← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

٢ - إِجَازَةُ الْوَفْدِ (١) بِنَحْوِ مَا كَانَ يُجِيزُهُمْ ﷺ . ٣ - أَمَّا الثَّالِثَةُ، فَقَدْ نَسِيَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄، رَاوَي الْحَدِيثِ (٢). قَالَ الدَّاوُدِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: الثَّالِثَةُ: الْوَصِيَّةُ بِالْقُرْآنِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَد وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْغَافِقِيِّ ﵁ قَالَ: آخِرُ مَا عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٣) أَنْ قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَسَتَرْجِعُونَ إِلَى قَوْمٍ يُحِبُّونَ الْحَدِيثَ عَنِّي، فَمَنْ حَفِظَ شَيْئًا فَلْيُحَدِّثْ بِهِ، وَمَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ، فَلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" (٤). وَقِيلَ الثَّالِثَةُ: تَجْهِيزُ جَيْشِ أُسَامَةَ ﵁، وَقَوَّاهُ ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ

стр. 2522

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَمَّا اخْتَلَفُوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ فِي تَنْفِيذِ جَيْشِ أُسَامَةَ، قَالَ لَهُمْ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَهِدَ بِذَلِكَ عِنْدَ مَوْتهِ. وَقِيلَ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﷺ : "لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي وَثَنًا"، فَإِنَّهَا ثَبَتَتْ فِي الْمُوَطَّأِ مَقْرُونَةً بِالْأَمْرِ بِإِخْرَاجِ الْيَهُودِ، وَلَفْظُهُ: "قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ" (١). وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الثَّالِثَةُ: مَا وَقَعَ في حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهَا قَوْلُهُ ﷺ : "الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ" (٢). * تَحْذِيرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنِ اتِّخَاذِ قَبْرِهِ وَثَنًا يُعْبَدُ: وَحَذَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّتَهُ أَنْ يَتَّخِذُوا قَبْرَهُ مَسْجِدًا، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ شِرَارَ

стр. 2523

النَّاسِ الذِينَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، فَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَد بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا (١)، لعَنَ اللَّهُ قَوْمًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ" (٢). وَفِي لَفْظٍ: "لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا" (٣). وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ"، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: لَوْلَا ذَلِكَ لَأَبْرَزُوا قَبْرُهُ غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا (٤). قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: أَيْ لَكُشِفَ قَبْرُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَمْ يُتَّخَذْ عَلَيْهِ الْحَائِلُ، وَالْمُرَادُ الدَّفْنُ خَارِجَ بَيْتِهِ، وَهَذَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ ﵂ قَبْلَ أَنْ يُوَسَّعَ الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ، وَلهَذَا لَمَّا وُسِّعَ الْمَسْجِدُ جُعِلَتْ حُجْرتُهَا مُثَلَّثَةَ الشَّكْلِ

стр. 2524

مُحَدَّدَةً حَتَّى لَا يَتَأَتَّى لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى جِهَةِ الْقَبْرِ مَعَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ (١). * إِمَامَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ بِالنَّاسِ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: وَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَرِيصًا عَلَى أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ مَعَ مَا بِهِ مِنْ شِدَّةِ الْوَجَعِ حَتَّى غَلَبَهُ الْمَرَضُ، وَأَعْجَزَهُ عَنِ الْخُرُوجِ، فَعِنْدَهَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ أَنْ يَؤُمَّ النَّاسَ فِي الصَّلَاةِ. فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ وَجَعُهُ، فَقَالَ ﷺ : "أَصَلَّى النَّاسُ؟ ". قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ. فَقَالَ ﷺ : "ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ". قَالَتْ: فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ، فَذَهَبَ لِيَنُوءَ (٢) فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: "أَصَلَّى النَّاسُ؟ ". قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ ﷺ : "ضَعُوا لِيَ الْمَاءَ فِي الْمِخْضَبِ". قَالَتْ: فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ ﷺ : "أَصَلَّى النَّاسُ؟ ".

стр. 2525

قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ ﷺ : "ضَعُوا لِيَ الْمَاءَ فِي الْمِخْضَبِ". قَالَتْ: فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ ﷺ : "أَصَلَّى النَّاسُ؟ ". قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُونَ النَّبِيَّ ﷺ لِصَلَاةِ الْعِشَاءَ الْآخِرَةِ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ بِأَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ (١)، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا-: يَا عُمَرُ صَلِّ بِالنَّاسِ (٢)، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ ﵁: أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ ﵁ تِلْكَ الْأَيَّامِ (٣). وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّحَاوِيِّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثارِ

стр. 2526

بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا مَرِضَ مَرَضَهُ الذِي مَاتَ فِيهِ، كَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ادْعُ لِي عَلِيًّا"، فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: أَلَا نَدْعُو لَكَ أَبَا بَكْرٍ؟ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ادْعُوهُ"، فَقَالَتْ حَفْصَةُ ﵂: أَلَا نَدْعُو لَكَ عُمَرَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ادْعُوهُ"، فَقَالَتْ أُمُّ الْفَضْلِ: أَلَا نَدْعُو لَكَ الْعَبَّاسَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ادْعُوهُ"، فَلَمَّا حَضَرُوا رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ، وَقَالَ: "لِيُصَلِّ بِالنَّاسِ أَبُو بَكْرٍ" (١). * رِوَايَةٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ: وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ (٢) بْنِ زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ ﵁ قَالَ: لَمَّا اسْتُعِزَ (٣) بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا عِنْدَهُ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: دَعَا بِلَالٌ لِلصَّلَاةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مُرُوا مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ".

