الجبال طولا، فيدرك حقيقة أمره، ويتواضع، ويلين جانبه للناس.
وأبشع أنواع التكبّر، هو التكبّر عن دعوة الله، وقد رسمت الصورة القرآنية هؤلاء المتكبرين عن الإيمان بصورة تبعث على السخرية منهم. من خلال اللمسات النفسية والفنية المحركة للخيال، والمؤثرة في النفوس يقول الله تعالى في وصف واحد من هؤلاء: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى، وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى، ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى، أَوْلى لَكَ فَأَوْلى، ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى، أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً، أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى، ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى، فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى، أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى القيامة: ٣١ - ٤٠.
هذه الصورة المضحكة للمتكبّر عن دعوة الله، وردت بعد مشهد الاحتضار، فهي ترتبط به، وتتواصل معه في التوجيه الديني ضمن سياق متفاعل متحرك بصوره، وتعبيراته، ومعانيه.
فالتكبّر هنا يجسّم بحركة تمطّي الظهر، وامتداده، تعاجبا وتعاليا، والمتكبّر يقوم بهذه الحركة الكريهة، فيمطّ ظهره، ويمدّه، خيلاء وتكبرا، وأمام هذه الحركة الكريهة والمضحكة، التي ترسمها الصورة له، تأتي صورة نشأته الأولى، من مادة محتقرة، ثم ما مرّ به من مراحل النمو، حتى أصبح رجلا سويا لتذكيره بعجزه وضعفه، وقدرة الله عليه، وقدرته على بعثه وإحيائه بعد إماتته ...
وقد يقترن التكبّر عن دعوة الله، بالمكر والتآمر ضد الدعوة، فيقتضي ذلك صورة مفصّلة ترسم التكبر والمتكبرين الماكرين، بالخطوط، والحركات، والهيئات، لتصوير دقائق أساليبهم، وخفايا تآمرهم.
والصورة هنا تعرض في مشهد كامل حي شاخص، يقول الله تعالى في هؤلاء المتكبرين الماكرين: قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ، الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ، ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ النحل: ٢٦ - ٢٩.
فهؤلاء المتكبّرون حبكوا المؤامرات ضد الدعوة، وأحكموها بدقة وإتقان، ظنا منهم أنها تحميهم، فكانت هذه المؤامرات المحبوكة، هي سبب هلاكهم، والصورة ترسم هذا المعنى
стр. 107
الذهني في صورة بناء محكم، بقواعده وأركانه وسقفه، وهذه التفصيلات في تصوير البناء، توحي بالدقة والضخامة والإحكام، ثم بعد اكتمال تصوير البناء، بقواعده وأركانه وسقفه، حتى أصبح جاهزا للاحتماء به، والاختفاء في داخله، وبين جدرانه، جاء مشهد التدمير الكامل لهذا البناء المحكم، ويلاحظ أن مشهد تدميره، يرد مفصّلا ومتدرّجا، زيادة في الإيضاح والتأثير، وكأننا أمام مشهد معروض، نتابع خطوات التدمير، جزءا وراء جزء، ويبدأ مشهد التدمير من القواعد الأساسية التي يقام عليها البناء، ثم تتبعها حركة سقوط السقوف فوقهم لتدميرهم تدميرا كاملا.
ثم يمتد التصوير في الزمان والمكان، لينتقل المشهد من الدنيا إلى الآخرة، في نقلة متصلة في السياق والتصوير ليكشف لنا عن مشهد هؤلاء المتكبرين يوم القيامة وما هم عليه من خزي ومذلّة، لتقابل صورتهم في الآخرة، صورتهم في الدنيا حين كانوا يتكبرون عن دعوة الله ويتعالون عليها. ثم يعود التصوير مرة أخرى إلى الدنيا، فيلتقط مشهد احتضارهم، ليرسم خزيهم ومهانتهم على الأرض أيضا، لتكون هذه الصورة الذليلة، قريبة جدا من صورة استكبارهم وعلوّهم، قريبة في الزمان والمكان أيضا، فهم ما زالوا أحياء في الدنيا، وعجزهم واضح، وذلّهم بيّن في ساعة الاحتضار، ثم يعود التصوير للآخرة ليختم بها المشهد، ويصورهم وهم في النار خالدين فيها أبدا. ويتركون هناك في جهنم، وينتهي التصوير والتعبير بهذه الخاتمة المخزية لهم.
إن هذا المشهد الحي الشاخص الذي ترسمه الصورة بكل تفصيلاته، لهؤلاء المتكبرين مشهد يتفاعل فيه التصوير مع التعبير، لإيضاح التكبّر عن دعوة الله، والنهاية والمصير لهؤلاء المتكبرين.
وفيه يظلّ الخيال نشطا متحركا لمتابعة مراحل التصوير المختلفة، ابتداء من تصوير البناء المحكم ثم مشهد تدميره، ثم مشهد القيامة لهؤلاء المتكبرين، ثم العودة إلى مشهد الاحتضار في هذا السياق المتفاعل الذي يقتضي هذه اللقطة النفسية والفنية، ثم الانتقال من جديد إلى مشهد القيامة، لأنها نهاية الرحلة للجزاء والعقاب. ليترك الصورة حرة طليقة، مثيرة للخيال، وهو يتابع أحوال المتكبرين، يصطلون بنيران جهنم.
وتتواصل صورة التواضع مع صورة التكبر، عن طريق التقابل أو التضاد، لإبراز الفروق
стр. 108
بينهما، فالصورة تمثّل وحدة منسجمة، تتواصل الصور في داخل السياق ضمن نظام العلاقات، عن طريق التقابل أو التناظر أو التجاور في التعبير، حتى يتمّ بذلك نموّ المعاني الدينية وتفاعلها، فتكوّن في النهاية وحدة الرؤية الإسلامية للكون والحياة والإنسان.
ويعبّر عن التواضع بصورة خفض الجناح، وهي تقابل تصعير الخد تكبّرا، ولكن صورة خفض الجناح صورة محبّبة، أمّا تصعير الخد، فصورة مكروهة منفرة. يقول الله تعالى:
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الشعراء: ٣١٥. فهذه الصورة الحسية، تجسّم معاني الرفق واللين والتواضع، لتكون محسوسة حاضرة في الأذهان دائما، ويلاحظ تناسق هذه الصورة الحسية، مع المعاني الذهنية المجردة، فالجناح هو وسيلة الارتفاع والانخفاض معا، وخفض الجناح يوحي بالهبوط والنزول من مكان مرتفع، لأن الطائر يضمّ جناحيه في لحظة الهبوط، ويخفضهما في حالة الارتفاع والطيران، يبسط جناحيه، ويحركهما، وهذه الصورة متناسقة مع صورة المتواضع، وصورة المتكبر معا، في حالتي الهبوط والارتفاع للطائر. فالمتكبّر، يرتفع ويتعالى، ويبسط جناحيه، ويحرك أطرافه للارتفاع والتعالي، وهي صورة الطائر في حالة الارتفاع والتحليق، والمتواضع يخفض جانبه للناس، ويضم أطرافه، في حركة متناسقة مع صورة الطائر، وقت هبوطه، وخفض جناحيه ...
وهكذا تكشف الصورة عن حقيقة الإنسان، وما في نفسه من مشاعر متقابلة، وخطوط متوازية، ففيه استعداد للتكبّر والتعالي، وفيه أيضا استعداد للتواضع ولين الجانب، ومن خلال هذا التقابل بين الصورتين، تتّضح المعاني الحميدة، والمعاني الذميمة، ويتم توجيه الإنسان التوجيه الديني المطلوب، وفي هذا المعنى يقول الله تعالى في حضّ الأبناء على خفض الجناح للوالدين: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً الإسراء: ٢٤.
وترد هذه الصورة للدلالة على معنى آخر غير التواضع، ولكن في سياق مختلف أيضا كقوله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ الأنفال: ٦١.
وتصوير ميلهم إلى السلام ب «الجنوح» صورة معبّرة، تتواصل مع صورة خفض الجناح وإيحاءاتها، فلا يكفي في السلام مجرد ميلهم الداخلي، ما لم يتحول هذا الميل إلى واقع حي ملموس، يتمثّل في خفض الجناح، ولين الجانب. وهو ما توحي به صورة «الجنوح»
стр. 109
وتعبّر عنه، لأنها من المادة اللغوية نفسها، ومن ملازمات خفض الجناح، والاختلاف في الصيغة لا يغيّر من جوهر الصورة لأن التصوير للمعنى بالجنوح، يوحي بحركة جناح يميل إلى السلام، ويرخي جناحه برقّة ولين.
وتنقل الصورة المعنى الذهني، وما يصاحبه من مشاعر وأحاسيس، كقوله تعالى: بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ البقرة: ٨١.
فهذه الصورة، تعبّر عن المعنى وهو اقتراف الذنب، بلفظ «الكسب» للإيحاء بأن المذنب يقترف السيئة كأنّه يكسبها كسبا ماديا، ويضيفها إلى حسابه، وإيحاء آخر، وهو أن الذنب أو المعصية فيها إغراء وجاذبية تشدّ مقترفها إليها ولولا هذه الجاذبية والإغراء، ما أقدم على ارتكابها باندفاع وحماسة.
فالتصوير الحسي هنا، تصوير واقعي، مجسّم، يتغلغل في أعماق النفس، ليصوّر ما فيها من مشاعر وقت ارتكاب المعصية بلفظة واحدة هي «كسب» ولكن الصورة هادفة، وليست تصويرا للواقع لإقراره، والاعتراف به وإنما لتوجيه هذا الواقع المنحرف والتحذير من ارتكاب المعاصي، لهذا جاءت صورة الخطيئة المحيطة بصاحبها، بعد صورة اكتساب المعصية، واستخدام لفظ «الخطيئة» يعدّ حكما صادرا على الذنب أو المعصية، ولو ظنّ صاحبها أنها كسب له، فهي خطيئة يعاقب عليها.
وتصوّر الخطيئة، محيطة بصاحبها، والمذنب لا ينفك عنها، ولا يفلت من حصارها، فهو محبوس في داخلها، حتى تقضي عليه في النهاية. وهذه صورة تجسيمية للمعنى الذهني، لها وقعها في الحس والنفس معا أكثر من أي تعبير ذهني مجرد، لا يتجاوز تأثيره العقل أو الذهن، بينما هذه الصورة المجسّمة للخطيئة، تدخل إلى النفس، من منافذ شتّى، من الحس، والخيال، والذهن، والوجدان.
وصورة الإحاطة، تكررت في الأسلوب القرآني في مواضع عدة، لتصوير المعاني الذهنية من ذلك قوله تعالى وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ الكهف: ٤٢، والصورة هنا تعبر عن هلاك الثمر
واستئصاله.
وترد هذه الصورة في سياق آخر أيضا، لتعبر عن المعنى نفسه وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ البقرة: ١٩، وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ العنكبوت: ٥٤.
стр. 110
ولكنها توحي بظلال من خلال اختلاف الأنساق الواردة فيها، على الرغم من التواصل بين الصور، في التناسب المعنوي. فصورة إحاطة الله بالكافرين، توحي بالشمولية والقدرة، والتمكن من إهلاك الكافرين. وصورة جهنم المحيطة بهم أيضا توحي بالخوف والفزع، بمجرد أن يتصور الإنسان إحاطة جهنم بالكافرين، وهم في داخلها يحترقون.
وتكثر أيضا صورة الانقلاب على العقبين في تصوير الارتداد النفسي والحسي معا كقوله تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً آل عمران: ١٤٤.
فالصورة هنا، تعبّر عن الارتداد بحركة حسية، حتى يغدو المعنى الذهني مشهدا منظورا، يجسّم المعنى الذهني، وما يصاحبه من حركة ارتداد داخلية أولا، تتمثّل في حركة حسية خارجية مرئية بعد ذلك. ووردت هذه الصورة في مواضع أخرى كقوله تعالى: وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ البقرة: ١٤٣، وكقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ آل عمران: ١٤٩، .. قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ المؤمنون: ٦٦.
وصورة «قطع الدابر» في التعبير عن الإهلاك والاستئصال، كثيرة في الأسلوب القرآني، وهي أيضا تمتد، للتواصل مع صورة حركة الانقلاب على الأعقاب، فبين الصورتين هذا التناسب الشكلي والمعنوي، في الأدبار والأعقاب، وفي التحقير والترذيل.
