تحريم القتال في الشهر الحرام، لقوله: قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ قال ابن مسعود وابن عباس ﵄: لا يحل. وفي رواية أبي صالح عن ابن عباس ﵄: عظم العقوبة، وهذا إقرار لهم على ما كانوا عليه في الجاهلية فإنهم كانوا يحرمون القتال في الأشهر الحرم.
[٥٢]- أخبرنا أبو الحسن الأنصاري، قال: ابنا عبد الله بن علي الألوسي، قال: أخبرني عبد الملك بن عمر الرزّاز، قال: ابنا ابن شاهين، قال: بنا يحيى بن محمد صاعد، قال: بنا محمد بن توبة العنبري، قال: ابنا أزهر بن سعد، قال: بنا ابن عون، قال: أبو رجاء العطاردي: كان إذا دخل شهر رجب قالوا: قد جاء منصل الأسنة فيعمد أحدهم إلى سنان رمحه فيخلعه ويدفعه إلى النساء، فيقول:
اشددن هذا في عكومكن (١) فلو مر أحدنا على قاتل أبيه لم يوقظه.
قلت: واختلف العلماء هل هذا التحريم باق أم نسخ.
[٥٣]- وأخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله البقال، قال: ابنا ابن بشران، قال: بنا الكاذي قال: بنا عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي قال: بنا حجاج عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ ما لهم إذ ذلك لا يحل لهم أن يغزو أهل الشرك في الشهر الحرام ثم غزوهم فيه بعد، فحلف لي بالله؛ ما يحل للناس الآن أن يغزو في الحرم ولا في الشهر الحرام إلا أن يقاتلوا فيه أو يغزو ومنا نسخت.
وروى عبد خير، عن علي ﵇ في قوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قال: نسختها فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ.
وقال سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار وسائر علماء الأمصار: إن القتال في الشهر الحرام جائز، فإن هذه الآية منسوخة بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥]
стр. 72
وقوله: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة: ٢٩].
[٥٤]- أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا أبو الفضل البقال قال: ابنا ابن بشران قال: ابنا إسحاق الكاذي، قال: بنا عبد الله بن أحمد، قال: قال: حدّثني أبي قال: بنا عبد الرازق، عن معمر قال: قال الزهري: كان النبي ﷺ فيما بلغنا يحرم القتال في الشهر الحرام ثم أحل له بعد.
ذكر الآية الخامسة والعشرين
: قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ [التوبة: ٢١٩].
اختلف العلماء في هذه الآية: فقال قوم: إنها تضمنت ذم الخمر لا تحريمها، وهو مذهب ابن عباس وسعيد بن جبير، ومجاهد وقتادة.
وقال آخرون: بل تضمنت تحريمها، وهو مذهب الحسن وعطاء.
فأما قوله تعالى: وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما [البقرة: ٢١٩] فيتجاذبه أرباب القولين، فأما أصحاب القول الأول فإنهم قالوا: إثمهما بعد التحريم أكبر من نفعهما قبله.
وقال أصحاب القول الثاني: إثمهما قبل التحريم أكبر من نفعهما حينئذ أيضا، لأن الإثم الحادث عن شربها من ترك الصلاة والإفساد الواقع عن السكر لا يوازي منفعتها
الحاصلة من لذة أو بيع، ولما كان الأمر محتملا للتأويل، قال عمر بن الخطاب بعد نزول هذه الآية: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا (١)، وعلى القول الأول يتوجه النسخ بقوله تعالى: فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة: ٩٠].
ذكر الآية السادسة والعشرين
: قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [البقرة: ٢١٩]، فالمراد بهذا الإنفاق ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه الصدقة والعفو ما يفضل عن الإنسان.
[٥٥]- أخبرنا عبد الوهاب الحافظ، قال: ابنا أبو الفضل بن خيرون وأبو طاهر الباقلاوي، قال: ابنا أبو علي بن شاذان، قال: ابنا أحمد بن كامل قال: ابنا
стр. 73
محمد بن إسماعيل بن سعد قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمي، قال: حدّثني أبي، عن جدي، عن ابن عباس ﵄ قُلِ الْعَفْوَ قال: ما أتوك به من شيء قليل أو كثير فاقبله منهم. لم يفرض فيه فريضة معلومة، ثم نزلت بعد ذلك الفرائض مسماة.
وقد قيل: إن المراد بهذه الصدقة الزكاة.
[٥٦] (١) - أخبرنا محمد بن عبد الله بن حبيب، قال: ابنا علي بن الفضل، قال: ابنا عبد الصمد، قال: ابنا عبد الله بن حموية، قال: ابنا إبراهيم بن حريم، قال: ابنا عبد الحميد، قال: بنا شبابة، عن ورقاء، عن ابن نجيح، عن مجاهد، قال: العفو الصدقة المفروضة.
والقول الثاني: أنه كان فرض عليهم قبل الزكاة أن ينفقوا ما يفضل عنهم، فكان أهل الحرث يأخذون قدر ما يكفيهم من نصيبهم، ويتصدّقون بالباقي، وأهل الذهب والفضة يأخذون قدر ما يكفيهم في تجارتهم ويتصدقون بالباقي، ذكره بعض المفسرين.
والثالث: أنها نفقة التطوع، وذلك أن رسول الله ﷺ لما حثهم على الصدقة ورغبهم بها قالوا: ماذا ننفق؟ وعلى من ننفق؟ فنزلت هذه الآية.
قال مقاتل بن حيان في قوله: وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قال: هي النفقة في التطوع، فكان الرجل يمسك من ماله ما يكفيه سنة ويتصدق بسائره، وإن كان ممن يعمل ببدنه أمسك ما يكفيه يوما ويتصدق بسائره، وإن كان من أصحاب الحقل والزرع أمسك ما يكفيه سنة ويتصدق بسائره، فاشتد ذلك على المسلمين فنسختها آية الزكاة.
قلت: فعلى هذا القول معنى قوله: اشتد ذلك على المسلمين، أي: صعب ما ألزموا نفوسهم به، فإن قلنا هذه النفقة نافلة أو هي الزكاة فالآية محكمة، وإن قلنا إنها نفقة فرضت قبل الزكاة فهي منسوخة بآية الزكاة، والأظهر في أنها الإنفاق في المندوب إليه (٢).
ذكر الآية السابعة والعشرين
: قوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ [البقرة: ٢٢١] اختلف المفسّرون في المراد بالمشركات هاهنا على قولين:
الأول: أنهن الوثنيات.
стр. 74
[٥٧]- أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري قال: ابنا علي بن الفضل، قال:
ابنا محمد بن عبد الصمد، قال: ابنا عبد الله بن أحمد، قال: ابنا إبراهيم بن حريم، قال: بنا عبد الحميد، قال: بنا قبيصة، عن حماد، قال: سألت إبراهيم عن تزويج اليهودية والنصرانية، قال: لا بأس به. فقلت: أليس الله تعالى يقول:
وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ قال: إنما ذلك المجوسيات وأهل الأوثان.
قال عبد الحميد: حدّثنا يونس، عن سفيان، عن قتادة وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ قال: المشركات العرب اللاتي ليس لهن كتاب يقرأنه.
قال سعيد بن جبير: هن المجوسيات وعابدات الأوثان.
والثاني: أنه عام في الكتابيات وغيرهن من الكافرات، فالكل مشركات، وافترق أرباب هذا القول على قولين:
الأول: أن هذا القدر من الآية نسخ بقوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة: ٥].
[٥٨]- فأخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله البقال، قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق الكاذي، قال: بنا عبد الله بن أحمد، قال:
حدّثني أبي، قال: ابنا إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، قال بنا ابن مبارك، عن يونس، عن الزهري وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ثم أحل نكاح المحصنات من أهل الكتاب فلم ينسخ من هذه الآية غير ذلك، فنكاح كل مشرك سوى نساء أهل الكتاب حرام.
والثاني: أن قوله: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ لفظ عام خص منه الكتابيات بآية المائدة وهذا تخصيص لا نسخ، وعلى هذا الفقهاء وهو الصحيح، وقد زعم قوم أن أهل الكتاب
ليسوا مشركين، وهذا فاسد، لأنهم قالوا عزير ابن الله، والمسيح ابن الله فهم بذلك مشركون.
ذكر الآية الثامنة والعشرين
: قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً [البقرة: ٢٢٢].
توهّم قوم قلّ علمهم أن هذه الآية منسوخة، فقالوا: هي تقتضي مجانبة الحائض على الإطلاق كما يفعله اليهود، ثم نسخت بالسنة، وهو ما روي عن النبي ﷺ أنه أباح الاستمتاع بالحائض إلا النكاح، وكان ﷺ يستمتع من الحائض بما دون الإزار. وهذا ظن منهم فاسد، لأنه لا خلاف بين الآية والأحاديث. قال أحمد بن حنبل: الحيض موضع الدم. ويوضّح هذا التعليل للنهي بأنه أذى، فخصّ المنع
стр. 75
مكان الأذى. ثم لو كانت الأحاديث تضاد الآية قدمت الآية، لما بينا في أول الكتاب من أن الناسخ ينبغي من أن يشابه المنسوخ في قوته، والقرآن أقوى من السنة.
ذكر الآية التاسعة والعشرين
: قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨].
قد ذهب جماعة من القدماء إلى أن في هذه الآية منسوخا، ثم اختلفوا في المنسوخ منها على قولين:
القول الأول: أنه قوله: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ .
قالوا: فكان يجب على كل مطلقة أن تعتدّ ثلاثة قروء، فنسخ من ذلك حكم الحامل بقوله: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق: ٤] ونسخ حكم الآيسة والصغيرة من ذلك بقوله: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [الطلاق: ٤]، ونسخ حكم المطلقة قبل الدخول بقوله:
إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها [الأحزاب: ٤٩]، وهذا مروي عن ابن عباس ﵄ وقتادة إلا أن ابن عباس استثنى، ولفظ قتادة نسخ.
