← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

غَزَوْتَ أَنْتَ مَعَهُ؟ قَالَ: سَبْعَ عَشْرَةَ، قُلْتُ: فَأَيُّهُمْ كَانَتْ أَوَّلُ؟ قَالَ: العُسَيْرَةُ أَوِ العُشَيْرُ، فَذَكَرْتُ لِقتَادَةَ فَقَالَ: العُشَيْرَةُ (١). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ بريْدَةَ بنِ الحُصَيْبِ ﵁ قَالَ: غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، قَاتَلَ فِي ثَمَانٍ مِنْهُنَّ (٢). قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَعَلَّ بُرَيْدَةَ أراد بقوله: قَاتَلَ فِي ثَمَانٍ إِسْقَاطَ غَزْوَةَ الفَتْحِ، وَيَكُونُ مَذْهَبُهُ أنَّها فُتِحَتْ صُلْحًا، كَمَا قَاله الشَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُوهُ (٣). * الغَزَوَاتُ الكِبَارُ التِي نَزَلَ فِيهَا القُرْآنُ: أَمَّا الغَزَوَاتُ الكِبَارُ الأُمَّهَاتُ فَهُنَّ سَبْع: بَدْوٌ، وَأُحُدٌ، وَالخَنْدَقُ، وخَيْبَرٌ،

стр. 877

والفَتْحُ، وحُنَيْن، وتَبَوكَ. وفِي شَأْنِ هَذِهِ الغَزَوَاتِ نَزَلَ القُرْآنُ: ١ - فَفِي غَزْوَةِ بَدْرٍ نَزَلَ كَثِيرٌ مِنْ سُورَةِ الأنْفَالِ. ٢ - وَفي غَزْوَةِ أُحُدٍ نَزَلَ آخِرُ آلِ عِمْرَانَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ. . .﴾ إلى قبيل آخِرِهَا بِيَسِيرٍ. ٣ - وفي قِصَّةِ الخَنْدَقِ وقُريظَةَ نَزَلَ صَدْرُ سُورَةِ الأَحْزَابِ. ٤ - وفِي قِصَّةِ الحُدَيْبِيَةِ وخَيبرٍ نَزَلَ سُورَةُ الفَتْحِ، وَأُشِيرَ فِيهَا إِلَى فَتْحِ مَكَّةَ. ٥ - وَذُكِرَ فتحُ مَكَّةَ فِي سُورَةِ النَّصْرِ. ٦ - وفي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ نَزَلَ آيَات مِنْ سُورَةِ التَّوْبةِ. ٧ - وفِي غَزْوَةِ تبوكَ نَزَلَ سُورَةُ التَّوْبَةِ. وَلَيْسَ مَعْنَى هَذَا أَنَّ القُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ إِلَّا فِي هَذِهِ الغَزَوَاتِ السَّبْعِ، بَلْ نَزَلَ القُرْآنُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الغَزَوَاتِ، مِثْلَ: غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ، وَنُزُولِ سُورَةِ الحَشْرِ فِيهَا، وَغَيْرِهَا. وجُرِحَ ﷺ مِنْ هَذِهِ الغَزَوَاتِ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ فَقَطْ، وقَاتَلَتْ مَعَهُ المَلَائِكَةُ مِنْهَا فِي بَدْرٍ، وحُنَيْنٍ، وَأُحُدٍ عَلَى خِلَافٍ فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ يَأْتِي تَحْقِيقُهُ فِي غَزْوَتهَا، ونَزَلَتِ المَلَائِكَةُ يَوْمَ الخَنْدَقِ فَزَلْزَلُوا المُشْرِكِينَ وَهَزَمُوهُمْ، ورَمَى

стр. 878

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالحَصْبَاءَ فِي وُجُوهِ المُشْرِكِينَ فَهَرَبُوا، فَكَانَ الفَتْحُ فِي غَزْوَتَيْنِ، بَدْرٍ وحُنَيْنٍ، وقَاتَلَ بِالمَنْجَنِيقِ فِي غَزْوَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ الطَّائِفُ، وتَحَصَّنَ بِالخَنْدَقِ فِي غَزْوَةٍ وَاحِدَةٍ هِيَ الأَحْزَابُ، أشَارَ بِهِ عَلَيْهِ سَلْمَانُ الفَارِسِيُّ ﵁ (١). * الإِذْنُ بِالقِتَالِ: مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ينْذِرُ بِالدَّعْوَةِ بِغَيْرِ قِتَالٍ صَابِرًا هُوَ وأصْحَابُهُ عَلَى كَيْدِ المُشْرِكِينَ وأذَاهُمْ، امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى الأَذَى، وَالكَفِّ، وَالعَفْوِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ (٣). أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: . . . كَانَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ قَدِمَ المَدِينَةَ وأهْلُهَا أخْلَاطٌ مِنْهُمْ المُسْلِمُونَ، والمُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَ الأوْثَانَ، واليَهُودُ، وَكَانُوا يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ﷺ وأصْحَابَهُ، فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِالصَّبْرِ والعَفْوِ (٤). وَأَخْرَجَ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: . . . وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنِ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتَابِ كَمَا أَمَرَهُمُ

стр. 879

اللَّهُ، ويَصْبِرُونَ عَلَى الأَذَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (١)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ (٢). وكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يتأَوَّلُ العَفْوَ مَا أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ حَتَّى أَذِنَ اللَّهُ فِيهِمْ -أي فِي القِتَالِ- (٣). فَلَمَّا قَوِيتْ شَوْكَةُ المُسْلِمِينَ واشْتَدَّ سَاعِدُهُمْ بِإِسْلَامِ الأَنْصارِ، أنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الإِذْنَ بِالقِتَالِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَفْرِضْهُ عَلَيْهِمْ. أَخْرَجَ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ، والنَّسَائيُّ في السُّنَنِ الكُبْرَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ عَوْفٍ ﵁ وأَصْحَابًا له أَتَوا النَّبِيَّ ﷺ بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا فِي عِزٍّ ونَحْنُ مُشْرِكُونَ، فَلَمَّا آمَنَّا صِرْنَا أَذِلَّةً، فَقَالَ ﷺ : "إنِّي أُمِرْتُ بِالعَفْوِ، فَلَا تُقَاتِلُوا"، فَلَمَّا حَوَّلَهُ اللَّهُ إِلَى المَدِينَةِ، أُمِرَ بِالقِتَالِ (٤).

