← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (١). وَأَخْرَجَ البُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا يَهُودَ فَسَألهُمْ عَنْ شَيْءٍ فكتَمُوهُ إيَّاهُ، وأخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ، فَأَرَوْهُ أَنْ قَدِ اسْتَحْمَدُوا إِلَيْهِ بِمَا أخْبَرُوهُ عَنْهُ فِيمَا سَألهُمْ، وَفَرِحُوا بِمَا أُوتُوا مِنْ كِتْمَانِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: هَذَا تَوْبِيخٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَتَهْدِيدٌ لِأَهْلِ الكِتَابِ، الذِينَ أُخِذَ عَلَيْهِمُ العَهْدُ عَلَى ألْسِنَةِ الأَنْبِيَاءِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، وَأَنْ يُنَوِّهُوا (٣) بِذِكْرِهِ في النَّاسِ لِيَكُوُنوا عَلَى أُهْبَةٍ (٤) مِنْ أمْرِهِ، فَإِذَا أرْسَلَهُ اللَّهُ تَابَعُوهُ، فكتَمُوا ذَلِكَ وتَعَوَّضُوا عَمَّا وَعَدُوا عَلَيْهِ مِنَ الخَيْرِ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ بِالدُّونِ الطَّفِيفِ، والحَظِّ الدُّنْيَوِيِّ السَّخِيفِ، فَبِئْسَتِ الصَّفْقَةُ صَفْقَتُهُمْ، وبِئْسَتِ البَيْعَةُ بَيْعَتُهُمْ.

стр. 842

وفِي هَذَا تَحْذِيرٌ لِلْعُلَمَاءِ أَنْ يَسْلُكُوا مَسْلَكَهُمْ فيصِيبَهُمْ مَا أصَابَهُمْ، ويُسْلَكَ بِهِمْ مَسْلَكَهُمْ، فَعَلَى العُلَمَاءِ أَنْ يبذُلُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ العِلْمِ النَّافِعِ، الدَّالِّ عَلَى العَمَلِ الصَّالِحِ، وَلَا يَكْتُمُوا مِنْهُ شَيْئًا، فَقَدْ وَرَدَ في الحَدِيثِ المَرْوِيِّ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فكتَمَهُ، أُلْجِمَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ" (١). وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ لِفِنْحَاصٍ (٢) -وكَانَ مِنْ عُلَمَاءِ اليَهُودِ وأحْبَارِهِمْ-: اتَّقِ اللَّه وَأَسْلِمْ، فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، جَاءَكُمْ بِالحَقِّ مِنْ عِنْدِهِ، تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ في التَّوْرَاةِ والإِنْجِيلَ. فَقَالَ فِنْحَاصٌ: يَا أبَا بَكْرٍ، وَاللَّهِ مَا بِنَا إلى اللَّهِ مِنْ فَقْرٍ، وإنَّهُ إلَيْنَا لَيَفْتَقِرُ، وَمَا نتضَرَّعُ إِلَيْهِ كَمَا يتضَرَّعُ إلَيْنَا، وَإِنَّا عَنْهُ لَأَغْنِيَاءُ، ولَوْ كَانَ عَنَّا غَنِيًّا لمَا اسْتَقْرَضَنَا أمْوَالَنَا كَمَا يَزْعُمُ صَاحِبُكُمْ (٣)، يَنْهَاكُمْ عَنِ الرِّبَا ويُعْطِينَاهُ! ولَوْ كَانَ عَنَّا غَنِيًّا مَا أعْطَانَا الرِّبَا.

стр. 843

فَغَضِبَ أَبُو بَكْرٍ، فَضَرَبَ وَجْهَ فِنْحَاصٍ، فَأَخْبَرَ فِنْحَاصٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ: "مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ " فَأْخَبَرُه، فَجَحَدَ ذَلِكَ فِنْحَاصٌ، وَقَالَ: مَا قُلْتُ ذَلِكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ (١). * قَصْدُهُمُ الفِتْنَةَ: قَالَ ابنُ إسْحَاقٍ: قَالَ كَعْبُ بنُ أَسَدٍ، وابْنُ صَلُوبَا، وعَبْدُ اللَّهِ بنُ صُورِيَا، وشَأْسُ بنُ قَيْسٍ، بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا بِنَا إلى مُحَمَّدٍ؛ لَعَلَّنَا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينهِ، فَإِنَّمَا هُوَ بَشَرٌ، فَأتوْهُ، فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ أَنَّا أحْبَارُ (٢) يَهْودٍ وأشْرَافُهُمْ وسَادَاتُهُمْ، واَّنا إنِ اتبعناك اتَّبعَتْكَ يَهُودٌ، وَلَمْ يُخَالِفُونَا، وَأَنَّ بَيْنَنَا وبَيْنَ بَعْضِ قَوْمِنَا خُصُومَةٌ، أفنحَاكِمُهُمْ إِلَيْكَ فتَقْضِي لَنَا عَلَيْهِمْ، ونُؤْمِنُ بِكَ ونُصَدِّقُكَ؟ فَأبى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللَّه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ

стр. 844

تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا (١) لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٢). وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ اليَهُودِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعَالَوْا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وأصْحَابِهِ غُدْوَةً (٣) ونَكْفُرُ بِهِ عَشِيَّةً (٤)، حَتَّى نُلَبِسَ (٥) عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَصْنَعُونَ كَمَا نَصْنَعُ، ويَرْجِعُونَ عَنْ دِينهِ، فَاَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ (٦) أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ

стр. 845

يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ (١) وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢). * نَهَى اللَّهُ تَعَالَى المُسْلِمِينَ عَنْ مُوَادَّتِهِمْ: قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رِفَاعَةُ بنُ زَيْدِ بنِ التَّابُوتِ، وسُوَيْدُ بنُ الحَارِثِ قَدْ أظْهَرَا الإِسْلَامَ ونَافَقَا، كَانَ رِجَالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُوَادُّونَهُمَا (٣)، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. . .﴾ إلى قوله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ (٤). قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: وَكانَ رِجَالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُوَاصِلُونَ رِجَالًا مِنَ اليَهُودِ، لِمَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنَ الجِوَارِ والحِلْفِ (٥) في الجَاهِلِيَّةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ

стр. 846

يَنْهَاهُمْ عَنْ مباطَنَتِهِمْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً (١) مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ (٢) مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (٣). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَاتِ: يَقُولُ ﵎ نَاهِيًا عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّخَاذِ المُنَافِقِينَ بِطَانَةً، أيْ يُطْلِعُونَهُمْ عَلَى سَرَائِرِهِمْ وَمَا يُضْمِرُونَهُ (٤) لِأَعْدَائِهِمْ، والمُنَافِقُونَ بِجُهْدِهِمْ وَطَاقَتِهِمْ لَا يَأْلُونَ المُؤْمِنِينَ خَبَالًا، أيْ: يَسْعَوْنَ في مُخَالفَتِهِمْ ومَا يَضُرُّهُمْ بِكُلِّ مُمْكِنٍ، وبِمَا يَسْتَطِيعُونَهُ مِنَ المَكْرِ والخَدِيعَةِ، ويَوَدُّونَ مَا يُعْنِتُ (٥) المُؤْمِنِينَ ويُخْرِجُهُمْ وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ (٦). * أسْئِلَتُهُمُ الرَّسُولَ ﷺ ومَا نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ فِيهِمْ: وكَانَ اليَهُودُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا لِيَعْرِفُوا الحَقَّ، وَإِنَّمَا تَكَبُّرًا

стр. 847

واسْتِهْزَاءً، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ بَيْنَا أنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَرْثٍ (١) وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَسِيبٍ (٢)، إِذْ مَرَّ اليَهُودُ (٣) فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ؟ فَقَالُوا: مَا رَابَكُمْ (٤) إلَيْه؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَسْتَقْبِلُكُمْ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَقَالُوا: سَلُوهُ، فَسَأَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَأَمْسَكَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ مَقَامِي، فَلَمَّا نَزَلَ الوَحْيُ قَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٥).

стр. 848

فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ قُلْنَا لَكُمْ لَا تَسْأَلُوهُ (١). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - جَوَازُ سُؤَالِ العَالِمِ فِي حَالِ قِيَامِهِ وَمَشْيِهِ إِذَا كَانَ لَا يَثْقُلُ ذَلِكَ عَلَيْهِ. ٢ - وَفيهِ أَدَبُ الصَّحَابَةِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، والعَمَلُ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ. ٣ - وَفِيهِ التَّوَقُّفُ عَنِ الجَوَابِ بِالِاجْتِهَادِ لِمَنْ يَتَوَقَّعُ النَّصَّ. ٤ - وفيهِ أَنَّ بَعْضَ المَعْلُومَاتِ قَدِ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ حَقِيقَةً. ٥ - وَفيهِ أَنَّ الأَمْرَ يَرِدُ لِغَيْرِ الطَّلَبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٢). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدٍ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَتِ اليَهُودُ: أُوتِينَا عِلْمًا كَثِيرًا، أُوتِينَا التَّوْرَاةَ، وَمَنْ أُوتِيَ التَّوْرَاةَ،

стр. 849

فَقَدْ أُوْتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾ (١). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ: لَوْ كَانَ مَاءُ البَحْرِ مِدَادًا (٢) لِلْقَلَمِ الذِي تُكْتَبُ بِهِ كَلِمَاتُ رَبِّي وَحِكَمُهُ وآيَاتُهُ الدَّالَّةُ عَلَيْهِ ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾ أيْ لفَرَغَ البَحْرُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَغَ مِنْ كِتَابَةِ ذَلِكَ ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ﴾ أيْ بِمِثْلِ البَحْرِ آخَرٌ، ثُمَّ آخَرٌ، وَهَلُمَّ جَرًّا، بُحُورٌ تُمِدُّهُ ويُكْتَبُ بِهَا، لَمَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ (٣). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَده، والطَّيَالِسِيُّ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: حَضَرَتْ عِصَابَةٌ (٤) مِنَ اليَهُودِ يَوْمًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالُوا: يَا أبَا القَاسِمِ، حَدِّثْنَا عَنْ خِلَالٍ (٥) نَسْأَلُكَ عَنْهَا، لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا نَبِيٌّ. فَقَالَ ﷺ : "سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ، وَلَكِنِ اجْعَلُوا لِي ذِمَّةَ اللَّهِ (٦)، ومَا أَخَذَ يَعْقُوبُ ﵇ عَلَى بَنِيهِ، لَئِنْ أَنَا حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا فَعَرَفْتُمُوهُ، لَتُتَابِعُنِّي عَلَى الإِسْلَامِ".

стр. 850

قَالُوا: فَذَلِكَ لَكَ. قَالَ: "فَسَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ". قَالُوا: أخْبِرْنَا عَنْ أرْبَعِ خِلَالٍ نَسْأَلُكَ عَنْهَا: أخْبِرْنَا عَنِ الطَّعَامِ الذِي حَرَّمَ إسْرَائِيلُ (١) عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ، وَأَخْبِرْنَا عَنْ مَاءَ المَرْأَةِ مِنْ مَاءَ الرَّجُلِ، وكَيْفَ يَكُونُ مِنْهُ الذَّكَرُ حَتَّى يَكُونَ ذَكَرًا، وَكَيْفَ تَكُونُ مِنْهُ الأُنْثَى حَتَّى تَكُونَ أُنْثَى، وأَخْبِرْنَا كَيْفَ هَذَا النَّبِيُّ فِي النَّوْمِ، وَمَنْ وَليُّكَ مِنَ المَلَائِكَةِ؟ قَالَ ﷺ : "فَعَلَيْكُمْ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ لَئِنْ أنا حَدَّثْتُكُمْ لَتبايِعُنِّي؟ " فَأَعْطَوهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ. قَالَ ﷺ : "أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ إسْرَائِيلَ يَعْقُوبَ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا (٢)، وَطَالَ سُقْمُهُ (٣)، فنذَرَ للَّهِ نَذْرًا لَئِنْ

стр. 851

شَفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ سُقْمِهِ، لَيُحَرِّمَنَّ أحَبَّ الشَّرَابِ إِلَيْهِ، وَأَحَبَّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ، وَكَانَ أحَبُّ الشَّرَابِ إِلَيْهِ أَلْبَانُ الإِبِلِ، وَأَحَبُّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ لُحْمَانُ الإِبِلِ؟ ". قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَيْهِمْ". قَالَ: "فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، الذِي أنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى: هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ مَاءَ الرَّجُلِ غَلِيظ أَبْيَضُ، وَأَنَّ مَاءَ المَرْأَةِ رَقِيق أصْفَرُ، فَأَيُّهُمَا عَلَا كَانَ لَهُ الوَلَدُ وَالشِّبَهُ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَإنْ عَلَا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ المَرْأَةِ كَانَ ذَكَرًا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَإنْ عَلَا مَاءُ المَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ كَانَتْ أُنْثَى بِإِذْنِ اللَّهِ؟ ". قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَيْهِمْ". قَالَ: "فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الذِي أنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ تَنَامُ عَيْنَاهُ، وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ؟ " (١).

