← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

هَذَا البِنَاءُ المُتَوَاضِعُ، هُوَ الذِي رَبَّى مَلَائِكَةَ البَشَرِ، ومُؤَدِّبِي الجَبَابِرَةِ، ومُلُوكَ الدَّارِ الآخِرَةِ. إِنَّ مَكَانَةَ المَسْجِدِ في المُجْتَمَعِ الإِسْلَامِيِّ، تَجْعَلُهُ مَصْدَرَ التَّوْجِيهِ الرُّوحِيِّ والمَادِّيِّ، فَهُوَ سَاحَةٌ لِلْعِبَادَةِ، ومَدْرَسَةٌ لِلْعِلْمِ، ونَدْوَةٌ لِلْأَدَبِ، وَقَدِ ارْتَبَطَتْ بِفَرِيضَةِ الصَّلَاةِ وصُفُوفِهَا أخْلَاقٌ وتَقَالِيدُ هِيَ لُبَابُ الإِسْلامِ (١). * بِنَاءُ المِنْبَرِ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ مُسْتَنِدًا إلى جِذْعِ نَخْلَةٍ، فَلَمَّا كَثُرَ النَّاسُ -وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ غَزْوَةِ خَيْبَرَ- قَالَ لَهُ أصْحَاُبهُ: لَوِ اتَّخَذْتَ شَيْئًا تَقُومُ عَلَيْهِ إِذَا خَطَبْتَ حَتَّى يَرَاكَ النَّاسُ، فَأَمَرَ ببنَاءَ المِنْبَرِ، فَلَمَّا صُنِعَ لَهُ المِنْبَرُ، وقَامَ عَلَيْهِ حَنَّ (٢) ذَلِكَ الجِذْعُ إِلَيْهِ، وَسُمعَ لَهُ صِيَاحٌ كَصِيَاحِ الصَّبِيِّ، أَوْ صَوْتٌ كَصَوْتِ العِشَارِ (٣)، حَتَّى أتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَسَحَ عَلَيْهِ فَسَكَنَ. رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحهِ عَنْ جَابرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُومُ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِلَى شَجَرَةٍ أَوْ نَخْلَةٍ (٤)، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ

стр. 772

مِنَ الأَنْصَارِ -أَوْ رَجُلٌ (١) -: يَا رَسُولَ اللَّهِ ألَا نَجْعَلُ لَكَ مِنْبَرًا (٢)؟ قَالَ: "إِنْ شِئْتُمْ" فَجَعَلُوا لَهُ مِنْبرًا. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ دُفِعَ إلى المِنْبَرِ، فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ صِيَاحَ الصَّبِيِّ، ثُمَّ نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فضَمَّهُ إِلَيْهِ، تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الذِي يُسَكَّنُ. قَالَ: كَانَتْ تَبْكِي مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ عِنْدَهَا (٣). وفي رِوَايَةٍ أُخْرَى في صحِيحِ البُخَارِيِّ قَالَ جَابِرٌ: كَانَ المَسْجِدُ مَسْقُوفًا جُذُوعٍ مِنْ نَخْلٍ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَطَبَ يَقُومُ إلى جِذْعٍ مِنْهَا، فَلَمَّا صُنِعَ لَهُ المِنْبَرُ فَكَانَ عَلَيْهِ فَسَمِعْنَا لِذَلِكَ الجِذْعِ صَوْتًا كَصَوْتِ العِشَارِ، حَتَّى جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، فَسَكَنَتْ (٤).

стр. 773

وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وابنُ مَاجَه والطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ لَمْ أَحْتَضِنْهُ؛ لَحَنَّ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ" (١). * قَوْلَةٌ جَمِيلةٌ للحَسَنِ البَصْرِيِّ ﵀: رَوَى ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّهُ إِذَا حَدَّثَ بِهَذا الحَدِيثَ بَكَى، ثُمَّ قَالَ: يَا عِبَادَ اللَّهِ، الخَشَبَةُ تَحِنُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَوْقًا إِلَيْهِ لِمَكَانِهِ مِنَ اللَّهِ، فَأَنْتُمْ أَحَقُّ أَنْ تَشْتَاقُوا إلى لِقَائِهِ (٢). * مَصِيرُ الجِذْعِ: رَوَى الدَّارِمِيُّ في مُسْنَدِهِ عَنْ بريْدَةَ ﵁ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْجِذْعِ بَعْدَ أَنْ هَدَّأَهُ: "اخْتَرْ أَنْ أغْرِسَكَ في المَكَانِ الذِي كُنْتَ فِيهِ فتَكُونَ كَمَا كنْتَ -يَعْنِي قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ جِذْعًا- وَإنْ شِئْتَ أَنْ أَغْرِسَكَ في الجَنَّةِ؛ فتَشْرَبَ مِنْ أنْهَارِهَا فَيَحْسُنُ نَبْتُكَ، وتُثْمِرُ، فَيَأْكُلُ مِنْكَ أوْلِيَاءُ اللَّهِ"، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اختَارَ أَنْ أغْرِسَهُ في الجَنَّةِ" (٣).

стр. 774

وعِنْدَ ابنِ مَاجَه، والطَّحَاوِيِّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: . . . فَلَمَّا هُدِمَ المَسْجِدُ وَغُيِّرَ، أَخَذْتُ ذَلِكَ الجِذْع، فَلَمْ يَزلْ عِنْدِي في بَيْتِي حَتَّى بَلِيَ، فَأَكَلَتْهُ الْأَرَضَةُ، وعَادَ رُفَاتًا (١). قَالَ الحَافِظُ: وَهَذَا -أيْ قَوْلُ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ ﵁ لَا يُنَافِي مِنْ أَنَّهُ دُفِنَ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ظَهَرَ بَعْدَ الهَدْمِ عِنْدَ التَّنْظِيفِ، فَأَخَذَهُ أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ ﵁ (٢). * فَضَائِلُ المِنْبَرِ: جَاءَتْ أحَادِيثُ كَثِيرَةٌ في فَضْلِ هَذَا المِنْبَرِ فَمِنْ ذَلِكَ: مَا أخْرَجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "قَوَائِمُ مِنْبَرِي رَوَاتِبُ (٣) في الجَنَّةِ" (٤). وأخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ والنَّسَائيُّ في السُّنَنِ الكُبْرَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ

стр. 775

عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مِنْبَرِي هَذَا عَلَى تُرْعَةٍ (١) مِنْ تُرَع الجَنَّةِ" (٢). وَروَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، ومِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي" (٣). قَالَ الْحَافِظُ في الفتْحِ: أَيْ كَرَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ في نُزُولِ الرَّحْمَةِ وَحُصُولِ السَّعَادَةِ بِمَا يَحْصُلُ مِنْ مُلازَمَةِ حِلَقِ الذِّكْرِ لَا سِيَّمَا في عَهْدِهِ ﷺ فَيَكُونُ تَشْبِيهًا بِغَيْرِ أَدَاةٍ، أَوِ الْمَعْنَى أَنَّ الْعِبَادَةَ فِيهَا تُؤَدِّي إلى الْجَنَّةِ فَيَكُونُ مَجَازًا، أَوْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ رَوْضَةٌ حَقِيقِيَّةٌ بِأَنْ يَنتقِلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ بِعَيْنِهِ في الْآخِرَةِ إلى الْجَنَّةِ (٤).

