← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

الإِنْسَانِيَّةُ الصُّعَدَاءَ (١) , بَعْدَ أَنْ كَانَتْ تَعِبَتْ في غَيَاهِبِ الزَّمَانِ ودَيَاجِيرِ (٢) الظُّلُمَاتِ (٣). * * *

стр. 807

مَشْرُوعِيَّةُ الأَذَانِ (١) الأَذَانُ شَعِيرَةٌ مِنْ شَعَائِرِ (٢) الإِسْلَامِ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ، ولَوْ أَنَّ أَهْلَ بَلَدٍ اجْتَمَعُوا عَلَى تَرْكِهِ كَانَ لِلسُّلْطَانِ قِتَالُهُمْ عَلَيْهِ، وَأَقْوَى مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى هَذَا مَا أخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا -واللَّفْظُ لِمُسْلِم- عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُغِيرُ (٣) إذا طَلَعَ الفَجْرُ، وَكَانَ يَسْتَمعُ الأَذَانَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أمْسَكَ، وإلَّا أغَارَ (٤).

стр. 808

قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَفي هَذَا الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الأَذَانَ يَمْنَعُ الإِغَارَةَ عَلَى أَهْلِ ذَلِكَ المَوْضعِ فَإِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى إسْلَامِهِمْ (١). * مَتَى شُرعَ الأذانُ ؟ شُرعَ الأَذَانُ في السَّنَةِ الأُولَى مِنَ الهِجْرَةِ (٢)، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ المُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ (٣) الصَّلَاةَ لَيْسَ يُنَادَى لَهَا، فتَكَلَّمُوا يَوْمًا في ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ، اتَّخِذُوا نَاقُوسًا (٤) مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ بُوقًا (٥) مِثْلَ بُوقِ اليَهُودِ (٦). وفي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي عُمَيْرِ بنِ أنسٍ عَنْ

стр. 809

عُمُومَتِهِ مِنَ الأَنْصَارِ قَالُوا: اهْتَمَّ النَّبِيُّ ﷺ لِلصَّلَاةِ، كَيْفَ يَجْمَعُ النَّاسَ لَهَا؟ فَقِيلَ لَهُ: انْصُبْ رَايَةً عِنْدَ حُضُورِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا رَأَوْهَا آذَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَلَمْ يُعْجِبْهُ ﷺ ذَلِكَ (١). * رُؤْيَا عَبْدِ اللَّهِ بنِ زَيْدٍ ﵁ -: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ زَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ ﵁: بَيْنَمَا أنْتا نَائِمٌ، إِذْ طَافَ بِي مِنَ اللَّيْلِ طَائِفٌ، وَاَنا نَائِمٌ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أخْضَرَانِ، وَفي يَدهِ نَاقُوسٌ يَحْمِلهُ، فَقُلْتُ: يَا عبد اللَّهِ، أتَبِيعُ النَّاقُوسَ؟ قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قُلْتُ: أدْعُو بِهِ إلى الصَّلَاةِ. قَالَ: أفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: تَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، أشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه، أشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه، أشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه، حَيَّ عَلَى الصَّلَاة، حَيَّ عَلَى الصَّلَاة، حَيَّ عَلَى الفَلَاح، حَيَّ عَلَى الفَلَاح، اللَّهُ أكْبَرْ، اللَّهُ أكْبَرْ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه. ثُمَّ اسْتَأْخَرَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ قَالَ: تَقُولُ إِذَا أقَمْتَ الصَّلَاةَ: اللَّهُ أكبَرْ، اللَّهُ أكبَرْ، أشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه، أشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه، حَيَّ عَلَى الصَّلَاة، حَيَّ عَلَى الفَلَاح، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاة، اللَّهُ أكبَرُ، اللَّهُ أكبَرْ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه (٢).

стр. 810

قَالَ: فَلَمَّا أصْبَحْتُ أَتَيْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ، فَقَالَ ﷺ : "إنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٍّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قُمْ فَأَلْقِ عَلَى بِلَالٍ (١) مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ، فَإِنَّهُ أنْدَى (٢) صَوْتًا مِنْكَ". فَقُمْتُ مَعَ بِلَالٍ، فَجَعَلْتُ أُلْقِي عَلَيْهِ ويُؤَذِّنُ بِذَلِكَ، فَسَمِعَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ وهُوَ في بَيْتِهِ، فَقَامَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ وَيَقُولُ: وَالذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ مَا رَأَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَلِلَّهِ الحَمْدُ" (٣). * كَمْ مُؤَذِّنًا لِلرَّسُولِ ﷺ -؟ وكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَةُ مُؤَذِّنِينَ: بِلَالُ بنُ رَبَاحٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ أُمِّ

стр. 811

مَكْتُومٍ، وأَبُو مَحْذُورَةَ (١)، وسَعْدُ القَرَظُ (٢) ﵃ أَجْمَعِينَ. أخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُؤَذِّنانِ: بِلَالٌ وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الأَعْمَى (٣). قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَوْلُهُ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُؤَذِّنَانِ، يَعْنِي بِالمَدِينَةِ، وَفِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ كَانَ أَبُو مَحْذُورَةَ مُؤَذِّنًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، وسَعْدُ القَرَظُ أَذَّنَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقُبَاءَ (٤). وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجْتُ في نَفَرٍ، فكنَّا بِبَعْضِ طَرِيقِ حُنَيْنٍ، فَقَفَلَ (٥) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ حُنَيْنٍ، فَلَقِيَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَسَمِعْنَا صَوْتَ المُؤَذِّنِ،

стр. 812

فَصَرَخْنَا نَحْكِيهِ، ونَسْتَهْزِئُ بِهِ، فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّوْتَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا إِلى أَنْ وَقَفْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أيُّكُمُ الذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ قَدِ ارْتَفَعَ؟ "، فَأَشَارَ القَوْمُ كُلُّهُمْ إِلَيَّ وَصَدَقُوا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قُمْ فَأَذِّنْ بِالصَّلَاةِ"، فَقُلْتُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَلْقَى إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ التَّأذِينَ هُوَ بِنَفْسِهِ. . . فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مُرْنِي بِالتَّأذِينِ بِمَكَّةَ، فَقَالَ: "قَدْ أَمَرْتُكَ بِهِ". . . فَقَدِمْتُ عَلَى عَتَّابِ بنِ أَسِيدٍ، عَامِلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَأَذَّنْتُ مَعَهُ بِالصَّلَاةِ عَنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١). ورَوَى الطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ عَنْ حَفْصِ بنِ عُمَرَ بنِ سَعْدِ القَرَظِ المُؤَذِّنِ، قَالَ: أَنَّ سَعْدًا كَانَ يُؤَذِّنُ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لأَهْلِ قُباءَ، حَتَّى انتقَلَ بِهِ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ في خِلَافَتِهِ، فَأَذَّنَ لَهُ بِالمَدِينَةِ في مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٢). * فَضْلُ الأَذَانِ: جَاءَ في فَضْلِ الأَذَانِ أحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ

стр. 813

أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ له: إنِّي أرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ وَالبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ في غَنَمِكَ -أَوْ بَادِيَتكَ- فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاء، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنّ وَلَا إِنْسٌ ولَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ له يَوْمَ القِيَامَةِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَفِي الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - اسْتِحْبَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالأَذَانِ لِيَكْثُرَ مَنْ يَشْهَدُ له مَا لَمْ يَجْهَدْهُ أَوْ يتأَذَى بِهِ. ٢ - وَفِيهِ أَنَّ حُبَّ الغَنَمِ وَالبَادِيَةِ، وَلَاسِيَّمَا عِنْدَ نُزُولِ الفِتْنَةِ مِنْ عَمَلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ. ٣ - وَفِيهِ جَوَازُ التَّبَدِّي، ومُسَاكَنَةِ الأَعْرَابِ، ومُشَارَكَتِهِمْ في الأَسْبَابِ بِشَرْطِ حَظٍ مِنَ العِلْمِ، وَأَمْنِ غَلَبَةِ الجَفَاءَ. ٤ - وَفيهِ أَنَّ أذَانَ الفَذِّ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ في قَفْرٍ (٢)، وَلَوْ لَمْ يَرْتَجِ حُضُورَ مَنْ يُصَلِّي مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ إِنْ فَاتَهُ دُعَاءُ المُصَلِّينَ، فَلَمْ يَفُتْهُ اسْتِشْهَادُ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِهِمْ (٣).

стр. 814

وَأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "المُؤَذِّنُونَ أطْوَلُ النَّاسِ أعْنَاقًا يَوْمَ القِيَامَةِ" (١). قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: اخْتَلَفَ السَّلَفُ وَالخَلَفُ في مَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ، فَقِيلَ: مَعْنَاهُ أكْثَرُ النَّاسِ تَشَوُّفًا لِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ المُتَشَوِّفَ يُطِيلُ عُنقَهُ إِلَى مَا يَتَطَلَّعُ إِلَيْهِ، فَمَعْنَاهُ كَثْرَةُ مَا يَرَوْنَهُ مِنَ الثَّوَابِ. وَقَالَ النَّضْرُ بنُ شُمَيْل: إِذَا أَلْجَمَ النَّاسَ العَرَقُ يَوْمَ القِيَامَةِ طَالَتْ أعْنَاقُهُمْ لِئَلَّا يَنَالَهُمْ ذَلِكَ الكَرْبُ والعَرَقُ، وقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ سَادَةٌ، ورُؤَسَاءُ، والعَرَبُ تَصِفُ السَّادَةَ بِطُولِ العُنُقِ (٢). وَقَالَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ: كَانَ المُؤَذِّنُونَ فِيمَا كَانُوا يُعَانُونَهُ مِنْ أَذَانِهِمْ في الدُّنْيَا، ورَفْعِ أصْوَاتهمْ بِهِ فَوْقَ مَا غَيْرَهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الطَّاعَاتِ سِوَاهُ في مُعَانَاتِهِمْ إيَّاهُمْ كَانَتْ في الدُّنْيَا، فَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُوُنوا بِعُلُوِّ أصْوَاتِهِمْ في أذَانِهِمْ الذِي كَانُوا يُعَانُونَهُ في الدُّنْيَا، ومُدَاوَمَتِهِمْ عَلَيْهِ في كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وإِتْبَاعِهِمْ ذَلِكَ إِقَامَاتِ الصَّلَوَاتِ، واجْتِهَادِهِمْ في ذَلِكَ

стр. 815

بِأَصْوَاتِهِمْ، واسْتِعْلَائِهِمْ عَلَى الأَمْكِنَةِ التِي يَأْتُونَ بِالأَذَانِ فِيهَا مَعَ مَا في ذَلِكَ مِنَ المَشَقَّةِ التِي لَا خَفَاءَ بِهَا جَعَلُوا ذَلِكَ في طُولِ أعْنَاقِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ إلى ثَوَابِهِمْ عَلَيْهِ فَوْقَ مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ أَهْلِ الأَعْمَالِ بِطَاعَاتِ اللَّهِ سِوَاهُ في انْتِظَارِ الثَّوَابِ له، والجَزَاءَ عَلَيْهِ، وَلَمْ نَجِدْ في تَأْوِيلِ هَذَا الحَدِيثِ مِمَّا قَالَ النَّاسُ فِيهِ أحْسَنَ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ الذِي ذَكَرْنَاهُ فِيهِ، وَاللَّهُ أعْلَمُ بِمَا أرَادَهُ رَسُوله ﷺ في ذَلِكَ (١). وأخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا في النِّدَاءِ (٢) والصَّفِّ الأوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتهموا (٣) عَليْه، لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ" (٤). قَالَ الإِمَامُ النَوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَعْنَى الحَدِيثِ: أَنَّهُمْ لَوْ عَلِمُوا فَضِيلَةَ الأذَانِ، وقَدْرَهَا، وعَظِيمَ جَزَائِهِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا طَرِيقًا يُحَصِّلُونَهُ بِهِ لِضِيقِ الوَقْتِ مِنْ أذَانٍ بَعْدَ أذَانٍ أَوْ لِكَوْنِهِ لَا يُؤَذِّنُ لِلْمَسْجِدِ إِلَّا وَاحِدٌ لَاقْترَعُوا في تَحْصِيلِهِ (٥).