стр. 852

قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ ﷺ : "اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَيْهِمْ". قَالُوا: أَنْتَ الآنَ، حَدِّثْنَا: مَنْ وَليُّكَ مِنَ المَلَائِكَةِ؟ فَعِنْدَهَا نُجَامِعُكَ أَوْ نُفَارِقُكَ. قَالَ: "وَلِيِّي جِبْرِيلُ، وَلَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ ، نَبِيًّا قَطُّ إِلَّا وَهُوَ وَلِيُّهُ". قَالُوا: فَعِنْدَهَا نُفَارِقُكَ، لَوْ كَانَ وَليُّكَ غَيْرُهُ مِنَ المَلَائِكَةِ لَبَايَعْنَاكَ وَصَدَّقْنَاكَ. قَالَ: "فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُصَدِّقُوهُ؟ " قَالُوا: إِنَّهُ عَدُوُّنَا مِنَ المَلَائِكَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (١) إِلَى آخِرِ الآيَةِ، ونَزَلَتْ: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ (٢). * اسْتِفْتَاؤُهُمُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ حُكْمِ الرَّجْمِ: أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: إِنَّ اليَهُودَ جَاؤُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا له أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا،

стр. 853

فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟ ". فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ ويُجْلَدُونَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ ﵁ وهُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : كَذَبْتُمْ، إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ، فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ ﵁: ارْفَعْ يَدَكَ فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ. قَالوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، فِيهَا آيَة الرَجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فرجِمَا (١). وفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، والإِمَامُ أَحْمَدُ فِي المُسْنَدِ مِنْ حَدِيثِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: مُرَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِيَهُودِي مُحَمَّمٍ (٢) مَجْلُودٍ، فَدَعَاهُمْ، فَقَالَ: "أَهَكَذَا تَجدُونَ حَدَّ الزِّنَى فِي كِتَابِكُمْ؟ ". فَقَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ، فَقَالَ: "أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ الذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزِّنَى فِي كِتَابِكُمْ؟ ".

стр. 854

فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، وَلَوْلَا أَنَّكَ أنْشَدْتَنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُ حَدَّ الزِّنَى فِي كِتَابِنَا الرَّجْمَ، ولَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أشْرَافِنَا، فَكُنَّا إِذَا أخَذْنَا الشَّرِيفَ، تركْنَاهُ، وَإِذَا أخَذْنَا الضَّعِيفَ، أقَمْنَا عَلَيْهِ الحَدَّ، فَقُلْنَا: تَعَالَوْا حَتَّى نَجْعَلَ شَيْئًا نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ والوَضِيعِ، فَاجْتَمَعْنَا عَلَى التَّحْمِيمِ وَالجَلْدِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ إنِّي أوَّلُ مَنْ أحْيَا أمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ". قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ. . .﴾ إلى قوله تَعَالَى: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ (١). يَقُولُونَ: ائْتُوا مُحَمَّدًا، فَإِنْ أفْتَاكُمْ بِالتَّحْمِيمِ وَالجَلْدِ، فَخُذُوهُ، وَإِنْ أفْتَاكُمْ بِالرَّجْمِ، فَاحْذَرُوا. إِلَى قَوله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢). وَقَالَ تَعَالَى في اليَهُودِ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣). قَالَ: هِيَ فِي الكُفَّارِ كُلُّهَا (٤).

стр. 855

قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فَهَذِهِ أحَادِيثٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَكَمَ بِمُوَافَقَةِ حُكْمِ التَّوْرَاةِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الإِلْزَامِ بِمَا يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهُ، لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِاتِّباعِ الشَّرْعِ المُحَمَّدِيِّ لَا مَحَالَةَ، وَلَكِنْ هَذَا بِوَحْيٍ خَاصٍّ مِنَ اللَّهِ ، إِلَيْهِ بِذَلِكَ، وسُؤَالُهُ إيَّاهُمْ عَنْ ذَلِكَ لِيُقَرِّرَهُمْ عَلَى مَا بِأَيْدِيهِمْ، مِمَّا تَرَاضَوْا عَلَى كِتْمَانِهِ وَجَحْدِهِ، وعَدَمِ العَمَلِ بِهِ تِلْكَ الدُّهُورِ الطَّوِيلَةِ، فَلَمَّا اعْترَفُوا بِهِ مَعَ عَمَلِهِمْ عَلَى خِلَافِهِ، بِأَنَّ زَيْغَهُمْ وعِنَادَهُمْ وتَكْذِيبَهُمْ لِمَا يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهُ مِنَ الكِتَابِ الذِي بِأَيْدِيهِمْ، وعُدُولهِمْ إِلَى تَحْكِيمِ الرَّسُولِ ﷺ إِنَّمَا كَانَ عَنْ هَوًى مِنْهُمْ وشَهْوَةٍ لِمُوَافَقَةِ آرَائِهِمْ، لَا لِاعْتِقَادِهِمْ صِحَّةَ. مَا يَحْكُمُ بِهِ؛ لِهَذَا قَالُوا: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا﴾، والتَّحْمِيمَ ﴿فَخُذُوهُ﴾ أي: اقْبَلُوهُ، ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ أيْ: مِنْ قَبُولهِ واتِّبَاعِهِ (١). * سُؤَالُهُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ حُكْمِ الدِّيَةِ: كَمَا سَأَلُوا الرَّسُولَ ﷺ عَنْ حُكْمِ الدِّيَةِ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وأَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَتْ قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ، وَكَانَتِ النَّضِيرُ أشْرَفَ مِنْ قُرَيْظَةَ، قَالَ: وَكَانَ إِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْظَةَ رَجُلًا مِنَ النَّضِيرِ قُتِلَ بِهِ، وَإِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ رَجُلًا مِنْ

стр. 856

قُرَيْظَةَ وُدِيَ (١) مِئَةَ وَسْقٍ (٢) مِنْ تَمْرٍ، فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ قتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ رَجُلًا مِنْ قُرَيْظَةَ، فَقَالُوا: ادْفَعُوهُ إِلَيْنَا نَقْتُلُهُ، فَقَالُوا: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَتَوْهُ فنَزَلَتْ: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ (٣) وَالقِسْطُ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ (٤). وفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ، وأبِي دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٥). قَالَ: كَانَ بَنُو النَّضِيرِ إِذَا قَتَلُوا قَتِيلًا مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، أَدُّوا إِلَيْهِمْ نِصْفَ الدِّيَةِ، وَإِذَا قتَلَ بَنُو قُرَيْظَةَ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ قَتِيلًا، أَدُّوا إلَيْهِمُ الدِّيَةَ كَامِلَة، فَسَوَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمُ الدِّيَةَ (٦).