[٥٩]- أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا أبو الفضل البقال، قال: ابنا أبو الحسين بن بشران، قال: ابنا إسحاق الكاذي، قال: بنا عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: بنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ قال: فجعل عدة المطلقة ثلاث حيض، ثم نسخ منها التي لم يدخل بها فقال: إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فهذه ليس لها عدة، وقد نسخ من الثلاثة قروء، امرأتان، فقال: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فهذه العجوز التي لا تحيض عدتها ثلاثة أشهر، ونسخ من الثلاثة قروء الحامل فقال: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ.
والقول الثاني: أن أول الآية محكم، وإنما المنسوخ منها قوله: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ [البقرة: ٢٢٨]
قالوا: فكان الرجل إذا طلق ارتجع، سواء كان الطلاق ثلاثا أو دون ذلك، فنسخ هذا بقوله: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [البقرة: ٢٣٠].
стр. 76
واعلم: أن القول الصحيح المعتمد عليه أن هذه الآية كلها محكمة، لأن أولها عام في المطلقات، وما ورد في الحامل والآيسة والصغيرة فهو مخصوص من جملة العموم، وليس على سبيل النسخ. وأما الارتجاع فإن الرجعية زوجة، ولهذا قال: وَبُعُولَتُهُنَّ ثم بين الطلاق الذي يجوز منه الرجعة، فقال: الطَّلاقُ مَرَّتانِ [البقرة: ٢٢٩] إلى قوله: فَإِنْ طَلَّقَها يعني الثلاثة: فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ.
ذكر الآية الثلاثين
: قوله تعالى: الطَّلاقُ مَرَّتانِ قد زعم قوم: أن هذه الآية نسخت ما كانوا عليه، من أن أحدهم كان يطلق ما شاء.
[٦٠]- أخبرنا ابن ناصر، قال: بنا علي بن أيوب، قال: ابنا ابن شاذان، قال بنا أبو بكر النجاد، قال: بنا أبو داود السجستاني، قال: بنا أحمد بن محمد، قال: بنا علي بن الحسين، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: كان الرجل إذا طلّق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثا، فنسخ الله ذلك، فقال: الطَّلاقُ مَرَّتانِ الآية.
وروي عن سعيد، عن قتادة في قوله تعالى: الطَّلاقُ مَرَّتانِ قال: فنسخ هذا ما كان قبله وجعل الله حد الطلاق ثلاثا.
قلت: وهذا يجوز في الكلام يريدون به تغيير تلك الحال وإلا فالتحقيق أن هذا لا يقال فيه ناسخ ولا منسوخ، وإنما هو ابتداء شرع وإبطال لحكم العادة.
وزعم آخرون: أن هذه الآية لما اقتضت إباحة الطلاق على الإطلاق من غير تعيين زمان، نزل قوله: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: ١] أي: من قبل عدّتهنّ وذلك أن تطلّق المرأة في زمان طهرها لتستقبل الاعتداد بالحيض.
وهذا قول من لا يفهم الناسخ والمنسوخ وإنما أطلق الطلاق في هذه الآية وبين في الأخرى كيف ينبغي أن يوقع. ثم إن الطلاق واقع، وإن طلقها في زمان الحيض، فعلم أنه تعليم أدب، والصحيح أن الآية محكمة.
ذكر الآية الحادية والثلاثين
: قوله تعالى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة: ٢٢٩].
هذه الآية مبينة لحكم الخلع، ولا تكاد تقع الفرقة بين الزوجين إلا بعد فساد
стр. 77
الحال، ولذلك علّق القرآن جوازه مخافة تركهما القيام بالحدود، وهذا أمر ثابت والآية محكمة عند عامة العلماء.
[٦١]- إلا أنه قد أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله البقال قال: ابنا أبو الحسين بن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد الكاذي، قال:
بنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدّثني أبي، قال: بنا حماد بن خالد الخياط، قال: بنا عقبة بن أبي الصهباء، قال: سألت بكر بن عبد الله عن رجل سألته امرأته الخلع؟ فقال: لا يحل له أن يأخذ منها شيئا، قلت له: يقول الله : فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ [البقرة: ٢٢٩] قال: نسخت، قلت: فأين جعلت؟ قال: في سورة النساء: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً [النساء: ٢٠].
قلت: وهذا قول بعيد من وجهين:
الأول: أن المفسرين قالوا في قوله تعالى: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ نزلت في الرجل يريد أن يفارق امرأته ويكره أن يصل إليها ما فرض لها من المهر فلا يزال يتبعها بالأذى حتى ترد عليه ما أعطاها لتخلص منه. فنهى الله تعالى عن ذلك، فأما آية الخلع فلا تعلق لها بشيء من ذلك.
والثاني: أن قوله: فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً إذا كان النشوز من قبله، وأراد استبدال غيرها، وقوله: فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ إذا كان النشوز من قبلها فلا وجه للنسخ.
وقد ذكر السّدّي في هذه الآية نسخا من وجه آخر فقال: قوله: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً منسوخ بالاستثناء وهو قوله: إِلَّا أَنْ يَخافا.
قلت وهذا من أرذل الأقوال، لأن الاستثناء إخراج بعض ما شمله اللفظ وليس بنسخ.
ذكر الآية الثانية والثلاثين
: قوله تعالى: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ [البقرة: ٢٣٣].
عامة أهل العلم على أن هذا الكلام محكم، والمقصود منه بيان مدة الرضاع، ويتعلق بهذه المدة أحكام الرضاع.
وذهب قوم من القراء إلى أنه منسوخ بقوله تعالى: فَإِنْ أَرادا فِصالًا [البقرة: ٢٣٣] قالوا فنسخ تمام الحولين باتفاقهما على ما دون ذلك وهذا ليس بشيء، لأن الله تعالى قال: لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ [البقرة: ٢٣٣]، فلما قال:
فَإِنْ أَرادا فِصالًا. خيّر بين الإرادتين فلا تعارض.
стр. 78
وفي الآية موضع آخر: وهو قوله تعالى: وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ [البقرة: ٢٣٣].
اختلفوا في الوارث:
فقال بعضهم: هو وارث المولود.
وقال بعضهم: هو وارث الوالد.
وقال بعضهم: المراد بالوارث الباقي من والدي الولد بعد وفاة الآخر.
وقيل: المراد بالوارث الصبي نفسه، عليه لأمه مثل ما كان على أبيه لها من الكسوة والنفقة.
وقيل: بل على الوارث أن لا يضار.
واعلم: أن قول من قال: الوارث الصبي والنفقة عليه لا ينافي قول من قال:
المراد بالوارث وارث الصبي لأن النفقة إنما تجب على الوارث إذا ثبت إعسار المنفق عليه.
وقال مالك بن أنس: لا يلزم الرجل نفقة أخ ولا ذي قرابة، ولا ذي رحم منه، قال: وقول الله : وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ منسوخ ولم يبين مالك ما الناسخ.
قال أبو جعفر النحاس: ويشبه أن يكون الناسخ عنده أنه لما أوجب الله للمتوفى عنها زوجها من مال المتوفى نفقة حول والسكنى، ثم نسخ ذلك ورفعه نسخ ذلك أيضا عن الوارث (١).
ذكر الآية الثالثة والثلاثين
: قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ [البقرة: ٢٤٠].
قال المفسرون: كان أهل الجاهلية إذا مات أحدهم مكثت زوجته في بيته حولا ينفق عليها من ميراثه، فإذا تم الحول خرجت إلى باب بيتها ومعها بعرة فرمت بها كلبا، وخرجت بذلك من عدتها وكان معنى رميها بالبعرة؛ أنها تقول: مكثي بعد وفاة زوجي أهون عندي من هذه البعرة. ثم جاء الإسلام فأقرهم على ما كانوا عليه من مكث الحول بهذه الآية، ثم نسخ ذلك بالآية المتقدمة في نظم القرآن على هذه الآية (٢). وهي قوله تعالى وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً [البقرة: ٢٣٤] ونسخ الأمر بالوصية لها بما فرض لها من ميراثه وهذا مجموع قول الجماعة.
стр. 79
[٦٢] (١) - أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا أبو الفضل عمر بن عبيد الله البقال: قال، ابنا أبو الحسن بن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد الكاذي، قال:
بنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال حدّثني أبي، قال: بنا حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس ﵄ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فكان للمتوفى زوجها نفقتها وسكناها في الدار سنة، فنسخها آية الميراث فجعل لهن الربع والثمن مما ترك الزوج.
وقال أحمد: وحدّثنا عبد الصمد، عن همام، عن قتادة مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ فنسختها يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فنسخت ما كان قبلها من أمر النفقة في الحول ونسخت الفريضة الثمن والربع ما كان قبلها من نفقة في الحول (٢).
قال أحمد: وحدّثنا محمد بن جعفر الوركاني، قال: بنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ قال:
نسختها وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً.
قال أحمد: وحدّثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ قال: كانت المرأة في الجاهلية تعطى سكنى سنة من يوم توفي زوجها فنسختها أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً.
وعن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت قال: سمعت إبراهيم قال: هي منسوخة.
قال أحمد: وحدّثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ قال: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها كان لها السكنى والنفقة حولا من ماله ما لم تخرج من بيته، ثم نسخ ذلك بقوله: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً.
ذكر الآية الرابعة والثلاثين
: قوله تعالى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ [البقرة: ٢٥٦].
اختلف العلماء هل هذا القدر من الآية محكم أو منسوخ.
