← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38121

نواسخ القرآن = ناسخ القرآن ومنسوخه ت آل زهوي

ابن الجوزي

Полный текст (211 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والثاني: ليس إليك شيء من أمرهم، قاله ابن قتيبة. والثالث: أنت بريء منهم، وهم منك برآء، إنما أمرهم إلى الله سبحانه في الجزاء فعلى هذين القولين الآية محكمة. ... الباب الرابع عشر باب ذكر الآيات اللواتي ادّعي عليهنّ النّسخ في سورة الأعراف ذكر الآية الأولى : قوله تعالى: وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ [الأعراف: ١٨٠]. قال ابن زيد: نسخها الأمر بالقتال، وقال غيره هذا تهديد لهم وهذا لا ينسخ. ذكر الآية الثانية : قوله تعالى: وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [الأعراف: ١٨٣]. قال المفسرون: المراد بكيده مجازاة أهل الكيد والمكر، وهذه خبر؛ فهي محكمة. وقد ذهب من قل علمه من منتحلي التفسير إلى أن معنى الآية الأمر للنبي ﷺ بمشاركتهم، قال: ونسخ معناها بآية السيف، وهذا قول لا يلتفت إليه. ذكر الآية الثالثة : قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [الأعراف: ١٩٩] العفو الميسور وفي الذي أمر بأخذ العفو ثلاثة أقوال: القول الأول: أخلاق الناس، قاله ابن عمرو، وابن الزبير والحسن ومجاهد، فعلى هذا يكون المعنى: اقبل الميسور من أخلاق الناس ولا تستقص عليهم فتظهر منهم البغضاء، فعلى هذا هو محكم. والقول الثاني: أنه المال، ثم فيه قولان: الأول: أن المراد بعفو المال الزكاة، قاله مجاهد في رواية الضحاك. والثاني: أنها صدقة كانت تؤخذ قبل فرض الزكاة، ثم نسخت بالزكاة، روي

стр. 142

عن ابن عباس ﵄، قال القاسم وسالم: العفو شيء في المال سوى الزكاة، وهو فضل المال ما كان عن ظهر غنى. والقول الثالث: أن المراد به مساهلة المشركين والعفو عنهم، ثم نسخ بآية السيف، قاله ابن زيد وقوله: وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ فيهم قولان: الأول: أنهم المشركون أمر بالإعراض عنهم، ثم نسخ ذلك بآية السيف. والثاني: أنه عام فيمن جهل أمر بصيانة النفس عن مقابلتهم على سفههم، وأن واجب الإنكار عليهم، وعلى هذا تكون الآية محكمة، وهو الصحيح (١). ... الباب الخامس عشر باب ذكر الآيات اللواتي ادّعي عليهنّ النّسخ في سورة الأنفال ذكر الآية الأولى قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [الأنفال: ١]. اختلف العلماء في هذه الآية، فقال بعضهم: هي ناسخة من وجه ومنسوخة من وجه، وذلك أن الغنائم كانت حراما في شرائع الأنبياء المتقدمين، فنسخ الله ذلك بهذه الآية وجعل الأمر في الغنائم إلى ما يراه الرسول ﷺ ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ [الأنفال: ٤١]. [١٥٠] (٢) - أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد، قال: ابنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي، قال: ابنا وكيع، قال: بنا إسرائيل، عن جابر، عن مجاهد

стр. 143

وعكرمة، قالا: كانت الأنفال لله فنسخها وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ. هذا قول السدي. وقال آخرون المراد بالأنفال شيئان: الأول: ما يجعله النبي ﷺ لطائفة من شجعان العسكر ومقدميه، يستخرج به نصحهم ويحرضهم على القتال. والثاني: ما يفضل من الغنائم بعد قسمتها، كما روي عن ابن عمر ﵄ قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية فغنمنا إبلا، فأصاب كل واحد اثني عشر بعيرا، ونفلنا بعيرا بعيرا (١). فعلى هذا هي محكمة، لأن هذا الحكم باق إلى وقتنا هذا، والعجب ممن يدّعي أنها منسوخة فإن عامة ما تضمنت أن الأنفال لله والرسول، والمعنى: أنهما يحكمان فيها وقد وقع الحكم فيها بما تضمنته آية الخمس، وإن أريد أن الأمر بنفل الجيش ما أراد، فهذا حكم باق، فلا يتوجه النسخ بحال، ولا يجوز أن يقال عن آية إنها منسوخة إلا أن يرفع حكمها وحكم هذه ما رفع فكيف يدعي النسخ؟ وقد ذهب إلى نحو ما ذكرته أبو جعفر ابن جرير الطبري. ذكر الآية الثانية : قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ [الأنفال: ١٥ - ١٦]. وقد ذهب قوم، منهم ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، والحسن وابن جبير، وقتادة والضحاك إلى أنها في أهل بدر خاصة. [١٥١] (٢) - أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله، قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد، قال: بنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: بنا محمّد بن جعفر، قال: بنا شعبة، عن داود، قال: سمعت الشعبي، يحدث عن أبي سعيد الخدري: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ قال: نزلت في يوم بدر.

стр. 144

قال أحمد: وبنا روح، قال: بنا حبيب بن الشهيد، عن الحسن: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ قال: نزلت في أهل بدر. قال أحمد: وبنا روح، قال: بنا شعبة، عن الحسن، قال: إنما شدد على أهل بدر. قال أحمد: وبنا حسين، قال: بنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ قال: يوم بدر. قلت: لفظ الآية عام، وإن كانت نزلت في قوم بأعيانهم، وقد روي عن ابن عباس ﵁ وغيره أنها عامة. ثم لهؤلاء فيه قولان: أحدهما: أنها منسوخة بقوله: فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال: ٦٦]. فليس للمؤمنين أن يفروا عن مثليهم. قال آخرون: هي محكمة، وهذا هو الصحيح، لأنها محكمة في النهي عن الفرار، فيحمل النهي على ما إذا كان العدو أعلى من عدد المسلمين، وقد ذهب إلى نحو هذا ابن جرير (١). ذكر الآية الثالثة : قوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال: ٣٣]. [١٥٢] (٢) - أخبرنا ابن ناصر، قال: ابنا ابن أيوب، قال: ابنا ابن شاذان، قال: ابنا أبو بكر النجاد، قال: ابنا أبو داود السجستاني، قال: بنا أحمد بن محمّد، قال: بنا علي بن الحسين. عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ نسختها الآية التي بعدها وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ [الأنفال: ٣٤]. وقد روى مثله عن الحسن وعكرمة، وهذا القول ليس بصحيح؛ لأن النسخ لا يدخل على الأخبار، وهذه الآية بينت أن كون الرسول فيهم منع نزول العذاب بهم، وكون المؤمنين يستغفرون بينهم منع أيضا، والآية التي تليها بينت استحقاقهم العذاب لصدهم عن سبيل الله، غير أن كون الرسول والمؤمنين بينهم منع من تعجيل ذلك، أو عمومه، فالعجيب من مدّعي النسخ.

стр. 145

ذكر الآية الرابعة : قوله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها [الأنفال: ٦١]. اختلف المفسرون فيمن عني بهذه الآية على قولين: الأول: أنهم المشركون، وأنها نسخت بآية السيف، وبعضهم يقول: بقوله: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [التوبة: ٢٩] وهذا مروي عن ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وقتادة في آخرين. [١٥٣] (١) - أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله، قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد، قال: ابنا عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: ابنا حجاج عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس ﵄ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فنسختها قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ. [١٥٤]- وأخبرنا ابن ناصر، قال: ابنا ابن أيوب، قال: ابنا ابن شاذان، قال: ابنا أبو بكر النجاد، قال: ابنا أبو داود السجستاني، قال: ابنا أحمد بن محمّد، قال: ابنا علي بن الحسين، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها نسختها قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ. قال أحمد بن محمد: وابنا موسى بن مسعود، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها نسختها فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ. والثاني: أنهم أهل الكتاب. وقال مجاهد: بنو قريظة. [١٥٥]- أخبرنا عبد الوهاب، قال: ابنا أبو طاهر قال: ابنا شاذان قال: ابنا عبد الرحيم قال: ابنا إبراهيم قال: ابنا آدم قال: ابنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها يعني: قريظة. فعلى هذا القول إن قلنا إنها نزلت في ترك حرب أهل الكتاب إذا بذلوا الجزية وقاموا بشرط الذمة فهي محكمة، وإن قيل: نزلت في موادعتهم على غير