стр. 816

وأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "المُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى (١) صَوْتِهِ، ويَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ" (٢). وَقَالَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ: ويذْكَرُ أَنَّ أقْوَامًا اخْتَلَفُوا في الأَذَانِ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ (٣). قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: أخْرَجَهُ سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ، والبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ كِلَاهُمَا عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ شُبرُمَةَ قَالَ: تَشَاحَّ (٤) النَّاسُ في الأذَانِ بِالقَادِسِيَّةِ (٥)، فاخْتَصَمُوا إلى سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، فأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ. وهَذَا مُنْقَطِعٌ، وَقَدْ وصَلَهُ سَيْفُ بنُ عُمَرَ في الفُتُوحِ والطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ شُبْرُمَةَ عَنْ شَقِيق -وهُوَ أَبُو وَائِلٍ- قَالَ: افتتَحْنَا القَادِسِيَّةَ صَدْرَ النَّهَارِ، فترَاجَعْنَا وَقَدْ أُصِيبَ المُؤَذِّنُ، وهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ﵁،

стр. 817

فَذَكَرَهُ وزَادَ: فَخَرَجَتِ القُرْعَةُ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ فَأَذَّنَ (١). ورَوَى ابنُ مَاجَه في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أذَّنَ ثِنْتَي عَشْرَةَ سَنَةً، وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّة، وَكُتِبَ لَهُ بِتَأْذِينِهِ في كُلِّ يَوْمٍ سِتُّونَ حَسَنَةً، ولِكُلِّ إقَامَةٍ ثَلَاثُونَ حَسَنةً" (٢). وَأَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ، والإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الإِمَامُ ضَامِنٌ (٣)، والمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ (٤)، فَأَرْشَدَ اللَّهُ الأَئِمَّةَ، وغَفَرَ لِلْمُؤَذِّنِينَ" (٥). ورَوَى الطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ وابْنُ أَبِي شَيبةَ في مُصَنَّفِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ أُطِيقُ الأَذَانَ مَعَ الخِلَافَةِ لَأَذَّنْتُ (٦).

стр. 818

وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، والنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "المُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَّ (١) صَوْتهِ، ويُصَدِّقُهُ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ رَطْب ويَابِسٍ" (٢). * رِوَايَاتٌ ضَعِيفَةٌ وَوَاهِيَةٌ: قَالَ الْحَافِظُ في الفتْحِ: وَرَدَتْ أَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ شُرعَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، مِنْهَا: ١ - لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ﷺ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ الأَذَانَ، فنَزَلَ بِهِ فَعَلَّمَهُ بِلَالًا، وَفِي إِسْنَادِهِ طَلْحَةُ بنُ زَيْدٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ. ٢ - وَللدَّارَقُطْنِيِّ في الأَطْرَافِ مِنْ حَدِيثِ أنسٍ ﵁ أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أَمَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِالْأَذَانِ حِينَ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ أَيْضًا. ٣ - وَلِابْنِ مَرْدَوَيْه مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ مَرْفُوعًا: لَمَّا أُسْرِيَ بِي أَذَّنَ جِبْرِيلُ فَظَنَّتِ الْمَلَائِكَةُ أَنَّهُ يُصَلِّي بِهِمْ فَقَدَّمَنِي فَصَلَّيْتُ. وَفِيهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ. . . ثُمَّ سَاقَ الْحَافِظُ آثَارًا، فَقَالَ بَعْدَ إِيرَادِهَا: وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ شَيْءٌ

стр. 819

مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَقَدْ حَاوَلَ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ الأنفِ (١) الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، فتَكَلَّفَ وَتَعَسَّفَ، وَالْأَخْذُ بِمَا صَحَّ أَوْلَى (٢). * * *

стр. 820

إسْلامُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ سَلامٍ ﵁ - كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ ﵁ عَالِمًا مِنْ عُلَمَاءَ اليَهُودِ، فَلَمَّا سَمِعَ بِمَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى المَدِينَةِ كَبَّرَ، وَكَانَ في رَأْسِ نَخْلَةٍ لِأَهْلِهِ يَخْتَرِفُ (١) لَهُمْ، فَسَمِعَتْ تَكْبِيرَتُهُ عَمَّتُهُ خَالِدَةُ بِنْتُ الحَارِثِ، فَقَالَتْ لَهُ: خَيَبكَ اللَّهُ! وَاللَّهِ لَوْ كُنْتَ سَمِعْتَ بِمُوسَى بنِ عِمْرَانَ ﵇، قَادِمًا مَا زِدْتَ، قَالَ: أيْ عَمَّةُ! هُوَ وَاللَّهِ أخُو مُوسَى بنُ عِمْرَانَ ﵇، وَعَلَى دِينهِ، بُعِثَ بِمَا بُعِثَ بِهِ، فَقَالَتْ: أي ابْنَ أَخِي! أهُوَ النَّبِيُّ الذِي كُنَّا نُخْبَرُ أنَّهُ يبعَثُ مَعَ نَفَسِ (٢) السَّاعَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَتْ: فَذَاكَ إِذًا (٣).

стр. 821

أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَاجَه في السُّنَنِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ سَلَامٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ انْجَفَلَ (١) النَّاسُ عَلَيْهِ (٢)، فكنْتُ فِيمَنِ انْجَفَلَ، فَلَمَّا تَبَيَّنْتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ (٣)، فَكَانَ أوَّلُ شَيءً سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "يَا أيُّهَا النَّاسُ أفْشُوا السَّلَامَ، وأطْعِمُوا الطَّعَامَ، وصِلُوا الأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ والنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ" (٤). قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ ﵁: فَأَتَيْتُ الرَّسُولَ ﷺ فَقُلْتُ لَهُ: إنِّي سَائِلُكَ عَنْ

стр. 822

ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ: مَا أوَّلُ أشْرَاطِ (١) السَّاعَةِ، وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُله أَهْلُ الجَنَّةِ، وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَنْزعُ الوَلَدُ إلى أبِيهِ، وَمِنْ أيِّ شَيْءٍ يَنْزعُ إلى أخْوَالِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَبَّرَني بِهِنَّ آنِفًا جِبْرِيلُ"، قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ذَاكَ عَدُوُّ اليَهُودِ مِنَ المَلَائِكَةِ (٢)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَّا أوَّلُ أشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، وَأَمَّا أوَّلُ طَعَامٍ يَأْكله أَهْلُ الجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ (٣)، وَأَمَّا الشِّبَهُ في الوَلَدِ فَإِنَّ الرَّجُلِ إِذَا غَشِيَ المَرْأة فَسَبَقَهَا مَاؤُهُ كَانَ الشِّبَهُ لَهُ، وَإِذَا سَبَقَ مَاؤُهَا كَانَ الشِّبَهُ لَهَا". قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ ﵁: فَقُلْتُ لِلرَّسُولِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ اليَهُودَ قَوْمٌ بُهْتٌ (٤)، وإنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي. يَبْهَتُونِي عِنْدَكَ، فَأَرْسِلْ إِلَيْهِمْ فَاسْأَلْهُمْ