стр. 880

قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ بَيْعَةِ العَقَبَةِ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الحَرْبِ، وَلَمْ تُحَلَّلْ لَهُ الدِّمَاءُ، إِنَّمَا يُؤْمَرُ بِالدّعَاءَ إِلَى اللَّهِ، وَالصَّبْرِ عَلَى الأَذَى، وَالصَّفْحِ عَنِ الجَاهِلِ، وكَانَتْ قُرَيْشٌ قَدِ اضْطَهَدَتْ مَنِ اتَّبعَهُ مِنَ المُهَاجِرِينَ حَتَّى فتَنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، ونَفَوْهُمْ مِنْ بِلَادِهِمْ، فَهُمْ مِنْ مَفْتُونٍ فِي دِينِهِ، وَمِنْ مُعَذَّب في أيْدِيهِمْ، وبَيْنَ هَارِبٍ فِي البِلَادِ فِرَارًا مِنْهُمْ، مِنْهُمْ مَنْ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ، ومِنْهُمْ مَنْ بِالمَدِينَةِ، وفِي كُلِّ وَجْهٍ. فَلَمَّا عَتَتْ قُرَيْشٌ عَلَى اللَّهِ ، ورَدُّوا عَلَيْهِ مَا أرَادَهُمْ بِهِ مِنَ الكَرَامَةِ، وكَذَّبُوا نَبِيَّهُ ﷺ ، وعَذَّبُوا ونَفَوْا مَنْ عَبَدَهُ وَوَحَّدَهُ، وصَدَّقَ نَبِيَّهُ ﷺ ، واعْتَصَمَ بِدِينِهِ، أَذِنَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ فِي القِتَالِ، والِانْتِصَارِ مِمَّنْ ظَلَمَهُمْ وَبَغَى عَلَيْهِمْ، فَكَانَتْ أَوَّلَ آيَةٍ أُنْزِلَتْ فِي إِذْنِهِ لِهُ فِي الحَرْبِ، وإحْلَالِهِ لَهُ الدِّمَاءَ، والقِتَالَ، لِمَنْ بَغَى عَلَيْهِمْ، قَوْله تَعَالَى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ (١)

стр. 881

وَبِيَعٌ (١) وَصَلَوَاتٌ (٢) وَمَسَاجِدُ (٣) يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٤). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَاتِ: وَإِنَّمَا شَرَعَ اللَّهُ تَعَالَى الجِهَادَ، فِي الوَقْتِ الأَلْيَقِ بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا بِمَكَّةَ كَانَ المُشْرِكُونَ أكْثَرَ عَدَدًا، فَلَوْ أَمَرَ المُسْلِمِينَ، وهُمْ أَقَلُّ مِنَ العُشْرِ، بِقِتَالِ البَاقِين لَشَقَّ عَلَيْهِمْ؛ وَلِهَذَا لَمَّا بَايَعَ أَهْلُ يَثْرِبَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وكَانُوا نَيِّفًا (٥) وثَمَانِينَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ألَا نَمِيلُ عَلَى أَهْلِ الوَادِي -يَعْنُونَ أَهْلَ مِنَى- لَيَالِيَ مِنَى فَنَقْتُلَهُمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إنِّي لَمْ أُؤْمَرْ بِهَذَا" (٦).

стр. 882

فَلَمَّا بَغَى المُشْرِكُونَ، وأَخْرَجُوا النَّبِيَّ ﷺ مِنْ بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، وهَمُّوا بِقَتْلِهِ، وشَرَّدُوا أصْحَابَهُ شَذَرَ مَذَرَ (١)، فَذَهَبَ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ إِلَى الحَبَشَةِ، وآخَرُونَ إِلَى المَدِينَةِ، فَلَمَّا اسْتَقَرُّوا بِالمَدِينَةِ، وَوَافَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، واجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وقَامُوا بِنَصْرِهِ، وَصَارَتْ لَهُمْ دَارَ إسْلَامٍ، وَمَعْقِلًا يَلْجَؤُونَ إِلَيْهِ -شَرَعَ- اللَّهُ جِهَادَ الأَعْدَاءِ، فَكَانَتْ هَذِهِ الآيَةُ أوَّلَ مَا نَزَل فِي ذَلِكَ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ (٢). أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيجهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا أُخْرِجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ مَكَّةَ، قال أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجُوا نَبِيَّهُمْ، إنَّا للَّهِ وإنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، لَيَهْلِكُنَّ، فنَزَلَتْ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (٣). قَالَ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَتَكُونُ قِتَال. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: هِيَ أوَّلُ آيَة نَزَلَتْ فِي القِتَالِ (٤).

стр. 883

وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ في السُّنَنِ الكُبْرَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتَالِ كَمَا أخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (١). فَكَانَ هَذَا الإِذْنُ بِالقِتَالِ لِإِزَالَةِ البَاطِلِ وَدَحْرِ (٢) بَغْيِ وَظُلْمِ قُرَيْشٍ عَنِ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ الإِذْنِ بِقِتَالِ المُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا سَيَأْتِي، وَكَانَ مِنَ الحِكْمَةِ إزَاءَ هَذِهِ الظُّرُوفِ -التِي مَبْعَثُهَا الوَحِيدُ هُوَ قُوَّةُ قُرَيْشٍ وَتَمَرُّدُهَا-، أَنْ يبسُطَ المُسْلِمُونَ سَيْطَرَتَهُمْ عَنْ طَرِيقِ قُرَيْش التِّجَارِيِّ المُؤَدِّيةِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الشَّامِ، واخْتَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِبَسْطِ هَذِهِ السَّيْطَرَةِ خُطَّتَيْنِ: الأُولَى: إرْسَالُ البُعُوثِ والسَّرَايَا، واحِدَةً تِلْوَ الأُخْرَى لِمُهَاجَمَةِ قَوَافِلِ قُرَيْشٍ. الثَّانِيَةُ: السَّعْيُ إِلَى عَزْلِ قُرَيْشٍ بِالدُّخُولِ فِي مُعَاهَدَاتٍ دِفَاعِيَّةٍ، وعَدَمِ اعْتِدَاءً مَعَ القَبَائِلِ المُحِيطَةِ بِالمَدِينَةِ، وَالتِي تَخْتَرِقُ قَوَافِلُ قُرَيْشٍ أرَاضِيهَا، وَهِيَ فِي طَرِيقِهَا إِلَى الشَّامِ، وَقَدْ عُقِدَتْ مُعَاهَدَاتٌ أثْنَاءَ دَوْرِيَّاتِهِ ﷺ العَسْكَرِيَّةِ كَمَا سَيَأْتِي (٣).

стр. 884

السَّرَايَا (١) والغَزَوَاتُ (٢) قَبْلَ غَزْوَةِ بَدْرٍ الكبْرَى سَرِيَّةُ سِيْفِ البَحْر (٣) وكَانَتْ هَذِهِ السَّرِيَّةُ في رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الأُولَى لِلْهِجْرَةِ، عَلَى رَأْسِ سَبْعَةِ أشْهُرٍ مِنْ مُهَاجَرِهِ ﷺ (٤)، وكَانَتْ بِقِيَادَةِ حَمْزَةَ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁ في ثَلَاثِينَ رَاكِبًا مِنَ المُهَاجِرِينَ (٥)، وعَقَدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِوَاءً أبْيَضَ، وَهُوَ أَوَّلُ لِوَاءٍ (٦) عُقِدَ فِي الإِسْلَامِ، وحَمَلَهُ أَبُو مِرْثَدٍ كَنَّازُ بنُ الحُصَيْنِ الغَنَوِيُّ ﵁.