يقول الله تعالى: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الأنعام: ٤٥. وصورة قطع الدابر توحي بالاستئصال الكامل. وكأن الظالمين يقفون في صفوف منتظمة، وعلى هيئة مخصوصة، فيأتي قطع دابرهم، أي آخرهم، للإيحاء بأنهم هلكوا جميعا. ومن ذلك قوله أيضا: وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا الأعراف: ٧٢، وقوله تعالى: وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ الأنفال: ٧، ووَ قَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ الحجر: ٦٦.
وقريب من هذه الصورة المستكرهة صورة تولّي الأدبار، في التعبير عن الهزيمة والفرار، يقول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ، وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ الأنفال: ١٥ - ١٦.
стр. 111
وتصوير الفرار من المعركة، بإعطاء الأدبار للأعداء، صورة قبيحة مستنكرة، في الحياة الإنسانية، وهي صورة أيضا تجلب غضب الله، وتنتهي بالمهزوم إلى جهنم وبئس المصير.
فالصورة هنا ترسم الفرار من المعركة بهيئة كريهة، تثير في النفس قبح الهزيمة، فهي صورة كريهة في بدايتها، وكريهة في امتدادها، ومصاحبة غضب الله لها، وكريهة أيضا في خاتمتها.
وهكذا تتناسق هذه المجموعة من الصور في الشكل الكريه، والأثر القبيح، في تصوير المعاني الذهنية وتوجيه الإنسان نحو المعاني السامية النبيلة. فتتواصل الصور في السياق، كما تتواصل المعاني فيما بينها أيضا، لبناء الرؤية الإسلامية، وبناء الإنسان وبناء الحياة.
وتعبّر الصورة القرآنية عن طاعة الشيطان، والانقياد له، بصورة حسية متحركة وهي «اتباع خطوات الشيطان» قال تعالى: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ البقرة: ١٦٨.
فهذه الصورة تجسّم المعنى، وتجعله واقعا محسوسا، وتجعل عدو الإنسان الشيطان، يقود الإنسان الضال إلى موارد هلاكه، والإنسان الضال، يقتفي أثره، خطوة خطوة، يطيعه، وينقاد إليه انقيادا أعمى. وهذه الصورة كثيرة الورود في القرآن، للدلالة على هذا المعنى، ولكننا قد نجد في بعض الأحيان تفصيلا فيها، لزيادة التحذير من الشيطان وأتباعه، كقوله تعالى: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ البقرة: ٢٠٨ - ٢٠٩.
وصورة الشيطان هنا فيها حركة تخييلية حسية. يبدو فيها قائدا، يقود جموع الضالين، والحمقى يتبعونه، ويقتفون آثاره وخطواته، مع أنه عدو قديم للإنسان، أعلن صراحة عن دوره في إغوائه حسدا وحقدا. وتمضى الصورة في التخييل الحسي باستخدام لفظة «زللتم» التي ترسم زلّة الأقدام عن الطريق السوي، وسقوط أصحابها في هوة المعاصي ... ثم يأتي التعقيب على التصوير، متناسقا مع جوّ الصورة وإيحاءاتها فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
وتمتد صورة الشيطان في السياق القرآني، ليصبح الشيطان قرينا ملازما للإنسان الغافل عن الله، يقول تعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ، وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ، حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ
стр. 112
فَبِئْسَ الْقَرِينُ، وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ الزخرف: ٣٦ - ٣٩.
فالغافل عن ذكر الله، يصوّر هنا بصورة حسية بصرية وهي «العاشي» الذي لا يبصر، وطالما أنه لا يبصر طريقه، فإنه ينقاد للشيطان، ويطيعه طاعة عمياء، حتى يصبح له
قرينا، يصدّه عن الهدى والنور. وتمتد الصورة في التفصيل، ويجسّم المعنى الذهني في مشهد حي شاخص، تراه الأبصار، وتستخدم الأفعال المضارعة «يصدونهم- يحسبون ... » لإحياء المشهد، وجعله حاضرا أمام العيون، فهذه الوسوسة الشيطانية مستمرة ملحوظة في المشهد المصوّر، ولكنّ العاشي لا يراها، لأنه ضعيف الرؤية، ويظلّ هؤلاء المخدوعون على حالهم وخداعهم لأنفسهم أنهم مهتدون، حتى يطويهم الموت، ويفاجئهم يوم القيامة، فيرى الضالون قرينهم الذي أضلّهم، فيتمنّون أن يكون بينهم وبينه بعد المشرقين، ثم يصدرون الحكم بأنفسهم عليه فَبِئْسَ الْقَرِينُ ولكن هذه الأمنية، وهذا الحكم الصادر منهم، لا يفيدانهم شيئا، فهم الآن يشتركون في العذاب كما اشتركوا في الدنيا في الضلال والكفر. فالشركة بين الشيطان وأتباعه ممتدة أيضا في العقاب والجزاء.
فهذه الصورة لأتباع الشيطان، والانقياد له، تتواصل مع الصورة الأولى في اتباع خطواته، فهي تعدّ امتدادا للصورة الأولى، ويلاحظ اعتماد الصورة هنا على الحوار، لإحياء المشهد المجهول، وكأنه منظور، كما يلاحظ امتداد التصوير في الزمان والمكان، لتحقيق التأثير الديني، كما يلاحظ ترابط خاتمة الصورة مع مقدمة التصوير، فيسدل ستار المشهد على عذاب أتباع الشيطان مع قائدهم، كما بدأ المشهد باشتراكهم في الضلال والعمى عن الحق.
وهؤلاء العاشون عن ذكر الله، هم الذين استحوذ عليهم الشيطان، فأنساهم ذكر الله كما قال تعالى فيهم اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ المجادلة: ١٩.
وصورة استحواذ الشيطان عليهم، صورة كريهة، توحي باستيلائه عليهم، وامتلاكه لهم، وصورة الاستحواذ هذه تتواصل مع صورة اتباع خطوات الشيطان، وصورة العاشي عن ذكر الله، وتتفاعل هذه الصورة في تأدية المعاني الدينية ونقلها إلى المتلقي عن طريق الإيحاء بها.
стр. 113
وتجسّم الصورة وسائل غواية الشيطان واستيلائه على قلوب أتباعه وعقولهم بقوله تعالى: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ، وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ، وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً الإسراء: ٦٤. فوسائل الغواية مجسّمة بصورة المعركة فيها الأصوات والخيول والرجال والشيطان في معركة مع الإنسان، يستخدم كل الوسائل لغوايته وإضلاله، ويستخدم أسلوب الاستدراج، حتى يخرجه من حصونه، وقلاعه، ثم يستولى عليه بعد ذلك.
يقول الزمخشري بهذا المعنى: «فإن قلت ما معنى استفزاز إبليس بصوته، وإجلابه بخيله ورجله قلت: هو كلام ورد مورد التمثيل. مثّلت حاله في تسلّطه على من يغويه بمغوار أوقع على قوم فصوّت بهم صوتا يستفزّهم من أماكنهم، ويقلقهم عن مراكزهم، وأجلب عليهم بجنده من خيالة ورجالة حتى استأصلهم» «١٣».
وتعبّر الصورة عن الموت، وما يتعلق به من المعاني، وكأنه شخص حاضر، يطارد الإنسان طوال حياته حتى يقبض عليه، يقول تعالى: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ... الجمعة: ٨.
فالصورة ترسم الموت، شخصا حيا متحركا يطارد الإنسان، وهو يهرب منه في خوف وذعر، ويظلّ الموت يطارده، والإنسان يجري أمامه، حتى يلاقيه الموت أو يدركه، فالقرآن الكريم لم يقل إن الإنسان سيموت بتعبير مباشر، وإنما صوّر هذا المعنى الذهني في حركة الإنسان في الحياة، وهو يفرّ خائفا من الموت وهو يلاحظ ليمسك به في النهاية. ويترك للخيال أن يتابع حركة المطاردة هذه، ويقدّر ما تستغرقه من الزمن، قد يطول، وقد يقصر، ولكن نتيجة المطاردة معروفة فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ، ويرتبط مشهد الاحتضار بصورة الموت، فيصوّر تصويرا حيا مرهوبا يقول الله تعالى: كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ، وَقِيلَ مَنْ راقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ، وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ القيامة: ٢٦ - ٣٠.
فالمشهد هنا حي متحرك شاخص، تسهم الألفاظ في تصويره، ورسم دقائقه المفصّلة، فهذه الروح قد وصلت إلى المرحلة الأخيرة في الحلقوم، والحاضرون ينظرون لمشهد الميت لا مكروب، عاجزين عن ردّ الروح إليه، ولم يبق أمامهم إلا الرقية لعلّها تفيده، بينما الروح
стр. 114
تواصل الخروج، ويشتد الكرب، وتصوّر شدّته بحركة التفاف الساق بالساق، على طريقة القرآن في تصوير المعاني، وهذه الروح تواصل الخروج وكأنّها تسير في طريق معلوم محدد، تساق إليه إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ فعنده ينتهي المطاف والمساق. ويتكرّر هذا المشهد في سياق آخر مع لمسة نفسية في قرب الله منه في تلك الساعة، مع تصوير عجز الناس عن مساعدته، لتكون صورة قرب الله منه، تقابل صورة بعد الناس عنه، وعجزهم أمام خروج الروح: فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ الواقعة: ٨٣ - ٨٥، فالصورة توحي بالشدة واليأس والذهول، كما توحي بعجز البشر، عن إيقاف الروح المتجهة إلى ربّها، وتصوير الحضور الإلهي في هذه اللحظة، يضفي على الصورة رهبة وجلالا وتأثيرا في النفس. وإذا كانت نهاية الإنسان هي الموت، والمساق سيكون إلى الله وحده، فيجب الاهتمام بأمر العقيدة، وتربية الأبناء عليها وتوريثها للأجيال. وقد عبّرت الصورة عن توريث العقيدة، وكأنها شيء مادي محسوس يورّث للأبناء، في مشهد يعقوب حين حضرته الوفاة: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ البقرة: ١٣٣.
وفي هذه الآية يجسّم الموت في صورة حسية، فيصوّر كأنه غائب، ينتظر قدومه في أي لحظة، فهو يحضر إلى يعقوب بعد غياب عنه، وهنا يبدأ تصوير مشهد الموت ليعقوب، ويعتمد التصوير على الحوار، لإحياء المشهد والزيادة في تأثيره وإيحائه. ويعرض فيه يعقوب مهتما بأمر العقيدة، فيحاور أبناءه في شأنها، ليطمئن على غرسه من بعده، فيكون جوابهم أنهم سيسيرون على خطا أبيهم، وأجدادهم في الالتزام بها.
هذه الصور للموت، ليست منفصلة بعضها عن بعض، بل هي صور مترابطة، متواصلة، فكل صورة ترسم معنى يتعلق به، وتزيد الصورة الثانية على الأولى بعض اللمسات الفنية والنفسية، لتحقيق التأثير الديني، الذي هو غاية التصوير، ثم تأتي الصورة الثالثة، لتوضّح ضرورة الاهتمام، بتربية الأبناء على العقيدة، والاطمئنان عليهم قبل الموت. فالمعاني الذهنية، لا تعرض مجردة بأسلوب مباشر، وإنما يعبّر عنها بالصورة المحسوسة، لتكون أبلغ في التأثير في المتلقي. حتى القرآن الكريم، تخلع عليه الصفات الإنسانية على طريقة التصوير
стр. 115
الفني ليتفاعل معه الإنسان، ويتجاوب مع خطابه وتوجيهاته كقوله تعالى: يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ يس: ١ - ٢.
والحكمة صفة العاقل، ووصف القرآن بها في هذه الآية، ويخلع عليه صفة الحياة والحكمة على طريقة التصوير الفني، لإبراز حقيقة معنوية، وهي أن القرآن فيه الحكمة والموعظة، ولكن الصورة تجعل القرآن حكيما كلّه، لتوحي بشمول حكمه ومواعظه القرآن الكريم من أوله إلى آخره، بالإضافة إلى أن وصفه بالحكمة «يلقي عليه ضلال الحياة والإرادة، فكأنما هو كائن حي متصف بالحكمة في قوله وتوجيهه، وإنه لكذلك فيه روح وفيه حياة، وفيه حركة، وله شخصية ذاتية مميزة، وفيه إيناس وله صحبة يحسّ بها من يعيشون معه، ويحيون في ظلاله، ويشعرون له بحنين وتجاوب، كتجاوب الحي والحي، والصديق والصديق» «١٤».
