← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38131

وظيفة الصورة الفنية في القرآن

عبد السلام أحمد الراغب

Полный текст (466 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

إلى وعده بالنصر، وتحمّل البلاء والشدائد، حتى يأذن الله برفع الابتلاء، وتحقيق النصر، وهذا ما توحي به الصورة. فهذه الصورة المتخيّلة، تعبّر عن الحالة النفسية لغيظ النفس، وما يصاحب ذلك من حركات غريبة يقوم بها المغتاظ القانط، تجسّم هذه الحالة النفسية وهي في ذروة الضيق والكرب، وما تقوم به من حركات غريبة لدفع الكرب والضيق، في هذه الصورة الغريبة أيضا بالإضافة إلى ما في الصورة من إيحاء بأن تدبير الله هو النافذ. وأن ليس للإنسان إلا الاحتمال والصبر، وإلّا فليقتل نفسه غيظا وكمدا على هذه الصورة المرسومة أمامه في التعبير القرآني. ولكنّ همّ الرسول ﷺ من نوع آخر، فقد كان حريصا على إيمان قومه، لما يعرف من الحقّ، وقد بلغ به هذا الحرص أن راح يكلّف نفسه ما لا تطيق، من الضيق بإعراضهم عن دعوة الله وقد عبّرت الصورة عن هذه الحالة النفسية في قول الله تعالى: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ الشعراء: ٣ - ٤. فحسرة الرسول ﷺ على تكذيب قومه، إلى حدّ قتله نفسه ألما وهمّا، مصوّرة في قوله باخِعٌ نَفْسَكَ وكلمة باخِعٌ تصوّر أقصى الدرجات في قتله نفسه غمّا وتأثرا، لعدم إيمانهم ثم جاءت الصورة التالية، لتخفّف عن رسول الله إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ وهذه الصورة الثانية، مرتبطة بالصورة الأولى في السياق ومتفاعلة معها، في التخفيف عن الرسول ﷺ ، وبيان مهمته في الإبلاغ فقط، وترك الاختيار لهم بعد الإبلاغ والدعوة، لأنّ الله لو أراد أن يخضعهم قسرا، لأنزل هذه الآية من السماء فجعل أعناقهم محنية خاضعة إلى يوم القيامة، ولكنّ الله أراد أن يترك حرية الاختيار للإنسان لحكمة يعلمها، وكلّف الرسول بإبلاغهم فقط. وهذا المعنى يتناسق مع صورة عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأشفقن منها، ولكنّ الإنسان هو الذي حمل هذه الأمانة، ومسئولية الاختيار، وعليه أن يتحمّل ما يترتب على اختياره من نتائج. فالصور القرآنية متناسقة في تصوير المعاني، تهدف إلى بناء رؤية موحدة منسجمة للإنسان وأفعاله، وهي رؤية إسلامية واضحة في تناسق الصور على

стр. 142

الرغم من تباعدها في التعبير. وهذا يؤكد نظام العلاقات في التصوير والتعبير والتأثير، كما يؤكد أيضا وحدة الفكر المجسّد في التصوير، وتبقى في النهاية نفوس الكافرين هي نفوس ميتة، لأنها لم تعمر بالإيمان، فهي أشبه بالأرض البور الجرداء، الخالية من الحياة والنماء يقول الله تعالى في تصوير تلك النفوس: بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ، وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً الفتح: ١٢. فهذا الظنّ السيئ، وتزيينه في قلوبهم، ينبع من قلوب «بور» كأرض بور ميتة لا حياة فيها ولا ثمار، فبين قلوبهم والأرض البور تشابه وصلة، فكلاهما لا حياة فيه، ولا خصب ولا نماء، وكلاهما أيضا يوحي بالهلاك والفناء. فصورة القلوب البور توحي بأن الإنسان إذا انقطع عن الإيمان بالله، كان ميتا كالأرض البور، وبالمقابل فإنّ الإيمان يجعل الإنسان حيا مثمرا ونافعا يقول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ الأنفال: ٢٤. فصورة الحياة ترتبط بالاستجابة لله وللرسول، وهذا المعنى يلحّ عليه القرآن الكريم، ليرسّخه في الأذهان. فالإيمان فيه حياة العقول والقلوب والنفوس، وبدون الإيمان تكون صورة الموت في العقول والقلوب والنفوس. وبهذا التصوير تترسخ قواعد الفكر الإسلامي، وتتكامل الرؤية الدينية للحياة والإنسان والوجود. وهكذا لاحظنا في هذا الفصل أن الصورة الفنية تعبّر عن شتّى المعاني الذهنية والحالات النفسية، ضمن نظام العلاقات التصويرية والفكرية والتعبيرية، لتحقيق وحدة التصوير ووحدة التأثير، ووحدة المعاني وانسجامها وتكاملها في بناء رؤية إسلامية لشتى نواحي الحياة. كما أنّ الصورة القرآنية، تعبّر عن المعاني التي تخدش الحياء بصور كنائية تتلاءم مع سمو التعبير القرآني، كما أنها تستنفد كل الأساليب الفنية الحسية والمتخيلة في الدلالة على المعاني، كما أن الصورة القرآنية، تعبّر عن المعاني الذهنية، وما يصاحبها من مشاعر وحركات وهيئات ونحو ذلك حتى يتكامل تصوير المعنى، وترتسم معالمه ودقائقه في الأذهان. وهذه المعاني المصورة، متناسقة ومنسجمة، فليس فيها تعارض، لأنها تنطلق من رؤية

стр. 143

دينية واضحة المعالم والسمات، كما أن الصور المعبرة عن المعاني متناسقة ومترابطة، تتواصل مع المعاني على الرغم من تباعد التعبير. فالصورة القرآنية بناء متحد اللبنات أو الأجزاء، وهذه الوحدة في البناء التصويري تؤدي إلى وحدة البناء الفكري المجسّم في هذه الصور المعروضة. وإذا كانت الصورة في هذا الفصل قد عبّرت عن المعاني الذهنية والحالات النفسية، بألفاظ مختارة، وجمل معبّرة ... فإن هذه الصورة القرآنية تمتد وتتسع في التعبير عن المعاني بضرب الأمثال، وتصوير الأمثال، يمتد في السياق بصورة أكبر، ولكن التواصل بين الصور لا ينقطع فالوحدة التصويرية والفكرية من السمات البارزة في الصورة القرآنية، وإن تعددت وظائف الصورة، ولكنّ هذا التعدد لا يعني التباعد بين الصور وإنما يعني التكامل في رسم ملامح هذه الرؤية الإسلامية التي هي الهدف الأساسي من التصوير في القرآن.

стр. 144

الفصل الثاني الأمثال القرآنيّة يعتمد تصوير الأمثال على مجموعة من العلاقات المتضافرة، التي تتواصل فيما بينها، لتكوين شبكة تصويرية، تقوم بدورها في التعبير عن القضايا الدينية، التي جاء القرآن الكريم، لترسيخها في الأذهان، وتعميقها في القلوب، والعلاقات النصيّة في الأمثال داخلية تربط الأمثال القرآنية، بعضها ببعض، بروابط تعبيرية وتصويرية وفكرية تكسبها خصوصية وتميّزا، عن الأمثال الجارية المعروفة عند العرب. وعلاقات خارجية، تربط الأمثال القرآنية، بالوظائف البعيدة للتصوير. وبذلك تترابط الوظائف للصورة وتتعاون، لتحقيق الوظيفة الدينية التي هي هدف التصوير الفني في القرآن. فالأمثال القرآنية تشكّل مجموعة تصويرية، لها طابعها المميّز، وطريقتها الخاصة في التعبير عن المعاني الدينية، بحيث يصبح التحوّل الأسلوبي فيها إيذانا، بتغيير وظيفة الصورة، وكسر السياق المألوف في التعبير والتصوير لإشعار المتلقّي بالانتقال إلى صور جديدة، أكبر من الصور التي تعبّر عن المعاني الذهنية والنفسية، كما تقدم في الفصل الأول، بالإضافة إلى ما تكسبه للنص، من حيوية، وتجديد في أنماط الصور المعبرة عن المعاني الدينية. والمثل في الأصل اللغوي يعني «الشبه» فهو تشبيه شيء بشيء آخر، ولكن لفظ المثل أوسع من لفظ التشبيه. يقول الراغب الأصبهاني: «المثل عبارة عن المشابهة لغيره في معنى من المعاني أي معنى كان وهو أعمّ الألفاظ

стр. 145

الموضوعة للمشابهة» «١». فهو يشكّل صورة فنية أكبر من الصورة التشبيهية عموما. ويرى الزمخشري أن المثل في أصل كلام العرب يعني «المثل وهو النظير، يقال مثل ومثل ومثيل، كشبه وشبه وشبيه، ثم قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده مثل، ولم يضربوا مثلا ولا رأوه أهلا للتسيير، ولا جديرا بالتداول والقبول، إلا قولا فيه غرابة من بعض الوجوه، وقد استعير المثل للقصة أو الصفة، إذا كان لها شأن وفيها غرابة» «٢». وهذا هو الرأي الذي قال به ابن منظور حيث عدّ المثل والمثل بمعنى واحد، ويراد بهما معنى التسوية يقول ابن منظور: «مثل كلمة تسوية يقال هذا مثله كما يقال شبهه وشبهه بمعنى، والمثل الشيء الذي يضرب لشيء مثلا فيجعل مثله» «٣». فالمشابهة في المثل، قد تكون من عدة وجوه كما رأى الأصبهاني في رأيه المتقدم، وقد تكون المشابهة مساوية للنظير، كما ذهب إلى ذلك الزمخشري وابن منظور. لهذا كان المثل عند عبد القاهر الجرجاني يعني التشبيه التمثيلي، وهو نوعان: بسيط ومركب أما التمثيل البسيط فهو تشبيه مفرد بمفرد كقوله تعالى: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هود: ٢٤. وأما التمثيل المركب فهو يعتمد على أمور عدة «يجمع بعضها إلى بعض ثم يستخرج من مجموعها الشبه، فيكون سبيله سبيل الشيئين يمزج أحدهما بالآخر حتى تحدث صورة غير ما كان لهما في حال الإفراد، لا سبيل الشيئين يجمع بينهما وتحفظ صورتهما ومثال ذلك قوله : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً الجمعة: ٥» «٤». ويرى الجرجاني أن التشبيه كلّما أوغل في كونه عقليا محضا كانت الحاجة إلى الجملة أكثر، ويستشهد على ذلك بقوله تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ ... الآية. ويعقب على ذلك بقوله: «ترى في هذه الآية عشر جمل إذا فصلت» «٥».