стр. 80
فذهب قوم إلى أنه محكم
، ثم اختلفوا في وجه إحكامه على قولين:
الأول: أنه من العام المخصوص وأنه خصّ منه أهل الكتاب فإنهم لا يكرهون على الإسلام، بل يخيّرون بينه وبين أداء الجزية، وهذا المعنى مرويّ عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة.
وكان السبب في نزول هذه الآية:
[٦٣] (١) - ما أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله البقال، قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق الكاذي، قال: ابنا عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: بنا علي بن عاصم، قال: بنا داود بن أبي هند، عن عامر، قال: كانت المرأة في الأنصار إذا كانت لا يعيش لها ولد تدعى المقلاة، فكانت المرأة إذا كانت كذلك نذرت إن هي أعاشت ولدا تصبغه يهوديا، فأدرك الإسلام طوائف من أولاد الأنصار- وهم كذلك- فقالوا إنما صبغناهم يهودا ونحن نرى أن اليهود خير من عباد الأوثان، فأما إذ جاء الله بالإسلام فإنا نكرههم على الإسلام، فأنزل الله تعالى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ.
قال أحمد، وحدّثنا حسين، قال: بنا أبو هلال، قال: بنا داود، قال: قال عامر: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ كانت تكون المرأة مقلاة في الجاهلية لا يعيش لها ولد، فكانت تنذر لله عليها؛ إن عاش لها ولد لتسلّمنه في خير دين تعلمه، ولم يكن في الجاهلية دين أفضل من اليهودية فتسلّمه في اليهودية، فلما جاء الله بالإسلام قالوا:
يا نبي الله كنا لا نعلم أو لا نرى أن دينا أفضل من اليهودية، فلما جاء الله بالإسلام نرتجعهم، فأنزل الله : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ لا تكرهوهم ولا ترتجعوهم.
стр. 81
قال أحمد: وبنا وكيع، قال: بنا سفيان، عن خصيف، عن مجاهد، قال:
كان ناس مسترضعون في بني قريظة فأرادوا أن يكرهوهم على الإسلام فنزلت:
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ (١).
[٦٤] (٢) - أخبرنا عبد الوهاب الحافظ، قال: ابنا ابن جبرون، وأبو طاهر الباقلاوي، قالا: ابنا ابن شاذان، قال: ابنا ابن كامل قال: بنا محمد بن سعد قال:
أخبرني أبي، قال: حدّثني عمي، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس ﵄: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قال: وذلك لما دخل الناس في الإسلام وأعطى أهل الكتاب الجزية.
والثاني: أن المراد به ليس الدين ما يدين به في الظاهر على جهة الإكراه عليه ولم يشهد به القلب وينطوي عليه الضمائر، وإنما الدين هو المعتقد بالقلب، وهذا قول أبي بكر بن الأنباري.
والقول الثاني: أنه منسوخ
؛ لأن هذه الآية نزلت قبل الأمر بالقتال ثم نسخت بآية السيف، وهذا قول الضحاك والسّدّي وابن زيد.
[٦٥] (٣) - أخبرنا ابن ناصر، قال: ابنا ابن أيوب، قال: بنا ابن شاذان، قال:
ابنا أبو بكر النجاد، قال: ابنا أبو داود، قال: بنا جعفر بن محمد، قال: بنا عمرو بن طلحة القناد، قال: بنا أسباط بن نصر، عن إسماعيل السّدّي فأسنده إلى من فوقه لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قال: نسخ وأمر بقتال أهل الكتاب في براءة.
[٦٦]- أخبرنا المبارك بن علي، قال: ابنا أحمد بن الحسن بن قريش، قال: ابنا أبو إسحاق البرمكي قال: ابنا محمد بن إسماعيل بن العباس، قال: ابنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا حمر بن نوح، قال: بنا أبو معاذ قال: بنا أبو مصلح، عن الضحاك لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قال: نزلت هذه الآية قبل أن يؤمر بالقتال.
قال أبو بكر: وذكر المسيب بن واضح، عن بقية بن الوليد، عن عتبة بن أبي حكيم، عن سليمان بن موسى قال: هذه الآية منسوخة لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ نسختها: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ [التوبة: ٧٣].
стр. 82
ذكر الآية الخامسة والثلاثين
: قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [البقرة: ٢٨٢].
هذه الآية تتضمن الأمر بإثبات الدين في كتاب، وإثبات الشهادة في البيع والدين، واختلف العلماء هل هذا أمر وجوب أم استحباب، فذهب الجمهور إلى أنه أمر ندب واستحباب (١).
[٦٧] (٢) - أخبرنا أبو بكر بن أبي طاهر، قال: ابنا أبو محمد الجوهري، قال:
ابنا محمد بن المظفر، قال: ابنا علي بن إسماعيل، قال: ابنا أبو حفص عمرو بن علي قال: بنا معمر بن سليمان، قال: سمعت أبي يقول: سألت الحسن عن الرجل يبيع ولا يشهد فقال: أليس ما قال الله : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [البقرة: ٢٨٣].
قال أبو حفص: وحدّثنا يزيد بن زريع قال: بنا داود بن أبي هند، عن الشعبي قال: إن شاء أشهد (٣).
[٦٨]- وأخبرنا ابن الحصين، قال: ابنا أبو طالب بن غيلان، قال: ابنا أبو بكر الشافعي، قال: ابنا إسحاق بن ميمون، قال: بنا موسى بن مسعود، قال: بنا الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: إن شاء أشهد وإن شاء لم يشهد ثم قرأ: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً.
فعلى هذا القول الآية محكمة، وذهب آخرون إلى أن الكتابة والإشهاد واجبان، وهو مرويّ عن ابن عمر وأبي موسى ومجاهد وعطاء وابن سيرين والضحاك وأبي قلابة والحكم وابن زيد في آخرين.
ثم اختلف أرباب هذا القول هل نسخ أم لا؟ فذهب قوم منهم عطاء وإبراهيم إلى أنه لم ينسخ، وذهب آخرون منهم أبو سعيد الخدري والشعبي وابن زيد إلى أنه نسخ بقوله: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً.
[٦٩]- أخبرنا محمد بن عبد الباقي البزاز قال: ابنا أبو محمد الجوهري، قال: ابنا محمد بن المظفر، قال: بنا علي بن إسماعيل بن حماد، قال: ابنا أبو حفص عمرو بن علي قال: بنا محمد بن مروان، قال: بنا عبد الملك بن أبي
стр. 83
نضرة، عن أبيه، عن أبي سعيد، أنه قرأ هذه الآية: إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ حتى بلغ: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً قال: هذه نسخت ما قبلها.
[٧٠]- أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله البقال، قال:
ابنا بن بشران، قال: ابنا إسحاق الكاذي، قال: بنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال:
حدّثني أبي قال: بنا عفان، قال: بنا عبد الوارث.
[٧١]- وأخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: ابن أحمد بن أحمد، قال: بنا أبو نعيم الحافظ، قال: ابنا أحمد بن إسحاق قال: بنا أبو يحيى الرازي، قال: بنا عبد الرحمن بن عمر قال: بنا عبد الرحمن بن مهدي قال: بنا محمد بن دينار، كلاهما عن يونس، عن الحسن؛ وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ [البقرة: ٢٨٢] قال:
نسختها: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً.
قلت: وهذا ليس بنسخ، لأن الناسخ ينافي المنسوخ ولم يقل هاهنا فلا تكتبوا، ولا تشهدوا، وإنما بين التسهيل في ذلك. ولو كان مثل هذا ناسخا لكان قوله: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا [المائدة: ٦] ناسخا للوضوء بالماء، وقوله: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ [النساء: ٩٢] ناسخا قوله: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [النساء:
٩٢] والصحيح أنه ليس هاهنا نسخ وأنه أمر ندب.
وقد اشترى رسول الله ﷺ الفرس الذي شهد فيه خزيمة بلا إشهاد (١).
[٧٢] (٢) - أخبرنا المبارك بن علي، قال: ابنا أحمد بن الحسين بن قريش،
стр. 84
قال: ابنا أبو إسحاق البرمكي، قال: ابنا محمد بن إسماعيل بن العباس، قال: ابنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا محمد بن بشار، قال: بنا محمد، قال: بنا شعبة، عن فراس، عن الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: «ثلاثة يدعون الله فلا
стр. 85
يستجاب لهم ... أحدهم: رجل كان له على رجل دين فلم يشهد عليه».
ذكر الآية السادسة والثلاثين
: قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [البقرة: ٢٨٤].
أما إبداء ما في النفس فإنه العمل بما أضمره العبد أو نطق به، وهذا مما يحاسب عليه العبد، ويؤاخذ به، فأما ما يخفيه في نفسه فاختلف العلماء في المراد بالمخفي في هذه الآية على قولين:
الأول: أنه عام في جميع المخفيات، وهو قول الأكثرين، ثم اختلفوا هل هذا الحكم ثابت في المؤاخذة أم منسوخ؟ على قولين:
الأول: أنه منسوخ بقوله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [البقرة: ٢٨٦] هذا قول علي بن مسعود في آخرين.
[٧٣] (١) - أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله، قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق الكاذي، قال: بنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال:
حدّثني أبي، قال: بنا عبد العزيز- يعني ابن أبان- قال: بنا إسرائيل، عن السدّي، عمن سمع عليا ﵁ قال: نزلت: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [البقرة: ٢٨٤] أحزنتنا وهمتنا فقلنا: يحدّث أحدنا نفسه فيحاسب به، فلم ندر ما يغفر منه وما لم يغفر، فنزلت بعدها فنسختها: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها.
