← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ (١) فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢). أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عِيَاضٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: شَهِدْتُ اليَرْمُوكَ (٣)، وَعَلَيْنَا خَمْسَةُ أُمَرَاءَ: أَبُو عُبَيْدةَ بنُ الجَرَّاحِ، ويَزِيدُ بنُ أَبِي سُفْيَانَ، وشُرَحْبِيلُ بنُ حَسَنَةَ، وخَالِدُ بنُ الوَليدِ، وَعِيَاضُ بنُ غَنْمٍ. . . فكَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁: إِنِّي أدُلُّكُمْ عَلَى مَا هُوَ أَعَزُّ نَصْرًا وَأَحْصَنُ جُنْدًا، اللَّهُ ، فَاسْتَنْصِرُوهُ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ نُصرَ يَوْمَ بَدْرٍ في أقَلَّ مِنْ عِدَّتِكُمْ (٤). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَقَدْ كَانَ لِلصَّحَابَةِ ﵃ في بَابِ الشَّجَاعَةِ والِائْتِمَارِ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَامْتِثَالِ مَا أرْشَدَهُمْ إِلَيهِ مَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنَ الأُمَمِ

стр. 947

وَالقُرُونِ قَبْلَهُمْ، وَلَا يَكُونَ لِأَحَدٍ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ، فَإِنَّهُمْ بِبَرَكَةِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَطَاعَتِهِ فِيمَا أمَرَهُمْ، فتَحُوا القُلُوبَ وَالأَقَالِيمَ شَرْقًا وَغَرْبًا فِي المُدَّةِ اليَسِيرَةِ، مَعَ قِلَّةِ عَدَدِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جُيُوشِ سَائِرِ الأَقَالِيمِ، مِنَ الرُّومِ وَالفُرْسِ وَالتُّرْكِ والصَّقَالِبَةِ وَالبَرْبَرِ وَالحُبُوشِ وَأَصْنَافِ السُّودَانِ والقِبْطِ، وطَوَائِفِ بَنِي آدَمَ، قَهَرُوا الجَمِيعَ حَتَّى عَلَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ، وَظَهَرَ دِينُهُ عَلَى سَائِرِ الأَدْيَانِ، وَامْتَدَّتِ المَمَالِكُ الإِسْلَامِيَّةُ فِي مَشَارِقِ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِينَ سَنَةٍ، فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ أَجْمَعِينَ، وَحَشَرَنَا فِي زُمْرَتِهِمْ، إِنَّهُ كَرِيمٌ وَهَّابٌ (١). * اسْتِعْرَاضُ الرَّسُولِ ﷺ أصْحَابَهُ وَرَدُّهُ الصِّغَارَ: خَرَجَ الرَّسُولُ ﷺ ، وخَيَّمَ بِعَسْكَرِهِ عِنْدَ بِئْرِ أَبِي عِنبَةٍ (٢)، فَعَرَضَ أصْحَابَهُ، وَرَدَّ مَنِ اسْتَصْغَرَهُ، وَكَانَ مِمَّنْ رَدَّهُ: أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ، وَالبَرَاءُ بنُ عَازِبٍ، وَرَافِعُ بنُ خَدِيج، وَأُسَيْدُ بنُ ظُهَيْرٍ، وَزَيْدُ بنُ أَرْقَمٍ، وَزَيْدُ بنُ ثَابِتٍ ﵃ أَجْمَعِينَ (٣). أَخْرَجَ إلإِمَامُ البُخَاريُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ:

стр. 948

اسْتُصْغِرْتُ أَنَا وابْنُ عُمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ (١). وفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قَالَ البَرَاءُ ﵁: اسْتَصْغَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَا وَابْنُ عُمَرَ، فرُدِدْنَا يَوْمَ بَدْرٍ (٢). وَرُدَّ عُمَيْرُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ فبَكَى، فَأَجَازَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ سَعْدٌ: رَأَيْتُ أَخِي عُمَيْرًا قَبْلَ أَنْ يَعْرِضَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْخُرُوجِ إِلَى بَدْرٍ يَتَوَارَى، فَقُلْتُ: مَالَكَ يَا أَخِي؟ فَقَالَ: إِنِّي أخَافُ أَنْ يَرَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَسْتَصْغِرَنِي فَيَرُدَّنِي، وَأَنَا أُحِبُّ الخُرُوجَ لَعَلَّ اللَّهَ يَرْزُقُنِي الشَّهَادَةَ، قَالَ: فَعُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَصْغَرَهُ، فَقَالَ: "ارْجعْ"، فبَكَى عُمَيْرٌ، فَأَجَازَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ سَعْدٌ: فكُنْتُ أَعْقِدُ لَهُ حَمَائِلَ سَيْفِهِ (٣) مِنْ صِغَرِهِ (٤). وَقُتِلَ عُمَيْرٌ ﵁ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَعُمُرُهُ لسِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً (٥)، فَقَدْ أَخْرَجَ

стр. 949

الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ لِغَيْرِهِ عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ قُتِلَ أَخِي عُمَيْرٌ (١). وَكَانَ عُمَيْرٌ ﵁ قَدِيمَ الإِسْلَامِ، مُهَاجِرِيّ، أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ مُصْعَبِ بنِ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِقَصْعَةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَفَضَلَةٌ فَضْلَةٌ، فَقَالَ ﷺ : "يَجِيءُ رَجُلٌ مِنْ هَذَا الفَجِّ (٢) يَأْكُلُ هَذِهِ الفَضْلةَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ". قَالَ سَعْدٌ: وَكُنْتُ تَرَكْتُ أَخِي عُمَيْرًا يَتَوَضَّأُ، قَالَ، فَقُلْتُ: هُوَ عُمَيْرٌ، قَالَ: جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ فَأَكَلَهَا (٣). * تَوْزِيعُ القِيَادَاتِ: دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اللِّوَاءَ (٤) الأَعْظَمَ، وَكَانَ أبْيَضَ إِلَى مُصْعَبِ بنِ عُمَيْرٍ، وَقَسَّمَ جَيْشَهُ إِلَى كَتِيبَتَيْنِ: ١ - كَتِيبَةُ المُهَاجِرِينَ: وَأَعْطَى عَلَمَهَا عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁. ٢ - كَتِيبَةُ الأَنْصَارِ: وَأَعْطَى عَلَمَهَا سَعْدَ بنَ مُعَاذٍ ﵁.

стр. 950

وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزُّبَيْرَ بنَ العَوَّامِ عَلَى المَيْمَنَةِ، وَالمِقْدَادَ بنَ عَمْرٍو عَلَى المَيْسَرَةِ، وَجَعَلَ عَلَى السَّاقَةِ (١) قَيْسَ بنَ أَبِي صَعْصَعَةَ، وَظَلَّتِ القِيَادَةُ العَّامَّةُ في يَدِ الرَّسُولِ ﷺ كَقَائِدٍ أَعْلَى لِلْجَيْشِ (٢). وَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقْرَ المُسْلِمِينَ قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ حُفَاةٌ فَاحْمِلْهُمْ، اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ عُرَاةٌ فَاكسُهُمْ، اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ جِيَاعٌ فَأَشْبِعْهُمْ". قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَمْرٍو ﵄: فَفَتَحَ اللَّه لَهُ يَوْمَ بَدْرٍ، فَانْقَلَبُوا (٣) حِينَ انْقَلَبُوا وَمَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَقَدْ رَجَعَ بِجَمَلٍ أَوْ جَمَلَيْنِ، وَاكْتَسَوْا، وشَبِعُوا (٤). * الرَّسُولُ ﷺ يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِالفِطْرِ: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمَرَ أصْحَابَهُ بِالإِفْطَارِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: غَزَوْنَا

стр. 951

مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوَتَيْنِ في شَهْرِ رَمَضَانَ: يَوْمَ بَدْرٍ، وَيَوْمَ الفَتْحِ، فَأَفْطَرْنَا فِيهِمَا (١). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في رَمَضَانَ، فَمِنَّا الصَّائِمُ، وَمِنَّا المُفْطِرُ، فَلَا يَجِدُ الصَّائِمُ عَلَى المُفْطِرِ، وَلَا المُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ، يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ، فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ، وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ ضَعْفًا فَأفْطَرَ، فَإِنَّ ذَلِكَ حسنٌ (٢). وَمِمَّا يُؤَكِّدُ عَلَى أَنَّ المُسْلِمِينَ أَفْطَرُوا في هَذِهِ الغَزْوَةِ العَظِيمَةِ مَا أخْرَجَهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ، في قِصَّةِ عُمَيْرِ بنِ الحُمَامِ ﵁ عِنْدَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ". فَقَالَ عُمَيْرُ بنُ الحُمَامِ الأَنْصَارِيُّ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ! جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ؟ . قَالَ: "نَعَمْ".

