← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38121

نواسخ القرآن = ناسخ القرآن ومنسوخه ت آل زهوي

ابن الجوزي

Полный текст (211 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أما الآية الأولى؛ فإنها دلّت على أن حدّ الزانية كان أول الإسلام الحبس إلى أن تموت أو يجعل الله لها سبيلا، وهو عام في البكر والثيب. والآية الثانية؛ اقتضت أن حدّ الزانيين الأذى. فظهر من الآيتين أن حدّ المرأة كان الحبس والأذى جميعا، وحدّ الرجل كان الأذى فقط، لأن الحبس ورد خاصا في النساء، والأذى ورد عاما في الرجل والمرأة، وإنما خصّ النساء في الآية الأولى بالذكر، لأنهن ينفردن بالحبس دون الرجال، وجمع بينهما في الآية الثانية، لأنهما يشتركان في الأذى، ولا يختلف العلماء في نسخ هذين الحكمين عن الزانيين؛ أعني الحبس والأذى، وإنما اختلفوا بماذا نسخا؟ فقال قوم: نسخا بقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور: ٢]. [١٠٨] (١) - أخبرنا المبارك بن علي، قال: ابنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: ابنا أبو إسحاق البرمكي، قال: ابنا محمد بن إسماعيل بن العباس، قال: ابنا أبو بكر بن أبي داود قال: ابنا يعقوب بن سفيان، قال: ابنا أبو صالح قال: حدّثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ قال: كانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت، وكان الرجل إذا زنى أوذي بالتعيير، والضرب بالنعال، فنزلت: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وإن كانا محصنين رجما بسنة رسول الله ﷺ . [١٠٩]- أخبرنا عبد الوهاب الحافظ، قال: ابنا أبو طاهر الباقلاوي، قال: ابنا أبو علي بن شاذان، قال: ابنا عبد الرحمن بن الحسن، قال: ابنا إبراهيم بن الحسين، قال: ابنا آدم، قال: ابنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد فَآذُوهُما يعني سبا، ثم نسختها الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ. [١١٠]- أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله، قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد، قال: ابنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدّثني أبي، قال: ابنا عبد الرزاق، قال: ابنا معمر، عن قتادة، فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ [النساء: ١٥] قال: نسختها الحدود. قال أحمد: وبنا عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ

стр. 107

قال: كانت هذه الآية قبل الحدود ثم أنزلت وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما قال: كانا يؤذيان بالقول والشتم وتحبس المرأة ثم إن الله تعالى نسخ ذلك فقال: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ. قال أحمد: وبنا علي بن حفص، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما قال: نسخته الآية التي في النور بالحد المفروض. قال قوم: نسخ هذان الحكمان بحديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال: «خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهنّ سبيلا؛ الثّيّب بالثّيّب جلد مائة ورجم بالحجارة، والبكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة» (١). قالوا: فنسخت الآية بهذا الحديث، وهؤلاء يجيزون نسخ القرآن بالسنة. وهذا قول مطروح؛ لأنه لو جاز نسخ القرآن بالسنة لكان ينبغي أن يشترط التواتر في ذلك الحديث، فأما أن ينسخ القرآن بأخبار الآحاد فلا يجوز ذلك وهو من أخبار الآحاد. وقال الآخرون: السبيل الذي جعل الله لهن هو الآية: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ قال آخرون: بل السبيل قرآن نزل ثم رفع رسمه وبقي حكمه، وظاهر حديث عبادة يدل على ذلك، لأنه قال: «قد جعل الله لهن سبيلا» فأخبر أن الله تعالى جعل لهن السبيل، والظاهر أنه بوحي لم تستقر تلاوته، وهذا يخرج على قول من لا يرى نسخ القرآن بالسنة، وقد اختلف العلماء بماذا ثبت الرجم على قولين: الأول: أنه نزل به قرآن ثم نسخ لفظه، وانعقد الإجماع على بقاء حكمه. والثاني: أنه ثبت بالسنة. ذكر الآية الثامنة والتاسعة : قوله تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ وقوله: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء: ١٧ - ١٨] إنما سمى فاعل الذنب جاهلا، لأن فعله مع العلم بسوء مغبته، فأشبه من جهل المغبة والتوبة من قريب ما كان قبل معاينة الملك، فإذا حضر الملك لسوق الروح لم تقبل توبته، لأن الإنسان حينئذ يصير كالمضطر إلى التوبة، فمن تاب قبل ذلك قبلت توبته، أو أسلم عن كفر قبل إسلامه، وهذا أمر ثابت محكم.

стр. 108

وقد زعم بعض من لا فهم له أن هذا الأمر أقر على هذا في حق أرباب المعاصي من المسلمين، ونسخ حكمه في حق الكفار بقوله: وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ [النساء: ١٨]، وهذا ليس بشيء؛ فإن حكم الفريقين واحد. ذكر الآية العاشرة : قوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ [النساء: ٢٢] هذا كلام محكم عند عامة العلماء ومعنى قوله: إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ أي: بعد ما قد سلف في الجاهلية، فإن ذلك معفو عنه. وزعم بعض من قلّ فهمه أن الاستثناء نسخ ما قبله. وهذا تخليط لا حاصل له ولا يجوز أن يلتفت إليه من جهتين: الأول: أن الاستثناء ليس بنسخ. والثاني: أن الاستثناء عائد إلى مضمر تقديره: فإن فعلتم عوقبتم إلا ما قد سلف، فإنكم لا تعاقبون عليه، فلا معنى للنسخ هاهنا. ذكر الآية الحادية عشر : قوله تعالى: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ [النساء: ٢٣] وهذه حكمها حكم التي قبلها. وقد زعم الزاعم هناك: أن هذه كتلك في أن الاستثناء ناسخ لما قبله، وقد بينا رذولة هذا القول. ذكر الآية الثانية عشر : قوله تعالى: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ [النساء: ٢٤]، وقد ذكر في هذه الآية موضعان منسوخان: الأول: قوله: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ، هذا عند عموم العلماء لفظ عام دله التخصيص بنهي النبي ﷺ : «أن تنكح المرأة على عمتها أو على خالتها» (١). وليس هذا على سبيل النسخ. وقد ذهب قوم لا فقه لهم إلى أن التحليل المذكور في الآية منسوخ بهذا الحديث، وهذا إنما يأتي من عدم فهم الناسخ والمنسوخ والجهل بشرائطه وقلة المعرفة بالفرق بين التخصيص والنسخ. وأما الموضع الثاني: فقوله تعالى: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ [النساء: ٢٤] اختلف العلماء في المراد بهذا الاستمتاع على قولين: الأول: أنه النكاح والأجور المهور، وهذا مذهب ابن عباس ومجاهد والجمهور.

стр. 109

والثاني: أنه المتعة التي كانت في أول الإسلام، كان الرجل ينكح المرأة إلى أجل مسمى، ويشهد شاهدين، فإذا انقضت المدة ليس له عليها سبيل. قاله قوم منهم السدي. اختلفوا هل هي محكمة أو منسوخة؟ فقال قوم: هي محكمة. [١١١]- أخبرنا ابن ناصر، قال: ابنا ابن أيوب. قال: ابنا أبو علي بن شاذان، قال: حدّثنا أبو بكر النجاد، قال: ابنا أبو داود السجستاني، قال: ابنا محمد بن المثنى، قال: ابنا محمد بن جعفر، قال: ابنا شعبة، عن الحكم، قال: سألته عن هذه الآية: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ أمنسوخة هي قال: لا. قال الحكم: وقال علي ﵁: لولا أن عمر نهى عن المتعة- فذكر شيئا (١). وقال آخرون: هي منسوخة، واختلفوا بماذا نسخت على قولين: الأول: بإيجاب العدة. [١١٢] (٢) - أخبرنا ابن ناصر، قال: ابنا علي بن أيوب، قال: ابنا أبو علي بن شاذان قال: ابنا أبو بكر النجاد، قال: ابنا أبو داود السجستاني، قال: ابنا أحمد بن محمد، قال: ابنا هاشم بن مخلد، عن ابن المبارك، عن عثمان بن عطاء،

стр. 110

عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً فنسختها يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: ١] وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨] أَشْهُرٍ [الطلاق: ٤]. والثاني: أنها نسخت بنهي رسول الله ﷺ عن المتعة، وهذا القول ليس بشيء لوجهين: الأول: أن الآية سيقت لبيان عقدة النكاح بقوله: مُحْصِنِينَ أي: متزوجين، عاقدين النكاح، فكان معنى الآية: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ على وجه النكاح الموصوف فآتوهن مهورهن، وليس في الآية ما يدل على أن المراد نكاح المتعة الذي نهي عنه، ولا حاجة إلى التكلف، وإنما جاز المتعة برسول الله ﷺ ثم منع منها. والثاني: أنه لو كان ذلك لم يجز نسخه بحديث واحد. ذكر الآية الثالثة عشر : قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ [النساء: ٢٩] هذه الآية عامة في أكل الإنسان مال نفسه، وأكله مال غيره بالباطل. فأما أكله مال نفسه بالباطل فهو إنفاقه في معاصي الله . وأما أكل مال الغير بالباطل، فهو تناوله على الوجه المنهي عنه سواء كان غصبا من مالكه، أو كان برضاه، إلا أنه منهي عنه شرعا، مثل القمار والربا وهذه الآية محكمة والعمل عليها. [١١٣]- أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله، قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد، قال: ابنا عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: ابنا أسود بن عامر، قال: ابنا سفيان، عن ربيع، عن الحسن لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ قال: ما نسخها شيء. قال أحمد: وحدّثنا حسين بن محمد، قال: ابنا عبيد الله عن زيد بن أبي أنيسة عن عمرو، أن مسروقا قال في هذه الآية: لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ قال: إنها لمحكمة ما نسخت. وقد زعم بعض منتحلي التفسير، ومدّعي علم الناسخ والمنسوخ؛ أن هذه الآية لما نزلت تحرّجوا من أن يواكلوا الأعمى والأعرج والمريض، وقالوا: إن الأعمى لا يبصر أطيب الطعام، والأعرج لا يتمكن من المجلس، والمريض لا