стр. 857

مَوْقِفُ مُشرِكِي المَدِينَةِ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ - أَقَامَ بَعْضُ أَهْلِ المَدِينَةِ عَلَى شِرْكِهِمْ، وأَبَوْا الدُّخُولَ في الإِسْلَامِ حَتَّى الْتَحَقَ بَعْضُهُمْ بِقُرَيْشٍ وَرَاحَ يُؤَّلِّبُ (١) عَلَى الإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ، ومِنْ أشْهَرِهِمْ أَبُو عَامِرٍ الرَّاهِبُ، وعَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ. أَمَّا أَبُو عَامِرٍ فَهُوَ عَمْرُو بنُ صَيْفِيٍّ أحَدُ بَنِي ضُبَيْعَةَ بنِ زَيْدٍ مِنَ الأَوْسِ، وَهُوَ وَالِدُ حَنْظَلَةَ غَسِيلِ المَلَائِكَةِ، وَكَانَ قَدْ تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَقَرَأَ عِلْمَ أَهْلِ الكِتَابِ، وكَانَ فِيهِ عِبَادَةٌ في الجَاهِلِيَّةِ، ولَهُ شَرَفٌ فِي الخَزْرَجِ كَبِيرٌ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُهَاجِرًا إِلَى المَدِينَةِ، وَاجْتَمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ، وصَارَتِ لِلْإِسْلَامِ كَلِمَة عَالِيَةٌ، وأظْهَرَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ، شَرِقَ -أيْ غَصَّ- اللَّعِينُ أَبُو عَامِرٍ بِرِيقِهِ، وَبَارَزَ بِالعَدَاوَةِ، وَظَاهَرَ بِهَا، وَخَرَجَ فَارًّا إِلَى كُفَّارِ مَكَّةَ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، فَأَلَّبَهُمْ عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَاجْتَمَعُوا بِمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ أحْيَاءِ العَرَبِ، وَقَدِمُوا عَامَ أُحُدٍ، فَكَانَ مِنْ أمْرِ المُسْلِمِينَ مَا كَانَ، وَامْتَحَنَهُمُ اللَّهُ، وَكَانَتِ العَاقِتةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَكَانَ هَذَا الفَاسِقُ قَدْ حَفَرَ حَفَائِرَ فِيمَا بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، فَوَقَعَ فِي إحْدَاهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأُصِيبَ ذَلِكَ اليَوْمَ، فَجُرِحَ فِي وَجْهِهِ

стр. 858

وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ اليُمْنَى السُّفْلَى، وشُجَّ رَأْسُهُ ﷺ ، ومَاتَ هَذَا الرَّجُلُ عَلَى كُفْرِهِ وَشِرْكِهِ لَعَنَهُ اللَّهُ (١) * شَأْنُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ: وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ (٢) لَعَنَهُ اللَّهُ فَهُوَ مِنْ بَنِي الحُبْلَى مِنَ الخَزْرَجِ، وكَانَ مُطَاعًا فِي قَوْمِهِ، لَا يَخْتَلِفُ عَلَيْهِ فِي شَرَفِهِ مِنْ قَوْمِهِ اثْنَانِ، وَلَمْ تَجْتَمعِ الأَوْسُ والخَزْرَجُ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَحَدِ الفَرِيقَيْنِ غَيْرَهُ، وَكَانَ قَوْمُهُ قَدْ نَظَمُوا له الخَرَزَ لِيُتَوِّجُوهُ، ثُمَّ يُمَلِّكُوهُ عَلَيْهِمْ، فَجَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِرَسُولهِ ﷺ وهُمْ عَلَى ذلِكَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَوْمُهُ عَنْهُ إِلَى الإِسْلَامِ ضَغِنَ (٣)، ورَأَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِ اسْتَلَبَهُ مُلْكًا، وَأَقَامَ عَلَى كُفْرِهِ، فَلَمَّا رَأَى قَوْمَهُ قَدْ أَبَوْا إِلَّا الإِسْلَامَ دَخَلَ فِيهِ كَارِهًا مُصِرًّا عَلَى نِفَاقٍ وَضِغْنٍ، وَذَلِكَ بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ الكُبْرَى (٤).

стр. 859

أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَى قَطِيفَةٍ فَدَكِيَّةٍ (١)، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ ﵄ وَرَاءَهُ، يَعُودُ سَعْدَ بنَ عُبَادَةَ ﵁ فِي بَنِي الحَارِثِ بنِ الخَزْرَجِ (٢) قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، حَتَّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ، وذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ (٣) عَبْدُ اللَّهُ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ، فَإِذَا فِي المَجْلِسِ أخْلَاطٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وَالمُشْرِكِينَ عَبَدَةُ الأَوْثَانِ وَاليَهُودِ، وفي الْمَجْلِسِ عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ ﵁، فَلَمَّا غَشِيَتِ المَجْلِسُ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ (٤)، خَمَّرَ (٥) عَبْدُ اللَّهُ بنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ (٦) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ وَقَفَ، فنَزَلَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهُ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ: أيُّهَا المَرْءُ، إِنَّهُ لَا أحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ إِنْ كَانَ حَقًّا، فَلَا تُؤْذِينَا بِهِ فِي مَجَالِسِنَا، ارْجعْ إِلَى رَحْلِكَ فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصُصْ عَلَيْهِ.

стр. 860

فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ ﵁: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ فَاغْشِنَا بِهِ فِي مَجَالِسِنَا فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ. فَاسْتَبَّ المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ واليَهُودُ، حَتَّى كَادُوا يَتَثَاوَرُونَ (١)، فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُخْفِضُهُمْ حَتَّى سَكَنُوا، ثُمَّ رَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ دَابتهُ، فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ ﵁. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا سَعْدُ أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أَبُو حُبابٍ (٢)؟ -يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بنَ أُبَيٍّ- قَالَ: كَذَا كَذَا". فَقَالَ سَعْدٌ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اعْفُ عَنْهُ وَاصْفَحْ عَنْهُ، فَوَالذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ، لَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالحَقِّ الذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ، وَلقدْ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذه البُحَيْرَةِ (٣) عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ فيعَصِّبُونَهُ بِالعِصَابَةِ (٤)، فَلَمَّا أَبَى اللَّهُ ذَلِكَ بِالحَقِّ

стр. 861

الذِي أَعْطَاكَ اللَّهُ شَرِقَ (١) بِذَلِكَ، فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ، فَعَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وكَانَ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحَابهُ يَعْفُونَ عَنِ المُشْرِكِينَ وأَهْلِ الكِتَابِ كَمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ، ويَصْبِرُونَ عَلَى الأَذَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٢). وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣). وَكَانَ النَّبيُّ ﷺ يَتَأَوَّلُ في العفو ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ حَتَّى أذِنَ اللَّهُ فيهم (٤). وَأَخْرَجَ الشَّيْخَان في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : لَوْ أَتَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بنَ أُبَيٍّ؟ قَالَ: فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَرَكِبَ حِمَارًا،

стр. 862

وَانْطَلَقَ المُسْلِمُونَ يَمْشُونَ مَعَهُ، وَهِيَ أرْضٌ سَبْخَةٌ (١)، فَلَمَّا أتاهُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ: إِلَيْكَ عَنِّي، وَاللَّهِ لَقَدْ آذَانِي نَتْنُ (٢) حِمَارِكَ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: وَاللَّهِ لَحِمَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَطْيَبُ رِيحًا مِنْكَ. فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيٍّ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَشَتَمَا (٣)، فَغَضِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أصْحَابُهُ، فَكَانَ بَيْنَهُمَا ضَرْبٌ بِالجَرِيدِ (٤) وَالنِّعَالِ وَالأَيْدِي، فَبَلَغَنَا (٥) أَنَّهَا أُنْزِلَتْ فِيهِمْ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا (٦)﴾ (٧).

