← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أوَّلَ مَا قَدِمَ المَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أجْدَادِهِ -أَوْ قَالَ أخْوَالِهِ- مِنَ الأَنْصَارِ، وأنَّهُ صَلَّى قَبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ، وأنَّهُ صَلَّى أوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا صَلَاةَ العَصْرِ (١). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: المَشْهُورُ أَنَّ أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الكَعْبَةِ صَلَاةُ العَصْرِ، وَلهَذَا تَأَخَّرَ الخَبَرُ عَنْ أَهْلِ قُبَاءَ إِلَى صَلَاةِ الفَجْرِ (٢). * وُصُولُ خَبَرِ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ لِأَهْلِ قُبَاءَ: وَوَصَلَ خَبَرُ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ لِأَهْلِ قُبَاءَ، وَهُمْ خَارجَ المَدِينَةِ في صَلَاةِ الفَجْرِ مِنَ اليَوْمِ الثَّانِي. فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءَ في صَلَاةِ الصُّبْحِ (٣) إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ

стр. 912

عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا، وكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الكَعْبَةِ (١). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: . . . فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَمَا صَلَّى، فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ في صَلَاةِ العَصْرِ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، فَقَالَ: هُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وأنَّهُ تَوَجَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ، فتَحَرَّفَ القَوْمُ حَتَّى تَوَجَّهُوا نَحْوَ الكَعْبَةِ (٢). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وفِي هَذَا الحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ طَاعَتِهِمْ -أي الصَّحَابَةُ- للَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ ، وانْقِيَادِهِمْ لِأَوَامِرِ اللَّهِ ، ﵃ أجْمَعِينَ (٣). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وفِي أحَادِيثِ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - الرَّدُّ عَلَى المُرْجِئَةِ في إنْكَارِهِمْ تَسْمِيَةَ أعْمَالِ الدِّينِ إيمَانًا. ٢ - وفِيهِ بَيَانُ شَرَفِ المُصْطَفَى ﷺ وَكَرَامَتِهِ عَلَى رَبِّهِ لإِعْطَائِهِ لَهُ مَا أَحَبَّ

стр. 913

مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِالسُّؤَالِ. ٣ - وَفِيهِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ، وَنَسْخِ مَا تَقَرَّرَ بِطَرِيقِ الْعِلْمِ بِهِ، لِأَنَّ صَلَاتَهُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَانَتْ عِنْدَهُمْ بِطَرِيقِ القطْعِ لِمُشَاهَدَتِهِمْ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى جِهَتِهِ، وَوَقَعَ تَحَوُّلُهُمْ عَنْهَا إِلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ بِخَبَرِ هَذَا الْوَاحِدِ. ٤ - وَفِيهِ أَنَّ حُكْمَ النَّاسِخِ لَا يَثْبُتُ في حَقِّ المُكَلَّفِ حَتَّى يَبْلُغَهُ؛ لِأَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ لَمْ يُؤْمَرُوا بِالإِعَادَةِ مَعَ كَوْنِ الأَمْرِ بِاسْتِقْبَالِ الكَعْبَةِ وَقَعَ قَبْلَ صَلَاتِهِمْ تِلْكَ بِصَلَوَاتٍ، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ اسْتِعْلَامُ ذَلِكَ فَالفَرْضُ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ. ٥ - وَفِيهِ جَوَازُ تَعْلِيمِ مَنْ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ مَنْ هُوَ فِيهَا. ٦ - وَفِيهِ أَنَّ اسْتِمَاعَ المُصَلِّي لِكَلَامِ مَنْ لَيْسَ في الصَّلَاةِ لَا يُفْسِدُ صَلَاتَهُ (١). * رَدَّةُ فِعْلِ النَّاسِ لَمَّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ: وَلَمَّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ إِلَى الكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ حَصَلَ لِبَعْضِ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ والرَّيْبِ، مِنَ الكَفَرَةِ وَمِنَ اليَهُودِ ارْتِيَابٌ وَزَيْغٌ عَنِ الهُدَى وتَخَبِيطٌ

стр. 914

وَشَكٌّ، وَقَالُوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ أيْ: مَا لِهَؤُلَاءِ تَارَةً يَسْتَقْبِلُونَ كَذَا، وَتَارَةً يَسْتَقْبِلُونَ كَذَا؟ (١). فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ (٢) مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: أيْ: هُوَ المَالِكُ المُتَصَرِّفُ الحَاكِمُ الذِي لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، الذِي يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ في خَلْقِهِ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ في شَرْعِهِ، وَهُوَ الذِي يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ عَنِ الطَّرِيقِ القَوِيمِ، وَلَهُ في ذَلِكَ الحِكْمَةُ التِي يَجِبُ لَهَا الرِّضَا وَالتَّسْلِيمُ (٤). أَمَّا المُسْلِمُونَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَيْفَ حَالُنَا بِصَلَاتِنَا إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ؟ وَكَيْفَ بِمَنْ مَاتَ مِنْ إخْوَانِنَا وَهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ

стр. 915

اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ (١) إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَلهَذَا كَانَ مَنْ ثَبَتَ عَلَى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ ﷺ واتِّبَاعِهِ في ذَلِكَ، وَتَوَجَّهَ حَيْثُ أمَرَهُ اللَّهُ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا رَيْبٍ، مِنْ سَادَاتِ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ السَّابِقِينَ الأَوَّلينَ مِنَ المُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ هُمُ الذِينَ صَلُّوا القِبْلَتَيْنِ (٣). * حِقْدُ اليَهُودِ: وَبَعْدَ أَنْ حُوِّلَتِ القِبْلَةُ مِنَ المَسْجِدِ الأَقْصَى إِلَى الكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ، امْتَلَأَتْ قُلُوبُ اليَهُودِ حِقْدًا وَحَسَدًا عَلَى المُسْلِمِينَ، بِهَذا الفَضْلِ الذِي أعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ هِدَايَتُهُمْ لِلْكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ، وَصَدَقَ الرَّسُولُ ﷺ عِنْدَمَا قَالَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الذِي أخْرَجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ: ". . . إِنَّهُمْ لَا يَحْسُدُونَا عَلَى شَيْءٍ كَمَا يَحْسُدُونَا عَلَى يَوْمِ الجُمُعَةِ التِي هَدَانَا اللَّهُ لَهَا وَضَلُّوا عَنَّها، وَعَلَى القِبْلَةِ الِتي هَدَانَا اللَّهُ لَهَا وَضَلُّوا عَنْهَا، وَعَلَى قَوْلنَا خَلْفَ الإِمَامِ: آمِينَ" (٤).

