← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38131

وظيفة الصورة الفنية في القرآن

عبد السلام أحمد الراغب

Полный текст (466 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

نضارتها وعطائها، واشتدّ تعلّق صاحبها بها، لأنه كبر من ناحية، ولأن له ذرية ضعفاء من ناحية أخرى وبهذه اللمسات النفسية، يكون تصوير المثل قد بلغ ذروته في رسم المشاهد المحسوسة، والمشاعر الإنسانية الخفية، لكي يهيئ ذلك لاستقبال مشهد التدمير المفاجئ الذي يتجاوز تأثيره الحواس الظاهرة إلى أعماق النفوس، وهو مشهد سريع خاطف، مصوّر بتعاقب الفاءات العاطفة، لتحقيق التأثير السريع والعميق. ويعتبر الإيمان باليوم الآخر، من الروابط الأساسية في الأمثال المصوّرة، والصورة القرآنية عموما لأنه من أركان العقيدة الإسلامية. لذلك لا تخلو صورة قرآنية منه إمّا بالتصريح بذكره أو بالإيحاء به من خلال التصوير. وهناك مجموعة ثامنة من الأمثال المصورة، تدور حول اليوم الآخر، للإقناع به، وإيراد الأدلة والبراهين عليه. كقوله تعالى: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ يس: ٧٨ - ٧٩. فالصورة في هذا المثل، توضّح أنّ إعادة الحياة، مثل إيجادها من العدم أول مرة، والذي أوجدها من العدم، قادر على إعادتها من جديد، فليس هناك غرابة في ذلك، بل إن الإعادة بالمنطق البشري أهون من الإيجاد والتكوين من العدم، ولله المثل الأعلى. وهذا الدليل الواضح هو الذي سار عليه المثل القرآني، في الإقناع بفكرة اليوم الآخر يقول الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ الروم: ٢٧. فالخلق الأول إنشاء وابتكار على غير مثال موجود، أما بعث الحياة من جديد، فإعادة لما كان موجودا. وهذا التصوير، هو لمجرد تقريب فكرة البعث بعد الموت من الأذهان، أمّا بالنسبة لله سبحانه فإنّ الإيجاد والإعادة سواء، لأنّ الأمرين مرتبطان بإرادة المشيئة «كن فيكون». وتتواصل صور اليوم الآخر من خلال الأمثال، لتقريبه من الأذهان يقول الله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ الرعد: ٣٥. ويركّز التصوير في هذا المثل على الأنهار الجارية، لتقابل صورة الجفاف في ذهن

стр. 177

العربي القديم، مقابلة النقيض للنقيض، فتبدو صورة الأنهار الجارية، مقترنة بظلال العيش الرغيد أُكُلُها دائِمٌ فهي مستمرة العطاء والثمار، لا يعتريها التلف أو الانقطاع كما في الدنيا، وفكرة البقاء في الثمار، هي فكرة الخلود للإنسان في ذلك النعيم الدائم، والنفس تميل إلى ذلك الخلود، وتتشوق له. والظلّ الدائم يضفي على الصورة ظلالا ندية للحياة في اليوم الآخر، والظل الدائم مقصود بالتصوير ليقابل الظلّ الزائل في الدنيا، لأنه مرتبط بالزمن الفاني المتغيّر بحركة الشمس، والتصوير بالظلال له وقعة في نفس العربي القديم، الذي اعتاد حياة الصحراء بشمسها المحرقة، كما له جماله الأخّاذ في تظليل الصورة المرسومة لليوم الآخر. فالصورة في المثل، مثيرة للخيال، فيها الأنهار الجارية، تحت الأشجار الوارفة، والثمار الدانية الدائمة، والظلال الممتدة الباقية، بالإضافة إلى ما يوحيه هذا الجوّ الجميل، من حياة رغيدة، ولذائذ طيبة، ويأتي التعقيب على النعيم بقوله: تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا ثم جزاء الكافرين مختلف وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ. وهكذا تتقابل الصورتان في السياق، صورة الجنة المفصّلة للتشويق إليها، وصورة النار الموجزة لإيقاع الرهبة في النفوس. ويرتبط مثل آخر بهذا المثل، ولكنه أكثر تفصيلا لمشهد النعيم والعذاب يقول الله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ، فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ محمد: ٤٧. وإذا قارنا بين المثلين نلاحظ أن المثل السابق جاء موجزا، يركز على فكرة الخلود الواضحة، في الظلال الدائمة، والثمار اليانعة المستمرة، لطمأنة النفس، وبعث الراحة فيها، بعد هذا التحوّل والانتقال إلى اليوم الآخر. والخلود يريح النفس، ويذهب عنها مشاعر القلق والخوف، وقد ورد هذا المثل في سياق يقتضي التركيز على فكرة الخلود في الآخرة، والفناء في الدنيا. فقد تحدث السياق عن الشرك فأراد الله سبحانه أن يوحي لهم بأن حياتهم فانية، والخلود في الآخرة إمّا في النعيم أو العذاب، أما هذا المثل المفصّل للنعيم والعذاب، فقد ورد في سياق يحثّ على قتال المشركين، فاقتضى ذلك تزيين الجنة للترغيب