стр. 111

يستوفي الأكل، فأنزل الله : لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ [النور: ٦١]. فنسخت هذه الآية، وهذا ليس بشيء، ولأنه لا تنافي بين الآيتين، ولا يجوز أكل المال بالباطل بحال، وعلى ما قد زعم هذا القائل قد كان يجوز أكل المال بالباطل. ذكر الآية الرابعة عشر : قوله تعالى: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ [النساء: ٣٣] اختلف المفسرون في المراد بهذه المعاقدة على ثلاثة أقوال: الأول: أنها المحالفة التي كانت في الجاهلية، واختلف هؤلاء على ما كانوا يتعاقدون على ثلاثة أقوال: الأول: على أن يتوارثوا. [١١٤] (١) - أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله، قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد، قال: ابنا عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس ﵄ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ قال: كان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل فيقول: ترثني وأرثك، فنسختها هذه الآية وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ [الأنفال: ٧٥]. [١١٥]- أخبرنا ابن ناصر، قال: ابنا ابن أيوب، قال: ابنا ابن شاذان، قال: ابنا أبو بكر النجاد، قال: ابنا أبو داود السجستاني، قال: ابنا أحمد بن محمد المروزي، قال: ابنا علي بن الحسين عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ قال: كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب، فيرث أحدهما الآخر، فنسخ ذلك قوله: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ. وقال الحسن: كان الرجل يعاقد الرجل، على أنهما إذا مات أحدهما ورثه الآخر، فنسختها آية المواريث. والثاني: أنهم يتعاقدون على أن يتناصروا، ويتعاقلوا في الجناية. والثالث: أنهم كانوا يتعاقدون على جميع ذلك. [١١٦]- أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله، قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد، قال: ابنا عبد الله بن أحمد قال: حدّثني أبي، قال: ابنا عبد الرزاق، قال، قال: ابنا معمر، عن قتادة في قوله: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ

стр. 112

قال: كان الرجل في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك، وهدمي هدمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، فلما جاء الإسلام بقي منهم ناس فأمروا أن يؤتوهم نصيبهم من الميراث وهو السدس، ثم نسخ ذلك بالميراث، فقال: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ. فصل وهل أمروا في الشريعة أن يتوارثوا بذلك فيه قولان: الأول: أنهم أمروا أن يتوارثوا بذلك؛ فمنهم من كان يجعل لحليفه السدس من ماله، ومنهم من كان يجعل له سهما غير ذلك، فإن لم يكن له وارث فهو أحق بجميع ماله. [١١٧]- أخبرنا عبد الوهاب الحافظ، قال: ابنا أبو الفضل بن خيرون، وأبو طاهر الباقلاوي، قالا: ابنا ابن شاذان، قال: ابنا أحمد بن كامل، قال: ابنا محمد بن سعد العوفي، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمي، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس ﵄ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ قال: كان الرجل في الجاهلية يلحق به الرجل فيكون تابعه، فإذا مات الرجل صار لأهله وأقاربه الميراث، وبقي تابعه ليس له شيء، فأنزل الله تعالى: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ وكان يعطى من ميراثه، فأنزل الله تعالى بعد ذلك، وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ. قلت: وهذا القول- أعني: نسخ الآية بهذه الآية- قول جمهور العلماء منهم الثوري، والأوزاعي ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وقال أبو حنيفة: هذا الحكم ليس بمنسوخ، غير أنه جعل ذوي الأرحام أولى من موالي المعاقدة، فإذا فقد ذوي الأرحام ورثوا، وكانوا أحق به من بيت المال (١). والثاني: أنهم لم يؤمروا بالتوارث بذلك، بل أمروا بالتناصر، وهذا حكم باق لم ينسخ، وقد قال ﵇: «لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدّة» (٢). وأراد بذلك النصرة والعون وأراد بقوله: «لا حلف في الإسلام» أن الإسلام قد استغنى عن ذلك، بما أوجب الله تعالى على المسلمين بعضهم لبعض من التناصر، وهذا قول جماعة منهم سعيد بن جبير، وقد روى عن مجاهد أنهم ينصرونهم ويعقلون عنهم.

стр. 113

[١١٨] (١) - أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله، قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد، قال: ابنا عبد الله بن أحمد قال: حدّثني أبي، قال: ابنا وكيع، قال: ابنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ قال: هم الحلفاء فآتوهم نصيبهم من العقل والمشورة والنصرة، ولا ميراث. والقول الثاني: أن المراد بالمعاقدة، المؤاخاة التي عقدها رسول الله ﷺ بين أصحابه. [١١٩] (٢) - أخبرنا ابن ناصر، قال: ابنا ابن أيوب، قال: ابنا ابن شاذان، قال: ابنا أبو بكر النجاد قال: ابنا أبو داود السجستاني، قال: ابنا هارون بن عبد الله، قال: ابنا أبو أسامة، قال: حدّثني إدريس بن يزيد، قال: ابنا طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: كان المهاجرون حين قدموا المدينة يورثون الأنصار دون ذوي رحمهم للأخوة التي آخى رسول الله ﷺ بينهم، فلما نزلت: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ [النساء: ٣٣] نسخت، فآتوهم نصيبهم من النصر والنصيحة والرفادة. ويوصي لهم وقد ذهب الميراث. وروى أصبغ عن ابن زيد وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ قال: الذين عاقد بينهم رسول الله ﷺ ، فآتوهم نصيبهم إذا لم يأت ذو رحم يحول بينهم. قال: وهذا لا يكون اليوم إنما كان هذا في نفر آخى بينهم رسول الله ﷺ ثم انقطع ذلك ولا يكون هذا لأحد إلا للنبي ﷺ . القول الثالث: أنها نزلت في الذين كانوا يتبنون أبناء غيرهم في الجاهلية فأمروا أن يوصوا لهم عند الموت توصية ورد الميراث إلى الرحم والعصبة. رواه الزهري عن ابن المسيب (٣).

стр. 114

ذكر الآية الخامسة عشر : قوله تعالى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [النساء: ٤٣]. قال المفسرون: هذه الآية اقتضت إباحة السّكر في غير أوقات الصلاة، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: فَاجْتَنِبُوهُ. [١٢٠]- أخبرنا المبارك بن علي، قال: ابنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: ابنا إبراهيم بن عمر البرمكي، قال: ابنا محمد إسماعيل بن العباس، قال: ابنا أبو بكر بن أبي داود، قال: ابنا محمد بن قهزاد، قال: حدّثني علي بن الحسين بن واقد قال: حدّثني أبي، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى قال: نسختها إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة: ٩٠]. قال أبو بكر: وابنا يعقوب بن سفيان، قال: ابنا عبد الله بن صالح، قال: ابنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى قال: كانوا لا يشربونها عند الصلاة فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون حتى يذهب عنهم السكر، فإذا صلوا الغداة شربوها، فأنزل الله : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ، فحرّم الله الخمر (١). قال أبو بكر: وبنا محمد بن سعد، قال: حدّثني أبي، عن الحسين بن الحسن بن عطية، عن أبيه، عن عطية، عن ابن عباس ﵄ لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى قال: نسختها الآية التي في المائدة فَاجْتَنِبُوهُ. قال أبو بكر: وابنا يعقوب بن سفيان، قال: ابنا عبد الله بن عثمان، قال: ابنا عيسى بن عبيد، قال: ابنا عبيد الله مولى عمر بن مسلم، أن الضحاك بن مزاحم أخبره في قوله: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى قال: نسختها إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ. ذكر الآية السادسة عشر : قوله تعالى: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ [النساء: ٦٣]. قال المفسرون: في هذه الآية تقديم وتأخير؛ تقديره: فعظهم فإن امتنعوا عن الإجابة فأعرض. وهذا كان قبل الأمر بالقتال ثم نسخ ذلك بآية السيف.

стр. 115

ذكر الآية السابعة عشر : قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً [النساء: ٦٤]. قال المفسرون: اختصم يهودي ومنافق، وقيل: بل مؤمن ومنافق، فأراد اليهودي، وقيل: المؤمن، أن تكون الحكومة بين يدي الرسول ﷺ فأبى المنافق. فنزل قوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ [النساء: ٦٠] إلى هذه الآية، وكان معنى هذه الآية: ولو أن المنافقين جاءوك فاستغفروا من صنيعهم واستغفر لهم الرسول، وقد زعم بعض منتحلي التفسير: أن هذه الآية نسخت بقوله: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة: ٨٠]. وهذا قول مرذول، لأنه إنما قيل: فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ لإصرارهم على النفاق، فأما إذا جاءوا فاستغفروا واستغفر لهم الرسول، فقد ارتفع الإصرار فلا وجه للنسخ. ذكر الآية الثامنة عشر : قوله تعالى: خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً [النساء: ٧١] وهذه الآية تتضمن الأمر بأخذ الحذر، والندب إلى أن يكونوا عميا وقت نفيرهم، ذوي أسلحة عند بروزهم إلى عدوهم ولا ينفروا منفردين، لأن الثبات الجماعات المتفرقة. وقد ذهب قوم: إلى أن هذه الآية منسوخة. [١٢١]- أخبرنا ابن ناصر قال: ابنا علي بن أيوب، قال: ابنا علي بن شاذان، قال: ابنا أبو بكر النجاد، قال: ابنا أبو داود السجستاني، قال: ابنا الحسن بن محمد، قال: ابنا حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج وعمر بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ، وقال: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا [التوبة: ٤١] وقال: فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ [التوبة: ٣٩] ثم نسخ هذه الآيات، فقال: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ [التوبة: ١٢٢]. قلت: وهذه الرواية فيها مغمز، وهذا المذهب لا يعمل عليه، وأحوال المجاهدين تختلف، والأمر في ذلك على حسب ما يراه الإمام، وليس في هذه الآيات شيء منسوخ بل كلها محكمات، وقد ذهب إلى ما قد ذهبت إليه أبو سليمان الدمشقي.