стр. 146

جزية توجه النسخ لها بآية الجزية وهي قوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (١). ذكر الآية الخامسة : قوله تعالى: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال: ٦٥]. قال المفسرون: لفظ هذا الكلام لفظ الخبر، ومعناه الأمر والمراد: يقاتلوا مائتين، وكان هذا فرضا في أول الأمر ثم نسخ بقوله تعالى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ [الأنفال: ٦٦] ففرض على الرجل أن يثبت لرجلين فإن زاد جاز له الفرار. [١٥٦] (٢) - أخبرنا يحيى بن ثابت بن بندار، قال: ابنا أبو بكر البرقاني، قال: ابنا أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، قال: أخبرني الحسن، قال: ابنا حيان، قال: ابنا عبد الله، قال: ابنا جرير بن حازم، قال: سمعت الزبير بن الخريت، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ في قوله : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ قال: فرض عليهم أن لا يفر رجل من عشرة ولا قوم من عشرة أمثالهم، قال: فجهد الناس ذلك وشق عليهم فنزلت الآية الأخرى الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ [الأنفال: ٦٦]، فرض عليهم أن لا يفرّ رجل من رجلين، ولا قوم من مثليهم، ونقص من الصبر بقدر ما خفّف من العدد. [١٥٧] (٣) - أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله، قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد، قال: ابنا عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: ابنا حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس ﵄ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ فنسختها الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ. [١٥٨]- أخبرنا ابن ناصر، قال: ابنا ابن أيوب، قال: ابنا ابن شاذان، قال:

стр. 147

ابنا أبو بكر النجاد، قال: ابنا أبو داود السجستاني، قال: ابنا أحمد بن محمّد، قال: ابنا علي بن الحسين عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ نسخ فقال: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ. [١٥٩]- أخبرنا ابن الحصين، قال: ابنا ابن غيلان قال: ابنا أبو بكر الشافعي، قال: ابنا إسحاق بن الحسن، قال: ابنا أبو حذيفة قال: ابنا سفيان الثوري، عن ليث، عن عطاء: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ قال: كان لا ينبغي لواحد أن يفر من عشرة، فخفف الله عنهم. [١٦٠]- أخبرنا عبد الوهاب الحافظ قال: ابنا أبو طاهر الباقلاوي، قال: ابنا أبو علي بن شاذان، قال: ابنا عبد الرحمن بن الحسن قال: ابنا إبراهيم بن الحسين قال: ابنا آدم قال: ابنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: كان قد جعل على أصحاب محمد يوم بدر على كان رجل منهم قتال عشرة من الكفار، فضجوا من ذلك فجعل على كل رجل قتال رجلين، فنزل التخفيف من الله فقال: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ. قال أبو جعفر النحاس (١): وهذا تخفيف لا نسخ، لأن معنى النسخ رفع حكم المنسوخ ولم يرفع حكم الأول، لأنه لم يقل فيه: لا يقاتل الرجل عشرة، بل إن قدر على ذلك فهو الاختيار له. ونظير هذا إفطار الصائم في السفر، لا يقال إنه نسخ الصوم، وإنما هو تخفيف ورخصة، والصيام له أفضل. ذكر الآية السادسة : قوله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ [الأنفال: ٦٧]. روي عن ابن عباس ومجاهد في آخرين أن هذه الآية منسوخة بقوله: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً [محمّد: ٤]. وليس للنسخ وجه لأن غزاة بدر كانت وفي المسلمين قلة، فلما كثروا واشتد سلطانهم نزلت الآية الأخرى، ويبين هذا قوله: حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ. قال أبو جعفر النحاس: ليس هاهنا ناسخ ولا منسوخ، لأنه قال : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ فلما أثخن في الأرض كان له أسرى (٢).

стр. 148

ذكر الآية السابعة : قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا [الأنفال: ٧٢]. قال المفسرون: كانوا يتوارثون بالهجرة، وكان المؤمن الذي لا يهاجر لا يرث قريبه المهاجر وذلك معنى قوله: ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا. [١٦١] (١) - أخبرنا عبد الوهاب الحافظ، قال: ابنا أبو الفضل بن خيرون، وأبو طاهر الباقلاوي، قالا: ابنا أبو علي بن شاذان، قال: ابنا أحمد بن كامل، قال: حدّثني محمّد بن سعد العوفي، قال: ابنا أبي، قال: حدّثني عمي، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس ﵄ قال: كان المؤمنون على عهد رسول الله ﷺ على ثلاثة منازل: منهم المؤمن المهاجر المرافق لقومه في الهجرة، خرج إلى قوم مؤمنين في ديارهم وعقارهم وأموالهم، وفي قوله: وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا وأعلنوا ما أعلن أهل الهجرة وشهروا السيوف على من كذب وجحد فهذان مؤمنان، وكانوا يتوارثون إذا توفي المؤمن المهاجر بالولاية في الدين، وكان الذي آمن ولم يهاجر لا يرث من أجل أنه لم يهاجر، ثم ألحق كل ذي رحم برحمه. [١٦٢] (٢) - أخبرنا المبارك بن علي، قال: ابنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: ابنا إبراهيم بن عمر البرمكي، قال: ابنا محمّد بن إسماعيل بن العباس، قال: ابنا أبو بكر بن أبي داود، قال: ابنا محمّد بن قهزاد قال: ابنا علي بن الحسين بن واقد، قال: حدّثني أبي، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا قال: وكان الأعرابي لا يرث المهاجر، ولا يرثه المهاجر، فنسخها، فقال: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ الآية [الأنفال: ٧٥]. [١٦٣] (٣) - أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله، قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد الكاذي، قال: ابنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدّثني أبي قال: ابنا أبو سعيد مولى بني هاشم، قال: ابنا عمر بن

стр. 149

فروخ، قال: ابنا حبيب بن الزبير، عن عكرمة: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا قال: لبث الناس برهة، والأعرابي لا يرث المهاجر، والمهاجر لا يرث الأعرابي، حتى فتحت مكة ودخل الناس في الدين فأنزل الله وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ. وقال الحسن: كان الأعرابي لا يرث المهاجر، ولا يرثه المهاجر فنسخها وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ. وقد ذهب قوم إلى أن المراد بقوله: ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ولاية النصرة والمودة. قالوا: ثم نسخ هذا بقوله: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [التوبة: ٧١]، وأما قوله: وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ [الأنفال: ٧٢] فقال المفسرون: إن استنصركم المؤمنون الذين لم يهاجروا فانصروهم إلا أن يستنصروكم على قوم بينكم وبينهم عهد، فلا تغدروا بأهل العهد. وذهب بعضهم إلى أن الإشارة إلى أحياء من كفار العرب كان بينهم وبين رسول الله ﷺ موادعة، فكان إن احتاج إليهم عاونوه، وإن احتاجوا عاونهم فنسخ ذلك بآية السيف (١). ... الباب السادس عشر باب ذكر الآيات اللواتي ادّعي عليهنّ النّسخ في سورة التوبة ذكر الآية الأولى : قوله تعالى: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ [التوبة: ٢]. زعم بعض ناقلي التفسير ممن لا يدري ما ينقل؛ أن التأجيل منسوخ بآية السيف، وقال بعضهم منسوخ بقوله: فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ [الأنفال: ٥٨] وهذا سوء فهم، وخلاف لما عليه المفسرون، فإن المفسرين اختلفوا فيمن جعلت له هذه الأشهر على أربعة أقوال: الأول: أنها أمان لأصحاب العهد، فمن كان عهده أكثر منها حط إليها، ومن كان عهده أقل منها رفع إليها، ومن لم يكن له عهد فأجله انسلاخ المحرم خمسون

стр. 150

ليلة. وهذا قول ابن عباس، وقتادة والضحاك، وإنما كان هذا الأجل خمسين ليلة؛ لأن هذه الآيات نودي بها يوم عرفة، وقيل يوم النحر. والثاني: أنها للمشركين كافة من له عهد ومن ليس له عهد، قاله مجاهد والقرطبي والزهري (١). والثالث: أنها أجل من كان رسول الله ﷺ ، قد أمنه أقل من أربعة أشهر، وكان أمانه غير محدود، فأما من لا أمان له فهو حرب، قاله ابن إسحاق. والرابع: أنها أمان لمن لم يكن له أمان ولا عهود، فأما أرباب العهد فهم على عهودهم قاله ابن السائب. ويؤكده أن عليا ﵇ نادى يومئذ: «ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد، فعهده إلى مدته». وقوله: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ قال الحسن: يعني الأشهر التي قيل لهم فيها: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. وعلى هذا البيان فلا نسخ أصلا. وقد قال بعض المفسرين: المراد بالأشهر الحرم: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وهذا كلام غير محقق؛ لأن المشركين إنما قيل لهم: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ في ذي الحجة، فمن ليس له عهد يجوز قتله بعد المحرم، ومن له عهد فمدته آخر عهده فليس لذكر رجب هاهنا معنى. ذكر الآية الثانية : قوله تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥] قد ذكروا في هذه الآية ثلاثة أقوال: الأول: أن حكم الأسارى كان وجوب قتلهم ثم نسخ بقوله: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً [محمّد: ٤] قاله الحسن، وعطاء والضحاك في آخرين، وهذا يرده قوله: وَخُذُوهُمْ [التوبة: ٥] والمعنى ائسروهم. والثاني: بالعكس فإنه كان الحكم في الأسارى، أنه لا يجوز قتلهم صبرا، وإنما يجوز المن أو الفداء، بقوله: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً ثم نسخ ذلك بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ. قاله مجاهد وقتادة. والثالث: أن الآيتين محكمتان، لأن قوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ أمر بالقتل وقوله: وَخُذُوهُمْ أي: ائسروهم، فإذا حصل الأسير في يد الإمام فهو مخير إن شاء من عليه وإن شاء فاداه، وإن شاء قتله صبرا، أي ذلك رأى فيه المصلحة