стр. 178

فيها، والتخويف بالنار للابتعاد عنها. ويكثر في المثل الأخير أنواع النعيم فالأنهار أنواع من ماء ولبن وخمر وعسل، وكل نوع خالص من شوائب الدنيا، وما يعتوره من عوامل التغير والتحوّل. للإيحاء بأن العالم الآخر. عالم مختلف عن عالم الدنيا في جوهر نعيمه وإن تشابهت أوصافه الحسية به، أما خواص تركيبه، وطعومه فمختلفة عما هو مألوف في الدنيا، والتنوّع في الثمار كالتنوّع في الأنهار سواء بسواء. ويلاحظ التناسق البديع في التصوير في أنهار الشراب، من ماء وخمر، ولبن، وعسل، واقتضى التنسيق والتنظيم في الصورة أن يكون مشهد العذاب كذلك يعتمد على الماء الحميم الذي يقطّع الأمعاء، لتتضح الفوارق بين ماء وماء، ونعيم وعذاب، وإيمان وكفر وقد استغرب المشركون، حين نزل قوله تعالى في الملائكة الذين يحرسون النار: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ المدثر: ٣٠، وأثاروا الشبهات حول هذا العدد القليل في حراسة النار أمام ملايين البشر. فرد الله عليهم هذه الشبهات موضحا أن هؤلاء الملائكة لا يعرف ماهيتهم إلا الله، ولا يعرف قدرتهم إلا الله، والعدد المثير للجدل، هو من قبيل الرموز فكل عدد سيثير الجدل أيضا يقول الله تعالى: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً، وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ، وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ، وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ المدثر: ٣١. وقولهم: ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يوحي بأن الله قد ضرب لهم المثل، أو أنهم اعتبروا الحديث عن ملائكة النار مثلا لغرابته وندرته. فكان الرد عليهم بأن الله حدد طريق الهدى، وطريق الضلال، والحديث عن الملائكة وجنود الله، هو من الغيب المستور، البعيد عن إدراك البشر المحدود، فلا حاجة للخوض فيه. والمجموعة الأخيرة هي الأمثال القصصية، التي نصّ القرآن الكريم على أنها أمثال، وهي مترابطة بالروابط الفكرية والتصويرية والتعبيرية، لتمييز هذه الأمثال عن غيرها، وإعطائها الطابع الخاص بها، ولكنها أيضا تدور بعلاقاتها وروابطها، حول حركة الأمثال القرآنية، وتتحرك باتجاهها في تحقيق الغرض الديني من التصوير.