стр. 823

عَنِّي: أيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ فِيكُمْ؟ قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ ﷺ : "أَيُّ رَجُل عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ فِيكُمْ؟ " قَالُوا: خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا، وَعَالِمُنَا وابْنُ عَالِمَنَا، وَأَفْقَهُنَا وَابْنُ أَفْقَهِنَا. فَقَالَ ﷺ : "أرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ؟ ". قَالُوا: أعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، فَأَعَادَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: مِثْلَ ذَلِكَ. فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ فَقَالَ: أشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. قَالُوا: شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا، وجَاهِلُنَا وَابْنُ جَاهِلِنَا. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ ﵁: هَذَا الذِي كُنْتُ أَتَخَوَّفُ مِنْهُمْ (١). وَنَزَلَ في عَبْدِ اللَّهِ بنِ سَلَامٍ ﵁ قَوْلهُ تَعَالَى مُخَاطِبا الْيَهُودَ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢). * فَضَائِلُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ سَلَامٍ ﵁ -: أخْرَج الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: مَا

стр. 824

سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ لِأَحَدٍ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، إِلَّا لِعَبْدِ اللَّهِ بنِ سَلَامٍ (١)، قَالَ: وَفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ (٢). وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ، والحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِقَصْعَةٍ، فَأَصَبْنَا مِنْهَا، فَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ، فَقَالَ ﷺ : "يَطْلُعُ رَجُلٌ مِنْ هَذَا الفَجِّ (٣) يَكلُ هَذِهِ الْفَضْلةَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ"، فَقَالَ سَعْدٌ: وَكُنْتُ تَرَكْتُ أخِي عُمَيْرًا يَتَطَهَّرُ، فَقُلْتُ: هُوَ أَخِي، فَجَاءَ عَبْدُ اللَّه بنُ سَلَامٍ فَأَكَلَهَا (٤).

стр. 825

وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ يَزِيدَ بنِ عُمَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا حَضَرَ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ ﵁ المَوْتُ، قِيلَ لَهُ: يَا أبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَوْصِنَا، قَالَ: أَجْلِسُونِي، فَقَالَ: إِنَّ العِلْمَ والإِيمَانَ مَكَانَهُمَا، مَنِ ابْتَغَاهُمَا وَجَدَهُمَا -يَقُولُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- فَالْتَمِسُوا العِلْمَ عِنْدَ أرْبَعَةِ رَهْطٍ: عِنْدَ عُوَيْمِرَ أَبِي الدَّرْدَاءَ، وعِنْدَ سَلْمَانَ الفَارِسِيَّ، وعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ، وعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ سَلَامٍ الذِي كَانَ يَهُودِيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّهُ عَاشِرُ عَشَرَةٍ في الجَنَّةِ" (١). وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الحُرِّ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا في حَلَقَةٍ في مَسْجِدِ المَدِينَةِ، فِيهَا شَيْخٌ حَسَنُ الهَيْئَةِ، وهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُمْ حَدِيثًا حَسَنًا، فَلَمَّا قَامَ، قَالَ القَوْمُ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إلى هَذَا، قَالَ: قُلْتُ: وَاللَّهِ لَأَتْبعَنَّهُ فَلَأَعْلَمَنَّ مَكَانَ بَيْتَهُ، قَالَ: فتَبِعْتُهُ، فَانْطَلَقَ حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ المَدِينَةِ، ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لِي، فَقَالَ: مَا حَاجَتُكَ يَا ابْنَ أَخِي؟ قُلْتُ: إنِّي سَمِعْتُ القَوْمَ يَقُولُونَ لَكَ، لَمَّا قُمْتَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إلى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إلى هَذَا، فأَعْجَبَنِي أَنْ أَكُونَ مَعَكَ، قَالَ: اللَّهُ أعْلَمُ

стр. 826

بِأَهْلِ الجَنَّةِ (١)، وَسَأُحَدِّثُكَ مِمَّ قَالُوا ذَاكَ، إنِّي بَيْنَمَا أنْا نَائِمٌ، إِذْ أَتَانِي رَجُلٌ، فَقَالَ لِي: قُمْ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَإِذَا أنْا بَجَوَادَّ (٢) عَنْ شِمَالِي، فَأَخَذْتُ لآخُذَ فِيهَا، فَقَالَ لِي: لَا تَأْخُذْ فِيهَا، فَإِنَّها طُرُقُ أصْحَابِ الشِّمَالِ، قَالَ: فَإِذَا جَوَادٌّ مَنْهَجٌ (٣) عَنْ يَمِينِي، قَالَ لِي: خُذْ هَاهُنَا، فَأَتَى بِي جَبَلًا، فَقَالَ لِي: اصْعَدْ، فَجَعَلْتُ إِذَا أرَدْتُ أَنْ أَصْعَدَ، خَرَرْتُ عَلَى إسْتِي (٤) حَتَّى فَعَلْتُهُ مِرَارًا، ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى أَتَى بِي عَمُودًا، رَأْسُهُ في السَّمَاءِ، وأسْفَلُهُ في الأَرْضِ، وَفِي أَعْلَاهُ حَلَقَةٌ، فَقَالَ لِي: اصْعَدْ فَوْقَ هَذَا، فَقُلْتُ: كَيْفَ أصْعَدُ هَذَا، وَرَأْسُهُ في السَّمَاءَ؟ فَأَخَذَ بِيَدِي فزَحَلَ (٥) بِي، فَإِذَا أنْتا مُتَعَلِّقٌ بِالحَلَقَةِ، ثُمَّ ضَرَبَ العَمُودَ، فَخَرَّ (٦)، وبَقِيتُ مُتَعَلِّقًا بِالحَلَقَةِ حَتَّى أصْبَحْتُ، فَأتيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ ﷺ : "أَمَّا الطَّرِيقُ الذِي رَأَيْتَ عَنْ يَسَارِكَ، فَهِيَ طَرِيقُ أصْحَابِ الشِّمَالِ، وَأَمَّا الطَّرِيقُ الذِي رَأَيْتَ عَنْ يَمِينِكَ، فَهِيَ طَرِيقُ أصْحَابِ اليَمِينِ (٧)، وَأَمَّا الجَبَلُ فَهُوَ مَنَازِلُ الشُّهَدَاءَ، وَلَنْ تَنَالَهُ، وأَمَّا العَمُودُ

стр. 827

فَهُوَ عَمُودُ الإِسْلَامِ، وَأَمَّا العُرْوَةُ فَهِيَ عُرْوَةُ الإِسْلَامِ، وَلَنْ تَزَالَ مُسْتَمْسِكًا بِهَا حَتَّى تَمُوتَ" (١) * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وفي الحَدِيثِ: ١ - مَنْقَبَةٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بنِ سَلَامٍ ﵁. ٢ - وفِيهِ مِنْ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا مَعْرِفَةُ اخْتِلَافِ الطُّرُقِ. ٣ - وَفِيهِ تَأْوِيلُ العَمُودِ وَالجَبَلِ وَالرَّوْضَةِ الخَضْرَاءِ وَالعُرْوَةِ. ٤ - وَفِيهِ مِنْ أعْلَامِ النُّبُوَّةِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ سَلَامٍ ﵁ لَا يَمُوتُ شَهِيدًا فَوَقَعَ كَذَلِكَ، مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ في أوَّلِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ ﵁ بِالمَدِينَةِ (٢). وتُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ ﵁ بِالمَدِينَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ مِنَ الهِجْرَةِ في خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵁ (٣).