стр. 885

وخَرَجَ حَمْزَةُ ﵁، والهَدَفُ اعْتِرَاضُ عِيرٍ (١) لِقُرَيْشٍ جَاءَتْ مِنَ الشَّامِ تُرِيدُ مَكَّةَ، وفِيهَا أَبُو جَهْلِ بنُ هِشَامٍ لَعَنَهُ اللَّهُ، فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَاكِبٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فبلَغُوا سِيفَ البَحْرِ مِنْ نَاحِيَةِ العِيصِ (٢)، فَالْتَقَوْا حَتَّى اصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ، فَمَشَى مَجْدِيُّ بنُ عَمْرٍو الجُهَنِيُّ، وكَانَ حَلِيفًا لِلْفَرِيقَيْنِ (٣) جَمِيعًا، إِلَى هَؤُلَاءَ وَإِلَى هَؤُلَاءِ، حَتَّى حَجَزَ (٤) بَيْنَهُمْ، وَلَمْ يَقْتَتِلُوا، فتَوَجَّهَ أَبُو جَهْلٍ فِي أَصْحَابِهِ وَعِيرِهِ إِلَى مَكَّةَ، وانْصَرَفَ حَمْزَةُ ﵁ وأصْحَابُهُ إِلَى المَدِينَةِ (٥). * * *

стр. 886

سَرِيَّةُ عُبَيْدَةَ بنِ الحَارِثِ ﵁ إِلَى رَابِغٍ ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عبَيْد بنَ الحَارِثِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁ وهُوَ ابنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَطْنِ رَابِغٍ (١) فِي شَوَّالَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةِ أشْهُرٍ مِنْ مُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، عَقَدَ له رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِوَاءً أَبْيَضَ كَانَ الذِي حَمَلَهُ مِسْطَحُ بنُ أُثَاثَةَ ﵁ فِي سِتِّينَ رَجُلًا مِنَ المُهَاجِرِينَ، وَلَيس فِيهِمْ أنْصَارِيٌّ، فَلَقِيَ أبَا سُفْيَانَ بنَ حَرْبٍ ﵁ (٢) وَكَانَ مُشْرِكًا فِي ذَلِكَ الوَقْتِ، وَهُوَ فِي مِائتَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ عَلَى مَاءٍ يقَالُ له: أَحْيَاءُ مِنْ بَطْنِ رَابِغٍ عَلَى عَشَرَةِ أمْيَالٍ مِنَ الجُحْفَةِ، فترَامَى الفَرِيقَانِ بِالنَّبْلِ، وَلَمْ يَسُلُّوا السُّيُوفَ وَلَمْ يَصْطَلِحُوا لِلْقِتَالِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ بَيْنَهُمُ المُنَاوَشَةُ (٣)، فَرَمَى سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ يَوْمَئِذٍ بِسَهْمٍ، فَكَانَ أَوَّلَ سَهْمٍ رُمِيَ بِهِ فِي الإِسْلَامِ، ثُمَّ انْصَرَفَ الفَرِيقَانِ عَلَى حَامِيَتِهِمْ (٤).

стр. 887

وَفَرَّ مِنَ المُشْرِكِينَ إِلَى المُسْلِمِينَ المِقْدَادُ بنُ عَمْرٍو ﵁ (١) حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ، وعُتْبَةُ بنُ غَزْوَانَ المَازِنِيُّ ﵁، وَكَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَلَكِنَّهُمَا خَرَجَا لِيَتَوَصَّلَا (٢) بِالكُفَّارِ (٣). قُلْتُ: ذَكَرَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ فِي الفَتْحِ أَنَّ بَعْثَ سَرِيَّةِ عُبَيْدَةَ بنِ الحَارِثِ ﵁ كَانَ بَعْدَ غَزْوَةِ الأَبْوَاءَ، فَقَالَ: ذَكَرَ أَبُو الأَسْوَدِ فِي مَغَازِيهِ عَنْ عُرْوَةَ وَوَصَلَهُ ابنُ عَائِذٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا وَصَلَ إِلَى الأَبْوَاءِ بَعَثَ عُبَيْدَةَ بنَ الحَارِثِ ﵁ فِي سِتِّينَ رَجُلًا، فَلَقُوا جَمْعًا مِنْ قُرَيْشٍ فَتَرَامَوْا بِالنَّبْلِ، فَرَمَى سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ بِسَهْمٍ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (٤). وَإِذَا صَحَّ هَذَا، فَالرَّاجِحُ مَا قَالَهُ أَبُو الأَسْوَدِ وَابْنُ عَائِذٍ، لَكِنْ يَبْقَى الإِشْكَالُ فِي حَمْلِ المِقْدَادِ بنِ عَمْرٍو لِوَاءَ المُسْلِمِينَ فِي سَرِيَّةِ الخَرَّارِ كَمَا سَيَأْتِي، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَهْمًا مِنِ ابْنِ سَعْدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 888

سَرِيَّةُ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ إِلَى الخَرَّارِ (١) ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَعْدَ بنَ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ إِلَى الخَرَّارِ فِي ذِي القَعْدَةِ عَلَى رَأْسِ تِسْعَةِ أشْهُرٍ مِنْ مُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَعَقَدَ له لِوَاءً أَبْيَضَ حَمَلَهُ المِقْدَادُ بنُ عَمْرٍو ﵁، وَبَعَثَهُ فِي عِشْرِينَ (٢) رَجُلًا مِنَ المُهَاجِرِينَ؟ لِيَعْتَرِضَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَعَهِدَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا يُجَاوِزَ الخَرَّارَ، فَخَرَجُوا عَلَى أقْدَامِهِمْ يَكْمُنُونَ (٣) بِالنَّهَارِ، وَيَسِيرُونَ بِاللَّيْلِ حَتَّى صَبَّحُوهَا، فَوَجَدُوا العِيرَ (٤) قَدْ مَرَّتْ بِالأَمْسِ، فَانْصَرَفُوا إِلَى المَدِينَةِ، وَلَمْ يَلْقَوْا كَيْدًا (٥). * * *

стр. 889

الوَفِيَاتُ فِي السَّنَةِ الأُولَى لِلْهِجْرَةِ كَانَ أَوَّلَ مَنْ تُوُفِّيَ مِنَ المُسْلِمِينَ بَعْدَ الهِجْرَةِ فِي المَدِينَةِ كُلْثُومُ بنُ الهِدْمِ (١) ﵁. قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا أَسْلَمَ قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، وَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، وَنَزَلَ بِقُبَاءَ نَزَلَ فِي مَنْزِلِ كُلْثُومِ بنِ الهِدْمِ ﵁ (٢). وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الأُولَى لِلْهِجْرَةِ أسْعَدُ بنُ زُرَارَةَ ﵁، عَلَى رَأْسِ تِسْعَةِ أشْهُرٍ مِنَ الهِجْرَةِ، أَخَذَهُ وَجَعٌ فِي حَلْقِهِ، يُقَالُ له: الذَّبَحَةُ (٣)، فَمَاتَ مِنْهَا. أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ بَعْضِ أصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كَوَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أسْعَدَ بنَ زُرَارَةَ في حَلْقِهِ مِنَ الذَّبَحَةِ (٤).