стр. 179

والأمثال القصصية في القرآن الكريم لا تميل إلى التفصيلات المملّة، وإنما تركّز على موضوعها الديني في التصوير الفني، والبناء القصصي، فلا نجد فيها أسماء الشخصيات والأماكن كما تعودنا في القصة، كأنها في تخطّيها للتصريح بالزمان والمكان وأسماء الأشخاص، تهدف إلى تأصيل النظرة الشمولية للفكرة الدينية، حتى يستوعب المثل المصور كل الأزمنة والأمكنة والأشخاص في إطاره المرسوم، وإذا ذكر المكان أحيانا فإنه يذكر مبهما منكّرا، لإفادة الشمول والعموم، باعتباره وعاء للحدث الجاري، وليس مقصودا لذاته، ولكن هذه الأمثال القصصية تمتاز بالصدق الواقعي، والبعد عن التصوير الأسطوري أو الخرافي. وتعتمد التنويع في تصوير الشخصيات، فقد تتناول شخصية واحدة، لإبراز معالمها وأفعالها كمثل الذي أتاه الله آياته فانسلخ منها، وقد تتناول شخصيتين متناقضتين، لإظهار الفكرة الدينية من خلال التناقض بين الشخصيتين في السلوك والتفكير، كمثل الحوار بين الكافر صاحب الجنتين، والمؤمن. وقد يتناول المثل سلوك طبقة اجتماعية كاملة، يظهر فكرها وسلوكها وبعدها عن منهج الله، كمثل أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون. وقد يضرب المثل بامرأتين في بيئتين مختلفتين، كمثل امرأة نوح وامرأة لوط الكافرتين في بيئة متدينة. أو كمثل امرأتين صالحتين هما امرأة فرعون في بيئة كافرة، ومريم ابنة عمران كنموذج للمرأة الصالحة الصابرة. يقول الله تعالى في مثل الذي انسلخ من آيات الله: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ، وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ، وَاتَّبَعَ هَواهُ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ، ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ الأعراف: ١٧٥ - ١٧٧. والقصة المضروبة مثلا هنا، ليس فيها تحديد للزمان ولا للمكان، وليس فيها ذكر لاسم الشخص المذكور، لأن المثل يركّز على العبرة والعظة من القصة، ولا يحفل بمثل هذه الجزئيات، التي لا تخدم الغرض الديني من التصوير فالمثل يركّز على تصوير سلوك هذا الشخص، وأحوال نفسه، واتباعه هوى النفس وشهواتها، وسيره وراء خطوات الشيطان، وخلوده إلى الأرض الفانية، وتعلّقه بالدنيا الزائلة.

стр. 180

وتشبه حالته بحال الكلب اللاهث دائما، وهذه الصورة المحقّرة لشأنه، تماثل حالة الذي انسلخ من آيات الله بعد أن عرفها وآمن بها، فكما أن الكلب يلهث من الإعياء والجهد، ويلهث في الأمن والراحة أيضا، فكذلك هذا الشخص، كان ضيقا متبرما من تحمّل آيات الله، يلهث من التزامه بها، وحين انسلخ منها، ظلّت حالته كذلك، فالمماثلة واضحة بين الممثل، والممثل له. ويضرب المثل للقيم الإيمانية الثابتة، والقيم الدنيوية الزائلة، بقصة الرجلين والجنتين فأحد الرجلين يمثّل الغني الذي أبطرته النعمة، فنسي ربه، وكفر به، معتزا بما يملك من مال، والآخر يمثل الرجل المؤمن الفقير المعتز بإيمانه. وهذا المثل القرآني من الأمثال المطوّلة، يضم مشاهد الطبيعة المصوّرة، ومظاهر الثراء والغنى وأحوال النفوس في البطر والغنى. ومشهد التدمير والخراب في نهاية المثل المضروب. ويبدأ تصوير المثل أولا بمشهد الجنتين، وما فيهما من مظاهر الجمال والثراء، يقول الله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً، كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً، وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ الكهف: ٣٢ - ٣٤. والتصوير المفصّل للجنتين هنا، يقصد به بيان ثراء هذا الرجل الذي بطر نعمة الله عليه، فالجنتان مثمرتان، من أعناب، تحيط بهما أشجار النخيل، وبينهما الزروع والثمار، ويتوسطهما نهر جار فيكتمل تصوير هذا المشهد الطبيعي بكل ما فيه من جمال ومنفعة، وثراء. ولكن تصوير الطبيعة هنا، مرتبط بالله سبحانه الخالق، فهو الذي جعل لأحدهما جنتين، وهو الذي حفّهما بأشجار النخيل، وجعل بينهما زرعا، وفجّر خلالهما نهرا، فإسناد هذه الأفعال إلى الله هو إسناد حقيقي أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ كما أنّ هذا الإسناد، مرتبط بالغرض الديني من التصوير فالتعبير اللغوي، والتصوير الفني، يشتركان في رسم ملامح هذا الرجل الذي بطر نعمة الله عليه، وقابل ربه المنعم بالجحود والكفران. ثم ينتقل تصوير المثل من رسم مظاهر الثراء في الجنتين الجميلتين، وما توحيان به من حياة رغيدة ورخاء ودعة، إلى التركيز على القضايا الفكرية الأساسية التي هي غاية التمثيل.