стр. 952

قَالَ: بَخٍ بَخٍ (١). . . فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ (٢)، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ أنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ، إنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ، فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ ﵁ (٣). * طَرِيقُ الرَّسُولِ ﷺ إِلَى بَدْرٍ: سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في هَذَا الجَيْشِ غَيْرَ المُتَأَهِّبِ عَلَى الطَّرِيقِ الرَّئِيسِيِّ المُؤَدِّي إِلَى مَكَّةَ، ثُمَّ عَلَى ذِي الحُلَيْفَةِ، حَتَّى بَلَغَ بِئْرَ الرَّوْحَاءِ، فنَزَلَ بِهَا، ثُمَّ ارْتَحَلَ مِنْهَا حَتَّى إِذَا كَانَ بِالمُنْصَرَفِ (٤)، تَرَكَ طَرِيقَ مَكَّةَ عَنْ يَسَاره، وانْحَرَفَ ذَاتَ اليَمِينِ عَلَى النَّازِيَةِ (٥) يُرِيدُ بَدْرًا، فَسَلَكَ في نَاحِيَةٍ مِنْهَا، حَتَّى جَزَعَ وَادِيًا (٦) يُقَالُ لَهُ: رُحْقَانٌ، بَيْنَ النَّازِيَةِ وبَيْنَ مَضِيقِ الصَّفْرَاءِ (٧)، ثُمَّ مَرَّ عَلَى

стр. 953

المَضِيقِ، ثُمَّ انْصَبَّ (١) مِنْهُ، حَتَّى قَرُبَ مِنَ الصَّفْرَاءِ، وَهُنَالِكَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَسْبَسَة بنَ عَمْرٍو الجُهَنِيَّ، وعَدِيَّ بنَ أَبِي الزَّغْبَاءِ ﵄ إِلَى بَدْرٍ يَتَحَسَّسَانِ لَهُ أخْبَارَ العِيرِ (٢). * رَفْضُ الرَّسُولِ ﷺ الاسْتِعَانَةَ بِمُشْرِكٍ: وَفِي الطَّرِيقِ وعِنْدَ حَرَّةِ الوَبْرَةِ (٣) أَدْرَكَ الرَّسُولَ ﷺ رَجَلٌ مُشْرِكٌ يَطْلُبُ اتِّبِاعَهُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبَلَ بَدْرٍ، فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الوَبْرَةِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ (٤) وَنَجْدَهٌ (٥)، فَفَرِحَ أصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَأَوْهُ، فَلَمَّا أدْرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : جِئْتُ لِأَتْبَعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ، فَقَال لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولهِ؟ ". قَالَ: لَا. قَالَ: "فَارْجعْ، فَلَنْ أسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ".

стр. 954

قَالَتْ: ثُمَّ مَضَى، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالشَّجَرَةِ أدْرَكَهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ ﷺ كَمَا قَالَ أوَّلَ مَرَّةٍ، قَالَ: "فَارْجعْ فَلَنْ أسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ". قَالَتْ: ثُمَّ رَجَعَ، فَأَدْرَكَهُ بِالبَيْدَاءِ (١)، فَقَالَ لَهُ ﷺ كَمَا قَالَ أوَّلَ مَرَّةٍ: "تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولهِ؟ ". قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ له الرَّسُولُ ﷺ : "فَانْطَلِقْ" (٢). قَالَ الحَازِمِيُّ "في الِاعْتِبَارِ" بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَ هَذَا الحَدِيثَ: وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ في هَذَا البَابِ، فَذَهَبَتْ جَمَاعَةٌ إِلَى مَنْعِ الِاسْتِعَانَةِ بِالمُشْرِكِينَ مُطْلَقًا، وتَمَسَّكُوا بِظَاهِرِ هَذَا الحَدِيثِ، وَقَالُوا: هَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمَا يُعَارِضُهُ لَا يُوَازِيهِ في الصِّحَّةِ والثُّبُوتِ، فتَعَذَّرَ ادِّعَاءُ النَّسْخِ بِهَذَا. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَغْزُوا مَعَهُ وَيَسْتَعِينَ بِهِمْ، وَلَكِنْ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ في المُسْلِمِينَ قِلَّةٌ، وَتَدْعُو الحَاجَةُ إِلَى ذَلِكَ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُوُنوا مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِمْ، وَلَا يُخْشَى ثَائِرَتُهُمْ، فَمَتَى فُقِدَ هَذَانِ

стр. 955

الشَّرْطَانِ، لَمْ يَجُزْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِهِمْ. قَالُوا: وَمَعَ وُجُودِ الشَّرْطَيْنِ يَجُوزُ الِاسْتِعَانَةُ بِهِمْ، وتَمَسَّكُوا في ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعَانَ بِصَفْوَانَ بنِ أُمَيَّةَ في قِتَالِ هَوَازِنَ يَوْمَ حُنَيْنٍ (١)، قَالُوا: وَتَعَيَّنَ المَصِيرُ إِلَى هَذَا؛ لِأَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ ﵂ كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَهُوَ مُتَقَدِّمٌ فَيَكُونُ مَنْسُوخًا. * أَبُو سُفْيَانَ يَسْتَنْفِرُ قُرَيْشًا: كَانَ أَبُو سُفْيَانَ -وَهُوَ رَئيسُ العِيرِ- في غَايَةِ الحِيطَةِ وَالحَذَرِ، فَقَدْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ طَرِيقَ مَكَّةَ مَحْفُوفٌ بِالأَخْطَارِ، وَكَانَ يَتَحَسَّسُ الأَخْبَارَ، وَيَسْأَلُ مَنْ لَقِيَ مِنَ الرُّكْبَانِ، حَتَّى جَاءَهُ الخَبَرُ مِنْ بَعْضِ الرُّكْبَانِ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَدِ اسْتَنْفَرَ أصْحَابَهُ لِلْعِيرِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ اسْتَأْجَرَ أَبُو سُفْيَانَ ضَمْضَمَ بنَ عَمْرٍو الغِفَارِيَّ، وَبَعَثَهُ إِلَى مَكَّةَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْتِي قُريْشًا فَيَسْتَنْفِرَهُمْ إِلَى أمْوَالهِمْ، وَيُخْبِرَهُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ عَرَضَ لَهَا في أَصْحَابِهِ، فَخَرَجَ ضَمْضَمُ سَرِيعًا حَتَّى أَتَى مَكَّةَ، فَصَرَخَ بِبَطْنِ الوَادِي وَاقِفًا عَلَى بَعِيرِهِ، وَقَدْ جَدَعَ (٢) أنْفَ بَعِيرِهِ، وَحَوَّلَ رَحْلَهُ، وَشَقَّ قَمِيصَهُ،

стр. 956

وَهُوَ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! اللَّطِيمَةَ (١) اللَّطِيمَةَ، أمْوَالُكُمْ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ قَدْ عَرَضَ لَهَا مُحَمَّدٌ في أَصْحَابِهِ، لَا أَرَى أَنْ تُدْرِكُوهَا، الغَوْثَ الغَوْثَ (٢). * رُؤْيَا عَاتِكَةَ (٣): وَقَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ ضَمْضَمٌ إِلَى مَكَّةَ بِثَلَاثِ لَيَالٍ رَأَتْ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ المُطَّلِبِ -عَمَّةُ الرَّسُولِ ﷺ رُؤْيَا أخَافتهَا وَأَفْزَعَتْهَا، فَبَعَثَتْ إِلَى أخِيهَا العَبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁ فَقَالَتْ لَهُ: يَا أَخِي! وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا أفْظَعَتْنِي (٤) وَتَخَوَّفْتُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى قَوْمِكَ مِنْهَا شَرٌّ وَمُصِيبَةٌ، فَاكْتُمْ عَنِّي مَا أُحَدِّثُكَ بِهِ، فَقَالَ لَهَا: وَمَا رَأَيْتِ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَاكِبًا أَقْبلَ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ، حَتَّى وَقَفَ بِالأَبْطَحِ (٥)، ثُمَّ صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتهِ: أَلَا انْفِرُوا يَا آلَ غُدْرٍ لِمَصَارِعِكُمْ في ثَلَاثٍ، فَأَرَى النَّاسَ اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ وَالنَّاسُ يَتْبَعُونَهُ، فَبَيْنَمَا هُمْ حَوْلهُ مَثَلَ بِهِ بَعِيرُهُ عَلَى ظَهْرِ الكَعْبَةِ، ثُمَّ صَرَخَ بِمِثْلِهَا: أَلَا انْفِرُوا يَا آل غُدْرٍ