стр. 2527

قَالَ: فَخَرَجْتُ، فَإِذَا عُمَرُ ﵁ فِي النَّاسِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ غَائِبًا، فَقَالَ: قُمْ يَا عُمَرُ، فَصَلِّ بِالنَّاسِ، قَالَ: فَقَامَ، فَلَمَّا كَبَّرَ عُمَرُ ﵁ سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَوْتَهُ، وَكَانَ عُمَرُ رَجُلًا مِجْهَرًا (١)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَأَيْنَ أَبُو بَكْرٍ؟ ، يَأْبَي اللَّهُ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُونَ، يَأَبْي اللَّهُ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُونَ". قَالَ: فَبَعَثَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَجَاءَ بَعْدَ أَن صَلَّى عُمَرُ ﵁ تِلْكَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ. فَقَالَ عُمَرُ ﵁ لِابْنِ زَمْعَةَ: وَيْحَكَ، مَاذَا صَنَعْتَ بِي يَا ابْنَ زَمْعَةَ، وَاللَّهِ مَا ظَنَنْتُ حِينَ أَمَرْتَنِي إِلَّا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَكَ بِذَلِكَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا صَلَّيْتُ بِالنَّاسِ (٢). فَهَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَهُوَ مُدَلِّسٌ، وَلَمْ يُصَرِّحْ فِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِالتَّحْدِيثِ، وَهُوَ وَإِنْ صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، فَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي إِسْنَادِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ تَصْرِيحُهُ بِالسَّمَاعِ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ، ثُمَّ إِنَّ فِي مَتْنِهِ مَا يَمْنَعُ الْقَوْلَ بِصِحَّتِهِ (٣).

стр. 2528

وَالذِي فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا-: يَا عُمَرُ، صَلِّ بِالنَّاسِ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ، فَصلَّى بِهِمْ أَبُو بَكْرٍ ﵁ (١). وَقَدْ رَوَى صَلَاةَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ بِالنَّاسِ: الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁ (٢)، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄ (٣)، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ﵁ (٤)، وَعَائِشَةُ ﵂ (٥). * السَّبَبُ الذِي مِنْ أَجْلِهِ رَاجَعَتْ عَائِشَةُ ﵂ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -: رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا دَخَلَ

стр. 2529

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتِي، قَالَ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ". قَالَتْ ﵂: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَا يَمْلِكُ دَمْعَهُ، فَلَوْ أَمَرْتَ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ. قَالَتْ ﵂: وَاللَّهِ مَا بِي إِلَّا كَرَاهِيَةُ أَنْ يَتَشَاءَمَ النَّاسُ بِأَوَّلِ مَنْ يَقُومُ فِي مَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَتْ: فَرَاجَعْتُهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا (١). فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لِيُصَلِّ بِالنَّاسِ أَبُو بَكْرٍ، فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفٍ" (٢). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: لَقَدْ رَاجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ، وَمَا حَمَلَنِي عَلَى كَثْرَةِ مُرَاجَعَتِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي قَلْبِي أَنْ يُحِبَّ النَّاسُ بَعْدَهُ رَجُلًا، قَامَ مَقَامَهُ أَبَدًا، وَلَا كُنْتُ أَرَى أَنَّهُ لَنْ يَقُومَ أَحَدٌ مَقَامَهُ إِلَّا

стр. 2530

تَشَاءَمَ النَّاسُ بِهِ، فَأَرَدْتُ أَنْ يَعْدِلَ (١) ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَبِي بَكْرٍ (٢). * الأَمْرُ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ تَعَالَى: وَقَبْلَ وَفَاتِهِ ﷺ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ تَعَالَى، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، يَقُولُ: "لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ " (٣). قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: هَذَا تَحْذِيرٌ مِنَ الْقُنُوطِ، وَحَثٌّ عَلَى الرَّجَاءِ عِنْدَ الْخَاتِمَةِ، وَمَعْنَى حُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ تَعَالَى، أَنْ يَظُن أَنَّهُ يَرْحَمُهُ، وَيَعْفُوَ عَنْهُ (٤). * آخِرُ صَلَاةٍ حَضَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ الْمُسْلِمِينَ: وَقَبْلَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِيَوْمَيْنِ، وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَالْآخَرُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي

стр. 2531

طَالِبٍ ﵄ (١)، وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْوَجَعِ، وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الظُّهْرَ (٢).

стр. 2532

فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِ أَبُو بَكْرٍ ﵁ (١) أَرَادَ أَنْ يَنْكُصَ (٢)، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ مَكَانَكَ، وَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ فَأَجْلَسَاهُ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا، وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمًا، يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ (٣). * رُجُوعُ أُسَامَةَ ﵁ مِنْ مُعَسْكَرِهِ بِالْجُرْفِ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحَدِ قَبْلَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِيَوْمٍ، اشْتَدَّ بِهِ ﷺ الْوَجَعُ، فَوَصَلَتِ الْأَخْبَارُ إلى جَيْشِ أُسَامَةَ وَهُوَ بِالْجُرْفِ، فَشَاعَ الْحُزْنُ، فَرَجَعَ أُسَامَةُ ﵁، وَرَجَعَ النَّاسُ مَعَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَغْمُورٌ (٤)، فَدَخَلَ عَلَيْهِ