стр. 828

شِرَاءُ عُثْمَانَ ﵁ لِبئْرِ رُومَةَ (١) أخْرَجَ البَغَوِيُّ في مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بنِ بَشِيم الأَسْلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ المَدِينَةَ اسْتَنْكَرُوا المَاءَ، وَكَانَتْ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ عَيْنٌ يكالُ لَهَا: رُومَةَ، وَكَانَ يَبِيعُ مِنْهَا القِرْبَةَ (٢) بِمُدٍّ (٣) فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "تَبِيعُنِيهَا بِعَيْنٍ (٤) في الجَنَّةِ؟ ". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ لِي وَلَا لِعِيَالِي غَيْرُهَا، فبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانُ ﵁ فَاشْترَاهَا بِخَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أتجْعَلُ لِي فِيهَا مَا جَعَلْتَ له؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ عُثْمَانُ: قَدْ جَعَلْتُهَا لِلْمُسْلِمِينَ (٥). وفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ في جَامِعِهِ، والطَّحَاوِيِّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ، والإِمَامِ أَحْمَدَ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، ولَيْسَ بِهَا مَاءٌ يُسْتَعْذَبُ غَيْرُ بِئْرِ رُومَةَ، فَقَالَ

стр. 829

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةٍ، فَيَجْعَلَ دَلْوُهُ مَعَ دِلَاءِ المُسْلِمِينَ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا في الجَنَّةِ"، فَاشْترَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي (١). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ حَفَرَ رُومَةَ فَلَهُ الجَنَّة" فَحَفَرْتُهَا (٢). قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: هَذَا وَهْمٌ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ، وَالمَعْرُوفُ أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ اشْتراهَا لَا أَنَّهُ حَفَرَهَا. وَقَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: هُوَ المَشْهُورُ في الرِّوَايَاتِ فَقَدْ أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بنِ أَبِي أُنيْسَةَ عَنْ أَبِي إسْحَاقَ فَقَالَ فِيهِ: هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رُومَةَ لَمْ يَكُنْ يُشْرَبُ مِنْ مَائِهَا إِلَّا بِالثَّمَنِ، لَكِنْ لَا يَتَعَيَّنُ الوَهْمُ، فَقَدْ أخْرَجَ البَغَوِيُّ في مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ (٣) مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بنِ بَشِيرٍ الأَسْلَمِيِّ عَنْ أبِيهِ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ المَدِينَةَ. . . -الحَدِيثَ نَفْسَهُ الذِي ذَكَرتُهُ قَبْلَ قَلِيلٍ-. . . ثُمَّ قَالَ الحَافِظُ: وَإِنْ كَانَتْ أَوَّلًا عَيْنًا فَلا مَانِعَ أَنْ يَحْفِرَ فِيهَا عُثْمَانُ ﵁ بِئْرًا، وَلَعَلَّ العَيْنَ كَانَتْ تَجْرِي إلى بِئْرٍ فَوَسَّعَهَا، وطَوَاهَا فَنُسِبَ حَفْرُهَا إِلَيْهِ (٤).

стр. 830

زِيَادَةُ الصَّلَاةِ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ (١)، ثُمَّ هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ ففُرِضَتْ أَرْبَعًا، وَتُرِكَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الأُولَى (٢). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كان أوَّلُ مَا افترِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فيها الصَّلَاةُ: رَكعَتَانِ رَكْعَتَانِ (٣)، إِلَّا المَغْرِبَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أتمَّ اللَّهُ الظُّهْرَ والعَصْرَ والعِشَاءَ الآخِرَةَ أَرْبَعًا في الحَضَرِ، وَأَقَرَّ الصَّلَاةَ عَلَى فَرْضِهَا لأَوَّلِ في السَّفَرِ (٤). قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَالِذي يَظْهَرُ لِي، وَبِهِ تَجْتَمعُ الأَدِلَّةُ أَنَّ الصَّلَوَاتِ فُرِضَتْ لَيْلَةَ الإِسْرَاءِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إِلَّا المَغْرِبَ، ثُمَّ زِيدَتْ بَعْدَ الهِجْرَةِ إِلَّا

стр. 831

الصُّبْحَ، كَمَا رَوَى ذَلِكَ ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: فُرِضَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ والحَضَرِ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا أقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ، زِيدَ في صَلَاةِ الحَضَرِ رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ، وتُرِكَتْ صَلَاةُ الفَجْرِ لِطُولِ القِرَاءَةِ، وصَلَاةُ المَغْرِبِ لأنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ (١). * * *

стр. 832

خَوْفُ الرَّسُولِ ﷺ أَنْ تَعْرَى (١) المَدِينَةُ ولَمَّا اسْتَقَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، أَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ (٢) أَنْ يَتْرُكُوا ديَارَهُمْ، وكَانَتْ في أطْرَافِ المَدِينَةِ، بَعِيدَةً عَنِ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، ويَقْتَرِبُوا مِنَ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، فَخَشِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَعْرَى المَدِينَةُ، فَنَهَاهُمْ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِم في صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: كَانَتْ ديَارُنَا نَائِيَةً (٣) عَنِ المَسْجِدِ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَبِيعَ بُيُوتَنَا، فنَقْتَرِبَ مِنَ المَسْجِدِ، فنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: "إِنَّ لَكُمْ بِكُلِّ خُطْوةٍ دَرَجَةٌ" (٤). وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: أَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَتَحَوَّلُوا إلى قُرْبِ المَسْجِدِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "يَا بَنِي سَلِمَةَ! دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ" (٥)، فَقَالُوا: مَا كَانَ