стр. 776

* فَضَائِلُ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ: أخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "صَلَاةٌ في مَسْجدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ ألْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ" (١). وأخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ والإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ خَيْرَ مَا رُكبَتِ إِلَيْهِ الرَّوَاحِلُ (٢)، مَسْجدِي هَذَا، والبَيْتُ العَتِيقُ" (٣). وأخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَإِنِّي آخِرُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ مَسْجدِي آخِرُ المَسَاجِدِ" (٤).

стр. 777

قَالَ الإِمَامُ السِّنْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى حَاشِيَةِ النَّسَائِيِّ: أيْ آخِرُ المَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ المَشْهُودِ لَهَا بِالفَضْلِ، أَوْ آخِرُ مَسَاجِدِ الأنْبِيَاءَ، أَوْ أَنَّهُ يَبْقَى آخِرَ المَسَاجِدِ، ويَتَأَخَّرُ عَنِ المَسَاجِدِ الأُخَرِ في الفَنَاءَ. وأخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إلى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، ومَسْجِدِ الرَّسولِ ﷺ (١)، ومَسْجِدِ الأَقْصَى" (٢). * * *

стр. 778

ثَانِيًا: المُؤَاخَاةُ (١) بَيْنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ العَمَلُ الثَّانِي الذِي قَامَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ بَعْدَ بِنَائِهِ المَسْجِدَ هُوَ عَقْدُ المُؤَاخَاةِ بَيْنَ المُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ، وذَلِكَ أَنَّ المُهَاجِرِينَ لَمَّا قَدِمُوا المَدِينَةَ لَمْ يَكُنْ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ، لِأَنَّهُمْ ترَكُوا أمْوَالَهُمْ خَلْفَهُمْ، فَأَرَادَ الرَّسُولُ ﷺ حَلَّ هَذِهِ الأَزْمَةِ المَادِّيَّةِ التِي اجْتَاحَتِ المُهَاجِرِينَ. وعُقِدَتِ المُؤَاخَاةُ في دَارِ أنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ (٢).

стр. 779

وفِي رِوَايَةٍ أَنَّ المُؤَاخَاةَ عُقِدَتْ في المَسْجِدِ (١). وكَانُوا تِسْعِينَ رَجُلًا، نِصْفُهُمْ مِنَ المُهَاجِرِينَ، ونِصْفُهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ، وقِيلَ كَانُوا مِائَةً، فَآخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمْ عَلَى الحَقِّ وَالمُوَاسَاةِ، ويَتَوَارَثُونَ بَعْدَ المَمَاتِ دُونَ ذَوِي رَحِمٍ (٢). رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ في قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ (٣)، قَالَ ﵁: كَانَ المُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا المَدِينَةَ يَرِثُ المُهَاجِرُ الأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ لِلْأُخُوَّةِ التِي آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نَسَخَتْ (٤). قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: هَكَذَا وَقَعَ في هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ نَاسِخَ مِيرَاثِ الحَلِيفِ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾، ورَوَى أَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ في قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ قال: كَانَ الرَّجُلُ يُحَالِفُ الرَّجُلَ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ، فَيَرِثُ

стр. 780

أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فنَسَخَ ذَلِكَ الأَنْفَالُ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (١)، ومِنْ طُرُقٍ شَتَّى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ العُلَمَاءَ كَذَلِكَ، وهَذَا هُوَ المُعْتَمَدُ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّسْخُ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ: الأُوْلَى حَيْثُ كَانَ المُعَاقِدُ يَرِثُ وَحْدَهُ دُونَ العَصَبَةِ فنَزَلَتْ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ فَصَارُوا جَمِيعًا يَرِثُونَ، وَعَلَى هَذَا يتَنَزَّلُ حَدِيثُ ابنِ عَبَّاس، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ آيةُ الأَحْزَابِ، وَخُصَّ المِيرَاثُ بِالعَصَبَةِ، وبَقِيَ للمُعَاقِدِ النَّصْرُ والإِرْفَادُ ونَحْوُهُمَا، وَعَلَى هَذَا يتَنَزَّلُ بَقِيَّةُ الآثَارِ (٢). * قَوْلَةٌ جَمِيلةٌ لِلْإِمَامِ السُّهَيْلِيِّ: قَالَ الإِمَامُ السُّهَيْلِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَصْحَابِهِ حِينَ نَزَلُوا المَدِينَةَ؛ لِيُذْهِبَ عَنْهُمْ وَحْشَةَ الغُرْبَةِ وَيُؤْنِسَهُمْ مِنْ مُفَارَقَةِ الأَهْلِ والعَشِيرَةِ، ويَشُدَّ أَزْرَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، فَلَمَّا عَزَّ الإِسْلَامُ واجْتَمَعَ الشَّمْلُ، وذَهَبَتِ الوَحْشَةُ، أنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (٣) أعْنِي في المِيرَاثِ، ثُمَّ جَعَلَ المُؤْمِنِينَ كُلَّهُمْ إِخْوَةً، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٤) يَعْنِي في التَّوَادِّ وَشُمُولِ الدَّعْوَةِ (٥).