стр. 957

لِمَصَارِعِكُمْ في ثَلَاثٍ، ، ثُمَّ أَخَذَ صَخْرَة فَأَرْسَلَهَا (١)، فَأَقْبِلِتْ تهْوِي (٢) حَتَّى إِذَا كَانَتْ بِأَسْفَلِ الجَبَلِ ارْفَضَّتْ (٣)، فَمَا بَقِيَ بَيْتٌ مِنْ بُيُوتِ مَكَّةَ وَلَا دَارٌ إِلَّا دَخَلَتْهَا مِنْهُ فِلْقَةٌ. فَقَالَ العَبَّاسُ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَرُؤْيَا، وَأَنْتِ فَاكْتُمِيهَا، وَلَا تَذْكُرِيهَا لِأَحَدٍ. ثُمَّ خَرَجَ العَبَّاسُ، فَلَقِيَ الوَليدَ بنَ عُتْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ، وَكَانَ لَهُ صَدِيقًا، فَذَكَرَهَا لَهُ، وَاسْتَكْتَمَهُ إيَّاهَا، فَذَكَرَهَا الوَلِيدُ لِأَبِيهِ عُتْبَةُ، فَفَشَا (٤) الحَدِيثُ بِمَكَّةَ، حَتَّى تَحَدَّثَتْ بِهِ قُرَيْشٌ في أنْدِيَتِهَا. قَالَ العَبَّاسُ: فَغَدَوْتُ لِأَطُوفَ بِالبَيْتِ، وَأَبُو جَهْلِ بنُ هِشَامٍ في رَهْطٍ (٥) مِنْ قُرَيْشٍ قُعُودٌ يَتَحَدَّثُونَ بِرُؤْيَا عَاتِكَةَ، فَلَمَّا رَآنِي أَبُو جَهْلٍ قَالَ: يَا أبَا الفَضْلِ! إِذَا فَرَغْتَ مِنْ طَوَافِكَ فَأَقْبِلْ إِلَيْنَا، فَلَمَّا فَرَغْتُ أقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ مَعَهُمْ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ! مَتَى حَدَثَتْ فِيكُمْ هَذِهِ النَّبِيَّةُ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: تِلْكَ الرُّؤْيَا التِي رَأَتْ عَاتِكَةُ، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا رَأَتْ؟ قَالَ: يَا بَنِى عَبْدِ المُطَّلِبِ! أَمَا رَضِيتُمْ أَنْ يَتَنبَأَ رِجَالُكُمْ حَتَّى تَنبَأَ نِسَاؤُكُمْ، قَدْ زَعَمَتْ

стр. 958

عَاتِكَةُ فِي رُؤْيَاهَا أَنَّهُ قَالَ: انْفِرُوا في ثَلَاثٍ، فَسَنَتَرَبَّصُ (١) بِكُمْ هَذِهِ الثَّلَاثَ، فَإِنْ يَكُ حَقًّا مَا تَقُولُ فَسَيَكُونُ، وَإِنْ تَمْضِ الثَّلَاثُ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، كتَبْنَا عَلَيْكُمْ كِتَابًا أنَّكُمْ أكْذَبُ أَهْلِ بَيْتٍ في العَرَبِ. قَال العَبَّاسُ: فوَاللَّهِ مَا كان مِنِّي إِليْهِ كبِيرٌ، إِلا أَنِّي جحَدت (٢) ذلِكَ وَأَنْكَرْتُ أَنْ تَكُونَ رَأَتْ شَيْئًا، ثُمَّ تَفَرَّقْنَا. قَالَ الْعَبَّاسُ ﵁: فَلَمَّا أمْسَيْتُ، لَمْ تَبْقَ امْرَأَهٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ إِلَّا أتَتْنِي، فَقَالَتْ: أقْرَرْتُمْ لِهَذَا الفَاسِقِ الخَبِيثِ أَنْ يَقَعَ في رِجَالِكُمْ، ثُمَّ قَدْ تَنَاوَلَ النِّسَاءَ وَأَنْتَ تَسْمَعُ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ عِنْدَكَ في ذَلِكَ غَيْرَةٌ لِشَيْءٍ مِمَّا سَمِعْتَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: قَدْ وَاللَّهِ فَعَلْتُ: مَا كَانَ مِنِّي إِلَيْهِ مِنْ كَبِيرٍ، وَأَيْمُ (٣) اللَّهِ لَأَتَعَرَّضَنَّ لَهُ، فَإِنْ عَادَ لَأَكْفِينَّكُنَّهُ. قَالَ: فَغَدَوْتُ في اليَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ رُؤْيَا عَاتِكَةَ، وَأَنَا حَدِيدٌ مُغْضبٌ، أُرَى أَنِّي قَدْ فَاتَنِي مِنْهُ أَمْرٌ أُحِبُّ أَنْ أُدْرِكَهُ مِنْهُ، قَالَ، فَدَخَلْتُ المَسْجِدَ فَرَأَيْتُهُ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَمْشِي نَحْوَهُ أتَعَرَّضُهُ، لِيَعُودَ لِبَعْضِ مَا قَالَ فَأَقَعَ بِهِ، وَكَانَ رَجُلًا خَفِيفًا، حَدِيدَ الوَجْهِ، حَدِيدَ اللِّسَانِ، حَدِيدَ النَّظَرِ (٤). قَالَ: إِذْ خَرَجَ نَحْوَ بَابِ المَسْجِدِ

стр. 959

يَشْتَدُّ، فَقُلْتُ في نَفْسِي: مَالَهُ لَعَنَهُ اللَّهُ؟ أَكُلُّ هَذَا فَرَقٌ (١) مِنِّي أَنْ أُشَاتِمَهُ؟ وَإِذَا هُوَ قَدْ سَمِعَ مَا لَمْ أَسْمَعْ، صَوْتُ ضَمْضَمِ بنِ عَمْرٍو الغِفَارِيٍّ وَهُوَ يَصْرَخُ بِبَطْنِ الوَادِي وَاقِفًا عَلَى بَعِيرِهِ، وَقَدْ جَدَعَ أَنْفَ بَعِيرِهِ، وَحَوَّلَ رَحْلَهُ، وَشَقَّ قَمِيصَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! اللَّطِيمَةَ اللَّطِيمَةَ، أَمْوَالُكُمْ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ قَدْ عَرَضَ لَهَا مُحَمَّدٌ في أَصْحَابِهِ، لَا أَرَى أَنْ تُدْرِكُوهَا، الْغَوْثَ الْغَوْثَ، قَالَ العَبَّاسُ: فَشَغَلَنِي أَبُو جَهْلٍ عَنْهُ، وَشَغَلَهُ ضَمْضَم عَنِّي مَا جَاءَ مِنَ الأَمْرِ، وَفَزِعَتْ قُرَيْشٌ أشَدَّ الفَزَعِ، وَأَشْفَقُوا مِنْ قِبَلِ رُؤْيَا عَاتِكَةَ (٢). * اسْتِعْدَادُ قُرَيْشٍ لِقِتَالِ الرَّسُولِ ﷺ -: فتَجَهَّزَ النَّاسُ سِرَاعًا وَقَالُوا: أَيَظُنُّ مُحَمَّد وَأَصْحَابُهُ أَنْ تَكُونَ كَعِيرِ ابْنِ الحَضْرَمِيِّ (٣)؟ كَلَّا وَاللَّهِ لَيَعْلَمَنَّ غَيْرَ ذَلِكَ، فنَفَرُوا عَلَى كُلِّ صَعْبٍ (٤) وَذَلُولٍ (٥)، وكَانُوا بَيْنَ رَجُلَيْنِ، إِمَّا خَارج وَإِمَّا بَاعِثٌ مَكَانَهُ رَجُلًا، وَأَوْعَبَتْ قُرَيْشٌ (٦)، فَلَمْ

стр. 960

يَتَخَلَّفْ مِنْ أشْرَافِهَا أَحَدٌ، إِلَّا أَبُو لَهَبِ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، تَخَلَّفَ وبَعَثَ مَكَانَهُ العَاصِي بنَ هِشَامِ بنِ المُغِيرَةِ، وَكَانَ قَدْ لَاطَ (١) لَهُ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ كَانَتْ عَلَيْهِ، أَفْلَسَ بِهَا، فَاسْتَأْجَرَهُ بِهَا عَلَى أَنْ يُجْزِيَ عَنْهُ بَعْثَهُ، فَخَرَجَ عَنْهُ، وَتَخَلَّفَ أَبُو لَهَبٍ. وَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُمْ أَحَدٌ مِنْ بُطُونِ قُرَيْشٍ، وَلَمْ يَتْرُكُوا كَارِهًا لِلْخُرُوجِ، وَلَا مُسْلِمًا يَعْلَمُونَ إسْلَامَهُ، وَلَا أَحَدًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ إِلَّا مَنْ لَا يتَّهِمُونَ، إِلَّا أخْرَجُوهُ مَعَهُمْ، فَكَانَ مِمَّنْ أُخْرِجَ كُرْهًا العَبَّاسُ بنُ عَبِدْ المُطَّلِبِ، ونَوْفَلُ بنُ الحَارِثِ، وَطَالِبٌ وَعَقِيل ابْنَا أَبِي طَالِبٍ. وَأَرَادَ أُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ القُعُودَ، وَكَانَ شَيْخًا جَلِيلًا (٢) ثَقِيلًا، فَأَتَاهُ عُقْبَةُ بنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَهُوَ جَالِسٌ في المَسْجِدِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ قَوْمِهِ، بِمِجْمَرَةٍ (٣) فِيهَا نَارٌ وَمُجْمَرٍ (٤) حَتَّى وَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أُمَيَّةُ! اسْتَجْمِرْ فَإِنَّمَا أَنْتَ مِنَ النِّسَاءِ، فَقَالَ ﷺ أُمَيَّةُ: قبَّحَكَ اللَّهُ وَقبَّحَ مَا جِئْتَ بِهِ (٥).