стр. 146

وقد يعني المثل معاني أخرى ذكرها العلماء، منها «الوصف» وقد ورد هذا المعنى في قول الزمخشري المتقدم وهو: «وقد استعير المثل للقصة أو الصفة إذا كان لها شأن وفيها غرابة» «٦». والفيروزآبادي أورد للمثل عدة معان، هي الحجة والحديث والصفة، يقول: «والمثل محركة الحجة والحديث والصفة» «٧»، وقد فهم الزركشي من ظاهر كلام اللغويين أن المثل هو الصفة «٨» فقوله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ أي وصف الجنة. وقوله تعالى في الصحابة مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ أي وصفهم فيها. وقد يراد بكلمة المثل: النموذج، أو نوع من الأنواع أو عمل من الأعمال أو سنة من سنن الله «٩». كما أورد ابن منظور أيضا المثل بمعنى المثال في قوله: «والمثل ما جعل مثالا أي مقدارا لغيره يحذى عليه» «١٠»، وعلى ضوء هذا المعنى، يمكن أن نفهم المقصود بقوله تعالى: وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ الزمر: ٢٧. فالتعميم هنا في لفظ المثل يراد به ذكر النماذج لكل نوع ليقاس عليها. فالله سبحانه ضرب أمثالا بقصص الأولين، وما جرى لهم من أحداث، فقصصهم أمثال ونماذج، يقاس عليها الأشباه والنظائر، بمقتضى التشابه بين أفراد النوع البشري، أو استمرار سنن الله في الكون والحياة. وقد حاول الزركشي وهو من المتأخرين، أن يترجم لأقوال سابقيه، ويجمع أقوالهم بقوله: «ولما كان المثل السائر فيه غرابة، استعير لفظ المثل للحال أو الصفة أو القصة، إذا كان لها شأن وغرابة» «١١». وعلى ضوء هذه الآراء يمكن أن يكون المثل القرآني، قد استعير لكل شأن مهم أو حدث غريب أو قصة أريد بها العظة والعبرة، أو لكل وصف لم يعرفه العرب من قبل، أو لكلّ معنى

стр. 147

لم يدرك فحواه إلا بتقريبه عن طريق الشبيه والنظير له. وبذلك تجتمع دلالات المثل القرآني في الشبيه، والنظير، والوصف، وفي الغرابة والسيرورة، والمثال أو النموذج. ويمتاز تصوير الأمثال في القرآن الكريم عن غيره من الأمثال الأدبية بأنه لم ينقل من حادثة معيّنة، أو متخيّلة، وإنما هو أسلوب قرآني مبتكر في أدائه، وطريقته، وغايته، فهو لا يحذو حذو غيره ولا يستقي من مورد سابق عليه كما هو معروف في الأمثال العربية بل هو كما يقول منير القاضي: «نوع آخر أسماه القرآن مثلا من قبل أن تعرف علوم الأدب المثل، ومن قبل أن تسمي به نوعا من الكلام المنثور، وتضعه مصطلحا له، بل من قبل أن يعرف الأدباء المثل بتعريفهم» «١٢». ويعتمد تصوير الأمثال على التصريح بلفظ المثل، مفردا أو مجموعا، وهو الاستعمال الشائع في الأسلوب القرآني، وقد يقدّر لفظ المثل، ويدلّ عليه حرف العطف، كقوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ البقرة: ١٩، أو قد يفهم من السياق كقوله تعالى: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً الأعراف: ٥٨. ولكن الأغلب في تصوير الأمثال، التصريح بلفظ المثل، وهذا ما سأعتمده في دراستي هذه. أما تقسيم الزركشي المثل القرآني إلى صريح وكامن، فليس تقسيما دقيقا، لأننا لو اعتبرنا ذلك ورحنا نستخرج الأمثال الكامنة، لاحتجنا إلى التأويل من ناحية، ولأن القرآن الكريم يصلح كلّه حكما وأمثالا، مما يبعدنا عن دلالة المثل القرآني، والغاية من ضربه للناس من ناحية أخرى وهذا ما وقع فيه الدكتور محمد جابر الفياض «١٣»، والأستاذ عبد الرحمن حبنكة «١٤»، في دراستهما للأمثال القرآنية وسيرهما على تقسيمها إلى صريحة، وكامنة، واضطرارهما إلى التأويل. ولا شكّ في أن الأمثال من أكثر التعابير شيوعا على ألسنة الناس، وأعمّها توضيحا للمعاني، وأعمقها تأثيرا في النفوس، لأنها تمتاز بالإيجاز وإصابة المعنى، وجودة التصوير. وقد تحدّث عبد القاهر الجرجاني عن تفضيل العقلاء لها على سائر الأساليب، موضحا

стр. 148

أثرها في النفس، قال الجرجاني: «واعلم أنّ ممّا اتفق العقلاء عليه: أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني أو برزت هي باختصار في معرضه، ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورته، كساها أبهة، وأكسبها منقبة ورفع من أقدارها، وشبّ من نارها، وضاعف قواها في تحريك النفوس لها، ودعا القلوب إليها واستثار لها من أقاصي الأفئدة صبابة وكلفا، وقسر الطباع على أن تعطيها محبة وشغفا، فإن كان مدحا كان أبهى وأفخم وأنبل في النفوس وأعظم ... وإن كان ذمّا كان مسّه أوجع» «١٥». كما أبرز الزمخشري عدة جوانب لأهمية الأمثال في التعبير. يقول: «ولضرب العرب الأمثال، واستحضار العلماء المثل والنظائر شأن ليس بالخفي، في إبراز خبيّات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق، حتى تريك المتخيل في صورة المحقق، والمتوهم في معرض المتيقن، والغائب كأنه مشاهد، وفيه تبكيت للخصم الألد، وقمع لسورة الجامح الأبيّ، ولأمر ما أكثر الله في كتابه المبين وفي سائر كتبه أمثاله» «١٦». لهذا كان لتصوير الأمثال القرآنية تأثيرها القوي في ذم الكافرين واليهود والمنافقين، لأنها كانت جارية على طريقة العرب التصويرية، في ضرب الأمثال للأشباه والنظائر، وقد استغلّ هؤلاء تصوير الأمثال بالذباب والعنكبوت، ونحو ذلك، فراحوا يشكّكون في الأمثال القرآنية، ليحدّوا من انتشارها، وسيرورتها على ألسنة الناس. فجاءهم الرد القاطع في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها ... البقرة: ٢٦، لأن معجزة الله سبحانه في الخلق من العدم، تتجلى في المخلوقات الصغيرة والكبيرة معا، فالإعجاز يكمن في سرّ الحياة، وليس في الضخامة والكبر للأشياء والمخلوقات. وضرب المثل بهذه المخلوقات الصغيرة، يهدف إلى بيان قدرة الله ، ولفت أنظار الناس ليتفكروا في هذه المخلوقات الصغيرة في حجمها، والحقيرة في شأنها، ولكنها معجزة في خلقها وتكوينها. ويعتمد تصوير الأمثال في أغلب الأحيان على كلمة «ضرب» بصيغ مختلفة، وهذه

стр. 149

الكلمة تحتمل دلالات عدة منها الشبه والنظير، والتمثل والتمثيل والمثال، كما تحتمل معنى التثبيت والاعتماد والوضع والذكر والسيرورة «١٧». ويبدو لي أن كلمة ضرب الواردة في تصوير الأمثال القرآنية، تحتمل كل تلك المعاني التي ذكرها العلماء والمفسرون والبلاغيون، وهذا من أسرار التعبير القرآني إذ اللفظة الواحدة تحتمل عدة دلالات معنوية. وقد تكون هذه اللفظة من قبيل إثارة الذهن، وتنبيهه إلى أمر ذي شأن، فهي بهذا المعنى وردت لتهيئة الأذهان لاستقبال تصوير المثل القرآني. وتصوير الأمثال القرآنية يسعى إلى تحقيق أغراض دينية عدّة، منها تقريب صورة الممثل له إلى ذهن المخاطب، أو لإقناعه بفكرة من الأفكار الدينية، أو لإقامة الحجة العقلية، أو للترغيب بأمر محمود، عن طريق تزيينه وتحسينه، أو للتخويف والتنفير من أمر مذموم، عن طريق تقبيحه وذمّه، أو لتعظيم الممثل له ومدحه، أو لتحقير الممثل له وذمّه وتوبيخه. وقد يحتوي تصوير المثل القرآني على أكثر من غرض ديني واحد، فقد يرد تصوير المثل بغرض تقريب صورة الممثل له إلى جانب أغراض أخرى مثل الإقناع والترغيب أو الترهيب. فتصوير الأمثال القرآنية يحقق أغراضا عدّة، قد تجتمع هذه الأغراض كلّها في المثل الواحد، أو بعضها. وعدم إدراكنا لها، لا يعني عدم وجودها بل لأننا لم ندرك بعد إيحاءات اللفظ القرآني المتعددة. والأمثال القرآنية، تعبّر عن القضايا الإنسانية العامة، التي لا تختلف من جيل لآخر، أو من مكان لآخر، كما تعبّر عن قضايا فكرية أساسية في حياة الإنسان، كقضية العقيدة، وقضية البعث بعد الموت، وغاية الوجود الإنساني وغير ذلك من القضايا الإسلامية. لذلك كتب للأمثال المصوّرة الخلود، بخلود القرآن الكريم، وبقي تأثيرها في القلوب قويا وفعّالا إلى يومنا هذا، فهي خاطبت الناس وقت نزول القرآن، بضرب الأمثال لهم، على طريقة الأساليب العربية في ضرب الأمثال لسيرورتها على الألسنة، وما زالت هذه الأمثال المصوّرة تخاطب الإنسان لأنها أمثال حيّة باقية متجددة، تعبّر عن قضايا الإنسان والحياة والوجود.

стр. 150

فهي تدور حول الإنسان مؤمنا أو كافرا أو منافقا، وهذا التصنيف للبشر هو الأمثل وفق منهج الله . لذلك نلاحظ أن تصوير الأمثال يعبر عن هذه الفئات الثلاث، فئة مؤمنة ملتزمة بمنهج الله، وفئة كافرة ترفض منهج الله سبحانه، وفئة ثالثة منافقة، تظهر الإيمان وتبطن الكفر. وقد عني تصوير الأمثال بهذه الفئات، فرسم لكل فئة ملامحها، وخصائصها، ووضع أمام عينيها ثوابها وعقابها والغرض من هذا التصوير هو الهداية والإصلاح، وتبشير المؤمنين، وتحذير الكافرين والمنافقين ويمتد التصوير الفني ويتواصل في السياق القرآني، ليرسم «النماذج» لهذه الفئات الثلاث. نموذج المؤمن بصفاته وأخلاقه وسلوكه، ونموذج الكافر بصفاته وملامحه وفساده وحيرته وعناده، ونموذج المنافق في تأرجحه أو تردّده حيث لا يثبت على مبدأ أو هدف. ثم يتواصل تصوير الأمثال القرآنية في الأنساق التعبيرية المختلفة، للمقارنة بين أهل الإيمان وأهل الكفر، مستعيرا الفوارق بين النور والظلام، والحياة والموت، والكلمة الطيّبة والخبيثة، والبلد الطيّب، والأرض الميتة، وبذلك تتواصل الصور القرآنية ضمن العلاقات التصويرية والفكرية والتعبيرية، مع الصور القرآنية الواردة في التعبير عن المعاني الذهنية، كما تقدّم معنا ذلك في الفصل الأول «١٨». والأمثال القرآنية المصوّرة موزّعة على مجموعات سياقية، متفاعلة، ومترابطة، ومتحدة، بحيث تتميّز كل مجموعة منها، باتجاهها، أو روابطها الفكرية والتصويرية والتعبيرية، هذه الروابط أو العلاقات، توحّد هذه المجموعة، وتربط بين أجزائها أو عناصرها، لتكوّن منها وحدة متفاعلة ومنسجمة، ضمن مجموعة الأمثال الكليّة. فكلّ مجموعة تتفاعل مع غيرها، وتسير في حركتها السياقية، مشدودة بالروابط الفكرية والتصويرية والتعبيرية العامة للصورة القرآنية، التي تسير أيضا في حركة سياقية متفاعلة في النص القرآني كلّه، لتكوّن في النهاية الرؤية الإسلامية المتكاملة للحياة والإنسان والكون. ونبدأ بالمجموعة الأولى وهي تصوير الأمثال المرتبطة بالمؤمنين، يقول الله تعالى في

стр. 151

وصف المؤمنين: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ، فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً الفتح: ٢٩. فتصوير المثل هنا يهدف إلى مدح أصحاب رسول الله ﷺ ودور الرسول في تربيتهم، تربية روحية وسلوكية معا، وقد جسّدت هذه التربية النموذجية، بذكر أوصافهم في التوراة، دون الاعتماد على التشبيه، حتى لا يوحي التشبيه بمجرد المشابهة بين طرفيه، وإنما الصورة هنا توحي بحقيقتهم، وواقعهم العملي كما هو. وتتقابل الصفتان الشدّة والرحمة في شخصية المسلم، صفة الشدّة على الكفّار، والرحمة واللين بين المؤمنين، بالإضافة إلى السمة الأساسية وهي العبادة لله، والركوع والسجود له دون سواه. ويركّز التصوير في المثل على الصفات الحسية والمعنوية التي يتحلّى بها الصحابة، فسمات العبادة والإيمان واضحة في قسمات الوجوه والنواصي، وصفات الخير مجسّدة في سلوك عملي ظاهر، لأن النفس الصافية، يظهر أثرها في نقاء الشكل ووضاءته أيضا: سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ فالعلاقة بين الظاهر والباطن قويّة واضحة، فلا يمكن أن نفصل بين باطن الإنسان وظاهره، أو بين سلوكه وعقيدته، فالسلوك الظاهر، يدلّ على جوهر الإنسان ومعدنه. وهكذا تتفاعل الصفات الحسية والمعنوية في تصوير المثل، وتترابط فيما بينها للإيحاء بهذا المعنى الذي يعدّ من قواعد الدين الأساسية. أما مثلهم في الإنجيل فجاء معتمدا على تشبيه الصحابة بالزرع النامي بسرعة عجيبة، وتهدف هذه الصورة إلى إبراز التفاف الصحابة حول الرسول ﷺ ، ومؤازرتهم له ومناصرتهم لدعوته، حتى قوي الإسلام، واشتد عوده، وتكاثرت الأمة الإسلامية، ونمت وترعرعت في كيان موحد، كالزرع الذي أخرج شطأه، فنمت أعواده الصغيرة على جانبيه، وتكاثرت وتآزرت حتى قوي الزرع، واستوى قائما شديدا. وصورة الزرع الحسية بمراحل نموه، تشبه صورة المؤمنين، ومراحل نموّهم من الضعف إلى القوة، ومن القلّة إلى الكثرة، حتى أصبح