стр. 151

للمسلمين فعل، هذا قول جابر بن زيد، وعليه عامة الفقهاء. وقد ذكر بعض من لا فهم له من ناقلي التفسير أن هذه الآية وهي آية السيف نسخت من القرآن مائة وأربعا وعشرين آية ثم صار آخرها ناسخا لأولها، وهو قوله: فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة: ٥] وهذا سوء فهم لأن المعنى: اقتلوهم وأسروهم إلا أن يتوبوا من شركهم، ويقروا بالصلاة والزكاة فخلوا سبيلهم ولا تقتلوهم. ذكر الآية الثالثة : قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ [التوبة: ٧]، في المشار إليهم بهذه المعاهدة ثلاثة أقوال: الأول: أنهم بنو ضمرة. والثاني: قريش. روي القولان عن ابن عباس ﵄. وقال قتادة: هم مشركو قريش الذين عاهدهم نبي الله زمن الحديبية فنكثوا وظاهروا المشركين. والثالث: أنهم خزاعة؛ دخلوا في عهد رسول الله ﷺ لما عاهد المشركين يوم الحديبية. وهذا قول مجاهد وقوله: فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ أي: ما أقاموا على الوفاء بعهدهم فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ قال بعض المفسرين: ثم نسخ هذا بآية السيف. ذكر الآية الرابعة : قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة: ٣٤] اختلف في هذه الآية على ثلاثة أقوال: الأول: أنها عامة في أهل الكتاب والمسلمين، قاله أبو ذر والضحاك. والثاني: أنها خاصة في أهل الكتاب، قاله معاوية بن أبي سفيان (١). والثالث: أنها في المسلمين، قاله ابن عباس والسدي، وفي المراد بالإنفاق هاهنا قولان: الأول: إخراج الزكاة، وهذا مذهب الجمهور، والآية على هذا محكمة. [١٦٤] (٢) - أخبرنا عبد الأول بن عيسى قال: ابنا محمد بن عبد العزيز

стр. 152

الفارسي، قال: ابنا عبد الرحمن بن أبي جريج، قال: ابنا عبد الله بن محمّد البغوي، قال: بنا العلاء بن موسى الباهلي، قال: ابنا الليث بن سعد، عن نافع، أن عبد الله بن عمر، قال: «ما كان من مال تؤدى زكاته، فإنه الكنز الذي ذكره الله في كتابه». والثاني: أن المراد بالإنفاق إخراج ما فضل عن الحاجة، وقد زعم بعض نقلة التفسير: أنه كان يجب عليهم إخراج ذلك في أول الإسلام، ثم نسخ بالزكاة، وفي هذا القول بعد. [١٦٥] (١) - وقد أخبرنا المبارك بن علي، قال: ابنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: ابنا إبراهيم بن عمر البرمكي، قال: ابنا محمّد بن إسماعيل بن العباس، قال: ابنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا عبد الله بن سعيد، قال: ابنا أبو أسامة، عن عمر بن راشد، أو غيره أن عمر بن عبد العزيز وعراك بن مالك قالا في هذه الآية وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ نسختها الآية الأخرى خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً [التوبة: ١٠٣]. ذكر الآية الخامسة : قوله تعالى: إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً [التوبة: ٣٩]. [١٦٦]- أخبرنا ابن ناصر، قال: ابنا علي بن أيوب، قال: ابنا بن شاذان، قال: ابنا أبو بكر النجاد، قال: ابنا أبو داود السجستاني، قال: بنا أحمد من محمّد قال: بنا علي بن الحسين، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً نسختها وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً [التوبة: ١٢٢]. وقد روي مثل هذا عن الحسن وعكرمة، وهذا ليس بصحيح، لأنه لا تنافي بين الآيتين، وإنما حكم كل آية قائم في موضعها فإن قلنا: إِلَّا تَنْفِرُوا أريد به

стр. 153

غزوة تبوك فإنه كان قد فرض على الناس كافة النفير مع رسول الله ﷺ ، ولهذا عاتب المخلّفين وجرت قصة الثلاثة الذين خلّفوا. وإن قلنا: إن الذين استنفروا حيّ من العرب معروف كما ذكرنا في التفسير عن ابن عباس، فإنه قال: استنفر رسول الله ﷺ حيا من أحياء العرب فتثاقلوا عنه، وأمسك عنهم المطر فكان عذابهم، فإن أولئك وجب عليهم النفير حين استنفروا. وقد ذهب إلى إحكام الآيتين ومنع النسخ جماعة منهم ابن جرير، وأبو سليمان الدمشقي، وحكى القاضي أبو يعلى عن بعض العلماء أنهم قالوا: ليس هاهنا نسخ، ومتى لم يقاوم أهل الثغور العدو ففرض على الناس النفير إليهم، ومتى استغنوا عن إعانة من وراءهم، عذر القاعدون عنهم (١). ذكر الآية السادسة : قوله تعالى: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا [التوبة: ٤١]. [١٦٧] (٢) - أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله، قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد، قال: ابنا عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: بنا حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس ﵄ قال: في براءة: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وقال: إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً [التوبة: ٣٩] فنسخ هؤلاء الآيات، وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً [التوبة: ١٢٢]. وقال السدي: نسخت بقوله: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى [التوبة: ٩١]. واعلم: أنه متى حملت هذه الآية على ما حملنا عليه التي قبلها لم يتوجه نسخ. ذكر الآية السابعة : قوله تعالى: لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ. [١٦٨] (٣) - أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: بنا عمر بن عبيد الله، قال: بنا ابن بشران، قال: بنا إسحاق بن أحمد، قال بنا عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني

стр. 154

أبي، قال: بنا حجاج، عن ابن جريح، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس ﵄ لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة: ٤٤] نسختها إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ [النور: ٦٢]. [١٦٩]- أخبرنا ابن ناصر، قال: ابنا ابن أيوب، قال: ابنا ابن شاذان، قال: ابنا أبو بكر النجاد، قال: ابنا أبو داود السجستاني، قال: بنا محمّد بن أحمد، قال: بنا علي بن الحسين، عن أبيه، عن أبي يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ نسختها: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. قلت: فالصحيح أنه ليس للنسخ هاهنا مدخل، لإمكان العمل بالآيتين، وذلك أنه إنما عاب على المنافقين أن يستأذنوه في القعود عن الجهاد من غير عذر، وأجاز للمؤمنين الاستئذان لما يعرض لهم من حاجة وكان المنافقون إذا كانوا معه، فعرضت لهم حاجة، ذهبوا من غير استئذانه، وإلى نحو هذا ذهب أبو جعفر بن جرير، وأبو سليمان الدمشقي. ذكر الآية الثامنة : قوله تعالى: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ [التوبة: ٨٠]. لفظ هذه الآية لفظ الأمر وليس كذلك، وإنما المعنى: إن استغفرت لهم، وإن لم تستغفر لهم لا يغفر الله لهم، فهو كقوله تعالى: أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً [التوبة: ٥٣] فعلى هذا الآية محكمة، هذا قول المحققين. وقد ذهب قوم إلى أن ظاهر اللفظ يعطي أنه إن زاد على السبعين رجى لهم الغفران، ثم نسخت بقوله: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [المنافقون: ٦] فروى الضحاك عن ابن عباس ﵄ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ [التوبة: ٨٠] نسخت بقوله: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ. [١٧٠] (١) - أخبرنا عبد الوهاب الحافظ، قال: ابنا أبو طاهر الباقلاوي قال: ابنا أبو علي بن شاذان قال: ابنا عبد الرحمن بن الحسن، قال: بنا إبراهيم بن

стр. 155

الحسين، قال: بنا آدم، قال: بنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: لما نزلت إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة: ٨٠]، قال: رسول الله ﷺ : «سأزيدن على سبعين مرة» فأنزل الله تعالى في سورة المنافقين فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ عزما. وقد حكى أبو جعفر النحاس؛ أن بعض العلماء قال: فنسخت بقوله: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً [التوبة: ٨٤]. قلت: والصحيح إحكام الآية على ما سبق. ذكر الآية التاسعة : قوله تعالى: ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ [التوبة: ١٢٠]. قد ذهب طائفة من المفسرين إلى أن هذه الآية اقتضت أنه لا يجوز لأحد أن يتخلف عن رسول الله ﷺ ، وهذا كان في أول الأمر ثم نسخ ذلك بقوله: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً [التوبة: ١٢٢]. قال أبو سليمان الدمشقي: لكل آية وجهها وليس للنسخ على إحدى الآيتين طريق، وهذا هو الصحيح على ما بينا في الآية الخامسة (١). ... الباب السابع عشر باب ذكر الآيات اللواتي ادّعي عليهنّ النّسخ في سورة يونس ﵇ ذكر الآية الأولى : قوله تعالى: إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [يونس: ١٥]. الكلام في هذه كالكلام في نظيرتها في الأنعام، وقد تكلمنا عليها هناك، ومقصود الآيتين تهديد المخالف، وأضيف إلى الرسول ليصعب الأمر فيه، وليس هاهنا نسخ، ويقوي ما قلنا؛ أن المراد بالمعصية هاهنا تبديل القرآن، والتقول على الله تعالى، وموافقة المشركين على ما هم عليه، وهذا لا يدخل في قوله:

стр. 156

لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ [الفتح: ٢] كيف وقد قال : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ [الحاقة: ٤٤]. وقال: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥] وقال: إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ [الإسراء: ٧٥] وإنما هذا وأمثاله في بيان آثار المعاصي وليس من ضرورة ما علق بشرط أن يقع. ذكر الآية الثانية : قوله تعالى: وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ [يونس: ٤١]. روى أبو صالح عن ابن عباس ﵄ قال: نسختها آية السيف، وهذا بعيد من ثلاثة أوجه: الأول: أنه لا يصح عن ابن عباس. والثاني: أنه ليس بين الآيتين تناف، والمنسوخ لا يصح اجتماعه مع الناسخ. والثالث: أنه لا يصح أن يدعي نسخ هذه الآية، بل إن قيل مفهومها منسوخ عندهم، فقل لي عملي، واقتصر على ذلك ولا تقاتلهم، وليس الأمر كذلك إنما معنى الآية: لي جزاء عملي، فإن كنت كاذبا فوباله عليّ، ولكم جزاء عملكم في تكذيبكم لي، وفائدة هذا لا يمنع من قتالهم وهو أقرب إلى ما يفهم منها فلا وجه للنسخ. ذكر الآية الثالثة : قوله تعالى: وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ [يونس: ٤٦]. زعم بعضهم: أنها منسوخة بآية السيف، فكأنه ظن أن معناها: اترك قتالهم، فربما رأيت بعض الذي نعدهم، وليس هذا شيء. ذكر الآية الرابعة : قوله تعالى: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس: ٩٩]. زعم قوم منهم مقاتل بن سليمان أنها منسوخة بآية السيف، والصحيح أنها محكمة وبيان ذلك أن الإيمان لا يصح مع الإكراه، لأنه من أعمال القلب، وإنما يتصور الإكراه على النطق لا على العقل (١). ذكر الآية الخامسة : قوله تعالى: فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ [يونس: ١٠٨].

стр. 157

روى أبو صالح عن ابن عباس ﵄ قال: هذه الآية منسوخة بآية القتال، وهذا لا يصح عن ابن عباس، وقد بينّا أنه لا يتوجه النسخ في مثل هذه الأشياء، لأن معنى الآية: ما أنا بوكيل في منعكم من اعتقاد الباطل، وحافظ لكم من الهلاك إذا لم تعملوا أنتم لأنفسكم ما يخلصها. ذكر الآية السادسة : قوله تعالى: وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ [يونس: ١٠٩]. روى أبو صالح، عن ابن عباس ﵄ قال: هذه منسوخة بآية القتال. وهذا لا يثبت عن ابن عباس، ثم إن الأمر بالصبر هاهنا مذكور إلى غاية، وما بعد الغاية يخالف ما قبلها، وقد شرحنا هذا المعنى في البقرة عند قوله: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [البقرة: ١٠٩] فلا وجه للنسخ في شيء من هذه الآيات (١). الباب الثامن عشر باب ذكر الآيات اللواتي ادّعي عليهنّ النّسخ في سورة هود ذكر الآية الأولى : قوله تعالى: إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [هود: ١٢]. قال بعض المفسرين: معنى هذه الآية اقتصر على إنذارهم من غير قتال، ثم نسخ ذلك بآية السيف. والتحقيق أن يقال: إنها محكمة، لأن المحققين قالوا: معناها: إنما عليك أن تنذرهم بالوحي لا أن تأتيهم بمقترحهم من الآيات، والوكيل: الشهيد (٢). ذكر الآية الثانية : قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها [هود: ١٥]. زعم قوم منهم مقاتل بن سليمان أن هذه الآية اقتضت أن من أراد الدنيا بعمله أعطي فيها ثواب عمله من الرزق والخير، ثم نسخ ذلك بقوله: عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [الإسراء: ١٨].

стр. 158

وهذا القول ليس بصحيح، لأن الآيتين خبر، وهذه الآية نظير قوله في آل عمران: وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها [آل عمران: ١٤٦] وقد شرحناها هناك (١). ذكر الآية الثالثة والرابعة : قوله تعالى: وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ [هود: ١٢١، ١٢٢]. قال بعض المفسرين: هاتان الآيتان اقتضتا تركهم على أعمالهم، والاقتناع بإنذارهم، ثم نسختا بآية السيف. وقال المحققون: هذا تهديد ووعيد، معناه: اعملوا ما أنتم عاملون فستعلمون عاقبة أمركم، وانتظروا ما يعدكم الشيطان، إنا منتظرون ما يعدنا ربنا. وهذا لا ينافي قتالهم، فلا وجه للنسخ. ... الباب التاسع عشر باب ذكر الآيات اللواتي ادّعي عليهنّ النّسخ في سورة الرعد ذكر الآية الأولى : قوله تعالى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ [الرعد: ٦]. قد توهم بعض المفسرين أن هذه الآية منسوخة، لأنه قال: المراد بالظلم هاهنا الشرك، ثم نسخت بقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء: ٤٨]. وهذا التوهم فاسد، لأن الظلم عام، وتخصيصه بالشرك هاهنا يحتاج إلى دليل، ثم إن كان المراد به الشرك فلا يخلو الكلام من أمرين: إما أن يراد التجاوز عن تعجيل عقابهم في الدنيا، أو الغفران لهم إذا رجعوا عنه، وليس في الآية ما يدل على أنه يغفر للمشركين إذا ماتوا على الشرك. ذكر الآية الثانية : قوله تعالى: فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ [الرعد: ٤٠].

стр. 159

روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ أن قوله: فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ نسخ بآية السيف وفرض الجهاد، وكذلك قال قتادة: وعلى ما سبق تحقيقه في مواضع من أنه ليس عليك أن تأتيهم بما يقترحون من الآيات إنما عليك أن تبلغ، تكون محكمة ولا يكون بينها وبين آية السيف منافاة. الباب العشرون باب ذكر الآيات اللواتي ادّعي عليهن النسخ في سورة الحجر ذكر الآية الأولى : قوله تعالى: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الحجر: ٣]. قد زعم كثير من المفسرين: أنها منسوخة بآية السيف والتحقيق أنها وعيد وتهديد، وذلك لا ينافي قتالهم فلا وجه للنسخ. ذكر الآية الثانية : قوله تعالى: فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ [الحجر: ٨٥]. [١٧١]- أخبرنا المبارك بن علي، قال: ابنا أحمد بن الحسين بن قريش قال: ابنا البرمكي قال: ابنا محمّد بن إسماعيل بن العباس، قال: ابنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا عبد الله بن سعيد، قال: بنا عقبة، عن إسرائيل، عن جابر، عن مجاهد وعكرمة فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ قال: هذا قبل القتال. قال أبو بكر: وبنا موسى بن هارون، قال: ابنا الحسين، قال: بنا شيبان، عن قتادة فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ قال: نسخ هذا بعد، فقال: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [البقرة: ١٩١]. ذكر الآية الثالثة : قوله تعالى: لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ [الحجر: ٨٨]. قد زعم قوم أن هذا كان قبل أن يؤمر بقتالهم ثم نسخ بآية السيف، وهذا ليس بشيء؛ لأن المعنى: لا تحزن عليهم إن لم يؤمنوا، وقيل: لا تحزن بما أنعمت عليهم في الدنيا، ولا وجه لنسخ، وكذلك قال أبو الوفاء بن عقيل: قد

стр. 160

ذهب بعضهم إلى أن هذه الآية منسوخة بآية السيف؛ وليس بصحيح. ذكر الآية الرابعة : قوله تعالى: وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [الحجر: ٨٩]. زعم بعضهم أن معناها نسخ بآية السيف، لأن المعنى عنده اقتصر على الإنذار، وهذا خيال فاسد، لأنه ليس في الآية ما يتضمن هذا، ثم هي خبر فلا وجه للنسخ. ذكر الآية الخامسة : قوله تعالى: وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر: ٩٤]. [١٧٢]- أخبرنا ابن ناصر، قال: ابنا ابن أيوب، قال: ابنا بن شاذان، قال: ابنا أبو بكر النجاد، قال: أبو داود السجستاني، قال: ابنا أحمد بن محمّد، قال: حدّثت عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ قال: نسختها: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥]. [١٧٣]- أخبرنا المبارك بن علي، قال: بنا أحمد بن الحسين، قال: ابنا البرمكي، قال: ابنا محمّد بن إسماعيل، قال: ابنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا محمّد بن سعد، قال: حدّثني أبي عن الحسين بن الحسن بن عطية، عن أبيه، عن عطية، عن ابن عباس ﵄ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، قال: هذا من المنسوخ. ... الباب الحادي والعشرون باب ذكر الآيات اللواتي ادّعي عليهن النسخ في سورة النحل ذكر الآية الأولى : قوله تعالى: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً [النحل: ٦٧]. اختلف المفسرون بالمراد بالسكر على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه الخمر: قاله ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس ﵃.