стр. 890

وفِي رِوَايَةِ ابنِ مَاجَه فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ قَالَ: فكَوَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ فَمَاتَ (١). ثُمَّ حَضَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غُسْلَهُ، وَكَفَّنَهُ فِي ثَلَاثَةِ أثْوَابٍ مِنْهَاُ برْدٌ، وَصَلَّى عَلَيْهِ، وَمَشَى أمَامَ جَنَازَتِهِ، وَدَفنَهُ بِالبَقِيعِ ﵁، وهُوَ أوَّلُ مَنْ دُفِنَ بِالبَقِيعِ مِنَ الأنصَارِ (٢). قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ: اتَّفَقَ أَهْلُ المَغَازِي وَالتَّوَارِيخِ عَلَى أَنَّهُ مَاتَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ غَزْوَةِ بَدْرٍ الكُبْرَى (٣). قُلْتُ: وَأَسْعَدُ بنُ زُرَارَةَ ﵁ قَدِيمُ الإِسْلَامِ، وَشَهِدَ العَقَبَتَيْنِ، وَكَانَ نَقِيبًا عَلَى قَبِيلَتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي النُّقَبَاءَ أصْغَرَ سِنًّا مِنْهُ، وَهُوَ أوَّلُ مَنْ صَلَّى الجُمُعَةَ فِي المَدِينَةِ قَبْلَ مَقْدَمِ الرَّسُولِ ﷺ كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ. * سَبَبُ قِلَّةِ الوَفِيَّاتِ مِنَ المُسْلمِينَ: قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَالسَّبَبُ فِي قِلَّةِ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذَا العَامِ، وَمَا بَعْدَهُ مِنَ السِّنِينَ، أَنَّ المُسْلِمِينَ كَانُوا قَلِيلِينَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، فَإِنَّ الإِسْلَامَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا بِبَعْضِ الحِجَازِ، أَوْ مَنْ هَاجَرَ إِلَى الحَبَشَةِ، وَفِي خِلَافَةِ

стр. 891

عُمَرَ ﵁ بَلْ وَقَبْلَهَا- انْتَشَرَ الإِسْلَامُ فِي الأَقَالِيمِ، فَبِهَذَا ظَهَرَ لَكَ سَبَبُ قِلَّةِ مَنْ تُوُفِّيَ فِي صَدْرِ الإِسْلَامِ، وَسَبَبُ كَثْرَةِ مَنْ تُوُفِّيَ فِي زَمَنِ التَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ (١). * * *

стр. 892

السَّنَةِ الثَّانِيَةُ لِلْهِجْرَةِ غَزْوَةُ الأَبْوَاءَ أَوْ (وَدَّانٍ) (١) وَهِيَ أوَّلُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صحِيحِهِ: وَقَالَ ابنُ إسْحَاقَ: أَوَّلُ مَا غَزَا النَّبِيُّ ﷺ الأَبْوَاءَ، ثُمَّ بُوَاطَ، ثُمَّ العُسَيْرَةَ (٢). وَكَانَتْ فِي صَفَرٍ عَلَى رَأْسِ اثْنَى عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدَمِ النَّبِيِّ ﷺ المَدِينَةَ، وَحَمَلَ لِوَاءَهُ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁ وَكَانَ لِوَاءً أبْيَضَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى المَدِينَةِ سَعْدَ بنَ عُبَادَةَ ﵁ وَخَرَجَ ﷺ فِي سَبعِينَ رَجُلًا مِنَ المُهَاجِرِينَ لَيْسَ

стр. 893

فِيهِمْ أنْصَارِيٌ، حَتَّى بَلَغَ الْأَبْوَاءَ يَعْتَرِضُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ فَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا. وَفِي هَذِهِ الغَزْوَةِ وَادَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِخْشِيَّ بنَ عَمْرٍو الضَّمْرِيَّ، وَكَانَ سَيِّدَ بَنِي ضَمْرَةَ فِي زَمَانِهِ، عَلَى أَنْ لَا يَغْزُوَ بَنِي ضَمْرَةَ وَلَا يَغْزُوهُ، وَلَا يُكَثِّرُوا عَلَيْهِ جَمْعًا، وَلَا يُعِينُوا عَدُوًّا، وَكتَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ كِتَابًا. وَكَانَتْ غَيْبَتُهُ ﷺ فِي هَذِهِ الغَزْوَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً (١). * * *

стр. 894

غَزْوَةُ بُوَاطٍ (١) ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ عَلَى رَأْسِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مُهَاجَرِهِ فِي مِائتَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ، وحَمَلَ لِوَاءَهُ سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، وَكَانَ لِوَاءً أبْيَضَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى المَدِينَةِ: سَعْدَ بنَ مُعَاذٍ (٢)، وَقِيلَ: السَّائِبَ بنَ عُثْمَانِ بنِ مَظْعُونٍ (٣)، يَعْتَرِضُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ فِيهَا: أُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ الجُمَحِيُّ (٤) وَمِائَةُ رَجُلٍ منْ قُرَيْشٍ، وَأَلفانِ وَخَمْسُمِائَةِ بَعِيرٍ، فبلَغَ بُوَاطَ منْ نَاحِيَةِ رَضْوَى (٥)، فَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا وَرَجَعَ إِلَى المَدِينَةِ (٦). * * *

стр. 895

غَزْوَةُ العُشَيْرَةِ وَهِيَ الغَزْوَةُ الثَّالِثَةُ (١) لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَتْ فِي جُمَادَى الآخِرَةِ (٢) عَلَى رَأْسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مُهَاجَرِهِ ﷺ ، وَحَمَلَ لِوَاءَهُ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁، وَكَانَ لِوَاءً أَبْيَضَ، واسْتَخْلَفَ عَلَى المَدِينَةِ أبَا سَلَمَةَ بنَ عَبْدِ الأَسَدِ المَخْزُومِيَّ ﵁، وخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي خَمْسِينَ ومِائَةٍ، وَيُقَالُ فِي مِائَتَيْنِ مِنَ المُهَاجِرِينَ مِمَّنْ دَعَاهُمْ، وَلَمْ يُكْرِهْ أحَدًا عَلَى الخُرُوجِ، وخَرَجُوا