стр. 916

صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ وَجَدَ اليَهُودَ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ سَبَبِ صِيَامِهِمْ هَذَا اليَوْمِ، فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى مِنْ فِرْعَونَ، فَقَالَ ﷺ : "نَحْنُ أحَقُّ بِمُوسَى ﵇ مِنْكُمْ" فَأَمَرَ بِصِيَامِهِ. أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ فَرَأَى اليَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ " قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إسْرَائيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى (١)، فَقَالَ ﷺ : "فَأَنَا أحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ"، فَصامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ (٢). قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَقَدِ اسْتُشْكِلَ ظَاهِرُ الخَبَرِ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّهُ ﷺ حِينَ قَدِمَ المَدِينَةَ وَجَدَ اليَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَإِنَّمَا قَدِمَ المَدِينَةَ في رَبِيعٍ الأَوَّلِ، وَالجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ المُرَادَ أَنَّ أوَّلَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ وَسُؤَالِهِ عَنْهُ كَانَ بَعْدَ

стр. 917

أَنْ قَدِمَ المَدِينَةَ لَا أَنَّهُ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَهَا عَلِمَ ذَلِكَ، وغَايَتُهُ أَنَّ في الكَلَامِ حَذْفًا تَقْدِيرُهُ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ فَأَقَامَ عَاشُورَاءَ، فَوَجَدَ اليَهُودَ فِيهِ صِيَامًا، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أُولَئِكَ اليَهُودُ كَانُوا يَحْسِبُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، بِحِسَابِ السِّنِينِ الشَّمْسِيَّةِ فَصَادَفَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ بِحِسَابِهِمْ اليَوْمَ الذِي قَدِمَ فِيهِ ﷺ المَدِينَةَ، وهَذَا التَّأوِيلُ مِمَّا يَتَرَجَّحُ بِهِ أَوْلَوِيَّةُ المُسْلِمِينَ وَأَحَقِيَّتهُمْ بِمُوسَى ﵇ لإِضْلَالِهِمْ اليَوْمَ المَذْكُورَ وَهِدَايَةِ اللَّهِ لِلْمُسْلِمِينَ لَهُ، وَلَكِنَّ سِيَاقَ الأَحَادِيثِ تَدْفَعُ هَذَا التَّأوِيلَ، والِاعْتِمَادُ عَلَى الأَوَّلِ، ثُمَّ وَجَدْتُ في المُعْجَمِ الكَبِيرِ لِلطَّبَرَانِيِّ مَا يُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ المَذْكُورَ أَوَّلًا، وَهُوَ مَا أخْرَجَهُ زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ ﵁ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ أبِيهِ عَنْ خَارِجَةَ بنِ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ عَنْ أبِيهِ قَالَ: لَيْسَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ بِاليَوْمِ الذِي يَقُولُهُ النَّاسُ، إِنَّمَا كَانَ يَوْمَ تُسْتَرُ فِيهِ الكَعْبَةُ، وَكَانَ يَدُورُ في السَّنَةِ، وَكَانُوا يَأْتُونَ فُلَانًا اليَهُودِيَّ -يَعْنِي لِيَحْسِبَ لَهُمْ- فَلَمَّا أتَوْا زَيْدَ بنَ ثَابِتَ سَأَلُوهُ، وسَنَدُهُ حَسَنٌ، أيْ أَنَّ جَهَلَةَ اليَهُودِ يَعْتَمِدُونَ في صِيَامِهِمْ وَأَعْيَادِهِمْ حِسَابَ النُّجُومِ، فَالسَّنَةُ عِنْدَهُمْ شَمْسِيَّةٌ لَا هِلَالِيَّةٌ (١). رَوَى ابنُ مَاجَهْ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ صَيْفِيٍّ، قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ عَاشُورَاءَ: "مِنْكُمْ أَحَدٌ طَعِمَ الْيَوْمَ؟ " قُلْنَا: مِنَّا طَعِمَ وَمِنَّا مَنْ لَمْ يَطْعَمْ، قَالَ ﷺ : "فَأَتِمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ، مَنْ كَانَ طَعِمَ وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْ، وَأَرْسِلُوا إِلَى أَهْلِ الْعَرُوضِ فَلْيُتمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ".

стр. 918

قَالَ: يَعْنِي أَهْلَ العَرُوضِ حَوْلَ الْمَدِينَةِ (١). وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَصُومُهُ قُرَيْشٌ في الجَاهِلِيَّةِ (٢)، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ صَامَهُ وأمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تُرِكَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ (٣). قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ (٤) وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ فِيمَا يُخَالِفُ فِيهِ أَهْلَ الأَوْثَانِ، فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ واشْتَهَرَ أمْرُ الإِسْلَامِ أحَبَّ مُخَالفَةَ أَهْلِ الكِتَابِ أَيْضًا، كَمَا ثَبَتَ في الصَّحِيحِ (٥)، فَهَذَا مِنْ ذَلِكَ، فَوَافَقَهُمْ أَوَّلًا، وَقَالَ: "نَحْنُ أحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ"،

стр. 919

ثُمَّ أحَبَّ مُخَالفَتَهُمْ، فَأَمَرَ بِأَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ يَوْمٌ قَبْلَهُ، وَيَوْمٌ بَعْدَهُ خِلَافًا لَهُمْ. . . وَعَلَى هَذَا فَصِيَامُ عَاشُورَاءَ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ: أدْنَاهَا أَنْ يُصَامَ وَحْدَهُ، وفَوْقَهُ أَنْ يُصَامَ التَّاسِعُ مَعَهُ، وفَوْقَهُ أَنْ يُصَامَ التَّاسِعُ والحَادِي عَشَرَ، وَاللَّهُ أعْلَمُ (١). * فَضْلُ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ: أَمَّا فَضْلُ صِيَامِ عَاشُورَاءَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِم في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، سُئِلَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ؟ فَقَالَ: "يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ" (٢).