стр. 161

[١٧٤] (١) - أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا أبو الفضل البقال، قال: ابنا أبو الحسن بن بشران، قال: ابنا إسحاق الكاذي، قال: بنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس ﵄ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً قال: النبيذ فنسختها: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ [المائدة: ٩٠] الآية. [١٧٥] (٢) - أخبرنا ابن ناصر، قال: ابنا ابن أيوب، قال: ابنا ابن شاذان، قال: ابنا أبو بكر النجاد، قال: بنا أبو داود السجستاني، قال: بنا حفص بن عمر، قال: بنا شعبة عن مغيرة عن إبراهيم، والشعبي، وأبي رزين أنهم قالوا: تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً قالوا هذه منسوخة. [١٧٦]- أخبرنا المبارك بن علي، قال: ابنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: ابنا إبراهيم بن عمر، قال: ابنا محمّد بن إسماعيل بن العباس، قال: بنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا عبد الله بن الصباح، قال: بنا أبو علي الحنفي، قال: بنا إسرائيل، عن أبي الهيثم، عن سعيد بن جبير في قوله: تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً، قال: الخمر. [١٧٧]- أخبرنا عبد الوهاب الحافظ، قال: ابنا أبو طاهر الباقلاوي، قال: ابنا أبو علي بن شاذان، قال: ابنا عبد الرحمن بن الحسن قال: بنا إبراهيم بن الحسين قال: بنا آدم، قال بنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً قال: السكر: الخمر قبل تحريمها. وهذا قول الحسن وابن أبي ليلى والزجاج، وابن قتيبة، ومذهب أهل هذا القول أن هذه الآية نزلت إذ كانت الخمر مباحة ثم نسخت بقوله: فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة: ٩٠]. ومن صرح بأنها منسوخة سعيد بن جبير، ومجاهد، والشعبي، وقتادة، والنخعي، ويمكن أن يقال على هذا القول ليست بمنسوخة، ويكون المعنى: أنه خلق لكم هذه الثمار لتنتفعوا بها على وجه مباح، فاتخذتم أنتم منها ما هو محرّم عليكم، ويؤكّد هذا أنها خبر والأخبار لا تنسخ، وقد ذكر نحو هذا المعنى الذي ذكرته أبو الوفاء بن عقيل فإنه قال: ليس في الآية ما يقتضي إباحة السّكر، إنما هي معاتبة وتوبيخ. والقول الثاني: أن السّكر الخل بلغة الحبشة، روي عن ابن عباس ﵄.

стр. 162

[١٧٨]- وأخبرنا المبارك بن علي، قال: ابنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: ابنا إبراهيم بن عمر، قال: ابنا محمّد بن إسماعيل، قال: بنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا محمّد بن سعد، قال: حدّثني أبي، عن الحسين بن الحسن بن عطية، عن أبيه، عن عطية- قال: قال ابن عمر: إن الحبشة يسمّون الخل السّكر. وقال الضحاك: هو الخل بلسان اليمن. والثالث: أن السّكر الطعم يقال هذا له سكر أي طعم وأنشدوا: جعلت عنب الأكرمين سكرا. قاله: أبو عبيدة، فعلى هذين القولين الآية محكمة. ذكر الآية الثانية : قوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النحل: ٨٢]. قال كثير من المفسرين: إنها منسوخة بآية السيف، وقد بينا في نظائرها أنه لا حاجة بنا إلى ادعاء النسخ في مثل هذه. ذكر الآية الثالثة : قوله تعالى: وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥]. اختلف المفسرون في هذه الآية على أربعة أقوال: الأول: أن المعنى جادلهم بالقرآن. والثاني: بلا إله إلا الله، والقولان عن ابن عباس ﵄. والثالث: أعرض عن أذاهم إياك. [١٧٩]- أخبرنا عبد الوهاب الأنماطي قال: ابنا أبو طاهر، قال: ابنا ابن شاذان، قال: ابنا عبد الرحمن بن الحسن، قال: ابنا إبراهيم الحسين، قال: ابنا آدم، قال: بنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ قال: يقول أعرض عن أذاهم إياك. والرابع: جادلهم غير فظ ولا غليظ وألن لهم جانبك، قاله الزجاج. وقد ذهب كثير من المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة بآية السيف وفيه بعد، لأن المجادلة لا تنافي القتال، ولم يقل له، اقتصر على جدالهم، فيكون المعنى جادلهم فإن أبوا فالسيف فلا يتوجه نسخ (١).

стр. 163

ذكر الآية الرابعة : قوله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل: ١٢٦]. للمفسرين في هذه الآية قولان: الأول [أنها منسوخة]: أنها نزلت قبل براءة، فأمر رسول الله ﷺ ، أن يقاتل من قاتله، ولا يبدأ بالقتال، ثم نسخ ذلك وأمر بالجهاد؛ قاله ابن عباس والضحاك. [١٨٠]- أخبرنا عبد الوهاب، قال: ابنا أبو الفضل بن خيرون، وأبو طاهر الباقلاوي، قالا: ابنا أبو علي بن شاذان، قال: ابنا أحمد بن كامل، قال: حدّثني محمّد بن سعد، قال: حدّثني عمي، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس ﵄ وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ فقال: أمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يقاتل من قاتله، ثم نزلت براءة، فهذا من المنسوخ، فعلى هذا القول، يكون المعنى: ولئن صبرتم عن القتال، ثم نسخ هذا بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ. والثاني: أنها محكمة ، وأنها نزلت: فيمن ظلم ظلامة فلا يحل له أن ينال من ظالمه أكثر مما نال الظلم منه. قاله الشعبي، والنخعي وابن سيرين، والثوري. [١٨١]- أخبرنا عبد الوهاب، قال: ابنا أبو طاهر، قال: ابنا ابن شاذان، قال: ابنا عبد الرحمن بن الحسن، قال: ابنا إبراهيم بن الحسين، قال: بنا آدم قال: بنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ يقول: لا تعتدوا. يعني: محمّدا وأصحابه، وعلى هذا القول يكون المعنى ولئن صبرتم على المثلة لا عن القتال. وهذا أصح من القول الأول. ذكر الآية الخامسة : قوله تعالى: وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ [النحل: ١٢٧]. هذه الآية متعلقة بالتي قبلها فحكمها حكمها، وقد زعم بعض المفسرين أن الصبر هاهنا منسوخ بآية السيف. ***

стр. 164

الباب الثاني والعشرون باب ذكر الآيات اللواتي ادّعي عليهن النسخ في سورة بني إسرائيل (١) ذكر الآية الأولى : قوله تعالى: وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما [الإسراء: ٢٤]. قد ذهب بعض المفسرين إلى أن هذا الدعاء المطلق نسخ منه الدعاء للوالدين المشركين، وروي نحو هذا عن ابن عباس ﵄ والحسن وعكرمة ومقاتل. [١٨٢] (٢) - أخبرنا المبارك بن علي، قال: ابنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: ابنا أبو إسحاق البرمكي، قال: ابنا محمّد بن إسماعيل بن العباس، قال: ابنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا محمّد بن قهزاد قال: حدّثني علي بن الحسين بن واقد، قال: حدّثني أبي، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ في قوله: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ [الإسراء: ٢٣] إلى قوله: كَما رَبَّيانِي صَغِيراً [الإسراء: ٢٣، ٢٤] نسختها ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [التوبة: ١١٣]. قال أبو بكر: وبنا محمّد بن سعد قال: حدّثني أبي، عن الحسين بن الحسن بن عطية، عن عطية، عن ابن عباس ﵄: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ إلى قوله: صَغِيراً فنسخها ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ. قال: أبو بكر: وبنا أحمد بن يحيى بن مالك، قال: بنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة نحوه. [١٨٣]- أخبرنا ابن ناصر، قال: ابنا ابن أيوب، قال: ابنا ابن شاذان، قال: ابنا أبو بكر النجاد، قال: ابنا أبو داود السجستاني، قال: ابنا أحمد بن محمّد، قال: بنا عبد الله بن عثمان، عن عيسى بن عبيد الله، عن عبيد الله مولى عمر،