стр. 116

ذكر الآية التاسعة عشر : قوله تعالى: وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً [النساء: ٨٠]. روى أبو صالح عن بن عباس ﵄ قال معناه: فما أرسلناك عليهم رقيبا تؤخذ بهم. وقال السدي وابن قتيبة حفيظا أي: محاسبا لهم. وقد ذهب قوم منهم عبد الرحمن بن زيد، إلى أن هذه الآية نزلت في بداية الأمر ثم نسخت بآية السيف. وفيه بعد؛ لأنه إذا كان تفسيرها ما ذكرنا فأي وجه للنسخ. ذكر الآية العشرين : قوله تعالى: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [النساء: ٨١]. قال المفسرون: معنى الكلام: أعرض عن عقوبتهم، ثم نسخ هذا الإعراض عنهم بآية السيف. ذكر الآية الحادية والعشرين : قوله تعالى: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ [النساء: ٨٤]. قال المفسرون: معناه لا تكلف إلا المجاهدة بنفسك، ولا تلزم فعل غيرك، وهذا محكم. وقد زعم بعض منتحلي التفسير أنه منسوخ بآية السيف فكأنه استشعر أن معنى الكلام لا تكلف أن تقاتل أحدا، وليس كذلك؛ إنما المعنى لا تكلف في الجهاد إلا فعل نفسك. ذكر الآية الثانية والعشرين : قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ [النساء: ٩٠]. قوله تعالى: يَصِلُونَ يدخلون في عهد بينكم وبينهم ميثاق، والمعنى: ينتسبون بالعهد أو يصلون إلى قوم جاءوكم، حصرت صدورهم أي: ضاقت عن قتالكم لموضع العهد الذي بينكم وبينهم، فأمر المسلمون في هذه الآية بترك قتال من له معهم عهد أو ميثاق، أو ما يتعلق بعهد، ثم نسخ ذلك بآية السيف، وبما أمروا به من نبذ العهد إلى أربابه في سورة براءة، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس وقتادة. [١٢٢] (١) - أخبرنا ابن ناصر، قال: ابنا ابن أيوب قال: ابنا ابن شاذان، قال:

стр. 117

ابنا أبو بكر النجاد، قال: ابنا أبو داود السجستاني، قال: ابنا الحسن بن محمد، قال: ابنا حجاج، قال: قال ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وقال: إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ [الممتحنة: ١٠] وقال: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ [الممتحنة: ٨] نسخ هذا: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [التوبة: ١] فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥]. [١٢٣]- أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله، قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا أحمد بن إسحاق الكاذي، قال: ابنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدّثني أبي، قال: ابنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ. قال: نسخ ذلك في براءة، ونبذ إلى كل ذي عهد عهده، وأمر الله نبيه أن يقاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وقال: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ. ذكر الآية الثالثة والعشرين : قوله تعالى: سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ [النساء: ٩١] والمعنى: أنهم يظهرون الموافقة للفريقين ليأمنوهما، فأمر الله تعالى بالكف عنهم، إذا اعتزلوا وألقوا إلينا السلم، وهو الصلح كما أمر بالكف عن الذين يصلون إلى قوم بيننا وبينهم ميثاق، ثم نسخ ذلك بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ. ذكر الآية الرابعة والعشرين : قوله تعالى: وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ [النساء: ٩٢]. جمهور أهل العلم على أن الإشارة بهذا إلى الذي يقتل خطأ فعلى قاتله الدية والكفارة، وهذا قول ابن عباس والشعبي، وقتادة والزهري، وأبي حنيفة، والشافعي، وهو قول أصحابنا، فالآية على هذا محكمة. وقد ذهب بعض مفسري القرآن إلى أن المراد به من كان من المشركين بينه وبين النبي ﷺ هدنة إلى أجل، ثم نسخ ذلك بقوله: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وبقوله: فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ [الأنفال: ٥٨]. ذكر الآية الخامسة والعشرين : قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ [النساء: ٩٣]. اختلف العلماء هل هذه محكمة أم منسوخة على قولين:

стр. 118

القول الأول: أنها منسوخة ؛ وهو قول جماعة من العلماء قالوا: بأنها حكمت بخلود القاتل في النار، وذلك منسوخ بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: ٤٨] وقال بعضهم: نسخها قوله تعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إِلَّا مَنْ تابَ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]. وحكى أبو جعفر النحاس: أن بعض العلماء قال: معنى نسختها آية الفرقان أي: نزلت بنسخها (١). والقول الثاني: أنها محكمة ؛ واختلف هؤلاء في طريق إحكامها على قولين: القول الأول: أن قاتل المؤمن مخلّد في النار، وأكّدوا هذا بأنها خبر، والأخبار لا تنسخ. [١٢٤] (٢) - أخبرنا يحيى بن ثابت بن بندار، قال: ابنا أبي، قال: ابنا أبو بكر البرقاني قال: ابنا أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، قال: أخبرني البغوي، قال: ابنا علي بن الجعد، قال: ابنا شعبة، عن المغيرة بن النعمان، قال: سمعت سعيد بن جبير، قال: اختلف أهل الكوفة في هذه الآية وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً قال: فرحلت فيها إلى ابن عباس ﵄ قال: لقد نزلت في آخر ما نزل وما نسخها شيء. وعن شعبة، عن منصور قال: سمعت سعيد بن جبير قال: سألت ابن عباس عن قول الله : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً قال: لا توبة له. [١٢٥] (٣) - أخبرنا ابن الحسين، قال: ابنا غيلان، قال: ابنا أبو بكر الشافعي، قال: ابنا إسحاق بن الحسين، قال: ابنا ابن حذيفة النهدي، قال: ابنا سفيان الثوري، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً قال: ليس لقاتل مؤمن توبة، ما نسختها آية منذ نزلت. [١٢٦] (٤) - أخبرنا سعيد بن أحمد، قال: ابنا ابن اليسري، قال: ابنا

стр. 119

المخلص، قال: ابنا البغوي، قال: ابنا عثمان بن أبي شيبة، قال: ابنا أبو خالد الأحمر، عن عمرو بن قيس الملائي، عن يحيى الجابر، عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس ﵄. أنه تلا هذه الآية: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ حتى فرغ منها، فقيل له: وإن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى؟ قال ابن عباس: وأنى له التوبة؛ قد سمعت نبيكم ﷺ ، يقول: «ثكلته أمّه، قاتل المؤمن إذا جاء يوم القيامة واضعا رأسه على إحدى يديه آخذا بالأخرى، القاتل تشخب أوداجه قبل عرش الرحمن فيقول: رب سل هذا فيم قتلني؟» قال: وما نزلت في كتاب الله آية نسختها. [١٢٧] (١) - أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله، قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق ابن أحمد، قال: ابنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدّثني أبي، قال: ابنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال ابنا مغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، قال: اختلف أهل الكوفة في هذه الآية وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فرحلت إلى ابن أبي عباس ﵄ فقال: إنها من آخر ما نزل، وما نسخها شيء. قال أحمد: وابنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، قال: حدّثني القاسم بن

стр. 120

أبي بزّة، عن سعيد بن جبير، قال: قلت لا بن عباس: هل لمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة؟ قال: لا، فتلوت هذه الآية التي في الفرقان إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ فقال: هذه الآية مكية نسختها آية مدنية وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ (١). قال أحمد: وابنا حسين بن محمد، قال: ابنا سفيان، عن أبي الزناد، قال: سمعت شيخنا يحدّث خارجة بن زيد بن ثابت، قال: سمعت أباك، قال نزلت الشديدة بعد الهينة بستة أشهر قوله: وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الفرقان: ٦٨] وقوله: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ (٢). وقد روي عن ابن عباس ما يدل على أنه قصد التشديد بهذا القول. [١٢٨]- فأخبرنا المبارك بن علي، قال: ابنا أحمد بن الحسين بن قريش قال: ابنا إبراهيم بن عمر قال: ابنا محمد بن إسماعيل قال: ابنا أبو بكر بن أبي داود، قال: ابنا محمد بن عبد الملك، قال: ابنا يزيد بن هارون، قال: ابنا أبو مالك، قال: ابنا سعد بن عبيدة، أن ابن عباس ﵄ كان يقول: لمن قتل المؤمن توبة، فجاءه رجل فسأله، ألمن قتل مؤمنا توبة؟ قال: إلا النار، فلما قام قال له جلساؤه: ما هكذا؟ كنت تفتينا أنه لمن قتل مؤمنا متعمدا توبة مقبولة، فما شأن هذا اليوم؟ قال: إني أظنه رجلا مغضبا يريد أن يقتل مؤمنا، فبعثوا في أثره فوجدوه كذلك. قال أبو بكر بن أبي داود: وقد روي عن ابن عباس ﵄ أن للقاتل توبة. وقد روى سعيد بن ميناء، عن عبد الله بن عمر، قال: سأله رجل؛ قال: إني قتلت رجلا فهل لي من توبة؟ قال: تزود من الماء البارد، فإنك لا تدخلها أبدا. وقد روي عن ابن عمر ﵄ ضد هذا، فإنه قال: للقاتل تب إلى الله يتب عليك. وروى سعيد بن ميناء، عن أبي هريرة ﵁ قال: جاءه رجل فقال: يا أبا هريرة، ما تقول في قاتل المؤمن، هل له من توبة؟ قال: والذي لا إله إلا هو لا يدخل الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط.