[٧٤]- أخبرنا المبارك بن علي قال: ابنا أحمد بن الحسين بن قريض، قال: ابنا إسحاق البرمكي قال ابنا: محمد بن إسماعيل بن العباس، قال: ابنا أبو بكر بن أبي داود قال: بنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، قال: بنا حجاج قال: بنا هشيم، عن سيار أبي الحكم، عن الشعبي، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، في قوله: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ قال: نسختها الآية التي تليها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة: ٢٨٦].
[٧٥] (٢) - أخبرنا أبو بكر العامري، قال: ابنا أبو عبد الله الطوسي، قال: ابنا
стр. 86
علي بن أحمد النيسابوري قال: ابنا عبد القاهر بن ظاهر، قال: ابنا محمد بن عبد الله بن علي قال: ابنا محمد بن إبراهيم اليوشنجي، قال: ابنا أمية بن بسطام، قال: بنا يزيد بن زريع، قال: بنا روح بن القاسم، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: لما أنزل الله : وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ اشتدّ ذلك على أصحاب النبي ﷺ ، ثم أتوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: كلّفنا من الأعمال ما نطيق؛ الصلاة والصيام والجهاد، والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، فقال رسول الله ﷺ : «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب من قبلكم» - أراه قال: سمعنا وعصينا- قولوا: سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة: ٢٨٥] فلما اقترأها القوم وذلّت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ [البقرة: ٢٨٥] كلها، ونسخها الله تعالى فأنزل الله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها الآية إلى آخرها.
[٧٦]- أخبرنا عبد الوهاب، قال: ابنا أبو طاهر الباقلاوي، قال: ابنا ابن شاذان، قال: بنا عبد الرحمن بن الحسن، قال: بنا إبراهيم بن الحسين، قال: بنا آدم، قال: بنا ورقاء، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما نزلت: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ نسختها الآية التي بعدها: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها (١).
[٧٧] (٢) - أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله البقال قال:
ابنا ابن بشران، قال: بنا إسحاق الكاذي، قال: بنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال:
حدّثني أبي، قال: بنا علي بن حفص، قال: بنا ورقاء، عن عطاء بن السائب، عن ابن جبير، عن ابن عباس ﵄ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها قال:
نسخت هذه الآية: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ.
قال أحمد: وحدّثنا محمد بن حميد، عن سفيان، عن آدم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نزلت: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ شق ذلك على المسلمين، قال: فنزلت: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها فنسختها.
стр. 87
[٧٨]- أخبرنا بن ناصر، قال: بنا علي بن أيوب، قال: ابنا علي بن شاذان، قال: ابنا أبو بكر النجاد، قال: بنا أبو داود السجستاني، قال: بنا أحمد بن محمد بن ثابت، قال: حدّثني علي بن الحسين، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ قال: نسخت، فقال الله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها.
[٧٩] (١) - أخبرنا المبارك بن علي، قال: بنا أحمد بن الحسين، قال: ابنا أبو إسحاق البرمكي، قال: ابنا محمد بن إسماعيل بن العباس، قال: بنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا علي بن سهل بن المغيرة، قال: بنا عفان، قال: بنا أبو عوانة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال:
نسختها الآية التي بعدها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ.
[٨٠] (٢) - أخبرنا عبد الوهاب، قال: ابنا عاصم بن الحسن، قال: ابنا أبو عمر بن مهدي، قال: بنا الحسين بن إسماعيل المحاملي، قال: بنا يعقوب الدورقي، قال: بنا يزيد بن هارون، قال: ابنا سفيان عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر ﵄ أنه تلا هذه الآية: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فدمعت عيناه فبلغ صنيعه ابن عباس ﵄ فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن لقد صنع ما صنع أصحاب رسول الله ﷺ حين نزلت فنسختها لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها.
[٨١] (٣) - أخبرنا ابن الحصين، قال: ابنا ابن المذهب، قال: ابنا أحمد بن جعفر، قال: بنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدّثني أبي، قال: بنا عبد الرزاق، قال: بنا معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، قال: دخلت على ابن عباس، فقلت: يا ابن عباس كنت عند ابن عمر، فقرأ هذه الآية، فبكى قال:
أية آية؟ قلت: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ قال ابن عباس:
إن هذه الآية حين أنزلت غمت أصحاب رسول الله ﷺ غما شديدا، وغاظتهم غيظا شديدا يعني وقالوا: يا رسول الله هلكنا إن كنا نؤاخذ بما تكلمنا به وبما نعمل به، فأما قلوبنا فليست بأيدينا، فقال لهم رسول الله ﷺ : «قولوا سمعنا وأطعنا» قالوا:
стр. 88
سمعنا وأطعنا، قال: فنسختها هذه الآية آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ [البقرة: ٢٨٥] إلى لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ.
[٨٢]- أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله البقال، قال:
ابنا ابن بشران، قال: بنا إسحاق بن أحمد الكاذي، بنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدّثني أبي: قال بنا وكيع، قال: بنا سفيان؛ عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، وعن إبراهيم بن مهاجر عن إبراهيم، وعن جابر عن مجاهد، قال: ونسخت هذه الآية لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها نسخت وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ.
قال أحمد: وحدّثنا معاوية بن عمرو، قال: بنا زائدة عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال: لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ، نسخت: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ.
قال أحمد: وحدّثنا يونس قال: بنا حماد يعني ابن سلمة، عن حميد، عن الحسن وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ قال: نسختها لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها.
قال أحمد: وحدّثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة قال: نزلت هذه الآية فكبرت عليهم، فأنزل الله تعالى بعدها آية فيها تيسير وعافية وتخفيف لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها.
[٨٣] (١) - أخبرنا المبارك بن علي، قال: ابنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: ابنا أبو إسحاق البرمكي، قال: ابنا محمد بن إسماعيل الوراق، قال: بنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا زيادة بن أيوب، قال: بنا هشيم، عن يسار، عن الشعبي قال: لما نزلت: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ كان فيها شدة حتى نزلت الآية التي بعدها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ فنسخت ما قبلها.
قال أبو بكر: وحدّثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: بنا الأسود، عن حماد، عن يونس، عن الحسن وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ قال نسختها لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها.
стр. 89
وإلى هذا القول ذهبت عائشة ﵂، وعلي بن الحسين، وابن سيرين، وعطاء الخراساني، والسدي، وابن زيد، ومقاتل.
والقول الثاني: أنه لم تنسخ، ثم اختلف أرباب هذا القول على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه ثابت في المؤاخذة على العموم فيؤاخذ به من يشاء ويغفر لمن يشاء. وهذا مروي عن ابن عباس أيضا وابن عمر، والحسن واختاره أبو سليمان الدمشقي، والقاضي أبو يعلى.
والثاني: أن المؤاخذة به واقعة، ولكن معناها اطلاع العبد على فعله السيّئ.
[٨٤] (١) - أخبرنا المبارك بن علي، قال: ابنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: ابنا أبو إسحاق البرمكي، قال: ابنا محمد بن إسماعيل بن العباس، قال: ابنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا يعقوب بن سفيان، قال: بنا أبو صالح قال: ابنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ قال: هذه الآية لم تنسخ، ولكن الله إذا جمع الخلائق يوم القيامة يقول لهم: إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم يطلع عليه ملائكتي، فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدّثوا به أنفسهم، وهو قوله: يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ يقول: يخبركم به الله. وفي رواية أخرى:
وأما أهل الشرك والريب فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب وهو قوله: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ [البقرة: ٢٨٤].
وقال أبو بكر: وحدّثنا محمد بن أيوب، قال: بنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: بنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: هي محكمة لم ينسخها شيء بقوله: يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ يقول: يعرّفه يوم القيامة أنك أخفيت في صدرك كذا وكذا فلا يؤاخذه (٢).
والثالث: أن محاسبة العبد به نزول الغم والحزن والعقوبة والأذى به في الدنيا، وهذا قول عائشة ﵂.
والقول الثاني: أنه أمر به خاص في نوع من المخفيات. ثم لأرباب هذا القول فيه قولان:
стр. 90
الأول: أنه في الشهادة، والمعنى: إن تبدوا بها الشهود ما في أنفسكم من كتمان الشهادة أو تخفوه.
[٨٥] (١) - أخبرنا المبارك بن علي، قال: ابنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: ابنا إسحاق البرمكي، قال: ابنا محمد بن إسماعيل، قال: بنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا زياد بن أيوب.
وأخبرنا عبد الوهاب الحافظ، قال: ابنا عاصم بن الحسن، قال: ابنا أبو عمر بن مهدي، قال: ابنا أبو عبد الله المحاملي، قال: بنا يعقوب الدورقي.
وأخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله، قال: ابنا ابن بشران، قال: بنا الكاذي، قال: بنا عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: بنا هشيم، قال: ابنا يزيد بن أبي زيادة، عن مقسم، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ قال: نزلت في كتمان الشهادة، وإقامتها.
قال أحمد: وحدّثنا يونس، قال: بنا حماد، عن حميد، عن عكرمة، قال:
هذه في الشهادة وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [البقرة: ٢٨٣] وبهذا قال الشعبي.
والثاني: أنه الشك واليقين.
[٨٦] (٢) - أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال ابنا عمر بن عبيد الله البقال، قال:
ابنا ابن بشران قال: بنا إسحاق الكاذي، قال: بنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدّثني أبي.
وأخبرنا المبارك بن علي قال: ابنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: ابنا أبو إسحاق البرمكي قال: ابنا محمد بن إسماعيل بن العباس، قال: ابنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا المؤمل بن هشام قال: بنا إسماعيل بن علية.
وأخبرنا عبد الوهاب، قال: ابنا أبو طاهر الباقلاوي، قال: ابنا ابن شاذان، قال: ابنا عبد الرحمن بن الحسن، قال: بنا إبراهيم بن الحسين، قال: بنا آدم،
стр. 91
قال: بنا ورقاء، كلاهما عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ من الشك واليقين.