стр. 863

* فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ: وَفِي الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - بَيَانُ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الصَّفْحِ والحِلْمِ والصَّبْرِ عَلَى الأَذَى فِي اللَّهِ. ٢ - وَفيهِ الدُّعَاءُ إِلَى اللَّهِ وَتَأْلِيفُ القُلُوبِ عَلَى ذَلِكَ. ٣ - وَفيهِ أَنَّ رُكُوبَ الحِمَارَ لَا نَقْصَ فِيهِ عَلَى الكِبَارِ. ٤ - وَفِيهِ مَا كَانَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ مِنْ تَعْظِيمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالأَدَبِ مَعَهُ والمَحَبَّةِ الشَّدِيدَةِ، وَأَنَّ الذِي يُشِيرَ عَلَى الكَبِيرِ بِشَيْءٍ يُورِدُهُ بِصُورَةِ العَرْضِ عَلَيْهِ لَا الجَزْمِ. ٥ - وَفِيهِ جَوَازُ المُبَالَغَةِ فِي المَدْحِ لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ أطْلَقَ أَنَّ رِيحَ الحِمَارِ أطْيَبُ مِنْ رِيحِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيٍّ، وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ (١). * اسْتِغْلَالُ قُرَيْشٍ مُشْرِكِي المَدِينَةِ: وَقَدِ اسْتَغَلَّتْ قُرَيْشٌ هَذَا الأَمْرَ، وَوَجَدَ مُشْرِكُو مَكَّةَ ضَالَّتَهُمْ فِي ابْنِ سَلُولٍ؛ لِأَنَّهُ عَلَى مِلَّتِهِمْ، فكَاتَبُوهُ لِيَكِيدَ لِلْمُسْلِمِينَ، ويَقُومَ بِالدَّوْرِ الذِي كَانُوا يَقُومُونَ بِهِ ضِدَّ الرَّسُولِ ﷺ وأصْحَابِهِ فِي مَكَّةَ، فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ

стр. 864

بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ كتَبُوا إِلَى ابنِ أُبَيٍّ ومَنْ كَانَ يَعْبُدُ مَعَهُ الأوْثَانَ مِنَ الأَوْسِ والخَزْرَجِ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ بِالمَدِينَةِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ: إِنَّكُمْ آوَيْتُمْ صَاحِبَنَا، وَإِنَّا نُقْسِمُ باللَّهِ لَتُقَاتِلُنَّهُ، أَوْ لَتُخْرِجُنَّهُ، أَوْ لَنَسِيرَنَّ إلَيْكُمْ بِأَجْمَعِنَا حَتَّى نَقْتُلَ مُقَاتِلَتَكُمْ، ونَسْتَبِيحَ نِسَاءَكُمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بنَ أُبَيٍّ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ اجْتَمَعُوا لِقِتَالِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَهُمْ، فَقَالَ: "لَقَدْ بَلَغَ وَعِيدُ قُرَيْشٍ مِنْكُمْ المَبَالِغَ، مَا كَانَتْ تَكِيدُكُمْ بِأَكثَرَ مِمَّا تُرِيدُونَ أَنْ تَكِيدُوا بِهِ أنْفُسَكُمْ، تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا أبْنَاءَكمْ وإخْوَاكُمْ"، فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ تَفَرَّقُوا (١). * حِرَاسَةُ الرَّسُولِ ﷺ -: واحْتِرَازًا مِنْ مَكَائِدِ قُرَيْشٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَبِيتُ إِلَّا سَاهِرًا، أَوْ فِي حِرَاسَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَهِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقْدَمَهُ المَدِينَةَ، لَيْلَةً، فَقَالَ: "لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَة"، قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ سَمِعْنَا خَشْخَشَةَ (٢) سِلَاحٍ، فَقَالَ ﷺ : "مَنْ هَذَا؟ ".

стр. 865

قَالَ: سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا جَاءَ بِكَ؟ ". قَالَ: وَقَعَ فِي نَفْسِي خَوْفٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجِئْتُ أحْرُسُهُ (١)، فَدَعَا له رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ نَامَ (٢). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وفِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - الأَخْذُ بِالحَذَرِ والاحْتِرَاسُ مِنَ العَدُوِّ. ٢ - وَأَنَّ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَحْرُسُوا سُلْطَانَهُمْ خَشْيَةَ القَتْلِ. ٣ - وفِيهِ الثَّنَاءُ عَلَى مَنْ تَبَرَّعَ بِالخَيْرِ وتَسْمِيَتُهُ صَالِحًا، وَإِنَّمَا عَانَى النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ مَعَ قُوَّةِ تَوَكُّلِهِ لِلِاسْتِنَانِ بِهِ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ (٣) يَوْمَ أُحُدٍ، ولَبِسَ عَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرَ، وأقْعَدَ الرُّمَاةَ عَلَى فَمِ الشِّعْبِ، وخَنْدَقَ حَوْلَ المَدِينَةِ، مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا اشْتَدَّ البَأْسُ كَانَ أمَامَ الكُلِّ ﷺ ، . . . وتَعَاطَى أسْبَابَ الأَكْلِ والشُّرْبِ، وادَّخَرَ لِأَهْلِهِ قُوتَهُمْ، وَلَمْ يَنْتظِرْ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ

стр. 866

السَّمَاءَ، وهُوَ أحَقُّ الخَلْقِ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ ذَلِكَ، وأيْضًا فَالتَّوَكُّلُ لا يُنَافِي تَعَاطِي الأَسْبَابِ؛ لأَنَّ التَّوَكُّلَ عَمَلُ القَلْبِ وهِيَ عَمَلُ البَدَنِ، وَقَدْ قَالَ إبْرَاهِيمُ ﵇: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (١)، وَقَالَ الذِي سَأَلهُ، أعْقِلُ نَاقَتِي وَأَتَوَكَّلُ، أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ؟ قَالَ ﷺ : "اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ" (٢)، فأشَارَ إِلَى أَنَّ الِاحْتِرَازَ لَا يَدْفَعُ التَّوَكُّلَ، وَاللَّهُ أعْلَمُ (٣). وَأَخْرَجَ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ عَنْ أبَيِّ بنِ كَعْبٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحَابُهُ المَدِينَةَ، وآوَتْهُمُ الأَنْصَارُ، رَمَتْهُمُ العَرَبُ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، كَانُوا لا يَبِيتُونَ إِلَّا بِالسِّلَاحِ، ولا يُصْبِحُونَ إلَّا فِيهِ (٤). وَأَخْرَجَ أَبُو دَاودَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَهْلِ بنِ الحَنْظَلِيَّةِ قَالَ: ثُوِّبَ (٥) بالصَّلَاةِ يَعْنِي صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وهُوَ