стр. 781

وَقَدْ شَدَّدَ اللَّهُ عَقْدَ نَبِيِّهِ ﷺ وأَحْكَمَهُ بِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ. . .﴾ إلى قوله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (١). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَاتِ: ذَكَرَ تَعَالَى أصْنَافَ المُؤْمِنِينَ، وقَسَمَهُمْ إلى مُهَاجِرِينَ، خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وأمْوَالِهِمْ، وجَاؤُوا لِنَصْرِ اللَّهِ ورَسُولهِ، وَإِقَامَةِ دِينِهِ، وبَذَلُوا أمْوَالَهُمْ وأنْفُسَهُمْ في ذَلِكَ، وَإِلَى أنْصَارٍ، وهُمُ المُسْلِمُونَ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ إِذْ ذَاكَ، آوَوْا إخْوَانَهُمْ المُهَاجِرِينَ في مَنَازِلهِمْ، ووَاسَوْهُمْ في أمْوَالِهِمْ، ونَصَرُوا اللَّه وَرَسُولَهُ بِالقِتَالِ مَعَهُمْ، فَهَؤُلَاءَ بَعْضُهُمْ أوْلَى بِبَعْضٍ، أَيْ: كُلٌّ مِنْهُمْ أَحَقُّ بِالآخَرِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ؛ وَلِهَذَا آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ المُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ، كُلُّ اثْنَيْنِ أخَوَانِ، فَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِذَلِكَ إِرْثًا مُقَدَّمًا عَلَى القَرَابَةِ، حَتَّى نَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِالمَوَارِيثِ (٢). * كَمْ مَرَّةً حَدَثَتِ المُؤَاخَاةُ ؟ : ذَكَرَ أصْحَابُ المَغَازِي أَنَّ المُؤَاخَاةَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ:

стр. 782

* المَرَّةُ الأُولَى: قَبْلَ الهِجْرَةِ بَيْنَ المُهَاجِرِينَ خَاصَّةً عَلَى المُوَاسَاةِ والنُّصْرَةِ؛ لأنَّ بَعْضَ المُهَاجِرِينَ كَانَ أقْوَى مِنْ بَعْضٍ بِالمَالِ والعَشِيرَةِ والقُوَى، فَآخَى بَيْنَ الْأَعْلَى والأَدْنَى لِيَرْتَقِي الأدْنَى بِالْأَعَلَى، ويَسْتَعِينَ الأَعْلَى بالأدْنَى، وبِهَذَا تَظْهَرُ مُؤَاخَاتُهُ ﷺ لِعَلِيٍّ ﵁ (١)؛ لأنَّهُ هُوَ الذِي كَانَ يَقُومُ بِهِ مِنْ عَهْدِ الصِّبَا، مِنْ قَبْلِ البِعْثَةِ، واسْتَمَرَّ إلى مَا بَعْدَهَا، وكَذَا مُؤَاخَاةُ حَمْزَةَ وزَيْدِ بنِ حَارِثَةَ؛ لأنَّ زَيْدًا مَوْلَاهُمْ، وَقَدْ ثَبَتَتْ أُخُوُّتُهُمَا في الصَّحِيحِ وَهُمَا مِنَ المُهَاجِرِينَ (٢)، وأخْرَجَ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ، والبُخَارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عن أَبِي

стр. 783

الشَّعْثَاءِ عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الزُّبَيْرِ وابنِ مَسْعُودٍ (١) وهُمَا مِنَ المُهَاجِرِينَ. * المَرَّةُ الثَّانِيَةُ: ثُمَّ آخَى بَيْنَ المُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ بَعْدَ أَنْ هَاجَرَ، وذَلِكَ بَعْدَ قُدُومِهِ المَدِينَةَ (٢). وَقَدْ ذَكَرَ ابنُ إسْحَاقَ في السِّيرَةِ عَدَدًا كَبِيرًا مِمَّنْ آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمْ فَقَالَ: وآخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَصْحَابِهِ مِنَ المُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ فقال ﷺ : "تَآخُوا في اللَّهِ أَخَوَيْنِ أخَوَيْنِ": ١ - فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ مَعَ خَارِجَةَ بنِ زَيْدٍ ﵁ أخَوَيْنِ. ٢ - وَعُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ مَعَ عِتْبَانَ بنِ مَالِكٍ ﵁ أخَوَيْنِ (٣). ٣ - وأَبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ ﵁ مَعَ أَبِي طَلْحَةَ ﵁ أخَوَيْنِ (٤).

стр. 784

٤ - وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ ﵁ مَعَ سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ ﵁ أخَوَيْنِ (١). ٥ - وجَعْفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ مَعَ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ ﵁ أخَوَيْنِ (٢). ٦ - ومُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ ﵁، مَعَ أَبِي أيُّوبَ الأنْصَارِيِّ ﵁ أخَوَيْنِ (٣). ٧ - وأَبُو ذَرٍّ الغِفَارِيُّ ﵁ مَعَ المُنْذِرِ بنِ عَمْرٍو ﵁ أخَوَيْنِ (٤). ٨ - وسَلْمَان الفَارِسِيَّ ﵁ مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ أخَوَيْنِ (٥).

стр. 785

٩ - وطَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵁ مَعَ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ ﵁ أخَوَيْنِ. ١٠ - والزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامِ ﵁ مَعَ سَلَمَةَ بنِ سَلَامَةِ بنِ وَقْشٍ ﵁ أخَوَيْنِ. ١١ - وبِلالُ بنُ رَبَاحٍ ﵁ مَعَ أَبِي رُوَيْحَةَ الخَثْعَمِيِّ ﵁ أخَوَيْنِ (١). وَلَيْسَ مَعْنَى هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ التَّآخِّي إِلَّا بَيْنَ هَؤُلَاءِ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا أوَّلُ مَا آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ المُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ، وصَارَ يُجَدِّدُهَا بِحَسَبِ مَنْ يَأْتِي إلى المَدِينَةِ مُهَاجِرًا، ومَنْ دَخَلَ في الإِسْلامِ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ. * مَآثِرُ الأَنْصَارِ الخَالِدَةُ: وَكَانَتْ عَوَاطِفُ الإِيثَارِ والمُوَاسَاةِ والمُؤَانَسَةِ تَمْتَزِجُ في هَذِهِ الأُخُوَّةِ، وتَمْلَأُ المُجْتَمَعَ الجَدِيدَ بأرْوَعِ الأمْثِلَةِ (٢). حَرِصَ الأَنْصَارُ ﵃ عَلَى الحَفَاوَةِ بإخْوَانِهِمُ المُهَاجِرِينَ، فَمَا نَزَلَ مُهَاجِرِيُّ عَلَى أنْصَارِيٍّ إِلَّا بِقُرْعَةٍ، فَقَدْ أخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أُمِّ العَلَاءِ الأنْصَارِيَّةِ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ المَدِينَةَ

стр. 786

اقْترَعَتِ الأَنْصَارُ عَلَى سَكَنِهِمْ (١). ولقدْ ضَرَبَ الأَنْصَارُ ﵃ أرْوَعَ الأمْثِلَةِ في الإيثَارِ لِإِخْوَانِهِمُ المُهَاجِرِينَ، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ إبْرَاهِيمَ بنِ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: لمَّا قَدِمُوا المَدِينَةَ -أي المُهَاجِرُونَ- آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ وسَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ، فَقَالَ سَعْدٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ: إنِّي أكْثَرُ الأَنْصَارِ مالًا، فَاقْسِمْ مَالِي نِصْفَيْنِ، وَلِيَ امْرَأَتَانِ، فَانْظُرْ أعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَسَمِّهَا لِي أُطَلِّقُهَا، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فتَزَوَّجْهَا، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ ﵁: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ في أهْلِكَ وَمَالِكَ (٢)، أيْنَ سُوقُكُمْ؟ . فَدَلُّوهُ عَلَى سُوقِ بَنِي قَيْنقَاعَ (٣)، فَمَا انْقَلَبَ (٤) إِلَّا وَمَعَهُ فَضْلٌ مِنْ أَقِطٍ (٥) وسَمْنٍ، ثُمَّ تَابَعَ الغُدُوَّ (٦)، ثُمَّ جَاءَ يَوْمًا وبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ (٧)، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ :

стр. 787

"مَهْيَمْ؟ " (١) قَال: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ ﷺ : مَا سُقْتَ فِيهَا؟ قَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ (٢) مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لَهُ ﷺ : "أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ" (٣) * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وفِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - مَنْقَبَةٌ لِسَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ في إيثَارهِ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا ذَكَرَ. ٢ - ولعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ في تَنَزُّهِهِ عَنْ شَيْءٍ يَسْتَلْزِمُ الحَيَاءُ والمُرُوءَةُ اجْتِنَابَهُ، ولَوْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ. ٣ - وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْمُؤَاخَاةِ وَحُسْنُ الْإِيثَارِ مِنَ الْغَنِيِّ لِلْفَقِيرِ حَتَّى بِإِحْدَى زَوْجَتَيْهِ. ٤ - وَفِيهِ أَنَّ مَنْ ترَكَ ذَلِكَ بِقَصْدٍ صَحِيحٍ عَوَّضَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ. ٥ - وفِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّكَسُّبِ. ٦ - وَأَنْ لا نَقْصَ عَلَى مَنْ يَتَعَاطَى مِنْ ذَلِكَ مَا يَلِيقُ بِمُرُوءَةِ مِثْلِهِ. ٧ - وَفِيهِ كَرَاهِيَةُ قَبُولِ مَا يُتَوَقَّعُ مِنْهُ الذُّلُّ مِنْ هِبَةٍ وغَيْرِهَا.

стр. 788

٨ - وَفِيهِ أَنَّ العَيْشَ مِنْ عَمَلِ المَرْءِ بِتِجَارَةٍ أَوْ حِرْفَةٍ أَوْلَى لِنَزَاهَةِ الأَخْلَاقِ مِنَ العَيْشِ بِالْهِبَةِ ونَحْوِهَا. ٩ - وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الدُّعَاءِ لِلْمُتَزَوِّجِ. ١٠ - وَفِيهِ سُؤَالُ الْإِمَامِ وَالْكَبِيرِ أَصْحَابَهُ وَأَتْبَاعَهُ عَنْ أَحْوَالِهِمْ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا رَأَى مِنْهُمْ مَا لَمْ يَعْهَدْ. ١١ - وَفِيهِ جَوَازُ نَظَرِ الرَّجُلِ إِلَى المَرْأَةِ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا (١). قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّد الغَزَالِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وإعْجَابُ المَرْءِ بِسَمَاحَةِ سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ ﵁ لا يَعْدِلُهُ إِلَّا إعْجَابُهُ بِنُبْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنَ بنِ عَوْفٍ ﵁، هَذَا الذِي زَاحَمَ اليَهُودَ في سُوقِهِمْ، وبَزَّهُمْ (٢) في مَيْدَانِهِمْ، واسْتَطَاعَ ﵁ بَعْدَ أيَّامٍ أَنْ يَكْسِبَ مَا يَعُفُّ بِهِ نَفْسَهُ، ويَحْصِنُ بِهِ فَرْجَهُ! ! إِنَّ عُلوّ الهِمَّةِ مِنْ خَلَائِقِ الإيمَانِ، وقبَّحَ اللَّهُ وُجُوهَ أقْوَامٍ انْتسَبُوا لِلإِسْلَامِ فَأَكَلُوهُ، وأكَلُوا بِهِ حَتَّى أضَاعُوا كَرَامَةَ الحَقِّ في هَذَا العَالَمِ (٣). ورَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ المَدِينَةَ مِنْ مَكَّةَ ولَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ يَعْنِي شَيْئًا، وكَانَتِ الأَنْصَارُ أَهْلَ

стр. 789

الأَرْضِ والعَقَارِ، فَقَاسَمَهُمُ الأَنْصَارُ عَلَى أَنْ يُعْطُوهُمْ ثِمَارَ أمْوَالِهِمْ كُلَّ عَامٍ ويَكْفُوهُمُ العَمَلَ والمَؤُونَةَ (١). وفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في صَحِيحِ البُخَارِيِّ عن أَبِي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَتِ الأَنْصَارُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : اقْسِمْ بَيْنَنَا وبَيْنَ إخْوَانِنَا النَّخِيلَ. قَالَ: "لَا" فَقَالُوا: تَكْفُونَا المَؤُونَةَ (٢) ونُشْرِكُكُمْ في الثَّمَرَةِ، قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا (٣). قَالَ الحَافِظُ: وفي الحَدِيثِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلأَنْصَارِ ﵃ (٤). وأخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: دَعَا النَّبِيُّ ﷺ الأَنْصَارَ إلى أَنْ يُقْطِعَ لَهُمُ البَحْرَيْنِ، فَقَالُوا: لَا، إِلَّا أَنْ تُقْطِعَ لِإِخْوَانِنَا مِنَ المُهَاجِرِينَ مِثْلَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إنَّكُمْ سَترَوْنَ بَعْدِي أثَرَةً (٥)، فَاصْبِرُوا

стр. 790

حتَّى تَلقوْنِي عَلَى الحَوْضِ" (١). قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَالَحَ أَهْلَ البَحْرَيْنِ، وَضَرَبَ عَلَيْهِمُ الجِزْيَةَ، والمُرَادُ بإِقْطَاعِهَا لِلْأَنْصَارِ تَخْصِيصُهُمْ بِمَا يَتَحَصَّلُ مِنْ جِزيَتِهِمْ وخَرَاجِهِمْ، لَا تَمْلِيكَ رَقَبَتِهَا؛ لِأَنَّ أرْضَ الصُّلْحِ لَا تُقْسَمُ وَلَا تُقْطَعُ (٢). وفي هَذَا الحَدِيثِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلْأَنْصَارِ لِتَوَقُّفِهِمْ عَنِ الاسْتِئْثَارِ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا دُونَ المُهَاجِرِينَ (٣). يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى في كِتَابِهِ الكَرِيمِ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ (٤) فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ (٥) وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٦).