وتتواصل الصور الفنية في التعبير عن القرآن وكأنّه حي، على سبيل التشخيص كقوله تعالى: لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ سبأ: ٣١، فالقرآن ليس له يدان، ولكن هذه الصورة التشخيصية يراد بها التعبير عن قرب الكتب السماوية منه، واتصالها به، وكأنها بين يديه.
وصورة النور هي الصورة الدالة عليه كقوله تعالى: وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا التغابن وقوله أيضا: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ المائدة: ١٥.
فهو نور، لأنه يزيل الشبهات، ويهدي إلى الحقّ.
ويعبّر عن قوة تأثيره في القلوب بصورة حسية وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً الجن: ١٩، وصورة لبدة الصوف معروفة في تجمّعها وتكتّلها، وتشابك خيوطها، وهي هنا تعبر عن تجمّع المشركين أو الجن حول الرسول ﷺ ، وهو يصلي، ليستمعوا إلى تلاوة القرآن، وسحر بيانه، وقوة نظمه.
ولكن أثر الدين في الإنسان، يجسّم في صورة حسية أخرى، للإيحاء بتلاحم الظاهر والباطن في سلوك الإنسان: صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ البقرة: ١٣٨.
فصورة صباغة الثوب الحسية، توحي بأن أثر الدين في الإنسان، ليس أثرا داخليا
стр. 116
فحسب، وإنما هو أثر خارجي محسوس، يظهر في سلوك الإنسان، كما يظهر أثر الصبغ في الأثواب. ويعبّر عن «التقوى» بصورة حسية مألوفة، لتكون ماثلة للعيان وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى البقرة: ١٩٧، فالصورة هنا تجسّم التقوى، وتجعلها مادة محسوسة، مثيرة للخيال، من خلال استحضار أنواع الزاد الحسي الذي تقابله صورة الزاد المعنوي، وإجراء المقارنة بينهما، وتفضيل الزاد المعنوي على الزاد الحسي، وهذه الصورة المجسّمة للتقوى، مرتبطة بالسياق الذي يتحدث عن الحج، وأجواء الحج أجواء روحانية باقية، فكأن الصورة الحسية للتقوى، توحي بضرورة المحافظة على روحانية الحج، والتزوّد من هذه الأجواء في رحلة الحياة الطويلة.
والصبر، يجسّم في صورة حسية أيضا في قول الله : رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً البقرة: ٢٥٠. فالصبر وهو شيء معنوي يصوّر بماء بارد يفرغ في قلوب المؤمنين، فيملؤها سلاما وهدوءا وطمأنينة في المواقف العصيبة. ومشاقّ الجهر بالدعوة، تجسّم في صورة الزجاجة المصدوعة فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ الحجر: ٩٤، وهذه الصورة الحسية، توحي بحقيقة الجهر بالدعوة، وما سيحدثه من صدع في قلوب الكافرين، وإنكار يظهر في قسمات وجوههم، كما أنّ الجهر بالدعوة، يحدث تمييزا أو شقا بين المؤمنين والكافرين، فلكلّ منهما طريقه المواجه للآخر، ولهذه المواجهة بين الفريقين أعباؤها ومشاقّها، ولا بدّ من تحمّل هذه المشاق في سبيل الجهر بالدعوة، وإبلاغها للناس. وهذه من إيحاءات الصورة المرسومة، بجرس اللفظ «اصدع»، وما فيه من قوة وشدة، يتناسق مع المعنى، ويوحي به.
وتعبّر الصورة عن ظواهر كونية مرئية، وترسمها بدقة وعناية، لإحياء هذه الظواهر في الحس الغافل عنها، وتحقيق التأثير الديني من وراء تصويرها. فصورة الليل والنهار، وما بينهما من اتصال وثيق، وتعاقب مستمر، تعرض من خلال صورة السلخ الحسية وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ يس: ٣٧.
فصورة الانسلاخ، توحي باتصال الليل والنهار، مثل التصاق الجلد بالشاة، وظهور الليل المتدرّج أشبه بصورة سلخ جلد الشاة، فإذا تمّ الانسلاخ كاملا، انفصل أحدهما عن الآخر، وعمّ الظلام، أما قبل السلخ الكامل، فيلاحظ اتصال أحدهما بالآخر، وامتزاج اللونين
стр. 117
الضياء والظلام، وهذه حقيقة علمية، توحي بها الصورة، فحين يكون ظلام في جهة، يكون ضياء في الجهة الأخرى، وهكذا يتجاوز الضياء والظلام في الصورة، كما هما ملحوظان في الحركة الكونية على ظهر الأرض.
وقد تعبّر الصورة عن المعاني الذهنية، بطريقة تهكمية ساخرة كقوله تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ التوبة: ٣٤، وقوله أيضا: ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ، ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ الدخان: ٤٨ - ٤٩، وقوله أيضا: قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ هود: ٨٧.
فالصورة هنا تعبّر عن أضدادها، فصورة التبشير بالعذاب، تعبّر عن الإنذار به، وصورة الإذاقة الحسية تعبّر عن التجرّع غير المستساغ، وصورة العزيز تعبّر عن الذليل المهان، وصورة الحليم الرشيد تعبّر عن الغوي السفيه.
وقد يقترن تصوير المعاني الذهنية بالحركة، لتجسيم تلك المعاني بالخيال كقوله تعالى:
فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ البقرة: ١٩٨. فصورة الإفاضة هنا تعبّر عن نزول الحجاج من عرفات، والصورة بتشكيلها اللغوي أَفَضْتُمْ، توحي بالفيض أو الفيضان، أو كثرة الحجاج وقت نزولهم من عرفات، على شكل أفواج متتابعة، يجلّلها الوقار والخشوع، بعد تعرّضها لفيض الرحمة على عرفات.
ويعبّر عن حركة الناس وتدافعهم في سياق آخر، بصورة الموج وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً الكهف: ٩٩، فالصورة هنا، تعبر عن القلق والاضطراب والتدافع وهي ملائمة لحركة الناس يوم البعث من القبور أو حركة يأجوج ومأجوج عند انهدام السدّ.
وإذا قارنا بين الصورتين أَفَضْتُمْ ويَمُوجُ فِي بَعْضٍ نلاحظ أن الحركة التصويرية في أَفَضْتُمْ توحي بالخشوع والنظام والسير في اتجاه واحد مرسوم، بينما في يَمُوجُ توحي بالفوضى والتدافع مثل حركة الأمواج المتلاطمة.
وتجمع الصورة إلى جانب الحركة في نقل المعاني الذهنية، عنصر الصوت، لزيادة التأثير والإيحاء كقوله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ الأعراف: ١٥٤.
стр. 118
فهذه الصورة تعبّر عن هدوء موسى بعد ثورة الغضب، ولكنّ تصوير المعنى بالسكوت، له مغزاه، وإيحاؤه. فالتصوير لا ينقل المعنى فحسب، وإنما يرصد أيضا ما يصاحب الغضب من حركات وأصوات. ومن ذلك أيضا قوله تعالى في تصوير الروع يذهب ويجيء: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ هود: ٧٤.
فالصورة هنا تجعل الروع حيا شاخصا، يذهب ويجيء، وكذلك البشرى، كما كان هناك الغضب يصرخ ويسكت، ويثور ويسكن. إنها صور حية شاخصة، تتحوّل فيها المعاني إلى أشخاص يثورون ويغضبون، ويهدءون، ويذهبون، ويروحون، علي طريقة القرآن الكريم في إحياء المعاني في الذهن والخيال، ليتفاعل الإنسان معها على أنها أشخاص حيّة، وليست معاني ذهنية مجردة.
وقد تقترن مع التصوير للمعاني الحركة واللون أيضا كقوله تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً مريم: ٤، فالمعنى المراد، أنه كبر في السن وشاب، لكن المعنى الذهني يعرض في صورة حسية موحية ومؤثرة، فيها حركة الشيب في الرأس، مصوّرة من خلال حركة اشتعال النار، وهي حركة بطيئة متدرّجة، حتى تعمّ الرأس كلّه، كما تعمّ النار الأشياء المشتعلة، وفيها اللون أيضا، فلمعان الشيب يشبه لمعان النيران، فهذه الصورة الحسية، ترسم دقائق المعنى وتفاصيله في لونه وحركته وشموله للرأس كله.
وتكثر الصور الحسية المستمدة من الأوزان والأحجام والأثقال لتجسيم المعاني الذهنية، لأنها صور مألوفة لها وقعها في النفس حين توضع في أنساق تقتضيها. كقوله تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا المزمّل: ٥، فثقل القول صورة مجسّمة تحيل المعنى الذهني إلى شيء محسوس، ليصبح التكليف المعنوي، ثقيلا ملموسا.
كذلك يعبّر عن يوم القيامة وهو زمن معنوي بصورة حسية ذات وزن وثقل يقول تعالى:
إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا الإنسان: ٢٧، وهذه الصورة تعبّر عن شدّة ذلك اليوم، وثقله على النفوس، فهو ليس يوما عاديا وإنما هو يوم موزون بالأثقال لشدته وأهواله.
وتتواصل هذه الصورة في السياق القرآني، بصيغ مختلفة، للتعبير عن المعاني الذهنية المتعددة. كقوله تعالى: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ
стр. 119
خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ الأعراف: ٨ - ٩.
ففي الآية الأولى تصوير لكثرة الأعمال الصالحة، وثقلها في الميزان، تقابلها في الآية الثانية صورة أخرى تتواصل مع الأولى في السياق، عن طريق التضاد، لإبراز الفروق، بين الأعمال الثقيلة والخفيفة، والأعمال الصالحة والطالحة، وبين الفلاح والخسران.
وهاتان الصورتان المتقابلتان في السياق القرآني هنا، تتواصلان أيضا في سياق آخر، مع زيادة في تصوير الجزاء والعقاب، المترتب على وزن الأعمال: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ، وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ، فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ، وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ، نارٌ حامِيَةٌ القارعة: ٦ - ١١.
ويلاحظ هنا الإجمال في صورة الجزاء على الأعمال الصالحة فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ لتلقي في الحس والشعور والخيال ألوانا من العيش الرغيد، والرضا الهنيء. أما صورة العقاب، فقد جاءت أكثر تفصيلا وإثارة، فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ والتعبير بالأم يوحي بالملجإ والملاذ، فكما أن الأمّ تندفع نحو أولادها، لتحتضنهم بين ذراعيها كذلك النار الهاوية،
التي تهوى العصاة، وتعشقهم، لأنّ «الهاوية»، من هوي يهوى فهي هاوية، تندفع إليهم في حب وهيام، وهذه الصورة. تبعث السخرية والتهكم من العاصين، أو أصحاب النار عموما، كما أنها توحي بالسقوط في المكان السحيق، ويتركها التعبير القرآني مجملة هكذا، لاستجاشة الشعور وإيقاظه لاستقبال ما بعده من وصف وتصوير وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ والسؤال يزيد من الإثارة، لمعرفة حقيقة هذه الأم الهاوية، فيأتي الجواب الحاسم الواضح بعد الإثارة والغموض، ليتعمّق الأثر الديني في أعماق الشعور والنفس.
ومن ذلك أيضا تصوير دقّة الحساب يوم القيامة بصور حسيّة مجسّمة للمعنى في الوزن والحجم والثقل مثل: الفتيل، والنقير، وحبة الخردل، ومثقال الذرة. يقول الله تعالى:
وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا الإسراء: ٧١، وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً النساء: ١٢٤، وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها الأنبياء: ٤٧، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ الزلزلة: ٧ - ٨.
ويتواصل تصوير الأعمال في السياق القرآني، لإبراز الفروق بين الأعمال المبنية على الإيمان، والأعمال القائمة على الباطل، وبيان الأعمال المعتبرة عند الله، وهي أعمال المؤمنين،
стр. 120
والأعمال التي لا قيمة لها، وهي أعمال الكافرين لأنها تقوم على الباطل.
وصورة «الحبوط» الحسية تعبر عن بطلان الأعمال للكافرين، وهي كثيرة الورود في التعبير القرآني للدلالة على هذا المعنى يقول الله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ... آل عمران: ٢٢.
ووَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ البقرة: ٢١٧.
وذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ محمد: ٢٨.
ووَ مَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ... المائدة: ٥.
وأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ التوبة: ١٧.
ووَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ الأعراف: ١٤٧.
والحبوط في الأصل اللغوي لها تعني انتفاخ بطن البعير من رعي نبات سام، يؤدي إلى الهلاك «١٥».
وهنا نلاحظ العلاقة والتشابه بين المدلول الحسي للكلمة، وصورة أعمال الكافرين التي تكبر، وتنتفخ في المظهر، أو الشكل كانتفاخ بطن البعير، ولكن لا قيمة لهذا الانتفاخ، لأنه ناتج عن داء، والنهاية تكون هلاك البعير، كذلك بطلان أعمال الكافرين، لأن الأساس الذي بنيت عليه غير موجود، وهو الإيمان، فالإيمان وحده، هو الذي يمنح الأعمال قيمة عند الله ووزنا.
وهكذا تستثمر الصورة الدلالة اللغوية للكلمة، للإيحاء بالمعاني الدينية، فالأعمال القائمة على الإيمان، هي الباقية والمفيدة، والأعمال النابتة من سموم الباطل، هي أعمال ضارة، ومهلكة لأصحابها يوم القيامة، وإن عظمت في الدنيا، وكبرت وانتفخت، فهذا لا يغيّر من حقيقتها شيئا ويمتدّ تصوير الأعمال في الأسلوب القرآني، في أنساق أخرى، وصور جديدة تلائمها، فهي هباء منثور في قوله تعالى: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً الفرقان: ٢٣.
وهنا تجسّم أعمال الكافرين في صورة «القدوم» وصورة نثرها في الهواء، ويظلّ الخيال
стр. 121
يتابع الحركة المصوّرة للأعمال في حركة القدوم، وحركة النثر معا، ويتابع أجزاء الأعمال بعد أن صارت هباء منثورا موزّعا في كل اتجاه ومكان، حتى لم يبق منها شيء، وكذلك أعمال الكافرين، لا قيمة لها عند الله، كما توحي بذلك الصورة المجسّمة.
وتصور أعمال الكافرين الحسنة كائنات حية شاردة عن أصحابها، وعاقبة الشرود الضياع، فلا يستفيدون منها شيئا الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ محمد: ١، وأعمال الإنسان عموما. تعرض كأنها أشياء مادية محسوسة، فمرة تصوّر بكائنات بشرية تحضر الحساب مع أصحابها على طريقة «التشخيص» كقوله تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً آل عمران: ٣٠.
ومرة تصوّر حاضرة للحساب على طريقة «التجسيم» كقوله تعالى: وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً الكهف: ٤٩، وأحيانا تصوّر الأعمال ودائع عند الله تسلّم لأصحابها يوم القيامة كقوله تعالى: وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ البقرة: ١١٠.
والكافرون، لا يستفيدون من أعمالهم التي عملوها في طريق الخير، لأنها لم تعتمد على الإيمان، والإيمان كان بين أيديهم، ولكن الحواجز المعنوية حجبتهم عنه، وقد عبّرت الصورة عن هذه الحواجز التي منعتهم من الإيمان، وذلك في قوله تعالى: وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ البقرة: ٨٨.
وصورة القلوب «غلف» توحي بسماكة الأغطية التي غطت قلوبهم، فأحكمت سدّها حتى لم يبق هناك منافذ للمعرفة والإدراك، لكي تستجيب لداعي الإيمان.
وأحيانا تصوّر القلوب بالأبواب المقفلة بالأقفال لإحكام سدّها حتى لا تنفذ الدعوة إليها يقول تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها محمد: ٢٤.
وأحيانا يعبّر عن إعراضهم عن الإيمان بصور أخرى، تدلّ على تعطيلهم حواسهم التي هي منافذ الإدراك. يقول تعالى: وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ فصلت: ٥.
فصورة الأغطية على القلوب، والصمم في الآذان، والحجاب على العيون، كلها حواجز مادية تمنع من الفهم والإدراك والمعرفة، والاستجابة لدعوة الإيمان.
وبعد تعطيلهم حواسهم، أصبحوا هم والأنعام سواء، في عدم الوعي والإدراك، بل إنهم
стр. 122
أدنى منها وأحطّ لأنهم ملكوا هذه الحواس التي هي أدوات المعرفة والإدراك ولكنّهم عطّلوها.
بينما الأنعام ليست كذلك.
يقول تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ الأعراف: ١٧٩.
فهذه صورة زرية لأولئك الذين يعيشون في غفلة، بعد تعطيل حواسهم، حتى صاروا كالأنعام، التي لا تعي ولا تدرك، بل إنهم أحط منها، لأنها لا تملك ما يملكون من وسائل المعرفة والإدراك. وتتواصل الصورة لهؤلاء في الأسلوب القرآني، وتمتد في أنساق أخرى، لتعرض في صور أخرى مرتبطة بالصورة الأولى «تعطيل الحواس» فهم قد أصبحوا أيضا في صورة الأموات، وإن كانوا ما زالوا أحياء. يقول الله تعالى: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ، وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ النمل: ٨٠ - ٨١.
فهم في صورة الموتى لا يشعرون، وفي صورة الصمّ لا يسمعون، وفي صورة العمي لا يبصرون، وهكذا تتلاحق الصور الحسية مجسّمة المعنى الذهني، لتعمّقه في الشعور، وتتراءى صورة المؤمنين الوضيئة من خلال تلك الصور القاتمة، فالمؤمنون هم الأحياء، لأنهم يسمعون، فيسلمون.
ويتكرّر تصويرهم بالموتى، مع التهديد بالحشر يوم القيامة يقول تعالى: إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ الأنعام: ٣٦.
ويصوّرون أيضا بالدوابّ تحقيرا لهم، وازدراء بهم. يقول تعالى: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ، إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ الأنفال: ٢١ - ٢٢.
وصورة الدوابّ تثير في الحس والخيال صورة الاستنكار من تعطيل الحواس، حتى أصبحوا لا يسمعون، ولا يستجيبون. كذلك نجد الإلحاح في تصوير المعرضين عن الإيمان، بصور العمي، والصم، والبكم، وكلّها صور تتناسق مع الصور السابقة، وتتعاون معها في تصوير الكافرين الذين عطّلوا حواسهم، فاستحقّوا هذه الصور المطابقة لحالهم. قال تعالى: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ
стр. 123
المائدة: ٧١، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ البقرة: ١٨، أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ الرعد: ١٩.
ويمتد تصويرهم في مشهد حي شاخص، تبصرة العيون كأنه حاضر الآن، لتوضيح إصرارهم على الكفر واليأس من إيمانهم لأنهم مقمحون. يقول تعالى فيهم: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ، وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ يس: ٨ - ٩.
فهؤلاء ليسوا في حالة تمكّنهم من رؤية الحق، على الرغم من قربه منهم، لأنهم محجوبون عنه بالموانع والسدود التي تمنعهم من رؤيته، فهم، لا ينظرون نظرة سوية إلى الأمام حتى يروه، كما أن حاسة الرؤية عندهم معطلة، فهم لا يبصرون، وكيف يبصرونه، وقد أقاموا من حولهم السدود والحواجز حتى لا يروه؟
يقول سيد قطب في تفسيره لهذه الآية: «يصوّرهم: أنهم مغلولون ممنوعون قسرا عن النظر، محال بينهم وبين الهدى والإيمان بالحواجز والسدود، فغطى على أبصارهم فلا يبصرون، إن أيديهم مشدودة بالأغلال إلى أعناقهم، موضوعة تحت أذقانهم، ومن ثم فإن رءوسهم مرفوعة قسرا لا يملكون أن ينظروا بها إلى الأمام ومن ثم فهم لا يملكون حرية النظر والرؤية وهم في هذا المشهد العنيف، وهم إلى هذا محال بينهم وبين الحقّ والهدى بسدّ من أمامهم، وسدّ من خلفهم، فلو أرخى الشدّ فنظروا لم تنفذ أبصارهم كذلك من هذه السدود، وقد سدّت عليهم سبيل الرؤية، وأغشيت أبصارهم بالكلال» «١٦».
ولكنّ الزمخشري رأى أن «الأغلال واصلة إلى الأذقان، ملزوزة إليها» «١٧» لهذا فهي تمنعهم من طأطأة رءوسهم، حتى لا يروا أمامهم.
وسواء أكانت الصورة المرسومة لهم تعني شدّ الأيدي بالأغلال إلى الأعناق، كما ذهب سيد قطب أم كانت الأغلال واصلة إلى الأذقان، كما قال الزمخشري، فإن النتيجة واحدة وهي أنهم مقمحون، أي أنّ رءوسهم مرفوعة إلى الأعلى، فلا يرون طريقهم لهذا السبب.
والذي يعنينا هنا من الصورة هو وظيفتها، لا هيئتها، ووظيفة الصورة في هذا السياق
стр. 124
تثبت أنهم لا ينظرون إلى آيات الله المبثوثة أمامهم، بسبب هذه الحواجز والسدود، التي أقاموها حولهم، حتى لا يروا الحقّ الذي جاء به الرسول ﷺ .
ويمضي تصويرهم في التعبير القرآني، لرسم صورة أخيرة لهم، وهي صورة الختم على القلوب والأسماع والأبصار، يقول الله تعالى فيهم: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ البقرة: ٧.
فهم قد سدّوا كل المنافذ، وأغلقوها بإحكام وأختام حتى لا ينفذ النور إليها.
وتتكرر صورة الختم هذه، بصورة أخرى تماثلها وهي الطبع على القلوب، فالطبع على القلوب هو الختم عليها «١٨».
وهذه الصورة كثيرة أيضا في القرآن الكريم، للإيحاء بأنه لا جدوى من دعوتهم بعد طبع القلوب وختمها يقول الله تعالى: وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ التوبة: ٩٣، أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ النحل: ١٠٨، أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ، وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ محمد: ١٦، وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ الأعراف: ١٠٠، كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ يونس: ٧٤، وغير ذلك من الآيات.
وإذا كانت الصورة هنا تعبّر عن شدة إغلاق منافذ الإدراك والمعرفة بالختم والطبع، فإنها تعبر في سياق آخر عن شدة العذاب، بوصفه بالغلظ، لتجسيمه، والإيحاء بشدته وعنفه كقوله تعالى: وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ هود: ٥٨، وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ إبراهيم: ١٧، نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ لقمان: ٢٤، وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ فصلت: ٥٠.
كما وصف أيضا الميثاق بالغلظ، لتجسيمه في صورة محسوسة ذات سماكة وغلظ، للإيحاء بقوته وشدته كقوة الشيء المحسوس ذي السماكة. قال تعالى: وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً النساء: ٢١، وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً النساء: ١٥٤، وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً الأحزاب: ٧.
ويعبّر عن الشدة والهلاك بصورة العقم الحسية، في سياق التدمير والموت، كقوله: وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ، ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ الذاريات: ٤١ - ٤٢.
стр. 125
وصورة العقم صورة معروفة، ولكنها كريهة منفّرة، لا يميل إليها الإنسان، ولا يحبّها، وهي هنا تعبّر عن شدة الدمار والهلاك بقصد التهديد والوعيد، فهذه الريح التي تشدّ الأبصار إليها في العادة، لأنها تحمل السحب والأمطار والخير والرزق، هي ريح عقيم، بخلاف ما يأملون ويتوقعون، فهي عقيم لا تحمل الحياة والأمطار بل تحمل الموت والدمار، وتتفاعل صورة العقم مع صورة الرميم في السياق هنا للإيحاء بانتهاء حياتهم، وتدمير مساكنهم، ويعبّر عن شدة التدمير بالميت الذي رمّ وتفتت عظامه فأصبح رميما وهكذا تتناسق صورة الميت الرميم، بصورة الريح العقيم للدلالة على قوة التدمير وشموله كل شيء.
ويعبّر عن اليوم الآخر باليوم العقيم يقول الله تعالى: وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ الحج: ٥٥، وتصوير اليوم هنا بالعقيم، يوحي بأنه يوم لا يعقبه يوم بعده وبذلك تكون الصورة الحسية هذه دالة على معنى اليوم الآخر «١٩». وما فيه من العذاب الدائم الذي لا يرجى منه خلاص أو مخرج، وبذلك توحي صورة العقم انقطاع أملهم في النجاة من العذاب العقيم.