стр. 181

فيبدأ المشهد الثاني بالحوار فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً، وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً، وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً الكهف: ٣٤ - ٣٦. ويتّضح في هذا المشهد فكر هذا الرجل الغني وسلوكه، ونفسيته، فهو يعتز بماله وأعوانه، ويخدش مشاعر صاحبه، ويجرح عواطفه، ويتطاول عليه بأمواله وأعوانه، ويمتد تطاوله على صاحبه بقوله ولسانه، ليستعرض أمامه جنته، ويزهو بها مفاخرا بثمارها وأشجارها وجمالها، حتى وصل إلى درجة التطاول على ربّه المنعم عليه بهاتين الجنتين، فنطق بكلمة سفيهة تعبر عن جهله وسوء تصوره للحياة ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً ثم استمرّ في استعلائه على صاحبه، وتدرّج إلى النطق بكلمة الكفر صراحة وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً ولم يتوقف عند هذا الحدّ المخزي بل ازداد غرورا بنفسه وماله قائلا: وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً. ثم يبدأ المشهد الثالث بتصوير موقف المؤمن، من طغيان هذا الرجل وكفره: قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا، لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً، وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً، فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً، أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً الكهف: ٣٧ - ٤١. فالمؤمن بدأ بتذكيره أولا بالله سبحانه، الذي خلقه في أطوار مختلفة حتى أصبح رجلا سويا، وهذا التذكير بأصله المهين، وأطوار الضعف التي مرّ بها، يقصد بها التخفيف من غروره وبطره، وردّه إلى الحق والإيمان، كما أنّ عرض أطوار نموّه من تراب ثم من نطفة حتى أصبح رجلا يتناسق تماما، مع عرض أطوار نمو الزروع والثمار، والتي يدركها صاحبه لأنها مشاهد محسوسة يراها أمامه، وهذا العرض لأطوار الحياة، في الإنسان والزروع، يوحي بقدرة الله سبحانه في كل طور من الأطوار، حتى تكتمل استواء وعطاء في نهاية المطاف. وذكر «التراب» في السياق يوحي بأصل الجنتين قبل استوائهما خضرة وجمالا وثمارا، كما يوحي أيضا بالنهاية من التمثيل حين عادتا أيضا ترابا بعد التدمير الذي أنزل عليهما. ويلاحظ أن الرجل المؤمن بدأ بالرد على صاحبه، بتذكيره أولا بالله سبحانه لعله