стр. 920

فَرْضُ صِيَامِ رَمَضَانَ فُرِضَ صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ في شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ بَعْدَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ إِلَى الكَعْبَةِ بِشَهْر، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ صَامَ تِسْعَ رَمَضَانَاتٍ (١). وَقَدْ مَرَّ فَرْضُ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاحِلَ: * المَرْحَلة الأُولَى: كَانَ عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ صِيَامِهِ وَبَيْنَ أَنْ يُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَفِي ذَلِكَ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٢). أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قَالَ: كَانَ مَنْ أَرَادَ مِنَّا أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ، حَتَّى نَزَلَتِ الَآيَةُ التِي بَعْدَهَا فنَسَخَتْهَا (٣). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في صَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ عَنْ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ ﵁ قَالَ:

стр. 921

كُنَّا فِي رَمَضَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أفْطَرَ، فَافْتدَى بِطَعَامِ مِسْكِينٍ، حَتَّى أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١). وَقَالَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ: وَقَالَ ابنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثنَا الأَعْمَشُ حَدَّثنَا عَمْرُو بنُ مُرَّةَ حَدَّثنَا ابنُ أَبِي لَيْلَى حَدَّثنَا أصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ : نَزَلَ رَمَضَانُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ مَنْ أطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا تَرَكَ الصَّوْمَ مِمَّنْ يُطِيقُهُ، وَرُخِّصَ لَهُمْ في ذَلِكَ، فنَسَخَتْهَا: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فَأُمُرُوا بِالصَّوْمِ (٢). * المَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ: هِيَ صِيَامُهُ، لَكِنْ إِذَا أفْطَرَ أحَدُهُمْ إِنَّمَا يَحِلُّ لَهُ الأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالجِمَاعُ إِلَى صَلَاةِ العِشَاءِ، أَوْ يَنَامَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَمَتَى نَامَ أَوْ صَلَّى العِشَاءَ حَرُمَ عَلَيْهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ والجِمَاعُ إِلَى اللَّيْلَةِ القَابِلَةِ، فَوَجَدُوا مِنْ ذَلِكَ مَشَقَّةً كَبِيرَةً (٣).

стр. 922

أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ البَرَاءَ بنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: كَانَ أصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا فَحَضَرَ الإِفْطَارَ، فنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلَا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنَّ أبَا قَيْسٍ صِرْمَةَ بنَ أَبِي أنَسٍ الأَنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا، فَلَمَّا حَضَرَ الإِفْطَارُ أَتَى امْرَآتَهُ فَقَالَ لَهَا: أعِنْدَكِ طَعَامٌ؟ قَالَتْ: لَا، وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ، وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ (١)، فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: خَيْبَةٌ (٢) لَكَ، فَأَصْبَحَ صَائِمًا، فَلَمَّا انتصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا، وَنَزَلَتْ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٣). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّاسُ في رَمَضَانَ إِذَا صَامَ الرَّجُلُ فَأَمْسَى، فنَامَ، حَرُمَ عَلَيْهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالنِّسَاءُ حَتَّى يُفْطِرَ مِنَ الغَدِ، فَرَجَعَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَقَدْ سَهِرَ عِنْدَهُ، فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ قَدْ نَامَتْ، فَأَرَادَهَا، فَقَالَتْ: إنِّي قَدْ نِمْتُ، قَالَ: مَا نِمْتِ، ثُمَّ وَقَعَ بِهَا، وَصَنَعَ كَعْبُ بنُ مَالِكٍ مِثْلَ ذَلِكَ،

стр. 923

فَغَدَا عُمَرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ (١). * المَرْحَلَة الثَّالِثَةُ: وهِيَ التِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهَا الشَّرْعُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٢). * هَدْيُ الرَّسُولِ ﷺ في رَمَضَانَ: كَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ في شَهْرِ رَمَضَانَ الإِكْثَارُ مِنْ أنْوَاعِ العِبَادَاتِ، فَكَانَ جِبْرِيلُ ﵇ يُدَارِسُهُ القُرْآنَ في رَمَضَانَ (٣)، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا لَقِيَهُ

стр. 924

جِبْرِيلُ أجْوَدَ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ، وَكَانَ أجْوَدَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ مَا يَكُونُ في رَمَضَانَ (١)، يُكْثِرُ فِيهِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالإِحْسَانِ، وَتِلَاوَةِ القُرْآنِ، وَالصَّلَاةِ، وَالذِّكْرِ، وَالِاعْتِكَافِ، وَكَانَ يَخُصُّ رَمَضَانَ مِنَ العِبَادَةِ بِمَا لَا يَخُصُّ غَيْرَهُ بِهِ مِنَ الشُّهُورِ (٢). * * *

стр. 925

فَرْضُ زَكَاةِ الفِطْرِ وَفِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ فُرِضَتْ زَكَاةُ الفِطْرِ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ زَكَاةُ الأَمْوَالِ (١). أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ قَيْسِ بنِ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ ﵄ قَالَ: كُنَّا نُعْطِي صَدَقَةَ الفِطْرِ (٢) قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاةُ (٣). وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ، وَأَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ ثَعْلَبَةَ بنِ صُعَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ خَطِيبًا، فَأَمَرَ بِصَدَقَةِ الفِطْرِ صَاعَ تَمْرٍ، أَوْ صَاعَ شَعِيرٍ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ، أَوْ قَالَ: عَنْ كُلِّ رَأْسٍ عَنِ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، والحُرِّ وَالعَبْدِ (٤).

стр. 926

وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ والأُنْثَى، والصَّغِيرِ والكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وأمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ (١). * * *

стр. 927

مِنْ بدَايَةِ غَزوَةِ بَدْرٍ الكُبْرَى إِلَى نِهَايَتِهَا غَزوَةُ بَدْرٍ الكُبْرَى (١) * تَارِيخُهَا: كَانَتْ في نَهَارِ يَوْمَ الجُمُعَةِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ (٢). * قَالُوا عَنْهَا: قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَكَانَ ذَلِكَ -أيْ وُقُوعُ غَزْوَةِ بَدْرٍ- يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَافَقَ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ، مِنْ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ مِنَ الهِجْرَةِ، وَهُوَ يَوْمُ الفُرْقَانِ الذِي أعَزَّ اللَّهُ فِيهِ الإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ، وَدَمَغَ (٣) فِيهِ الشِّرْكَ وَخَرَّبَ