وهكذا تترابط الصورة في داخل السياق ضمن نظام العلاقات، لأداء المعاني الدينية المطلوبة.
وتعبّر الصورة عن الصلة الوثيقة بين الكتب السماوية والقرآن الكريم بتصويرها «بين يديه» يقول الله تعالى: فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ البقرة: ٩٧، ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ يوسف: ١١١.
وقد تعبّر صورة بَيْنَ يَدَيْهِ على نزول المطر كقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ الأعراف: ٥٧، أو للدلالة على قرب العذاب كقوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ سبأ: ٤٦.
وتضاف إليها لفظة وَلا مِنْ خَلْفِهِ للتعبير عن الإحاطة والشمول كقوله تعالى: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ فصلت: ٤٢، وهنا تفيد الصورة شمول النفي وعمومه على الكتاب كلّه.
стр. 126
وقوله أيضا: يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ طه: ١١٠، وقوله: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ الأعراف: ١٧، ووَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا يس: ٩، ووَ قَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ فصلت: ٢٥.
وقريب من هذا أيضا في تصوير الإحاطة والشمول قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ المائدة: ٦٦، يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ العنكبوت: ٥٥، إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ الأحزاب: ١٠.
وصورة «إطفاء النور بالأفواه» تتكرّر في السياق القرآني للدلالة على محاولات الكافرين اليائسة في محاربة الدعوة الإسلامية، والحدّ من انتشارها. كقوله تعالى: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ الصف: ٨، وهذه الصورة الحسية تثير السخرية والاستهزاء، من هؤلاء الذين ينفخون بأفواههم نور الله المنتشر في كل مكان، فيرتدون خائبين خاسرين، بعد هذه المحاولات المضحكة، المعروفة النتائج.
وقريب من هذه الصورة، صورة أخرى تتفاعل معها في التعبير عن تكذيب الرسل، والشك في دعوتهم، وما يصاحب هذا المعنى الذهني من مواقف وهيئات ساخرة وهي ردّ الأفواه بالأيدي. يقول الله تعالى: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ، وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ ... إبراهيم: ٩.
وحركة ردّ الأفواه بالأيدي، صورة مألوفة لدى الناس في الإسكات والمنع من الكلام، وهي تدلّ على سوء أدبهم، وسلوكهم مع أنبياء الله.
وصورة «الخبيث والطيب» تعبّر عن الأشياء التي يحبّها الله سبحانه، والأشياء التي يكرهها، وصورة الخبيث في الحياة صورة كريهة منفّرة، وصورة الطيب محبّبة مطلوبة.
وتتقابل الصورتان في السياق القرآني لتتضح الفوارق الكبيرة بين الصورتين في الدلالة والأثر، والمضمون والجوهر. يقول الله تعالى: قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ المائدة: ١٠٠.
فهذه الصورة للطيب والخبيث، صورة ممتدة في إيحائها، لتشمل كل المعاني المتعلقة بالمكاسب والأعمال والناس والعلوم ... فالخبيث مكروه مذموم، ولو كان طاغيا وكثيرا، والطيب
стр. 127
محبوب مرغوب وإن كان قليلا لذلك وصف الله سبحانه «الحلال» بأنه «طيب» قال تعالى:
يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً البقرة: ١٦٨، وصورة الحلال الطيّب صورة حسية ذوقية، تتسم بالعمومية، وهي متناسقة مع السياق الواردة فيه، سياق أمر الناس جميعا بأكل الطيبات، وتحرك الخيال كي يسرح في أنواع الطيبات التي أحلّها الله، وهي طيبات لا تحصى، ويترك الصورة مجملة دون تفصيل لأجزائها وأنواعها، لأنها صورة مألوفة لدى الناس.
وفي مقابل صورة الطيبات الواردة صراحة بالتعبير، تأتي صورة «المحظورات» أو المحرّمات عن طريق التلويح بها، من خلال صورة أخرى وهي «صورة الشيطان»، وذلك لما بين الصورتين من اتصال وتواصل، فالشيطان هو الذي يدفع الإنسان إلى المحرمات، ويزينها له يقول تعالى بعد ذكر الطيبات مباشرة محذّرا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ البقرة: ١٦٨ - ١٦٩.
فالشيطان هو الذي يأمر بالخبائث، والله سبحانه يأمر بالطيبات، وهكذا يتّضح من تقابل الصورتين الفارق الكبير بينهما من حيث مصدر الأمر بهما، وأثر كلّ من الصورتين في النفس البشرية أيضا.
وتتواصل صورة الخبيث في السياق القرآني، لترسم خاتمة له في جهنم وبئس المصير، على سبيل التجسيم الفني يقول الله تعالى: لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ الأنفال: ٣٧.
فالخبيث هنا مجسّم في صورة أكوام من الأقذار الكريهة، تجمّع بعضها فوق بعض، ثم تقذف في النار، بدون اكتراث أو اهتمام، فهذه الصورة للخبيث أوقع في الحس والنفس من أي تعبير آخر، وهي تهدف إلى التنفير من الخبيث، من خلال هذه النهاية المرسومة له.
وشتّان بين صورة الخبيث الكريهة التي تنتهي في النار، وبين صورة الطيب المحبوبة، التي تنتهي إلى الجنة. وهكذا تتفاعل الصور وتتواصل وتمتد، في رسم النهايات المؤثّرة لكلّ من الخبيث والطيب. حتى يظلّ المتلقي يتدرّج من صورة إلى صورة، فيصل إلى الصورة النهاية الموحية المؤثّرة التي ترتسم ملامحها وخطوطها في تلك النهاية الطبيعية لكل من الخبيث والطيب.
стр. 128
وقد تنقل المعاني الذهنية في صور حسية ضخمة، فيها غرابة وإثارة، كالتعبير عن أمانة التكليف، وحرية الاختيار الإنساني، في صورة كونية حيّة شاخصة، فيها غرابة وإيحاء.
يقول الله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها، وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا الأحزاب: ٧٢.
والصورة الكونية بضخامتها، تعبّر عن ضخامة الأمانة وعظمها، فهي متناسقة مع المعنى، وموحية به، ويبدو الإنسان كبيرا أيضا أمام هذه الصورة الكونية التي أشفقت من حمل الأمانة، وحملها هو، مع ما ركّب فيه من شهوات وأطماع.
وتتّسم هذه الصورة المعبّرة عن المعنى الذهني بالحركة التخييلية، إذ إن الأمانة شيء مادي محسوس يعرض على السماوات والأرض والجبال على سبيل التجسيم، والسماوات والأرض والجبال، وهي صور كونية جامدة، تشخّص في كائنات حيّة تخاطب كما يخاطب الأحياء، فتدرك عظم الأمانة، وتشفق من حملها على طريقة القرآن في التشخيص. وذلك لإحياء المعنى الذهني، وإيضاحه، والتأثير فيه، فتبرز ضخامة الأمانة من خلال هذه الكتل الضخمة المشفقة من حمل الأمانة، ويبدو الإنسان الصغير في حجمه، كبيرا في مضمونه، لأنه وحده الذي حمل هذه المسئولية. ويترتّب على تحمّل الإنسان هذه الأمانة، ضخامة الثواب والعقاب أيضا، كما توحي بذلك هذه الصورة المتخيلة.
ويوضّح الزمخشري في تفسيره هذه الصورة الغريبة بقوله «فإن عرض الأمانة على الجماد، وإباءه وإشفاقه محال في نفسه، غير مستقيم، فكيف صحّ بناء التمثيل على المحال؟ وما مثال هذا إلا أن تشبه شيئا والمشبه به غير معقول قلت: الممثل به في الآية مفروض، والمفروضات تتخيل في الذهن، كما المحققات مثلت حال التكليف في صعوبته، وثقل محمله، بحاله المفروضة لو عرضت على السماوات والأرض والجبال لأبين أن يحملنها وأشفقن منها» «٢٠».
وهناك صور كثيرة من هذا النوع للدلالة على المعاني الذهنية، وهي واردة في الأنساق الملائكة لها ومن ذلك أيضا قوله تعالى في سياق الحديث عن تدمير فرعون وجنوده: فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ الدخان: ٢٩.
стр. 129
فالصورة هنا تعبّر عن هلاك فرعون وقومه، دون أن يحزن عليهم أحد في الأرض ولا في السماء، ولكن هذا المعنى يعرض في صورة غير مألوفة، وهي نفي بكاء السماء والأرض عليهم وهذا معروف في أساليب العرب. فإذا مات الرجل عندهم قالوا فيه بكت السماء، والأرض وبكته الريح، وأظلمت له الشمس «وذلك على سبيل التمثيل والتخييل مبالغة في وجوب الجزع والبكاء عليه، ونفي ذلك عنهم في قوله تعالى: فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ فيه تهكم بهم، وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده فيقال فيه بكت عليه السماء والأرض» «٢١».
ولكنّ غرابة الصور السابقة لا ترجع إلى عناصر تشكيلها، بل ترجع إلى طريقة التعبير عن المعنى الذهني، كما بينّا في تحليلها. ولكن هناك صورا فنية، تعبّر عن المعاني الذهنية، بعناصر تشكيل غير محسوسة أو غريبة، يقتضيها السياق الواردة فيه كقوله تعالى فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ النمل: ١٠، وقوله أيضا: إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ، طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ الصافات: ٦٤ - ٦٥.
ولعل التصوير بهاتين الصورتين يرجع «إلى شهرة المشبه به، وكثرة تخيله، حتى ارتسمت في الخيال صورة له، تكاد تكون محسوسة، ففي الخيال صورة واضحة للجان تمثله سريع الحركة، لا يكاد يهدأ ولا يستقر، وفيه صورة بشعة مرعبة لرءوس الشياطين، وما يكمن بداخلها من إغراء تمثلها قبيحة منفرة» «٢٢».
وأحيانا تلجأ الصورة إلى المبالغة في نقل الحالات النفسية في الصدور كقوله تعالى في بني إسرائيل: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ البقرة: ٩٣.
فالصورة هنا ترسم حركة تخييلية للعجل يدخل في قلوبهم إدخالا عنيفا، بطريقة غريبة، ولكنّ هذه الصورة غير المألوفة، تتناسق مع حبّ اليهود للعجل وعبادتهم له، فهي تجسّم هذا الحب الشديد غير المألوف في صورة حسية غير مألوفة أيضا، فيها شدة وغلاظة، تناسب حبّهم الغليظ لعبادة العجل، وتتلاءم مع غلاظة طباعهم، أو مشاعرهم التي تحولت بسرعة من الإيمان إلى الكفر.
стр. 130
ويلاحظ أن هذه الصورة تنقل لنا دقائق نفوسهم وما فيها من مشاعر وأحاسيس، إذ تجعل عبادة العجل مشروبا لذيذا، أشربوه بفعل فاعل دفعة واحدة، وأشربوه في القلوب دون غيرها لأنها موضع العواطف والحب.
وهناك صور أخرى قريبة، من هذه الصور، في المبالغة والغرابة في التعبير عن المعاني الذهنية. كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا، وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ الأعراف: ٤٠ المعنى الذهني هنا هو استحالة دخول الكافرين الجنة، ولكن هذا المعنى، لا يعرض عرضا مباشرا، وإنما تنقله لنا الصورة الفنية بتركيب فني يثير الغرابة والدهشة وهي استحالة دخول الجمل بضخامته في ثقب الإبرة، مهما حاول من جهد، وكرّر المحاولة، وهذه الصورة الغريبة في تشكيلها ملائمة تماما، لاستحالة دخول الكافرين الجنة، مهما حاولوا فهي محاولات يائسة كمحاولة الجمل اليائسة في ولوج سمّ الخياط، وتتفاعل هذه الصورة مع الصورة قبلها «لا تفتح لهم أبواب السماء» في السياق، للإيحاء بالرفض والاستحالة رفض قبول الكافرين، واستحالة دخولهم الجنة، وتترك الصورتان معنى الرفض ومعنى الاستحالة، ليستقرا في النهاية في أعماق النفس المتفاعلة مع التصوير الحسّي للمعنى في داخل السياق ضمن نظام العلاقة بين الصورتين في نقل المعنى
الذهني.