стр. 896

عَلَى ثَلَاثِينَ بَعِيرًا يَعْتَقِبُونَهَا (١)، يَعْتَرِضُونَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ ذَاهِبَةً إِلَى الشَّامِ، وكَانَ قَدْ جَاءَهُ الخَبَرُ بِخُرُوجِهَا مِنْ مَكَّةَ فِيهَا أمْوَالُ قُرَيْشٍ، فبلَغَ ذَا العُشَيْرَةِ، فَوَجَدَ العِيرَ قَدْ مَضَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ، وَهَذِهِ العِيرُ هِيَ التِي خَرَجَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْضًا يُرِيدُهَا حِينَ رَجَعَتْ مِنَ الشَّامِ، فَكَانَ بِسَبَبِهَا حَدَثَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ الكُبْرَى. وفِي هَذِهِ الغَزْور وَادَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بنِيُ مدْلِجٍ (٢) وَحُلَفَاءَهُمْ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ. * هَلْ كَنَّى الرَّسُولُ ﷺ عَلِيًّا ﵁ بِأَبِي تُرَابٍ فِي هَذِهِ الغَزْوة ؟ : وَقِيلَ فِي هَذِهِ الغَزْوَةِ كَنَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَبَا تُرَابٍ. فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَفِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ، والطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ وَابْنُ إِسْحَاق فِي السِّيرَةِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنْ عَمَّارَ بنِ يَاسِرٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ أنَا وَعَلِيُّ رَفيقَيْنِ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ العُشَيْرَةِ، فَلَمَّا نَزَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَقَامَ بِهَا، رَأَيْنَا نَاسًا مِنْ بَنِيُ مدْلِجٍ يَعْمَلُونَ فِي عَيْنٍ لَهُمْ فِي نَخْلٍ، فَقَالَ لِي عَلِيٌّ: يَا أبَا اليَقْظَانِ (٣)! هَلْ لَكَ أَنْ نَأْتِيَ هَؤُلَاءَ، فنَنْظُرَ كَيْفَ يَعْمَلُونَ؟

стр. 897

فَجِئْنَاهُمْ، فنَظَرْنَا إِلَى عَمَلِهِمْ سَاعَةً، ثُمَّ غَشِيَنَا (١) النَّوْمُ، فَانْطَلَقْتُ أنَا وَعَلِيٌّ، فَاضْطَجَعْنَا في صَوْرٍ مِنَ النَّخْلِ (٢) في دَقْعَاءَ (٣) مِنَ التُّرَابِ، فَنِمْنَا، فَوَاللَّهِ مَا أَهَبَّنَا (٤) إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُنَا بِرِجْلِهِ، وَقَدْ تَتَرَّبْنَا (٥) مِنْ تِلْكَ الدِّقْعَاءِ، فَيَوْمَئِذٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: "يَا أبَا تُرَابٍ" لِمَا يَرَى عَلَيْهِ مِنَ التُّرابِ (٦). * الصَّحِيحُ أَنَّ أبَا تُرَابٍ كُنِّيَ بِهَا ﵁ بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ: قُلْتُ: الصَّحِيحُ أَنَّ أَوَّلَ يَوْمٍ كَنَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ بِأَبِي تُرَابٍ كَانَ بَعْدَ نِكَاحِهِ فَاطِمَةَ ﵂، وَكَانَ نِكَاحُهَا بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ الكُبْرَى. فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ فَاطِمَةَ فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا في البَيْتِ. فَقَالَ: "أيْنَ ابنُ عَمِّكِ؟ ".

стр. 898

قَالَتْ: كَانَ بَيْنِي وبَيْنَهُ شَيْءٌ، فَغَاضَبَنِي فَخَرَجَ فَلَمْ يَقِلْ (١) عِنْدِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لإِنْسَانٍ (٢): "انْظُرْ أَيْنَ هُوَ؟ ". فَجَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ في المَسْجِدِ رَاقِدٌ. فَجَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُضْطَجعٌ قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ وَأَصَابَهُ تُرَابٌ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في الصَّحِيحِ: وَامْتَلَأَ ظَهْرُهُ تُرَابًا، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُهُ (٣) عَنْهُ، وَيَقُولُ: "قُمْ أبَا تُرَابٍ، قُمْ أبَا تُرَابٍ" (٤). قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا (٥) -أَيْ تَكْنِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ

стр. 899

عَلِيًّا ﵁ في غَزْوَةِ العُشَيْرَةِ أبَا تُرَابٍ- أمْكَنَ الجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَكَرَّرَ مِنْهُ ﷺ في حَقِّ عَلِيٍّ ﵁. . . وَالمُعْتَمَدُ في ذَلِكَ كُلِّهِ حَدِيثُ سَهْلٍ (١) في البَابِ، وَاللَّهُ أعْلَمُ (٢). * فَرَحُ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ بِهَذِهِ الكُنْيَةِ: وَكَانَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِب ﵁ لَيَفْرَحُ بِهَذِهِ الكُنْيَةِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: مَا كَانَ لِعَلِيٍّ ﵁ اسْمٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَبِي تُرَابٍ، وَإِنْ كَانَ لَيَفْرَحُ إِذَا دُعِيَ بِهَا، وَمَا سَمَّاهُ أبَا تُرَابٍ إِلَّا النَّبِيُّ ﷺ (٣). * أشْقَى الآخِرِينَ الذِي يَقْتُلُ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ -: وَفِي غَزْوَةِ العُشَيْرَةِ هَذِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ وَعَمَّارٍ ﵄: "أَلَا أُحَدِّثُكُمَا بِأَشْقَى النَّاسِ؟ ".

стр. 900

قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "أُحَيْمِرُ (١) ثَمُودَ الذِي عَقَرَ النَّاقَةَ، وَالذِي يَضْرِبُكَ يَا عَلِيُّ عَلَى هَذِهِ"، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى قَرْنِهِ (٢)، "حَتَّى يَبُلَّ مِنْهَا هَذِهِ"، يَعْنِي لِحْيَتَهُ (٣). وفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الحَاكِمِ في المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعَلِيٍّ ﵁: "إِنَّكَ سَتُضْرَبُ ضَرْبَةً هَاهُنَا وَضَرْبَةً هَاهُنَا". وَأَشَارَ إِلَى صُدْغَيْهِ (٤)، "فَيَسِيلُ دَمُهَا حَتَّى تَخْتَضِبَ (٥) لِحْيَتُكَ، ويَكُونُ صَاحِبُهَا أشْقَاهَا، كَمَا كَانَ عَاقِرُ النَّاقَةِ أشْقَى ثَمُودَ" (٦). قُلْتُ: قُتِلَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ لَيْلَةَ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ،

