ ﷺ . ٣ - أَمَّا الثَّالِثَةُ، فَقَدْ نَسِيَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄، رَاوَي الْحَدِيثِ (٢). قَالَ الدَّاوُدِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: الثَّالِثَةُ: الْوَصِيَّةُ بِالْقُرْآنِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَد وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْغَافِقِيِّ ﵁ قَالَ: آخِرُ مَا عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٣) أَنْ قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَسَتَرْجِعُونَ إِلَى قَوْمٍ يُحِبُّونَ الْحَدِيثَ عَنِّي، فَمَنْ حَفِظَ شَيْئًا فَلْيُحَدِّثْ بِهِ، وَمَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ، فَلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" (٤). وَقِيلَ الثَّالِثَةُ: تَجْهِيزُ جَيْشِ أُسَامَةَ ﵁، وَقَوَّاهُ ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ

стр. 2522

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَمَّا اخْتَلَفُوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ فِي تَنْفِيذِ جَيْشِ أُسَامَةَ، قَالَ لَهُمْ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَهِدَ بِذَلِكَ عِنْدَ مَوْتهِ. وَقِيلَ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﷺ : "لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي وَثَنًا"، فَإِنَّهَا ثَبَتَتْ فِي الْمُوَطَّأِ مَقْرُونَةً بِالْأَمْرِ بِإِخْرَاجِ الْيَهُودِ، وَلَفْظُهُ: "قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ" (١). وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الثَّالِثَةُ: مَا وَقَعَ في حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهَا قَوْلُهُ ﷺ : "الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ" (٢). * تَحْذِيرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنِ اتِّخَاذِ قَبْرِهِ وَثَنًا يُعْبَدُ: وَحَذَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّتَهُ أَنْ يَتَّخِذُوا قَبْرَهُ مَسْجِدًا، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ شِرَارَ

стр. 2523

النَّاسِ الذِينَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، فَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَد بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا (١)، لعَنَ اللَّهُ قَوْمًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ" (٢). وَفِي لَفْظٍ: "لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا" (٣). وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ"، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: لَوْلَا ذَلِكَ لَأَبْرَزُوا قَبْرُهُ غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا (٤). قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: أَيْ لَكُشِفَ قَبْرُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَمْ يُتَّخَذْ عَلَيْهِ الْحَائِلُ، وَالْمُرَادُ الدَّفْنُ خَارِجَ بَيْتِهِ، وَهَذَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ ﵂ قَبْلَ أَنْ يُوَسَّعَ الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ، وَلهَذَا لَمَّا وُسِّعَ الْمَسْجِدُ جُعِلَتْ حُجْرتُهَا مُثَلَّثَةَ الشَّكْلِ

стр. 2524

مُحَدَّدَةً حَتَّى لَا يَتَأَتَّى لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى جِهَةِ الْقَبْرِ مَعَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ (١). * إِمَامَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ بِالنَّاسِ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: وَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَرِيصًا عَلَى أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ مَعَ مَا بِهِ مِنْ شِدَّةِ الْوَجَعِ حَتَّى غَلَبَهُ الْمَرَضُ، وَأَعْجَزَهُ عَنِ الْخُرُوجِ، فَعِنْدَهَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ أَنْ يَؤُمَّ النَّاسَ فِي الصَّلَاةِ. فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ وَجَعُهُ، فَقَالَ ﷺ : "أَصَلَّى النَّاسُ؟ ". قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ. فَقَالَ ﷺ : "ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ". قَالَتْ: فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ، فَذَهَبَ لِيَنُوءَ (٢) فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: "أَصَلَّى النَّاسُ؟ ". قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ ﷺ : "ضَعُوا لِيَ الْمَاءَ فِي الْمِخْضَبِ". قَالَتْ: فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ ﷺ : "أَصَلَّى النَّاسُ؟ ".

стр. 2525

قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ ﷺ : "ضَعُوا لِيَ الْمَاءَ فِي الْمِخْضَبِ". قَالَتْ: فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ ﷺ : "أَصَلَّى النَّاسُ؟ ". قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُونَ النَّبِيَّ ﷺ لِصَلَاةِ الْعِشَاءَ الْآخِرَةِ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ بِأَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ (١)، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا-: يَا عُمَرُ صَلِّ بِالنَّاسِ (٢)، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ ﵁: أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ ﵁ تِلْكَ الْأَيَّامِ (٣). وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّحَاوِيِّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثارِ
следующие страницы →