стр. 833

يَسُرُّنَا أَنَّا كُنَّا تَحَوَّلْنَا (١). وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى في بَنِي سَلِمَةَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ (٢). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وفِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - أَنَّ أعْمَالَ البِرِّ إِذَا كَانَتْ خَالِصَةً تكتَبُ آثارُهَا حَسَنَاتٍ. ٢ - وَفيهِ اسْتِحْبَابُ السُّكْنَى قُرْبَ المَسْجِدِ إِلَّا لِمَنْ حَصَلَتْ بِهِ مَنْفَعَةٌ أُخْرَى، أَوْ أَرَادَ تَكْثِيرَ الأَجْرِ بِكَثْرَةِ المَشْي مَا لَمْ يَحْمِلْ عَلَى نَفْسِهِ. ٣ - وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ اسْتِحْبَابَ قَصْدِ المَسْجِدِ البَعِيدِ، وَلَوْ كَانَ بِجَنْبِهِ مَسْجِدٌ قَرِيبٌ، وإِنَّمَا يَتِمُّ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَهَابِهِ إلى البَعِيدِ هَجْرُ القَرِيبِ، وإِلَّا فَإِحْيَاؤُهُ بِذِكْرِ اللَّهِ أَوْلَى، وَكَذَا إِذَا كَانَ في المَسْجِدِ البَعِيدِ مَانِعٌ مِنَ الكَمَالِ كَأَنْ يَكُونَ إِمَامُهُ مُبْتَدِعًا (٣).

стр. 834

عِدَاءُ اليَهُودِ لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ كَانَ فِيهَا يَهُود، وَكَانُوا ثَلَاثَ قبائِلَ مَشْهُورَةً: بَنُو قَيْنقاعَ، وَكَانُوا حُلفاءَ الخَزْرَجِ، وَكَانَتْ دِيَارُهُمْ دَاخِلَ المَدِينَةِ، وبَنُو النَّضِيرِ، وبَنُو قُرَيْظَةَ، وَكَانُوا حُلفاءَ الأَوْسِ، وَكَانَتْ دِيَارُهُمْ في عَوَالِي المَدِينَةِ. وَكَانَتْ هَذِهِ القَبَائِلُ اليَهُودِيَّةُ هِيَ التِي كَانَتْ تُثِيرُ الحُرُوبَ بَيْنَ الأَوْسِ والخَزْرَجِ، وَقَدْ كَانَ اليَهُودُ يَسْتَفْتِحُونَ (١) عَلَى الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَبْعَثِهِ ﷺ كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ في بَدْءِ إسْلَامِ الأَنْصَارِ- فَلَمَّا بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ العَرَبِ كَفَرُوا بِهِ، وَجَحَدُوا مَا كَانُوا يَقُولُونَ فِيهِ. أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ سَلَمَةَ بنِ سَلَامَةَ بنِ وَقْشٍ ﵁ وَكَانَ مِنْ أصْحَابِ بَدْرٍ- قَالَ: كَانَ لَنَا جَارٌ مِنْ يَهُودٍ في بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، قَالَ: فَخَرَجَ عَلَيْنَا يَوْمًا مِنْ بَيتهِ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ بِيَسِيرٍ، فَوَقَفَ عَلَى مَجْلِسِ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، قَالَ سَلَمَةُ: وأَنا يَوْمَئِذِ أحْدَثُ (٢) مَنْ فِيهِ سِنًّا، عَلَيَّ بُرْدَةٌ (٣)

стр. 835

مُضْطَجِعًا فِيهَا بِفِنَاءِ (١) أهْلِي، فَذَكَرَ البَعْثَ والقِيَامَةَ وَالحِسَابَ وَالمِيزَانَ والجَنَّةَ والنَّارَ، فَقَالَ ذَلِكَ لِقَوْمٍ أَهْلِ شِرْكٍ، أصْحَابَ أوْثَانٍ لَا يَرَوْنَ أَنَّ بَعْثًا كَائِنٌ بَعْدَ المَوْتِ، فَقَالُوا له: وَيْحَكَ يَا فُلانُ، تَرَى هَذَا كَائِنًا أَنَّ النَّاسَ يبعَثُونَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ إلى دَارٍ فِيهَا جَنَّةٌ وَنَارٌ، يُجْزَوْنَ فِيهَا بِأَعْمَالِهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ وَالذِي يُحْلَفُ بِهِ لَوَدَّ أَنَّ لَهُ بِحَظِّهِ مِنْ تِلْكَ النَّارِ أعْظَمُ تَنُّورٍ في الدُّنْيَا يُحَمُّونَهُ، ثُمَّ يدْخِلُونَهُ إيَّاهُ فيطْبَقُ بِهِ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَنْجُو مِنْ تِلْكَ النَّارِ غَدًا. قَالُوا له: وَيْحَكَ وَمَا آيَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَبِيٌّ ويُبْعَثُ مِنْ نَحْوِ هَذِهِ البِلَادِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ مَكَّةَ وَاليَمَنِ. قَالُوا: وَمَتَى تَرَاهُ؟ قَالَ: فنَظَرَ إِلَيَّ وَأَنَا مِنْ أحْدَثِهِمْ سِنًّا، فَقَالَ: إِنْ يَسْتَنْفِدْ (٢) هَذَا الغُلَامُ عُمُرَهُ يُدْرِكْهُ. قَالَ سَلَمَةُ: فَوَاللَّهِ مَا ذَهَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ وَهُوَ حَيٌّ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَآمَنَّا بِهِ، وَكَفَرَ بِهِ بَغْيًا وَحَسَدًا. فَقُلْنَا: وَيْلَكَ يَا فُلَانُ! أَلسْتَ بِالذِي قُلْتَ لَنَا فِيهِ مَا قُلْتَ؟ قَالَ: بَلَى وَلَيْسَ بِهِ (٣).

стр. 836

قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاس ﵄ أَنَّ مُعَاذَ بنَ جَبَل، وبِشْرَ بنَ البَرَاءِ بنَ مَعْرُورٍ ﵄ قَالَا لِيَهُودٍ: يَا مَعْشَرَ يَهُودٍ، اتَّقُوا اللَّه وَأَسْلِمُوا، فَقَدْ كُنتمْ تَسْتَفْتِحُونَ عَلَيْنَا بِمُحَمَّدٍ ﷺ ونَحْنُ أَهْلَ شِرْكٍ، وتُخْبِرُونَنَا أَنَّهُ مَبْعُوثٌ، وَتَصِفُونَهُ لَنَا بِصِفَتِهِ. فَقَالَ سَلامُ بنُ مِشْكَمٍ، أحَدُ بَنِي النَّضِيرِ: مَا جَاءَنَا بِشَيْءٍ نَعْرِفه، وَمَا هُوَ بِالذِي كُنَّا نَذْكُرُهُ لَكُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى في ذَلِكَ مِنْ قَوْلهِمْ: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (١). وَقَالَ رافِعُ بنُ حُريْمِلَةَ، وَوَهْبُ بنُ يَهُوذَا: مَا قُلْنَا لَكُمْ هَذَا قَطُّ، ومَا أنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ بَعْدَ مُوسَى، وَلَا أرْسَلَ بَشِيرًا وَلَا نَذِيرًا بَعْدَهُ، فَاَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى في ذَلِكَ مِنْ قَوْلهِمَا: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ (٢) مِنَ