стр. 2533

أُسَامَةُ ﵁، وَقَدْ أَصْمَتَ (١) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَا يَتَكَلَّمُ، فَجَعَلَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ يَصُبُّهَا (٢) عَلَى أُسَامَةَ. قَالَ أُسَامَةُ ﵁: فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يَدْعُو لِي (٣). * إِنْفَاقُ رسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا عِنْدَهُ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الذِي مَاتَ فِيهِ: "يَا عَائِشَةُ، مَا فَعَلَتِ الذَّهَبُ"، فَجَاءَتْ مَا بَيْنَ الْخَمْسَةِ إِلَى السَّبْعَةِ أَوِ الثَّمَانِيَةِ أَوِ التِّسْعَةِ، فَجَعَلَ يُقَلِّبُهَا بِيَدِهِ، وَيَقُولُ: "مَا ظَنُّ (٤) مُحَمَّدٍ بِاللَّهِ لَوْ لَقِيَهُ وَهَذِهِ عِنْدَهُ، أَنْفِقِيهَا" (٥). وَرَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِينَارًا، وَلَا دِرْهَمًا، وَلَا شَاةً، وَلَا بَعِيرًا، وَلَا أَوْصَى بِشيْءٍ (٦).

стр. 2534

* آخِرُ نَظْرَةٍ نَظَرَهَا رَسُولُ اللَّهُ ﷺ إِلَى أَصْحَابِهِ ﵃: بَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ دَنِفًا (١)، فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ أَصْبَحَ مُفِيقًا، فَكَشَفَ سِتْرَ الْحُجْرَةِ، وَنَظَرَ إِلَى النَّاسِ وَهُمْ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَتَبَسَّمَ لِمَا رَأَى مِنِ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَأُلْفَتِهِمْ وَتَآخِيهِمْ. قَالَ أَنَسٌ ﵁: . . . حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلَاةِ، فكشَفَ النَّبِيُّ ﷺ سِتْرَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ ﵂، يَنْظُرُ إِلَيْنَا، وَهُوَ قَائِمٌ، كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَهُ مُصْحَفٍ (٢)، ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَك، فَهَمَمْنَا أن نَفْتَتِنَ مِنَ الْفَرَحِ بِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ، وَظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَارجٌ إلى الصَّلَاةِ، فَأَشَارَ إِلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ، وَأَرْخَى السَّتْرَ، فَتُوُفِّيَ مِنْ يَوْمِهِ (٣). * لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتِ: ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَمْرِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ، وَهِيَ

стр. 2535

الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السِّتَارَةَ، وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبِشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ (١) يَرَاهَا الْمُسْلِمُ، أَوْ تُرَى لَهُ، أَلَا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ (٢) أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ" (٣). فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَصْبَحَ مُفِيقًا ظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ بَرَأَ مِنْ وَجَعِهِ، وَخَرَجَ عَلَيْهِمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ النَّاسُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، كَيْفَ أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ . فَقَالَ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللَّهِ بَارِئًا (٤)، فَانْصَرَفُوا إلى مَنَازِلهِمْ وَحَوَائِجِهِمْ مُسْتَبْشِرِينَ (٥).

стр. 2536

* إِحْسَاسُ الْعَبَّاسِ ﵁ بِوَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: أَمَّا الْعَبَّاسُ ﵁، فَقَدْ عَرَفَ الْمَوْتَ يَوْمَئِذٍ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ ﵁، وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ وَاللَّهِ بَعْدَ ثَلَاثٍ عَبْدُ الْعَصَا (١)، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَوْفَ يُتَوَفَّى مِنْ وَجَعِهِ هَذَا، إِنِّي لَأَعْرِفُ وُجُوهَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عِنْدَ الْمَوْتِ، اذْهَبْ بِنَا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلْنَسْأَلْهُ فِيمَنْ هَذَا الْأَمْرُ، إِنْ كَانَ فِينَا عَلِمْنَا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِنَا عَلِمْنَاهُ، فَأَوْصَى بِنَا، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: إِنَّا وَاللَّهِ لَئِنْ سَأَلْنَاهَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنَعَنَاهَا لَا يُعْطِينَاهَا النَّاسُ بَعْدَهُ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أَسْأَلُهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (٢). * اسْتِئْذَانُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدَيقِ ﵁ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيَ الذَّهَابِ إِلَى أَهْلِهِ: وَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فيها في الْخُرُوجِ إلى أَهْلِهِ بِالسُّنْحِ (٣)، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي أَرَاكَ قَدْ أَصْبَحْتَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ كَمَا نُحِبُّ، وَالْيَوْمُ يَوْمُ بِنْتِ خَارِجَةَ أَفَآتِيهَا؟

стр. 2537

فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ"، فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى أَهْلِهِ بِالسُّنْحِ (١). * احْتِضَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي: وَاشْتَدَّ الْوَجَعُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَجَعَ إِلَى الْحُجْرَةِ أَشَدَّ مَا يَكُونُ، فَاضْطَجَعَ فِي حِجْرِ عَائِشَةَ ﵂، وَجَعَلَ يَتَغَشَّاهُ الْكَرْبُ الشَّدِيدُ، حَتَّى تَأَذَّتِ ابْنَتُهُ فَاطِمَةُ ﵂، مِنْ شِدَّةِ مَا يَلْقَى، فَقَالَتْ: وَاكَرْبَ أَبَتَاهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا كَرْبَ عَلَى أَبِيكِ بَعْدَ الْيَوْمِ، إِنَّهُ قَدْ حَضَرَ مِنْ أَبِيكِ مَا لَيْسَ بِتَارِكٍ مِنْهُ أَحَدًا، الْمُوَافَاةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٢). * انْقِطَاعُ أَبْهُرِ (٣) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : وَجَعَلَ الْوَجَعُ يَشْتَدُّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ ظَهَرَ أَثَرُ السُّمِّ الذِي أَكَلَهُ بِخَيْبَرَ (٤) حَتَّى انْقَطَعَ مِنْهُ الْأَبْهُرُ بِسَبَبِ السُّمِّ الذِي كَانَ فِي الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ، فَأَكْرَمَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالشَّهَادَةِ، فَمَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهِيدًا.