стр. 182

يستيقظ من غفلته ثم تابع ذلك بالتوجيه والنصح حين لم يلمس تجاوبا من صاحبه، ويحمل النصح طابع التوبيخ وهذا ما نلاحظه في قوله وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ... ولكنه حين يئس من صاحبه، دعا على جنته بالخراب، فاستجاب الله دعاءه: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ، فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً، هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً الكهف: ٤٢ - ٤٤. ويختم المثل بمشهد الخراب والدمار، وهو يقابل مشهد الجنتين المثمرتين في أول المثل، ومشهد الألم والندم لصاحب الجنتين في نهاية المثل، يقابل صورته في المشهد الثاني حين كان مزهوا بها كافرا وجاحدا للنعمة. وهكذا تتقابل المشاهد في المثل الواحد، لرسم لوحة فنية، تجمع صورا متناقضة، وحالات متباينة، لتحقيق الغرض الديني من تصوير المثل. وهنالك مثل آخر مطوّل، يوضّح سلوك جماعة من البشر ضد دعوة الرسل يقول الله تعالى في مستهله: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ... يس: ١٣. ويمكن تقسيم هذا المثل القصصي إلى ثلاثة مشاهد. في المشهد الأول: تركيز على دعوة الرسل لأهل القرية، ورفض أهل القرية لهذه الدعوة. يقول الله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ، إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ، قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ، قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ، وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ، قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ، قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ يس: ١٣ - ١٩. فالمثل لا يذكر اسم القرية، ولا موقعها، وكذلك لم يذكر أسماء الرسل الذين أرسلوا إليها، على طريقة تصوير الأمثال في القرآن الكريم في التركيز على القضايا الفكرية والعقدية، لتحقيق الغرض الديني من المثل المصور. وذلك لإضفاء صفة الشمولية عليه، التي تنطبق على كل زمان ومكان، وكل جيل من الأجيال. والمثل يركّز على تعاقب الرسل على أهل القرية، وأهل القرية مصرّون على العناد والتكذيب بل إنهم لجؤوا إلى تهديد الرسل

стр. 183

بالرجم بالحجارة والعذاب الأليم، والرسل صابرون متفائلون يدعونهم إلى الله باستمرار على الرغم من التهديد. ثم يبدأ المشهد الثاني بمجيء رجل مؤمن من أقصى المدينة، يدعو قومه إلى الإيمان بالمرسلين، بأسلوب منطقي، وحجّة قوية، ولكن حياته تنتهي على أيديهم، كما يوحي به السياق، لتبدأ حياته الخالدة في ظل النعيم الدائم. يقول الله تعالى: وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ، وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ، إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ، قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ، بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ يس: ٢٠ - ٢٧. فالرجل المؤمن ينصح قومه بالإيمان واتباع الرسل، ويبين لهم دليلا على صدق المرسلين، وهو أنهم لا يطلبون منهم أجرا، ثم حدثهم عن إيمانه، وأسبابه، وصوّر الإيمان لهم من دواعي الفطرة، ولكنهم قتلوه كما يوحي السياق، وينتقل السياق مباشرة إلى مشهد النعيم، والرجل المؤمن يتابع حديثه عن قومه ويتمنى لو يعلمون حقيقة ما آل إليه من التكريم والغفران. وهذا الانتقال في السياق من الدنيا إلى الآخرة أسلوب متّبع في التصوير القرآني، لربط الدنيا بالآخرة في ذهن المخاطب دائما. ثم ينتهي المثل بالمشهد الثالث وفيه ترى القوم خامدين بالصيحة الواحدة دون تفصيل: وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ، إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ، يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يس: ٨ - ٣٠. والمثل القصصي فيه حذف كثير، لتحريك الخيال ليملأ هذه الفجوات الفنية التي تدرك من سياق القصة، مثل قتلهم الرجل المؤمن، وإنزال جند من السماء لتدميرهم، وهم قوة مجهولة لم يذكر السياق صفاتهم وأدوارهم في القصة، ثم إهلاك القوم بالصيحة الواحدة، لإيقاع الرهبة في النفوس، والتحذير من تكذيب الرسل. ويربط تصوير المثل مشهد التدمير بمشهد التكذيب، لأنه نتيجة طبيعية له. وفي هذا إيحاء لكل المكذبين بالرسل أن يصيبهم ما أصاب أهل القرية من التدمير، والهلاك، فأصبحوا جثثا خامدة بلا أنفاس. والترابط واضح بين هذا المثل، والمثل الذي قبله في نهاية التصوير في المثل، فكلاهما