стр. 928

مَحِلَّهُ، هَذَا مَعَ قِلَّةِ عَدَدِ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ. . . فَأَعَزَّ اللَّهُ رَسُولَهُ، وأظْهَرَ وَحْيَهُ وتَنْزِيلَهُ، وَبَيَّضَ وَجْهَ النَّبِيِّ ﷺ وقَبِيلَهُ، وَأَخْزَى الشَّيْطَانَ وجِيلَهُ (١). وَقَالَ الشَّيخُ أَبُو الحَسَنِ النَّدْوِيُّ: وفِي رَمَضَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ مِنَ الهِجْرَةِ، كَانَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ الكُبْرَى، وَهِيَ المَعْرَكَةُ الحَاسِمَةُ التِي بِهَا تَقَرَّرَ مَصِيرُ الأُمَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ، وَمَصِيرُ الدَّعْوَةِ الإِسْلَامِيَّةِ، وَعَلَيْهَا يَتَوَقَّفُ مَصِيرُ الإِنْسَانِيَّةِ المَعْنَوِيّ، فكلُّ مَا حَدَثَ مِنْ فُتُوحٍ وَانْتِصَارَاتٍ، وَكُلُّ مَا قَامَ مِنْ دُوَلٍ وَحُكُومَاتٍ، مَدِينٌ لِلْفَتْحِ المُبِينِ في مَيْدَانِ بَدْرٍ، وَلذَلِكَ سَمَّى اللَّهُ هَذِهِ المَعْرَكَةَ: "يَوْمَ الفُرْقَانِ"، فَقَالَ : ﴿. . . إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ (٢). وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَن حبَنَّكَة المَيْدَانِي: كَانَتْ نتائِجُ هَذِهِ الغَزْوَةِ العَظِيمَةِ الدُّفْعَةَ الأُولَى مِنْ عَطَاءَاتِ النَّصْرِ الرَّبَّانِيِّ المُؤَزَّرِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالمُؤْمِنِينَ مَعَهُ، دُونَ أَنْ يَكُونَ لَدَيْهِمْ الوَسَائِلُ وَلَا القُدُرَاتُ المَادِيَّةُ لِاكْتِسَابِ النَّصْرِ. لَقَدْ كَانَ انْتِصَارُ المُسْلِمِينَ عَلَى عَدُوِّهِمْ في هَذِهِ المَعْرَكَةِ بِمَثَابَةِ مُعْجِزَةٍ رَبَّانِيَّةٍ، مَكَّنَ اللَّهُ بِهَا إيمَانَ المُؤْمِنِينَ، وَأَعْطَاهُمْ بِهَا دَلِيلًا مَادِّيًّا مَشْهُودًا عَلَى أَنَّ النَّصْرَ بِيَدِ اللَّهِ تَعَالَى يُعْطِيهِ مَنْ يَشَاءُ (٣).

стр. 929

* سَبَبُ الغَزوَةِ: كَانَ سَبَبُ هَذِهِ الغَزْوَةِ العَظِيمَةِ هُوَ: إقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ بنِ حَرْبٍ مِنَ الشَّامِ في عِيرٍ (١) لِقُرَيْشٍ عَظِيمَةٍ، فِيهَا أمْوَالٌ لَهُمْ، وَتِجَارَةٌ وَهِيَ نَفْسُ العِيرِ التِي أَفْلَتَتْ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ في غَزْوَةِ العُشَيْرَةِ حِينَ ذَهَابِهَا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الشَّامِ (٢). وَكَانَتْ عِيرُهُمْ أَلْفَ بَعِيرٍ، وَكَانَ المَالُ خَمْسِينَ ألْفَ دِينَارٍ، وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْ قُرَيْشٍ أُوقِيَّةٌ فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي سُفْيَانَ، إِلَّا حُوَيْطِبُ بنُ عَبْدِ العُزَّى، فَلِذَلِكَ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْ بَدْرٍ، وَكَانَ فِيهَا ثَلَاثُونَ رَجُلًا أَوْ أرْبَعُونَ، مِنْهُمْ: مَخْرَمَةُ بنُ نَوْفَلٍ، وعَمْرُو بنُ العَاصِ (٣). * تَهَيُّأُ الرَّسُولِ ﷺ وخُروجُهُ إِلَى بَدْرٍ: فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَبِي سُفْيَانَ مُقْبِلًا مِنَ الشَّامِ في تِجَارَةٍ لِقُرَيْشٍ، نَدَبَ (٤) المُسْلِمِينَ إِلَيْهَا، وَقَالَ لَهُمْ: "هَذِهِ عِيرُ قُرَيْشٍ، فِيهَا أمْوَالُهُمْ، فَاخْرُجُوا إِلَيْهَا لَعَلَّ اللَّهَ يُنْفِلُكُمُوهَا" (٥).

стр. 930

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي أيُّوبٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ونَحْنُ في المَدِينَةِ: "إنِّي أُخْبِرْتُ (١) عَنْ عِيرِ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّهَا مُقْبِلةٌ، فهَلْ لَكُمْ أَنْ نَخْرُجَ قِبَلَ هَذِهِ العِيرِ، لَعَلَّ اللَّهَ يُغْنِمْنَاهَا؟ " قُلْنَا: نَعَمْ، فَخَرَجَ وَخَرَجْنَا مَعَهُ (٢). وَلَمْ يَسْتَنْفِرِ الرَّسُولُ ﷺ كُلَّ النَّاسِ، بَلْ طَلَبَ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُ مَنْ كَانَ ظَهْرُهُ (٣) حَاضِرًا، فَانْتَدَبَ النَّاسَ، فَخَفَّ بَعْضُهُمْ وَثَقُلَ بَعْضُهُمْ، فتَخَلَّفَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ؛ لِأنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يَلْقَى حَرْبًا، إِنَّمَا خَرَجَ لِلْعِيرِ (٤). أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ

стр. 931

اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ لنَا طَلِبَةً (١)، فَمَنْ كَانَ ظَهْرُهُ (٢) حَاضِرًا فَلْيَرْكَبْ مَعَنَا" فَجَعَلَ رِجَالٌ يَسْتَأْذِنُونَهُ في ظُهْرَانِهِمْ في عُلْوِ المَدِينَةِ، فَقَالَ: "لَا، إِلَّا مَنْ كَانَ ظُهْرُهُ حَاضِرًا" (٣). وَلذَلِكَ لَمْ يُعَاتِبْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ العَظِيمَةِ. أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: لَمْ أتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةٍ غَزَاهَا إِلَّا في غَزْوَةِ تَبُوكٍ، غَيْرَ أنِّي كُنْتُ تَخَلَّفْتُ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يُعَاتِبْ أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنْهَا، إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ (٤). * تَارِيخُ خُرُوجِهِ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ يَوْمَ السَّبْتِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةٍ خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، واسْتَعْمَلَ ابنَ أُمِّ مَكْتُومٍ ﵁ عَلَى الصَّلَاةِ بِالنَّاسِ، ثُمَّ رَدَّ أبَا لُبَابَةَ

стр. 932

-﵁ مِنَ الرَّوْحَاءِ (١)، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى المَدِينَةِ (٢) كَمَا سَيَأْتِي. * عِدَّةُ المُسْلِمِينَ: وَكَانَ عِدَّةُ مَنْ خَرَجَ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ (٣) عَشَرَ رَجُلًا، مِنَ المُهَاجِرِينَ: نَيِّفًا (٤) عَلَى سِتِّينَ، والأنْصَارِ: نَيِّفًا وأرْبَعِينَ وَمِائتَيْنِ. أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ أصْحَابَ بَدْرٍ ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ بِعِدَّةِ أصْحَابِ طَالُوتَ الذِينَ جَاوَزُوا مَعَهُ النَّهْرَ، وَمَا جَاوَزَ مَعَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ (٥).