стр. 901

سَنَةَ أَرْبَعِينَ مِنَ الهِجْرَةِ، وَقتَلَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مُلْجِمٍ الخَارِجِيُّ (١) قبَّحَهُ اللَّهُ. ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ العُشَيْرَةِ إِلَى المَدِينَةِ، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا (٢). * * *

стр. 902

غَزْوَةُ سَفَوَانَ (١) أَوْ بَدْرٌ الأولَى لَمْ يَقُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ حِينَ قَدِمَ مِنْ غَزْوَةِ العُشَيْرَةِ إِلَّا لَيَالِيَ قَلَائِلَ لَا تَبْلُغُ العَشْرَ حَتَّى أَغَارَ كُرْزُ بنُ جَابِرٍ الفِهْرِيُّ (٢) عَلَى سَرْحِ (٣) المَدِينَةِ، فَاسْتَاقَهُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَحَمَلَ لِوَاءَهُ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، وكَانَ لِوَاءً أَبْيَضَ، وَاسْتَخْلَفَ ﷺ عَلَى المَدِينَةِ زَيْدَ بنَ حَارِثَةَ ﵁، فَطَلَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَلَغَ وَادِيًا يُقَالُ لَهُ: سَفَوَانُ مِنْ نَاحِيَةِ بَدْرٍ، وَفَاتَهُ كُرْزُ بنُ جَابِرٍ فَلَمْ يَلْحَقْهُ، وَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ (٤). * * *

стр. 903

سَرِيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ ﵁ إِلَى نَخْلَةٍ (١) وَفِي رَجَبَ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنَ الهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بنَ جَحْشٍ ﵁ إِلَى نَخْلَةٍ وَمَعَهُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا (٢)، وَقِيلَ في ثَمَانِيَةٍ (٣) مِنَ المُهَاجِرِينَ، لَيْسَ فِيهِمْ مِنَ الأَنْصَارِ أَحَدٌ، وَكَانُوا كُلَّ اثْنَيْنِ يَعْتَقِبَانِ بَعِيرًا. وَكتَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابًا، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَنْظُرَ فِيهِ حَتَّى يَسِيرَ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ يَنْظُرَ فِيهِ، فَيَمْضِيَ لِمَا أَمَرَهُ بِهِ، وَلَا يَسْتَكْرِهْ مِنْ أَصْحَابِهِ أَحَدًا. فَسَارَ عَبْدُ اللَّهِ، ثُمَّ قَرَأَ الكِتَابَ بَعْدَ يَوْمَيْنِ، فَإِذَا فِيهِ: "إِذَا نَظَرْتَ في كتَابِي هَذَا، فَامْضِ حَتَّى تَنْزِلَ نَخْلَةً، بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، فتَرَصَّدْ (٤) بِهَا قُرَيْشًا، وَتَعَلَّمْ لَنَا مِنْ أخْبَارِهِمْ". فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ ﵁: سَمْعًا وَطَاعَةً، ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: قَدْ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَمْضِيَ إِلَى نَخْلَةٍ، أَرْصُدُ بِهَا قُرَيْشًا، حَتَّى آتِيَهُ

стр. 904

مِنْهُمْ بِخَبَرٍ، وَقَدْ نَهَانِي أَنْ أَسْتَكْرِهَ أحَدًا مِنْكُمْ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُرِيدُ الشَّهَادَةَ وَيَرْغَبُ فِيهَا فَلْيَنْطَلِقْ، وَمَنْ كَرِهَ ذَلِكَ فَلْيَرْجعْ، فَأَمَّا أنَا فَمَاضٍ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَمَضَى وَمَضَى مَعَهُ أصْحَابُهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَسَلَكَ عَلَى الحِجَازِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِمَعْدِن، فَوْقَ الفُرُعِ، يُقَالُ لَهُ: بُحْرَانِ، أَضَلَّ سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وعُتْبَةُ بنُ غَزْوَانَ ﵄، بَعِيرًّا لَهُمَا كَانَا يَعْتَقِبَانِهِ، فتَخَلَّفا عَلَيْهِ في طَلَبِهِ. وَسَارَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ ﵁ وبَقِيَّةُ أَصْحَابِهِ حَتَّى نَزَلَ نَخْلَةً، فَمَرَّتْ بِهِ عِيرٌ لِقُرَيْشٍ تَحْمِلُ زَبِيبًا (١) وَأُدْمًا (٢) وتِجَارَةً مَنْ تِجَارَةِ قُرَيْشٍ، فِيهَا عَمْرُو بنُ الحَضْرَمِيِّ، وَعُثْمَانُ ونَوْفَلُ ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ بنِ المُغِيرَةِ، وَالحَكَمُّ بَنُ كَيْسَانَ مَوْلَى هِشَامِ بنِ المُغِيرَةِ، فَلَمَّا رَآهُمُ القَوْمُ هَابُوهُمْ وأنْكَرُوا أمْرَهُمْ، وَقَدْ نَزَلُوا قَرِيبًا مِنْهُمْ، فَأَشْرَفَ لَهُمْ عُكَّاشَةُ بنُ مُحْصِنٍ ﵁، وَكَانَ قَدْ حَلَقَ رَأْسَهُ، لِيُطَمْئِنَ القَوْمَ، فَلَمَّا رَأَوْهُ أَمِنُوا، وَقَالُوا: هُمْ عُمَّارٌ، لَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ مِنْهُمْ، فَسَرَّحُوا (٣) رِكَابَهُمْ (٤)، وَصَنَعُوا طَعَامًا، وَتَشَاوَرَ المُسْلِمُونَ فِيهِمْ، وَذَلِكَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَجَبَ -وهُوَ شَهْرٌ حَرَامٌ- فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ تَرَكْتُمُوهُمْ هَذِهِ اللَّيْلَةَ لَيَدْخُلَنَّ الحَرَمَ،