стр. 165

عن الضحاك وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما نسخ منها بالآية التي في براءة، ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [التوبة: ١١٣]. قلت: وهذا ليس بنسخ عند الفقهاء، إنما هو عام دخله التخصيص وإلى نحو ما قلته ذهب ابن جرير الطبري (١). ذكر الآية الثانية : قوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا [الإسراء: ٥٤]. للمفسرين في معنى الوكيل ثلاثة أقوال: الأول: كفيلا تؤخذ بهم قاله ابن عباس ﵄. والثاني: حافظا وربا، قاله الفراء. والثالث: كفيلا بهدايتهم وقادرا على إصلاح قلوبهم، ذكره ابن الأنباري. وعلى هذه الآية محكمة، وقد زعم بعضهم: أنها منسوخة بآية السيف، وليس بصحيح، وقد تكلمنا على نظائرها فيما سبق. ذكر الآية الثالثة : قوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الإسراء: ٣٤]. قد زعم من قل فهمه، من نقلة التفسير أن هذه الآية لما نزلت امتنع الناس من مخالطة اليتامى فنزلت: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ [البقرة: ٢٢٠]. وهذا يدل على جهل قائله بالتفسير ومعاني القرآن؛ أيراه يجوز قرب مال اليتيم بغير التي هي أحسن حتى يتصور نسخ؟! وإنما المنقول عن ابن عباس ﵄ وغيره من المفسرين أنهم كانوا يخلطون طعامهم بطعام اليتامى، فلما نزلت هذه الآية عزلوا طعامهم عن طعامهم، وكان يفضل الشيء فيفسد، فنزل قوله: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ [البقرة: ٢٢٠] فأما أن يدّعى نسخ فكلا (٢) ... ذكر الآية الرابعة : قوله تعالى: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها [الإسراء: ١١٠]. روى الضحاك عن ابن عباس ﵄ أنه قال: نسخت هذه الآية بقوله: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ [الأعراف: ٢٠٥].

стр. 166

وقال ابن السائب: نسخت بقوله: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [الحجر: ٩٤]. وهذا القول ليس بصحيح وليس بين الآيات تناف ولا وجه للنسخ. وبيان هذا؛ أن المفسرين اختلفوا في المراد بقوله: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ فقال قوم: هي الصلاة الشرعية لا تجهر بقراءتك فيها ولا تخافت بها. وقال آخرون: الصلاة الدعاء، فأمر التوسط في رفع الصوت، وذلك لا ينافي التضرع. ... فأما سورة الكهف: فليس فيها منسوخ إلا أن السدي يزعم: أن قوله تعالى: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: ٢٩]، قال: وهذا تخيير نسخ بقوله: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [الإنسان: ٣٠] وهذا تخليط في الكلام، وإنما هو وعيد وتهديد، وليس بأمر، كذلك قال الزجاج وغيره ولا وجه للنسخ. ... الباب الثالث والعشرون باب ذكر الآيات اللواتي ادّعي عليهنّ النسخ في سورة مريم ذكر الآية الأولى : قوله تعالى: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ [مريم: ٣٩]. زعم بعض المغفلين من ناقلي التفسير، أن الإنذار منسوخ بآية السيف وهذا تلاعب من هؤلاء بالقرآن، ومن أين يقع التنافي بين إنذارهم القيامة، وبين قتالهم في الدنيا؟ ذكر الآية الثانية : قوله تعالى: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم: ٥٩]. زعم بعض الجهلة أنه منسوخ بالاستثناء بعده، وقد بينا أن الاستثناء ليس بنسخ. ذكر الآية الثالثة : قوله تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [مريم: ٧١]. زعم ذلك الجاهل أنها نسخت بقوله: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا [مريم: ٧٢] وهذا من أفحش الإقدام على الكلام في كتاب الله سبحانه بالجهل. وهل بين الآيتين

стр. 167

تناف؟ فإن الأولى تثبت أن الكل يردونها، والثانية تثبت أنه ينجو منهم من اتّقى، ثم هما خبران والأخبار لا تنسخ. ذكر الآية الرابعة : قوله تعالى: قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا [مريم: ٧٥]. وزعم ذلك الجاهل أنها منسوخة بآية السيف، وهذا باطل. قال الزجاج: هذه الآية لفظها لفظ أمر، ومعناها الخبر، والمعنى: إن الله تعالى جعل جزاء ضلالته أن يتركه فيها، وعلى هذا لا وجه للنسخ. ذكر الآية الخامسة : قوله تعالى: فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا [مريم: ٨٤]. زعم بعض المفسرين وأنها منسوخة بآية السيف. وهذا ليس بصحيح، لأنه إن كان المعنى لا تعجل بطلب عذابهم الذي يكون في الآخرة، فإن المعنى أن أعمارهم سريعة الفناء، فلا وجه للنسخ. وإن كان المعنى؛ لا تعجل بطلب قتالهم، فإن هذه السورة نزلت بمكة ولم يؤمر حينئذ بالقتال، فنهيه عن الاستعجال بطلب القتال واقع في موضعه، ثم أمره بقتالهم بعد الهجرة لا ينافي النهي عن طلب القتال بمكة، فكيف يتوجه النسخ؟ فسبحان من قدّر وجود قوم جهال يتلاعبون بالكلام في القرآن، يدّعون نسخ ما ليس بمنسوخ، وكل ذلك من سوء الفهم، نعوذ بالله منه. ... الباب الرابع والعشرون باب ذكر الآيات اللواتي ادّعي عليهن النسخ في سورة طه ذكر الآية الأولى : قوله تعالى: فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ [طه: ١٣٠]. قال جماعة من المفسرين، معناها: فاصبر على ما تسمع من أذاهم، ثم نسخت بآية السيف (١).

стр. 168

ذكر الآية الثانية : قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا [طه: ١٣٥]. قالوا: هي منسوخة بآية السيف. وقد ذكروا في سورة الأنبياء ما لا يحسن ذكره مما ادعوا فيه النسخ فأضربنا عنه. ... الباب الخامس والعشرون باب ذكر الآيات اللواتي ادّعي عليهن النسخ في سورة الحج ذكر الآية الأولى : قوله تعالى: وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ [الحج: ٦٨]. اختلفوا في هذه الآية على قولين: الأول: أنها نزلت قبل الأمر بالقتال ثم نسخت بآية السيف. والثاني: أنها نزلت في حق المنافقين؛ كانت تظهر منهم فلتات ثم يجادلون عليها، فأمر أن يكل أمورهم إلى الله تعالى، فالآية على هذا محكمة (١). ذكر الآية الثانية : قوله تعالى: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ [الحج: ٧٨] فيها قولان: القول الأول: أنها منسوخة ، لأن فعل ما فيه وفاء لحق الله لا يتصور من أحد، واختلف هؤلاء في ناسخها على قولين: الأول: أنه قوله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [البقرة: ٢٨٦]. والثاني: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦]. والقول الثاني: أنها محكمة ، لأن حق الجهاد الجد في المجاهدة وبذل الإمكان مع صحة القصد فعلى هذا هي محكمة، ويوضحه أن الله تعالى لم يأمر بما لا يتصور، فبان أن قوله: مَا اسْتَطَعْتُمْ تفسير لحق الجهاد فلا يصح نسخ، كما بينا في قوله تعالى في آل عمران: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [آل عمران: ١٠٢]. ...

стр. 169

الباب السادس والعشرون باب ذكر الآيات اللواتي ادّعي عليهن النسخ في سورة المؤمنون ذكر الآية الأولى : قوله تعالى: فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ [المؤمنون: ٥٤] أي: في عمايتهم وحيرتهم إلى أن يأتيهم ما وعدوا به من العذاب. واختلفوا: هل هذه منسوخة أم لا، على قولين: الأول: أنها منسوخة بآية السيف لأنها اقتضت ترك الكفار على ما هم عليه. والثاني [أنها محكمة]: أن معناها الوعيد والتهديد، فهي محكمة. ذكر الآية الثانية : قوله تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ [المؤمنون: ٩٦]. للمفسرين في معناها هذه أربعة أقوال: الأول: ادفع إساءة المسيء بالصفح، قاله الحسن. والثاني: ادفع الفحش بالإسلام، قاله عطاء والضحاك. والثالث: ادفع الشرك بالتوحيد، قاله ابن السائب. والرابع: ادفع المنكر بالموعظة، حكاه الماوردي. وقد ذكر بعض المفسرين أن هذه الآية منسوخة، وقال بعض المحققين من العلماء: لا حاجة بنا إلى القول بالنسخ؛ لأن المداراة محمودة ما لم تضر بالدين، ولم تؤد إلى إبطال حق وإثبات باطل (١). ... الباب السابع والعشرون باب ذكر الآيات اللواتي ادّعي عليهن النسخ في سورة النور ذكر الآية الأولى : قوله تعالى: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ [النور: ٣].