فعلى هذا الآية محكمة.
قال ابن الأنباري: والذي نختاره أن تكون الآية محكمة لأن النسخ إنما يدخل على الأمر والنهي.
وقال أبو جعفر النحاس (١): لا يجوز أن يقع في مثل هذه الآية نسخ؛ لأنها خبر، وإنما التأويل أنه لما أنزل الله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ اشتد عليهم ووقع في قلوبهم منه شيء عظيم، فنسخ ذلك قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أي: نسخ ما وقع بقلوبهم، أي: أزاله ورفعه.
ذكر الآية السابعة والثلاثين
: قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها اختلفوا في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة على قولين:
الأول: أنها محكمة
وأن الله تعالى إنما يكلف العباد قدر طاقتهم فحسب وهذا مذهب الأكثرين.
والثاني [أنها منسوخة]:
أنها اقتضت التكليف بمقدار الوسع بحيث لا ينقص منه، فنزل قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ [البقرة: ٢٨٥] وذلك ينقص عن مقدار الوسع فنسختها. والقول الأول أصح.
... الباب العاشر باب ذكر الآيات اللواتي ادّعي عليهنّ النّسخ في سورة آل عمران
ذكر الآية الأولى
: قوله تعالى: وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ [آل عمران: ٢٠] قد ذهب بعض المفسرين إلى أن هذا الكلام اقتضى الاقتصار على التبليغ دون القتال، ثم نسخ بآية السيف.
стр. 92
وقال بعضهم: لما كان ﷺ حريصا على إيمانهم مزعجا نفسه في الاجتهاد في ذلك سكن جأشه بقوله: إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ [هود: ١٢] ونَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ
والمعنى: لا تقدر على سوق قلوبهم إلى الصلاح فعلى هذا لا نسخ.
ذكر الآية الثانية
: قوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً [آل عمران: ٢٨] قد نسب قوم إلى أن المراد بالآية اتقاء المشركين أن يوقعوا فتنة أو ما يوجب القتل والفرقة ثم نسخ ذلك بآية السيف.
وليس هذا بشيء، وإنما المراد من الآية جواز اتقائهم إذا أكرهوا المؤمن على الكفر بالقول الذي لا يعتقده، وهذا الحكم باق غير منسوخ، وهو المراد بقوله تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [النحل: ١٠٦].
[٨٧] (١) - أخبرنا عبد الوهاب الحافظ قال: ابنا ابن خيرون وأبو طاهر الباقلاوي، قالا: ابنا ابن شاذان قال: ابنا أحمد بن كامل، قال: حدّثني محمد بن سعد العوفي قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمي، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً والتقية باللسان: من حمل على أمر يتكلم به وهو معصية الله؛ فتكلم به مخافة الناس وقلبه مطمئن بالإيمان فإن ذلك لا يضره.
[٨٨] (٢) - وأخبرنا عبد الوهاب، قال: ابنا أبو طاهر الباقلاوي قال: ابنا ابن شاذان، قال: ابنا عبد الرحمن بن الحسن، قال: ابنا إبراهيم بن الحسين، قال:
بنا آدم، قال: بنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد؛ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً قال: إلا مصانعة في الدين.
وقد زعم إسماعيل السّدي، أن قوله: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ [آل عمران: ٢٨] منسوخة بقوله: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً. ومثل هذا ينبغي تنزيه الكتب عن ذكره فضلا عن رده، فإنه قول من لا يفهم ما يقول!
ذكر الآية الثالثة والرابعة والخامسة
: قوله تعالى: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ إلى قوله: يُنْظَرُونَ [آل عمران: ٨٦ - ٨٨] اختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآيات على ثلاثة أقوال:
الأول: أنها نزلت في الحارث بن سويد؛ كان قد أسلم ثم ارتدّ ولحق
стр. 93
بقومه، فنزلت فيه هذه الآيات، فحملها إليه رجل من قومه فقرأهن عليه فرجع وأسلم، قاله مجاهد (١).
والثاني: أنها نزلت في عشرة آمنوا ثم ارتدّوا، ومنهم طعمة ووحوح والحارث بن سويد، فندم منهم الحارث وعاد إلى الإسلام، رواه أبو صالح عن ابن عباس ﵄ (٢).
والثالث: أنها نزلت في أهل الكتاب آمنوا بالنبي ﷺ قبل أن يبعث، ثم كفروا به. رواه عطية عن ابن عباس، وبه قال الحسن.
وقوله: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا [آل عمران: ٨٦] استفهام في معنى الجحد، أي: لا يهديهم الله، وفيه طرف من التوبيخ، كما يقول الرجل لعبده:
كيف أحسن إلى من لا يطيعني. أي: لست أفعل ذلك. والمعنى: أنه لا يهدي من عاند بعد أن بان له الصواب.
وهذا محكم لا وجه لدخول النسخ عليه، وقد زعم قوم منهم السّدّي أن هذه الآيات منسوخات بقوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ [آل عمران: ٨٩].
стр. 94
[٨٩]- أخبرنا المبارك بن علي، قال: ابنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: ابنا إبراهيم بن عمر البرمكي، قال: ابنا محمد بن إسماعيل بن العباس، قال: ابنا أبو بكر بن أبي
داود، قال: بنا محمد بن الحسين، قال: بنا أحمد بن الفضل، قال: بنا أسباط، عن السدي، كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا قال: نزلت في الحارث ثم أسلم فنسخها الله فقال: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا.
قلت: وقد بينا فيما تقدم أن الاستثناء ليس بنسخ وإنما هو مبين أن اللفظ الأول لم يرد به العموم وإنما المراد به من عاند ولم يرجع إلى الحق بعد وضوحه، ويؤكد هذا أن الآيات خبر، والنسخ لا يدخل على الأخبار بحال.
ذكر الآية السادسة
: قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران: ٩٧].
قال السّدّي: هذا الكلام تضمّن وجوب الحجّ على جميع الخلق الغني والفقير والقادر والعاجز، ثم نسخ في حق عادم الاستطاعة بقوله: مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران: ٩٧].
قلت: وهذا قول قبيح، وإقدام بالرأي الذي لا يستند إلى معرفة اللغة العربية التي نزل بها القرآن على الحكم بنسخ القرآن، وإنما الصحيح ما قاله النحويون كافة في هذه الآية؛ فإنهم قالوا: «من» بدل من «الناس» وهذا بدل البعض، كما يقول:
ضربت زيدا برأسه، فيصير تقدير الآية: ولله على من استطاع من الناس الحج أن يحج.
ذكر الآية السابعة
: قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [آل عمران: ١٠٢] اختلف العلماء هل هذا محكم أو منسوخ على قولين:
القول الأول: أنه منسوخ
[٩٠]- أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري، قال: ابنا علي بن الفضل، قال:
ابنا ابن عبد الصمد، قال: ابنا عبد الله بن حموية، قال: ابنا إبراهيم بن حريم، قال: ابنا عبد الحميد، قال: بنا إبراهيم، عن أبيه، عن عكرمة اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ قال ابن عباس: فشق ذلك على المسلمين، فأنزل الله بعد ذلك فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦].
стр. 95
قال عبد الحميد: وابنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ قال: نسختها فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ.
[٩١] (١) - أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله، قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد الكاذي، قال: بنا عبد الله بن أحمد، قال:
حدّثني أبي، قال: بنا عبد الرزاق، قال: بنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى:
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ قال: أن يطاع فلا يعصى، ثم نسختها قوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ.
[٩٢] (٢) - أخبرنا المبارك بن علي، قال: ابنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: ابنا أبو إسحاق البرمكي، قال: ابنا محمد بن إسماعيل بن العباس، قال: ابنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا يعقوب بن سفيان، قال: بنا ابن بكير، قال: بنا ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ اشتدّ على القوم العمل فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرّحت جباههم، فأنزل الله تخفيفا عن المسلمين فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فنسخت الآية الأولى.
وعن ابن لهيعة، عن أبي صخر، عن محمد بن كعب اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ قال: نسختها فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ.
قال أبو بكر: وحدّثنا محمد بن الحسين بن أبي حنيف، قال: ابنا أحمد بن المفضل، قال: ابنا أسباط عن السدي قال: أما حَقَّ تُقاتِهِ أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر. فلم يطق الناس هذا فنسخها الله عنهم فقال:
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وإلى هنا ذهب الربيع بن أنس، وابن زيد، ومقاتل بن سليمان.
ومن نص هذا القول قال: حَقَّ تُقاتِهِ؛ هو القيام له بجميع ما يستحقه من طاعة واجتناب معصية، قالوا: هذا أمر تعجز الخلائق عنه، فكيف بالواحد منهم؟
فوجب أن تكون منسوخة، وإن تعلق الأمر بالاستطاعة، ويوضح هذا.
[٩٣] (٣) - ما أخبرنا به يحيى بن علي المدبر قال: ابنا أبو الحسين بن المنصور
стр. 96
قال: ابنا أحمد بن محمد الحرزي، قال: ابنا البغوي، قال: بنا محمد بن بكار، قال: بنا محمد بن طلحة، عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود ﵁ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ
قال: أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر.
والقول الثاني: أنها محكمة
[٩٤] (١) - أخبرنا المبارك بن علي، قال: ابنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: ابنا إسحاق البرمكي، قال: ابنا محمد بن إسماعيل بن العباس، قال: بنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا يعقوب بن سفيان، قال: بنا أبو صالح، قال: حدّثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ قال: لم تنسخ، ولكن حَقَّ تُقاتِهِ: أن يجاهدوا في الله حق جهاده، ولا يأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم.