стр. 867

يَلْتَفِتُ (١) إِلَى الشِّعْبِ. قَالَ أَبُو دَاودَ: وَكَانَ أرْسَلَ فَارِسًا إِلَى الشِّعْبِ مِنَ اللَّيْلِ يَحْرُسُ (٢). وَأَخْرَجَ الترمذي في جَامِعِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحْرَسُ حتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ (٣) مِنَ النَّاسِ﴾ (٤)، فأخْرَجَ رَسُول اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ مِنَ القُبَّةِ، فَقَالَ لَهُمْ: "يا أيُّهَا النَّاسُ انْصَرِفُوا، فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ" (٥). * مُحَاوَلة قُرَيْشٍ مَنْعَ الأَنْصَارِ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ: وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُحَاوِلُ بِكُلِّ الوَسَائِلِ أَنْ تَضُرَّ المُهَاجِرِينَ أَوِ الأَنْصَارَ الذِينَ آوَوا المُهَاجِرِينَ، فَقَدْ حَاوَلَتْ صَدَّ الأَنْصَارِ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَقَدْ ظَهَرَ هَذَا

стр. 868

جَلِيًّا فِي قِصَّةِ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ ﵁ وأَبِي جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُود ﵁ قَال: انْطَلَقَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ ﵁ مُعْتَمِرًا، فنَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ، وَكَانَ أُمَيَّةُ إِذَا انْطَلَقَ إِلَى الشَّامِ فَمَرَّ بِالمَدِينَةِ نَزَلَ عَلَى سَعْدٍ ﵁، فَقَالَ أُمَيَّةُ لِسَعْدٍ ﵁: أَلَا انتظِرْ حَتَّى إِذَا انتصَفَ النَّهَارُ وغَفَلَ النَّاسُ انْطَلَقْتُ فَطُفْتُ؟ فَبَيْنَا سَعْدٌ ﵁ يَطُوفُ إِذَا أَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا الذِي يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ؟ فَقَال سَعْدٌ ﵁: أَنَا سَعْدٌ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: تَطُوفُ بِالكَعْبَةِ آمِنًا، وَقَدْ آوَيْتُمْ مُحَمَّدًا وأصْحَابَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَتَلَاحَيَا (١) بَيْنَهُمَا، . . . فَقَالَ سَعْدٌ ﵁: وَاللَّهِ لَئِنْ مَنَعْتَنِي أَنْ أَطُوفَ بِالبَيْتِ لَأَقْطَعَنَّ مَتْجَرَكَ بِالشَّامِ. وفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ: قَال سَعْدٌ ﵁: أمَا وَاللَّهِ لَئِنْ مَنَعْتَنِي هَذَا لَأَمْنَعَنَّكَ مَا هُوَ أشَدُّ عَلَيْكَ مِنْهُ، طَرِيقَكَ عَلَى المَدِينَةِ. فَقَالَ أُمَيَّةُ لِسَعْدٍ ﵁: لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ عَلَى أَبِي الحَكَمِ، فَإِنَّهُ سَيِّدُ أَهْلِ الوَادِي، فَغَضِبَ سَعْدٌ ﵁، وَقَالَ لِأُمَيَّةَ: دَعْنَا عَنْكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَزْعُمُ أَنَّهُ قَاتِلُكَ، قَال: إيَّايَ، قَالَ: نَعَمْ (٢)، قَالَ: وَاللَّهِ مَا يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ إِذَا

стр. 869

حَدَّثَ. . .، فَلَمْ يَزَلْ بِذَلِكَ حَتَّى قتَلَهُ اللَّهُ بِبَدْرٍ (١). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وفي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِد: ١ - مُعْجِزَاتٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ظَاهِرَةٌ. ٢ - وفيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ ﵁ مِنْ قُوَّةِ النَّفْسِ وَاليَقِينِ. ٣ - وفِيهِ أَنَّ شَأْنَ العُمْرَةِ كَانَ قَدِيمًا. ٤ - وفِيهِ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانَ مَأْذُونًا لَهُمْ فِي الِاعْتِمَارِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَعْتَمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِخِلَافِ الحَجِّ، واللَّهُ أعْلَمُ (٢). * * *

стр. 870

تَشْرِيعُ الجِهَادِ (١) أَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بُعِثْتُ بِالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ؛ لِيُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذُّلُّ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالفَنِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ" (٢). قَالَ ابنُ القَيِّمِ: وَأَمَّا نَبِيُّ المَلْحَمَةِ (٣)، فَهُوَ الذِي بُعِثَ بِجِهَادِ أعْدَاءِ اللَّهِ، فَلَمْ

стр. 871

فَلَمْ يُجَاهِدْ نَبِيٌّ وَأُمَّتُهُ قَطُّ مَا جَاهَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأُمَّتُهُ، والمَلَاحِمُ (١) الكِبَارُ التِي وَقَعَتْ وَتَقَعُ بَيْنَ أُمَّتِهِ وبَيْنَ الكُفَّارِ لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهَا قَبْلَهُ، فإنَّ أُمَّتَهُ يَقْتُلُونَ الكُفَّارَ فِي أقْطَارِ الأَرْضِ عَلَى تَعَاقُبِ الأَعْصَارِ، وَقَدْ أَوْقَعُوا بِهِمْ مِنَ المَلَاحِمِ مَا لَمْ تَفْعَلْهُ أُمَّةٌ سِوَاهُمْ (٢). قَالَ أحْمَد شَوْقِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَالُوا غَزَوْتَ، وَرُسْلُ اللَّهِ مَا بُعِثُوا ... لِقَتْلِ نَفْسٍ وَلَا جَاؤُوا لِسَفْكِ دَمِ جَهْلٌ وتَضْلِيلُ أحْلَامٍ وَسَفْسَطَةٌ ... فتَحْتَ بِالسِّيْفِ بَعْدَ الفَتْحِ بِالقلَمِ لَمَّا أتَى لَكَ عَفْوًا كُلُّ ذِي حَسَبٍ ... تَكَفَّلَ السَّيفُ بالْجُهَّالِ والعَمَمِ (٣) والشَّرُّ إِنْ تَلْقَهُ بِالْخَيرِ ضِقْتَ بِهِ ... ذَرْعًا وإنْ تَلْقَهُ بِالشَّرِّ يَنْحَسِمِ * * *