стр. 2538

رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الذِي مَاتَ فِيهِ: "يَا عَائِشَةُ مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ، فَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهُرِي مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ" (١). وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، عَنْ أُمِّ مُبَشِّرٍ ﵂ قَالَتْ: أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي وَجَعِهِ الذِي قُبِضَ فِيهِ، فَقَالَتْ: بأبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَتَّهِمُ بِنَفْسِكَ؟ فَإِنِّي لَا أَتَّهِمُ إِلَّا الطَّعَامَ الذِي أَكَلَ مَعَكَ بِخَيْبَرَ، وَكَانَ ابْنُهَا بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ مَاتَ قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ (٢)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَأَنَا لَا أَتَّهِمُ غَيْرَهُ، هَذَا أَوَانُ انْقِطَاع أَبْهُرِي" (٣). وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَأَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ تِسْعًا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُتِلَ قَتْلًا، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ وَاحِدَةً، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ اتَّخَذَهُ نَبِيًّا، وَجَعَلَهُ شَهِيدًا (٤).

стр. 2539

قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَكَانَ بَقِيَ أَثَرُهَا -أَيْ أَثَرُ السُّمِّ- مَعَ ضَعْفِهِ لِمَا يُرِيدُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ تَكْمِيلِ مَرَاتِبِ الْفَضْلِ كُلِّهَا لَهُ ﷺ ، فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ إِكْرَامَهُ بِالشَّهَادَةِ، ظَهَرَ تَأْثِيرُ ذَلِكَ الْأَثَرِ الْكَامِنِ مِنَ السُّمِّ؛ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا (١). * اسْتِنَانُ (٢) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالسِّوَاكِ: وَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَالِجُ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ، وَعَائِشَةُ ﵂ مُسْنِدَتُهُ إِلَى صَدْرِهَا، دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄، وَفِي يَدِهِ سِوَاكٌ رَطْبٌ يَسْتَنُّ بِهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ، فَقُلْتُ: آخُذُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَأْسِهِ: أَنْ نَعَمْ، فَتَنَاوَلْتُهُ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: أُلِينُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ، فَأَخَذْتُهُ فَقَضَمْتُهُ حَتَّى لَيَّنْتُهُ وَنَفَضْتُهُ وَطَيَّبْتُهُ، ثُمَّ دَفَعْتُهُ إِلَيْهِ، فَاسْتَنَّ بِهِ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَنَّ اسْتِنَانًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ (٣).

стр. 2540

من وفاته ﷺ إلى دفنه ﷺ - وَفَاتُهُ ﷺ بأَبِي هُوَ وَأُمِّي قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: . . . وَبَيْنَ يَدَيْهَ ﷺ رَكْوَةٌ (١) فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْمَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ، وَيَقُولُ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ"، ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ: "فِي الرَّفِيقِ الْأَعَلَى" حَتَّى قُبِضَ، وَمَالَتْ يَدُهُ (٢). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَخَذَتْهُ بُحَّةٌ (٣): "مَعَ الذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا" (٤). وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اشْتَكَى مِنَّا إِنْسَانٌ، مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: "أَذْهِبِ الْبَاسَ، رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ

стр. 2541

أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا". فَلَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَقُلَ، أَخَذْتُ بِيَدِهِ لِأَصْنَعَ بِهِ نَحْوَ مَا كَانَ يَصْنَعُ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ يَدِي، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَاجْعَلْنِي مَعَ الرَّفِيقِ الْأَعَلَى". قَالَتْ ﵂: فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ، فَإِذَا هُوَ قَدْ قَضَى (١). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: . . . كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ إِلَى صَدْرِي، أَوْ قَالَتْ: حِجْرِي، فَدَعَا بِطَسْتٍ، فَلَقَدْ انْخَنَثَ (٢) فِي حِجْرِي، فَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ مَاتَ (٣). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَتْ ﵂: . . . فَبَيْنَمَا رَأْسُهُ ﷺ عَلَى مَنْكبِي إِذْ مَالَ رَأْسُهُ نَحْوَ رَأْسِي، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُرِيدُ مِنْ رَأْسِي حَاجَةً، فَخَرَجَتْ مِنْ فِيهِ نُطْفَةٌ بَارِدَةٌ، فَوَقَعَتْ عَلَى ثُغْرَةِ (٤) نَحْرِي (٥)، فَاقْشَعَرَّ لهَا جِلْدِي، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ غُشِيَ عَلَيْهِ (٦).