стр. 121

والقول الثاني: أنها عامة دخلها التخصيص، بدليل أنه لو قتله كافر ثم أسلم الكافر سقطت عنه العقوبة في الدنيا والآخرة، فإذا ثبت كونها من العام المخصص، فأي دليل صلح للتخصيص وجب العمل به. ومن أسباب التخصيص أن يكون قد قتله مستحلا لأجل إيمانه فيستحق التخليد لاستحلاله. [١٢٩]- أخبرنا المبارك بن علي، قال: ابنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: ابنا إبراهيم بن عمر البرمكي، قال: ابنا محمد بن إسماعيل بن العباس، قال: ابنا أبو بكر بن أبي داود، قال: ابنا الحسن بن عطاء، وأحمد بن محمد الحسين، قالا: ابنا خلاد بن يحيى، قال ابنا أنس بن مالك الصير في أبو روية، عن أنس بن مالك، قال: بعث رسول الله ﷺ سرية وعليها أمير، فلما انتهى إلى أهل ماء خرج إليه رجل من أهل الماء فخرج إليه رجل من أصحاب النبي ﷺ ، فقال: إلى ما تدعو؟ فقال: إلى الإسلام، قال: وما الإسلام؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأن تقر بجميع الطاعة، قال: هذا؟ قال: نعم. فحمل عليه فقتله لا يقتله إلا على الإسلام، فنزلت: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً لا يقتل إلا على إيمانه الآية كلها. قال سعيد بن جبير: نزلت في مقيس بن ضبابة قتل مسلما عمدا وارتد كافرا، وقد ضعف هذا الوجه أبو جعفر النحاس فقال: ومن لفظ عام لا يخص إلا بتوقيف أو دليل قاطع وقد ذهب قوم إلى أنها مخصوصة في حق من لم يتب، بدليل قوله تعالى: إِلَّا مَنْ تابَ والصحيح أن الآيتين محكمتان، فإن كانت التي في النساء أنزلت أولا فإنها محكمة نزلت على حكم الوعيد غير مستوفاة الحكم، ثم بين حكمها في الآية التي في الفرقان، وكثير من المفسرين منهم ابن عباس وأبو مجلز وأبو صالح؛ يقولون: فجزاؤه جهنم إن جازاه. وقد روي لنا مرفوعا، إلا أنه لا يثبت رفعه، والمعنى يستحق الخلود غير أنه لا يقطع له به. وفي هذا الوجه بعد لقوله: وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ فأخبر بوقوع عذابه كذلك، وقال أبو عبيد: وإن كانت التي في الفرقان الأولى فقد استغنى بما فيها عن إعادته في سورة النساء فلا وجه للنسخ بحال. ذكر الآية السادسة والعشرين : قوله تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ [النساء: ١٤٥]. زعم بعض من قل فهمه أنها نسخت الاستثناء بعدها وهو قوله: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ [النساء: ١٤٦] وقد بيّنا في مواضع أن الاستثناء ليس بنسخ.

стр. 122

الباب الثاني عشر باب ذكر الآيات اللواتي ادّعي عليهنّ النّسخ في سورة المائدة قد زعم قوم أنه ليس في المائدة منسوخ. [١٣٠] (١) - فأخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: ابنا علي بن أيوب، قال: ابنا أبو علي بن شاذان، قال: ابنا أبو بكر النجاد، قال: ابنا أبو داود السجستاني، قال ابنا محمد بن بشار، قال: ابنا عبد الرحمن، قال: ابنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن شرحبيل، قال: المائدة ليس فيها منسوخ. قال ابن بشار: وابنا ابن أبي عدي، قال: ابنا ابن عون، قال: قلت للحسن: نسخ من المائدة شيء؟ قال: لا. وقد ذهب الأكثرون إلى أن في المائدة منسوخا، ونحن نذكر ذلك. ذكر الآية الأولى : قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ الآية [المائدة: ٢]. اختلف المفسرون في هذه الآية، هل هي محكمة أم منسوخة؟ على قولين: القول الأول: أنها محكمة ، ولا يجوز استحلال الشعائر ولا الهدي قبل أوان ذبحه، ثم اختلفوا في القلائد؛ فقال بعضهم: يحرم رفع القلادة عن الهدي حتى ينحر. وقال آخرون منهم: كانت الجاهلية تقلد من شجر الحرم فقيل لهم لا تستحلوا أخذ القلائد من الحرم ولا تصدوا القاصدين إلى البيت. والقول الثاني: أنها منسوخة ، ثم في المنسوخ منها ثلاثة أقوال: الأول: قوله: وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ فإن هذا اقتضى جواز إقرار المشركين على قصدهم البيت، وإظهارهم شعائر الحج ثم نسخ هذا بقوله: فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [التوبة: ٢٨] وبقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وهذا المعنى مروي عن ابن عباس رضي عنهما. [١٣١]- أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله، قال: ابنا

стр. 123

ابن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد قال: ابنا عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: ابنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، قال: نسخ منها آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ نسخها قوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ. وقال: ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ [التوبة: ١٧]. وقال: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [التوبة: ٢٨]. والثاني: أن المنسوخ منها تحريم الشهر الحرام، وتحريم الآمين للبيت إذا كانوا مشركين، وهدي المشركين إذا لم يكن لهم من المسلمين أمان، قاله أبو سليمان الدمشقي. والثالث: أن جميعها منسوخ. [١٣٢] (١) - أخبرنا المبارك بن علي، قال: ابنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: ابنا إبراهيم بن عمر البرمكي، قال: ابنا محمد بن إسماعيل بن العباس، قال: ابنا أبو بكر بن أبي داود، قال: ابنا يعقوب بن سفيان، قال: ابنا أبو صالح، قال: ابنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قال: كان المشركون يحجون البيت الحرام، ويهدون الهدايا ويحرمون حرمة المشاعر، وينحرون في حجهم، فأنزل الله : لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ أي لا تستحلوا قتالا فيه، وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يقول: من توجه قبل البيت. ثم أنزل الله، فقال: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ. [١٣٣] (٢) - أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله، قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد قال: ابنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدّثني أبي، قال: ابنا يزيد، قال: ابنا سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، قال: نسخت هذه الآية لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ نسختها فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ. قال أحمد: وابنا عبد الرزاق، قال: ابنا معمر، عن قتادة، لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ قال: هي منسوخة، كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تقلد السمر فلم يعرض له أحد، فإذا رجع تقلد قلادة شعر

стр. 124

فلم يعرض له أحد، وكان المشرك يومئذ لا يصد عن البيت، فأمروا أن لا يقاتلوا في الشهر الحرام، ولا عند البيت الحرام، فنسخها فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ (١). [١٣٤] (٢) - أخبرنا ابن الحصين، قال: ابنا ابن غيلان، قال: ابنا أبو بكر الشافعي، قال: ابنا إسحاق بن الحسن، قال: ابنا أبو حذيفة النهدي، قال: ابنا سفيان الثوري، عن بيان، عن الشعبي، قال: لم ينسخ من المائدة غير آية واحدة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ نسختها فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ. وفصل الخطاب في هذا أنه لا يمكن القول بنسخ جميع الآية فإن شعائر الله أعلام متعبداته، ولا يجوز القول بنسخ هذا إلا أن يعني به: لا تستحلوا نقض ما شرع فيه المشركون من ذلك، فعلى هذا يكون منسوخا. وكذلك الهدي والقلائد، وكذلك الآمّون للبيت فإنه لا يجوز صدهم إلا أن يكونوا مشركين، وأما الشهر الحرام فمنسوخ الحكم على ما بينا في قوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ [البقرة: ٢١٧]. فأما قوله: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [المائدة: ٢] فلا وجه لنسخه، وأما قوله: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ [المائدة: ٢] فمنسوخ بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وباقي الآية محكم بلا شك. ذكر الآية الثانية : قوله تعالى: وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ [المائدة: ٥]. اختلف المفسرون في هذه الآية على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنها اقتضت إباحة ذبائح أهل الكتاب على الإطلاق، وإن علمنا أنهم قد أهلوا عليها بغير اسم الله، أو أشركوا معه غيره. وهذا مروي عن الشعبي، وربيعة، والقاسم بن مخيمرة في آخرين، وهؤلاء زعموا أنها ناسخة لقوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام: ١٢١].