стр. 961

* سَبَبُ كَرَاهِيَةِ أُمَيَّةَ الخُرُوجَ: وَكَانَ سَبَبُ كَرَاهِيَةِ أُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ عَنِ الخُرُوجِ مَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ ﵁ يُحَدِّثُ عَنْ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ صَدِيقًا لِأُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ، وَكَانَ أُمَيَّةُ إِذَا مَرَّ بِالمَدِينَةِ نَزَلَ عَلَى سَعْدٍ، وَكَانَ سَعْدٌ إِذَا مَرَّ بِمَكَّةَ نَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ ﷺ المَدِينَةَ انْطَلَقَ سَعْدٌ مُعْتَمِرًا، فنَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ بِمَكَّةَ، فَقَالَ سَعْدٌ لِأُمَيَّةَ: انْظُرْ لِي سَاعَةَ خَلْوَةٍ لَعَلِّي أَنْ أَطُوفَ بِالبَيْتِ، فَخَرَجَ بِهِ قَرِيبًا مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ فَلَقِيَهُمَا أَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ: يَا أبَا صفْوانٍ (١) من هذا مَعَكَ؟ فَقَالَ: هَذَا سَعْدٌ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَلَا أَرَاكَ تَطُوفُ بِمَكَّةَ آمِنًا، وَقَدْ آوَيْتُمُ الصُّبَاةَ (٢) وزَعَمْتُمْ أنَكُمْ تَنْصُرُونَهُمْ وتُعِينُونَهُمْ! أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّكَ مَعَ أَبِي صَفْوَانٍ مَا رَجَعْتَ إِلَى أهْلِكَ سَالِمًا. فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ، وَرَفَعَ صَوْتَهُ عَلَيْهِ: أمَا وَاللَّهِ لَئِنْ مَنَعْتَنِي هَذَا لَأَمْنَعَنَّكَ مَا هُوَ

стр. 962

أَشَدُّ عَلَيْكَ مِنْهُ، طَرِيقَكَ عَلَى المَدِينَةِ (١)، فَقَالَ لَهُ أُمَيَّةُ: لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ يَا سَعْدُ عَلَى أَبِي الحَكَمِ سَيِّدِ أَهْلِ الوَادِي، فَقَالَ سَعْدٌ: دَعْنَا عَنْكَ يَا أُمَيَّةُ فَوَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّهُمْ قَاتِلُوكَ"، قَالَ: بِمَكَّةَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، فَفَزِعَ لِذَلِكَ أُمَيَّةُ فزَعًا شَدِيدًا (٢)، فَلَمَّا رَجَعَ أُمَيَّةُ إِلَى أهْلِهِ قَالَ: يَا أُمَّ صَفْوَانٍ أَلَمْ تَرَيْ مَا قَالَ لِي سَعْدٌ؟ قَالَتْ: وَمَا قَالَ لَكَ؟ قَالَ: زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا أخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ قَاتِلِيَّ، فَقُلْتُ لَهُ: بِمَكَّةَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، فَقَالَ أُمَيَّةُ: وَاللَّهِ لَا أخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ اسْتَنْفَرَ أَبُو جَهْلٍ النَّاسَ، فَقَالَ: أَدْرِكُوا عِيرَكُمْ فكَرِهَ أُمَيَّةُ أَنْ يَخْرُجَ فَأَتَاهُ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ لَهُ: يَا أبَا صَفْوَانٍ إِنَّكَ مَتَى يَرَاكَ النَّاسُ قَدْ تَخَلَّفْتَ وَأَنْتَ سَيِّدُ أَهْلِ الوَادِي تَخَلَّفُوا مَعَكَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ أَبُو جَهْلٍ حَتَّى قَالَ: أَمَّا إِذَا غَلَبْتَنِي فَوَاللَّهِ لَأَشْتَرِيَنَّ أجْوَدَ بَعِيرٍ بِمَكَّةَ، ثُمَّ قَالَ أُمَيَّةُ: يَا أُمَّ صَفْوَانَ جَهِّزِينِي فَقَالَتْ لَهُ: يَا أبَا صَفْوَانَ وَقَدْ نَسِيتَ مَا قَالَ لَكَ أخُوكَ اليَثْرِبِيُّ! قَالَ: لَا مَا أُرِيدُ أَنْ أَجُوزَ مَعَهُمْ إِلَّا قَرِيبًا، فَلَمَّا خَرَجَ أُمَيَّةُ أَخَذَ لَا يَنْزِلُ مَنْزِلًا إِلَّا عَقَلَ بَعِيرَهُ، فَلَمْ يَزَلْ بِذَلِكَ حَتَّى قتَلَهُ اللَّهُ بِبَدْرٍ (٣).

стр. 963

* فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَفِي الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - مُعْجِزَاتٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ظَاهِرَةٌ. ٢ - وَفيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ ﷺ مِنْ قُوَّةِ النَّفْسِ وَاليَقِينِ. ٣ - وَفِيهِ أَنَّ شَأْنَ العُمْرَةِ كَانَ قَدِيمًا. ٤ - وَأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانَ مَأْذُونًا لَهُمْ في الِاعْتِمَارِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَعْتَمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بخِلَافِ الحَجِّ، وَاللَّه أَعْلَمُ (١). * عِدَّةُ المُشْرِكِينَ وَعَتَادُهُمْ: وَكَانَ عِدَّةُ المُشْرِكِينَ أَلْف وثَلَاثُمِائَةٍ وتسْعَةَ عَشَرَ (٢) مُقَاتِلًا في بِدَايَةِ مَسِيرِهِمْ، وَكَانَ مَعَهُمْ مِائَةُ فَرَسٍ (٣) وسِتُّمِائَةِ دِرْعٍ، وَجِمَالٌ كَثِيرَ لَا يُعْرَفُ

стр. 964

عَدَدُهَا بِالضَّبْطِ، وَكَانُوا بِقِيَادَةِ أَبِي جَهْلِ بنِ هِشَامٍ لَعَنَهُ اللَّهُ (١). * الثَّأْرُ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ: وَلَمَّا فَرَغَتْ قُرَيْشٌ مِنْ جَهَازِهَا، وَأَجْمَعَتْ عَلَى المَسِيرِ، ذَكَرَتْ مَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَنِي بَكْرٍ مِنَ العَدَاوَةِ وَالحَرْبِ (٢)، فَقَالُوا: إنَّا نَخْشَى أَنْ يَأْتُونَا مِنْ خَلْفِنَا، فكَادَ ذَلِكَ يُثْنِيهِمْ، فتَبَدَّى لَهُمْ إبْلِيسُ في صُورَةِ سُرَاقَةَ بنِ مَالِكِ بنِ جُعْشُمٍ المُدْلِجِيّ (٣)، وَكَانَ مِنْ أشْرَافِ بَنِي كِنَانَةَ، فَقَالَ لَهُمْ: أَنَا لَكُمْ جَارٌ (٤) مِنْ أَنْ تَأْتِيكُمْ كِنَانَةُ مِنْ خَلْفِكُمْ بِشَيءٍ تَكْرَهُونَهُ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا المَوْقِفَ في القُرْآنِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ

стр. 965

عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١). وَحِينَئِذٍ خَرَجُوا بِحَدِّهِمْ (٢) وَحَدِيدِهِمْ، يُحَادُّونَ (٣) اللَّهَ وَرَسُولهُ، وَمَعَهُمْ القِيَانُ (٤) يَضْرِبْنَ بِالدُّفُوفِ، ويُغَنِّينَ بِهِجَاءِ المُسْلِمِينَ، وَهُمْ في غَايَةِ البَطَرِ (٥) وَالكِبْرِ والخُيَلَاءِ (٦)، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ (٧) وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٨). قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ، ومُجَاهِدُ، وقتَادَةُ، والضَّحَّاكُ، والسُّدِّيُّ في قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ قَالُوا: هُمُ المُشْرِكُونَ، الذِينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ (٩).