ومن ذلك أيضا قوله تعالى في التنفير من الغيبة: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ الحجرات: ١٢.
فصورة أكل لحم الميت صورة غريبة مستكرهة، تتأذى منها النفوس، وتنفر من بشاعتها، ولكنّ الغرابة في الصورة مقصودة هنا، لنقل المعنى الذهني المستغرب، وهي ملائمة له، فالإنسان يغتاب أخاه، وهو غائب، والصورة ترمز لذلك بتناول لحم أخيه وهو ميت لا يشعر بما يقوله عنه.
وتمثّل الغرابة في الصورة، الغرابة في المعنى الذهني، والمبالغة في التصوير تهدف إلى التنفير من هذه العادة البشعة، فالترابط بين التصوير والمعنى قوي بارز، فكما أن النفوس تتأذى بالغيبة كذلك تغرس الصورة في النفوس مشاعر النفور والكراهية من هذه الصفة الذميمة في الإنسان.
стр. 131
وقد تبعد الصورة في نقل المعنى، إلى جعل الممتنع محالا، على سبيل التخييل. كقوله تعالى: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ المجادلة: ٢٢.
يقول الزمخشري في توضيح هذه الصورة: «لا تجد قوما من باب التخييل، خيّل أن من الممتنع المحال أن تجد قوما مؤمنين يوالون المشركين، والغرض منه أنه لا ينبغي أن يكون ذلك وحقه أن يمتنع ولا يوجد بحال، مبالغة في النهي عنه، والزجر عن ملابسته، والتوصية بالتصلب في مجانبة أعداء الله ومباعدتهم والاحتراس من مخالطتهم ومعاشرتهم» «٢٣».
ويكثر في القرآن الكريم تصوير الحقّ بالقذيفة كقوله تعالى: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ سبأ: ٤٨، فالحق وهو شيء معنوي يصوّر بجسم مادي محسوس، على طريقة القرآن في تجسيم المعنويات، والله هو الذي يطلق هذه القذيفة، وهي قذيفة، تعرف طريقها ومسارها، فلا يقوى أحد على إيقافها أو منعها، فهي واضحة قوية، تصيب هدفها، لأن مطلقها هو «علّام الغيوب».
وصورة القذيفة ترد في القرآن في مواضع عدّة، للدلالة على القوة والشدة في تصوير المعاني ومن ذلك قوله تعالى: وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ الأحزاب: ٢٦، وقوله أيضا: وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها طه: ٨٧، وقوله أيضا: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ الأنبياء: ١٨.
وقريب من هذه الصورة في القوة والشدة، تجسيم المعنويات بصور مادية شديدة. كقوله تعالى: وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ المائدة: ٦٤، وهنا نلاحظ تصوير العداوة والبغضاء وكأنهما مادتان ثقيلتان يلقى بهما، فيحس المتلقي بثقلهما وشدة إلقائهما.
ومن ذلك أيضا قول الله : ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ التوبة: ٢٦.
فالسكينة هنا مادة محسوسة، لها أثرها الملموس، في قلب الرسول ﷺ ، وفي نفوس المؤمنين. وصورة «الضرب» الحسية تتكرّر أيضا في الأسلوب القرآني للدلالة على قوة المعاني الذهنية وشدّتها كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ... النساء: ٩٤.
стр. 132
والمعنى الذهني هنا هو الخروج للجهاد، ينقل في صورة حسية «ضربتم»، وهذه الصورة مرتبطة بالمعنى، لأن الجهاد فيه ضرب وطعن، كما أنها متناسقة مع سياق قتال الأعداء، وجوّ المعارك.
ولكنّ هذه الصورة، ترد في سياق آخر، لتدلّ على السعي والحركة كقوله تعالى: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ النساء: ١٠١.
وقد تدلّ أيضا على الإحاطة والشمول كقوله تعالى: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ البقرة: ٦١، فكأن الذلّة والمسكنة هنا قبة مضروبة فوقهم، تحيط بهم، وتشملهم من جميع النواحي.
وقد تعبّر هذه الصورة عن النوم أيضا وذلك في قوله تعالى: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً الكهف: ١١، فهي هنا توحي بثقل النوم وشدّته، حتى إن النائم منهم لا يسمع صوتا ولا حركة، وكأنه قد ضرب على سمعه بحجاب فلا يسمع بعد ذلك «٢٤».
وتتواصل هذه الصورة مع صورة الربط على القلوب، للإيحاء بالقوة والشدة في المعاني الذهنية المصوّرة كقوله تعالى: وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الكهف: ١٤. وهذه الصورة الحسية تثير في الذهن صورة الأوعية المشدودة بإحكام، للإيحاء بقوة القلوب، وشدّها، حتى تتحمّل أعباء الدعوة، والربط فيه قوة وشدة، وهو ملائم للسياق الذي يتحدث عن الجهر بالدعوة وتحمّل مشاقّها.
وتتكرّر هذه الصورة الحسية أيضا، في تصوير قلب أم موسى، والربط عليه. وذلك في قوله تعالى: إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ القصص: ١٠، والمعنى الذهني هنا هو أنها كادت تفقد صبرها، وينفلت تماسكها، ولكن الله قوّاها، وصبّرها، وقد عبّرت الصورة عن هذا المعنى بالربط على قلبها، وكأن قلبها قد انفلت كما ينفلت الشيء من عقدته، ثم جاء الربط ليقوي من قلبها ويعيد لها قوتها وتحمّلها. مثل الرباط الذي يمنع الشيء من الانفلات وإخراج ما فيه.
ومن هذا أيضا قوله تعالى في موضع آخر: وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ الأنفال: ١١، وقد تتجاوز الصورة نقل المعنى الذهني في إيحاءاتها، لتقوم بترسيخ
стр. 133
قواعد العقيدة الدينية، وأصولها العامة. فتعبر الصورة عن الأرض الجرداء بلفظ «الميتة» وإنبات الزرع فيها ب «الإحياء» يقول الله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها الحديد: ١٧، وقوله: وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها البقرة: ١٦٤، وقوله سبحانه أيضا: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً، فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ العنكبوت: ٦٣، وغير ذلك من الآيات الواردة كثيرا في الأسلوب القرآني.
ويبدو أن تكرار هذه الصور الحسية، والإلحاح عليها في التعبير القرآني، يهدف إلى التركيز على فكرة إحياء الموتى، وتقريب صورة البعث من القبور إلى الأذهان، وقد ورد هذا الغرض صريحا في قوله تعالى: وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ ق: ١١.
وصورة الأرض الميتة، تقابل صورة الموتى في القبور، فكما أن الله يحيي الأرض بعد موتها، فتنبت الزروع والثمار، كذلك يخرج أجساد الموتى من الأجداث، وهكذا تتّضح حقيقة الحياة بعد الموت، من خلال هذا التصوير الحسي المدرك. وتصوير خلق البشر بالنبات، يرتبط أيضا بهذه الحقيقة الكونية وهي أن الله يحيي ويميت، والحياة والموت في الزروع والنبات، كما في المخلوقات أيضا. قال تعالى: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً نوح: ١٧. يقول الصابوني في تفسيره: «والمعنى خلقكم وأنشأكم من الأرض كما يخرج النبات، وسلّكم من تراب الأرض، كما يسلّ النبات منها، قال المفسرون: لما كان إخراجهم وإنشاؤهم إنما يتمّ بتناول عناصر الغذاء الحيوانية والنباتية المستمدة من الأرض، كانوا من هذه الجهة مشابهين للنباتات التي تنمو بامتصاص غذائها من الأرض، فلذا سمّى خلقهم، وإنشاءهم إنباتا ... » «٢٥».
فالصورة توحي بالعلاقة بين إنبات النبات، وإنشاء البشر، فكما أن النبات، يبدأ من العدم بذرة ثم ينمو ويكبر، ويثمر ثم يزول ويهلك، كذلك أطوار الإنسان، شبيهة بمراحل النبات، لذا تبدو صورة إحياء الموتى وبعثهم من القبور، صورة غير مستغربة، لأنها تعدّ صورة ممتدة، أو متواصلة مع صورة إحياء الأرض الميتة.
كذلك نجد تصوير النوم بالوفاة، والاستيقاظ منه، ب «البعث» للإلحاح على هذه المعاني الدينية التي تشكّل أصول العقيدة، لتقريبها من الأذهان، من خلال هذه الصورة اليومية الملموسة. قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ
стр. 134
لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى الأنعام: ٦٠، ويلاحظ التناسب الخارجي والداخلي بين صورة النائم وصورة الميت، في السكون، وفقدان الإدراك في فترة النوم، وبين صورة الاستيقاظ وصورة البعث، في الحركة والعودة إلى الإدراك.
وهذه الصورة المعبّرة عن النوم واليقظة. مألوفة عند جميع الناس، فهي بسيطة وواضحة ولكنّها عميقة في دلالتها على البعث بعد الموت، لذلك فإنّ الصورة تعتمد في تشكيلها على الفعل المضارع في «يتوفاكم» و «يبعثكم» لتدل على تكرار حدوث هذه الصورة، وتكرارها في حياة الإنسان، وهو غافل عنها، كما أن الفعل المضارع يحيي الصورة، ويجعلها حاضرة ظاهرة للعيان دائما، لندرك من خلالها فكرة الموت والحياة قريبة مكرّرة، تتواصل في الذهن مع صورة البعث من القبور للحساب والجزاء.
وقد يقترن تصوير المعنى الذهني بالحالة أو الهيئة المصاحبة له كقوله تعالى: لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ الحجر: ٨٨.
والصورة المرسومة هنا ترسم الهيئة المصاحبة للاهتمام بالمتاع الزائل على سبيل المبالغة، لأن العين لا تمتد، وإنما يمتد البصر، ولكنّ الصورة جعلت العين نفسها هي الممدودة، زيادة في التخييل الحسي، والتصوير النفسي، لحالة الاهتمام الزائد على المألوف في المتاع الزائل، والغرض من المبالغة في هذا التصوير هو حثّ الرسول ﷺ على ألا يحفل به، ولا يلتفت إليه.
وفي تصوير قوم عاد، نلاحظ أنه يصوّرهم مرة بقوله: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ، تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ القمر: ١٩ - ٢٠، ومرّة يصوّر تدميرهم بقوله: كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ الحاقة: ٧.
وهذا التنويع في تصوير معنى الإهلاك، مرتبط بتصوير الحالات والهيئات المصاحبة للمعنى، كما أن الصورة، تتفاعل مع السياق الواردة فيه، وتتناسق معه.
فتصوير الإهلاك بأعجاز النخل المنقعر، يتناسق مع السياق الذي يتحدث عن بداية إهلاكهم، ومصرعهم فقد جاءتهم الريح الصرصر العاتية، تقتلعهم من الأرض، كاقتلاع أشجار النخل من جذورها، فترميهم أرضا أجسادا هامدة، كأشجار النخيل المنقعر، أي المنقلع من جذوره، والمرمي على الأرض. وهذه الصورة، توحي بسقوطهم على الأرض،
стр. 135
ولا تدلّ على إفنائهم، فما زالت بهم قوة، واكتفت اللقطة المصوّرة بهذا الجزء من مشهد إهلاك عاد، لأن السياق الواردة فيه هذه الصورة لم يتحدث عن الزمن الذي سخرت فيه الريح لتدميرهم. كما ورد ذلك في سياق الصورة الثانية يقول الله تعالى: سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ، وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ
خاوِيَةٍ
الحاقة: ٧، فهذه الصورة أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ وردت في سياق، يتحدث عن منتهى إهلاكهم وتدميرهم، لذلك كانت الصورة متفاعلة مع هذا السياق، ومتناسقة معه، فأجسادهم هنا فنيت، وتآكلت أجوافها، حتى صارت خاوية، تشبه أعجاز النخل الخاوية، والريح في هذا السياق، لم تكتف برميهم على الأرض، كما في الصورة الأولى «نخل منقعر» وإنما راحت تجوّف أجسادهم، حتى تجعلها خاوية من كل شيء، وصورة الأجساد الخاوية، تتناسق مع السياق العام للسورة، الذي يوحي بالشدة والقوة والعنف. فقد تحدثت السورة عن الحاقّة، والطاغية، وطغيان الماء، ودك الأرض والجبال وغير ذلك من الأوصاف الشديدة، التي تقتضي تصوير هلاك عاد بالنخل الخاوية.