стр. 791

قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: فَحَصَلُوا في الفَضْلِ عَلَى ثَلاثِ مَرَاتِبَ: ١ - إيثَارُهُمْ عَلَى أنْفُسِهِمْ. ٢ - مُوَاسَاتُهُمْ لِغَيْرِهِمْ. ٣ - والاسْتِئْثَارُ عَلَيْهِمْ (١). وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَاتِ: قَالَ تَعَالَى مَادِحًا لِلأَنْصَارِ، ومُبيِّنًا فَضْلَهُمْ، وشَرَفَهُمْ، وكَرَمَهُمْ، وعَدَمَ حَسَدِهِمْ، وإيثَارَهُمْ مَعَ الحَاجَةِ (٢). وَلَمْ يَعْرِفْ تَارِيخُ البَشَرِيَّةِ كُلِّهِ حَادِثًا جَمَاعِيّا كحَادِثِ اسْتِقْبَالِ الأَنْصَارِ للمُهَاجِرِينَ. . . بِهَذَا الحُبِّ الكَرِيمِ، وبهَذَا البَذْلِ السَّخِيِّ، وبهَذِهِ المُشَارَكَةِ الرَّضِيَّةِ، وبِهَذَا التَّسَابُقِ إِلَى الإيوَاءِ واحْتِمَالِ الأعْبَاءِ. . . لَوْلَا أَنَّهَا وقَعَتْ بِالفِعْلِ، لَحَسِبَهَا النَّاسُ أحْلَامًا طَائِرَةً، ورُؤًى مُجْنَحَة، ومُثُلًا عُلْيَا، قَدْ صَاغَهَا خَيَالٌ مُحَلِّقٌ (٣). وأخرج الإِمَامُ أحمَدُ في مُسْنَدِهِ وأَبُو دَاودُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قال: قَالَ المُهَاجِرُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ما رَأَيْنَا مِثْلَ قَوْمٍ قَدِمْنَا عَلَيْهِمْ أحْسَنَ بَذْلًا مِنْ كَثِيرٍ، وَلَا أحْسَنَ مُوَاسَاةً في قَلِيلٍ، قَدْ كَفَوْنَا

стр. 792

المُؤْنَةَ، وأشْرَكُونَا في المَهْنأِ (١)، فَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَذْهَبُوا بالأجْرِ كُلِّهِ. قال: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَلَّا". وفي رِوَايَةٍ قَالَ: "لا، مَا أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ بِهِ، ودَعَوْتُمُ اللَّه لَهُمْ" (٢). * آيَاتٌ وَأَحَادِيثُ في فَضْلِ الأَنْصَارِ (٣): قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٤). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ رِضَاهُ عَنِ السَّابِقِينَ مِنَ المُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ والتَّابِعِينَ لَهُمْ بإِحْسَانٍ، ورِضَاهُمْ عَنْهُ بِمَا أَعَدَّ لَهُمْ مِنْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ، والنَّعِيمِ المُقِيمِ. . . فَيَا وَيْلَ مَنْ أبْغَضَهُمْ أَوْ سَبَّهُمْ، أَوْ أبْغَضَ أَوْ سَبَّ بَعْضَهُمْ، ولَا سِيَّمَا سَيِّدُ الصَّحَابَةِ بَعْدَ الرَّسُولِ ﷺ وخَيْرُهُمْ وأفْضَلُهُمْ، أعْنِي الصِّدِّيقَ الأَكْبَرَ والخَلِيفَةَ الأَعْظَمَ أبَا بَكْرِ بنِ أَبِي قُحَافَةَ ﵁، فَإِنَّ الطَّائِفَةَ المَخْذُولة مِنَ الرَّافِضَةِ يُعَادُونَ أفْضَلَ الصَّحَابَةِ

стр. 793

ويبغِضُونَهُمْ ويَسُبُّونَهُمْ، عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، وهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُقُولَهُمْ مَعْكُوسَةٌ، وقُلُوبَهُمْ مَنْكُوسَةٌ، فَأَيْنَ هَؤُلَاءِ مِنَ الإيمَانِ بِالقُرْآنِ، إِذْ يَسُبُّونَ مَنْ ﵃؟ . وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَإِنَّهُمْ يَترَضَّوْنَ عَمَّنْ ﵁، ويَسُبُّونَ مَنْ سَبَّهُ اللَّهُ ورَسُوله، ويُوَالُونَ مَنْ يُوَالِي اللَّه، ويُعَادُونَ مَنْ يُعَادِي اللَّه، وَهُمْ مُتَّبِعُونَ لَا مُبْتَدِعُونَ، ويَقْتَدُونَ وَلَا يَبْتَدُونَ، وَلِهَذَا هُمْ حِزْبُ اللَّهِ المُفْلِحُونَ وَعِبَادُهُ المُؤْمِنُونَ (١). وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) * أَمَّا الأَحَادِيثُ التِي وَرَدَتْ في فَضْلِ الأَنْصَارِ فكَثِيرَةٌ جِدًّا: رَوَى الشَّيْخَان في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "آيَةُ (٣) الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ، وآيَةُ النَفَّاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ" (٤).

стр. 794

وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنِ البَرَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الأَنْصَارُ لا يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ، فَمَنْ أحَبَّهُمْ أحَبَّهُ اللَّهُ، ومَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ" (١). ورَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يُبغِضُ الأَنْصَارَ رَجُلٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ" (٢). وفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لا يُبغِضُ الأَنْصَارَ رَجُلٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. أَوْ: إِلَّا أبْغَضَهُ اللَّهُ وَرَسولُهُ" (٣). قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: ومَعْنَى هَذِهِ الأَحَادِيثِ أَنَّ مَنْ عَرَفَ مَرْتَبَةَ الأَنْصَارِ، ومَا كَانَ مِنْهُمْ في نُصْرَةِ دِينِ الإِسْلَامِ، وَالسَّعْيِ في إظْهَارِهِ، وإيوَاءِ المُسْلِمِينَ وقِيَامِهِمْ في مَهَمَّاتِ دِينِ الإِسْلَامِ حَقَّ القِيَامِ، وحُبِّهِمُ النَّبِيَّ ﷺ وحُبِّهِ إيَّاهُمْ، وبَذْلِهِمْ أمْوَالَهُمْ وأنْفُسَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وقِتَالهِمْ ومُعَادَاتِهِمْ سَائِرَ النَّاسِ إيثَارًا لِلْإِسْلَامِ، ثُمَّ أحَبَّهُمْ لِهَذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ دَلَائِلِ صِحَّةِ إيمَانِهِ وصِدْقِهِ في إِسْلَامِهِ؛