стр. 966

* المُطْعِمُونَ مِنْ قُرَيْشٍ: وَكَانَ المُطْعِمُونَ لِجَيْشِ الكُفَّارِ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، وَهُمُ: العَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، عُتْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ، الحَارِثُ بنُ نَوْفَلٍ، وَطُعَيْمَةُ بنُ عَدِيٍّ، أَبُو البَخْتَرِيِّ بنَ هِشَامٍ، حَكِيمُ بنُ حِزَامٍ، النَّضْرُ بنُ الحَارِثِ، أَبُو جَهْلِ بنُ هِشَامٍ، أُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، نُبَيْهًا وَمُنبَّهًا ابْنَي الحَجَّاجِ بنِ عَامِرٍ، سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو. وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَنْحَرُ كُلَّ يَوْمٍ عَشْرَةً أَوْ تِسْعَةً مِنَ الإِبِلِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ نَحَرَ لَهُمْ حِينَ خَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ أَبُو جَهْلِ بنُ هِشَامٍ لَعَنَهُ اللَّهُ، وَفِيهِمْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ (١). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: رَوَى مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بنُ جُبيْرٍ، وَالحَكَمُ بنُ عُتْيْبَةَ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ أَبْزِي: أَنَّهَا نَزَلَتْ في أَبِي سُفْيَانَ وَنَفَقَتِهِ الأَمْوَالَ في أُحُدٍ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ: نَزَلَتْ في أَهْلِ بَدْرٍ. ثُمَّ قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فَهِيَ عَامَّةٌ، وَإِنْ كَانَ سَبَبُ نُزُور لهَا خَاصًّا، فَقَدْ أخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ الكُفَّارَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ اتِّباعِ طَرِيقِ الحَقِّ، فَسَيَفْعَلُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ تَذْهَبُ أمْوَالُهُمْ، ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ

стр. 967

حَسْرَةً﴾، أَيْ: نَدَامَةً، حَيْثُ لَمْ تُجْدِ (١) شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا إِطْفَاءَ نُورِ اللَّهِ وَظُهُورَ كَلِمَتِهِمْ عَلَى كَلِمَةِ الحَقِّ، وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ، ونَاصِرُ دِينِهِ، وَمُعْلِنُ كَلِمَتِهِ، وَمُظْهِرُ دِينِهِ عَلَى كُلِّ دِينٍ، فَهَذَا الخِزْيُ لَهُمْ في الدُّنْيَا، وَلَهُمْ في الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ، فَمَنْ عَاشَ مِنْهُمْ، رَأَى بِعَيْنِهِ وَسَمعَ بِأُذُنِهِ مَا يَسُوؤُهُ، وَمَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ أَوْ مَاتَ، فَإِلَى الْخِزْيِ الْأَبَدِيِّ، وَالْعَذَابِ السَّرْمَدِيِّ (٢). * طَرِيقُ المُشْرِكينَ: تَحَرَّكَ المُشْرِكُونَ بِاتِّجَاهِ بَدْرٍ، وَمَرُّوا في طَرِيقِهِمْ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ (٣)، ثُمَّ سَلَكُوا وَادِي عُسْفَانَ (٤)، ثُمَّ قُدَيْدًا (٥)، ثُمَّ الجُحْفَةَ فنَزَلُوا بِهَا (٦). * نَجَاةُ العِيرِ وَرِسَالَةُ أَبِي سُفيَانَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ: وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ يَسِيرُ بِالعِيرِ عَلَى الطَّرِيقِ الرَّئِيسِيِّ، وَكَانَ حَذِرًا مُتيَقِّظًا، وَاسْتَبْطَأَ ضَمْضَمًا وَالنَّفِيرَ، فَلَمَّا اقْتَرَبَ مِنْ مَاءِ بَدْرٍ، لَقِيَ مَجْدِيَّ بنَ عَمْرٍو الجُهَنِيَّ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ أَحْسَسْتَ أَحَدًا مِنْ عُيُونِ مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ

стр. 968

أَحَدًا أُنْكِرُهُ، إِلَّا أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَاكِبيْنِ قَدْ أَنَاخَا (١) إِلَى هَذَا التَّلِّ، ثُمَّ اسْتَقَيَا في شَنٍّ (٢) لَهُمَا، ثُمَّ انْطَلَقَا، وَأَشَارَ إِلَى مَنَاخِ بَسْبَسَةَ بنِ عَمْرٍو الجُهَنِيِّ ﷺ ، وَعَدِيِّ بنِ أَبِي الزُّغْبَاءَ ﵁، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ بَعَثَهُمَا إِلَى بَدْرٍ يَتَحَسَّسَانِ لَهُ أخْبَارَ العِيرِ -كَمَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ- فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى مَنَاخِهِمَا، فَأَخَذَ مِنْ أبْعَارِ بَعِيرَيْهِمَا، فَفَتَّهُ، فَإِذَا فِيهِ النَّوَى (٣)، فَقَالَ: هَذِهِ وَاللَّهِ عَلَائِفُ (٤) يَثْرِبَ، وَهَذِهِ عُيُونُ مُحَمَّدٍ، فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ سَرِيعًا، فَضَرَبَ وُجُوهَ العِيرِ، وَاتَّجَهَ بِهَا نَحْوَ سَاحِلِ البَحْرِ، وَترَكَ الطَّرِيقَ الرَّئيسِيَّ الذِي يَمُرُّ بِبَدْرٍ عَلَى اليَسَارِ، ثُمَّ أسْرَعَ فنَجَا، وبِهَذَا نَجَا بِالقَافِلَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ (٥). فَلَمَّا رَأَى أَبُو سُفْيَانَ أَنَّهُ قَدْ نَجَا بِالعِيرِ، أَرْسَلَ إِلَى قُرَيْشٍ: قَيْسَ بنَ امْرِئِ القَيْسِ بِرِسَالَةٍ يَقُولُ فِيهَا: إِنَّكُمْ إِنَّمَا خَرَجْتُمْ لِتَمْنَعُوا عِيرَكُمْ ورِجَالَكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، فَقَدْ نَجَّاهَا اللَّهُ، فَارْجِعُوا. فَلَمَّا قَالَ لَهُمُ الرَّسُولُ ذَلِكَ، وَهُمْ مَا زَالُوا بِالجُحْفَةِ، هَمُّوا بِالرُّجُوعِ، فَقَالَ طَاغِيَةُ قُرَيْشٍ أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ: وَاللَّهِ لَا نَرْجعُ حَتَّى نَرِدَ بَدْرًا، فَنُقِيمَ بِهَا

стр. 969

ثَلَاثًا، فنَنْحَرَ الجَزُورَ (١)، وَنُطْعِمَ الطَّعَامَ، ونَسْقِيَ الخَمْرَ، وتَعْزِفَ عَلَيْنَا القِيَانُ، حَتَّى تَسْمَعَ بِنَا العَرَبُ وبِمَسِيرِنَا وَجَمْعِنَا، فَلَا يَزَالُونَ يَهَابُونَنَا أَبَدًا بَعْدَهَا (٢). وَلَكِنْ عَلَى رَغْمَ أَبِي جَهْلٍ قَامَ الأَخْنَسُ بنُ شُرَيْقٍ، وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي زُهْرَةَ فَقَالَ: يَا بَنِي زُهْرَةَ! قَدْ نَجَّى اللَّهُ لَكُمْ أَمْوَالَكُمْ، وَخَلَّصَ لَكُمْ صَاحِبَكُمْ مَخْرَمَةَ بنَ نَوْفَلٍ، وَإِنَّمَا نَفَرتُمْ لِتَمْنَعُوهُ وَمَالَهُ، فَاجْعَلُوا بِي جُبْنَهَا (٣) وارْجِعُوا، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ لَكُمْ بِأَنْ تَخْرُجُوا في غَيْرِ ضَيْعَةٍ، لَا مَا يَقُولُ هَذَا، يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ، فَرَجَعُوا مِنَ الجُحْفَةِ، فَلَمْ يَشْهَدْهَا زُهْرِيٌّ وَاحِدٌ، وَكَانُوا حَوَالِي مِائَةِ رَجُلٍ، وَقِيلَ: ثَلَاثُمِائَةِ رَجُلٍ (٤). وَأَرَادَتْ بَنُو هَاشِمٍ الرُّجُوعَ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ أَبُو جَهْلٍ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا تُفَارِقُنَا هَذِهِ العِصَابَةُ (٥) حَتَّى نَرْجِعَ. وَمَضَى المُشْرِكُونَ نَحْوَ بَدْرٍ حَتَّى نَزَلُوا قَرِيبًا مِنْهَا وَرَاءَ كَثِيبٍ (٦) يَقَعُ بِالعُدْوَةِ (٧) القُصْوَى، عَلَى حُدُودِ وَادِي بَدْرٍ (٨).