стр. 152

لهم وجود قوي يتحدّى الرياح والعواصف، وهذا الوجود القوي يعجب الزرّاع الذين أسهموا في نموه ورعايته وحراسته ويغيظ الكفّار الذين لا يريدون أن يصبح للإسلام كيان قوي. يقول الزمخشري في تفسيره: «وهذا مثل ضربه الله لبدء أمر الإسلام، وترقيه في الزيادة إلى أن قوي واستحكم، لأن النبي ﷺ قام وحده، ثم قواه الله بمن آمن معه كما يقوي الطاقة الأولى من الزرع ما يحتف بها، ممّا يتولد منها حتى يعجب الزرّاع» «١٩». وبعد استكمال عناصر تصوير المثل، واستحضار صورة الممثل له في الذهن، حتى أصبح المثل مطابقا للممثل له، جاء التعقيب على هذا التصوير بقوله لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وكأن هذا التعقيب هو بمثابة توضيح الغرض من تصوير المثل، وهذه هي الطريقة المتبعة في تصوير الأمثال القرآنية فبعد تصوير المثل والانتهاء منه، يعود التعبير القرآني إلى الممثل له، ويتابع الكلام عنه، ويترك صورة المثل لتبرز القضايا الأساسية من تصويره. ومثل قرآني آخر يرتبط بهذه المجموعة من الأمثال. ويتفاعل معها في توضيح معالم المؤمنين وسماتهم، والمثل هنا يضرب للمؤمنين بالمؤمنين السابقين الذين تحمّلوا مسئولية الدعوة، فتعرّضوا للشدائد والمحن، وهم صابرون صامدون، دون انحراف عن الطريق السوي الذي رسمه الله لهم. يقول الله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ البقرة: ٢١٤. ويعتمد تصوير المثل على الاستنكار أولا من تصورهم أن يدخلوا الجنة، دون دفع الثمن في الصبر على الابتلاء والشدائد، أو دون أن يخضعوا لسنة الله في الابتلاء لتمحيص المؤمنين، وتنقية صفوفهم، ومعرفة مدى صبرهم على هذه الدعوة، ثم يستحضر المثل المصوّر في أذهانهم، صورة المؤمنين السابقين لهم الذين تعرّضوا لشتى أنواع الابتلاء من قتل وتشريد وتعذيب حتى زلزلوا زلزالا حسيا ومعنويا، ولكنهم ظلّوا متمسكين بالإيمان، لا يحيدون عنه. ويجسّم التصوير شمول المعاناة للرسول والمؤمنين معه، زيادة في إيضاح شدة الابتلاء، ثم يستمر التصوير للمعاناة الشاملة، فيجسّمها بالاستفهام «متى» التي توحي باستبطاء

стр. 153

النصر، ومعاناة النفوس من هذا الإبطاء، كما أن التصوير يرسم أهوال الابتلاء النفسي والحسي معا بقوله: مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا ... كما رسمه من قبل في صورة الاستفهام الموحي. والزلزلة بجرسها الشديد، ترسم زلزلة الأجسام، وما تعرضت له من قتل وتعذيب، وزلزلة النفوس المصاحبة لزلزلة الأجسام، وشعورها باليأس وإبطاء نصر الله ... ثم يأتي التعقيب على التصوير بقوله: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ. وهو جواب على الاستفهام السابق وقد جاء مؤكّدا بمؤكّدات عدّة مثل ألا وإنّ، والجملة الاسمية الموحية بالثبات والاستقرار. وهذا التعقيب، يتناسق مع طريقة تصوير الأمثال القرآنية، حيث يترك المثل في نهاية التصوير، وتبرز القضايا الدينية التي يجب أن يتعلق بها المؤمن. فالنصر هو من عند الله سبحانه، وإضافة النصر إلى الله في التعبير القرآني لها دلالتها النفسية وأهدافها التربوية والتوجيهية التي يحرص المثل القرآني على ترسيخها وتوضيحها. والمجموعة الثانية للأمثال مرتبطة بالكافرين، وهي تتفاعل مع المجموعة الأولى عن طريق «التضاد» لإبراز الفوارق بين المجموعتين في النواحي الفكرية والشعورية والسلوكية. كما أنّ هذا التفاعل بالتضاد يبرز وحدة النص القرآني في التصوير والتأثير والتعبير بعلاقات مختلفة كالتضاد أو التناظر ونحوهما، وتصوير الأمثال في هذه المجموعة، يتضمن أدلة عقلية، على بطلان عقيدة الكفر، وزيف عبادة المشركين، وضياع أعمالهم، كما يبيّن عقيدة التوحيد، وأثرها في النفس الإنسانية والحياة البشرية، ويقيم الأدلة البرهانية على عقيدة التوحيد. وهذا التصوير للكفر والكافرين، يشغل حيّزا واسعا في الأمثال القرآنية، لأن قضية الإيمان والكفر هي القضية الأساسية، التي يعالجها القرآن الكريم بأساليب شتّى. وقد تنوّع تصوير الأمثال لهذه القضية، حتى استوفاها من جميع جوانبها، موضحا بطلان عقيدة الكفر وزيفها، وعجز آلهتهم المزعومة عن خلق الذباب الحقير، ولو كانوا مجتمعين عليه، يقول الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ، إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ

стр. 154

الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ الحج: ٧٣. وهذا التصوير للعجز عن خلق الذباب الحقير «يلقي في الحس ظلّ الضعف أكثر مما يلقيه العجز عن خلق الجمل والفيل دون أن يخلّ هذا بالحقيقة في التعبير» «٢٠». ويتدرّج تصوير عجزهم عن خلق هذه الذباب، في السياق القرآني، ويتفاعل التصوير مع التعبير في داخل السياق، لإيضاح هذه الحقيقة فهذه الآلهة عاجزة عن خلق الذباب وهي منفردة، كذلك وهي مجتمعة، ويترك للخيال أن يستحضر صورة الآلهة المزعومة، تجتمع على خلق ذباب حقير، وترتدّ عنه عاجزة ضعيفة، وهذا التصوير لها، فيه منتهى التحقير والسخرية من هذه الآلهة الضعيفة العاجزة، ثم يمضي تصوير المثل لإبراز العجز في صورة أخرى، أكثر سخرية وإضحاكا وتحقيرا لهذه الآلهة، التي تعجز عن دفع الذباب عنها، أو في استرداد ما سلبها الذباب إياه، ويتابع الخيال هذه الحركة التخيلية للذباب، وهو يجتمع على هذه الآلهة المزعومة، وهي لا تقوى على ردّه، وصورة الذباب المجتمع فوقها توحي بالتحقير من شأنها، كما أن تصوير الآلهة وهي تطارد الذباب لاسترداد ما سلب منها، حركة تخيلية، توحي بالسخرية من هذه الآلهة العاجزة الضعيفة في جميع الحالات. وهكذا تتواصل الصور في داخل المثل الواحد، وتتفاعل في السياق، لإبراز الفكرة الأساسية، التي هي موضوع المثل. وبعد استكمال تصوير المثل جاء التعقيب بحكم عام يشمل الممثل والممثل له على السواء ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ وهذا التعقيب يعدّ الإطار العام لفكرة المثل وبيان فحواه. ويتواصل تصوير الأمثال في هذه المجموعة في رسم الملامح المميّزة لها، وكشف زيفها، وبطلان تصوراتها فهذه الآلهة المزعومة التي تعجز عن خلق الذباب الحقير، غير جديرة بالعبادة، وطلب الحماية منها، والذين يتوجّهون إليها بالعبادة، وطلب النصرة منها، يتعلقون بخيوط واهنة ضعيفة أوهن من خيوط العنكبوت يقول الله تعالى فيهم مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ، إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ العنكبوت: ٤١ - ٤٣.

стр. 155

فهؤلاء الذين يتخذون من دون الله أولياء، طلبا للحماية والنصرة، أو لدفع الضر عنهم، هم أشبه بالعناكب، التي تنسج خيوطها الواهنة الضعيفة لتحتمي بها، فهم في ضعفهم، كالعناكب في ضعفها، وهم في تصوراتهم وأوهامهم، كالعناكب في احتمائها ببيوتها الواهية الضعيفة، فالممثل به هنا ينطبق تماما على الممثل له. فالاحتماء ببيت العنكبوت ضرب من الأوهام، كما أن اتخاذ أولياء من دون الله وهم من الأوهام. وبعد استكمال التصوير للمثل، عقب عليه بقوله: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ جريا على طريقة تصوير الأمثال القرآنية في ترك المثل بعد استكمال تصويره، والعودة لإبراز الفكرة الدينية الأساسية التي هي مغزى المثل وفحواه. وهنا عاد إلى الممثل، أي المشبه لتوضيح بطلان تصورات الذين يتخذون من دون الله أولياء، ثم يستمر التعبير القرآني بعد التعقيب على المثل بتوضيح الفكرة الدينية، والإلحاح عليها، لأنها المغزى أو الهدف من تصوير هذا المثل، وضربه للناس. إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فالله يعلم أنّ ما يتخذونه من دونه من أولياء، لا تأثير لهم في الناس ولا في الحياة والذين لا يدركون هذا المغزى من تصوير المثل، لا يعقلون ولا يعلمون الحقائق من وراء تصوير الأمثال: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ. وهكذا يتفاعل التصوير والتعبير في توضيح الفكرة الدينية، وإبرازها للعيان، ضمن نظام العلاقات التصويرية والتعبيرية والفكرية في النسق القرآني المعجز. ويتواصل التصوير ضمن هذه المجموعة من الأمثال، بترابط الأمثال فيها، وتفاعلها، ونموّها لتكوين صورة مميّزة للكافرين، فهم أشبه بالبهائم التي لا تعي شيئا، لأنهم لا يدركون الحقائق المعروضة في تصوير الأمثال، فإذا كانوا لم يدركوا عجز آلهتهم، ولم يعرفوا أن الاحتماء بغير الله لا يفيد، فقد استحقّوا هذا الوصف بالبهائم، التي لا تعقل الوارد في قوله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ البقرة: ١٧١. فهذه الصورة البشعة تليق بالكافرين، الذين يسمعون الهدى، ولا يفهمونه، ولا ينتفعون به، فمثلهم كمثل البهائم التي تسمع صوت المنادي دون أن تعرف مراده، أو تدرك غاية النداء «٢١».

стр. 156

والمنادي يشعر بالمرارة والخيبة، لأن هذا القطيع لا يعي ولا يستجيب له. وكيف يستجيب الكافرون لنداء الحقّ، وقد عطّلوا حواسهم جميعا، فأصبحوا صمّا بكما عميا، لا يعقلون، ولا يرجى منهم خير. وبعد استكمال تصوير المثل، عقّب عليه بحكم قوي على الممثل له وهم الكافرون وصوّرهم بقوله: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ وجاء في نهاية التعقيب قوله: فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ وهذا التعقيب الصريح هو المغزى من تصوير هذا المثل، والمغزى أيضا من التصوير في صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ، وهكذا يتناسق التعقيب مع تصوير المثل المضروب ويتفاعل معه في توضيح حقيقة الكافرين الذين عطّلوا حواسهم، التي هي وسائل المعرفة والإدراك، فاستحقوا بذلك هذا التصوير في المثل المضروب لهم. ويمضي تصوير الأمثال لبيان تناقض المشركين في التصوّر والسلوك وذلك في قوله تعالى: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ، كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ الروم: ٢٨. ويعتمد تصوير المثل هنا على واقع المشركين حيث كان لهم عبيد تحت أيديهم، لا يسوّونهم بأنفسهم، ومع ذلك هم ينسبون لله شركاء في ملكه، وهذا تناقض واضح، حين يجعلون لله شركاء في ملكه، في الوقت الذي لا يرضون لأنفسهم شركاء فيما يملكون. وتبرز عقيدة التوحيد من خلال الدليل البرهاني المستخلص من المثل المصوّر، هي العقيدة الصحيحة لهذا جاء التعقيب بعد التصوير كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ. فالعقلاء هم الذين يرفضون التناقض في التصور والاعتقاد، ويؤمنون بعقيدة التوحيد، التي هي الحقيقة الواضحة في الكون والحياة. ويستمر التفاعل والترابط بين الأمثال المصوّرة، لبيان عاقبة الكفر أيضا، للتحذير والتخويف من سوء العاقبة يقول الله تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ النحل: ١١٢، وفي هذا المثل، تتفاعل صورتان في داخل السياق، صورة الرخاء والاستقرار والأمان، وصورة الخوف والفقر والحرمان، لتحقيق الأثر النفسي المطلوب في التخويف والتحذير، والصورة الثانية متولّدة من الصورة الأولى، ومرتبطة بها، بسبب كفران النعمة.