стр. 125

قال أبو بكر: وابنا حرمي بن يونس قال: ابنا أبي، يونس بن محمد، قال: ابنا حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن، قال: قيل له: إنهم يذكرون المسيح على ذبائحهم، قال: قد علم الله ما هم قائلون، وقد أحل ذبائحهم. قال أبو بكر: وابنا زياد بن أيوب، قال: ابنا مروان، قال: ابنا أيوب بن يحيى الكندي، قال: سألت الشعبي عن نصارى نجران فقلت: منهم من يذكروا الله ومنهم من يذكر المسيح، قال: كل، وأطعمني. قال أبو بكر: وابنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب، قال: ابنا يحيى، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء قال: كلوا وإن ذبح للشيطان. قال أبو بكر: وابنا محمود بن خالد، قال: ابنا الوليد، قال: ابنا ابن جابر، قال: سمعت القاسم بن مخيمرة يقول: لا بأس بأكل ما ذبحت النصارى لأعياد كنائسها، ولو سمعته يقول: على اسم جرجيس وبولس. [١٣٥] (١) - أخبرنا المبارك بن علي قال: ابنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: ابنا إبراهيم بن عمر البرمكي، قال: ابنا محمد بن إسماعيل بن العباس، قال: ابنا أبو بكر بن أبي داود، قال: ابنا يعقوب بن سفيان، قال: ابنا أبو صالح، قال: حدّثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [المائدة: ٣] ما ذبح اليهود والنصارى أحل لكم ذبائحهم على كل حال. قال أبو بكر: وابنا محمد بن بشار، قال: ابنا يحيى، قال: ابنا عبد الملك، عن عطاء، قال: إذا ذبح النصراني باسم المسيح فكل. قال أبو بكر: وابنا عبد الله بن سعيد، قال: ابنا ابن أبي غنيمة، قال: ابنا أبي، عن الحكم، قال: لو ذبح النصراني وسمعته يقول: باسمك اللهم المسيح لأكلت منه، لأن الله قد أحل لنا ذبائحهم، وهو يعلم أنهم يقولون ذلك. والقول الثاني: أن ذلك كان مباحا في أول الأمر، ثم نسخ بقوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. والقول الثالث: أنه إنما أبيحت ذبيحة أهل الكتاب، لأن الأصل أنهم يذكرون اسم الله عليها فمتى علم قد ذكروا غير اسمه لم يؤكل، وهذا هو الصحيح عندي، وممن قال: إذا سمعت الكتابي يسمّي غير الله فلا تأكل: علي بن أبي طالب،

стр. 126

وعبد الله بن عمر، وعائشة، وطاوس والحسن، وعن عبادة بن الصامت، وأبي الدرداء كهذا القول. وكالقول الأول، فعلى هذا القول الآية محكمة، ولا وجه للنسخ. ذكر الآية الثالثة : قوله تعالى: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة: ٦]. اختلف العلماء فيها على قولين: الأول: أن في الكلام إضمارا تقديره: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين، وهذا قول سعد بن أبي وقاص، وأبي موسى، وابن عباس، والفقهاء. والثاني: أنه على إطلاقه، وأنه يوجب على كل من أراد الصلاة أن يتوضأ سواء كان محدثا أو غير محدث، وهذا مروي عن جماعة منهم علي، وعكرمة، وابن سيرين، ثم اختلفوا: هل هذا الحكم باق أم نسخ؟ فذهب أكثرهم إلى أنه باق، وقال بعضهم: بل هو منسوخ بالسنّة، وهو حديث بريدة أن النبي ﷺ صلّى يوم الفتح بوضوء واحد، فقال له عمر: صنعت شيئا لم تكن تصنعه فقال: عمدا فعلته يا عمر (١). وهذا قول بعيد لما سبق بيانه من أن أخبار الآحاد لا تجوز أن تنسخ القرآن، وإنما يحمل فعل رسول الله ﷺ هذا على تبين معنى الآية، وأن المراد: إذا قمتم وأنتم محدثون. وإنما كان يتوضأ لكل صلاة لطلب الفضيلة. وقد حكى أبو جعفر النحاس عن الشافعي أنه قال: لو وكلنا إلى الآية لكان على كل قائم إلى الصلاة الطهارة، فلما صلّى رسول الله ﷺ الصلوات بطهور واحد بيّنها، فيكون المعنى: إذا قمتم وقد أحدثتم فاغسلوا (٢). وقد قال بعضهم: يجوز أن يكون ذلك قد نسخ بوحي لم تستقر تلاوته، فإنه قد روى أبو جعفر بن جرير الطبري، بإسناده عن عبد الله بن حنظلة الغسيل ﵄ أن النبي ﷺ أمر بالوضوء عند كل صلاة فشق ذلك عليه، فرفع عنه الوضوء إلا من حدث.

стр. 127

ذكر الآية الرابعة : قوله تعالى: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ [المائدة: ١٣]. اختلف العلماء هل هذا منسوخ أم محكم؛ على قولين: الأول: أنه منسوخ ؛ قاله الأكثرون، ولهم في ناسخه ثلاثة أقوال: الأول: آية السيف. [١٣٦] (١) - أخبرنا ابن ناصر قال: ابنا ابن أيوب، قال: ابنا أبو علي بن شاذان، قال: ابنا أبو بكر النجاد، قال: ابنا أبو داود السجستاني، قال: ابنا أحمد بن محمد، قال: حدّثت عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ فَاعْفُ عَنْهُمْ [آل عمران: ١٥٩] وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا [التغابن: ١٤]، ونحو هذا من القرآن نسخ كله بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥]. والثاني: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [التوبة: ٢٩]. [١٣٧] (٢) - أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله، قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد، قال: ابنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدّثني أبي، قال ابن عبد الرزاق، قال: ابنا معمر، عن قتادة فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ قال: نسختها قوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ. والثالث: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً [الأنفال: ٥٨]. والقول الثاني: أنه محكم ، قال بعض المفسرين: نزلت في قوم كان بينهم وبين النبي ﷺ عهد، فغدروا وأرادوا قتل النبي ﷺ ، وأظهره الله عليهم، ثم أنزل هذه الآية، ولم تنسخ (٣). قال ابن جرير: يجوز أن يعفي عنهم في غدرة فعلوها ما لم ينصبوا حربا، ولم يمتنعوا من أداء الجزية والإقرار بالصغار، فلا يتوجه النسخ.

стр. 128

ذكر الآية الخامسة : قوله تعالى: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا [المائدة: ٣٣] هذه الآية محكمة عند الفقهاء. واختلفوا هل هذه العقوبة على الترتيب أم على التخيير. فمذهب أحمد بن حنبل في جماعة أنها على الترتيب، وأنهم إذا قتلوا وأخذوا المال، أو قتلوا ولم يأخذوا قتلوا وصلبوا وإن أخذوا المال ولم يقتلوا، قطّعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن لم يأخذوا المال نفوا. وقال مالك: الإمام مخير في إقامة أي الحدود شاء سواء قتلوا أم لم يقتلوا، أخذوا المال أو لم يأخذوا. وقد ذهب بعض مفسّري القرآن ممن لا فهم له؛ أن هذه الآية منسوخة بالاستثناء بعدها، وقد بينا فساد هذا القول في مواضع. ذكر الآية السادسة : قوله تعالى: فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ [المائدة: ٤٢]. اختلفوا في هذه الآية على قولين: الأول: أنها منسوخة وذلك أن أهل الكتاب كانوا إذا ترافعوا إلى النبي ﷺ كان مخيرا إن شاء حكم بينهم وإن شاء أعرض عنهم، ثم نسخ ذلك، بقوله: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ [المائدة: ٤٨]. فلزمه الحكم وزال التخيير، روى هذا المعنى أبو سليمان الدمشقي بأسانيده عن ابن عباس، وعطاء ومجاهد، وعكرمة، والسدي، وقد روى أيضا عن الزهري وعمر بن عبد العزيز. [١٣٨] (١) - وقد أخبرنا ابن الحصين، قال: ابنا أبو طالب بن غيلان، قال: ابنا أبو بكر الشافعي، قال: ابنا يحيى بن آدم، عن الأشجعي، عن سفيان، عن السدي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ قال: نسختها فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ. [١٣٩] (٢) - أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله البقال، قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد، قال: ابنا

стр. 129

عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدّثني أبي قال: ابنا حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس ﵄ في قوله: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ قال: نسختها فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ. قال أحمد: وابنا هشيم قال: ابنا أصحابنا منهم منصور وغيره، عن الحكم، عن مجاهد في قوله: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قال: نسخت ما قبلها، قوله: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ (١). قال أحمد: وابنا وكيع، قال: ابنا سفيان، عن السدي، عن عكرمة، قال: نسخ قوله: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ قوله: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ (٢). قال أحمد: وابنا حسين، عن شيبان، عن قتادة فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قال: أمر الله نبيه أن يحكم بينهم بعد ما كان رخص له أن يعرض عنهم إن شاء، فنسخت هذه الآية ما كان قبلها. وحكى أبو جعفر النحاس عن أبي حنيفة وأصحابه قالوا: إذا تحاكم أهل الكتاب إلى الإمام فليس له أن يعرض عنهم، غير أن أبا حنيفة قال: إذا جاءت المرأة والزوج فعليه أن يحكم بينهما بالعدل، وإن جاءت المرأة وحدها ولم يرض الزوج لم يحكم. وقال أصحابه: بل يحكم قال: وقال الشافعي: لا خيار للإمام إذا تحاكموا إليه قال النحاس: وقد ثبت أن قول أكثر العلماء أن الآية منسوخة (٣). والقول الثاني: أنها محكمة وأن الإمام ونوابه في الحكم مخيّرون، وإذا ترافعوا إليهم إن شاءوا حكموا بينهم، وإن شاءوا أعرضوا عنهم. [١٤٠] (٤) - أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ابنا عمر بن عبيد الله، قال: ابنا ابن

стр. 130

بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد، قال: ابنا عبد الله بن أحمد قال: حدّثني أبي، قال: ابنا هشيم، قال: ابنا مغيرة، عن إبراهيم، والشعبي في قوله: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ، قالا: إذا ارتفع أهل الكتاب إلى حاكم المسلمين فإن شاء أن يحكم بينهم، وإن شاء أن يعرض عنهم، وإن حكم، حكم بما في كتاب الله. قال أحمد: وابنا وكيع، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: إن شاء حكم، وإن شاء لم يحكم. [١٤١]- أخبرنا المبارك بن علي، قال: ابنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: ابنا إبراهيم بن عمر البرمكي، قال: ابنا محمد بن إسماعيل بن العباس، قال: ابنا أبو بكر بن أبي أبي داود، قال: ابنا المثنى بن أحمد، قال: ابنا عمرو بن خالد، عن ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ جعله الله في ذلك على الخيرة إما أن يحكم وإما أن يتركهم فلا يحكم بينهم. قال أبو بكر: وابنا عبد الله بن محمد بن خلاد قال: ابنا يزيد قال: ابنا مبارك، عن الحسن، قال: إذا ارتفع أهل الذمة إلى حاكم من حكام المسلمين، فإن شاء حكم بينهم، وإن شاء رفعهم إلى حكامهم، فإن حكم بينهم حكم بالعدل، وبما أنزل الله. وهذا مروي عن الزهري. وبه قال: أحمد بن حنبل وهو الصحيح؛ لأنه لا تنافي بين الآيتين من جهة أن أحدهما خيرت بين الحكم وتركه، والأخرى ثبتت كيفية الحكم إذا كان. ذكر الآية السابعة : قوله تعالى: ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ [المائدة: ٩٩]. اختلف المفسرون فيها على قولين: الأول: أنها محكمة وأنها تدل على أن الواجب على الرسول التبليغ وليس عليه الهدي.