стр. 837

الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١). قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: قَالَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بنِ أخْطَبَ ﵂: كُنْتُ أَحَبَّ وَلَدِ أَبِي إِلَيْهِ، وَإِلَى عَمِّي أَبِي يَاسِرٍ، لَمْ ألقهُمَا قَطُّ مَعَ وَلَدٍ لَهُمَا إِلَّا أخَذَانِي دُونَهُ. قَالَتْ: فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، ونَزَلَ قبَاءَ، في بَنِي عَمْرِو بنِ عَوْفٍ، غَدَا (٢) عَلَيْهِ أَبِي، حُيَيُّ بنُ أخْطَبٍ (٣)، وعَمِّي أَبُو يَاسِرِ بن أَخْطَبٍ (٤)، مُغَلِّسَيْنِ (٥). قَالَتْ: فَلَمْ يَرْجِعَا حَتَّى كَانَا مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. قَالَتْ: فَأَتَيَا كَالَّيْنِ (٦) كَسْلَانَيْنِ سَاقِطَيْنِ يَمْشِيَانِ الهُوَيْنَى (٧). قَالَتْ: فَهَشَشْتُ (٨) إلَيْهِمَا كَمَا كُنْتُ

стр. 838

أصْنَعُ، فَوَاللَّهِ مَا التَفَتَ إِلَيَّ واحد مِنْهُمَا، مَعَ مَا بِهِمَا مِنَ الغَمِّ. قَالَتْ: وسَمِعْتُ عَمِّي أبَا يَاسِرٍ، وهُوَ يَقُولُ لِأَبِي حييِّ بنِ أخْطَبٍ: أهُوَ هُو؟ قَالَ: نَعَمْ وَاللَّهِ، قَالَ: أتعْرِفه وتُثْبِتُهُ؟ . قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا في نَفْسِكَ مِنْهُ؟ قَالَ: عَدَاوَتُهُ وَاللَّهِ مَا بَقِيتُ (١). * مُجَاهَرَةُ اليَهُودِ بِالعِدَاءِ وَبَعْضُ أخْبَارِهِمْ: لَمَّا رَأَى اليَهُودُ انْتِشَارَ الإِسْلَامِ في المَدِينَةِ حَتَّى لَمْ تبقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الأَنْصَارِ إِلَّا أَسْلَمَ أَهْلُهَا، أظْهَرُوا الحِقْدَ والحَسَدَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ونَصَبُوا العَدَاوَةَ له وَلِأَصْحَابِهِ. وانْضَافَ إِلَيْهِمْ رِجَالٌ مِنَ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ، مِمَّنْ كَانَ عَسَا (٢) عَلَى جَاهِلِيَّتهِ، فَكَانُوا أَهْلَ نِفَاقٍ (٣) عَلَى دِينِ آبَائِهِمْ مِنَ الشِّرْكَ والتَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ، إِلَّا أَنَّ الإِسْلَامَ قَهَرَهُمْ بِظُهُوره، واجْتِمَاعِ قَوْمِهِمْ عَلَيْهِ، فتَظَاهَرُوا بِالإِسْلَامِ، واتَّخَذُوهُ جُنَّةً (٤) مِنَ القَتْلِ، ونَافَقُوا في السِّرِّ، وَكَانَ هَوَاهُمْ مَعَ يَهُودٍ لِتَكْذِيبِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ وَجُحُودِهِمُ الإِسْلَامَ (٥).

стр. 839

* أشَدُّ يَهُودٍ عَدَاوَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: فَمِنْ هَؤُلَاءَ اليَهُودِ الذِينَ نَصَبُوا العَدَاوَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحَابِهِ، وَكَانُوا أَشَدَّ النَّاسِ كَيْدًا: حُيَيُّ بنُ أخْطَب وأَخُوهُ أَبُو يَاسِرٍ، وَسَلامُ بنُ مِشْكَمٍ، وَكِنَانَةُ بنُ الرَّبِيعِ، وكَعْبُ بنُ الأَشْرَفِ، وكَعْبُ بنُ أَسَدٍ، وعَمْرُو بنُ جَحَّاشٍ، ورِفَاعَةُ بنُ يَزِيدَ بنِ التَّابُوتِ (١). ومِنْهُمْ: ابنُ صَلُوبَا الفَطْيُونِيُّ الذِي قَالَ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ : يا مُحَمَّدُ! مَا جِئتنَا بِشَيْءٍ نَعْرِفهُ، ومَا أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنْ آيَةٍ بينة فنَتْبَعَكَ لَهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى في ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ (٢) وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ (٣). ومِنْهُمْ رَافِعُ بنُ حُرَيْمِلَةَ، وَوَهْبُ بنُ زَيْدٍ، قَالَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا مُحَمَّدُ!

стр. 840

ائْتِنَا بِكِتَابٍ تُنْزِله عَلَيْنَا مِنَ السَّمَاءَ نَقْرَؤُهُ، وَفَجِّرْ لَنَا أنْهَارًا نتبَعُكَ وَنُصَدِّقُكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ مِنْ قَوْلهِمَا: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (١). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الَايَةِ: والمُرَادُ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذَمَّ مَنْ سَأَلَ الرَّسُولَ ﷺ عَنْ شَيءٍ، عَلَى وَجْهِ التَّعَنُّتِ وَالِاقْتِرَاحِ، كَمَا سَألَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ مُوسَى ﵇، تَعَنُّتًا وتَكْذِيبًا وَعِنَادًا (٢). ومِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بنُ صُورِيَا الأَعْوَرُ (٣)، وَقَدْ كَانَ مِنْ أحْبَارِ اليَهُودِ ورُؤَسَائِهِمْ، ذَكَرَ ابنُ إسْحَاقَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَلَّمَ رُؤَسَاءَ يَهُودٍ، فِيهِمْ: عَبْدُ اللَّهُ بنُ صُورِيَا، وَكَعْبُ بنُ أَسَدٍ (٤)، فَقَالَ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ يَهُودٍ! اتَّقُوا اللَّه وَأَسْلِمُوا، فَوَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّ الذِي جِئْتُكُمْ بِهِ لَحَقٌّ. قَالُوا: مَا نَعْرِفُ ذَلِكَ يَا مُحَمَّدُ، فَجَحَدُوا مَا عَرَفُوا، وأصَرُّوا عَلَى الكُفْرِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ

стр. 841

السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (١). وَأَخْرَجَ البُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا يَهُودَ فَسَألهُمْ عَنْ شَيْءٍ فكتَمُوهُ إيَّاهُ، وأخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ، فَأَرَوْهُ أَنْ قَدِ اسْتَحْمَدُوا إِلَيْهِ بِمَا أخْبَرُوهُ عَنْهُ فِيمَا سَألهُمْ، وَفَرِحُوا بِمَا أُوتُوا مِنْ كِتْمَانِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: هَذَا تَوْبِيخٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَتَهْدِيدٌ لِأَهْلِ الكِتَابِ، الذِينَ أُخِذَ عَلَيْهِمُ العَهْدُ عَلَى ألْسِنَةِ الأَنْبِيَاءِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، وَأَنْ يُنَوِّهُوا (٣) بِذِكْرِهِ في النَّاسِ لِيَكُوُنوا عَلَى أُهْبَةٍ (٤) مِنْ أمْرِهِ، فَإِذَا أرْسَلَهُ اللَّهُ تَابَعُوهُ، فكتَمُوا ذَلِكَ وتَعَوَّضُوا عَمَّا وَعَدُوا عَلَيْهِ مِنَ الخَيْرِ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ بِالدُّونِ الطَّفِيفِ، والحَظِّ الدُّنْيَوِيِّ السَّخِيفِ، فَبِئْسَتِ الصَّفْقَةُ صَفْقَتُهُمْ، وبِئْسَتِ البَيْعَةُ بَيْعَتُهُمْ.

стр. 842

وفِي هَذَا تَحْذِيرٌ لِلْعُلَمَاءِ أَنْ يَسْلُكُوا مَسْلَكَهُمْ فيصِيبَهُمْ مَا أصَابَهُمْ، ويُسْلَكَ بِهِمْ مَسْلَكَهُمْ، فَعَلَى العُلَمَاءِ أَنْ يبذُلُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ العِلْمِ النَّافِعِ، الدَّالِّ عَلَى العَمَلِ الصَّالِحِ، وَلَا يَكْتُمُوا مِنْهُ شَيْئًا، فَقَدْ وَرَدَ في الحَدِيثِ المَرْوِيِّ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فكتَمَهُ، أُلْجِمَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ" (١). وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ لِفِنْحَاصٍ (٢) -وكَانَ مِنْ عُلَمَاءِ اليَهُودِ وأحْبَارِهِمْ-: اتَّقِ اللَّه وَأَسْلِمْ، فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، جَاءَكُمْ بِالحَقِّ مِنْ عِنْدِهِ، تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ في التَّوْرَاةِ والإِنْجِيلَ. فَقَالَ فِنْحَاصٌ: يَا أبَا بَكْرٍ، وَاللَّهِ مَا بِنَا إلى اللَّهِ مِنْ فَقْرٍ، وإنَّهُ إلَيْنَا لَيَفْتَقِرُ، وَمَا نتضَرَّعُ إِلَيْهِ كَمَا يتضَرَّعُ إلَيْنَا، وَإِنَّا عَنْهُ لَأَغْنِيَاءُ، ولَوْ كَانَ عَنَّا غَنِيًّا لمَا اسْتَقْرَضَنَا أمْوَالَنَا كَمَا يَزْعُمُ صَاحِبُكُمْ (٣)، يَنْهَاكُمْ عَنِ الرِّبَا ويُعْطِينَاهُ! ولَوْ كَانَ عَنَّا غَنِيًّا مَا أعْطَانَا الرِّبَا.

стр. 843

فَغَضِبَ أَبُو بَكْرٍ، فَضَرَبَ وَجْهَ فِنْحَاصٍ، فَأَخْبَرَ فِنْحَاصٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ: "مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ " فَأْخَبَرُه، فَجَحَدَ ذَلِكَ فِنْحَاصٌ، وَقَالَ: مَا قُلْتُ ذَلِكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ (١). * قَصْدُهُمُ الفِتْنَةَ: قَالَ ابنُ إسْحَاقٍ: قَالَ كَعْبُ بنُ أَسَدٍ، وابْنُ صَلُوبَا، وعَبْدُ اللَّهِ بنُ صُورِيَا، وشَأْسُ بنُ قَيْسٍ، بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا بِنَا إلى مُحَمَّدٍ؛ لَعَلَّنَا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينهِ، فَإِنَّمَا هُوَ بَشَرٌ، فَأتوْهُ، فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ أَنَّا أحْبَارُ (٢) يَهْودٍ وأشْرَافُهُمْ وسَادَاتُهُمْ، واَّنا إنِ اتبعناك اتَّبعَتْكَ يَهُودٌ، وَلَمْ يُخَالِفُونَا، وَأَنَّ بَيْنَنَا وبَيْنَ بَعْضِ قَوْمِنَا خُصُومَةٌ، أفنحَاكِمُهُمْ إِلَيْكَ فتَقْضِي لَنَا عَلَيْهِمْ، ونُؤْمِنُ بِكَ ونُصَدِّقُكَ؟ فَأبى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللَّه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ

стр. 844

تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا (١) لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٢). وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ اليَهُودِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعَالَوْا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وأصْحَابِهِ غُدْوَةً (٣) ونَكْفُرُ بِهِ عَشِيَّةً (٤)، حَتَّى نُلَبِسَ (٥) عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَصْنَعُونَ كَمَا نَصْنَعُ، ويَرْجِعُونَ عَنْ دِينهِ، فَاَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ (٦) أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ

стр. 845

يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ (١) وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢). * نَهَى اللَّهُ تَعَالَى المُسْلِمِينَ عَنْ مُوَادَّتِهِمْ: قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رِفَاعَةُ بنُ زَيْدِ بنِ التَّابُوتِ، وسُوَيْدُ بنُ الحَارِثِ قَدْ أظْهَرَا الإِسْلَامَ ونَافَقَا، كَانَ رِجَالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُوَادُّونَهُمَا (٣)، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. . .﴾ إلى قوله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ (٤). قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: وَكانَ رِجَالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُوَاصِلُونَ رِجَالًا مِنَ اليَهُودِ، لِمَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنَ الجِوَارِ والحِلْفِ (٥) في الجَاهِلِيَّةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ
следующие страницы →