стр. 157

فهذه القرية التي ضربها الله مثلا، لكل قوم بطروا النعمة، وكفروا بالله المنعم، الذي أنعم عليهم بشتى أنواع النعيم، فاستحقوا بذلك الحرمان منها، والحرمان من الأمن والرخاء. فالعلاقة بين الحرمان والبطر علاقة وثيقة، في داخل السياق وخارجه، فكما ترتّب الحرمان على بطر النعمة في العلاقة السياقية الملحوظة في التعبير القرآني، كذلك يترتّب أيضا خارج السياق، حين يكون الحرمان واقعا ملموسا بعد أن يتجسّم البطر في سلوك محسوس أيضا. ويعتمد تصوير المثل على استعارة الإذاقة لمس الضر والشدة، وهي استعارة مألوفة لدى الناس، واستعير أيضا اللباس لما يغشى الإنسان من حالات الخوف الشديد الذي يحيط به من كل جانب إحاطة اللباس بلابسه، وبذلك يصبح المحسوس الملموس، مذاقا مطعوما. يقول الزمخشري في توضيح هذه الصورة: «فإن قلت: الإذاقة واللباس استعارتان فما وجه صحتهما؟ والإذاقة المستعارة موقعة على اللباس المستعار فما وجه صحة إيقاعها عليه؟ قلت: أما الإذاقة فقد جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا والشدائد، وما يحس الناس منها، فيقولون ذاق فلان البؤس والضر، وأذاقه العذاب، شبه ما يدرك من أثر الضرر والألم بما يدرك من طعم المر البشع، وأمّا اللباس فقد شبه به لاشتماله على اللابس ما غشي الإنسان والتبس به من بعض الحوادث، وأمّا إيقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف فلأنه لما وقع عبارة عمّا يغشى منهما، ويلابس فكأنه قيل فأذاقهم ما غشيهم من الجوع والخوف» «٢٢»، ويوحي تصوير المثل على هذا النحو، بالإحاطة والشدة، لتحقيق الأثر النفسي في التخويف والإنذار من سوء عاقبة البطر، والكفر بنعم الله. ثم يأتي التعقيب على التصوير موضحا المغزى من المثل المضروب وذلك في قوله: بِما كانُوا يَصْنَعُونَ. فيعود من جديد إلى الممثل له وهم أهل القرية لربط العقاب الشديد بأسبابه الموجبة له. ويرى سيد قطب في تصوير المثل تداخل الحواس أو تراسلها في تحقيق الأثر الديني يقول: «ويجسّم التعبير الجوع والخوف، فيجعله لباسا، ويجعلهم يذوقون هذا اللباس ذوقا، لأن الذوق أعمق أثرا في الحس من مساس اللباس للجلد، وتتداخل في التعبير استجابات

стр. 158

الحواس، فتضاعف مسّ الجوع والخوف لهم ولذعه وتأثيره، وتغلغله في النفوس، لعلهم يشفقون من تلك العاقبة التي تنتظرهم» «٢٣». ويميل تصوير الأمثال إلى التنويع في بيان بطلان أعمال الكافرين، وخسرانهم في الآخرة كقوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ إبراهيم: ١٨. فالصورة في هذا المثل القرآني تجسّم أعمال الكافرين بالرماد المتجمّع بعضه فوق بعض، ثم تأتيه الريح الشديدة في يوم عاصف، فنسفته، وبدّدت ذرّاته في كل اتجاه، حتى لم يبق منه شيء، وكذلك أعمال الكافرين ضائعة لا تفيدهم يوم القيامة مثل الرماد المتناثر لأنها لا تقوم على الإيمان الذي يمنح الأعمال قيمة وفائدة. وهناك أيضا تصوير لأعمال الكافرين الضائعة في مثل آخر، يقول تعالى: مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ آل عمران: ١١٦ - ١١٧. والصورة هنا مستمدة من الزروع في ضرب المثل لقوم أنفقوا أموالهم في أرض زراعية رعوها رعاية تامة بالزرع والمياه، حتى نما الزرع، ودنا وقت الحصاد، وهم فرحون مستبشرون يعلقون عليها الآمال، إذا ريح باردة فيها صرّ، تهلكه وتبيده، فتضيع كل جهودهم في تلك الأرض. فالصورتان في هذين المثلين، مترابطتان، في بيان ضياع أعمال الكافرين، والتركيز فيهما على تصوير الأعمال لا على الكافرين. كما يلاحظ أن الريح فيهما هي أداة التصوير في بعثرة الرماد، ونثره في كل اتجاه كما في المثل السابق، وهي أيضا أداة التدمير للزروع في هذا المثل. وفي مثلين آخرين، يركّز التصوير على شخصية الكافر، بما يتناسب مع السياق كقوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ، أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ

стр. 159

اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ النور: ٣٩ - ٤٠. والتصوير هنا يعبر عن ضياع أعمال الكافرين في الآخرة، وعدم الآخرة، وعدم استفادتهم ممّا أنفقوه في طريق الخير، ولكن التصوير هنا، يركّز على شخصية الكافر، فيبرزها، ويلقي الضوء عليها إلى جانب تصوير الأعمال. فالأعمال كالسراب الخادع، يراه الظمآن من بعيد، فيظنه ماء، وهو بحاجة إليه، ليطفئ ظمأه فيجري نحوه مسرعا، ولكنه لا يجده كما ظنّ، وخاب أمله فيه، فيلقى ربّه ليحاسبه على أعماله، وبعد استكمال تصوير المثل لحالة الكافر الواهم المخدوع بما قدم من أعمال جاء التعقيب وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ لإبراز الغرض الديني من تصوير المثل، وهو بمثابة المغزى لهذا المثل. ثم عقّب على هذا المثل بمثل آخر، وإذا كان التصوير في المثل الأول، ركّز على السنا الكاذب، في السراب الخادع في الصحراء، فإنه في المثل الثاني، يركّز على ظلمات البحر اللجي، تتلاطم أمواجه، وتغطيه السحب الكثيفة، ويغطّيه أيضا ظلام الليل، حتى تنعدم الرؤية البصرية في هذه الظلمات المركّبة بحيث لو أخرج يده لم يكد يراها من هذا الظلام الشديد. ويبرز التقابل في المثلين بين عناصر التصوير، لاستيفاء تفصيلات المعنى، فالسراب في المثل الأول يوحي بالخراب والأوهام، والكافر يجري وراء السراب أو الأوهام، والظلمات المتراكمة من البحر والسحاب وظلام الليل توحي بانعدام الرؤية البصرية، والكفر ظلمات، يحجب ما أنفقته اليد في طريق الخير، فلا يستفيد الكافر منها. ويتناسق التعقيب على المثل مع جوّ التصوير بالظلام وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ فيتضح من خلاله أن نور الله، هو الوحيد الذي ينير طريق الإنسان في ظلمات الحياة المتراكمة كما صوّرها المثل القرآني الأخير. وأحيانا يلجأ تصوير الأمثال إلى الجمع بين المؤمنين والكافرين في مثل واحد، لإجراء الموازنة بينهما وإيضاح الفوارق الجوهرية بين الاثنين، مثل الفوارق بين النور والظلام، والحياة والموت. وهذا النوع من التصوير للأمثال يشكّل مجموعة ثالثة، لها علاقاتها السياقية، وروابطها المتصلة ببقية الأمثال المصورة. يقول الله تعالى في ذلك: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ

стр. 160

وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ الأنعام: ١٢٢. فالإيمان حياة، يحيي العقول والقلوب والأرواح، كالحياة في الأجساد، والكفر موت، يميت العقول والقلوب والأرواح، كالموت في الأجساد، والفوارق كبيرة بين الحياة والموت، وكذلك بين الإيمان والكفر ويتواصل التصوير في المثل القرآني المضروب، معتمدا على التقابل في إيضاح الفروق بين الإيمان والكفر، فيصوّر دين الله بالنور المضيء الذي ينير طريق المؤمنين به، فيسيرون في الحياة على وعي وبصيرة، أمّا الكفر فيصوّره بالظلمات التي يتخبط فيها الكافرون، ولا يخرجون منها. فالإيمان حياة، ودين الله نور، واتباع هذا الدين، يعني السير في الحياة بين الناس بالنور المضيء والوعي السديد، وهناك أيضا صورة مقابلة للكفر، فهو موت، والسير في طريق الكفر، هو السير في الظلمات والتخبط فيها طوال الحياة، بحيرة وقلق. ويعتمد تصوير المثل على إقامة التشابه بين الممثل به، والممثل له، حتى إنه ينزل الممثل به منزلة الممثل له، ويركّز عليه زيادة في توضيح طبيعة الممثل له، وزيادة في إبراز عناصر التصوير، وهي هنا النور والظلمات كما كانت هناك الحياة والموت، حتى يقيم التوازن في الأذهان بين النور والظلمات، وبين الحياة والموت فتتضح الفوارق البعيدة بين الإيمان والكفر من خلال هذه الموازنة بين العنصرين. ويستخلص الحكم باستحالة المساواة بين المؤمن والكافر، كاستحالة المساواة بين النور والظلمات، وبين الحياة والموت. ويكثر في القرآن الكريم تصوير الإيمان بالنور والحياة، وتصوير الكفر بالموت والظلمات، فهذه الصور تتواصل في النسق القرآني كلّه. كما يكثر تصوير المؤمن بالبصير والسميع، والكافر بالأعمى والأصمّ، وقد ورد هذا التصوير للفريقين في المثل القرآني التالي مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ هود: ٢٤. ويتميّز تصوير المثل بالدقّة وصدق المشابهة بين الممثل والممثل له، وحسن التنسيق، والتنظيم في التقابل بين الصورتين الأعمى/ البصير/ الأصم، والسميع. ومن خلال هذا

стр. 161

التقابل بين الصورتين، تتّضح الفوارق الجوهرية بين المؤمنين والكافرين، ومن ثمّ استحالة المساواة بينهما بأي شكل من الأشكال. ويلجأ تصوير الأمثال أحيانا إلى أسلوب «الرمز» في إقامة الموازنة بين المؤمنين والكافرين، لبيان حقيقة أهل الإيمان، وحقيقة أهل الكفر والضلال، ولكنّ أسلوب الرمز المتبع في تصوير الأمثال ليس فيه غموض يحجب المعنى، وإنما هو نوع من الإخفاء الفني للمعنى، لتحريك العقول والأذهان للبحث عنه وكشفه. يقول الله تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ الرعد: ١٧. يقول الزمخشري في تحليل هذا المثل: «هذا مثل ضربه الله للحق وأهله، والباطل وحزبه كما ضرب الأعمى والبصير، والظلمات والنور مثلا لهما، فمثل الحق وأهله بالماء الذي ينزله من السماء فتسيل به أودية الناس، فيحيون به، وينفعهم أنواع المنافع، وبالفلز الذي ينتفعون به في صوغ الحلي منه واتخاذ الأواني، والآلات المختلفة، ولو لم يكن إلا الحديد الذي فيه البأس الشديد لكفى به، وأن ذلك ماكث في الأرض باق بقاء ظاهرا، يثبت الماء في منافعه، وتبقى آثاره في العيون والآبار والحبوب والثمار التي تنبت به مما يدخر ويكنز، وكذلك الجواهر تبقى أزمنة متطاولة وشبه الباطل في سرعة اضمحلاله ووشك زواله، وانسلاخه على المنفعة بزبد السيل الذي يرمي به، وبزبد الفلز الذي يطفو فوقه إذا أذيب» «٢٤». فالآية هذه تشتمل على مثلين يتفاعلان في السياق، لتوضيح المعنى الديني، على الرغم من الاختلاف في طبيعة التصوير في كلّ منهما، فالمثل الأول يستمد مادته التصويرية من مشاهد كونية مرئية، مشهد نزول الأمطار والسيول، وما يعلوها من زبد، والمثل الثاني مستمد من الصناعات. وفي كل من المثلين المضروبين ظواهر مشابهة للصراع بين الحق والباطل، ونتائج هذا الصراع في غلبة الحقّ على الباطل. وهذا التنويع في تصوير المثلين، يهدف إلى تقريب الفكرة الدينية من الناس جميعا على اختلاف بيئاتهم، سواء أكانت بيئة