стр. 131

والثاني [أنها منسوخة]: أنها تتضمن الاقتصار على التبليغ دون الأمر بالقتال، ثم نسخت بآية السيف والأول أصح. ذكر الآية الثامنة : قوله تعالى: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة: ١٠٥]. للعلماء فيها قولان: القول الأول: أنها منسوخة: قال أرباب هذا القول هي تتضمن كف الأيدي عن قتال الضالين فنسخت. ولهم في ناسخها قولان: الأول: آية السيف. والثاني: أن آخرها نسخ أولها. قال أبو عبيد القاسم بن سلام (١): ليس في القرآن آية جمعت الناسخ والمنسوخ غير هذه وموضوع المنسوخ منها إلى قوله: لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ والناسخ قوله: إِذَا اهْتَدَيْتُمْ والهدى هاهنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قلت: وهذا الكلام إذا حقق لم يثبت. القول الثاني: أنها محكمة ، قال الزجاج: معناها إنما ألزمكم الله أمر أنفسكم لا يؤاخذكم بذنوب غيركم. قال: وهذه الآية لا توجب ترك الأمر بالمعروف، لأن المؤمن إذا تركه وهو مستطيع له، فهو ضال وليس بمهتد. قلت: وهذا القول هو الصحيح وأنها محكمة ويدل على إحكامها أربعة أشياء: الأول: أن قوله: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ يقتضي إغراء الإنسان بمصالح نفسه، ويتضمن الإخبار بأنه لا يعاقب بضلال غيره، وليس مقتضى ذلك أن لا ينكر على غيره، وإنما غاية الأمر أن يكون ذلك مسكوتا عنه فيقف على الدليل. والثاني: أن الآية تدل على وجوب الأمر بالمعروف، لأن قوله: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ أمر بإصلاحها وأداء ما عليها، وقد ثبت وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فصار من جملة ما على الإنسان في نفسه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وقد دل على ما قلنا قوله: إِذَا اهْتَدَيْتُمْ وإنما يكون الإنسان مهتديا إذا امتثل أمر الشرع، ومما أمر الشرع به الأمر بالمعروف.

стр. 132

وقد روي عن ابن مسعود والحسن وأبي العالية: أنهم قالوا في هذه الآية: قولوا ما قبل منكم فإذا رد عليكم فعليكم أنفسكم. [١٤٢] (١) - أخبرنا ابن الحصين، قال: ابنا ابن المذهب، قال: ابنا أحمد بن جعفر، قال: ابنا عبد الله بن أحمد، قال حدّثني أبي. قال: ابنا هاشم بن القاسم، قال: ابنا زهير يعني: ابن معاوية، قال: ابنا إسماعيل بن أبي خالد، قال: ابنا قيس قال: قام أبو بكر ﵁ فحمد الله وأثنى عليه، قال: يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إلى آخر الآية، وأنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا المنكر، ولا يغيّرونه أوشك الله أن يعمّهم بعقابه». والثالث: أن الآية قد حملها قوم على أهل الكتاب إذا أدوا الجزية، فحينئذ لا يلزمون بغيرها. فروى أبو صالح عن ابن عباس أن النبي ﷺ كتب إلى حجر، وعليهم منذر بن ساوي يدعوهم إلى الإسلام؛ فإن أبوا فليؤدوا الجزية، فلما أتاه الكتاب عرضه على من عنده من العرب، واليهود والنصارى والمجوس، فأقروا بالجزية وكرهوا الإسلام، فكتب إليه رسول الله ﷺ : «أما العرب فلا تقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وأما أهل الكتاب والمجوس فاقبل منهم الجزية» فلما قرءوا الكتاب أسلمت العرب، وأعطى أهل الكتاب والمجوس الجزية. فقال المنافقون: عجبا لمحمد يزعم أن الله بعثه ليقاتل الناس كافة حتى يسلموا، وقد قبل من مجوس هجر، وأهل

стр. 133

الكتاب، الجزية، فهلا أكرههم على الإسلام وقد ردها على إخواننا من العرب، فشق ذلك على المسلمين فنزلت هذه الآية (١). والرابع: أنه لما عابهم في تقليد آبائهم بالآية المتقدمة أعلمهم بهذه الآية أن المكلف إنما يلزمه حكم نفسه، وأنه لا يضره ضلال من ضل إذا كان مهتديا، حتى يعلموا أنه لا يلزمهم من ضلال آبائهم شيء من الذم والعقاب. وإذا تلمحت هذه المناسبة بين الآيتين لم يكن الأمر للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هاهنا مدخل، وهذا أحسن الوجوه في الآية. ذكر الآية التاسعة : قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ [المائدة: ١٠٦] الإشارة بهذا إلى الشاهدين الذين يشهدان على الموصي في السفر. والناس في قوله: ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ قائلان: الأول: من أهل دينكم وملتكم. [١٤٣]- أخبرنا عبد الوهاب الحافظ، قال: ابنا أبو الفضل بن خيرون وأبو طاهر الباقلاوي، قالا: ابنا ابن شاذان، قال: ابنا أحمد بن كامل، قال: حدّثني محمد بن سعد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمي، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس ﵄ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أي: من أهل الإسلام. وهذا قول ابن مسعود وشريح، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وابن سيرين، والشعبي، والنخعي، وقتادة، وأبي مخلد، ويحيى بن يعمر، والثوري، وهو قول أصحابنا (٢). والثاني: أن معنى قوله: مِنْكُمْ أي: من عشيرتكم، وقبيلتكم، وهم مسلمون أيضا؛ قاله الحسن، وعكرمة والزهري والسدي، وعن عبيدة كالقولين. فأما قوله: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ فقال ابن عباس: ليست «أو» للتخيير، إنما المعنى: أو آخران من غيركم إن لم تجدوا منكم. في قوله: من غيركم قولان: الأول: من غير ملّتكم ودينكم، قاله أرباب القول الأول. والثاني: من غير عشيرتكم وقبيلتكم، وهم مسلمون أيضا، قال أرباب القول

стр. 134

الثاني: والقائل بأن المراد شهادة المسلمين من القبيلة أو من غير القبيلة لا يشك في إحكام هذه الآية. فأما القائل بأن المراد بقوله: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ أهل الكتاب إذا شهدوا على الوصية في السفر فلهم فيها قولان: الأول: أنها محكمة والعمل على هذا عندهم باق. وهو قول ابن عباس وابن المسيب وابن جبير، وابن سيرين، وقتادة والشعبي والثوري وأحمد بن حنبل. والثاني: أنها منسوخة بقوله تعالى: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق: ٢] وهو قول زيد بن أسلم وإليه يميل أبو حنيفة ومالك والشافعي، قالوا: وأهل الكفر ليسوا بعدول. والأول أصح، لأن هذا موضع ضرورة فجاز كما يجوز في بعض الأماكن شهادة نساء لا رجل معهن بالحيض، والنفاس، والاستهلال. ... الباب الثالث عشر باب ذكر الآيات اللواتي ادّعي عليهنّ النّسخ في سورة الأنعام ذكر الآية الأولى : قوله تعالى: إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الأنعام: ١٥]. زعم بعض ناقلي التفسير أنه كان يجب على النبي ﷺ أن يخاف عاقبة الذنوب، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح: ٢]. قلت: فالظاهر من هذه المعاصي أن المراد بها الشرك؛ لأنها جاءت في عقيب قوله: وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام: ١٤] فإذا قدرنا العفو عن ذنب- إذا كان- لم تقدر المسامحة في شرك- لو تصور- إلا أنه لما لم يجز في حقه، بقي ذكره على سبيل التهديد والتخويف من عاقبته كقوله: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٦] فعلى هذا الآية محكمة، يؤكده أنها خبر، والأخبار لا تنسخ (١). ذكر الآية الثانية : قوله تعالى: قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ [الأنعام: ٦٦]. للمفسرين فيه قولان: الأول [أنها منسوخة]: أنه اقتضى الاقتصار في حقهم على الإنذار من غير زيادة ثم نسخ بآية

стр. 135

السيف وهذا المعنى في رواية الضحاك عن ابن عباس ﵄. والثاني [أنها محكمة]: أن معناه: لست حفيظا عليكم إنما أطلبكم بالظواهر من الإقرار والعمل، لا بالأسرار، فعلى هذا هو محكم، وهذا هو الصحيح يؤكد أنه خبر، والأخبار لا تنسخ. وهذا اختيار جماعة منهم أبو جعفر النحاس (١). ذكر الآية الثالثة : قوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ [الأنعام: ٦٨] المراد بهذا الخوض: الخوض بالتكذيب، ويشبه أن يكون الإعراض المذكور هاهنا منسوخا بآية السيف. ذكر الآية الرابعة : قوله تعالى: وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ٦٩] أي من كفر الخائفين وإثمهم، وقد زعم قوم منهم سعيد بن جبير: أن هذه الآية منسوخة بقوله: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ [النساء: ١٤٠]. [١٤٤]- أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله، قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد، قال: ابنا عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: ابنا إسحاق بن يوسف، عن سفيان، عن السدي، عن سعيد بن جبير وأبي مالك في قوله: وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ قالا: نسخها: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها الآية. قلت: ولو قال: هؤلاء إنها منسوخة بآية السيف كان أصلح، وكان معناها عندهم إباحة مجالستهم وترك الاعتراض عليهم. والصحيح أنها محكمة؛ لأنها خبر، وقد بينا أن المعنى: ما عليكم شيء من آثامهم إنما يلزمكم إنذارهم. ذكر الآية الخامسة : قوله تعالى: وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً [الأنعام: ٧٠] للمفسرين فيه قولان: الأول: أنه اقتضى المسامحة لهم والإعراض عنهم ثم نسخ بآية السيف، وهذا مذهب قتادة والسدي.