стр. 933

وَأَخْرَجَ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ البَرَاءِ ﵁ قَالَ: اسْتُصْغِرْتُ أَنَا وَابْنُ عُمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ المُهَاجِرُونَ يَوْمَ بَدْرٍ نيِّفًا عَلَى سِتِّينَ، وَالأَنْصَارُ نيِّفًا وَأَرْبَعِينَ وَمِائتَيْنِ (١). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ، نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى المُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَاُبهُ ثلَاثُمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا (٢). فَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ هَذِهِ تُفَسِّرُ مَعْنَى البِضْعِ الذِي في حَدِيثِ البَرَاءَ عِنْدَ البُخَارِيِّ بِأَنَّ عَدَدَ المُسْلِمِينَ في بَدْرٍ كَانَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا. وَكَانَ الخَزْرَجُ أكْثَرَ مِنَ الأَوْسِ كَمَا ذَكَرَ ابنُ إسْحَاقَ (٣) في السِّيرَةِ، وإِنَّمَا قَلَّ عَدَدُ الأَوْسِ عَنِ الخَزْرَجِ، وِإِنْ كَانُوا -أي الأَوْسُ- أشَدَّ مِنْهُمْ، وَأَقْوَى شَوْكَةً (٤)، وأصْبَرَ عِنْدَ اللِّقَاءَ؛ لِأَنَّ مَنَازِلَهُمْ كَانَتْ في عَوَالِي المَدِينَةِ، وَجَاءَ النَّفِيرُ (٥)

стр. 934

بَغْتَةً (١)، وَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ : "لَا يَتْبَعْنَا إِلَّا مَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِرًا"، فَاسْتَأْذَنهُ رِجَالٌ ظُهُورُهُمْ في عَلْوِ المَدِينَةِ أَنْ يَسْتَأْنِيَ بِهِمْ حَتَّى يَذْهَبُوا إِلَى ظُهُورِهِمْ، فَأَبَى (٢) وَلمْ يَكنْ عَزْمُهُمْ عَلَى اللِّقَاءَ، وَلَا أعَدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ، وَلَا تَأهَّبُوا لَهُ أُهْبَتَهُ، وَلَكِنْ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ (٣). * مَنْ تَخَلَّفَ بِعُذْرٍ: تَخَلَّفَ عَنِ الخُرُوجِ إِلَى بَدْرٍ عَدَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ بِعُذْرٍ، وَقَدْ ضَرَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسِهَامِهِمْ وَأُجُورِهِمْ، فَمِنْ هَؤُلَاءِ الذِينَ تَخَلَّفُوا بِعُذْرٍ: ١ - عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ ﵁: خَلَّفهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى امْرَأَتِهِ رُقَيَّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتْ مَرِيضَةً، فَأَقَامَ عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَتْ ﵂. أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: إِنَّمَا تَغَيَّبَ عُثْمَانُ عَنْ بَدْرٍ، فَإِنَّهُ كَانَ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَتْ مَرِيضَةً، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ لَكَ أجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ" (٤). ٢ و ٣ - طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وسَعِيدُ بنُ زَيْدٍ ﵄: بَعَثَهُمَا

стр. 935

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يِتَحَسَّسَانِ (١) خَبَرَ العِيرِ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابنُ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لمَّا تَحَيَّنَ (٢) انْصِرَافَ تِلْكَ العِيرِ مِنَ الشَّامِ، بَعَثَ طَلْحَةَ بنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَسَعِيدَ بنَ زَيْدٍ ﵄، يَتَحَسَّسَانِ خَبَرَهَا، . . . فَقَدِمَ طَلْحَةُ وسَعِيدٌ المَدِينَةَ لِيُخْبِرَا رَسُول اللَّهِ ﷺ خَبَرَ العِيرَ، فَوَجَدَاهُ قَدْ أُخْبِرَ بِهَا وَخَرَجَ، فَلَحِقَاهُ حَتَّى لَقِيَاهُ بِتُرْبَانَ (٣) مُنْصَرِفًا مِنْ بَدْرٍ (٤). ٤ - أَبُو لُبَابَةَ بنُ عَبْدِ المُنْذِرِ الأَنْصَارِيُّ ﵁ رَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الرَّوْحَاءِ، واسْتَخْلفهُ عَلَى المَدِينَةِ (٥) كَمَا سَيَأْتِي. رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقْتُلُ الْحَيَّاتِ كلَّهُنَّ، حَتَّى حَدَّثَنَا أَبُو لُبَابَةَ بنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ الْبَدْرِيُّ (٦)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى

стр. 936

عن قَتْلِ جِنَّانِ (١) البُيُوتِ، فَأَمْسَكَ (٢) ٥ - أَبُو أُمَامَةَ بنُ ثَعْلَبَةَ الأَنْصَارِيُّ أَجْمَعَ عَلَى الخُرُوجِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَتْ أُمُّهُ مَرِيضَةً، فَقَالَ لَهُ خَالُهُ أبُو برْدَةَ بنُ نِيَارٍ (٣): أَقِمْ عَلَى أُمِّكَ يَا ابْنَ أُخْتِي، فَقَالَ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ: بَلْ أَنْتَ فَأَقِمْ عَلَى أُخْتِكَ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأَمَرَ أبَا أُمَامَةَ بِالمُقَامِ عَلَى أُمِّهِ، وَخَرَجَ بِأَبِي بُرْدَةَ، فَقَدِمَ الرَّسُولُ ﷺ مِنْ بَدْرٍ وَقَدْ تُوُفِّيَتْ فَصَلَّى عَلَيْهَا (٤). ٦ - عَاصِمُ بنُ عَدِيٍّ العَجْلَانِيُّ خَلَّفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قُبَاءَ وَأَهْلِ العَالِيَةِ (٥) لِشَيْءٍ بَلَغَهُ عَنْهُمْ، فَقَدْ أَخْرَجَ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ عَنْ عَاصِمِ بنِ عَدِيٍّ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَرَادَ الخُرُوجَ إِلَى بَدْرٍ خَلَّفَ عَاصِمَ بنَ عَدِيٍّ عَلَى قُبَاءَ وَأَهْلِ العَالِيَةِ لِشَيْءٍ بَلَغَهُ عَنْهُمْ (٦) فَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمٍ

стр. 937

وَأَجْرِهِ فَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَهَا (١) ٧ - الحَارِثُ بنُ الصِّمَّةِ ﵁ وَقَعَ فكُسِرَ بِالرَّوْحَاءِ، فَرَدَّهُ إِلَى المَدِينَةِ (٢). ٨ - خَوَّاتُ بنُ جُبَيْرٍ ﵁: قَالَ مُوسَى بنُ عُقْبَةَ في مَغَازِيهِ: خَرَجَ خَوَّاتُ بنُ جُبَيْرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَدْرٍ، فَلَمَّا بَلَغَ الصَّفْرَاءَ (٣) أصَابَ سَاقَهُ حَجَرٌ فكُسِرَ، فَرَجَعَ، فَضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَهْمِهِ (٤). ٩ - حُذَيْفَةُ بنُ اليَمَانِ ﵁: أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ بنِ اليَمَانِ ﵁ قَالَ: مَا مَنَعَنِي أَنْ أشْهَدَ بَدْرًا إِلَّا أنَي خَرَجْتُ أنَا وَأَبِي حُسَيْلٌ (٥)، قَالَ: فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ، قَالُوا: إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا؟ فَقُلْنَا: مَا

стр. 938

نُرِيدُهُ، مَا نُرِيدُ إِلَّا المَدِينَةَ، فَأَخَذُوا مِنَّا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَنَنْصَرِفَنَّ إِلَى المَدِينَةِ وَلَا نُقَاتِلَ مَعَهُ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْنَاهُ الخَبَرَ، فَقَالَ: "انْصَرِفَا، نَفِي لَهُمْ بِعَهِدِهِمْ (١)، ونَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ" (٢). ١٠ - جَابِرُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: رَوَى أَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ أَمْتِحُ (٣) لِأَصْحَابِي الْمَاءَ يَوْمَ بَدْرٍ (٤). وَقَدْ أنْكَرَ الوَاقِدِيُّ (٥) رِوَايَةَ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ هَذِهِ، وَقَالَ: هَذَا

стр. 939

وَهْمٌ مِنْ أَهْلِ العِرَاقِ. قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ مُعَلِّقًا عَلَى قَوْلِ الوَاقِدِيِّ في تَارِيخِهِ (١) بِقَوْلِهِ: صَدَقَ، فَإِنَّ زَكَرِيَّا بنَ إِسْحَاقَ رَوَى عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمْ أشْهَدْ بَدْرًا وَلَا أُحُدًا، مَنَعَنِي أَبِي، فَلَمَّا قُتِلَ، لَمْ أَستخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةٍ قَطُّ (٢). وَقَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: ثَبَتَ عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَمْتِحُ المَاءَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَهُوَ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا بِاتِّفَاقٍ (٣). * مَنْ حَضَرَ بَدْرًا وَلَمْ يُبَاشِرِ القِتَالَ: ١١ - أَنَسُ بنُ مَالِكٍ ﵁: أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، والحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ سُئِلَ: هَلْ شَهِدْتَ بَدْرًا؟ فَقَالَ: وَأَيْنَ أَغِيبُ عَنْ بَدْرٍ (٤). قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: كَأَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ في خِدْمَةِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ

стр. 940

-﵁؛ لِأَنَّهُ خَدَمَ الرَّسُولَ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ ابْتِدَاءَ خِدْمَتِهِ لَهُ ﷺ حِينَ قُدُومِهِ المَدِينَةَ، فَكَأَنَّهُ خَرَجَ مَعَهُ إِلَى بَدْرٍ، أَوْ خَرَجَ مَعَ عَمِّهِ زَوْجِ أُمِّهِ أَبِي طَلْحَةَ (١). وَقَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَمْ يَعُدَّ أصْحَابُ المَغَازِي أنَسَ بنَ مَالِكٍ في البَدْرِيِّينَ؛ لِكَوْنِهِ حَضَرَهَا صَبِيًّا مَا قَاتَلَ، بَلْ بَقِيَ في رِحَالِ الجَيْشِ، فَهَذَا وَجْهُ الجَمْعِ (٢). ١٢ - حَارِثَةُ بنُ سُرَاقَةَ ﵁، وَأُمُّهُ هِيَ الرُبَيِّعُ -بِضَمِّ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ اليَاءِ-: خَرَجَ ﵁ لِيَنْظُرَ أحْدَاثَ القِتَالِ، فَأَصَابَهُ سَهْمٌ فَقتَلَهُ، فَعُدَّ مِمَّنْ شَهِدَهَا، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أَنَّ حَارِثَةَ ابنَ الرُبَيِّعِ، جَاءَ يَوْمَ بَدْرٍ نَظَّارًا (٣)، وَكَانَ غُلَامًا، فَجَاءَ سَهْمٌ غَرْبٌ (٤) فَوَقَعَ فِي ثُغْرَهِ (٥) نَحْرِهِ (٦) فَقَتَلَهُ (٧). وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ في السُّنَنِ الْكُبْرَى قَالَ أَنَسٌ ﵁: انْطَلَقَ حَارِثَةُ ابنُ

стр. 941

عَمَّتِي نَظَّارًا يَوْمَ بَدْرٍ، مَا انْطَلَقَ لِقِتَالٍ، فَأَصَابَهُ سَهْم، فَقتَلَهُ (١). وَذَكَرَ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ أسْمَاءَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا فَذَكَرَهُ مِنْهُمْ، فَقَالَ: حَارِثَةَ بنَ الرُبَيِّعِ الأَنْصَارِيَّ، قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَهُوَ حَارِثَةُ بنُ سُرَاقَةَ كَانَ في النَّظَّارَةِ (٢). * الِاخْتِلَافُ في شُهُودِ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ ﵁ بَدْرًا: ١٣ - سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ ﵁: اخْتُلِفَ في شُهُودِهِ غَزْوَةَ بَدْرٍ. قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: لَمْ يَشْهَدْ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ ﵁ بَدْرًا، وَإِنْ كَانَ يُعَدُّ فِيهِمْ لِكَوْنِهِ مِمَّنْ ضُرِبَ لَهُ بِسَهْمِهِ (٣). وَقَالَ الحَافِظُ في التَّهْذِيبِ: ذَكَرَ البُخَارِيُّ، وَأَبُو حَاتِمٍ، وَأَبُو أَحْمَدَ الحَاكِمُ، وَابْنُ حِبَّانَ، أَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا (٤). قُلْتُ: وَقَعَ ذِكْرُهُ في رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عِنْدَمَا اسْتَشَارَ الرَّسُولُ ﷺ أَصْحَابَهُ في بَدْرٍ كَمَا سَيَأْتِي.