стр. 184

ينتهيان بمشهد التدمير والإهلاك، هناك تدمير للجنتين اللتين كانتا السبب في كفر صاحبهما وبطره وهنا تدمير القوم الكافرين بسبب تكذيبهم الرسل. كذلك كان هناك الرجل المؤمن يدعو صاحبه إلى تذكر نعمة الله عليه، والإيمان به، وهنا أيضا نلاحظ الرجل المؤمن يدعو قومه إلى الإيمان وينصحهم باتباع الرسل. فالروابط التصويرية والفكرية واضحة في المثلين، بالإضافة إلى الروابط التعبيرية في تخطي ذكر الزمان والمكان، وأسماء الأشخاص، هذه الروابط طبيعية ضمن هذه الأمثال، لأنها تشكل مجموعة مميّزة في الأمثال القرآنية باعتمادها على القصة كعنصر من عناصر إظهار المعاني الدينية. فالطابع القصصي فيها، يجعلها مجموعة مستقلة بروابطها وعلاقاتها التصويرية والحوارية، ولكنها أيضا تدور في اتجاه الأمثال القرآنية، حول الأغراض الدينية التي هي الوظيفة الأساسية للصورة الفنية في القرآن. وكما ضرب الله مثلا بالرجال، ضرب مثلا بالنساء، فضرب مثلا بامرأة نوح وامرأة لوط كنموذجين للخيانة الدينية في بيت النبوة والرسالة: قال تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ التحريم: ١٠. وهذا المثل يهدف إلى بيان أن الروابط الحقيقية هي روابط الإيمان وليس سواها، فكل إنسان مسئول عن عمله وتصرفه. وضرب الله أيضا مثلا بامرأة فرعون وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ التحريم: ١١. وامرأة فرعون نموذج للمرأة الصالحة التي تخلّت عن كل مظاهر الملك والجاه والحياة الناعمة في القصور، وتبرأت من فرعون وعمله، وأعلنت ولاءها لله سبحانه، ورغبت فيما عنده من الثواب. وهذا المثل يتفاعل مع المثل السابق في السياق لبيان مسئولية الإنسان عن عمله، ثم عطف على مثل امرأة فرعون بمريم بنت عمران التي هي مثل الطهر والعفاف، والانقياد لله. يقول تعالى: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ التحريم: ١٢. وأختم هذا الفصل بمثل رائع ضربه الله لنوره لتقريبه إلى الأذهان في قوله: اللَّهُ نُورُ

стр. 185

السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ، الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ النور: ٣٥. فنور الله صاف طليق، لا تحدّه حدود، ولا تقيده قيود، فهو نور يملأ السماوات والأرض. ولكنّ هذه الصورة الطليقة الشفافة لنور الله، تقرّب من الإدراك البشري المحدود، بمثل محسوس. كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ... ويلاحظ في المثل التركيز على صفاء النور، وكماله، وذلك في نور المصباح، وزيته، والزجاجة التي تزيده تألقا حتى كأنها كوكب دريّ. وتعتمد الصورة في هذا المثل على التدرّج في رسم هذه اللوحة، والإطالة في عرضها، فتبدأ برسم مكان المصباح، ثم رسم زجاجته الدرّية، ثم رسم مشهد الشجرة المباركة التي تمد المصباح بالزيت، فهي شجرة لا تحجب عنها الشمس في الشروق ولا في الغروب، ثم رسم صورة الزيت الصافي الذي يضيء ولو لم تمسسه نار، فاجتمع في الصورة التمثيلية، صفاء الزيت، وصفاء نور المصباح، وصفاء الزجاجة التي تضاعف النور، وتزيده تألقا نُورٌ عَلى نُورٍ. وبعد الانتهاء من تصوير المثل عقب عليه بقوله يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ على طريقة القرآن الكريم في تصوير الأمثال، وذلك لإبراز المغزى من المثل، والتركيز عليه. فالأمثال- كما رأيناها- تشكّل صورة جديدة، في تأدية الأغراض الدينية، وهي أوسع من الصور المعبّرة عن المعاني الذهنية المجردة، لأن الأمثال المصورة تدور حول قضايا فكرية أساسية في الدين كالإيمان والكفر، والعالم الآخر، وتصنيف الناس إلى مؤمنين وكافرين ومنافقين، وأهل كتاب ... إلخ، وهذه الموضوعات الكبيرة، تتسع لها صورة المثل، بعلاقاته وروابطه التصويرية والتعبيرية بحيث إن الأمثال تتوزّع على مجموعات متماثلة في موضوعها، أو اتجاهها، وتحكم كل مجموعة منها عدة روابط فكرية وتصويرية وتعبيرية. ولكنّ حركتها تظلّ في اتجاه حركة الأمثال القرآنية وتصبّ في مجراها العام، لتشكيل صور جديدة، لها خصوصيتها، وعلاقاتها المتفاعلة، مع حركة الأنساق في الأسلوب القرآني. فالتصوير في الأمثال، يرتبط أيضا بعلاقات وثيقة بالتصوير الفني في القرآن عموما،