стр. 162

زراعية كما في المثل الأول، أم بيئة صناعية كما في المثل الثاني، وعناصر التصوير في كليهما، عناصر معروفة لدى كل إنسان في كل مكان، فهي عناصر باقية متجددة، لأنها صور ذهنية مختزنة في الذاكرة من عالم المحسوسات. إن الله سبحانه ضرب مثلا للحق في أصالته وثباته وبقائه وغلبته، كما ضرب مثلا للباطل في تفاهته وزواله، ليدرك الإنسان المخاطب، من خلال المثلين طبيعة الحق النافعة المفيدة، وطبيعة الباطل الفاسدة الهزيلة، ويضع أمام عينيه نهاية الصراع بينهما، وأن الغلبة للحق وأهله، والهزيمة للباطل وأعوانه فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ. ويتواصل تصوير الأمثال للإيمان والكفر، ويرمز إليهما بكلمتين: طيّبة وخبيثة، ويمثّلها بشجرتين من جنسهما أيضا، يقول الله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ، أَصْلُها ثابِتٌ، وَفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها، وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ إبراهيم: ٤٢ - ٢٦. فالله سبحانه يضرب هذا المثل للناس، ليوضّح لهم حقيقة الإيمان الباقية والغالبة، وحقيقة الكفر الخبيثة الهزيلة، التي ليس لها جذور ولا استقرار. ويرغب الله بالكلمة الطيبة التي هي كلمة التوحيد، ويجسّمها في صورة الشجرة الطيبة القوية الجذور في الأرض، والباسقة الفروع في السماء، والدانية الثمار والعطاء، تقابلها صورة أخرى للكلمة الخبيثة، التي هي كلمة الكفر، يجسّمها في صورة شجرة خبيثة مجتثّة من فوق الأرض، فليس لها جذور ثابتة، ولا فروع باسقة ولا ثمار يانعة، والفوارق كبيرة بين الصورتين المتقابلتين، كالفوارق الجوهرية بين الكلمة الطيّبة والخبيثة. ويطول تصوير الشجرة الطيبة، لإبراز محاسنها، وجمالها، الذي يشمل الجذور والفروع، أو الباطن والظاهر، وآثارها الدائمة في الثمار الدانية من القطوف، كآثار الكلمة الطيبة الدائمة، وجمالها في روح الإنسان وسلوكه. أما تصوير الشجرة الخبيثة فجاء موجزا سريعا، اكتفى باجتثاثها من فوق الأرض، وترك بقية التفصيلات للخيال كي يستحضر عناصر التصوير ويكملها، فإذا كانت الشجرة

стр. 163

الخبيثة قد اجتثت لخبثها وقلة فائدتها فلم يبق هناك داع لذكر فروعها وأغصانها وثمارها بعد استئصال جذورها. ويوحي التصوير في المثل هنا بأن الإيمان هو الباقي، لأنه يمتد في جذوره إلى أعماق الفطرة الإنسانية، وهو ثابت خالد، لأنه يصل العبد بربه، وهنا نلاحظ حركة الامتداد في الأعماق، وحركة الامتداد في الآفاق، كما أنه مفيد ومثمر، وتظهر ثماره وفوائده في سلوك المؤمن وفكره وقوله. فهو دائم العطاء في الحياة، ثم إن الإيمان هو الباقي والمنتصر على الباطل، لأن الكفر مقطوعة جذوره، فليس له قرار أو ثبات بعد قطع جذوره. وهكذا تترابط الصور في أمثال هذه المجموعة بروابط فكرية وتصويرية، في رسم الحقّ في ثباته واستقراره وانتصاره، ورسم الباطل في هزاله واندحاره فالحقّ- كما ورد في تصويره- هو النور والحياة والماء النافع والشجرة الطيبة، والباطل هو الظلام والموت والزبد، والشجرة الخبيثة المجتثّة. والحق هو الباقي والمنتصر، لأنه نور وحياة ومفيد، وعميق الجذور في هذا الكون، والباطل زائل، لأنه ظلام عارض في الكون والحياة، وزبد طاف يذهب جفاء، ومقطوع الجذور، فلا أساس له في هذا الكون وهذه الحياة. ويترتّب على ذلك أن المؤمن هو السميع البصير، وهو الحيّ المنتصر، لأنه استخدم حواسه في معرفة الحق العميق الجذور في الكون والحياة، والكافر هو الأعمى والأصم، والميت، لأنه عطّل حواسه فلم يدرك الحق ولم يؤمن به. فالأمثال المصوّرة في هذه المجموعة، تعتمد على نظام العلاقات والروابط في تأدية المعاني، وتوضيح الرؤية الدينية للحياة والإنسان والكون، فهي ليست أمثالا منفصلة بل مترابطة ونامية لتكوين بناء فكري متكامل من خلال التصوير الفني في القرآن الكريم. ومن هذه المجموعة أيضا، تصوير المثل لعقيدة التوحيد، بالاعتماد على الموازنة أيضا في إيضاح الفروق بين التوحيد والشرك كقوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ، وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ النحل: ٧٥ - ٧٦.

стр. 164

والمثلان هنا مأخوذان من واقع الحياة الاجتماعية للعرب آنذاك، فقد كان لهم عبيد، لا يملكون شيئا، وليس لهم حرية التصرف، أو القدرة على فعل شيء إلا بأمر أسيادهم. والتصوير في المثل الأول يركّز على أنهم لا يسوون في حياتهم بين عبد مملوك لا يقدر على شيء، وبين سيّد حرّ، مالك متصرف في أمواله، ينفق منها سرا وجهرا، ويرفضون المساواة بينهما، ويأنفون من ذلك إذ كيف يسوّى بين العبد المملوك، والحرّ الطليق، ولكنهم يرضون بالتسوية بين سيد العباد ومالكهم وبين أحد من عبيده أو شيء آخر مما خلق، وهذا تناقض بيّن، لا يقول به العقلاء. والتصوير في المثل الثاني يركّز على أنهم أيضا لا يسوون في حياتهم بين رجل أبكم ضعيف بليد، لا يعود بخير، وبين رجل عاقل حصيف، متكلم آمر بالعدل، مستقيم على طريق الخير. ولكنهم يرضون بالتسوية بين الله وهذه الأصنام الجامدة البكم. فالمثلان يقيمان الأدلة والبراهين على عقيدة التوحيد، من واقع حياة العرب آنذاك، ويظهران تناقض المشركين في تصوراتهم واعتقاداتهم. ويتواصل هذا المثل مع مثل آخر يدور حول حقيقة التوحيد والشرك، والفروق بينهما من الناحية النفسية لكلّ من المؤمن والمشرك، يقول الله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الزمر: ٢٩. والفرق كبير بين عبد مملوك لشركاء عدة، كل واحد يأمره بأمر، وهو موزّع بين أسياده المتخاصمين عليه، لا يدري كيف يرضي هؤلاء المتخاصمين جميعا، لذا فهو يعيش في قلق وحيرة وعذاب، وعبد آخر مملوك لسيد واحد، يتلقى منه أوامره، وينفذها، ويعرف ما يريده منه وما لا يريده، لذا فهو يعيش في توازن ووضوح. والتصوير في هذا المثل، مستمد أيضا من واقع الحياة العربية آنذاك، ويتضح من خلال تصوير المثل أن المؤمن يعيش في حياته، ينقاد إلى الله سبحانه، وحده دون سواه فمصدر التلقي عنده واحد، والسيد الذي يملكه واحد، بيده النفع والضر، والرزق والمنع، فهو يوحّد جهوده في كسب رضاه، والسير على منهجه، فيشعر بالراحة والاستقرار في عبوديته لله وحده دون سواه.

стр. 165

أما المشرك فيعيش في اضطراب وقلق وتمزق، لأنه موزّع الأهواء والاتجاهات بين الآلهة المتعددة التي اتخذها أربابا من دون الله. ثم جاء التعقيب المتناسق مع جوّ التصوير، وعقيدة التوحيد الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ. فالصورة في أمثال هذه المجموعة، تتعاون، في رسم ملامح كلّ من المؤمنين والكافرين، لإيضاح الفوارق الجوهرية بين الفريقين، والتواصل مستمر في هذه الصورة، ضمن أنساق تعبيرية متفاعلة معها، كما أن الروابط الفكرية التي تجمعها تكاد تدور حول القضايا الأساسية للدين، مثل التوحيد، والشرك، والمؤمن، والكافر، والصراع بين الحق والباطل ونحو ذلك. ثم هناك مجموعة رابعة من الأمثال المصوّرة، ترسم ملامح المنافقين، وتكشف حقائق نفوسهم، وهي أمثال مترابطة فيما بينها في التصوير والتأثير. تشكّل مجموعة ضمن الأمثال القرآنية، لها علاقتها وأدواتها التصويرية، وروابطها الفكرية، ولكنها أيضا مرتبطة بالتصوير العام للأمثال القرآنية، يقول الله تعالى في المنافقين: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ، أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ، يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ البقرة: ١٧ - ٢٠. وهنا نلاحظ تفاعل المثلين في السياق، عن طريق التجاور السياقي، والتماثل الفكري والنفسي للمنافقين، وتبرز الحالة النفسية للمنافقين مجسّمة في صورة المثل، حيّة ناطقة، تكشف عن حقائق نفوسهم المضطربة القلقة التي لا تثبت على مبدأ أو رأي، والظلمة الكثيفة، في التصوير، تجسّم ظلمة النفوس، وتتضافر الروابط التعبيرية، والروابط التصويرية، في تعتيم الصورة، ورسم كثافة الظلام فيها، حتى تتناسق مع صورة المنافقين المظلمة. وإسناد ذهاب النور إلى الله، واستخدام كلمة بِنُورِهِمْ بدلا من ضوئهم، وجمع «ظلمات» ثم قوله «لا يبصرون» كلها علاقات تعبيرية متفاعلة مع أدوات التصوير الأخرى، لزيادة

стр. 166

رسم الظلمة المحسوسة، الملائمة لظلمة النفوس، حتى إنّ هذه الظلمات أفقدتهم الرؤية الصحيحة للأشياء، فلم يعودوا يميّزون بين الحق والباطل، والهدى والضلال، لأنهم عطّلوا حواسهم التي توصلهم إلى الإدراك والمعرفة وفهم حقائق الأمور، فلا رجعة لهم بعد ذلك إلى الحق صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ، وهذا القول الأخير في تصويرهم، جاء تعقيبا على تصوير المثل، فبعد الانتهاء من المثل، عاد التصوير إلى المشبه لإبرازه وإيضاح حقيقته، حتى ترسخ صورة المشبه في الأذهان على هذه الحالة المصوّرة، وهذه طريقة التصوير في الأمثال القرآنية. يتمّ فيها التركيز على المشبه، لأنه المقصود من ضرب المثل ولا يخفى ما بين الممثل، والممثل له من المشابهة والمماثلة مجسّمة في صورة المثل المضروب. ثم عقّب على المثل الأول بمثل آخر، زيادة في الإيضاح والبيان، وتجسيم حقائق النفوس، وعطف المثل الثاني على الأول بحرف العطف «أو» التي تفيد هنا التسوية، وليس الشك، ومعنى التسوية، هو نتيجة تفاعل المثلين في السياق وتجاورهما فيه، لتحقيق هذا المعنى، فكأن المثلين يتواصلان، ويترابطان، ويتعاونان في رسم ملامح المنافقين، وكشف خفايا نفوسهم. ويتمّ التركيز في المثل الثاني على تصوير حركة المنافقين، المضطربة التي لا تثبت على مبدأ أو رأي. فهم في تيه واضطراب وقلق، وحركة متذبذبة، بين لقائهم للمؤمنين، وعودتهم لاتباع خطوات الشيطان، وبين ما يقولونه في لحظة، ثم يرتدون عنه فجأة، وبين إظهارهم الإيمان، وإضمارهم الكفر. وقد جسّمت هذه الحركة النفسية لهم، في الحركة التصويرية للمشهد المرسوم في الصيّب النازل والرعد القاصف، والبرق الخاطف، وإدخال الأصابع في الآذان، والخطوات الفزعة المتحفزة للإفلات فالصورة في المثل تجسّم الحالة النفسية للمنافق في صورة حسية متحركة تجمع كل عناصر التصوير لتحقيق التماثل والتشابه بين الممثل، والممثل له، لتحقيق الغرض الديني من وراء التصوير الفني. يقول الزمخشري في تفضيل المثل الثاني على الأول: «فإن قلت أي التمثيلين أبلغ؟ قلت: الثاني لأنه أدل على فرط الحيرة، وشدة الأمر وفظاعته، ولذلك أخّر، وهم يتدرّجون في