стр. 795

لِسُرُورِهِ بِظُهُورِ الإِسْلَامِ، والقِيَامِ بِمَا يُرْضِي اللَّه ورَسُولَهُ ﷺ ، ومَنْ أبْغَضَهُمْ كَانَ بِضِدِّ ذَلِكَ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى نِفَاقِهِ، وفَسَادِ سَرِيرَتِهِ (١). ورَوى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْلَا الهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ (٢)، ولَوْ سلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وسلَكَتِ الأَنْصَارُ وَادِيًا أَوْ شِعْبًا؛ لَسَلَكْتُ وَادِي الأَنْصَارِ أَوْ شِعْبَ الأَنْصَارِ" (٣). قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: مَا ظَلَمَ بِأَبِي وأُمِّي، لَقَدْ آوَوْهُ ونَصَرُوهُ (٤). ورَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: صَعِدَ رَسُولُ

стр. 796

اللَّهِ ﷺ المِنْبَرَ، وَلَمْ يَصْعَدْهُ بَعْدَ ذَلِكَ اليَوْمِ (١)، فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "أُوصِيكُمْ بِالأنْصَارِ، فَإِنَّهُمْ كَرْشِي (٢) وعَيْبَتِي (٣)، وَقَدْ قَضَوا الذِي عَلَيْهِمْ، وَبَقِيَ الذِي لَهُمْ (٤)، فاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ" (٥). ورَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ومَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا، فكَلَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فقَالَ: "والذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّكُمْ أحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ". مَرَّتَيْنِ (٦).

стр. 797

وفي رِوَايَةٍ أُخْرَى في الصَّحِيحَيْنِ قَالَ أَنَسٌ ﵁: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ مِنَ الأَنْصَارِ مُقْبِلِينَ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مُمْثِلًا (١) فَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ" قَالَهَا ثَلَاثًا مِرَارًا (٢). وأخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا ضَرَّ امْرَأة نَزَلَتْ بَيْنَ بَيْتَيْنِ مِنَ الأَنْصَارِ" (٣). وأخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: -وَهُوَ يُوصِي الخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِهِ، وهَذَا الكَلَامُ قَالَهُ ﵁ لَمَّا طُعِنَ-: . . . وَأُوصِيهِ بِالأنْصَارِ خَيْرًا، الذِينَ تَبوَّأُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ، أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَأَنْ يُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ (٤).

стр. 798

وأخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ قَوِي عَنِ الحَارِثِ بنِ زِيَادٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "والذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يُحِبُّ الأَنْصَارَ رَجُلٌ حَتَّى يَلْقَى اللَّه ، إِلَّا لَقِيَ اللَّه وَهُوَ يُحِبُّهُ، وَلَا يُبْغِضُ الأَنْصَارَ رَجُلٌ حَتَّى يَلْقَى اللَّه ، إِلَّا لَقِيَ اللَّه وَهُوَ يُبْغِضُهُ" (١). وأخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وابْنُ مَاجَه في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أنسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ أَنْ يَلِيَهُ المُهَاجِرُونَ والأَنْصَارُ في الصَّلَاةِ (٢). وأخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ زَيْدِ بنِ أرْقَمٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ، وَلِأَبْنَاءَ الأَنْصَارِ، وأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ" (٣). وفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأَنْصَارَ، وأبْنَاءَ الأَنْصَارِ، وأبْنَاءَ أبْنَاءَ الأَنْصَارِ" (٤).

стр. 799

ثَالِثًا: كِتَابَةُ الصَّحِيفَةِ أَمَّا العَمَلُ الثَّالِثُ الذِي قَامَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ في المَدِينَةِ فَهُوَ: كِتَابَةُ الصَّحِيفَةِ. أخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: كتَبَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى كُلِّ بَطْنٍ (١) عُقُولَهُ (٢). وأخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ - لَكِنْ يَشْهَدُ لَهُ حَدِيثُ مُسْلِمٍ الذِي قَبْلَهُ - عَنْ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كتَبَ كِتَابًا بَيْنَ المُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ، عَلَى أَنْ يَعْقِلُوا مَعَاقِلَهُمْ، وَيَفْدُوا عَانِيَهُمْ (٣) بِالمَعْرُوفِ، وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ (٤).

стр. 800

أ - بُنُودُ الصَّحِيفَةِ المُتَعَلّقَةِ بِالمُسْلِمِينَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ ﷺ ، بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُسْلِمِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَالْمَدِينَةِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ، فَلَحِقَ بِهِمْ، وَجَاهَدَ مَعَهُمْ: ١ - أَنَّهُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ دُونِ النَّاسِ. ٢ - المُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى رِبَاعَتِهِمْ يتعَاقَلُونَ (١) بَيْنَهُمْ، وَهُمْ يَفْدُونَ عَانِيَهُمْ بالمَعْرُوفِ، وَالقِسْطِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، وَكُلُّ طَائِفَةٍ (٢) مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمُ الأُولَى. ٣ - أَنَّ المُؤْمِنِينَ لَا يترُكُونَ مُفْرَحًا (٣) بَيْنَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ بِالمَعْرُوفِ في فِدَاءٍ أَوْ عَقْلٍ. ٤ - أَنَّ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ عَلَى مَنْ بَغَى مِنْهُمْ، أَوِ ابْتَغَى دَسِيعَةَ (٤) ظُلْمٍ،

стр. 801

أَوْ إِثْمٍ، أَوْ عُدْوَانٍ، أَوْ فَسَادٍ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ أيْدِيَهُمْ عَلَيْهِ جَمِيعًا، وَلَوْ كَانَ وَلَدَ أحَدِهِمْ. ٥ - أَنَّ ذِمَّةَ اللَّهِ وَاحِدَةٌ، يُجِيرُ (١) عَلَى المُسْلِمِينَ أدْنَاهُمْ (٢). ٦ - المُؤْمِنُونَ بَعْضُهُمْ مَوَالِي بَعْضٍ دُونَ النَّاسِ. ٧ - مَنْ تَبعَ المُؤْمِنِينَ مِنْ يَهُودٍ، فَإِنَّهُ له النَّصْرُ والأُسْوَةُ، غَيْرَ مَظْلُومِينَ ولَا مُتَنَاصَرِينَ عَلَيْهِمْ. ٨ - أَنَّ المُؤْمِنِينَ يُبِئ (٣) بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِمَا نَالَ دِمَاءَهُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ. ٩ - مَنِ اعْتَبَطَ (٤) مُؤْمِنًا قتلًا عَنْ بَيِّنَةٍ، فَإِنَّهُ قَوَدٌ بِهِ، إِلَّا أَنْ يَرْضى وليُّ المَقْتُولِ.