стр. 136

[١٤٥]- (١) أخبرنا ابن ناصر، قال: ابنا ابن أيوب، قال: ابنا أبو علي بن شاذان، قال: ابنا أبو بكر النجاد قال: ابنا أبو داود السجستاني، قال: ابنا أحمد بن محمد، قال: ابنا عبد الله بن رجاء، عن همام، عن قتادة وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً ثم أنزل الله في براءة، وأمرهم بقتالهم. والثاني: أنه خرج مخرج التهديد: كقوله تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً [المدثر: ١١] فعلى هذا هو محكم، وهذا مذهب مجاهد، وهو الصحيح. ذكر الآية السادسة : قوله تعالى: قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ [الأنعام: ٩١] فيه قولان: الأول: أنه أمر به بالإعراض عنهم، ثم نسخ بآية السيف. والثاني: أنه تهديد، فهو محكم، وهذا أصح. ذكر الآية السابعة : قوله تعالى: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً [الأنعام: ١٠٤] فيه قولان: الأول: أن هذه الآية تتضمن ترك قتال الكفار ثم نسخت بآية السيف. والثاني: أن المعنى لست رقيبا عليكم أحصي أعمالكم فهي على هذا محكمة. ذكر الآية الثامنة : قوله تعالى: وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام: ١٠٦]. روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ قال: هذا ونحوه مما أمر الله المؤمنين بالعفو عن المشركين فإنه نسخ بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥]. ذكر الآية التاسعة : قوله تعالى: وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ [الأنعام: ١٠٧]. قال ابن عباس ﵄: نسخ بآية السيف. وعلى ما ذكرنا في نظائرها تكون محكمة.

стр. 137

ذكر الآية العاشرة : قوله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام: ١٠٨]. قال المفسرون: هذه نسخت بتنبيه الخطاب في آية السيف؛ لأنها تضمنت الأمر بقتلهم، والقتل أشنع من السب. ولا أرى هذه الآية منسوخة، بل يكره للإنسان أن يتعرض بما يوجب ذكر معبوده بسوء أو بنبيه ﷺ . ذكر الآية الحادية عشر : قوله تعالى: فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ [الأنعام: ١١٢] إن قلنا إن هذا تهديد كما سبق في الآية السادسة فهو محكم، وإن قلنا إنه أمر بترك قتالهم فهو منسوخ بآية السيف. ذكر الآية الثانية عشر : قوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام: ١٢١]. قد روى عن جماعة منهم الحسن، وعكرمة، أنهم قالوا: نسخت بقوله: وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ [المائدة: ٥] وهذا غلط؛ لأنهم إن أرادوا النسخ حقيقة وليس هذا بنسخ، وإن أرادوا التخصيص وأنه خص بآية المائدة طعام أهل الكتاب فليس هذا بصحيح؛ لأن أهل الكتاب يذكرون الله على الذبيحة فيحمل أمرهم على ذلك، فإن تيقنا أنهم تركوا ذكره جاز أن يكون عن نسيان، والنسيان لا يمنع الحل، فإن تركوا لا عن نسيان، لم يجز الأكل فلا وجه للنسخ أصلا. ومن قال من المفسرين إن المراد بها لم يذكر اسم الله على البتة فقد خص عاما، والقول بالعموم أصح وعلى قول الشافعي هذه الآية محكمة، لأنه إما أن يراد بها عنده الميتة أو يكون نهى كراهة. ذكر الآية الثالثة عشر : قوله تعالى: قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [الأنعام: ١٣٥] للمفسرين فيها قولان: الأول: أن المراد بها ترك قتال الكفار، فهي منسوخة بآية السيف. والثاني: أن المراد بها التهديد فعلى هذا هي محكمة وهذا هو الأصح. ذكر الآية الرابعة عشر : قوله تعالى: فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ [الأنعام: ١٣٧] فيه قولان: الأول: أنه اقتضى ترك قتال المشركين، فهو منسوخ بآية السيف. والثاني: أنه تهديد ووعيد فهو محكم.

стр. 138

ذكر الآية الخامسة عشر : قوله تعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ [الأنعام: ١٤١] اختلف العلماء في المراد بهذا الحق على قولين: الأول: أنه الزكاة. [١٤٦] (١) - أخبرنا محمّد بن عبد الباقي البزاز، قال: ابنا أبو محمّد الجوهري، قال: ابنا محمّد المظفر، قال: ابنا علي بن إسماعيل بن حماد، قال: ابنا أبو حفص عمرو بن علي، قال: ابنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ابنا يزيد بن درهم قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ قال: الزكاة المفروضة. قال أبو حفص: وابنا معلى بن أسد، قال: ابنا عبد الواحد بن زياد، قال: ابنا الحجاج بن أرطاة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ قال: العشر ونصف العشر. قال أبو حفص: وابنا عبد الرحمن، قال: ابنا إبراهيم بن نافع، عن ابن طاوس عن أبيه، وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ قال الزكاة. قال أبو حفص: وابنا عبد الرحمن، قال: ابنا أبو هلال، عن خباب الأعرج، عن جابر بن زيد وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ قال الزكاة. قال أبو حفص: وابنا محمّد بن جعفر، قال: ابنا شعبة، عن أبي رجاء، قال: سألت الحسن عن قوله: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ قال الزكاة. وهذا قول سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وابن الحنفية، وعطاء وقتادة وزيد بن أسلم في آخرين، فعلى هذا الآية محكمة وينبغي على قول هؤلاء أن تكون هذه الآية مدنية لأن السورة مكية، والزكاة إنما أنزلت بالمدينة (٢). والثاني: أنه حق غير الزكاة أمر به يوم الحصاد، وهو إطعام من حضر وترك ما سقط من الزرع، والتمر. [١٤٧] (٣) - أخبرنا محمّد بن أبي طاهر قال: ابنا الجوهري، قال: ابنا الظفر، قال: ابنا علي بن إسماعيل، قال: ابنا أبو حفص، قال: ابنا يحيى بن سعيد، قال: ابنا عبد الملك، عن عطاء وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ قال: القبضة من الطعام.

стр. 139

وقال: يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، وَآتُوا حَقَّهُ قال: شيء سوى الزكاة في الحصاد والجذاذ إذا حصدوا وإذا جذوا (١). وقال أبو حفص: وبنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال: إذا حصدوا ألقى إليهم من السنبل، وإذا جذوا النخل ألقى لهم من الشماريخ، فإذا كاله زكّاه (٢). قال أبو حفص: وبنا معمر بن سليمان، قال: بنا عاصم، عن أبي العالية: وَآتُوا حَقَّهُ قال: كانوا يعطون شيئا سوى الزكاة. [١٤٨]- أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله، قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد، قال: بنا عبد الله بن أحمد، قال: حدّثنا أبي قال: بنا هشيم، قال: ابنا مغيرة، عن شباك، عن إبراهيم، قال: كانوا يعطون حتى نسختها، الصدقة العشر أو نصف العشر. [١٤٩] (٣) - أخبرنا المبارك بن علي، قال ابنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: ابنا إبراهيم بن عمر، قال: ابنا محمّد بن إسماعيل بن العباس، قال: ابنا أبو بكر بن أبي داود قال: ابنا عبد الله بن سعيد، قال: ابنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ قال: كانوا إذا حصدوا، وإذا يبس، وإذا غربل، أعطوا منه شيئا، فنسخ ذلك العشر ونصف العشر. قال أبو بكر: وبنا محمّد بن بشار قال: بنا يزيد، قال: ابنا عبد الملك، عن عطاء وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ قال: ليس بالزكاة، ولكنه إذا كيل قبض منه قبضات من شهد رضخ له منه. واختلف العلماء، هل نسخ أم لا؟ إن قلنا أنه أمر وجوب فهو منسوخ بالزكاة، وإن قلنا إنه أمر استحباب، فهو باقي الحكم. ذكر الآية السادسة عشر : قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ [الأنعام: ١٤٥] اختلف العلماء في حكم هذه الآية على قولين: الأول: أن المعنى لا أجد محرما مما كنتم تستحلون في الجاهلية إلا هذا، قاله طاوس ومجاهد.