ويمكننا أن نقول بعد هذا: إن الصورة الثانية ترتبط بالصورة الأولى لهم، وتتواصل معها، فالنخل المنقعر، تصوير لبداية التدمير والإهلاك، ثم النخل الخاوية، هي الصورة الأخيرة للإهلاك والإفناء فالصورة الثانية، تكمل التصوير في الصورة الأولى، وليست منفصلة عنها.
وهكذا تتكامل الصورة القرآنية، في السياق القرآني، لتأدية المعاني، بكل ما يصاحبها من هيئات وحالات، وخطوط، يقتضيها التصوير الفني، لتحقيق التأثير الديني.
وقد يقترن تصوير المعاني الذهنية بالتحقير والإهانة، وهذا كثير في القرآن الكريم.
كقول الله تعالى في تصوير تدمير ثمود بعد أن عقروا الناقة: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ القمر: ٣١، فصورة الهشيم المحتظر، تعبّر عن معنى إفنائهم وإهلاكهم، ولكن الصورة لا تعبر عن المعنى فقط، وإنما تعبّر أيضا عن الإهانة والتحقير لهم، عقابا على استكبارهم على دعوة الله، ومخالفتهم أمره، وصورة الهشيم تدلّ على إفنائهم، ولكنّ هذا الهشيم، هو هشيم الحظيرة الذي تدوسه الدوابّ وتروث عليه، تحقيرا لهم، وازدراء بهم.
стр. 136
ونظير ذلك أيضا صورة إهلاك أصحاب الفيل في قوله تعالى: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ الفيل: ٥، فصورة العصف المأكول تعبّر عن الإهلاك، وتعبر أيضا عن التحقير المصاحب لهذا الإهلاك، فالعصف وهو ورق الزروع أو التبن، أكلته الدواب وراثته، فالصورة توحي بالتحوّل من جنس الآخر وهؤلاء، قد فنيت أجسادهم، وتغيّرت، حتى أصبحت على هذه الصورة الكريهة المحتقرة التي يكنّى عنها القرآن الكريم، على طريقته التصويرية في أداء المعاني بالكنايات والإشارات الموحية.
وعلى طريقة قوله تعالى: كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ المائدة: ٧٥، كما يقول الزمخشري «٢٦».
فالصورتان «هشيم المحتظر» و «العصف المأكول» تعبّران عن الإهلاك والإفناء للكافرين، ولكن لكلّ صورة منهما خصوصيتها، التي تميّزها عن الأخرى، وهذه الخصوصية في التصوير، جاءت كي تتلاءم مع السياق الواردة فيه، ولتدلّ أيضا على هيئة الكافرين بعد إهلاكهم، للإيحاء بالتحقير والازدراء لهم. فصورة الهشيم المحتظر توحي بأن أجسادهم، حطّمت وديست بالأقدام، كما تدوس الدوابّ الهشيم في الحظيرة، و «صورة العصف المأكول» توحي بإحراق أصحاب الفيل، وإفنائهم فناء كاملا، حتى أصبحوا مادة أخرى بعد الإحراق، كما يتحوّل ورق الزرع أو التبن إلى مادة أخرى بعد أن تأكله الدواب ولا يخفى ما في الصورتين من التحقير والترذيل لهؤلاء الكافرين إلى جانب تصوير المعنى الذهني كما قدمنا آنفا.
وقد تتعاون الحركة والهيئة في تصوير المعنى الذهني، والحالة النفسية كقوله تعالى:
فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ، عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ المعارج: ٣٦ - ٣٧.
جاء في الكشاف أن مهطعين تعني مسرعين مادي أعناقهم إلى الأمام، وعزين تعني فرقا شتى «٢٧».
هذه الصورة المرسومة لهم، وهم يستمعون القرآن، ويعجبون بما فيه من سحر وبيان، فيها الحركة والهيئة تتعاونان في رسم هذه الصورة الساخرة منهم، لأنهم لا يسمعون القرآن، للاهتداء والإيمان وإنّما للكيد والتآمر. وصورتهم وهم يسرعون، مادين أعناقهم
стр. 137
إلى الأمام، للاستطلاع والدهشة مما يسمعون من بيان ساحر مؤثر، ترسم حركتهم الخفية في داخل الصدور، من خلال هذه الحركة الظاهرة لهم، وهم يتوزّعون شمالا ويمينا في جماعات متناثرة، حول الرسول ﷺ في جنح الظلام وهو يتلو القرآن. فالصورة هنا، تعبّر عن المعنى الذهني في استماعهم القرآن، والحالة النفسية في إعجابهم ببيانه، ثم ترصد حركتهم وقت الاستماع، وهيئتهم وهم جماعات موزعة هنا وهناك، وتضفي على ذلك كلّه طابع السخرية منهم، لأنهم لا يستمعون من أجل أن يؤمنوا بل من أجل أن يتآمروا، ويستطلعوا فقط.
وتجسّم الصورة حقد النفوس على رسول الله ﷺ ، في حركة العيون المحدّقة بعنف وشدّة كقوله تعالى: وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ... القلم: ٥١، فهذه الصورة المرسومة للكافرين بكل ما فيها من شدة وعنف، تعبّر عن حالات النفوس الحاقدة الحاسدة على رسول الله، وقد جسّمت هذه النفوس الشريرة في حركة العيون المحدّقة بنظرات شديدة كادت أن تزلّ بأقدام الرسول من على الأرض. كما يقول الزمخشري «٢٨».
وإذا كانت الصورة هنا قد غلب عليها تصوير ما في النفوس على تصوير المعنى الذهني، فليس معنى هذا أن الصور المتقدمة كانت خالية من ذلك، بل إنّ الصورة القرآنية، صورة متكاملة تعبّر عن العقل والنفس أو الفكر والشعور معا. ولكنّنا نرى أحيانا أن المعنى الذهني، يكون هو المقصود بالتصوير أولا، والمشاعر والأحاسيس تكون مصاحبة له. وأحيانا تكون الحالة النفسية هي المقصودة أولا، والمعنى الذهني مصاحبا لها ومن ذلك أيضا قوله تعالى في تصوير خوف المشركين من المواعظ الدينية وإعراضهم عنها فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ، فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ المدثر: ٤٩ - ٥١.
والصورة هنا ترسم خوفهم وإعراضهم في حركة حمر الوحش المذعورة والخائفة، تجري هاربة من الأسد الذي يطاردها، وهي صورة مجسّمة لحالة النفوس الخائفة والمضطربة، والتي فقدت السيطرة على أعصابها فولّت هاربة في كل ناحية. يقول الزمخشري: «وفي تشبيههم بالحمر مذمّة ظاهرة، وتهجين لحالهم بيّن، كما في قوله
стр. 138
تعالى: كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً وشهادة عليه بالبله وقلة العقل، ولا ترى مثل نفار حمير الوحش واطرادها في العدو إذا رابها رائب» «٢٩».
وتجسّم الصورة حقيقة الأعداء في مشهد حيّ متحرك، يضمّ صورا عدّة لنفوس الأعداء وما فيها من عداوة ونفاق ورياء وغيظ وحقد، وذلك في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ، قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ، قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ، ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ، إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ آل عمران: ١١٨ - ١٢٠.
فالصورة المرسومة هنا لأعداء المسلمين، واضحة بكل ملامحها وحركاتها وخطوطها، تجمع بين التصوير الحسّي، والتصوير النفسي في التعبير، والتصوير الحسي لأعداء المسلمين ظاهر في تحركاتهم الذاهبة الآئبة بالمكر والخديعة والتآمر، والتصوير النفسي، يكشف خفايا النفوس الباطنة، فوراء التظاهر بالمودة والصداقة نفوس حاقدة ماكرة، تعرّي الصورة حقيقة هؤلاء، وتزيل مظاهر الخداع عنهم، لتفضح حقائق نفوسهم وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ.
ويلاحظ أن الصورة ترسم مشهدا، فيه مناظر عدة، منظر الرياء والنفاق للأعداء حين يلتقون بالمسلمين، ومنظر ثان حين يخلو بعضهم إلى بعض في الخفاء، ترسمه صورة حسية ناطقة عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ومنظر ثالث يفصّل في تصوير غيظهم، فهم يغتاظون منكم، إن مستكم الحسنة، ويفرحون إن أصابتكم المصيبة.
ويوضّح أحمد بن المنير في هامشه على الكشاف الفرق بين تصوير الحسنة بالمس، والسيئة بالإصابة فيرى أن المس هو أقل تمكنا من الإصابة، وهو أقل درجاتها، فالأعداء كانوا يغتاظون من أدنى حسنة تصيب المسلمين ولو كانت مسّا خفيفا، وذلك لحقدهم وحسدهم، ولكنهم كانوا يفرحون إذا تمكنت المصيبة منهم «٣٠».
стр. 139
كذلك تجسّم الصورة مشاعر الخوف في نفوس المسلمين حين كانوا قلّة مضطهدة وذلك في قوله تعالى: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ الأنفال: ٢٦.
فالحالة النفسية للمؤمنين، تجسّم في صورة الأيدي الممتدة إليهم لتخطفهم، وهم في حالة خوف وترقب وحذر.
وهذه الصورة المجسّمة لحالة النفوس، كرّرت في القرآن الكريم يقول الله تعالى: إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا القصص: ٥٧.
وقد تلجأ الصورة إلى تجسيم الخوف في هيئة الترقب والانتظار كقوله تعالى: فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ القصص: ١٨، وهذه الصورة توحي بالقلق والاضطراب، وتوقع الشرّ في كلّ لحظة، وهي ترسم حركة وهيئة الخائف المترقب في لفظ واحد «يترقب».
وصورة يعقوب المفجوع بولديه، تجسّم حالته النفسية، وما فيها من حزن، وهمّ وألم في صورة بياض عينيه الحسية. يقول تعالى: وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ يوسف: ٨٤.
والصورة توضح منتهى الحزن والألم النفسي، وقد ارتسم هذا الحزن الداخلي في صورة عينيه، ولكنه على الرغم من ظهور حزنه في عينيه، كان يكظم حزنه، ويخفي ألمه وصورة أم موسى النفسية بعد أن سمعت وقوع ولدها بيد فرعون، تختلف عن الصور النفسية المتقدمة وذلك في قوله تعالى: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها القصص: ١٠.
وهذه الصورة لفراغ القلب من كل صبر ووعي وإدراك، وكل المعاني الأخرى، التي تصيب الأم الوالهة، في ظروف مشابهة للظرف الذي مرت به أم موسى، تعبّر عنه صورة «فراغ القلب» الموحية بالجزع الشديد، الذي يطير له القلب، ويفرّغ من أي محتوى آخر.
وهكذا تتواصل الصور في القرآن للتعبير عن الخوف في داخل النفوس، ولكنها لا تتماثل، فكل صورة تتميّز عن الأخرى، حسب السياق الواردة، فيه، وحسب الأشخاص والحالات والمواقف، كما أنها تتميّز بالإيحاءات المنبعثة منها، والملائكة لها وللسياق معا.
فخوف المشركين يجسّم في حركة حمر الوحش المذعورة للإيحاء بالتحقير، وخوف المؤمنين حين كانوا قلّة يجسّم في حركة الأيدي الممتدة إليهم، لتخطفهم، للإيحاء بالقلة
стр. 140
والضعف في تلك المرحلة.
وخوف موسى المطارد من فرعون يجسّم في هيئة الترصد، والترقب، للإيحاء بالحذر والحيطة. وخوف أم موسى على ولدها يجسّم في صورة فراغ القلب، للإيحاء بالأمومة الحانية الوالهة. وهكذا تتواصل الصور في تجسيم الحالات النفسية، وتتنوّع في تشكيلها، لتصوير هذه الدقائق في الحالات والأشخاص والمواقف، ولبعث الإيحاءات الملائمة لذلك كلّه، فليس هناك صور جاهزة تعبّر عن الحالة الواحدة، بصورة جاهزة مكررة، بل هناك الصور النامية المتجددة، الملائمة للفروق بين الأشخاص والمواقف والأنساق التعبيرية.
وقد تتقابل رغبة النفوس وكرهها في التصوير، لإبراز الفوارق بين النفوس المؤمنة، والنفوس الكافرة. وذلك في قوله تعالى: أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ القصص: ٦١.