стр. 905

فَلَيَمْتَنِعُنَّ بِهِ مِنْكُمْ، وَلَئِنْ قَتَلْتُمُوهُمْ لَتَقْتُلُنَّهُمْ في الشَّهْرِ الحَرَامِ، فتَرَدَّدَ القَوْمُ، وَهَابُوا الإِقْدَامَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ شَجَّعُوا أنْفُسَهُمْ عَلَيْهِمْ، وَأَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِ مَنْ قَدِرُوا عَلَيْهِ مِنْهُمْ، وَأَخْذِ مَا مَعَهُمْ، فَرَمَى وَاقِدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ عَمْرَو بنَ الحَضْرَمِيِّ بِسَهْمٍ فَقتَلَهُ، وَشَدَّ (١) المُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ، وَاسْتُأْسِرَ عُثْمَانُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالحَكَمُ بنُ كَيْسَانَ، وَأَفْلَتَ نَوْفَلُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ فَأَعْجَزَهُمْ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ ﵁ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّا غَنِمْنَا الخُمُسُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ اللَّهُ تَعَالَى الخُمُسَ مِنَ المَغَانِمِ، فَعَزَلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خُمُسَ العِيرِ، وَقَسَّمَ سَائِرَهَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ أقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ ﵁ بِالعِيرِ وَالأَسِيرينِ إِلَى المَدِينَةِ. فَكَانَ في هَذِهِ السَّرِيَّةِ أَوَّلَ خُمُسٍ في الإِسْلَامِ، وَأَوَّلَ قَتِيلٍ مِنَ الْكُفَّارِ فيِ الإِسْلَامِ، وَأَوَّلَ أَسِيرَيْنِ في الإِسْلَامِ. فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ قَالَ لَهُمْ: "مَا أمَرْتُكُمْ بِقِتَالٍ في الشَّهْرِ الحَرَامِ"، وَتَوَقَّفَ الرَّسُولُ ﷺ في التَّصَرُّفَ في العِيرِ وَالأَسِيرَيْنِ، وَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا. فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُقِطَ في أيْدِي القَوْمِ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا، وعَنَّفَهُمْ إخْوَانُهُمْ مِنَ المُسْلِمِينَ فِيمَا صَنَعُوا، وَاتَّخَذَ المُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ مِمَّا حَدَثَ وَسِيلَةً لِلطَّعْنِ في المُسْلِمِينَ، وَقَالُوا: قَدِ اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ الشَّهْرَ الحَرَامَ، وَسَفَكُوا فِيهِ الدَّمَ، وَأَخَذُوا فِيهِ الأَمْوَالَ، وَأَسَرُوا فِيهِ الرِّجَالَ.

стр. 906

وَأَرْجَفَ (١) اليَهُودُ في المَدِينَةِ، قَصْدَ إِشْعَالِ الفِتْنَةِ، فَلَمَّا أكْثر النَّاسُ في ذَلِكَ مِنَ العِتَابِ وَالإِرْجَافِ مِنَ الأَعْدَاءَ، أنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ (٢) وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ (٣) وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤). فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَاتُ فَرِحَ المُسْلِمُونَ، وَقَدْ فَرَّجَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الخَوْفِ وَالهَمِّ (٥)، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبَضَ العِيرَ وَالأَسِيرَيْنِ، وَبَعَثَتْ إِلَيْهِ

стр. 907

قُرَيْشٌ في فِدَاءِ عُثْمَانَ بنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَالحَكَمِ بنِ كَيْسَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا نَفْدِيكُمُوهُمَا حَتَّى يَقْدَمَ صَاحِبَانَا" -يَعْنِي سَعْدَ بنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَعُتْبَةَ بنَ غَزْوَانٍ ﵄، وكَانَا قَدْ تَخَلَّفَا عَنِ القَوْمِ قَبْلَ وُصُولهِمْ نَخْلَةً، بَحْثًا عَنْ بَعِيرِهِمُ الذِي أضَلَّاهُ- فَإِنَّا نَخْشَاكُمْ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ تَقْتُلُوهُمَا نَقْتُلْ صَاحِبَيْكُمْ. فَقَدِمَ سَعْدٌ وعُتْبَةُ ﵄، فَفَدَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ، فَأَمَّا الحَكَمُ بنُ كَيْسَانَ فَأَسْلَمَ، فَحَسُنَ إسْلَامُهُ، وأقَامَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى قُتِلَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ شَهِيدًا، وَأَمَّا عُثْمَانُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ فَلَحِقَ بِمَكَّةَ فَمَاتَ بِهَا كَافِرًا (١). وَبَعْدَ وُقُوعِ مَا وَقَعَ في سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ ﵁ تَحَقَّقَ خَوْفُ

стр. 908

المُشْرِكِينَ، وتَجَسَّدَ أمَامَهُمُ الخَطَرُ الحَقِيقِيُّ، وَوَقَعُوا فِيمَا كَانُوا يَخْشَوْنَ الوُقُوعَ فِيهِ، وَعَلِمُوا أَنَّ أَهْلَ المَدِينَةِ في غَايَةٍ مِنَ التَّيَقُّظِ والتَّرَبُّصِ، تَترَقَّبُ كُلَ حَرَكَةٍ مِنْ حَرَكَاتِهِمُ التِّجَارِيَّةَ، وَأَنَّ المُسْلِمِينَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَزْحَفُوا إِلَى (٤٠٠) كيلو مِترٍ تَقْرِيبًا، ثُمَّ يَقْتُلُوا ويَأْسِرُوا رِجَالَهُمْ، وَيَأْخُذُوا أمْوَالَهُمْ، ويَرْجِعُوا سَالِمِينَ غَانِمِينَ، وشَعَرَ هَؤُلَاءِ المُشْرِكُونَ بِأَنَّ تِجَارَتَهُمْ إِلَى الشَّامِ أمَامَ خَطَرٍ دَائِمٍ، لَكِنَّهُمْ بَدَلَ أَنْ يَفِيقُوا عَنْ غَيِّهِمْ ويَأْخُذُوا طَرِيقَ الصَّلَاحِ والمُوَادَعَةِ ازْدَادُوا حِقْدًا وَغَيْظًا، وَصَمَّمَ صَنَادِيدُهُمْ وكُبرَاؤُهُمْ عَلَى مَا كَانُوا يُوعِدُونَ وَيُهَدِّدُونَ بِهِ مِنْ قَبْلُ، مِنْ إبَادَةِ المُسْلِمِينَ في عُقْرِ دَارِهِمْ، وهَذَا هُوَ الطَّيْشُ الذِي جَاءَ بِهِمْ إِلَى بَدْرٍ (١). * * *

стр. 909

تَحْوِيلُ القِبْلَةِ وَفِي النِّصْفِ مِنْ رَجَبَ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِتَحْوِيلِ القِبْلَةِ مِنْ بَيْتِ المَقْدِسِ إِلَى المَسْجِدِ الحَرَامِ (١). أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنِ البَرَاءَ بنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا (٢)، ثُمَّ صُرِفْنَا نَحْوَ الكَعْبَةِ (٣). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِه بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحَابُهُ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا،

стр. 910

ثُمَّ صُرِفَتِ القِبْلَةُ بَعْدُ (١). وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الكَعْبَةِ (٢) قِبْلَةَ أبِيهِ إبْرَاهِيمَ ﵇، وَلذَلِكَ كَانَ ﷺ حِينَ يُصَلِّي بِمَكَّةَ يَجْعَلُ الكَعْبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَيْتِ المَقْدِسِ، فيصِيبُ القِبْلَتَيْنِ مَعًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيح عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي وَهُوَ بِمَكَّةَ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وَالكَعْبَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَبَعْدَمَا هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ صُرِفَ إلَى الكَعْبَةِ (٣). فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَعُدْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ، مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الكَعْبَةِ وَبَيْتِ المَقْدِسِ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ مِنَ الدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ ، فَكَانَ مِمَّا يَرْفَعُ يَدَيْهِ، وطَرْفَه إِلَى السَّمَاءَ سَائِلًا اللَّهَ تَعَالَى ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (٤) وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٥)، فتَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَحْوَ الكَعْبَةِ.