وهذا مذهب طاوس، وهو الصحيح؛ لأن التقوى: هو اجتناب ما نهى الله عنه. ولم ينه عن شيء ولا أمر به إلا وهو داخل تحت الطاقة، كما قال : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [البقرة: ٢٨٦] فالآيتان متوافقتان، والتقدير:
اتقوا الله حق تقاته ما استطعتم، فقد فهم الأولون من الآية تكليف ما لا يستطاع فحكموا بالنسخ، وقد ردّ عليهم ذلك قوله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها وإنما قوله: حَقَّ تُقاتِهِ كقوله: «حق جهاده» الحق هاهنا بمعنى الحقيقة، ثم إن
стр. 97
هفوة المذنب لا تنافي أن يكون مكلفا للتحفظ، وإنما شرع الاستغفار والتوبة، بوقوع الهفوات.
وقال أبو جعفر النحاس: «معنى قول الأولين نسخت هذه الآية، أي: أنزلت الأخرى بنسختها وهما واحد، وإلا فهذا لا يجوز أن ينسخ، لأن الناسخ هو المخالف للمنسوخ من جميع جهاته الرافع له المزيل حكمه».
وقال ابن عقيل: ليست منسوخة، لأن قوله: مَا اسْتَطَعْتُمْ بيان لحق تقاته وأنه تحت الطاقة، فمن سمى بيان القرآن نسخا فقد أخطأ، وهذا في تحقيق الفقهاء يسمى: تفسير مجمل أو بيان مشكل، وذلك أن القوم ظنوا أن ذلك تكليف ما لا يطاق فأزال الله إشكالهم، فلو قال: لا تتقوه حق تقاته كان نسخا، وإنما بيّن أنه لم أراد بحق التقاة؛ ما لي في الطاقة.
ذكر الآية الثامنة
: قوله تعالى: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً [آل عمران: ١١١].
قال جمهور المفسرين: معنى الكلام: لن يضروكم ضرا باقيا في جسد أو مال إنما هو شيء يسير سريع الزوال، وتثابون عليه.
وهذا لا ينافي الأمر بقتالهم فالآية محكمة على هذا، ويؤكده أنها خبر، والأخبار لا تنسخ.
وقال السدي: الإشارة إلى أهل الكتاب، وذلك قبل أن يؤمر بقتالهم، فنسخت بقوله: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة: ٢٩] والأول أصح.
ذكر الآية التاسعة
: قوله تعالى: وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها [آل عمران: ١٤٥]. جمهور العلماء على أن هذا الكلام محكم واستدلوا عليه بشيئين.
الأول: أنه خبر، والخبر لا يدخله النسخ.
والثاني: أنهم قالوا: ما أحد إلا وله من الدنيا نصيب مقدر، ولا يفوته ما قسم له، فمن كانت همته ثواب الدنيا أعطاه الله منها ما قدّر له، وذلك هو الذي يشاؤه الله، وهو المراد بقوله: عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [الإسراء: ١٨] ولم يقل يؤته منها ما يشاء هو. ويمكن أن يكون المعنى: لمن يريد أن يفتنه أو يعاقبه.
стр. 98
وذهب السّدّي إلى أنه منسوخ بقوله: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [آل عمران: ١٨] وليس هذا بقول من يفهم الناسخ والمنسوخ، فلا يعول عليه.
ذكر الآية العاشرة
: قوله تعالى: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [آل عمران: ١٨٦].
الجمهور على إحكام هذه الآية، لأنها تضمّنت الأمر بالصبر والتقوى، ولا بد للمؤمن من ذلك. وقد ذهب قوم إلى أن الصبر المذكور هاهنا منسوخ بآية السيف.
... الباب الحادي عشر باب ذكر الآيات اللواتي ادّعي عليهنّ النّسخ في سورة النساء وهي ست وعشرون
ذكر الآية الأولى
: قوله تعالى: وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ [النساء: ٦].
اتفق العلماء على أن الوصي الغني لا يحل له أن يأكل من مال اليتيم شيئا، وقالوا: معنى قوله: فَلْيَسْتَعْفِفْ أي: بمال نفسه عن مال اليتيم، فإن كان فقيرا فلهم في المراد بأكله بالمعروف أربعة أقوال:
القول الأول: أنه الاستقراض منه، روى حارثة بن مضرب قال: سمعت عمر يقول: إني أنزلت مال الله مني بمنزلة اليتيم إن استغنيت استعففت وإن افتقرت أكلت بالمعروف، ثم قضيت (١).
стр. 99
[٩٥]- أخبرنا عبد الوهاب الحافظ قال: ابنا أبو الفضل بن خيرون، وأبو طاهر الباقلاوي، قالا: ابنا أبو علي بن شاذان، قال: ابنا أحمد بن كامل قال: ابنا محمد بن سعد قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمي، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس ﵄ فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ قال: يستقرض منه فإذا وجد ميسرة فليقض ما يستقرض، فذلك أكله بالمعروف.
[٩٦]- أخبرنا عبد الوهاب، قال: ابنا أبو طاهر، قال: ابنا ابن شاذان قال:
ابنا عبد الرحمن بن الحسن، قال: ابنا إبراهيم بن الحسين، قال: ابنا آدم قال:
ابنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: يأكل بالمعروف، يعني: سلفا من مال يتيمه.
وهذا القول مذهب عبيدة السلماني، وأبي وائل، وسعيد بن جبير، وأبي العالية، ومقاتل (١). وقد حكى الطحاوي عن أبي حنيفة مثله. وروى يعقوب بن حيان عن أحمد بن حنبل مثله.
القول الثاني: أن الأكل بالمعروف أن يأكل من غير إسراف.
[٩٧] (٢) - أخبرنا ابن الحصين، قال: ابنا ابن غيلان، قال: ابنا أبو بكر الشافعي، قال: ابنا إسحاق بن الحسن، قال: ابنا موسى بن مسعود، قال: ابنا الثوري؛ قال: ابنا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ قال: ما يسد الجوع ويواري العورة.
وقد روى عكرمة عن ابن عباس ﵄ أنه قال: الوصي إذا احتاج وضع يده مع أيديهم، ولا يلبس عمامة.
وقال الحسن، وعطاء، ومكحول: يأخذ ما يسد الجوع ويواري العورة ولا يقضي إذا وجد.
قال عكرمة والسدي: يأكل بأطراف أصابعه، ولا يسرف في الأكل ولا يكتسي منه، وهذا مذهب قتادة.
والقول الثالث: أنه يقول: مال اليتيم بمنزلة الميتة يتناول منه عند الضرورة، فإذا أيسر قضاه وإن لم يوسر فهو في حل؛ قاله الشعبي.
[٩٨]- وأخبرنا عبد الوهاب، قال: ابنا أبو طاهر الباقلاوي وقال: ابنا
стр. 100
عبد الرحمن بن الحسن، قال: ابنا إبراهيم بن الحسين، قال: ابنا آدم، قال: ابنا ورقاء، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: يأكل والي اليتيم من مال اليتيم قوته ويلبس منه ما يستره ويشرب فضل اللبن ويركب فضل الظهر، فإن أيسر قضاه، وإن أعسر كان في حل.
فهذه الأقوال الثلاثة تدل على جواز الأخذ عند الحاجة وإن اختلف أربابها في القضاء.
القول الرابع: أن الأكل بالمعروف أن يأخذ الولي بقدر أجرته إذا عمل لليتيم عملا. وروى القاسم بن محمد: أن رجلا أتى ابن عباس فقال: ليتيم لي إبل فما لي من إبله؟ قال: إن كنت تلوط حياضها وتهنأ جرباها وتبغي ضالتها وتسعى عليها، فاشرب غير ناهك بحلب ولا ضار بنسل.
[٩٩]- أخبرنا عبد الوهاب قال: ابنا أبو طاهر، قال: ابنا ابن شاذان، قال:
ابنا عبد الرحمن بن الحسن، قال: ابنا إبراهيم بن الحسين، قال: ابنا آدم، قال:
ابنا ورقاء، عن ابن نجيح، عن عطاء بن أبي رباح قال: يضع يده مع أيديهم ويأكل معهم بقدر خدمته وقدر عمله.
وقد روى أبو طالب وابن منصور عن أحمد بن حنبل مثل هذا.
فصل
وعلى هذه الأقوال الآية محكمة، وقد ذهب قوم إلى نسخها، فقالوا: كان هذا في أول الأمر ثم نسخت بقوله تعالى: لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ [النساء: ٢٩] وقد حكي هذا المعنى عن ابن عباس ﵄.
[١٠٠] (١) - أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله، قال:
ابنا بن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد الكاذي، قال: ابنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدّثني أبي، قال: ابنا حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس ﵄ وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ قال: نسخ من ذلك الظلم والاعتداء فنسخها: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً [النساء: ١٠].
[١٠١]- أخبرنا المبارك بن علي، قال: ابنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: ابنا أبو إسحاق البرمكي، قال: ابنا محمد بن إسماعيل بن العباس، قال: ابنا
стр. 101
أبو بكر بن أبي داود، قال: محمد بن سعد، قال: حدّثني أبي، عن الحسين، عن الحسن بن عطية، عن ابن عباس، ﵄ في قوله: وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ نسختها الآية التي تليها: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً الآية.
قلت: وهذا مقتضى قول أبي حنيفة، أعني النسخ، لأن المشهور عنه أنه لا يجوز للوصي الأخذ من مال اليتيم عند الحاجة على وجه القرض، وإن أخذ ضمن. وقال قوم: لو أدركته ضرورة جاز له أكل الميتة ولا يأخذ من مال اليتيم شيئا (١).
ذكر الآية الثانية
: قوله تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ [النساء: ٧].