стр. 2542

وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَأْسُهُ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، فَلَمَّا خَرَجَتْ نَفْسُهُ لَمْ أَجِدْ رِيحًا قَطُّ أَطْيَبَ مِنْهَا (١). وَقَالَتْ ﵂: مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّهُ لَبَيْنَ حَاقِنَتِي (٢) وَذَاقِنَتِي (٣)، فَلَا أَكْرَهُ شِدَّةَ الْمَوْتِ لِأَحَدٍ أَبَدًا بَعْدَمَا رَأَيْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ (٤). وَرَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ: إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تُوُفِّيَ فِي بَيْتِي وَفِي يَوْمِي، وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَأَنَّ اللَّهَ جَمَعَ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ (٥). وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ حَسَن قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَفِي دَوْلَتِي، لَمْ أَظْلِمْ فِيهِ أَحَدًا، فَمِنْ سَفَهِي وَحَدَاثَةِ سِنِّي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُبِضَ وَهُوَ فِي حِجْرِي، ثُمَّ وَضَعْتُ

стр. 2543

رَأْسَهُ عَلَى وِسَادَةٍ، وَقُمْتُ أَلْتَدِمُ (١) مَعَ النِّسَاءَ، وَأَضْرِبُ وَجْهِي (٢). وَفَاضَتْ أَطْهَرُ رُوحٍ فِي الدُّنْيَا مِنْ جَسَدِهَا، وَصَعَدَتْ إلى بَارِئِهَا رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، وَخَرَجَ أَكْرَمُ إِنْسَانٍ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي هَذَا الْوُجُودِ مِنَ الدُّنْيَا كَمَا جَاءَ إِلَيْهَا، وَلَمْ يَتْرُكْ مَالًا وَلَا دِينَارًا وَلَا دِرْهَما، وَلَا وَلَدًا إِلَّا فَاطِمَةَ ﵂، وَإِنَّمَا ترَكَ هِدَايَةً وَإِيمَانًا، وَشَرِيعَةً عَامَّةً خَالِدَةً، وَمِيراثًا رُوحِيًّا عَظِيمًا، وَأُمَّةً هِيَ خَيْرُ الْأُمَمِ وَأَوْسَطُهَا (٣). * الْوَقْتُ الذِي تُوُفِّيَ فِيهِ ﷺ وَعُمْرُهُ يَوْمَئِذٍ: كَانَتْ وَفَاتُهُ ﷺ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ الْحَادِيَةِ عَشْرَةَ لِلْهِجْرَةِ (٤)، وَعُمْرُهُ بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً. وَاخْتُلِفَ فِي أَيِّ وَقْتٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، فَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ

стр. 2544

الْيَوْمِ -أَيْ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ- (١). وَجَزَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ فَقَالَ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ اشْتَدَّ الضُّحَى مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ -أَيْ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ- (٢). قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَقَوْلُ أَنَسٍ ﵁ يَخْدِشُ فِي جَزْمِ ابْنِ إِسْحَاقَ بِأَنَّهُ ﷺ مَاتَ حِينَ اشْتَدَّ الضُّحَى، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ إِطْلَاقَ الْآخَرِ بِمَعْنَى ابْتِدَاءِ الدُّخُولِ فِي أَوَّلِ النِّصْفِ الثَّانِي مِنَ النَّهَارِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الزَّوَالِ، وَاشْتِدَادِ الضُّحَى يَقَعُ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَيَسْتَمِرُّ حَتَّى يَتَحَقَّقَ زَوَالُ الشَّمْسِ، وَقَدْ جَزَمَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِأَنَّهُ ﷺ مَاتَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، وَكَذَا لِأَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ، فَهَذَا يُؤَيِّدُ الْجَمْعُ الذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ (٣). * * *

стр. 2545

هَوْلُ الْفَاجِعَةِ التِي أَصَابَتِ الصَّحَابَةَ ﵃ وَشَاعَ خَبَرُ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَنَزَلَ خَبَرُ وَفَاتِهِ ﷺ عَلَى الصَّحَابَةِ ﵃ كَالصَّاعِقَةِ؛ لِشِدَّةِ حبّهِمْ لَهُ، وَمَا تَعَوَّدُوهُ مِنَ الْعَيْشِ في كَنَفِهِ، وَدَخَلَ الصَّحَابَةُ ﵃ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في بَيْتِ عَائِشَةَ ﵂، يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَقَالُوا: كَيْفَ يَمُوتُ، وَهُوَ شَهِيدٌ عَلَيْنَا وَنَحْنُ شُهَدَاءُ عَلَى النَّاسِ. * مَوْقِفُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ -: وَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ وَمَعَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ﵁، فَاسْتَأْذَنا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَذِنَتْ لَهُمَا عَائِشَةُ ﵂، قَالَتْ ﵂: وَجَذَبْتُ إِلَيَّ الْحِجَابَ، فنَظَرَ عُمَرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: وَاغَشَيَاهُ، مَا أَشَدَّ غَشْيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثمَّ قَامَا، فَلَمَّا دَنَوْا مِنَ الْبَابِ، قَالَ الْمُغِيرَةُ: يَا عُمَرُ، مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: كَذَبْتَ، بَلْ أَنْتَ رَجُلٌ تَحُوسُكَ (١) فِتْنَةٌ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يَمُوتُ حَتَّى يُفْنِيَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ (٢).