стр. 170

قال عكرمة: هذه الآية في بغايا كنّ بمكة أصحاب رايات، وكان لا يدخل عليهن إلا زان من أهل القبلة أو مشرك، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن فنزلت هذه الآية. قال ابن جرير: فعلى هذا يكون المعنى: الزاني من المسلمين لا يتزوج امرأة من أولئك البغايا إلا زانية أو مشركة، لأنهن كذلك، والزانية من أولئك البغايا لا ينكحها إلا زان أو مشرك. [١٨٤] (١) - أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: بنا عمر بن عبيد الله البقال، قال: بنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد، قال: بنا عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: بنا هشيم؛ وابنا ابن ناصر، قال: ابنا ابن أيوب، قال: ابنا ابن شاذان، قال بنا أبو بكر النجاد، قال: بنا أبو داود السجستاني، قال: بنا وهب بن بقية، عن هيثم، قال: ابنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب في قوله: وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ قال: نسختها الآية التي بعدها وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ [النور: ٣٢]. قال الشافعي: القول كما قال ابن المسيب إن شاء الله. ذكر الآية الثانية : قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ [النور: ٤]. زعم من لا فهم له، من ناقلي التفسير، أنها نسخت بالاستثناء بعدها، وهو قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا [النور: ٥] وقد بينا في مواضع أن الاستثناء لا يكون ناسخا. ذكر الآية الثالثة : قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ الآية [النور: ٢٧]. ذهب بعض المفسرين إلى أنه نسخ من حكم هذا النهي العام حكم البيوت التي ليس لها أهل يستأذنون، بقوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ [النور: ٢٩]. [١٨٥]- أخبرنا المبارك بن علي، قال: ابنا أحمد بن الحسين بن قريش،

стр. 171

قال: ابنا إبراهيم بن عمر البرمكي، قال: ابنا محمّد بن إسماعيل قال: ابنا أبو بكر بن أبي داود، قال: ابنا محمّد بن قهزاد، قال: بنا علي بن الحسين بن واقد قال: حدّثني أبي، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا [النور: ٢٧] الآية. ثم نسخ واستثنى من ذلك: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ [النور: ٢٩]. وهذا مروي عن الحسن، وعكرمة، والضحاك، وليس هذا نسخ إنما هو تخصيص. والثاني: أن الآيتين محكمتان فالاستيذان شرط في الأولى إذا كان للدار أهل، والثانية وردت في بيوت لا ساكن لها والإذن لا يتصور من غير آذن، فإذا بطل الاستئذان لم يكن البيوت الخالية داخلة في الأولى، وهذا أصح. ذكر الآية الرابعة : قوله تعالى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها [النور: ٣١]. قال ابن مسعود ﵁: هو الرداء. وقد زعم قوم: أن هذا نسخ، بقوله: وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ [النور: ٦٠]. [١٨٦]- أخبرنا المبارك بن علي، قال: ابنا أحمد بن الحسين، قال: ابنا البرمكي، قال: ابنا محمّد بن إسماعيل، قال: بنا أبو بكر بن أبو داود، قال: بنا محمّد بن قهزاد قال: بنا علي بن الحسين بن واقد، قال: حدّثني أبي، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ إلى قوله: لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ [النور: ٣١] نسخ ذلك واستثنى من قوله: وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً. وكذلك قال الضحاك. وهذا ليس بصحيح؛ لأن الآية الأولى فيمن يخاف الافتتان بها، وهذه الآية في العجائز؛ فلا نسخ. ذكر الآية الخامسة : قوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ [النور: ٥٤]. زعم بعضهم: أنها منسوخة بآية السيف وليس هذا صحيحا، فإن الأمر بقتالهم لا ينافي أن يكون عليه ما حمل، وعليهم ما حملوا، ومتى لم يقع التنافي بين الناسخ والمنسوخ لم يكن نسخ.

стр. 172

ذكر الآية السادسة : قوله تعالى: لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [النور: ٥٨]. اختلفوا في هذه الآية، فذهب الأكثرون إلى أنها محكمة. [١٨٧] (١) - أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله، قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد، قال: ابنا عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: بنا عفان، قال: بنا أبو عوانة، قال: بنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: هذه الآية مما تهاون الناس به لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ قال: ليست منسوخة (٢). وهذا قول القاسم بن محمّد، وجابر بن زيد. [١٨٨]- فقد أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر، قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد، قال: بنا عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: بنا هاشم، قال: بنا شعبة، عن داود أبي هند، عن ابن المسيب، قال: هذه الآية منسوخة. وقد روي عنه أنه قال: هي منسوخة بقوله: وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا [النور: ٥٩] وهذا ليس بشيء، لأن معنى الآية: وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ أي: من الأحرار الحلم فليستأذنوا، أي: في جميع الأوقات في الدخول عليكم كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني كما استأذن الأحرار الكبار الذين بلغوا قبلهم، فالبالغ يستأذن في كل وقت، والطفل والمملوك يستأذن في العورات الثلاث (٣). ذكر الآية السابعة : قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ [النور: ٦١].

стр. 173

هذه الآية كلها محكمة، والحرج المرفوع عن أهل الضر مختلف فيه، فمن المفسرين من يقول، المعنى: ليس عليكم في مؤاكلتكم حرج، لأن القوم تحرجوا وقالوا: الأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب، والمريض لا يستوفي الطعام، فكيف نؤاكلهم؟ وبعضهم يقول: بل كانوا يضعون مفاتحهم إذا غزوا عند أهل الضر ويأمرونهم أن يأكلوا، فيتورع أولئك عن الأكل، فنزلت هذه الآية. وأما البيوت المذكورة فيباح للإنسان الأكل منها لجريان العادة ببذل أهلها الطعام لأهلها، وكل ذلك محكم، وقد زعم بعضهم أنها منسوخة بقوله: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ [البقرة: ١٨٨] وليس هذا بقول فقيه. الباب الثامن والعشرون باب ذكر الآيات اللواتي ادّعي عليهن النسخ في سورة الفرقان ذكر الآيات الأولى : قوله تعالى: أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا [الفرقان: ٤٣]. زعم الكلبي أنها منسوخة بآية السيف، وليس بصحيح، لأن المعنى: أفأنت تكون حفيظا عليه تحفظه من اتباع هواه؟ فليس للنسخ وجه (١). ذكر الآية الثانية : قوله تعالى: وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً [الفرقان: ٦٣]. قال الحسن في تفسيرها: لا يجهلون على أحد وإن جهل عليهم حلموا، وهذه الآية محكمة عند الجمهور، وقد زعم قوم: أن المراد بها أنهم يقولون للكفار، ليس بيننا وبينكم غير السلام، وليس المراد السلام الذي هو التحية، وإنما المراد بالسلام التسليم، أي: تسلما منكم ومتاركة لكم، كما يقول: براءة منك؛ أي: لا التبس بشيء من أمرك. ثم نسخت بآية السيف، وهذا باطل، لأن اسم الجاهل يعم المشرك وغيره، فإذا خاطبهم مشرك، قالوا: السداد والصواب في الرد عليه، وحسن المحاورة في الخطاب لا ينافي القتال، فلا وجه للنسخ.

стр. 174

ذكر الآية الثالثة : قوله تعالى: وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ إلى قوله: إِلَّا مَنْ تابَ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠] للعلماء فيها قولان: القول الأول: أنها منسوخة ، ولهؤلاء في ناسخها ثلاثة أقوال: الأول: أنه قوله: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ [النساء: ٩٣]، قاله ابن عباس ﵄. والأكثرون على خلافه في أن القتل لا يوجب الخلود. وقال أبو جعفر النحاس، من قال: إن قوله: وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الآيات نسخها قوله: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فمعناه نزل بنسختها والآيتان واحد، لأن هذا لا يقع فيه ناسخ ولا منسوخ، لأنه خبر. والثاني: قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء: ٤٨] الآية وهذا لا يصح، لأن الشرك لا يغفر إذا مات المشرك عليه. والثالث: أنه نسخت بالاستثناء في قوله: إِلَّا مَنْ تابَ وهذا باطل، لأن الاستثناء ليس بنسخ. والقول الثاني: أنها محكمة ، والخلود إنما كان لانضمام الشرك إلى القتل والزنا. ... الباب التاسع والعشرون باب ذكر ما ادّعي عليه النسخ في سورة الشعراء قوله تعالى: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ [الشعراء: ٢٢٤]. [١٨٩]- أخبرنا ابن ناصر، قال: ابنا ابن أيوب، قال: ابنا ابن شاذان، قال: ابنا أبو بكر النجاد، قال: ابنا أبو داود السجستاني، قال: بنا أحمد بن محمّد، قال: بنا علي بن الحسين، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ فنسخ من ذلك واستثنى، فقال: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً [الشعراء: ٢٢٧]. قلت: وقد بينا أن الاستثناء ليس بنسخ، ولا يعول على هذا، وإنما هذه الألفاظ من تغيير الرواة وإلا.