قد زعم بعض من قل عمله وعزب فهمه من المتكلمين في الناسخ والمنسوخ؛ أن هذه الآية نزلت في إثبات نصيب النساء مطلقا من غير تحديد، لأنهم كانوا لا يورثون النساء، ثم نسخ ذلك بآية المواريث.
وهذا قول مردود في الغاية، وإنما أثبتت هذه الآية ميراث النساء في الجملة وأثبتت آية المواريث مقداره، ولا وجه للنسخ بحال.
ذكر الآية الثالثة
: قوله تعالى: وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ اختلف العلماء في هذه الآية على قولين:
الأول: أنها محكمة
فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إن الناس يزعمون أن هذه الآية نسخت، والله ما نسخت ولكنها مما تهاون الناس به.
[١٠٢] (٢) - وأخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله البقال، قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد الكاذي، قال: ابنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدّثني أبي، قال: ابنا يحيى بن آدم، قال: ابنا الأشجعي، عن سفيان، عن أبي إسحاق الشيباني، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى قال: هي محكمة وليست بمنسوخة. قال: وكان ابن عباس إذا ولي رضخ، وإذا كان المال فيه قلة اعتذر إليهم وذلك القول المعروف.
стр. 102
قال أحمد: وبنا عبد الصمد، قال: ابنا همام قال: ابنا قتادة، قال الأشعري:
ليست بمنسوخة.
وقال أحمد: وبنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن مطر، عن الحسن قال: والله ما هي بمنسوخة، وإنها الثابتة، ولكن الناس بخلوا وشحّوا، وكان الناس إذا قسم الميراث حضر الجار والفقير واليتيم والمسكين فيعطونهم من ذلك.
قال أحمد: وبنا هشيم، قال: ابنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير. قال: وبنا مغيرة عن إبراهيم قالا: هي محكمة وليست بمنسوخة.
قال أحمد: وبنا يزيد، قال: ابنا سفيان بن حسين، قال: سمعت الحسن ومحمدا، يقولان في هذه الآية: وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى هي مثبتة لم تنسخ، وكانت القسمة إذا حضرت حضر هؤلاء فرضخ لهم منها، وأعطوا.
قال أحمد: وبنا يحيى بن آدم قال: ابنا الأشجعي، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، والشعبي وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى قالا: هي محكمة وليست بمنسوخة.
قال أحمد: وبنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري أنها محكمة لم تنسخ.
وممن ذهب إلى إحكامها عطاء وأبو العالية ويحيى بن يعمر، ثم اختلف من قال بإحكامها في الأمر المذكور فيها.
فذهب أكثرهم: إلى أنه على سبيل الاستحباب والندب وهو الصحيح، وذهب بعضهم: إلى أنه على الوجوب (١).
القول الثاني: أنها منسوخة
[١٠٣] (٢) - أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله، قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد الكاذي، قال: ابنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدّثني أبي، قال: بنا حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس ﵄ وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ فنسختها آية الميراث فجعل لكل إنسان نصيبا مما ترك مما قل منه أو كثر.
قال أحمد: وبنا يحيى بن آدم، قال: ابنا الأشجعي، عن سفيان، عن السدي، عن أبي مالك وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ قال: نسختها آية الميراث.
стр. 103
[١٠٤]- أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، قال: ابنا أبو الفضل بن خيرون، وأبو طاهر الباقلاوي، قال: ابنا ابن شاذان، قال: ابنا أحمد بن كامل، قال: ابنا محمد بن سعد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمي، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس ﵄ وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً [النساء: ٨] يعني عند قسمة الميراث، وذلك قبل أن ينزل الفرائض وأنزل الله بعد ذلك الفرائض فأعطى كل ذي حق حقه.
وروى مجاهد عن ابن عباس ﵄ قال: نسختها يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [النساء: ١١].
[١٠٥] (١) - وأخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله، قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد، قال: ابنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدّثني أبي، قال: ابنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، قال: قال سعيد بن المسيب: كانت هذه قبل الفرائض وقسمة الميراث، فلما جعل الله لأهل الميراث ميراثهم صارت منسوخة.
قال أحمد: وبنا عبد الصمد، قال: ابنا همام، قال: ابنا قتادة، عن سعيد بن المسيب، إنها منسوخة، قال: كانت قبل الفرائض، وكان ما ترك من مال أعطي منه الفقراء، والمساكين، واليتامى، وذوي القربى إذا حضروا القسمة، ثم نسخ ذلك بعد، نسخها المواريث فألحق الله لكل ذي حق حقه، فصارت وصية من ماله يوصي بها لذي قرابته، وحيث يشاء.
[١٠٦]- أخبرنا المبارك بن علي، قال: ابنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: ابنا إبراهيم بن عمر البرمكي، قال: ابنا محمد بن إسماعيل بن العباس، قال: ابنا أبو بكر بن أبي داود، قال: ابنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب، قال:
حدّثني يحيى بن يمان، عن سفيان عن السدي، عن أبي مالك وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ قال: نسختها آية الميراث.
قال أبو بكر: وبنا يعقوب بن سفيان قال: ابنا عبد الله بن عثمان قال:
ابنا عيسى بن عبيد الكندي، قال: ابنا عبيد الله مولى عمر بن مسلم أن الضحاك بن مزاحم قال في قوله: وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى قال: نسختها آية الميراث.
стр. 104
وقال عكرمة: نسختها آية الفرائض، وممن ذهب إلى هذا القول قتادة، وأبو الشعثاء وأبو صالح وعطاء في رواية (١).
ذكر الآية الرابعة
: قوله تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً [النساء: ٩] في المخاطبين بهذه الآية ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه خطاب للحاضرين عند الموصي. ثم في معنى الكلام على هذا القول قولان:
الأول: أن المعنى وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا وليخش الذين يحضرون موصيا يوصي في ماله أن يأمروه بتفريق ماله فيمن لا يرثه فيفرقه ويترك ورثته، ولكن ليأمروه أن يبقى ماله لأولاده كما لو كانوا هم الذين يوصون لسرهم أن يحثهم من حضرهم على حفظ الأموال للأولاد، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس، والحسن ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، والضحاك، والسدي، ومقاتل.
والثاني: على الضد، وهو أنه نهي لحاضري الموصي عند الموت أن يمنعوه عن الوصية لأقاربه، وأن يأمروه الاقتصار على ولده، وهذا قول مقسم وسليمان التميمي.
القول الثاني: أنه خطاب لأولياء اليتامى، راجع إلى قوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا [النساء: ٦] فقال تعالى:- يعني أولياء اليتامى- وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ فيمن ولوه من اليتامى وليحسنوا إليهم في أنفسهم وأموالهم كما يحبون أن يحسن ولاة أولادهم لو ماتوا هم إليهم، وهذا مروي عن ابن عباس ﵄ أيضا.
والقول الثالث: أنه خطاب للأوصياء بإجراء الوصية على ما رسم الموصي وأن يكون الوجوه التي فيها مرعية بالمحافظة، كرعي الذرية الضعاف من غير تبديل، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة: ١٨٢]، فأمر بهذه الآية إذا وجد الوصي من الموصي في الوصية جنفا أو ميلا عن الحق فعليه الإصلاح في ذلك، واستعمال قضية الشرع ورفع الحال الواقع في الوصية. ذكره شيخنا علي بن عبيد الله وغيره، وعلى هذا القول تكون الآية منسوخة، وعلى الأقوال قبلها هي محكمة. والنسخ منها بعيد، لأنه إذا أوصى بجور لم يجز أن يجري على ما أوصى.
стр. 105
ذكر الآية الخامسة
: قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً قد توهم قوم لم يرزقوا فهم التفسير وفقهه أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ [البقرة: ٢٢٠] وأثبتوا ذلك في كتب الناسخ والمنسوخ، ورووه عن ابن عباس ﵄، وإنما المنقول عن ابن عباس.
[١٠٧] (١) - ما أخبرنا به المبارك بن علي، قال: ابنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: ابنا أبو إسحاق البرمكي، قال: ابنا محمد بن إسماعيل بن العباس، قال: بنا أبو بكر بن أبي داود، قال: ابنا عمرو بن علي بن بحر قال: ابنا عمران بن عيينة، قال: ابنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً قال: كان يكون في حجر الرجل اليتيم فيعزل طعامه وشرابه، فاشتد ذلك على المسلمين، فأنزل الله تعالى:
وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ، فأحل لهم طعامهم.
وقال سعيد بن جبير: لما نزلت إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً عزلوا أموالهم من أموال اليتامى، وتحرجوا من مخالطتهم فنزل قوله تعالى: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ. وهذا ليس على سبيل النسخ؛ لأنه لا خلاف أن أكل أموال اليتامى ظلما حرام.
وقال أبو جعفر النحاس: هذه الآية لا يجوز فيها ناسخ ولا منسوخ، لأنها خبر ووعيد، ونهي عن الظلم والتعدي، ومحال نسخ هذا، فإن صح ما ذكروا عن ابن عباس فتأويله من اللغة: أن هذه الآية على نسخ تلك الآية.
وزعم بعضهم أن ناسخ هذه الآية قوله تعالى: وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ وهذا قبيح، لأن الأكل بالمعروف ليس بظلم فلا تنافي بين الآيتين.
ذكر الآية السادسة والسابعة
: قوله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ وقوله: وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما [النساء: ١٥، ١٦] الآيتان.