стр. 2546

فَلَمَّا خَرَجَ عُمَرُ ﵁ سَلَّ سَيْفَهُ، وَتَوَعَّدَ النَّاسَ، وَقَالَ: لَا أَسْمَعُ أَحَدًا يَقُولُ: مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا ضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ، ثُمَّ قَامَ في الْمَسْجِدِ خَطِيبًا، وَقَالَ: إِنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ تُوُفِّيَ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَاللَّهِ مَا مَاتَ، وَلَكِنَّهُ ذَهَبَ إلى رَبِّهِ كَمَا ذَهَبَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ، فَغَابَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ قِيلَ قَدْ مَاتَ، وَاللَّهِ لَيَرْجِعَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , كَمَا رَجَعَ مُوسَى، فَلَيَقْطَعَنَّ أَيْدِي رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ زَعَمُوا أَنَّهُ مَاتَ (١). * * *

стр. 2547

مَوقِفُ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ - ثُمَّ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حِينَ بَلَغَهُ الْخَبَرُ، حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَعُمَرُ ﵁ يُكَلِّمُ النَّاسَ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فتَيَمَّمَ (١) رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُسَجًّى (٢) بِبُرْدٍ (٣) حِبَرَةٍ (٤)، فكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ: إِنَّا للَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ وَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا نَبِيَّ اللَّهِ، طِبْتَ حَيًّا وَمَيْتًّا، وَاللَّهِ لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ، أَمَّا الْمَوْتَةُ التِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا (٥)، ثُمَّ لَنْ تُصِيبَكَ بَعْدَهَا مَوْتَةٌ أَبَدًا، ثُمَّ رَدَّ الْبُرْدَ عَلَى وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ خَرَجَ ﵁ إلى النَّاسِ، وَهُمْ مَا بَيْنَ مُنْكِرٍ، وَمُصَدِّقٍ؛ لِهَوْلِ الْأَمْرِ، فَرَأَى عُمَرَ ﵁ يُكَلِّمُ النَّاسَ، وَيَتَوَعَّدُ وَيُهَدِّدُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَاتَ.

стр. 2548

فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ يَا عُمَرُ (١)، فَأَبَى عُمَرُ أَنْ يَجْلِسَ، فَلَمَّا رَآه لَا يُنْصِتُ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَلَمَّا سَمِعُوا كَلَامَهُ أَقْبَلُوا عَلَيْهِ وَتَرَكُوا عُمَرَ ﵁، فَحَمِدَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ اللَّه تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ اللَّه، فَإِنَّ اللَّه حَيٌّ لَا يَمُوتُ، ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ " (٢)، فنَشَجَ (٣) النَّاسُ يبكُونَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: وَاللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّه أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ، فتَلَقَّاهَا النَّاسُ مِنْهُ كُلُّهُمْ، فَمَا أَسْمَعُ بَشَرًا مِنَ النَّاسِ إِلَّا يَتْلُوهَا (٤).

стр. 2549

قَالَ عُمَرُ ﵁: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ تَلَاهَا، فَعَقِرْتُ حَتَّى مَا تُقِلُّنِي رِجْلَايَ وَحَتَّى أَهْوَيْتُ إلى الْأَرْضِ حِينَ سَمِعْتُهُ تَلَاهَا، وَعَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ مَاتَ (١). قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَمَا كَانَ مِنْ خُطْبَتِهِمَا (٢) مِنْ خُطْبَةٍ إِلَّا نَفَعَ اللَّهُ بِهَا، لَقَدْ خَوَّفَ عُمَرُ النَّاسَ، وَإِنَّ فِيهِمْ لَنِفَاقًا فَرَدَّهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ لَقَدْ بَصَّرَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ الْهُدَى، وَعَرَّفَهُمُ الْحَقَّ الذِي عَلَيْهِمْ، وَخَرَجُوا بِهِ يَتْلُونَ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ (٣). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الْحَافِظُ في الْفَتْحِ: وَفِي الْحَدِيثِ قُوَّةُ جَأْشِ (٤) أبِي بَكْرٍ ﵁، وَكَثْرَةُ عِلْمِهِ (٥).

стр. 2550

هَلْ أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ وَفَاتِهِ لأَحَدٍ بالْخِلَافَةِ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: ذَكَرُوا عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ كَانَ وَصِيًّا، فَقَالَتْ: مَتَى أَوصَى إِلَيْهِ؟ وَقَدْ كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ ﷺ إلى صَدْرِي، أَوْ قَالَتْ: حِجْرِي، فَدَعَا بِالطَّسْتِ، فَلَقَدِ انْخَنَثَ في حِجْرِي فَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَمَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ؟ (١). وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدًا مَأْمُورًا، بَلَّغَ وَاللَّهِ مَا أُرْسِلَ بِهِ، وَمَا اخْتَصَّنَا دُونَ النَّاسِ بِشَيْءٍ، إِلَّا ثَلَاثًا: أَمَرَنَا أَنْ نُسْبغَ الْوُضُوءَ، وَأَنْ لَا نَأْكُلَ الصَّدَقَةَ، وَأَنْ لَا نُنْزِيَ (٢) الْحِمَارَ عَلَى الفرَسِ (٣). وَرَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيًّا

стр. 2551

-﵁، هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْءٌ سِوَى الْقُرْآنِ، فَقَالَ ﵁: لَا، وَالذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ (١)، وَبَرَأَ (٢) النَّسْمَةَ (٣) مَا عِنْدَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْءٌ سِوَى الْقُرْآنِ، إِلَّا أَنْ يُؤْتِيَ اللَّهُ عَبْدًا فَهْمًا في القُرْآنِ، وَمَا في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ أَبُو جُحَيْفَةَ ﵁: وَمَا في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ عَلِيٌّ ﵁: الْعَقْلُ (٤)، وَفكاكُ الْأَسِيرِ (٥)، وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ (٦). وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، قَالَ: انْطَلَقْتُ أنَا وَالْأَشْتَرُ إلى عَلِيٍّ ﵁، فَقُلْنَا: هَلْ عَهِدَ إِلَيْكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَهْدًا لَمْ يَعْهَدْهُ إلى النَّاسِ؟ . قَالَ عَلِيٌّ ﵁: لَا، إِلَّا مَا في كِتَابِي هَذَا، فَأَخْرَج كِتَابًا مِنْ قِرَابِ (٧)