стр. 175

[١٩٠] (١) - فقد أخبرنا المبارك بن علي، قال: ابنا أحمد بن الحسين، قال: ابنا البرمكي، قال: ابنا محمّد بن إسماعيل، قال: ابنا أبو بكر بن داود، قال: بنا يعقوب بن سفيان، قال: بنا أبو صالح، قال: حدّثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ ثم استثنى المؤمنين فقال: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ. فهذا هو اللفظ الصحيح، عن ابن عباس ﵄ وإن هذا هو استثناء لا نسخ وإنما الرواة تنقل، بما تظنه المعنى فيخطئون. ... الباب الثلاثون باب ذكر ما ادّعي عليه النسخ في سورة النمل قوله تعالى: فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ [النمل: ٩٢]. روي علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ أن هذا منسوخ بآية السيف، وكذلك قال قتادة، وقد تكلمنا على جنس هذا وبينا أن الصحيح أنه ليس بمنسوخ. ... الباب الحادي والثلاثون باب ذكر ما ادّعي عليه النسخ في سورة القصص قوله تعالى: وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ [القصص: ٥٥]. اختلف المفسرون في المراد باللغو هاهنا، فقال: مجاهد: هو الأذى والسب، وقال الضحاك: الشرك، فعلى هذا يمكن ادعاء النسخ. وقوله: لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ قال المفسرون: لنا حلمنا ولكم سفهكم، وقال بعضهم: لنا ديننا ولكم دينكم.

стр. 176

وقوله: سَلامٌ عَلَيْكُمْ قال الزجاج: لم يريدوا التحية، وإنما أرادوا بيننا وبينكم المتاركة وهذا قبل أن يؤمر المسلمون بالقتال وقوله: لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ أي: لا نطلب مجاورتهم قال الأكثرون: فنسخت هذه الآية بآية السيف (١). ... الباب الثاني والثلاثون باب ذكر ما ادّعي عليه النسخ في سورة العنكبوت ذكر الآية الأولى : قوله تعالى: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت: ٤٦] اختلفوا فيها على قولين: القول الأول: أنها نسخت بقوله: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ إلى قوله: وَهُمْ صاغِرُونَ [التوبة: ٢٩] قاله قتادة وابن السائب. [١٩١] (٢) - أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله، قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد، قال: بنا عبد الله بن أحمد، قال: بنا أبي، وابنا المبارك بن علي، قال: ابنا أحمد بن الحسين، قال: ابنا البرمكي، قال: ابنا محمّد بن إسماعيل: قال: بنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا أحمد بن يحيى بن مالك، قال: بنا عبد الوهاب عن سعيد، وابنا ابن ناصر، قال: ابنا ابن أيوب، قال: ابنا ابن شاذان، قال: ابنا أبو بكر النجاد، قال: ابنا أبو داود السجستاني، قال: بنا أحمد بن محمّد، قال: بنا أبو رجاء، عن همام كلاهما عن قتادة، وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ ثم نسخ بقوله: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة: ٢٩] فلا مجادلة أشد من السيف. والقول الثاني: أنها ثابتة الحكم ، وهو مذهب جماعة منهم ابن زيد (٣). [١٩٢] (٤) - أخبرنا المبارك بن علي، قال: ابنا أحمد بن الحسين، قال: ابنا

стр. 177

البرمكي، قال: ابنا محمّد بن إسماعيل، قال: بنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا قيس، عن حصين، عن مجاهد وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ قال: من أدّى منهم الجزية فلا تقل له إلا حسنا. ذكر الآية الثانية : قوله تعالى: وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ [العنكبوت: ٥٠] زعم بعضهم أنه منسوخ بآية السيف، وهذا لو كان في قوله وما أنا إلا نذير احتمل، فأما هاهنا فلا، لأن هذه الآية أثبتت أنه نذير، ويؤيد إحكامها أنها خبر. ... الباب الثالث والثلاثون باب ذكر ما ادّعي عليه النسخ في سورة الروم قوله تعالى: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [الروم: ٦٠] زعم السدي: أنها نسخت بآية السيف، وهذا إنما يصح له أن لو كان الأمر بالصبر عن قتالهم فأما إذا احتمل أن يكون صبرا على ما أمر به أو عما نهى عنه لم يتصور نسخ. ... الباب الرابع والثلاثون باب ذكر ادّعي عليه النسخ في سورة لقمان قوله تعالى: وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ [لقمان: ٢٣]. ذهب بعض المفسرين إلى أن هذا منسوخ بآية السيف، وقال بعضهم: نسخ معناها لا لفظها بآية السيف، وهذا ليس بشيء؛ لأنها إنما تضمنت التسلية له عن الحزن، وذلك لا ينافي القتال. ***

стр. 178

الباب الخامس والثلاثون باب ذكر ما ادّعي عليه النسخ في سورة السجدة قوله تعالى: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ [السجدة: ٣٠]. روى الضحاك عن ابن عباس ﵄ قال: نسختها آية السيف فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥]. [١٩٣]- أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله، قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد، قال: ابنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدّثني أبي، قال: ابنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة قال: كل شيء في القرآن فأعرض عنهم وانتظر منسوخ نسخته براءة والقتال. ... الباب السادس والثلاثون باب ذكر ما ادّعي عليه النسخ في سورة الأحزاب ذكر الآية الأولى : قوله تعالى: وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ [الأحزاب: ٤٨] قال المفسرون: معناه: لا تجازهم عليه وتوكل على الله في كفاية شرهم. قالوا: ونسخت بآية السيف. ذكر الآية الثانية : قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ [الأحزاب: ٤٩]. اختلف العلماء لمن هذه المتعة، فقال الأكثرون: هي لمن لم يسم لها مهرا لقوله تعالى في البقرة: أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً [البقرة: ٢٣٧]. أحدهما: أنها واجبة للمطلقة التي يسم لها مهرا إذا طلقها قبل الدخول، وعلى هذا الآية محكمة، وقال قوم المتعة واجبة لكل مطلقة بهذه الآية ثم نسخت بقوله: فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ [البقرة: ٢٣٧].

стр. 179

[١٩٤]- أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله، قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد، قال: بنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: بنا أبي، قال: بنا محمّد بن سواء، قال: بنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن وأبي العالية، في هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ قالا: ليست بمنسوخة لها نصف الصداق، ولها المتاع. قال أحمد: وبنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن ابن المسيب، قال: هي منسوخة نسختها الآية التي في البقرة: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ [البقرة: ٢٣٧] فصار لها نصف الصداق ولا متاع لها. قال سعيد: وكان قتادة يأخذ بهذا. وقال أحمد: وبنا حسين، عن شيبان، عن قتادة: إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ الآية. قال: قال سعيد بن المسيب ثم نسخ هذا الحرف المتعة: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ. ذكر الآية الثالثة : قوله تعالى: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ [الأحزاب: ٥٢]. اختلف المفسرون فيها على قولين: القول الأول: أنها منسوخة بقوله: إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ [الأحزاب: ٥٠] وهذا مروي عن علي وابن عباس وعائشة وأم سلمة وعلي بن الحسين والضحاك. [١٩٥] (١) - أخبرنا المبارك بن علي، قال: ابنا أحمد بن الحسين قال: ابنا

стр. 180

البرمكي، قال: ابنا محمّد بن إسماعيل قال: ابنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا عمران بن محمّد الأنصاري، قال: بنا أبو عاصم قال: ابنا ابن جريج، عن عطاء، [عن عبيد] بن عمير، عن عائشة قالت: «ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل له أن ينكح ما شاء». قال أبو سليمان الدمشقي: يعني نساء جميع القبائل من المهاجرات وغير المهاجرات. والقول الثاني: أنها محكمة ، ثم فيها قولان: الأول: إن الله تعالى أثاب نساءه حين اخترنه بأن قصره عليهن فلم يحل له غيرهن، ولم ينسخ هذا. [١٩٦]- أخبرنا المبارك بن علي، قال: ابنا أحمد بن الحسين، قال: ابنا البرمكي، قال: بنا إسماعيل بن العباس، قال: بنا أبو بكر بن أبي داود، قال: ذكر محمّد بن مصفى أن يوسف بن السفر حدثهم عن الأوزاعي، عن عثمان بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ قال: حبسه الله عليهن كما حبسهن عليه. قال أبو بكر: وبنا إسحاق بن إبراهيم، قال: بنا حجاج، قال: بنا حماد، عن علي بن زيد، عن الحسن؛ لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ قال: قصره الله على نسائه التسع اللاتي مات عنهن. وهذا قول ابن سيرين وأبي أمامة بن سهل وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث والسدي (١). والثاني: أن المراد بالنساء هاهنا، الكافرات ولم يجز له أن يتزوج بكافرة قاله مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وجابر بن زيد. ... الباب السابع والثلاثون باب ذكر ما ادّعي عليه النسخ في سورة سبأ قوله تعالى: قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ [سبأ: ٢٥]. قال المفسرون: المعنى: لا تؤاخذون بجرمنا ولا نسأل عما تعملون من الكفر والتكذيب. والمعنى: إظهار التبري منهم، قالوا: وهذا منسوخ بآية السيف ولا أرى لنسخها وجها، لأن مؤاخذة كل واحد بفعله لا يمنع من قتال الكفار. ...
следующие страницы →