стр. 167

نحو هذا من الأهون إلى الأغلظ» «٢٥». ويستمر تصوير الأمثال في وصف المنافقين، في مثل قرآني آخر، يوضح دور المنافقين في التحالف مع اليهود ضد المسلمين، فقد قال المنافقون لليهود بأنهم سيقاتلون معهم المسلمين، وأغروهم بالحرب، ولكنّ المنافقين خذلوهم، وتركوهم وحدهم يواجهون المسلمين، فكان مثلهم كما قال الله تعالى فيهم: كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ الحشر: ١٦، فالله ضرب هذا المثل لتصوير موقف المنافقين من اليهود، حين أغروهم بمقاومة المسلمين، ولكن موقف المنافقين تغيّر بسرعة، حين رأوا انتصار المسلمين على اليهود، وجلاء اليهود عن المدينة، فمثل الله حالهم بحال الشيطان مع الإنسان، فالشيطان يغري الإنسان باتباعه بطرق شتّى فإذا تمّ إغواؤه فضلّ عن السبيل وطغى وكفر، تملّص الشيطان منه، ونفض يديه من تحمّل مسئولية إضلاله، وتركه يواجه العذاب والهلاك وحده. وهذا ما حدث لليهود حين استجابوا لإغراءات المنافقين، وأعلنوا عداءهم للمسلمين طمعا في دعم المنافقين لهم دعما ماديا ومعنويا، ولكنّ المنافقين سرعان ما تملصوا من وعودهم حين جدّ الجدّ، وجلا اليهود عن المدينة، تبّرءوا منهم، وعادوا إلى إظهار الإسلام. والعلاقة قوية بين الممثّل والممثل له أو بين المنافقين والشيطان، فهم أولياؤه وأعوانه، يقومون بدور خطير في تهديم المجتمع الإسلامي من داخل الصفوف. والمثل المضروب لهم ينطبق على المشبه تماما فدورهم هو دور الشيطان نفسه، بكل مراحله المتدرّجة. وترتسم صورة المنافقين، واضحة بكل ملامحها واتجاهاتها من خلال الأمثال المصوّرة، وتتوضح حقائق نفوسهم المظلمة، وتذبذبهم بين هؤلاء وهؤلاء، ودورهم الخطير في التحالف مع أعداء الإسلام، لهدم المجتمع الإسلامي من داخل الصفوف. وتعاونت صور الأمثال في رسم هذه الملامح لهم، بدقة وعناية، لتحقيق الغرض الديني في التحذير من النفاق والمنافقين. وهناك مجموعة خامسة من الأمثال المصورة تدور حول أهل الكتاب، وهي أمثال قليلة كقول الله في اليهود مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الجمعة: ٥. وقد اعتمد التصوير هنا على صورة الحمار دون غيره، تحقيرا لشأن اليهود، وذمّا لهم،

стр. 168

لأن صورته تنطبق على المشبه. فاليهود حملوا التوراة في عقولهم وصدورهم ولكنّهم لم يستفيدوا بما جاء فيها من أفكار وأحكام، ودعوة إلى الإيمان برسول يأتي من بعد موسى، اسمه أحمد، فكان مثلهم كمثل الحمار، يحمل على ظهره كتبا نفيسة، وهو لا يدري ما فيها، ولا ينتفع منها، وليس له من حملها إلا التعب والنصب. فالمثل لا يصوّر اليهود بالحمار في حالة الإفراد، وإنما يمثّل حالتهم في حمل التوراة مع عدم الاستفادة منها، بصورة الحمار يحمل أسفارا، ولا ينتفع منها. فصورة المثل صورة مركبة وليست مفردة، وهو يجمع إلى جانب التصوير الموحي التحقير والترذيل لليهود، لذلك جاء التعقيب على المثل بقوله: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ .... ومثل آخر يتعلق بالنصارى، وقد قال النصارى في عيسى كلاما كثيرا، لأنه ولد من غير أب، فمنهم من جعله إلها، ومنهم من جعله ابنا لله، وأثاروا الجدل حول ولادته من غير أب، علما بأنهم لم يجادلوا في خلق آدم، الذي خلق من غير أب ولا أم، فضرب المثل القرآني لهم لإقناعهم، وإقامة الحجة عليهم من خلال تصوير هذا المثل إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ، خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ، ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ آل عمران: ٥٩. فالمثل هنا موجز واضح، يقيم الحجة على بشرية عيسى ﵇، وينفي الشبهات حول معجزة ولادته، وينفي التصورات الباطلة حول ألوهيته. وذلك عن طريق التماثل بين المشبه والمشبه به، وربط المعجزة الصغرى بالمعجزة الكبرى، حتى تتضح حقيقة المشبه وهو عيسى. والمثل يوضّح أن منطق الإعجاز في الخلق من عدم، يختلف عن المنطق المعروف في التزاوج والتناسل، ويردّهم المثل هنا إلى التراب، وهو الأصل في تركيب البشر، وهذا هو الإعجاز، وهو ما يجب أن يقاس عليه عيسى في خلقه وتكوينه، فآدم خلق مباشرة دون قانون طبيعي وفق إرادة الله ومشيئته، كُنْ فَيَكُونُ وهذا سرّ الحياة الغامض الذي لا يعرفه إلا الله سبحانه، وعيسى يقاس بآدم وفق المشيئة والإرادة الإلهية، وإرادة الله في الخلق والإيجاد لا تخضع لقانون يعرفه الإنسان أو يتصوره، لأن الله هو واهب الحياة، وواضع القوانين لتسيير الكون والحياة، وإذا كان الإنسان في العصر الحديث قد اكتشف بعض القوانين المادية المبثوثة في الكون والحياة، فإن قانون الحياة فإن قانون الحياة هو فوق المادة، وليس أمام

стр. 169

الإنسان إلا التسليم لله في موضوع الحياة، لأنه يصعب إدراك ماهيتّها أو سرّها، لأنها بيد الله الخالق المصوّر، بهذا المنطق البدهي تعرض الصورة في المثل للقضايا الشائكة في عقيدة النصارى لتردهم إلى التصور الصحيح، والدين القويم. وقد استغلّ المشركون عقيدة النصارى الفاسدة في تأليه عيسى، لدعم عقيدة الشرك، فحين نزل قوله تعالى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ الأنبياء: ٩٨، قال بعضهم للرسول ﷺ : «أليست النصارى يعبدون المسيح، واليهود يعبدون عزيرا، وبنو فلان يعبدون الملائكة، فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم، فسكت الرسول ﷺ ، وضحك المشركون» «٢٦». فنزل قوله تعالى: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ، وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ، إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ الزخرف: ٥٧ - ٥٩. فالمشركون جادلوا بالباطل، لأنهم يعرفون أن «ما» في قوله تعالى وَما تَعْبُدُونَ تستعمل لغير العاقل في أصل لغة العرب، فلا يدخل في سياق الآية عيسى وعزير والملائكة، وهذا دليل لغوي ينقض افتراءاتهم بالإضافة إلى دليل آخر وهو تنزيه الأنبياء عن ذلك. فعيسى عبد من عباد الله، أنعم الله عليه بالنبوة والرسالة، ومعجزة الولادة، ليكون دليلا على قدرة الله سبحانه، ومثلا واضحا على هذه القدرة الربانية على مدار الأزمان والأجيال. وهناك مجموعة سادسة من الأمثال المصوّرة تدور حول الحياة الدنيا، وصور هذه الأمثال مستمدة من الزروع والثمار والأشجار والنبات، لأنها أشياء محسوسة مدركة، لها تأثيرها في الإنسان الذي يدرك هذه المشاهد الطبيعية، في سرعة نموها وازدهارها وإثمارها، ثم في سرعة تحوّلها إلى الاصفرار والذبول والزوال، وهذه مشاهد محسوسة مدركة من قبل الناس على اختلاف بيئاتهم، ومداركهم. يقول الله تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ يونس: ٢٤.

стр. 170

والصورة في المثل القرآني هنا، ترسم الدنيا، وهي قائمة نضرة مغرية، وكذلك وهي فانية، والتقابل بين هاتين الحالتين للدنيا، أو الصورتين لها في المثل الواحد، يبرز نظام العلاقة بين الصورتين في السياق الواحد، وتفاعلهما معا، لإظهار المعنى، وتحريك الخيال وهو يتابع سرعة التحوّل في السياق من الصورة الأولى للدنيا، إلى الصورة الثانية. بشكل نام متحرك مثير، ويقوم الخيال بملء الفجوات لنموّ الصورة الأولى للدنيا بأطوارها أو مراحلها المختلفة، حتى تغيب في الصورة الثانية لها، وهي صورة الفناء، وتنطبع صورة الفناء بقوة في مخيلة الإنسان، ليدرك أن التعلّق بالدنيا وهي في صورتها الأولى مقبلة ومغرية ومتزيّنة هو نوع من الأوهام الخادعة، طالما أنها إلى زوال وفناء، وتطلّ الحقيقة الخالدة من وراء الدنيا الفانية، وهي حياة الخلود يوم القيامة وما فيه من نعيم دائم، وعذاب مقيم. وتتعاون العلاقات التعبيرية والتصويرية في إبراز الغاية من المثل المضروب، فالماء هو أصل الحياة، واختلاطه بالنبات، وجريانه في عروقه، يوحي بحب الناس للدنيا، وتغلغلها في قلوبهم، ثم تشخيص الدنيا، وجعلها كالعروس في زينتها وإغرائها، تفتن الناس بزخرفها ومظاهرها الخادعة، فيتعلق الناس بها، وينغمسون في لذائذها، ثم تحدث المفاجأة في غمرة الافتتان بها أَتاها أَمْرُنا فتصبح «حصيدا» ويترك للإنسان أن يتخيل مشهد الأرض الحصيد اليابسة الزائلة، ليذكر صورتها الأولى في نضارتها وزينتها، فيدرك أن زينتها خادعة، وأن حقيقتها فانية، وقوله: كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ تأكيد على ذلك المعنى، وإيحاء بقصر مدة الصورة الأولى، وسرعة زوالها، وانمحائها، وصورة فناء الدنيا تلقي في الحس، احتقارها، وخداع مظاهرها، وتوجّه الإنسان إلى الحياة الباقية في الدار الآخرة، وهذا ما يهدف إليه تصوير المثل هنا. ويرتبط المثل الثاني للدنيا، بالمثل الأول بعدة روابط تعبيرية وتصويرية وفكرية، من أهمّها، اعتماد تصوير المثل على «الماء» واختلاطه بالنبات، وتغلغله في عروقه، للإيحاء بحب الناس للحياة الدنيا، ثم التماثل في نهاية تصوير الدنيا بين المثل الأول والثاني، في فناء الدنيا، والإيحاء بالدار الباقية، وقوة الله القادر على كل شيء. يقول الله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً

стр. 171

تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً الكهف: ٤٥. في هذا المثل، يقرب الله سبحانه صورة الدنيا من الأذهان، موضحا حقيقتها، في سرعة تحوّلها وتبدّلها من الخضرة والنضارة، إلى الذبول والزوال، فيصوّرها في سرعة فنائها بسرعة فناء النبات. والمثل المضروب لها، قصير موجز، والتصوير فيه سريع خاطف، يتلاءم مع حال الدنيا في سرعة زوالها، فيلقي التصوير السريع ظلّ الفناء في ذهن الإنسان وحسّه، كي يستقر هناك بقوة وثبات. فالماء في تصوير المثل، ينزل من السماء، فيختلط بسرعة بنبات الأرض، وهذا ما توحي به الفاء العاطفة الدالة على الترتيب والتعقيب المباشر، ثم إنّ هذا الثبات لا يصوّر ناميا ومثمرا، ولكنه بسرعة خاطفة يصوّر «هشيما تذروه الرياح». فتصوير المثل يعتمد على جمل ثلاث في تصوير قصر الحياة الدنيا، وسرعة زوالها وقد تناسق التصوير مع التعبير في رسم قصر الحياة الدنيا، وسرعتها في الزوال والفناء، من خلال الماء النازل، واختلاطه بالنبات، والهشيم المتناثر في نهاية الصورة، وقد قامت الفاء العاطفة في تسريع حركة التصوير حتى يبلغ نهايته المؤثرة في فناء الدنيا وزوالها. وبعد أن تلقي صورة المثل ظلّها في النفس الإنسانية، يأتي التعقيب على المثل بقوله: وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ليرتبط الإنسان المخاطب بالقوة الإلهية القادرة على الإحياء والإماتة في كل حين. وهكذا يتواصل المثل المضروب، مع حركة الصورة القرآنية، في السياق القرآني، لتكوين الرؤية الإسلامية المتكاملة، عبر الصور المتجمّعة حول هذا المحور. والمثل الثالث للدنيا يتواصل مع المثلين السابقين لها، ضمن نظام العلاقات بين أمثال المجموعة، وتبرز عدة روابط، تربط هذا المثل بمجموعته، منها، الاعتماد على الماء كعنصر من عناصر التصوير، وكذلك النبات، في مراحل نموه، ونهايته، ولكنّ الجديد في المثل الثالث هو ذكر الدنيا بكل ما فيها من متع وإغراءات، مثل المال والأولاد، والتكاثر، والزينة، واللهو واللعب، ثم بعد ذلك ضرب المثل لها. يقول الله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي

стр. 172

الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ الحديد: ٢٠. فالدنيا لعب ولهو، تستميل النفوس الضعيفة، وزينة خادعة، لأنها زائلة، وتفاخر بالأحساب والأنساب والأموال والأولاد، ولكنّ هذه الصور زائلة إذا قيست بالآخرة. ثم يأتي المثل مصوّرا حقيقتها الفانية، فيمثّلها بالمطر النازل من السماء، فينبت الزروع، حتى تنمو وتكبر وتتكاثر، فيعجب الزرّاع بهذه الزروع المتنوعة، ولكنّ هذه الزروع تصفرّ وتيبس وتتحطم في النهاية، وهذا هو حال الدنيا. ويقصد بالكفار هنا الزرّاع، لأنهم يكفرون الحبوب في التراب أي يسترونها، ولكن استخدام الكلمة هنا في السياق توحي بأن الكفار هم الذين يعجبون بالدنيا، ويغفلون عن حقيقتها الزائلة وبعد تصوير زوال الدنيا في المثل، يعقب على ذلك بذكر الآخرة باعتبارها دار البقاء والخلود وهذا التعقيب في نهاية المثل يتفاعل مع بدايته، عن طريق التضاد، للإيحاء بأن صور الدنيا المختلفة زائلة فانية، وما في الآخرة من صور النعيم هو الباقي الخالد. وبذلك تتقابل الصورتان في ذهن المخاطب، وتتفاعلان، لتحقيق الموعظة والعبرة، والأثر الديني الذي هو هدف تصوير المثل. وهناك أمثال قرآنية مصوّرة للإنفاق في سبيل الله وهي المجموعة السابعة، وهذه الأمثال مرتبطة بأمثال تصوير فناء الدنيا، ومعتمدة عليها، فالإحساس بالفناء يدفع الإنسان إلى الإنفاق، وعدم التعلّق أو التمسك بالدنيا. وأمثال هذه المجموعة، وردت متعاقبة في سياق واحد، وبينها علاقات، تشدّ بعضها إلى بعض، لتكوين وحدة منسجمة داخل المجموعة، متميّزة باتجاهها وملامحها، وصورها، بالإضافة إلى حركة ارتباطاتها بالمجموعة قبلها، واعتمادها عليها كقاعدة اساسية للإنفاق، بعد التأكيد على زوال الدنيا في المجموعة السابقة وتدور الأمثال المصورة في هذه المجموعة حول ضرورة الإنفاق لمواساة الفقراء والمساكين والإخلاص لله في ذلك، والتحذير من الإنفاق رياء أو مصحوبا بالمنّ والأذى للفقراء والمحتاجين، ووعد الله للمنفقين ابتغاء وجهه، بمضاعفة الأجر والثواب يوم القيامة. يقول الله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ البقرة: ٢٦١.

стр. 173

والصورة في هذا المثل، تركّز على المشبه به، وتجمل في صورة المشبه، في قوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وتزيد من إيراد التفصيلات المرغّبة في الإنفاق، فالحبة الواحدة أنبتت سبع سنابل، ثم السنبلة الواحدة تحتوي على مائة حبة، فتتضاعف الحبة إلى سبعمائة ضعف. والتدرّج البطيء ملحوظ في تصوير المثل، لزيادة تشويق المخاطب، وترغيبه بالإنفاق، فيظلّ المخاطب، يتابع مشهد نموّ الحبة وهي تنمو وتكبر، كأنها أمام عينيه في مشهد محسوس جميل، مثير للخيال، ومشوّق للنفس، فتغدو الحبة سبع سنابل، ثم السنبلة الواحدة فيها مائة حبة، ثم يترك للخيال أن يتابع تضاعف الأجر، من خلال مضاعفة الحبة في المشهد المنظور، وليس المراد هنا حقيقة العدد، بل المقصود به التكثير والمضاعفة، لذلك آثر التعبير جمع الكثرة «سنابل» على «سنبلات» ليلقي التعبير ظلّ الكثرة في حس المخاطب وخياله، فيدفعه هذا إلى الإنفاق، طلبا للزيادة ومضاعفة الأجر. وقد تعاون التعبير والتصوير، على أداء المعنى، وتوضيحه، فاختيرت الحبّة لضرب المثل وقد تكون موجودة، أو متخيّلة على سبيل الفرض والتقدير ثم طوي المضاف في التعبير فلم يقل «كباذر حبة» حتى يظلّ الإنسان مشدودا إلى متابعة نموّ الحبة، وتكاثرها في المشهد المحسوس، وهذا الحذف للمضاف جعل التعبير موصولا، بين نمو الحبة وتكاثرها، وبين المنفقين في سبيل الله، فيظلّ الذهن يربط بينهما، ولا يشغل بسواهما. ثم يأتي التعقيب على المثل بقوله: وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ فيزيد الصورة وضوحا، وإثارة للمشاعر الإنسانية ثم يأتي قوله: وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ متلائما مع جوّ تصوير المثل، فيفتح أمام الإنسان آفاقا رحبة لعطاء الله الواسع الذي لا ينفد. ويشترط في الإنفاق أن يكون في سبيل الله، غير مصحوب بالمنّ والأذى، حتى يتحقق الغرض منه في تهذيب نفس المنفق، وبثّ روح التعاون بين أفراد المجتمع الإسلامي. وقد ضرب الله سبحانه مثلين لنوعين من المنفقين، الأول ينفق ماله رياء، والثاني ينفق ماله ابتغاء مرضاة الله. وعرض هذين النموذجين في السياق، يهدف إلى توضيح الفوارق في النيات، وما يترتّب عليها من الثواب أو العقاب. يقول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً

стр. 174

لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ البقرة: ٢٦٤. وفي هذا المثل أيضا، نلاحظ، نموّ الصورة، وتدرّجها في أداء المعنى، وهو بطلان الإنفاق القائم على الرياء أو الأذى، فبدأ المثل بتصوير المنّان بالمرائي الكافر، ثم جاء تصوير المثل لهذا المرائي الكافر. في نموّ متدرج، وتفاعل بين صورة المثل، وصورة المرائي، عن طريق المجاورة في السياق، والتماثل بين صورة المرائي، وصورة الممثل به هنا. فالمرائي يشبه صورة الزارع على صخرة صلدة ملساء، عليها تراب رقيق، وهو رمز للرياء المبطل للأعمال، فينزل المطر من السماء فيجرف هذه الطبقة الرقيقة من على الصخرة وما زرع فيها، لينكشف الصفوان حجرا صلدا غير قابل لامتصاص رحمة السماء، والحجر الصلد، هو قلب المرائي في قسوته، وعدم صلاحيته لامتصاص الخير، لهذا فإنّ إنفاق المرائي ضائع، كما يضيع الغيث الهاطل، فوق الصخر الأصم. وتعاقب الفاءات في التعبير «فمثله، فأصابه، فتركه» يوحي بسرعة إحباط هذا الإنفاق، وتلاشيه دون أن يمكث ولو وقتا قصيرا. وقد وحّدت الصورة في المثل بين المؤمن الذي يبطل صدقاته بالمنّ والأذى، والكافر الذي لا يؤمن بالله واليوم الآخر، لتماثلهما في النية من ناحية، ولزجر المؤمن وتحذيره من هذا السلوك المشين من ناحية أخرى. ثم يأتي التعقيب بقوله: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ على طريقة تصوير الأمثال القرآنية في التعقيب على المثل، بعد الانتهاء من تصويره، وبناء حكم عليه، لبيان المغزى من تصوير المثل، والتركيز على المشبه لتحذيره. ثم يعقبه بمثل آخر، للمنفق ابتغاء وجه الله، جريا على طريقة التصوير الفني في القرآن، في عرض الصور المتقابلة في السياق، لإيضاح الحقائق المصورة، وإدراك الفروق بين المعاني والصور، يقول الله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ البقرة: ٢٦٥. والصورة في المثل هنا، جنة بربوة، في مكان مرتفع قليلا، حتى تبرز هذه الجنة أمام العيون فتراها، ولأن شجرها أجمل، وثمرها أطيب، فينزل عليها المطر من السماء، فتنمو

стр. 175

ويتضاعف ثمرها وإن لم يصبها الوابل، فيكفيها المطر القليل، وهو الطلّ لكي تنمو وتثمر، وتؤتي أكلها ضعفين، لطيب تربتها، وكرم مغرسها. والتصوير بالوابل والطلّ، يوحي بالإنفاق الكثير والقليل، فالإنفاق الخالص لوجه الله وإن قلّ يتضاعف أجره، كما توحي الصورة بذلك. ويرتبط هذا المثل قبله، ويتفاعل معه لإيضاح الفروق بين النموذجين، ويتمّ هذا التفاعل، عن طريق التماثل في عناصر التصوير، والتضاد في آثارها وإيحاءاتها. في الوقت نفسه. فالوابل الهاطل من السماء مكوّن أساسي في الصورتين، ولكن أثره مختلف فيهما، فهو هنا عامل نماء وحياة، لقابلية الربوة للخير، واستعدادها له، وهي تمثّل قلب المؤمن العامر بالإيمان والمستعد لبذل الخير والعطاء باستمرار، أما الوابل على الصفوان، فقد كشف جوهره المجدب وعدم نفعه لاستقبال الخير، ولو ستره وراء طبقة ترابية رقيقة التي تمثل عمل الخير في الظاهر، فالفروق واضحة في المثلين، فهنا جنة بربوة وثمار وأرض طيبة، وتربية صالحة للنماء والحياة والسماء تجود عليها بغيثها الكثير أو القليل، وهي تستقبله، فتفيض عطاء ونماء، وهناك حجر صلد، وتراب خادع، وتربة فاسدة، وموت وضياع. وتبرز الفوارق أيضا في ملامح النموذجين من خلال تصوير المثلين. ويتواصل المثل الأخير مع المثل الثاني في هذه المجموعة مع بعض اللمسات النفسية المؤثرة. يقول الله تعالى: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ، وَأَصابَهُ الْكِبَرُ، وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ البقرة: ٢٦٦. فالصورة في هذا المثل، تبرز إبطال العمل، أيّا كان صاحبه، مرائيا أو منّانا أو غير ذلك. وترسم الجنة بمشاهد تجذب الأنظار إليها في بداية المثل، ليزداد الألم والحسرة عليها في نهاية التصوير حيث نرى مشهد تدميرها بشكل مؤثر. فهي جنة من نخيل وأعناب، فيها الأنهار الجارية، والثمار المتنوّعة الأخرى، ويترك للخيال أن يستحضر صور الثمار الأخرى غير الأعناب والنخيل، ثم هذه الجنة استمرت في