ففي هذه الآية نلاحظ الوعد الحسن مشخّصا في صورة كائن حيّ مرغوب في لقائه فَهُوَ لاقِيهِ والنفوس المؤمنة ترغب في لقاء الله، وتحبّ موعد اللقاء في اليوم الآخر، وصورة أخرى مقابلة للنفوس الكافرة، التي لا ترغب هذا اللقاء في اليوم الآخر، لذلك فهي تحضر إحضارا في ذلك اليوم، لتصوير كره نفوس هؤلاء للحساب، فيحضرون إليه رغم أنوفهم، وهذا ما يوحي به قوله: مِنَ الْمُحْضَرِينَ.
وقد تلجأ الصورة أحيانا إلى الغرابة، في تشكيلها لتصوير ما يصيب النفوس من قنوت ويأس من وعد الله ونصره كقوله تعالى: مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ الحج: ١٥.
فهذه الصورة بما فيها من الغرابة، تعبّر عن نفس امتلأت غيظا وقنوطا من نصر الله، ومن كان هذا حاله فليفعل بنفسه ما شاء، فإنه لن يغيّر من الواقع شيئا مهما بذل من جهد، لإزالة ما يغيظه، ولو مدّ حبلا إلى السماء، وربط نفسه ثم قطعه، فإن هذه المحاولة لن ترفع الابتلاء والشدة عنه.
هذه الصورة المتخيلة، لشخص علّق نفسه بحبل ممدود إلى السماء، ثم قطعه صورة شديدة، ذات إيحاء عميق، فهي توضّح أنّ امتلاء النفس بالغيظ، لا يغيّر الحقيقة الواقعة، بل إنّ المغتاظ يقتل نفسه بغيظه لذلك، لا بدّ من الاعتماد على الله، والثقة به، والاطمئنان
стр. 141
إلى وعده بالنصر، وتحمّل البلاء والشدائد، حتى يأذن الله برفع الابتلاء، وتحقيق النصر، وهذا ما توحي به الصورة.
فهذه الصورة المتخيّلة، تعبّر عن الحالة النفسية لغيظ النفس، وما يصاحب ذلك من حركات غريبة يقوم بها المغتاظ القانط، تجسّم هذه الحالة النفسية وهي في ذروة الضيق والكرب، وما تقوم به من حركات غريبة لدفع الكرب والضيق، في هذه الصورة الغريبة أيضا بالإضافة إلى ما في الصورة من إيحاء بأن تدبير الله هو النافذ. وأن ليس للإنسان إلا الاحتمال والصبر، وإلّا فليقتل نفسه غيظا وكمدا على هذه الصورة المرسومة أمامه في التعبير القرآني.
ولكنّ همّ الرسول ﷺ من نوع آخر، فقد كان حريصا على إيمان قومه، لما يعرف من الحقّ، وقد بلغ به هذا الحرص أن راح يكلّف نفسه ما لا تطيق، من الضيق بإعراضهم عن دعوة الله وقد عبّرت الصورة عن هذه الحالة النفسية في قول الله تعالى: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ الشعراء: ٣ - ٤.
فحسرة الرسول ﷺ على تكذيب قومه، إلى حدّ قتله نفسه ألما وهمّا، مصوّرة في قوله باخِعٌ نَفْسَكَ وكلمة باخِعٌ تصوّر أقصى الدرجات في قتله نفسه غمّا وتأثرا، لعدم إيمانهم ثم جاءت الصورة التالية، لتخفّف عن رسول الله إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ وهذه الصورة الثانية، مرتبطة بالصورة الأولى في السياق ومتفاعلة معها، في التخفيف عن الرسول ﷺ ، وبيان مهمته في الإبلاغ فقط، وترك الاختيار لهم بعد الإبلاغ والدعوة، لأنّ الله لو أراد أن يخضعهم قسرا، لأنزل هذه الآية من السماء فجعل أعناقهم محنية خاضعة إلى يوم القيامة، ولكنّ الله أراد أن يترك حرية الاختيار للإنسان لحكمة يعلمها، وكلّف الرسول بإبلاغهم فقط.
وهذا المعنى يتناسق مع صورة عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأشفقن منها، ولكنّ الإنسان هو الذي حمل هذه الأمانة، ومسئولية الاختيار، وعليه أن يتحمّل ما يترتب على اختياره من نتائج. فالصور القرآنية متناسقة في تصوير المعاني، تهدف إلى بناء رؤية موحدة منسجمة للإنسان وأفعاله، وهي رؤية إسلامية واضحة في تناسق الصور على
стр. 142
الرغم من تباعدها في التعبير. وهذا يؤكد نظام العلاقات في التصوير والتعبير والتأثير، كما يؤكد أيضا وحدة الفكر المجسّد في التصوير، وتبقى في النهاية نفوس الكافرين هي نفوس ميتة، لأنها لم تعمر بالإيمان، فهي أشبه بالأرض البور الجرداء، الخالية من الحياة والنماء يقول الله تعالى في تصوير تلك النفوس: بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ، وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً الفتح: ١٢.
فهذا الظنّ السيئ، وتزيينه في قلوبهم، ينبع من قلوب «بور» كأرض بور ميتة لا حياة فيها ولا ثمار، فبين قلوبهم والأرض البور تشابه وصلة، فكلاهما لا حياة فيه، ولا خصب ولا نماء، وكلاهما أيضا يوحي بالهلاك والفناء.
فصورة القلوب البور توحي بأن الإنسان إذا انقطع عن الإيمان بالله، كان ميتا كالأرض البور، وبالمقابل فإنّ الإيمان يجعل الإنسان حيا مثمرا ونافعا يقول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ الأنفال: ٢٤.
فصورة الحياة ترتبط بالاستجابة لله وللرسول، وهذا المعنى يلحّ عليه القرآن الكريم، ليرسّخه في الأذهان. فالإيمان فيه حياة العقول والقلوب والنفوس، وبدون الإيمان
تكون صورة الموت في العقول والقلوب والنفوس. وبهذا التصوير تترسخ قواعد الفكر الإسلامي، وتتكامل الرؤية الدينية للحياة والإنسان والوجود.
وهكذا لاحظنا في هذا الفصل أن الصورة الفنية تعبّر عن شتّى المعاني الذهنية والحالات النفسية، ضمن نظام العلاقات التصويرية والفكرية والتعبيرية، لتحقيق وحدة التصوير ووحدة التأثير، ووحدة المعاني وانسجامها وتكاملها في بناء رؤية إسلامية لشتى نواحي الحياة.
كما أنّ الصورة القرآنية، تعبّر عن المعاني التي تخدش الحياء بصور كنائية تتلاءم مع سمو التعبير القرآني، كما أنها تستنفد كل الأساليب الفنية الحسية والمتخيلة في الدلالة على المعاني، كما أن الصورة القرآنية، تعبّر عن المعاني الذهنية، وما يصاحبها من مشاعر وحركات وهيئات ونحو ذلك حتى يتكامل تصوير المعنى، وترتسم معالمه ودقائقه في الأذهان.
وهذه المعاني المصورة، متناسقة ومنسجمة، فليس فيها تعارض، لأنها تنطلق من رؤية
стр. 143
دينية واضحة المعالم والسمات، كما أن الصور المعبرة عن المعاني متناسقة ومترابطة، تتواصل مع المعاني على الرغم من تباعد التعبير.
فالصورة القرآنية بناء متحد اللبنات أو الأجزاء، وهذه الوحدة في البناء التصويري تؤدي إلى وحدة البناء الفكري المجسّم في هذه الصور المعروضة.
وإذا كانت الصورة في هذا الفصل قد عبّرت عن المعاني الذهنية والحالات النفسية، بألفاظ مختارة، وجمل معبّرة ... فإن هذه الصورة القرآنية تمتد وتتسع في التعبير عن المعاني بضرب الأمثال، وتصوير الأمثال، يمتد في السياق بصورة أكبر، ولكن التواصل بين الصور لا ينقطع فالوحدة التصويرية والفكرية من السمات البارزة في الصورة القرآنية، وإن تعددت وظائف الصورة، ولكنّ هذا التعدد لا يعني التباعد بين الصور وإنما يعني التكامل في رسم ملامح هذه الرؤية الإسلامية التي هي الهدف الأساسي من التصوير في القرآن.
стр. 144
الفصل الثاني الأمثال القرآنيّة
يعتمد تصوير الأمثال على مجموعة من العلاقات المتضافرة، التي تتواصل فيما بينها، لتكوين شبكة تصويرية، تقوم بدورها في التعبير عن القضايا الدينية، التي جاء القرآن الكريم، لترسيخها في الأذهان، وتعميقها في القلوب، والعلاقات النصيّة في الأمثال داخلية تربط الأمثال القرآنية، بعضها ببعض، بروابط تعبيرية وتصويرية وفكرية تكسبها خصوصية وتميّزا، عن الأمثال الجارية المعروفة عند العرب.
وعلاقات خارجية، تربط الأمثال القرآنية، بالوظائف البعيدة للتصوير. وبذلك تترابط الوظائف للصورة وتتعاون، لتحقيق الوظيفة الدينية التي هي هدف التصوير الفني في القرآن.
فالأمثال القرآنية تشكّل مجموعة تصويرية، لها طابعها المميّز، وطريقتها الخاصة في التعبير عن المعاني الدينية، بحيث يصبح التحوّل الأسلوبي فيها إيذانا، بتغيير وظيفة الصورة، وكسر السياق المألوف في التعبير والتصوير لإشعار المتلقّي بالانتقال إلى صور جديدة، أكبر من الصور التي تعبّر عن المعاني الذهنية والنفسية، كما تقدم في الفصل الأول، بالإضافة إلى ما تكسبه للنص، من حيوية، وتجديد في أنماط الصور المعبرة عن المعاني الدينية.
والمثل في الأصل اللغوي يعني «الشبه» فهو تشبيه شيء بشيء آخر، ولكن لفظ المثل أوسع من لفظ التشبيه.
يقول الراغب الأصبهاني:
«المثل عبارة عن المشابهة لغيره في معنى من المعاني أي معنى كان وهو أعمّ الألفاظ
стр. 145
الموضوعة للمشابهة» «١». فهو يشكّل صورة فنية أكبر من الصورة التشبيهية عموما.
ويرى الزمخشري أن المثل في أصل كلام العرب يعني «المثل وهو النظير، يقال مثل ومثل ومثيل، كشبه وشبه وشبيه، ثم قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده مثل، ولم يضربوا مثلا ولا رأوه أهلا للتسيير، ولا جديرا بالتداول والقبول، إلا قولا فيه غرابة من بعض الوجوه، وقد استعير المثل للقصة أو الصفة، إذا كان لها شأن وفيها غرابة» «٢».
وهذا هو الرأي الذي قال به ابن منظور حيث عدّ المثل والمثل بمعنى واحد، ويراد بهما معنى التسوية يقول ابن منظور: «مثل كلمة تسوية يقال هذا مثله كما يقال شبهه وشبهه بمعنى، والمثل الشيء الذي يضرب لشيء مثلا فيجعل مثله» «٣».
فالمشابهة في المثل، قد تكون من عدة وجوه كما رأى الأصبهاني في رأيه المتقدم، وقد تكون المشابهة مساوية للنظير، كما ذهب إلى ذلك الزمخشري وابن منظور.
لهذا كان المثل عند عبد القاهر الجرجاني يعني التشبيه التمثيلي، وهو نوعان: بسيط ومركب أما التمثيل البسيط فهو تشبيه مفرد بمفرد كقوله تعالى: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هود: ٢٤.
وأما التمثيل المركب فهو يعتمد على أمور عدة «يجمع بعضها إلى بعض ثم يستخرج من مجموعها الشبه، فيكون سبيله سبيل الشيئين يمزج أحدهما بالآخر حتى تحدث صورة غير ما كان لهما في حال الإفراد، لا سبيل الشيئين يجمع بينهما وتحفظ صورتهما ومثال ذلك قوله : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ
الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
الجمعة: ٥» «٤».
ويرى الجرجاني أن التشبيه كلّما أوغل في كونه عقليا محضا كانت الحاجة إلى الجملة أكثر، ويستشهد على ذلك بقوله تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ ... الآية. ويعقب على ذلك بقوله: «ترى في هذه الآية عشر جمل إذا فصلت» «٥».