стр. 942

* العَدَدُ الحَقِيقِيُّ لِمَنْ شَهِدَ القِتَالَ يَوْمَ بَدْرٍ: إِذَا تَحَرَّرَ هَذَا الجَمْعُ فَلْيُعْلَمْ أَنَّ الجَمِيعَ لَمْ يَشْهَدُوا القِتَالَ، وإِنَّمَا شَهِدَهُ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتَّةٌ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ أَهْلَ بَدْرٍ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتَّةِ رِجَالٍ، وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ: أَنَّهُمْ كَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وخَمْسَةً (١)، وكَأَنَّهُ لَمْ يَعُدَّ فِيهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (٢). وَكَانَ قَدْ تَخَلَّفَ عَنْ بَدْرٍ رِجَالٌ آخَرُونَ مِنْ أكَابِرِ الصَّحَابَةِ مِنَ النُّقَبَاءَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ وَغَيْرِهِمْ بِغَيْرِ عُذْرٍ، لِأنَّهُمْ لَمْ يَظُنُّوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلْقَى حَرْبًا أَوْ قِتَالًا حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ (٣). * عَتَادُ المُسْلِمِينَ: خَرَجَ المُسْلِمُونَ إِلَى بَدْرٍ وعَامَّتُهُمْ مُشَاةٌ عَلَى أقْدَامِهِمْ، وَكَانَ مَعَهُمْ سَبْعُونَ بَعِيرًا يَتَعَاقَبُونَهَا كُلُّ ثَلَاثَةٍ عَلَى بَعِيرٍ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ وَأَبُو لُبَابَةَ يَعْتَقِبُونَ بَعِيرًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا يَوْمَ بَدْرٍ كُلُّ ثَلَاثَةٍ عَلَى بَعْيرٍ، كَانَ أَبُو لُبَابَةَ (٤)، وَعَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ، زَمِيلَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ،

стр. 943

قَالَ: وَكَانَتْ عَقَبَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَا: نَحْنُ نَمْشِي عَنْكَ، فَقَالَ ﷺ : "مَا أنْتُمَا أَقْوَى مِنِّي، وَلَا أنَا بِأَغْنَى عَنِ الأَجْرِ مِنْكُمَا" (١). وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁، وَعُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ ﵁ يَعْتَقِبُونَ بَعِيرًا، وَكَانَ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁، وزَيْدُ بنُ حَارِثَةَ ﵁، وَأَبُو كَبْشَةَ ﵁ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَعْتَقِبُونَ بَعِيرًا (٢). * قَطْعُ الأَجْرَاسِ مِنْ أعْنَاقِ الإِبِلِ: وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بالْأَجْرَاسِ أَنْ تُقْطَعَ مِنْ أعْنَاقِ الإِبِلِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِالأَجْرَاسِ أَنْ تُقْطَعَ مِنْ أعْنَاقِ الإِبِلِ يَوْمَ بَدْرٍ (٣). قَالَ الإِمَامُ مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى: النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ لِئَلَّا تَخْتَنِقَ الدَّابَّةُ بِهَا عِنْدَ شِدَّةِ الرَّكْضِ (٤).

стр. 944

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: نَهَى عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الدَّوَابَّ تَتَأَذَّى بِذَلِكَ ويَضِيقُ عَلَيْهَا نَفَسُهَا وَرَعْيُهَا، ورُبَّمَا تَعَلَّقَتْ بِشَجَرَةٍ فَاخْتَنَقَتْ، أَوْ تَعَوَّقَتْ عَنِ السَّيْرِ (١). وَقَالَ الإِمَامُ مَالِكٌ فِيمَا أخْرَجَهُ عَنْهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ: أُرَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ العَيْنِ (٢). قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَيُؤَيِّدُ -أيْ قَولَ الإِمَامِ مَالِكٍ- قَوْلُهُ ﷺ : فِي الحَدِيثِ الذِي أخْرَجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ" (٣). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ ﷺ : "مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً، فَلَا أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ" (٤). وَالتَّمِيمَةُ: مَا عُلِّقَ مِنَ القَلَائِدِ خَشْيَةَ العَيْنِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: إِذَا اعْتَقَدَ الذِي قَلَّدَهَا أَنَّهَا تَرُدُّ العَيْنَ فَقَدْ ظَنَّ أَنَّهَا تَرُدُّ القَدَرَ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ اعْتِقَادُهُ (٥).

стр. 945

* كَمْ عَدَدُ فُرْسَانِ المُسْلِمِينَ ؟ : وَكَانَ مَعَ المُسْلِمِينَ فَرَسٌ وَاحِدٌ فَقَطْ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وابْنُ حِبَّانَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: مَا كَانَ فِينَا فَارِسٌ يَوْمَ بَدْرٍ غَيْرَ المِقْدَادِ (١) قَالَ الحَافِظُ في التَّهْذِيبِ: لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ مِمَّنْ شَهِدَهَا فَارِسًا غَيْرُ المِقْدَادِ ﵁ (٢). والمِقْدَادُ هُوَ ابنُ عَمْرٍو ﵁، وَيُقَالُ لَهُ: المِقْدَادُ بنُ الأَسْوَدِ؛ لِأَنَّ الأَسْوَدَ بنَ عَبْدِ يَغُوثَ كَانَ قَدْ تَبَنَّاهُ في الجَاهِلِيَّةِ فَصَارَ يُنْسَبُ إِلَيْهِ، وغَلَبَتْ عَلَيْهِ، وَاشْتُهِرَ بِذَلِكَ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (٣)، قِيلَ لَهُ: المِقْدَادُ بنُ عَمْرٍو ﵁ (٤). * النَّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ : وَمَعَ هَذِهِ القِلَّةِ التِي كَانَتْ في المُسْلِمِينَ في العَدَدِ وَالعُدَّةِ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ نَصَرَهُمْ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، وَصَدَقَ اللَّهُ العَظِيمُ إِذْ يَقُولُ: ﴿وَلَقَدْ

стр. 946

نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ (١) فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢). أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عِيَاضٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: شَهِدْتُ اليَرْمُوكَ (٣)، وَعَلَيْنَا خَمْسَةُ أُمَرَاءَ: أَبُو عُبَيْدةَ بنُ الجَرَّاحِ، ويَزِيدُ بنُ أَبِي سُفْيَانَ، وشُرَحْبِيلُ بنُ حَسَنَةَ، وخَالِدُ بنُ الوَليدِ، وَعِيَاضُ بنُ غَنْمٍ. . . فكَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁: إِنِّي أدُلُّكُمْ عَلَى مَا هُوَ أَعَزُّ نَصْرًا وَأَحْصَنُ جُنْدًا، اللَّهُ ، فَاسْتَنْصِرُوهُ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ نُصرَ يَوْمَ بَدْرٍ في أقَلَّ مِنْ عِدَّتِكُمْ (٤). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَقَدْ كَانَ لِلصَّحَابَةِ ﵃ في بَابِ الشَّجَاعَةِ والِائْتِمَارِ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَامْتِثَالِ مَا أرْشَدَهُمْ إِلَيهِ مَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنَ الأُمَمِ