стр. 2552

سَيْفِهِ، فَإِذَا فِيهِ: "الْمُؤْمنُونَ تَكَافَؤُ (١) دِمَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، أَلَا لَا يُقْتَلُ مُؤْمنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ، وَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا (٢)، أَوْ آوى مُحْدِثًا (٣)، فَعَلَيْهِ لَعْنهُ اللَّهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" (٤). وَرَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: سُئِلَ عَلِيٌّ ﵁: أَخَصَّكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: مَا خَصَّنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ لَمْ يَعُمَّ بِهِ النَّاسَ كَافَّةً، إِلَّا مَا كَانَ في قِرَابِ سَيْفِي هَذَا، قَالَ: فَأَخْرَجَ صَحِيفَةً مَكْتُوبٌ فِيهَا: "لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ سَرَقَ مَنَارَ (٥) الْأَرْضِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوى مُحْدِثًا" (٦). وَرَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَطَبَنَا عَلِيٌّ ﵁، فَقَالَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ عِنْدَنَا شَيْئًا نَقْرَؤُهُ إِلَّا كِتَابَ اللَّهِ، وَهَذِهِ

стр. 2553

الصَّحِيفَةَ، فَقَدْ كَذَبَ، قَالَ: وَفيهَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عيرٍ (١) إلى ثَورٍ (٢)، فمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوى مُحْدثًا، فعلَيْه لَعْنهُ اللَّه وَالْملَائكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْتلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا (٣) وَلَا عَدْلًا (٤)، وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، وَمَنِ ادَّعَى إلى غيرِ أَبِيهِ، أَوْ انْتَمَى إِلَى غير موالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنةُ اللَّهِ وَالْمَلَائكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْتلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا" (٥). قَالَ الْحَافِظُ في الْفَتْحِ: وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ الصَّحِيفَةَ الْمَذْكُورَةَ كَانَتْ مُشْتَمِلَةً عَلَى مَجْمُوعِ مَا ذُكِرَ، فنَقَلَ كُلُّ رَاوٍ بَعضَهَا (٦).

стр. 2554

وَقَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ تَصْرِيحٌ مِنْ عَلِيٍّ (١) ﵁ بِإِبْطَالِ مَا تَزعُمُهُ الرَّافِضَةُ وَالشِّيعَةُ، وَيَخْتَرِعُونَهُ مِنْ قَوْلهِمْ إِنَّ عَلِيًّا ﵁ أَوْصَى إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بأُمُورٍ كَثِيرَةٍ مِنْ أَسْرَارِ الْعِلْمِ، وَقَوَاعِدِ الدِّينِ، وَكُنُوزِ الشَّرِيعَةِ، وَأَنَّهُ ﷺ خَصَّ أَهْلَ الْبَيْتِ بِمَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ غَيْرُهُمْ، وَهَذِهِ دَعَاوَى بَاطِلَةٌ وَاخْتِرَاعَاتٌ فَاسِدَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا، وَيَكْفِي في إِبْطَالِهَا قَوْلُ عَلِيُّ ﵁ هَذَا (٢). * * *

стр. 2555

الاجْتِمَاعُ في سَقيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ وَبَيعَةُ أَبي بَكرٍ ﵁ بالخِلافَةِ وَفي هَذِهِ الْغَمْرَةِ مِنَ الْحُزْنِ وَالْأَسَى، وَقَبْلَ أَنْ يُدْفَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، اجْتَمَعَ الْأَنْصَارُ في سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِد لحَسْمِ أَمْرِ الْخِلَافَةِ، وَدَعُونَا نَتْرُكُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يُحَدِّثُنَا عَنْ ذَلِكَ -كَمَا رَوَاهُ عَنْهُ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ- قَالَ ﵁: . . . كَانَ مِنْ خَبَرِنَا حِينَ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أَنَّ الْأَنْصَارَ خَالَفُونَا (١)، وَاجْتَمَعُوا بِأَسْرِهِمْ في سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، وَخَالَفَ عَنَّا عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ وَمَنْ مَعَهُمَا (٢)، فبَيْنَمَا نَحْنُ في مَنْزِلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِذْ رَجُلٌ يُنَادِي مِنْ وَرَاءِ الْجِدَارِ: اخْرُجْ إِلَيَّ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ. فَقُلْتُ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّا مَشَاغِيلُ عَنْكَ. فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْر لَابُدَّ مِنْكَ فِيهِ، إِنَّ الْأَنْصَارَ قَدِ اجْتَمَعُوا في سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، فَأَدْرِكُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثُوا أَمْرًا، فَيَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ حَرْبٌ. فَقُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ انْطَلِقْ بِنَا إلى إِخْوَانِنَا هَؤُلَاءِ مِنَ الْأَنْصَارِ،

стр. 2556

فَانْطَلَقْنَا نُرِيدُهُمْ (١)، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْهُمْ لَقِيَنَا مِنْهُمْ رَجُلَانِ (٢) صَالِحَانِ فَذَكَرَا لَنَا مَا تَمَالَأَ (٣) عَلَيْهِ الْقَوْمُ، فَقَالَا: أَيْنَ تُرِيدُونَ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ؟ . فَقُلْتُ: نُرْيدُ إِخْوَانَنَا هَؤُلَاءِ مِنَ الْأَنْصَارِ. فَقَالَا: لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَقْرَبُوهُمْ، يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ اقْضُوا أَمْرَكُمْ (٤). فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَنَأتِيَنَّهُمْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَاهُمْ في سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، فَإِذَا هُمْ مُجْتَمِعُونَ، وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ (٥) رَجُلٌ مُزَمَّلٌ (٦)، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ. فَقُلْتُ: مَا لَهُ؟ . قَالُوا: يُوعَكُ (٧)، فَلَمَّا جَلَسْنَا قَلِيلًا تَشَهَّدَ خَطِيبُهُمْ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ

стр. 2557

عَزَّ وَجَلَّ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فنَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ ، وَكَتِيبَةُ الْإِسْلَامِ، وَأَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ رَهْطٌ مِنَّا، وَقَدْ دَفَّتْ دَافَّةٌ (١) مِنْ قَوْمِكُمْ، فَإِذَا هُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْتَزِلُونَا (٢) مِنْ أَصْلِنَا، وَيَحْضِنُونَا (٣) مِنَ الْأَمْرِ. قَالَ عُمَرُ ﵁: فَلَمَّا سَكَتَ أَرَدْتُ أَنْ أَتكَلَّمَ، وَكُنْتُ قَدْ زَوَّرْتُ (٤) مَقَالَةً أَعْجَبَتْنِي أَرَدْتُ أَنْ أُقَدِّمَهَا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ ﵁، وَكُنْتُ أُدَارِي مِنْهُ بَعْضَ الْحَدِّ (٥). فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَتكَلَّمَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: عَلَى رِسْلِكَ (٦)، فكَرِهْتُ أَنْ أُغْضِبَهَ، فتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ كَانَ هُوَ أَحْلَمَ (٧) مِنِّي وَأَوْقَرَ، وَاللَّهِ مَا تَرَكَ مِنْ كَلِمَةٍ أَعْجَبتْنِي في تَزْوِيرِي إِلَّا قَالَ في بَدِيهَتِهِ مِثْلَهَا، أَوْ أَفْضَلَ مِنْهَا حَتَّى سَكَتَ.

стр. 2558

فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بَعْدَ أَنْ تَشَهَّدَ، وَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ: أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا الْأَنْصَارُ، مَا ذَكَرْتُمْ فِيكُمْ مِنْ خَيْرٍ، فَأَنْتُمْ له أَهْلٌ، وَلَنْ تَعْرِفَ الْعَرَبُ هَذَا الأَمْرَ إِلَّا لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ، هُمْ أَوْسَطُ (١) الْعَرَبِ نَسَبًا، وَدَارًا (٢). وَفِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ في مُسْنَدِهِ قَالَ عُمَرُ ﵁: فتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا أُنْزِلَ في الْأَنْصَارِ، وَلَا ذَكَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ شَأْنِهِمْ، إِلَّا وَذَكَرَهُ، وَقَالَ: لَقَدْ عَلِمْتُمْ اَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَاديًا، وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ وَاديًا، سَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ" (٣)، وَلقدْ عَلِمْتَ يَا سَعْدُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ، وَأَنْتَ قَاعِدٌ: "قُريْشٌ وُلَاةُ هَذَا الْأَمْرِ، فَبَرُّ النَّاسِ تَبَعٌ لِبَرَهِمْ، وَفَاجِرُهُمْ تَبَعٌ لِفَاجِرِهِمْ"، فَقَالَ له سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ﵁: صَدَقْتَ، نَحْنُ الْوُزَرَاءُ، وَأَنْتُمُ الْأُمَرَاءُ (٤). فَقَالَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْأَنْصَارِيُّ ﵁: أَنَا جُذَيْلُهَا (٥) الْمُحَكَّكُ،

стр. 2559

وَعُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ (١)، مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ (٢). فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: لَا، وَلَكِنَّا الْأُمَرَاءُ، وَأَنْتُمُ الْوُزَرَاءُ (٣). * مَوْقِفُ زيْدِ بْنِ ثابِتٍ ﵁ -: فَهُنَا قَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ ﵁، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ المُهَاجِرِينَ، وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْ حَيٍّ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْنَاكُمْ (٤).

стр. 2560

* تَرْشِيحُ عُمَرَ وَأَبِي عُبَيْدَةَ ﵄ لِلخِلَافَةِ: ثُمَّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: وَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، فَبَايِعُوا أَيَّهُمَا شِئْتُمْ، فَأَخَذَ بِيَدِ عُمَرَ ﵁، وَيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ﵁، وَهُوَ جَالِسٌ بينهما. قَالَ عُمَرُ ﵁: فَلَمْ أَكْرَهُ مِمَّا قَالَ أَبُو بَكْرٍ غَيْرَهَا، وَاللَّهِ أَنْ أُقَدَّمَ فَتَضْرَبَ عُنقِي لَا يَقْرَبُنِي ذَلِكَ مِنْ إِثْمٍ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَأَمَّرَ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ. قَالَ عُمَرُ ﵁: وَكَثُرَ اللَّغَطُ (١)، وَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ حَتَّى فَرِقْتُ (٢) مِنَ الِاخْتِلَافِ. فَقُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ: ابْسُطْ يَدَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ فَبَسَطَ يَدَهُ، فَبَايَعْتُهُ، وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ (٣)، ثُمَّ بَايَعَتْهُ الْأَنْصَارُ (٤). وَفِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ قَالَ عُمَرُ ﵁: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَؤُمَّ النَّاسَ؟ فَأَيّكُمْ تَطِيبُ نَفْسُهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ؟
следующие страницы →