стр. 970

* مُشَاوَرَةُ الرَّسُولِ ﷺ أصْحَابَهُ (١): وَبَلَغَ خَبَرُ خُرُوجِ قُرَيْشٍ لِيَمْنَعُوا عِيرَهُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ لَا يَزَالُ ﷺ في الطَّرِيقِ بِوَادِي ذِفْرَانَ (٢)، فَعِنْدَ ذَلِكَ عَقَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَجْلِسًا اسْتِشَارِيًّا، وَأَخْبَرَ الصَّحَابَةَ بِخُرُوجِ قُرَيْشٍ، فكَرِهَ بَعْضُهُمُ القِتَالَ، وَعَارَضَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَعِدُّوا لِقِتَالٍ، إِنَّمَا خَرَجُوا لِمُلَاقَاةِ الفِئَةِ الضَّعِيفَةِ التِي تَحْرُسُ العِيرَ، فَلَمَّا أَنْ عَلِمُوا أَنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَفَرَتْ بِخَيْلِهَا وَرَجِلِهَا، وشُجْعَانِهَا وفُرْسَانِهَا، كَرِهُوا لِقَاءَهَا كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً، هِيَ هَذِهِ الكَرَاهِيَةُ التِي يَرْسُمُ التَّعْبِيرُ القُرْآنِيُّ صُورَتَهَا بِطَرِيقَةِ القُرْآنِ الفَرِيدَةِ (٣): ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ (٤) وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ

стр. 971

الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ (١). فَأَيْنَ مَا أَرَادَتْهُ العُصْبَةُ المُسْلِمَةُ لِنَفْسِهَا مِمَّا أرَادَهُ اللَّهُ لَهَا؟ لَقَدْ كَانَتْ تَمْضِي -لَوْ كَانَتْ لَهُمْ غَيْرُ ذَاتِ الشَّوْكَةِ- قِصَّةَ غَنِيمَةٍ. . . قِصَّةَ قَوْمٍ أغَارُوا عَلَى قَافِلَةٍ فَغَنِمُوهَا! فَأَمَّا بَدْرٌ فَقَدْ مَضَتْ في التَّارِيخِ كُلِّهِ قِصَّةَ عَقِيدَةٍ. . . قِصَّةَ نَصْرٍ حَاسِمٍ وَفَرْقًا بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ. . . قِصَّةَ انْتِصَارِ الحَقِّ عَلَى أَعْدَائِهِ المُدَجَّجِينَ بِالسِّلَاحِ، المُزَوَّدِينَ بِكُلِّ زَادٍ، وَأَهْلُ الحَقِّ في قِلَّةٍ مِنَ العَدَدِ، وضَعْفٍ في الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ. . . قِصَّةُ انْتِصَارِ القُلُوبِ حِينَ تَتَّصِلُ بِاللَّهِ، وَحِينَ تَتَخَلَّصُ مِنْ ضَعْفِهَا الذَّاتِيِّ، بَلْ قِصَّةُ انْتِصَارِ حَفْنَةٍ مِنَ القُلُوبِ بَيْنَهَا الكَارِهُونَ لِلْقِتَالِ! وَلَكِنَّهَا بِبَقِيَّتِهَا الثَّابِتَةِ المُسْتَعْلِيَةِ عَلَى الوَاقِعِ المَادِّيِّ، وَبِيَقِينِهَا في حَقِيقَةِ القُوَى وَصِحَّةِ مَوَازِينِهَا، قَدِ انتصَرَتْ عَلَى نَفْسِهَا، وَانتصَرَتْ عَلَى مَنْ فِيهَا، وَخَاضَتِ المَعْرَكَةَ وَالكِفَّةُ رَاجِحَةٌ رُجْحَانًا ظَاهِرًا في جَانِبِ البَاطِلِ، فَقَلَبَتْ بِيَقِيِنهَا مِيزَانَ الظَّاهِرِ، فَإِذَا الحَقُّ رَاجِحٌ غَالِبٌ (٢). * قَادَةُ الصَّحَابَةِ يَتَكَلَّمُونَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ تَكَلَّمَ قَادَةُ المُهَاجِرِينَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁، فَقَالَ وَأَحْسَنَ، ثُمَّ قَامَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّهَا قُرَيْشٌ وَعِزُّهَا،

стр. 972

وَاللَّهِ مَا ذَلَّتْ مُنْذُ عَزَّتْ، وَلَا آمَنَتْ مُنْذُ كَفَرَتْ، وَاللَّهِ لَتُقَاتِلَنَّكَ، فتَأَهَّبْ لِذَلِكَ أُهْبَتَهُ، وَأَعِدَّ لَهُ عُدَّتَهُ (١). فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَشِيرُوا عَلَيَّ أيُّهَا النَّاسُ". فَقَامَ المِقْدَادُ بنُ عَمْرٍو ﵁، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ ﵁: شَهِدْتُ مِنَ المِقْدَادِ بنِ عَمْرٍو مَشْهَدًا لَأَنْ أَكُونَ صَاحِبَهُ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا عُدِلَ (٢) بِهِ، قَالَ المِقْدَادُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، امْضِ لِمَا أَرَاكَ اللَّهُ، فنَحْنُ مَعَكَ، وَاللَّهِ لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ لِمُوسَى: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إنَّا هَهُنَا قَاعِدُونَ، وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ، وَالذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَوْ سِرْتَ بِنَا إِلَى بِرْكِ الغُمَادِ (٣) لَجَالَدْنَا مَعَكَ مِنْ دُونِهِ، حَتَّى تَبْلُغَهُ (٤). وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ البُخَارِيِّ في الصَّحِيحِ قَالَ المِقْدَادُ ﵁: لَا نَقُولُ كَمَا قَالَ

стр. 973

قَوْمُ مُوسَى: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا، وَلَكُنَّا نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ، وعَنْ شِمَالِكَ، وَبَيْنَ يَدَيْكَ، وَخَلْفَكَ (١). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قَالَ المِقْدَادُ ﵁: يَا اللَّهِ، وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا البَحْرَ لَأَخَضْنَاهَا (٢)، وَلَوْ أمَرتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا (٣) إِلَى بِرْكِ الغُمَادِ فَعَلْنَا، فَشَأْنُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (٤). يَقُولُ ابنُ مَسْعُودٍ ﵁: فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أشْرَقَ وَجْهُهُ وَسَرَّهُ قَوْلُ المِقْدَادِ (٥). ثُمَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَشِيرُوا عَلَيَّ أيُّهَا النَّاسُ"، وَإِنَّمَا يُرِيدُ الأَنْصَارَ (٦)، فَفَهِمَتِ الأَنْصَارُ أَنَّهُ يَعْنِيهِمْ، فَقَامَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ ﵁ سَيِّدُ الأَنْصَارِ

стр. 974

فَقَالَ: وَاللَّهِ لَكَأنَّكَ تُرِيدُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ ﷺ : "أَجَلْ"، فَقَالَ سَعْدٌ: فَقَدْ آمَنَّا بِكَ، وَصَدَّقْنَاكَ، وَشَهِدْنَا أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ هُوَ الحَقُّ، وَأَعْطَيْنَاكَ عَلَى ذَلِكَ عُهُودَنَا وَمَوَاثِيقَنَا، عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَامْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَا أَرَدْتَ فنَحْنُ مَعَكَ، فَوَالذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا البَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ، مَا تَخَلَّفَ مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوَّنَا غَدًا، إِنَّا لَصُبُرٌ في الحَرْبِ، صُدُقٌ في اللِّقَاءِ، وَلَعَلَّ اللَّهَ يُرِيَكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ (١). فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِ سَعْدٍ ﵁، وَنَشَّطَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: "سِيرُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ ، وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَاللَّهِ لَكَأَنِّي الآنَ أنْظُرُ إِلَى مَصَارع القَوْمِ" (٢).

стр. 975

* إِخْبَارُ الرَّسُولِ ﷺ أصْحَابَهُ بِمَصَارعِ المُشْرِكينَ: ثُمَّ أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُخْبِرُهُمْ بِمَصَارعِ القَوْمِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُرِينَا مَصَارعَ أَهْلِ بَدْرٍ بِالأَمْسِ، يَقُولُ: "هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ غَدًا، إِنْ شَاءَ اللَّه، هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ غدًا، إِنْ شَاءَ اللَّه"، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ مَا أَخْطَؤُوا الحُدُودَ التِي حَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (١). * نزولُ الرَّسُولِ ﷺ بالعُدْوَةِ الدُّنْيَا: ثُمَّ ارْتَحَلَ الرَّسُولُ ﷺ مِنْ وَادِي ذِفْرَانَ، حَتَّى نَزَلَ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيَا، قَرِيبًا مِنْ بَدْرٍ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا (٢) وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى (٣) وَالرَّكْبُ (٤) أَسْفَلَ مِنْكُمْ (٥) وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ

стр. 976

لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّمَا جَمَعَكُمْ مَعَ عَدُوِّكُمْ في مَكَانٍ وَاحِدٍ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ، لِيَنْصُرَكُمْ عَلَيْهِمْ، ويَرْفَعَ كَلِمَةَ الحَقِّ عَلَى البَاطِلِ؛ لِيَصِيرَ الأَمْرُ ظَاهِرًا، وَالحُجَّةُ قَاطِعَةً، وَالبَرَاهِينُ سَاطِعَةً، وَلَا يَبْقَى لِأَحَدٍ حُجَّةٌ وَلَا شُبْهَةٌ، فَحِينَئِذٍ: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ﴾ أيْ: يَسْتَمِرُّ في الكُفْرِ مَنِ اسْتَمَرَّ فِيهِ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِهِ أَنَّهُ مُبْطِلٌ، لِقِيَامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، ﴿وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ﴾ أَيْ: يُؤْمِنَ مَنْ آمَنَ. ﴿عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ أَيْ: حُجَّةٍ وَبَصِيرَةٍ، وَالإِيمَانُ هُوَ حَيَاةُ القُلُوبِ (٢). * الرَّسُولُ ﷺ يَقُومُ بِعَمَلِيَّةٍ اسْتِكْشَافِيَّةٍ: وَهُنَاكَ وَقَرِيبًا مِنْ بَدْرٍ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَمَلِيَّةِ اسْتِكْشَافٍ مَعَ رَفِيقِهِ في الغَارِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، يَسْأَلَانِ عَنْ قُرَيْشٍ، فَوَقَفَا عَلَى شَيْخٍ مِنَ العَرَبِ، يُقَالُ لَهُ: سُفْيَانُ الضَّمْرِيُّ، فَسَأَلهُ الرَّسُولُ ﷺ عَنْ قُرَيْشٍ وَعَنْ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ وَمَا بَلَغَهُ عَنْهُمْ، فَقَالَ الشَّيْخُ: لَا أُخْبِرُكُمَا حَتَّى تُخْبِرَانِي مِمَّنْ أَنْتُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَخْبَرْتَنَا أخْبَرْنَاكَ" قَالَ: أَذَاكَ بِذَاكَ؟ قَالَ ﷺ : "نَعَمْ"، قَالَ الشَّيْخُ: فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ خَرَجُوا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كَانَ صَدَقَ

стр. 977

الذِي أَخْبَرَنِي، فَهُمُ اليَوْمَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، لِلْمَكَانِ الذِي بِهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ ، وبَلَغَنِي أَنَّ قُرَيْشًا خَرَجُوا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كَانَ الذِي أَخْبَرَنِي صَدَقَنِي فَهُمُ اليَوْمَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، لِلْمَكَانِ الذِي بِهِ قُرَيْشٌ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ خَبَرِهِ، قَال: مِمَّنْ أَنْتُمَا؟ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : "نَحْنُ مِنْ مَاءٍ" (١)، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ، قَالَ الشَّيْخُ: مَا مِنْ مَاءٍ؟ أَمِنْ مَاءِ العِرَاقِ؟ ثُمَّ رَجَعَ رَسُول اللَّهِ إِلَى أَصْحَابِهِ (٢). وَفِي مَسَاءِ ذَلِكَ اليَوْمِ بَعَثَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ، وَالزُّبَيْرَ بنَ العَوَّامِ، وَسَعْدَ بنَ أَبِي وَقَّاصٍ، في نَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَى مَاءِ بَدْرٍ يَلْتَمِسُونَ خَبَرَ قُرَيْشٍ، فَوَجَدُوا رَوَايَا (٣) قُرَيْشٍ، وفِيهِمْ غُلَامٌ لِبَنِي الحَجَّاجِ أَسْوَدُ، فَأتَوْا بِهِ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ ، وَرَسُول اللَّهِ ﷺ قَائِم يُصَلِّي، فَسَأَل أصْحَابُ الرَّسُول ﷺ غُلَامَ بَنِي الحَجَّاجِ عَنْ قَافِلَةِ أَبِي سُفْيَانَ وَأَصْحَابِهِ، فَقَال: أَمَّا أَبُو سُفْيَانَ، فَلَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ، وَلَكِنْ هَذِهِ قُرَيْشٌ، وَأَبُو جَهْلٍ، وَأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، قَدْ جَاءَتْ، فَيَضْرِبُونَهُ، فَإِذَا ضَرَبُوهُ قَالَ: نَعَمْ هَذَا أَبُو سُفْيَانَ، فَإِذَا تَرَكُوهُ فَسَأَلُوهُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ فَقَال: مَالِي بِأَبِي سُفْيَانَ مِنْ عِلْمٍ، وَلكْن هَذِهِ قُرَيْش قَدْ جَاءَتْ، وَرَسُول

стр. 978

اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي، فَقَالَ ﷺ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ: "إنَّكُمْ لَتَضْرُبونَهُ إِذَا صَدَقكُمْ، وَتَدَعُونَهُ إِذَا كَذَبَكُمْ" (١) وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى في مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: . . . فَوَجَدْنَا فِيهَا -أيْ عِنْدَ بَدْرٍ- رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ، رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ، وَمَوْلًى لِعُقْبَةَ بنِ أَبِي مُعَيْطٍ، فَأَمَّا القُرَشِيُّ فَانْفَلَتَ، وَأَمَّا مَوْلَى عُقْبَةَ فَأَخَذْنَاهُ، فَجَعَلْنَا نَقُولُ لَهُ: كَمِ القَوْمُ؟ فَيَقُولُ: هُمْ وَاللَّهِ كَثِيرٌ عَدَدُهُمْ، شَدِيدٌ بَأْسُهُمْ، فَجَعَلَ المُسْلِمُونَ إِذَا قَالَ ذَلِكَ ضَرَبُوهُ (٢)، حَتَّى انتهَوْا بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ له ﷺ : "كَمِ القَوْمُ؟ " قَالَ: هُمْ وَاللَّهِ كَثِيرٌ عَدَدُهُمْ، شَدِيدٌ بَأْسُهُمْ، فَجَهِدَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُخْبِرَهُ كَمْ هُمْ، فَأبَى، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلهُ: "كَمْ يَنْحَرُونَ مِنَ الجُزُرِ؟ " قَالَ: عَشْرًا كُلَّ يَوْمٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "القَوْمُ آلفٌ، كُلُّ جَزُورٍ لِمِائَةٍ وَتَبَعِهَا" (٣). ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلرَّجُلَيْنِ -أَيْ غُلَامِ بَنِي الْحَجَّاجِ، وَمَوْلَى عُقْبَةَ بنِ

стр. 979

أَبِي مُعَيْطٍ-: "فَمَنْ فِيهِمْ مِنْ أشْرَافِ قُرَيْشٍ؟ " قَالَا: عُتْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو البَخْتَرِيِّ بنُ هِشَامٍ، وَحَكِيمُ بنُ حِزَامٍ، وَنَوْفَلُ بنُ خُوَيْلِدٍ، وَالحَارِثُ بنُ عَامِرِ بنِ نَوْفَلٍ، وَطُعَيْمَةُ بنُ عَدِيٍّ، وَالنَّضْرُ بنُ الحَارِثِ، وَزَمْعَةُ بنُ الأَسْوَدِ، وَأَبُو جَهْلِ بنُ هِشَامٍ، وَأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، وَنُبَيْهُ وَمُنَبِّهُ ابْنَا الحَجَّاجِ، وَسُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو، وَعَمْرُو بنُ عَبْدِ وُدٍّ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: "هَذِهِ مَكَّةُ قَدْ ألقَتْ إِلَيْكُمْ أَفْلَاذَ (١) أكْبَادِهَا" (٢). * نُزُولُ المَطَرِ: نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعِيدًا عَنِ المَاءِ، فَأَصَابَ المُسْلِمِينَ عَطَشٌ شَدِيدٌ، وَأَصَابَهُمْ ضَعْفٌ شَدِيدٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَلَيْهِمْ مَطَرًا، وَكَانَ مَطَرًا خَفِيفًا (٣)، فَطَهَّرَهُمْ بِهِ، فَشَرِبَ المُسْلِمُونَ وَتَطَهَّرُوا، وَأَذْهَبَ عَنْهُمْ رِجْسَ الشَّيْطَانِ، وَكَانَ الوَادِي دَهْسًا (٤)، فَلَمَّا أصَابَهُ المَاءُ لَبَّدَ الأَرْضَ (٥) تَحْتَ الأَقْدَامِ

стр. 980

فَثَبُتَتِ الأَقْدَامُ، وَنَزَلَ المَطَرُ شَدِيدًا عَلَى المُشْرِكِينَ، فَكَانَ بَلَاءً وَنِقْمَةً عَلَيْهِمْ مَنَعَهُمْ مِنَ التَّقَدُّمِ (١)، وَفِي هَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ (٢) بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ (٣) وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ (٤) وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ (٥). قَالَ مُجَاهِدٌ: أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَطَرَ قَبْلَ النُّعَاسِ، فَأَطْفَأَ بِالمَطَرِ الغُبَارَ، وَتَلَبَّدَتْ بِهِ الأَرْضُ، وَطَابَتْ نُفُوسُهُمْ، وَثَبَتَتْ بِهِ أَقْدَامُهُمْ (٦). هَذِهِ المَعْرَكَةُ كُلُّهَا تُدَارُ بِأَمْرِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَتَدْبِيرِهِ وقَدَرهِ، وَتَسِيرُ بِجُنْدِ اللَّهِ وتَوْجِيهِهِ. . . وَهِيَ شَاخِصةٌ بِحَرَكَاتِهَا وَخَطَرَاتِهَا مِنْ خِلَالِ العِبَارَةِ القُرْآنِيَّةِ المُصَوَّرَةِ المُتَحَرِّكَةِ المُحْيِيَةِ لِلْمَشْهَدِ الذِي كَانَ، كَأَنَّهُ يَكُونُ الآنَ (٧)! . * تَحَرُّكُ المُسْلِمِينَ وسَيْطَرَتُهُمْ عَلَى مَاءِ بَدْرٍ: ثُمَّ تَحَرَّكَ الرَّسُولُ ﷺ بِجَيْشِهِ نَحْوَ مَاءِ بَدْرٍ؛ لِيَسْبِقَ المُشْرِكِينَ إِلَيْهِ،