стр. 802

١٠ - أَنَّ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ كَافَّةً، وَلَا يَحِلُّ لَهُمْ إِلَّا قِيَامٌ عَلَيْهِ. ب - بُنُودُ الصَّحِيفَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمُشْرِكِينَ: ١ - لَا يُجِيرُ مُشْرِكٌ مَالًا لِقُرَيْشٍ، وَلَا نَفْسًا، وَلَا يَحُولُ دُونَهُ عَلَى مُؤْمِنٍ. ٢ - لَا تُجَارُ قُرَيْشٌ وَلَا مَنْ نَصَرَهَا. ٣ - لِقُرَيْشٍ وَحُلفائِهَا حَقُّ الصُّلْحِ إِذَا طَلَبُوهُ، إِلَّا مَنْ حَارَبَ مِنْهُمُ الإِسْلَامَ. قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّد الغَزَالِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يُلاحَظُ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ في هَذِهِ المُعَاهَدَةِ أشَارَ إلى العَدَاوَةِ القَائِمَةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ ومُشْرِكِي مَكَّةَ، وأعْلَنَ رَفْضَهُ الحَاسِمَ لِمُوَالَاتِهِمْ، وحَرَّمَ إسْدَاءَ أيِّ عَوْنٍ لَهُمْ، وَهَلْ يُنتظَرُ إِلَّا هَذَا المَوْقِفُ مِنْ قَوْمٍ لَا تَزَالُ جُرُوحُهُمْ تَقْطُرُ دَمًا لِبَغْي قُرَيْشٍ، وَأَحْلَافِهَا عَلَيْهِمْ؟ (١). ج- بُنُودُ الصَّحِيفَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِاليَهُودِ (٢): ١ - يُنْفِقُ اليَهُودُ مَعَ المُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارِبِينَ.

стр. 803

٢ - يَهُودُ بَنِي عَوْفٍ أُمَّةٌ مَعَ المُؤْمِنِينَ، لِلْيَهُودِ دِينُهُمْ، وَللْمُسْلِمِينَ دِينُهُمْ، مَوَالِيهِمْ وأنْفُسُهُمْ، إِلَّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ، فَإِنَّهُ لَا يُهْلِكُ إِلَّا نَفْسَهُ، وَأَهْلَ بَيْتهِ. ٣ - لِبَقِيَّهِ اليَهُودِ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، وَبَنِي الحَارِثِ، وَبَنِي سَاعِدَةَ، وَبَنِي جُشَمٍ، وَبَنِي الأَوْسِ، وَبَنِي ثَعْلَبَةَ، وَجَفْنَةَ، وَبَنِي الشُّطَيبَةِ، مِثْلُ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، وأَنَّ بِطَانَةَ يَهُودٍ كَأَنْفُسِهِمْ. ٤ - لَا يَخْرُجُ مِنْ يَهُودٍ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ . ٥ - عَلَى اليَهُودِ نَفَقَتُهُمْ، وَعَلَى المُسْلِمِينَ نَفَقَتُهُمْ، وَإِنَّ بَيْنَهُمُ النَّصْرَ عَلَى مَنْ حَارَبَ أَهْلَ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، وَأَنَّ بَيْنَهُمُ النُّصْحَ والنَّصِيحَةَ، وَالبِرَّ دُونَ الإِثْمِ (١). د- بُنُودُ الصَّحِيفَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالقَوَاعِدِ العَامَّةِ: ١ - المَدِينَةُ حَرَامٌ جَوْفُهَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، وَإِنَّ الجَارَ كَالنَّفْسِ، غَيْرُ مُضَارٍّ (٢)، وَلَا آثِمٍ، وإنَّهُ لَا تُجَارُ حُرْمَةٌ إِلَّا بِإذْنِ أَهْلِهَا. ٢ - مَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ مِنْ حَدَثٍ (٣) أَوِ اشْتِجَارٍ (٤) يُخَافُ

стр. 804

فَسَادُهُ، فَإِنَّ مَرَدَّهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وإِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ٣ - أَنَّ بَيْنَهُمْ -أيْ أَهْلَ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ- النَّصْرُ عَلَى مَنْ دَهَمَ (١) الْمَدِينَةَ. ٤ - مَنْ خَرَجَ آمِنٌ، وَمَنْ قَعَدَ آمِنٌ بِالمَدِينَةِ، إِلَّا مَنْ ظَلَمَ أَوْ أَثِمَ، وَإِنَّ اللَّه جَارٌ لِمَنْ بَرَّ وَاتَّقَى، ومُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٢). بِهَذِهِ الحِكْمَةِ، وبِهَذِهِ الحَذَاقَةِ (٣) أرْسَى رَسُولُ اللَّه ﷺ قَوَاعِدَ مُجْتَمَعٍ جَدِيدٍ، وَكَانَتْ هَذِهِ الظَّاهِرَةُ أَثَرًا لِلْمَعَانِي التِي كَانَ يَتَمَتَّعُ بِهَا أُولَئِكَ الأَمْجَادُ بِفَضْلِ صُحْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَعَهَّدُهُمْ بِالتَّعْلِيمِ، والتَّرْبِيَةِ وتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ، والحَثِّ عَلَى مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ، ويُؤَدِّبُهُمْ بِآدَابِ الوُدِّ والإِخَاءَ والمَجْدِ والشَّرَفِ والعِبَادَةِ والطَّاعَةِ. . . وبِجَانِبِ هَذَا كَانَ ﷺ يَحُثُّ حَثًّا شَدِيدًا عَلَى الِاسْتِعْفَافِ عَنِ المَسْأَلَةِ، ويَذْكُرُ فَضَائِلَ الصَّبْرِ والقَنَاعَةِ، وَكَانَ يَعُدُّ المَسْأَلَةَ كُدُوحًا (٤) أَوْ خُدُوشًا أَوْ خُمُوشًا في وَجْهِ السَّائِلِ (٥)، اللَّهُمَّ إِلَّا إِذَا كَانَ مُضْطَرًّا، كَمَا كَانَ ﷺ يُحَدِّثُ لَهُمُ بِمَا في