стр. 176

نضارتها وعطائها، واشتدّ تعلّق صاحبها بها، لأنه كبر من ناحية، ولأن له ذرية ضعفاء من ناحية أخرى وبهذه اللمسات النفسية، يكون تصوير المثل قد بلغ ذروته في رسم المشاهد المحسوسة، والمشاعر الإنسانية الخفية، لكي يهيئ ذلك لاستقبال مشهد التدمير المفاجئ الذي يتجاوز تأثيره الحواس الظاهرة إلى أعماق النفوس، وهو مشهد سريع خاطف، مصوّر بتعاقب الفاءات العاطفة، لتحقيق التأثير السريع والعميق. ويعتبر الإيمان باليوم الآخر، من الروابط الأساسية في الأمثال المصوّرة، والصورة القرآنية عموما لأنه من أركان العقيدة الإسلامية. لذلك لا تخلو صورة قرآنية منه إمّا بالتصريح بذكره أو بالإيحاء به من خلال التصوير. وهناك مجموعة ثامنة من الأمثال المصورة، تدور حول اليوم الآخر، للإقناع به، وإيراد الأدلة والبراهين عليه. كقوله تعالى: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ يس: ٧٨ - ٧٩. فالصورة في هذا المثل، توضّح أنّ إعادة الحياة، مثل إيجادها من العدم أول مرة، والذي أوجدها من العدم، قادر على إعادتها من جديد، فليس هناك غرابة في ذلك، بل إن الإعادة بالمنطق البشري أهون من الإيجاد والتكوين من العدم، ولله المثل الأعلى. وهذا الدليل الواضح هو الذي سار عليه المثل القرآني، في الإقناع بفكرة اليوم الآخر يقول الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ الروم: ٢٧. فالخلق الأول إنشاء وابتكار على غير مثال موجود، أما بعث الحياة من جديد، فإعادة لما كان موجودا. وهذا التصوير، هو لمجرد تقريب فكرة البعث بعد الموت من الأذهان، أمّا بالنسبة لله سبحانه فإنّ الإيجاد والإعادة سواء، لأنّ الأمرين مرتبطان بإرادة المشيئة «كن فيكون». وتتواصل صور اليوم الآخر من خلال الأمثال، لتقريبه من الأذهان يقول الله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ الرعد: ٣٥. ويركّز التصوير في هذا المثل على الأنهار الجارية، لتقابل صورة الجفاف في ذهن

стр. 177

العربي القديم، مقابلة النقيض للنقيض، فتبدو صورة الأنهار الجارية، مقترنة بظلال العيش الرغيد أُكُلُها دائِمٌ فهي مستمرة العطاء والثمار، لا يعتريها التلف أو الانقطاع كما في الدنيا، وفكرة البقاء في الثمار، هي فكرة الخلود للإنسان في ذلك النعيم الدائم، والنفس تميل إلى ذلك الخلود، وتتشوق له. والظلّ الدائم يضفي على الصورة ظلالا ندية للحياة في اليوم الآخر، والظل الدائم مقصود بالتصوير ليقابل الظلّ الزائل في الدنيا، لأنه مرتبط بالزمن الفاني المتغيّر بحركة الشمس، والتصوير بالظلال له وقعة في نفس العربي القديم، الذي اعتاد حياة الصحراء بشمسها المحرقة، كما له جماله الأخّاذ في تظليل الصورة المرسومة لليوم الآخر. فالصورة في المثل، مثيرة للخيال، فيها الأنهار الجارية، تحت الأشجار الوارفة، والثمار الدانية الدائمة، والظلال الممتدة الباقية، بالإضافة إلى ما يوحيه هذا الجوّ الجميل، من حياة رغيدة، ولذائذ طيبة، ويأتي التعقيب على النعيم بقوله: تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا ثم جزاء الكافرين مختلف وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ. وهكذا تتقابل الصورتان في السياق، صورة الجنة المفصّلة للتشويق إليها، وصورة النار الموجزة لإيقاع الرهبة في النفوس. ويرتبط مثل آخر بهذا المثل، ولكنه أكثر تفصيلا لمشهد النعيم والعذاب يقول الله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ، فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ محمد: ٤٧. وإذا قارنا بين المثلين نلاحظ أن المثل السابق جاء موجزا، يركز على فكرة الخلود الواضحة، في الظلال الدائمة، والثمار اليانعة المستمرة، لطمأنة النفس، وبعث الراحة فيها، بعد هذا التحوّل والانتقال إلى اليوم الآخر. والخلود يريح النفس، ويذهب عنها مشاعر القلق والخوف، وقد ورد هذا المثل في سياق يقتضي التركيز على فكرة الخلود في الآخرة، والفناء في الدنيا. فقد تحدث السياق عن الشرك فأراد الله سبحانه أن يوحي لهم بأن حياتهم فانية، والخلود في الآخرة إمّا في النعيم أو العذاب، أما هذا المثل المفصّل للنعيم والعذاب، فقد ورد في سياق يحثّ على قتال المشركين، فاقتضى ذلك تزيين الجنة للترغيب

стр. 178

فيها، والتخويف بالنار للابتعاد عنها. ويكثر في المثل الأخير أنواع النعيم فالأنهار أنواع من ماء ولبن وخمر وعسل، وكل نوع خالص من شوائب الدنيا، وما يعتوره من عوامل التغير والتحوّل. للإيحاء بأن العالم الآخر. عالم مختلف عن عالم الدنيا في جوهر نعيمه وإن تشابهت أوصافه الحسية به، أما خواص تركيبه، وطعومه فمختلفة عما هو مألوف في الدنيا، والتنوّع في الثمار كالتنوّع في الأنهار سواء بسواء. ويلاحظ التناسق البديع في التصوير في أنهار الشراب، من ماء وخمر، ولبن، وعسل، واقتضى التنسيق والتنظيم في الصورة أن يكون مشهد العذاب كذلك يعتمد على الماء الحميم الذي يقطّع الأمعاء، لتتضح الفوارق بين ماء وماء، ونعيم وعذاب، وإيمان وكفر وقد استغرب المشركون، حين نزل قوله تعالى في الملائكة الذين يحرسون النار: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ المدثر: ٣٠، وأثاروا الشبهات حول هذا العدد القليل في حراسة النار أمام ملايين البشر. فرد الله عليهم هذه الشبهات موضحا أن هؤلاء الملائكة لا يعرف ماهيتهم إلا الله، ولا يعرف قدرتهم إلا الله، والعدد المثير للجدل، هو من قبيل الرموز فكل عدد سيثير الجدل أيضا يقول الله تعالى: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً، وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ، وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ، وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ المدثر: ٣١. وقولهم: ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يوحي بأن الله قد ضرب لهم المثل، أو أنهم اعتبروا الحديث عن ملائكة النار مثلا لغرابته وندرته. فكان الرد عليهم بأن الله حدد طريق الهدى، وطريق الضلال، والحديث عن الملائكة وجنود الله، هو من الغيب المستور، البعيد عن إدراك البشر المحدود، فلا حاجة للخوض فيه. والمجموعة الأخيرة هي الأمثال القصصية، التي نصّ القرآن الكريم على أنها أمثال، وهي مترابطة بالروابط الفكرية والتصويرية والتعبيرية، لتمييز هذه الأمثال عن غيرها، وإعطائها الطابع الخاص بها، ولكنها أيضا تدور بعلاقاتها وروابطها، حول حركة الأمثال القرآنية، وتتحرك باتجاهها في تحقيق الغرض الديني من التصوير.

стр. 179

والأمثال القصصية في القرآن الكريم لا تميل إلى التفصيلات المملّة، وإنما تركّز على موضوعها الديني في التصوير الفني، والبناء القصصي، فلا نجد فيها أسماء الشخصيات والأماكن كما تعودنا في القصة، كأنها في تخطّيها للتصريح بالزمان والمكان وأسماء الأشخاص، تهدف إلى تأصيل النظرة الشمولية للفكرة الدينية، حتى يستوعب المثل المصور كل الأزمنة والأمكنة والأشخاص في إطاره المرسوم، وإذا ذكر المكان أحيانا فإنه يذكر مبهما منكّرا، لإفادة الشمول والعموم، باعتباره وعاء للحدث الجاري، وليس مقصودا لذاته، ولكن هذه الأمثال القصصية تمتاز بالصدق الواقعي، والبعد عن التصوير الأسطوري أو الخرافي. وتعتمد التنويع في تصوير الشخصيات، فقد تتناول شخصية واحدة، لإبراز معالمها وأفعالها كمثل الذي أتاه الله آياته فانسلخ منها، وقد تتناول شخصيتين متناقضتين، لإظهار الفكرة الدينية من خلال التناقض بين الشخصيتين في السلوك والتفكير، كمثل الحوار بين الكافر صاحب الجنتين، والمؤمن. وقد يتناول المثل سلوك طبقة اجتماعية كاملة، يظهر فكرها وسلوكها وبعدها عن منهج الله، كمثل أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون. وقد يضرب المثل بامرأتين في بيئتين مختلفتين، كمثل امرأة نوح وامرأة لوط الكافرتين في بيئة متدينة. أو كمثل امرأتين صالحتين هما امرأة فرعون في بيئة كافرة، ومريم ابنة عمران كنموذج للمرأة الصالحة الصابرة. يقول الله تعالى في مثل الذي انسلخ من آيات الله: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ، وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ، وَاتَّبَعَ هَواهُ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ، ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ الأعراف: ١٧٥ - ١٧٧. والقصة المضروبة مثلا هنا، ليس فيها تحديد للزمان ولا للمكان، وليس فيها ذكر لاسم الشخص المذكور، لأن المثل يركّز على العبرة والعظة من القصة، ولا يحفل بمثل هذه الجزئيات، التي لا تخدم الغرض الديني من التصوير فالمثل يركّز على تصوير سلوك هذا الشخص، وأحوال نفسه، واتباعه هوى النفس وشهواتها، وسيره وراء خطوات الشيطان، وخلوده إلى الأرض الفانية، وتعلّقه بالدنيا الزائلة.

стр. 180

وتشبه حالته بحال الكلب اللاهث دائما، وهذه الصورة المحقّرة لشأنه، تماثل حالة الذي انسلخ من آيات الله بعد أن عرفها وآمن بها، فكما أن الكلب يلهث من الإعياء والجهد، ويلهث في الأمن والراحة أيضا، فكذلك هذا الشخص، كان ضيقا متبرما من تحمّل آيات الله، يلهث من التزامه بها، وحين انسلخ منها، ظلّت حالته كذلك، فالمماثلة واضحة بين الممثل، والممثل له. ويضرب المثل للقيم الإيمانية الثابتة، والقيم الدنيوية الزائلة، بقصة الرجلين والجنتين فأحد الرجلين يمثّل الغني الذي أبطرته النعمة، فنسي ربه، وكفر به، معتزا بما يملك من مال، والآخر يمثل الرجل المؤمن الفقير المعتز بإيمانه. وهذا المثل القرآني من الأمثال المطوّلة، يضم مشاهد الطبيعة المصوّرة، ومظاهر الثراء والغنى وأحوال النفوس في البطر والغنى. ومشهد التدمير والخراب في نهاية المثل المضروب. ويبدأ تصوير المثل أولا بمشهد الجنتين، وما فيهما من مظاهر الجمال والثراء، يقول الله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً، كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً، وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ الكهف: ٣٢ - ٣٤. والتصوير المفصّل للجنتين هنا، يقصد به بيان ثراء هذا الرجل الذي بطر نعمة الله عليه، فالجنتان مثمرتان، من أعناب، تحيط بهما أشجار النخيل، وبينهما الزروع والثمار، ويتوسطهما نهر جار فيكتمل تصوير هذا المشهد الطبيعي بكل ما فيه من جمال ومنفعة، وثراء. ولكن تصوير الطبيعة هنا، مرتبط بالله سبحانه الخالق، فهو الذي جعل لأحدهما جنتين، وهو الذي حفّهما بأشجار النخيل، وجعل بينهما زرعا، وفجّر خلالهما نهرا، فإسناد هذه الأفعال إلى الله هو إسناد حقيقي أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ كما أنّ هذا الإسناد، مرتبط بالغرض الديني من التصوير فالتعبير اللغوي، والتصوير الفني، يشتركان في رسم ملامح هذا الرجل الذي بطر نعمة الله عليه، وقابل ربه المنعم بالجحود والكفران. ثم ينتقل تصوير المثل من رسم مظاهر الثراء في الجنتين الجميلتين، وما توحيان به من حياة رغيدة ورخاء ودعة، إلى التركيز على القضايا الفكرية الأساسية التي هي غاية التمثيل.
следующие страницы →