стр. 872

مَرَاتِبُ الجِهَادِ إِذَا عُرِفَ هَذَا، فَالجِهَادُ أرْبَعُ مَرَاتِبَ: جِهَادُ النَّفْسِ، وجِهَادُ الشَّيْطَانِ، وجِهَادُ الكُفَّارِ، وجِهَادُ المُنَافِقِينَ. * فَجِهَادُ النَّفْسِ أرْبَعُ مَرَاتِبَ أَيْضًا: إحْدَاهَا: أَنْ يُجَاهِدَهَا عَلَى تَعَلُّمِ الهُدَى، ودِينَ الحَقِّ الذِي لَا فَلَاحَ لَهَا، وَلَا سَعَادَةَ فِي مَعَاشِهَا ومَعَادِهَا إِلَّا بِهِ، ومَتَى فَاتَهَا عِلْمُهُ، شَقِيَتْ فِي الدَّارَيْنِ. الثَّانِيَةُ: أَنْ يُجَاهِدَهَا عَلَى العَمَلِ بِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ، وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ العِلْمِ بِلَا عَمَلٍ إِنْ لَمْ يَضُرَّهَا لَمْ يَنْفَعَهَا. الثَّالِثَةُ: أَنْ يُجَاهِدَهَا عَلَى الدَّعْوَةِ إِلَيْهِ، وتَعْلِيمِهِ مَنْ لَا يَعْلَمُهُ، وإلَّا كَانَ مِنَ الذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الهُدَى وَالبَيَناتِ، وَلَا يَنْفَعُهُ عِلْمُهُ، وَلَا يُنَجِّيهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ. الرَّابِعَةُ: أَنْ يُجَاهِدَهَا عَلَى الصَّبْرِ عَلَى مَشَاقِّ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ، وَأَذَى الخَلْقِ، ويَتَحَمَّلَ ذَلِكَ كُلَّهُ للَّهِ، فَإِذَا اسْتَكْمَلَ هَذِهِ المَرَاتِبَ الأَرْبَعَ، صَارَ مِنَ

стр. 873

الرَّبَّانِيِّينَ، فَإِنَّ السَّلَفَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ العَالِمَ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسَمَّى رَبَّانِيًّا (١) حَتَّى يَعْرِفَ الحَقَّ، ويَعْمَلَ بِهِ، ويُعَلِّمَهُ، فَمَنْ عَلِمَ وَعَمِلَ وَعَلَّمَ فَذَاكَ يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ. * وَأَمَّا جِهَادُ الشَّيْطَانِ: فَمَرْتَبَتَانِ: إحْدَاهُمَا: جِهَادُهُ عَلَى دَفْعِ مَا يُلْقَى إِلَى العَبْدِ مِنَ الشُّبُهَاتِ والشُّكُوكِ القَادِحَةِ في الإِيمَانِ. الثَّانِيَةُ: جِهَادُهُ عَلَى دَفْعِ مَا يُلْقَى إِلَيْهِ مِنَ الإِرَادَاتِ الفَاسِدَةِ والشَّهَوَاتِ. فَالجِهَادُ الأَوَّلُ: يَكُونُ بَعْدَهُ اليَقِينِ، والثَّانِي بَعْدَهُ الصَّبْرُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (٢) فَأَخْبَرَ أَنَّ إِمَامَةَ الدِّينِ، إِنَّمَا تُنَالُ بِالصَّبْرِ واليَقِينِ، فَالصَّبْرُ يَدْفَعُ الشَّهَوَاتِ وَالإِرَادَاتِ الفَاسِدَةَ، واليَقِينُ يَدْفَعُ الشُّكُوكَ والشُّبُهَاتِ. * وَأَمَّا جِهَادُ الكُفَّارِ والمُنَافِقِينَ، فَأَرْبَعُ مَرَاتِبَ: بِالقَلْبِ، واللِّسَانِ، والمَالِ، والنَّفْسِ، وجِهَادُ الكُفَّارِ أخَصُّ بِاليَدِ، وجِهَادُ المُنَافِقِينَ أَخَصُّ بِاللِّسَانِ.

стр. 874

* وَأَمَّا جِهَادُ أرْبَابِ الظُّلْمِ، والبِدع، والمُنْكَرَاتِ، فَثَلَاثُ مَرَاتِبَ: بِالْيَدِ إِذَا قَدَرَ، فَإِنْ عَجَزَ، انتقَلَ إِلَى اللِّسَانِ، فَإِنْ عَجَزَ، جَاهَدَ بِقَلْبِهِ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ مَرْتَبةً مِنَ الجِهَادِ، "وَمَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالغَزْوِ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ" (١). * * *

стр. 875

كَمْ غَزْوَةً غَزَاهَا الرَّسُولُ ﷺ -؟ رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي إسْحَاقَ قَالَ: كُنْتُ إِلَى جَنْبِ زَيْدِ بنِ أرْقَمٍ فَقِيلَ له: كَمْ غَزَا النَّبِيُّ ﷺ مِنْ غَزْوَةٍ؟ قَالَ: تِسْعَ عَشْرَةَ (١)، قِيلَ: كَمْ

стр. 876

غَزَوْتَ أَنْتَ مَعَهُ؟ قَالَ: سَبْعَ عَشْرَةَ، قُلْتُ: فَأَيُّهُمْ كَانَتْ أَوَّلُ؟ قَالَ: العُسَيْرَةُ أَوِ العُشَيْرُ، فَذَكَرْتُ لِقتَادَةَ فَقَالَ: العُشَيْرَةُ (١). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ بريْدَةَ بنِ الحُصَيْبِ ﵁ قَالَ: غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، قَاتَلَ فِي ثَمَانٍ مِنْهُنَّ (٢). قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَعَلَّ بُرَيْدَةَ أراد بقوله: قَاتَلَ فِي ثَمَانٍ إِسْقَاطَ غَزْوَةَ الفَتْحِ، وَيَكُونُ مَذْهَبُهُ أنَّها فُتِحَتْ صُلْحًا، كَمَا قَاله الشَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُوهُ (٣). * الغَزَوَاتُ الكِبَارُ التِي نَزَلَ فِيهَا القُرْآنُ: أَمَّا الغَزَوَاتُ الكِبَارُ الأُمَّهَاتُ فَهُنَّ سَبْع: بَدْوٌ، وَأُحُدٌ، وَالخَنْدَقُ، وخَيْبَرٌ،