стр. 981

وَيَحُولَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ، فنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ عَلَى أَفْضَلِ بِئْرٍ مِنْ آبَارِ بَدْرٍ. رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: . . . سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَدْرٍ، وَبَدْر بِئْرٌ، فَسَبَقْنَا المُشْرِكِينَ إِلَيْهَا (١). * رِوَايَةٌ مَشْهُورَة ضَعِيفَةٌ: وَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ الحُبابَ بنَ المُنْذِرِ ﵁ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أرَأَيْتَ هَذَا المَنْزِلَ، أَمَنْزِلًا أنْزَلَكَهُ اللَّهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نتقَدَّمَهُ، وَلَا نتأَخَّرَ عَنْهُ، أَمْ هُوَ الرَّأْيُ وَالحَرْبُ والمَكِيدَةُ؟ . قَالَ ﷺ : "بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالحَرْبُ وَالمَكِيدَةُ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْزِلٍ، فَانْهَضْ بِالنَّاسِ حَتَّى نَأْتِيَ أَدْنَى مَاءٍ مِنَ القَوْمِ، فنَنْزِلهُ، ثُمَّ نُغَوِّرَ (٢) مَا وَرَاءَهُ مِنَ القُلُبِ، ثُمَّ نَبْنِي عَلَيْهِ حَوْضًا فنَمْلَؤُهُ مَاءً، ثُمَّ نُقَاتِلُ القَوْمَ، فنَشْرَبُ وَلَا يَشْرَبُونَ، فَقَالَ ﷺ : "لَقَدْ أَشرْتَ بِالرَأْيِ" (٣).

стр. 982

فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ -رَغْمَ شُهْرَتِهَا- ضَعِيفَةٌ مِنْ حَيْثُ السَّنَدِ، وَمُخَالِفَة لِلرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ التِي أخْرَجَهَا الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هُوَ الذِي اخْتَارَ النُّزُولَ عَلَى أفْضَلِ مَاءٍ مِنْ مِيَاهِ بِئْرِ بَدْرٍ أَوَّلَ مَا نَزَلَ. * بِنَاءُ العَرِيشِ (١): وَبَعْدَ أَنْ نَزَلَ المُسْلِمُونَ عَلَى المَاءِ وَاسْتَقَرَّ أمْرُهُمْ، قَالَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ ﵁ لِلرَّسُولِ ﷺ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ! ألا نَبْنِي لَكَ عَرِيشًا تَكُونُ فِيهِ، وَنُعِدُّ عِنْدَكَ رَكَائِبكَ (٢)، ثُمَّ نَلْقَى عَدُوَّنَا، فَإِنْ أَعَزَّنَا اللَّهُ وَأَظْهَرَنَا عَلَى عَدُوِّنَا، كَانَ ذَلِكَ مَا أَحْبَبْنَا، وَإِنْ كَانَتِ الأُخْرَى، جَلَسْتَ عَلَى رَكَائِبِكَ، فَلَحِقْتَ بِمَنْ وَرَاءَنَا مِنْ قَوْمِنَا، فَقَدْ تَخَلَّفَ عَنْكَ أَقْوَامٌ، يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَا نَحْنُ بِأَشَدَّ لَكَ حُبًّا مِنْهُمْ، وَلَوْ ظَنُّوا أَنَّكَ تَلْقَى حَرْبًا مَا تَخَلَّفُوا عَنْكَ، يَمْنَعُكَ اللَّهُ بِهِمْ، يُنَاصِحُونَكَ وَيُجَاهِدُون مَعَكَ. فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْرًا، وَدَعَا لَهُ بِخَيْرٍ. ثُمَّ بُنِيَ العَرِيشُ، وَكَانَ مِنْ جَرِيدٍ (٣)، فَوْقَ تَلٍّ مُشْرِفٍ (٤) عَلَى المَعْرَكَةِ،

стр. 983

فَدَخَلَهُ الرَّسُولُ ﷺ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ (١). وَقَامَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ ﵁ مُتَوَشِّحًا سَيْفَهُ في نَفَرٍ مِنَ الأَنْصَارِ يَحْرُسُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (٢). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: فَهَذِهِ خُصُوصِيَّة لِلصِّدِّيقِ ﷺ حَيْثُ هُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في العَرِيشِ، كَمَا كَانَ مَعَهُ في الغَارِ ﵁ وَأَرْضَاهُ (٣). وَهَذِهِ الفِكْرَةُ التِي أشَارَ بِهَا سَعْدٌ ﵁ هِيَ مِنْ أدَقِّ فُنُونِ الحَرْبِ، فَالقَائِدُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِمَنْأَى عَنْ مَيْدَانِ القِتَالِ؛ حَتَّى يَكُونَ قَادِرًا عَلَى التَّوْجِيهِ وَالإِشَارَةِ بِمَا يَرَاهُ مِنْ أسَالِيبِ القِتَالِ، وَحَتَّى لَا يُصَابَ فَيَنْفَرِطَ بِإِصَابَتِهِ عِقْدُ الجَيْشِ، فَيَكُونَ مَاَلَهُ الفَشَلُ والهَزِيمَةُ (٤).

стр. 984

أَخْرَجَ البَزَّارُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: يَا أيُّها النَّاسُ مَنْ أشْجَعُ النَّاسِ؟ فَقَالُوا: أَنْتَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: أمَا إِنِّي مَا بَارَزَنِي أَحَدٌ إِلَّا انْتَصَفْتُ مِنْهُ، وَلَكِنْ هُوَ أَبُو بَكْرٍ، إنَّا جَعَلْنَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَرِيشًا، فَقُلْنَا مَنْ يَكُونُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَهْوِي إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَوَاللَّهِ مَا دَنَا مِنَّا أحَدٌ إِلَّا أَبُو بَكْرٍ شَاهِرًا بِالسَّيْفِ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَا يَهْوِي إِلَيْهِ أحَدٌ إِلَّا أَهْوَى عَلَيْهِ، فَهَذَا أشْجَعُ النَّاسِ (١). * تَعْبِئَةُ (٢) الرَّسُولِ ﷺ أَصْحَابَهُ وَقَضَاؤُهُ اللَّيْلَ مُصَلِّيًا: ثُمَّ صَفَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أصْحَابَهُ، وعَبَّاَهُمْ لَيْلًا أحْسَنَ تَعْبِئَةٍ، وَذَلِكَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ السَّاجَ عَشَرَ مِنْ رَمَضانَ، وَجَعَلَ يَمْشِي في مَوْضِعِ المَعْرَكَةِ، وَجَعَلَ يُشِيرُ بِيَدِهِ في أَرْضِ الْمَعْرَكَةِ، وَيَقُولُ: "هَذَا مَصْرَعُ (٣) فُلَانٍ غَدًا، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ غَدًا إِنْ شاءَ اللَّهُ (٤)، وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى الأَرْضِ، هَهُنَا وَهَهُنَا". قَالَ أنَسٌ

стр. 985

-﵁: فَوَاللَّهِ مَا أمَاطَ (١) رَجُلٌ مِنْهُمْ عَنْ مَوْضِعِ كَفَّيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٢). وَأخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي أيُّوبٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: صَفَفْنَا يَوْمَ بَدْرٍ، فنَدَرَتْ مِنَّا نَادِرَةٌ (٣) أمَامَ الصَّفِّ، فنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: "مَعِي (٤) مَعِي" (٥). وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ لَكِنْ يَشْهَدُ لَهُ الحَدِيثُ الذِي قَبْلَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ: عَبَّأَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِبَدْرٍ لَيْلًا (٦). * نزولُ النُّعَاسِ عَلَى الصَّحَابَةِ ﵃: وَأَصَابَ المُسْلِمِينَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ النُّعَاسُ أَمَنَةً مِنَ اللَّهِ، فنَامُوا جَمِيعًا، فَكَانَتْ لَيْلَةً هَادِئَةً غَمَرَتْ قُلُوبَ الصَّحَابَةِ ﵃ بِالثِّقَةِ، وَأَخَذُوا
следующие страницы →