стр. 805

العِبَادَاتِ مِنَ الفَضَائِلِ، والأَجْرِ وَالثَّوَابِ عِنْدَ اللَّهِ، وكَانَ ﷺ يَرْبِطُهُمْ بِالوَحْيِ النَّازِلِ عَلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ رَبْطًا مُوثَقًا يَقْرَؤُهُ عَلَيْهِمْ، وَيَقْرَؤُونَهُ، لِتَكُونَ هَذِهِ الدِّرَاسَةُ إِشْعَارًا بِمَا عَلَيْهِمْ مِنْ حُقُوقِ الدَّعْوَةِ، وتَبِعَاتِ الرِّسَالَةِ، فَضْلًا عَنْ ضَرُورَةِ الفَهْمِ وَالتَّدَبُّرِ. وهَكَذَا رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعْنَوِيَّاتِ ومَوَاهِبَ الصَّحَابَةِ ﵃، وزَوَّدَهُمْ بِأعْلَى القِيَمِ والأَقْدَارِ والمُثُلِ، حَتَّى صَارُوا صُورَةً لِأَعْلَى قِمَّةٍ مِنَ الكَمَالِ عُرِفَتْ في تَارِيخِ البَشَرِ بَعْدَ الأَنْبِيَاءِ. ثُمَّ إِنَّ هَذَا الرَّسُولَ القَائِدَ الأَعْظَمَ ﷺ كَانَ يَتَمَتَّعُ مِنَ الصِّفَاتِ المَعْنَوِيَّةِ والظَّاهِرَةِ، ومِنَ الكَمَالَاتِ والمَوَاهِبِ والأَمْجَادِ والفَضَائِلِ ومَكَارِمِ الأَخْلَاقِ ومَحَاسِنِ الأَعْمَالِ، بِمَا جَعَلَتْهُ تَهْوِي إِلَيْهِ الأَفْئِدَةُ، وتَتَفَانَى عَلَيْهِ النُّفُوسُ، فَمَا يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ إِلَّا ويبادِرُ صَحَابَتُهُ ﵃ إلى امْتِثَالِهِ، ومَا يَأْتِي بِرُشْدٍ وتَوْجِيهٍ إِلَّا ويَتَسَابَقُونَ إلى التَّحَلِّي بِهِ. بِمِثْلِ هَذَا اسْتَطَاعَ الرَّسُولُ ﷺ أَنْ يَبْنِيَ في المَدِينَةِ مُجْتَمَعًا جَدِيدًا، أرْوَعَ وأشْرَفَ مُجْتَمَعٍ عَرَفَهُ التَّارِيخُ، وَأَنْ يَضَعَ لِمَشَاكِلِ هَذَا المُجْتَمَعِ حَلًّا تَتَنَفَّسُ لَهُ

стр. 806

الإِنْسَانِيَّةُ الصُّعَدَاءَ (١) , بَعْدَ أَنْ كَانَتْ تَعِبَتْ في غَيَاهِبِ الزَّمَانِ ودَيَاجِيرِ (٢) الظُّلُمَاتِ (٣). * * *

стр. 807

مَشْرُوعِيَّةُ الأَذَانِ (١) الأَذَانُ شَعِيرَةٌ مِنْ شَعَائِرِ (٢) الإِسْلَامِ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ، ولَوْ أَنَّ أَهْلَ بَلَدٍ اجْتَمَعُوا عَلَى تَرْكِهِ كَانَ لِلسُّلْطَانِ قِتَالُهُمْ عَلَيْهِ، وَأَقْوَى مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى هَذَا مَا أخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا -واللَّفْظُ لِمُسْلِم- عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُغِيرُ (٣) إذا طَلَعَ الفَجْرُ، وَكَانَ يَسْتَمعُ الأَذَانَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أمْسَكَ، وإلَّا أغَارَ (٤).

стр. 808

قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَفي هَذَا الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الأَذَانَ يَمْنَعُ الإِغَارَةَ عَلَى أَهْلِ ذَلِكَ المَوْضعِ فَإِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى إسْلَامِهِمْ (١). * مَتَى شُرعَ الأذانُ ؟ شُرعَ الأَذَانُ في السَّنَةِ الأُولَى مِنَ الهِجْرَةِ (٢)، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ المُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ (٣) الصَّلَاةَ لَيْسَ يُنَادَى لَهَا، فتَكَلَّمُوا يَوْمًا في ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ، اتَّخِذُوا نَاقُوسًا (٤) مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ بُوقًا (٥) مِثْلَ بُوقِ اليَهُودِ (٦). وفي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي عُمَيْرِ بنِ أنسٍ عَنْ

стр. 809

عُمُومَتِهِ مِنَ الأَنْصَارِ قَالُوا: اهْتَمَّ النَّبِيُّ ﷺ لِلصَّلَاةِ، كَيْفَ يَجْمَعُ النَّاسَ لَهَا؟ فَقِيلَ لَهُ: انْصُبْ رَايَةً عِنْدَ حُضُورِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا رَأَوْهَا آذَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَلَمْ يُعْجِبْهُ ﷺ ذَلِكَ (١). * رُؤْيَا عَبْدِ اللَّهِ بنِ زَيْدٍ ﵁ -: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ زَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ ﵁: بَيْنَمَا أنْتا نَائِمٌ، إِذْ طَافَ بِي مِنَ اللَّيْلِ طَائِفٌ، وَاَنا نَائِمٌ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أخْضَرَانِ، وَفي يَدهِ نَاقُوسٌ يَحْمِلهُ، فَقُلْتُ: يَا عبد اللَّهِ، أتَبِيعُ النَّاقُوسَ؟ قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قُلْتُ: أدْعُو بِهِ إلى الصَّلَاةِ. قَالَ: أفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: تَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، أشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه، أشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه، أشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه، حَيَّ عَلَى الصَّلَاة، حَيَّ عَلَى الصَّلَاة، حَيَّ عَلَى الفَلَاح، حَيَّ عَلَى الفَلَاح، اللَّهُ أكْبَرْ، اللَّهُ أكْبَرْ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه. ثُمَّ اسْتَأْخَرَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ قَالَ: تَقُولُ إِذَا أقَمْتَ الصَّلَاةَ: اللَّهُ أكبَرْ، اللَّهُ أكبَرْ، أشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه، أشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه، حَيَّ عَلَى الصَّلَاة، حَيَّ عَلَى الفَلَاح، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاة، اللَّهُ أكبَرُ، اللَّهُ أكبَرْ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه (٢).

стр. 810

قَالَ: فَلَمَّا أصْبَحْتُ أَتَيْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ، فَقَالَ ﷺ : "إنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٍّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قُمْ فَأَلْقِ عَلَى بِلَالٍ (١) مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ، فَإِنَّهُ أنْدَى (٢) صَوْتًا مِنْكَ". فَقُمْتُ مَعَ بِلَالٍ، فَجَعَلْتُ أُلْقِي عَلَيْهِ ويُؤَذِّنُ بِذَلِكَ، فَسَمِعَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ وهُوَ في بَيْتِهِ، فَقَامَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ وَيَقُولُ: وَالذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ مَا رَأَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَلِلَّهِ الحَمْدُ" (٣). * كَمْ مُؤَذِّنًا لِلرَّسُولِ ﷺ -؟ وكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَةُ مُؤَذِّنِينَ: بِلَالُ بنُ رَبَاحٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ أُمِّ
следующие страницы →