стр. 947

وَالقُرُونِ قَبْلَهُمْ، وَلَا يَكُونَ لِأَحَدٍ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ، فَإِنَّهُمْ بِبَرَكَةِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَطَاعَتِهِ فِيمَا أمَرَهُمْ، فتَحُوا القُلُوبَ وَالأَقَالِيمَ شَرْقًا وَغَرْبًا فِي المُدَّةِ اليَسِيرَةِ، مَعَ قِلَّةِ عَدَدِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جُيُوشِ سَائِرِ الأَقَالِيمِ، مِنَ الرُّومِ وَالفُرْسِ وَالتُّرْكِ والصَّقَالِبَةِ وَالبَرْبَرِ وَالحُبُوشِ وَأَصْنَافِ السُّودَانِ والقِبْطِ، وطَوَائِفِ بَنِي آدَمَ، قَهَرُوا الجَمِيعَ حَتَّى عَلَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ، وَظَهَرَ دِينُهُ عَلَى سَائِرِ الأَدْيَانِ، وَامْتَدَّتِ المَمَالِكُ الإِسْلَامِيَّةُ فِي مَشَارِقِ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِينَ سَنَةٍ، فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ أَجْمَعِينَ، وَحَشَرَنَا فِي زُمْرَتِهِمْ، إِنَّهُ كَرِيمٌ وَهَّابٌ (١). * اسْتِعْرَاضُ الرَّسُولِ ﷺ أصْحَابَهُ وَرَدُّهُ الصِّغَارَ: خَرَجَ الرَّسُولُ ﷺ ، وخَيَّمَ بِعَسْكَرِهِ عِنْدَ بِئْرِ أَبِي عِنبَةٍ (٢)، فَعَرَضَ أصْحَابَهُ، وَرَدَّ مَنِ اسْتَصْغَرَهُ، وَكَانَ مِمَّنْ رَدَّهُ: أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ، وَالبَرَاءُ بنُ عَازِبٍ، وَرَافِعُ بنُ خَدِيج، وَأُسَيْدُ بنُ ظُهَيْرٍ، وَزَيْدُ بنُ أَرْقَمٍ، وَزَيْدُ بنُ ثَابِتٍ ﵃ أَجْمَعِينَ (٣). أَخْرَجَ إلإِمَامُ البُخَاريُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ:

стр. 948

اسْتُصْغِرْتُ أَنَا وابْنُ عُمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ (١). وفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قَالَ البَرَاءُ ﵁: اسْتَصْغَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَا وَابْنُ عُمَرَ، فرُدِدْنَا يَوْمَ بَدْرٍ (٢). وَرُدَّ عُمَيْرُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ فبَكَى، فَأَجَازَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ سَعْدٌ: رَأَيْتُ أَخِي عُمَيْرًا قَبْلَ أَنْ يَعْرِضَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْخُرُوجِ إِلَى بَدْرٍ يَتَوَارَى، فَقُلْتُ: مَالَكَ يَا أَخِي؟ فَقَالَ: إِنِّي أخَافُ أَنْ يَرَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَسْتَصْغِرَنِي فَيَرُدَّنِي، وَأَنَا أُحِبُّ الخُرُوجَ لَعَلَّ اللَّهَ يَرْزُقُنِي الشَّهَادَةَ، قَالَ: فَعُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَصْغَرَهُ، فَقَالَ: "ارْجعْ"، فبَكَى عُمَيْرٌ، فَأَجَازَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ سَعْدٌ: فكُنْتُ أَعْقِدُ لَهُ حَمَائِلَ سَيْفِهِ (٣) مِنْ صِغَرِهِ (٤). وَقُتِلَ عُمَيْرٌ ﵁ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَعُمُرُهُ لسِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً (٥)، فَقَدْ أَخْرَجَ

стр. 949

الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ لِغَيْرِهِ عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ قُتِلَ أَخِي عُمَيْرٌ (١). وَكَانَ عُمَيْرٌ ﵁ قَدِيمَ الإِسْلَامِ، مُهَاجِرِيّ، أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ مُصْعَبِ بنِ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِقَصْعَةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَفَضَلَةٌ فَضْلَةٌ، فَقَالَ ﷺ : "يَجِيءُ رَجُلٌ مِنْ هَذَا الفَجِّ (٢) يَأْكُلُ هَذِهِ الفَضْلةَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ". قَالَ سَعْدٌ: وَكُنْتُ تَرَكْتُ أَخِي عُمَيْرًا يَتَوَضَّأُ، قَالَ، فَقُلْتُ: هُوَ عُمَيْرٌ، قَالَ: جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ فَأَكَلَهَا (٣). * تَوْزِيعُ القِيَادَاتِ: دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اللِّوَاءَ (٤) الأَعْظَمَ، وَكَانَ أبْيَضَ إِلَى مُصْعَبِ بنِ عُمَيْرٍ، وَقَسَّمَ جَيْشَهُ إِلَى كَتِيبَتَيْنِ: ١ - كَتِيبَةُ المُهَاجِرِينَ: وَأَعْطَى عَلَمَهَا عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁. ٢ - كَتِيبَةُ الأَنْصَارِ: وَأَعْطَى عَلَمَهَا سَعْدَ بنَ مُعَاذٍ ﵁.

стр. 950

وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزُّبَيْرَ بنَ العَوَّامِ عَلَى المَيْمَنَةِ، وَالمِقْدَادَ بنَ عَمْرٍو عَلَى المَيْسَرَةِ، وَجَعَلَ عَلَى السَّاقَةِ (١) قَيْسَ بنَ أَبِي صَعْصَعَةَ، وَظَلَّتِ القِيَادَةُ العَّامَّةُ في يَدِ الرَّسُولِ ﷺ كَقَائِدٍ أَعْلَى لِلْجَيْشِ (٢). وَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقْرَ المُسْلِمِينَ قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ حُفَاةٌ فَاحْمِلْهُمْ، اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ عُرَاةٌ فَاكسُهُمْ، اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ جِيَاعٌ فَأَشْبِعْهُمْ". قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَمْرٍو ﵄: فَفَتَحَ اللَّه لَهُ يَوْمَ بَدْرٍ، فَانْقَلَبُوا (٣) حِينَ انْقَلَبُوا وَمَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَقَدْ رَجَعَ بِجَمَلٍ أَوْ جَمَلَيْنِ، وَاكْتَسَوْا، وشَبِعُوا (٤). * الرَّسُولُ ﷺ يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِالفِطْرِ: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمَرَ أصْحَابَهُ بِالإِفْطَارِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: غَزَوْنَا
следующие страницы →