стр. 911

أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أوَّلَ مَا قَدِمَ المَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أجْدَادِهِ -أَوْ قَالَ أخْوَالِهِ- مِنَ الأَنْصَارِ، وأنَّهُ صَلَّى قَبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ، وأنَّهُ صَلَّى أوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا صَلَاةَ العَصْرِ (١). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: المَشْهُورُ أَنَّ أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الكَعْبَةِ صَلَاةُ العَصْرِ، وَلهَذَا تَأَخَّرَ الخَبَرُ عَنْ أَهْلِ قُبَاءَ إِلَى صَلَاةِ الفَجْرِ (٢). * وُصُولُ خَبَرِ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ لِأَهْلِ قُبَاءَ: وَوَصَلَ خَبَرُ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ لِأَهْلِ قُبَاءَ، وَهُمْ خَارجَ المَدِينَةِ في صَلَاةِ الفَجْرِ مِنَ اليَوْمِ الثَّانِي. فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءَ في صَلَاةِ الصُّبْحِ (٣) إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ

стр. 912

عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا، وكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الكَعْبَةِ (١). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: . . . فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَمَا صَلَّى، فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ في صَلَاةِ العَصْرِ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، فَقَالَ: هُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وأنَّهُ تَوَجَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ، فتَحَرَّفَ القَوْمُ حَتَّى تَوَجَّهُوا نَحْوَ الكَعْبَةِ (٢). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وفِي هَذَا الحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ طَاعَتِهِمْ -أي الصَّحَابَةُ- للَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ ، وانْقِيَادِهِمْ لِأَوَامِرِ اللَّهِ ، ﵃ أجْمَعِينَ (٣). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وفِي أحَادِيثِ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - الرَّدُّ عَلَى المُرْجِئَةِ في إنْكَارِهِمْ تَسْمِيَةَ أعْمَالِ الدِّينِ إيمَانًا. ٢ - وفِيهِ بَيَانُ شَرَفِ المُصْطَفَى ﷺ وَكَرَامَتِهِ عَلَى رَبِّهِ لإِعْطَائِهِ لَهُ مَا أَحَبَّ

стр. 913

مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِالسُّؤَالِ. ٣ - وَفِيهِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ، وَنَسْخِ مَا تَقَرَّرَ بِطَرِيقِ الْعِلْمِ بِهِ، لِأَنَّ صَلَاتَهُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَانَتْ عِنْدَهُمْ بِطَرِيقِ القطْعِ لِمُشَاهَدَتِهِمْ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى جِهَتِهِ، وَوَقَعَ تَحَوُّلُهُمْ عَنْهَا إِلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ بِخَبَرِ هَذَا الْوَاحِدِ. ٤ - وَفِيهِ أَنَّ حُكْمَ النَّاسِخِ لَا يَثْبُتُ في حَقِّ المُكَلَّفِ حَتَّى يَبْلُغَهُ؛ لِأَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ لَمْ يُؤْمَرُوا بِالإِعَادَةِ مَعَ كَوْنِ الأَمْرِ بِاسْتِقْبَالِ الكَعْبَةِ وَقَعَ قَبْلَ صَلَاتِهِمْ تِلْكَ بِصَلَوَاتٍ، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ اسْتِعْلَامُ ذَلِكَ فَالفَرْضُ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ. ٥ - وَفِيهِ جَوَازُ تَعْلِيمِ مَنْ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ مَنْ هُوَ فِيهَا. ٦ - وَفِيهِ أَنَّ اسْتِمَاعَ المُصَلِّي لِكَلَامِ مَنْ لَيْسَ في الصَّلَاةِ لَا يُفْسِدُ صَلَاتَهُ (١). * رَدَّةُ فِعْلِ النَّاسِ لَمَّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ: وَلَمَّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ إِلَى الكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ حَصَلَ لِبَعْضِ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ والرَّيْبِ، مِنَ الكَفَرَةِ وَمِنَ اليَهُودِ ارْتِيَابٌ وَزَيْغٌ عَنِ الهُدَى وتَخَبِيطٌ

стр. 914

وَشَكٌّ، وَقَالُوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ أيْ: مَا لِهَؤُلَاءِ تَارَةً يَسْتَقْبِلُونَ كَذَا، وَتَارَةً يَسْتَقْبِلُونَ كَذَا؟ (١). فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ (٢) مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: أيْ: هُوَ المَالِكُ المُتَصَرِّفُ الحَاكِمُ الذِي لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، الذِي يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ في خَلْقِهِ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ في شَرْعِهِ، وَهُوَ الذِي يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ عَنِ الطَّرِيقِ القَوِيمِ، وَلَهُ في ذَلِكَ الحِكْمَةُ التِي يَجِبُ لَهَا الرِّضَا وَالتَّسْلِيمُ (٤). أَمَّا المُسْلِمُونَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَيْفَ حَالُنَا بِصَلَاتِنَا إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ؟ وَكَيْفَ بِمَنْ مَاتَ مِنْ إخْوَانِنَا وَهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ

стр. 915

اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ (١) إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَلهَذَا كَانَ مَنْ ثَبَتَ عَلَى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ ﷺ واتِّبَاعِهِ في ذَلِكَ، وَتَوَجَّهَ حَيْثُ أمَرَهُ اللَّهُ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا رَيْبٍ، مِنْ سَادَاتِ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ السَّابِقِينَ الأَوَّلينَ مِنَ المُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ هُمُ الذِينَ صَلُّوا القِبْلَتَيْنِ (٣). * حِقْدُ اليَهُودِ: وَبَعْدَ أَنْ حُوِّلَتِ القِبْلَةُ مِنَ المَسْجِدِ الأَقْصَى إِلَى الكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ، امْتَلَأَتْ قُلُوبُ اليَهُودِ حِقْدًا وَحَسَدًا عَلَى المُسْلِمِينَ، بِهَذا الفَضْلِ الذِي أعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ هِدَايَتُهُمْ لِلْكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ، وَصَدَقَ الرَّسُولُ ﷺ عِنْدَمَا قَالَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الذِي أخْرَجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ: ". . . إِنَّهُمْ لَا يَحْسُدُونَا عَلَى شَيْءٍ كَمَا يَحْسُدُونَا عَلَى يَوْمِ الجُمُعَةِ التِي هَدَانَا اللَّهُ لَهَا وَضَلُّوا عَنَّها، وَعَلَى القِبْلَةِ الِتي هَدَانَا اللَّهُ لَهَا وَضَلُّوا عَنْهَا، وَعَلَى قَوْلنَا خَلْفَ الإِمَامِ: آمِينَ" (٤).
следующие страницы →