стр. 140

والثاني: أنها حصرت المحرم، فليس في الحيوانات محرم إلا ما ذكر فيها. ثم اختلف أرباب هذا القول؛ فذهب بعضهم إلى أنها محكمة، وأن العمل على ما ذكر فيها، فكان ابن عباس لا يرى بلحوم الحمر الأهلية بأسا، ويقرأ هذه الآية ويقول: ليس بشيء حراما إلا ما حرمه الله في كتابه، وهذا مذهب عائشة، والشعبي. وذهب آخرون إلى أنها نسخت بما ذكر في المائدة من المنخنقة، والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، وقد رد قوم هذا القول، بأن قالوا: كل هذا داخل في الميتة، وقد ذكرت الميتة هاهنا فلا وجه للنسخ. وزعم قوم: أنها نسخت بآية المائدة، وبالسنة من تحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير، وهذا ليس بصحيح، أما آية المائدة فقد ذكرنا أنها داخلة في هذه الآية. وأما ما ورد في السنة فلا يجوز أن يكون ناسخا، لأن مرتبة القرآن لا يقاومها أخبار الآحاد ولو قيل: إن السنة خصت ذلك الإطلاق أو ابتدأت حكما، كان أصلح، وإنما الصواب عندنا أن يقال: هذه الآية نزلت بمكة، ولم تكن الفرائض قد تكاملت ولا المحرمات اليوم قد تتامت، ولهذا قال: فِي ما أُوحِيَ على لفظ الماضي وقد كان حينئذ من قال: لا إله إلا الله ثم مات، دخل الجنة، فلما جاءت الفرائض والحدود، وقعت المطالبة بها، فكذلك هذه الآية إنما أخبرت بما كان في الشرع من التحريم يومئذ، فلا ناسخ إذن ولا منسوخ. ثم كيف يدعى نسخها وهي خبر، والخبر لا يدخله النسخ (١). ذكر الآية السابعة عشر : قوله تعالى: انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ [الأنعام: ١٥٨] للمفسرين فيها قولان: الأول: أنها اقتضت الأمر بالكف عن قتالهم، وذلك منسوخ بآية السيف. والثاني: أن المراد بها التهديد، فهي محكمة وهو الصحيح. ذكر الآية الثامنة عشر : قوله تعالى: لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الأنعام: ١٥٩] للمفسرين في معناه ثلاثة أقوال: الأول: لست من قتالهم في شيء، ثم نسخ بآية السيف، قاله السدي.

стр. 141

والثاني: ليس إليك شيء من أمرهم، قاله ابن قتيبة. والثالث: أنت بريء منهم، وهم منك برآء، إنما أمرهم إلى الله سبحانه في الجزاء فعلى هذين القولين الآية محكمة. ... الباب الرابع عشر باب ذكر الآيات اللواتي ادّعي عليهنّ النّسخ في سورة الأعراف ذكر الآية الأولى : قوله تعالى: وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ [الأعراف: ١٨٠]. قال ابن زيد: نسخها الأمر بالقتال، وقال غيره هذا تهديد لهم وهذا لا ينسخ. ذكر الآية الثانية : قوله تعالى: وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [الأعراف: ١٨٣]. قال المفسرون: المراد بكيده مجازاة أهل الكيد والمكر، وهذه خبر؛ فهي محكمة. وقد ذهب من قل علمه من منتحلي التفسير إلى أن معنى الآية الأمر للنبي ﷺ بمشاركتهم، قال: ونسخ معناها بآية السيف، وهذا قول لا يلتفت إليه. ذكر الآية الثالثة : قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [الأعراف: ١٩٩] العفو الميسور وفي الذي أمر بأخذ العفو ثلاثة أقوال: القول الأول: أخلاق الناس، قاله ابن عمرو، وابن الزبير والحسن ومجاهد، فعلى هذا يكون المعنى: اقبل الميسور من أخلاق الناس ولا تستقص عليهم فتظهر منهم البغضاء، فعلى هذا هو محكم. والقول الثاني: أنه المال، ثم فيه قولان: الأول: أن المراد بعفو المال الزكاة، قاله مجاهد في رواية الضحاك. والثاني: أنها صدقة كانت تؤخذ قبل فرض الزكاة، ثم نسخت بالزكاة، روي

стр. 142

عن ابن عباس ﵄، قال القاسم وسالم: العفو شيء في المال سوى الزكاة، وهو فضل المال ما كان عن ظهر غنى. والقول الثالث: أن المراد به مساهلة المشركين والعفو عنهم، ثم نسخ بآية السيف، قاله ابن زيد وقوله: وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ فيهم قولان: الأول: أنهم المشركون أمر بالإعراض عنهم، ثم نسخ ذلك بآية السيف. والثاني: أنه عام فيمن جهل أمر بصيانة النفس عن مقابلتهم على سفههم، وأن واجب الإنكار عليهم، وعلى هذا تكون الآية محكمة، وهو الصحيح (١). ... الباب الخامس عشر باب ذكر الآيات اللواتي ادّعي عليهنّ النّسخ في سورة الأنفال ذكر الآية الأولى قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [الأنفال: ١]. اختلف العلماء في هذه الآية، فقال بعضهم: هي ناسخة من وجه ومنسوخة من وجه، وذلك أن الغنائم كانت حراما في شرائع الأنبياء المتقدمين، فنسخ الله ذلك بهذه الآية وجعل الأمر في الغنائم إلى ما يراه الرسول ﷺ ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ [الأنفال: ٤١]. [١٥٠] (٢) - أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد، قال: ابنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي، قال: ابنا وكيع، قال: بنا إسرائيل، عن جابر، عن مجاهد

стр. 143

وعكرمة، قالا: كانت الأنفال لله فنسخها وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ. هذا قول السدي. وقال آخرون المراد بالأنفال شيئان: الأول: ما يجعله النبي ﷺ لطائفة من شجعان العسكر ومقدميه، يستخرج به نصحهم ويحرضهم على القتال. والثاني: ما يفضل من الغنائم بعد قسمتها، كما روي عن ابن عمر ﵄ قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية فغنمنا إبلا، فأصاب كل واحد اثني عشر بعيرا، ونفلنا بعيرا بعيرا (١). فعلى هذا هي محكمة، لأن هذا الحكم باق إلى وقتنا هذا، والعجب ممن يدّعي أنها منسوخة فإن عامة ما تضمنت أن الأنفال لله والرسول، والمعنى: أنهما يحكمان فيها وقد وقع الحكم فيها بما تضمنته آية الخمس، وإن أريد أن الأمر بنفل الجيش ما أراد، فهذا حكم باق، فلا يتوجه النسخ بحال، ولا يجوز أن يقال عن آية إنها منسوخة إلا أن يرفع حكمها وحكم هذه ما رفع فكيف يدعي النسخ؟ وقد ذهب إلى نحو ما ذكرته أبو جعفر ابن جرير الطبري. ذكر الآية الثانية : قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ [الأنفال: ١٥ - ١٦]. وقد ذهب قوم، منهم ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، والحسن وابن جبير، وقتادة والضحاك إلى أنها في أهل بدر خاصة. [١٥١] (٢) - أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله، قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد، قال: بنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: بنا محمّد بن جعفر، قال: بنا شعبة، عن داود، قال: سمعت الشعبي، يحدث عن أبي سعيد الخدري: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ قال: نزلت في يوم بدر.

стр. 144

قال أحمد: وبنا روح، قال: بنا حبيب بن الشهيد، عن الحسن: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ قال: نزلت في أهل بدر. قال أحمد: وبنا روح، قال: بنا شعبة، عن الحسن، قال: إنما شدد على أهل بدر. قال أحمد: وبنا حسين، قال: بنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ قال: يوم بدر. قلت: لفظ الآية عام، وإن كانت نزلت في قوم بأعيانهم، وقد روي عن ابن عباس ﵁ وغيره أنها عامة. ثم لهؤلاء فيه قولان: أحدهما: أنها منسوخة بقوله: فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال: ٦٦]. فليس للمؤمنين أن يفروا عن مثليهم. قال آخرون: هي محكمة، وهذا هو الصحيح، لأنها محكمة في النهي عن الفرار، فيحمل النهي على ما إذا كان العدو أعلى من عدد المسلمين، وقد ذهب إلى نحو هذا ابن جرير (١). ذكر الآية الثالثة : قوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال: ٣٣]. [١٥٢] (٢) - أخبرنا ابن ناصر، قال: ابنا ابن أيوب، قال: ابنا ابن شاذان، قال: ابنا أبو بكر النجاد، قال: ابنا أبو داود السجستاني، قال: بنا أحمد بن محمّد، قال: بنا علي بن الحسين. عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ نسختها الآية التي بعدها وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ [الأنفال: ٣٤]. وقد روى مثله عن الحسن وعكرمة، وهذا القول ليس بصحيح؛ لأن النسخ لا يدخل على الأخبار، وهذه الآية بينت أن كون الرسول فيهم منع نزول العذاب بهم، وكون المؤمنين يستغفرون بينهم منع أيضا، والآية التي تليها بينت استحقاقهم العذاب لصدهم عن سبيل الله، غير أن كون الرسول والمؤمنين بينهم منع من تعجيل ذلك، أو عمومه، فالعجيب من مدّعي النسخ.

стр. 145

ذكر الآية الرابعة : قوله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها [الأنفال: ٦١]. اختلف المفسرون فيمن عني بهذه الآية على قولين: الأول: أنهم المشركون، وأنها نسخت بآية السيف، وبعضهم يقول: بقوله: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [التوبة: ٢٩] وهذا مروي عن ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وقتادة في آخرين. [١٥٣] (١) - أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله، قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد، قال: ابنا عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: ابنا حجاج عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس ﵄ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فنسختها قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ. [١٥٤]- وأخبرنا ابن ناصر، قال: ابنا ابن أيوب، قال: ابنا ابن شاذان، قال: ابنا أبو بكر النجاد، قال: ابنا أبو داود السجستاني، قال: ابنا أحمد بن محمّد، قال: ابنا علي بن الحسين، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها نسختها قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ. قال أحمد بن محمد: وابنا موسى بن مسعود، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها نسختها فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ. والثاني: أنهم أهل الكتاب. وقال مجاهد: بنو قريظة. [١٥٥]- أخبرنا عبد الوهاب، قال: ابنا أبو طاهر قال: ابنا شاذان قال: ابنا عبد الرحيم قال: ابنا إبراهيم قال: ابنا آدم قال: ابنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها يعني: قريظة. فعلى هذا القول إن قلنا إنها نزلت في ترك حرب أهل الكتاب إذا بذلوا الجزية وقاموا بشرط الذمة فهي محكمة، وإن قيل: نزلت في موادعتهم على غير
следующие страницы →