стр. 106
أما الآية الأولى؛ فإنها دلّت على أن حدّ الزانية كان أول الإسلام الحبس إلى أن تموت أو يجعل الله لها سبيلا، وهو عام في البكر والثيب. والآية الثانية؛ اقتضت أن حدّ الزانيين الأذى. فظهر من الآيتين أن حدّ المرأة كان الحبس والأذى جميعا، وحدّ الرجل كان الأذى فقط، لأن الحبس ورد خاصا في النساء، والأذى ورد عاما في الرجل والمرأة، وإنما خصّ النساء في الآية الأولى بالذكر، لأنهن ينفردن بالحبس دون الرجال، وجمع بينهما في الآية الثانية، لأنهما يشتركان في الأذى، ولا يختلف العلماء في نسخ هذين الحكمين عن الزانيين؛ أعني الحبس والأذى، وإنما اختلفوا بماذا نسخا؟ فقال قوم: نسخا بقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور: ٢].
[١٠٨] (١) - أخبرنا المبارك بن علي، قال: ابنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: ابنا أبو إسحاق البرمكي، قال: ابنا محمد بن إسماعيل بن العباس، قال: ابنا أبو بكر بن أبي داود قال: ابنا يعقوب بن سفيان، قال: ابنا أبو صالح قال: حدّثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ قال: كانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت، وكان الرجل إذا زنى أوذي بالتعيير، والضرب بالنعال، فنزلت: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وإن كانا محصنين رجما بسنة رسول الله ﷺ .
[١٠٩]- أخبرنا عبد الوهاب الحافظ، قال: ابنا أبو طاهر الباقلاوي، قال:
ابنا أبو علي بن شاذان، قال: ابنا عبد الرحمن بن الحسن، قال: ابنا إبراهيم بن الحسين، قال: ابنا آدم، قال: ابنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد فَآذُوهُما يعني سبا، ثم نسختها الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ.
[١١٠]- أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله، قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد، قال: ابنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدّثني أبي، قال: ابنا عبد الرزاق، قال: ابنا معمر، عن قتادة، فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ [النساء: ١٥] قال: نسختها الحدود.
قال أحمد: وبنا عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ
стр. 107
قال: كانت هذه الآية قبل الحدود ثم أنزلت وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما قال: كانا يؤذيان بالقول والشتم وتحبس المرأة ثم إن الله تعالى نسخ ذلك فقال: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ.
قال أحمد: وبنا علي بن حفص، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما قال: نسخته الآية التي في النور بالحد المفروض.
قال قوم: نسخ هذان الحكمان بحديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال: «خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهنّ سبيلا؛ الثّيّب بالثّيّب جلد مائة ورجم بالحجارة، والبكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة» (١).
قالوا: فنسخت الآية بهذا الحديث، وهؤلاء يجيزون نسخ القرآن بالسنة.
وهذا قول مطروح؛ لأنه لو جاز نسخ القرآن بالسنة لكان ينبغي أن يشترط التواتر في ذلك الحديث، فأما أن ينسخ القرآن بأخبار الآحاد فلا يجوز ذلك وهو من أخبار الآحاد.
وقال الآخرون: السبيل الذي جعل الله لهن هو الآية: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ قال آخرون: بل السبيل قرآن نزل ثم رفع رسمه وبقي حكمه، وظاهر حديث عبادة يدل على ذلك، لأنه قال: «قد جعل الله لهن سبيلا» فأخبر أن الله تعالى جعل لهن السبيل، والظاهر أنه بوحي لم تستقر تلاوته، وهذا يخرج على قول من لا يرى نسخ القرآن بالسنة، وقد اختلف العلماء بماذا ثبت الرجم على قولين:
الأول: أنه نزل به قرآن ثم نسخ لفظه، وانعقد الإجماع على بقاء حكمه.
والثاني: أنه ثبت بالسنة.
ذكر الآية الثامنة والتاسعة
: قوله تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ وقوله:
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء: ١٧ - ١٨] إنما سمى فاعل الذنب جاهلا، لأن فعله مع العلم بسوء مغبته، فأشبه من جهل المغبة والتوبة من قريب ما كان قبل معاينة الملك، فإذا حضر الملك لسوق الروح لم تقبل توبته، لأن الإنسان حينئذ يصير كالمضطر إلى التوبة، فمن تاب قبل ذلك قبلت توبته، أو أسلم عن كفر قبل إسلامه، وهذا أمر ثابت محكم.
стр. 108
وقد زعم بعض من لا فهم له أن هذا الأمر أقر على هذا في حق أرباب المعاصي من المسلمين، ونسخ حكمه في حق الكفار بقوله: وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ [النساء: ١٨]، وهذا ليس بشيء؛ فإن حكم الفريقين واحد.
ذكر الآية العاشرة
: قوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ [النساء: ٢٢] هذا كلام محكم عند عامة العلماء ومعنى قوله: إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ أي: بعد ما قد سلف في الجاهلية، فإن ذلك معفو عنه.
وزعم بعض من قلّ فهمه أن الاستثناء نسخ ما قبله. وهذا تخليط لا حاصل له ولا يجوز أن يلتفت إليه من جهتين:
الأول: أن الاستثناء ليس بنسخ.
والثاني: أن الاستثناء عائد إلى مضمر تقديره: فإن فعلتم عوقبتم إلا ما قد سلف، فإنكم لا تعاقبون عليه، فلا معنى للنسخ هاهنا.
ذكر الآية الحادية عشر
: قوله تعالى: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ [النساء: ٢٣] وهذه حكمها حكم التي قبلها. وقد زعم الزاعم هناك: أن هذه كتلك في أن الاستثناء ناسخ لما قبله، وقد بينا رذولة هذا القول.
ذكر الآية الثانية عشر
: قوله تعالى: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ [النساء: ٢٤]، وقد ذكر في هذه الآية موضعان منسوخان:
الأول: قوله: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ، هذا عند عموم العلماء لفظ عام دله التخصيص بنهي النبي ﷺ : «أن تنكح المرأة على عمتها أو على خالتها» (١). وليس هذا على سبيل النسخ. وقد ذهب قوم لا فقه لهم إلى أن التحليل المذكور في الآية منسوخ بهذا الحديث، وهذا إنما يأتي من عدم فهم الناسخ والمنسوخ والجهل بشرائطه وقلة المعرفة بالفرق بين التخصيص والنسخ.
وأما الموضع الثاني: فقوله تعالى: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ [النساء: ٢٤] اختلف العلماء في المراد بهذا الاستمتاع على قولين:
الأول: أنه النكاح والأجور المهور، وهذا مذهب ابن عباس ومجاهد والجمهور.
стр. 109
والثاني: أنه المتعة التي كانت في أول الإسلام، كان الرجل ينكح المرأة إلى أجل مسمى، ويشهد شاهدين، فإذا انقضت المدة ليس له عليها سبيل. قاله قوم منهم السدي.
اختلفوا هل هي محكمة أو منسوخة؟ فقال قوم: هي محكمة.
[١١١]- أخبرنا ابن ناصر، قال: ابنا ابن أيوب. قال: ابنا أبو علي بن شاذان، قال: حدّثنا أبو بكر النجاد، قال: ابنا أبو داود السجستاني، قال: ابنا محمد بن المثنى، قال: ابنا محمد بن جعفر، قال: ابنا شعبة، عن الحكم، قال:
سألته عن هذه الآية: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ أمنسوخة هي قال: لا.
قال الحكم: وقال علي ﵁: لولا أن عمر نهى عن المتعة- فذكر شيئا (١).
وقال آخرون: هي منسوخة، واختلفوا بماذا نسخت على قولين:
الأول: بإيجاب العدة.
[١١٢] (٢) - أخبرنا ابن ناصر، قال: ابنا علي بن أيوب، قال: ابنا أبو علي بن شاذان قال: ابنا أبو بكر النجاد، قال: ابنا أبو داود السجستاني، قال:
ابنا أحمد بن محمد، قال: ابنا هاشم بن مخلد، عن ابن المبارك، عن عثمان بن عطاء،
стр. 110
عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً فنسختها يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: ١] وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨] أَشْهُرٍ [الطلاق: ٤].
والثاني: أنها نسخت بنهي رسول الله ﷺ عن المتعة، وهذا القول ليس بشيء لوجهين:
الأول: أن الآية سيقت لبيان عقدة النكاح بقوله: مُحْصِنِينَ أي: متزوجين، عاقدين النكاح، فكان معنى الآية: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ على وجه النكاح الموصوف فآتوهن مهورهن، وليس في الآية ما يدل على أن المراد نكاح المتعة الذي نهي عنه، ولا حاجة إلى التكلف، وإنما جاز المتعة برسول الله ﷺ ثم منع منها.
والثاني: أنه لو كان ذلك لم يجز نسخه بحديث واحد.
ذكر الآية الثالثة عشر
: قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ [النساء: ٢٩] هذه الآية عامة في أكل الإنسان مال نفسه، وأكله مال غيره بالباطل.
فأما أكله مال نفسه بالباطل فهو إنفاقه في معاصي الله .
وأما أكل مال الغير بالباطل، فهو تناوله على الوجه المنهي عنه سواء كان غصبا من مالكه، أو كان برضاه، إلا أنه منهي عنه شرعا، مثل القمار والربا وهذه الآية محكمة
والعمل عليها.
[١١٣]- أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله، قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد، قال: ابنا عبد الله بن أحمد، قال:
حدّثني أبي، قال: ابنا أسود بن عامر، قال: ابنا سفيان، عن ربيع، عن الحسن لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ قال: ما نسخها شيء.
قال أحمد: وحدّثنا حسين بن محمد، قال: ابنا عبيد الله عن زيد بن أبي أنيسة عن عمرو، أن مسروقا قال في هذه الآية: لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ قال: إنها لمحكمة ما نسخت.
وقد زعم بعض منتحلي التفسير، ومدّعي علم الناسخ والمنسوخ؛ أن هذه الآية لما نزلت تحرّجوا من أن يواكلوا الأعمى والأعرج والمريض، وقالوا: إن الأعمى لا يبصر أطيب الطعام، والأعرج لا يتمكن من المجلس، والمريض لا