стр. 877

والفَتْحُ، وحُنَيْن، وتَبَوكَ. وفِي شَأْنِ هَذِهِ الغَزَوَاتِ نَزَلَ القُرْآنُ: ١ - فَفِي غَزْوَةِ بَدْرٍ نَزَلَ كَثِيرٌ مِنْ سُورَةِ الأنْفَالِ. ٢ - وَفي غَزْوَةِ أُحُدٍ نَزَلَ آخِرُ آلِ عِمْرَانَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ. . .﴾ إلى قبيل آخِرِهَا بِيَسِيرٍ. ٣ - وفي قِصَّةِ الخَنْدَقِ وقُريظَةَ نَزَلَ صَدْرُ سُورَةِ الأَحْزَابِ. ٤ - وفِي قِصَّةِ الحُدَيْبِيَةِ وخَيبرٍ نَزَلَ سُورَةُ الفَتْحِ، وَأُشِيرَ فِيهَا إِلَى فَتْحِ مَكَّةَ. ٥ - وَذُكِرَ فتحُ مَكَّةَ فِي سُورَةِ النَّصْرِ. ٦ - وفي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ نَزَلَ آيَات مِنْ سُورَةِ التَّوْبةِ. ٧ - وفِي غَزْوَةِ تبوكَ نَزَلَ سُورَةُ التَّوْبَةِ. وَلَيْسَ مَعْنَى هَذَا أَنَّ القُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ إِلَّا فِي هَذِهِ الغَزَوَاتِ السَّبْعِ، بَلْ نَزَلَ القُرْآنُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الغَزَوَاتِ، مِثْلَ: غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ، وَنُزُولِ سُورَةِ الحَشْرِ فِيهَا، وَغَيْرِهَا. وجُرِحَ ﷺ مِنْ هَذِهِ الغَزَوَاتِ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ فَقَطْ، وقَاتَلَتْ مَعَهُ المَلَائِكَةُ مِنْهَا فِي بَدْرٍ، وحُنَيْنٍ، وَأُحُدٍ عَلَى خِلَافٍ فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ يَأْتِي تَحْقِيقُهُ فِي غَزْوَتهَا، ونَزَلَتِ المَلَائِكَةُ يَوْمَ الخَنْدَقِ فَزَلْزَلُوا المُشْرِكِينَ وَهَزَمُوهُمْ، ورَمَى

стр. 878

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالحَصْبَاءَ فِي وُجُوهِ المُشْرِكِينَ فَهَرَبُوا، فَكَانَ الفَتْحُ فِي غَزْوَتَيْنِ، بَدْرٍ وحُنَيْنٍ، وقَاتَلَ بِالمَنْجَنِيقِ فِي غَزْوَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ الطَّائِفُ، وتَحَصَّنَ بِالخَنْدَقِ فِي غَزْوَةٍ وَاحِدَةٍ هِيَ الأَحْزَابُ، أشَارَ بِهِ عَلَيْهِ سَلْمَانُ الفَارِسِيُّ ﵁ (١). * الإِذْنُ بِالقِتَالِ: مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ينْذِرُ بِالدَّعْوَةِ بِغَيْرِ قِتَالٍ صَابِرًا هُوَ وأصْحَابُهُ عَلَى كَيْدِ المُشْرِكِينَ وأذَاهُمْ، امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى الأَذَى، وَالكَفِّ، وَالعَفْوِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ (٣). أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: . . . كَانَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ قَدِمَ المَدِينَةَ وأهْلُهَا أخْلَاطٌ مِنْهُمْ المُسْلِمُونَ، والمُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَ الأوْثَانَ، واليَهُودُ، وَكَانُوا يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ﷺ وأصْحَابَهُ، فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِالصَّبْرِ والعَفْوِ (٤). وَأَخْرَجَ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: . . . وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنِ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتَابِ كَمَا أَمَرَهُمُ

стр. 879

اللَّهُ، ويَصْبِرُونَ عَلَى الأَذَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (١)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ (٢). وكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يتأَوَّلُ العَفْوَ مَا أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ حَتَّى أَذِنَ اللَّهُ فِيهِمْ -أي فِي القِتَالِ- (٣). فَلَمَّا قَوِيتْ شَوْكَةُ المُسْلِمِينَ واشْتَدَّ سَاعِدُهُمْ بِإِسْلَامِ الأَنْصارِ، أنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الإِذْنَ بِالقِتَالِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَفْرِضْهُ عَلَيْهِمْ. أَخْرَجَ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ، والنَّسَائيُّ في السُّنَنِ الكُبْرَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ عَوْفٍ ﵁ وأَصْحَابًا له أَتَوا النَّبِيَّ ﷺ بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا فِي عِزٍّ ونَحْنُ مُشْرِكُونَ، فَلَمَّا آمَنَّا صِرْنَا أَذِلَّةً، فَقَالَ ﷺ : "إنِّي أُمِرْتُ بِالعَفْوِ، فَلَا تُقَاتِلُوا"، فَلَمَّا حَوَّلَهُ اللَّهُ إِلَى المَدِينَةِ، أُمِرَ بِالقِتَالِ (٤).

стр. 880

قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ بَيْعَةِ العَقَبَةِ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الحَرْبِ، وَلَمْ تُحَلَّلْ لَهُ الدِّمَاءُ، إِنَّمَا يُؤْمَرُ بِالدّعَاءَ إِلَى اللَّهِ، وَالصَّبْرِ عَلَى الأَذَى، وَالصَّفْحِ عَنِ الجَاهِلِ، وكَانَتْ قُرَيْشٌ قَدِ اضْطَهَدَتْ مَنِ اتَّبعَهُ مِنَ المُهَاجِرِينَ حَتَّى فتَنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، ونَفَوْهُمْ مِنْ بِلَادِهِمْ، فَهُمْ مِنْ مَفْتُونٍ فِي دِينِهِ، وَمِنْ مُعَذَّب في أيْدِيهِمْ، وبَيْنَ هَارِبٍ فِي البِلَادِ فِرَارًا مِنْهُمْ، مِنْهُمْ مَنْ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ، ومِنْهُمْ مَنْ بِالمَدِينَةِ، وفِي كُلِّ وَجْهٍ. فَلَمَّا عَتَتْ قُرَيْشٌ عَلَى اللَّهِ ، ورَدُّوا عَلَيْهِ مَا أرَادَهُمْ بِهِ مِنَ الكَرَامَةِ، وكَذَّبُوا نَبِيَّهُ ﷺ ، وعَذَّبُوا ونَفَوْا مَنْ عَبَدَهُ وَوَحَّدَهُ، وصَدَّقَ نَبِيَّهُ ﷺ ، واعْتَصَمَ بِدِينِهِ، أَذِنَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ فِي القِتَالِ، والِانْتِصَارِ مِمَّنْ ظَلَمَهُمْ وَبَغَى عَلَيْهِمْ، فَكَانَتْ أَوَّلَ آيَةٍ أُنْزِلَتْ فِي إِذْنِهِ لِهُ فِي الحَرْبِ، وإحْلَالِهِ لَهُ الدِّمَاءَ، والقِتَالَ، لِمَنْ بَغَى عَلَيْهِمْ، قَوْله تَعَالَى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ (١)
следующие страницы →