стр. 186

ممّا يؤكّد على التواصل بين الصور القرآنية، وإن تباعدت أنساقها الواردة فيها. فصورة المؤمن هي صورة النور، والحياة، والسميع، والبصير، والشجرة الطيّبة، والأرض الخصبة، وتقابلها صورة الكافر، وهي الظلام، والموت، والأصم، والأعمى، والشجرة الخبيثة، والأرض الميتة المجدبة. ونلاحظ في تصوير الأمثال لأصناف الناس، أنه يبرز ملامح كل فئة أو صنف، ثم يوازن بين المؤمنين والكافرين، وبين عقيدة التوحيد والشرك، لإظهار الفوارق الجوهرية بين المؤمنين والكافرين، وبين التوحيد والشرك. ثم يضع أمام كل فريق من الناس نهايته ومصيره، وثوابه، وعقابه وهذا الاختلاف بين الناس يرجع إلى الاختلاف في تفسير الحياة، لهذا فإن تصوير المثل يمتد متواصلا مع الأمثال القرآنية، في تصوير الحياة الدنيا الزائلة، وتصوير الحياة الباقية في الدار الآخرة. ويعرض أمثالا قصصية للعظة والاعتبار، لبيان عاقبة التكذيب بالرسل. وهكذا تتواصل الأمثال المصورة، وتتّحد في أهدافها أو أغراضها الدينية، وتترابط فيما بينها لأداء هذه الأغراض، ضمن أنساق تعبيرية متفاعلة مع التصوير. ولكنّ الصورة القرآنية، لا تتوقف عند تصوير الأمثال، وإنما تتجاوزها إلى صور أكبر، إلى تصوير مشاهد الطبيعة المحسوسة، وهي مشاهد أكبر من الأمثال من حيث المكان والزمان، لأنها مشتملة عليها. فقد رأينا أن تصوير الأمثال اعتمد على الطبيعة في تشكيله الفني، ولكن تصوير مشاهد الطبيعة أيضا يرتبط بتصوير الأمثال، ضمن نظام العلاقات الفكرية والتصويرية والتعبيرية التي تحقق وحدة التصوير الفني في القرآن الكريم، ووحدة تأثيره الديني أيضا، وتتداخل مشاهد الطبيعة، مع الأمثال، ومشاهد القيامة، والقصص الماضية ... وتتفاعل معها في السياق لتحقيق الغرض الفني والديني معا، كما سنرى في الفصل القادم.

стр. 187

الفصل الثالث مشاهد الطبيعة ثمة علاقة وثيقة بين تصوير مشاهد الطبيعة، وتصوير الموضوعات الأخرى في القرآن الكريم، لأن الأسلوب القرآني، لا يعتمد في السياق على نمط واحد من التصوير، بل يعتمد على التنويع فيه، فينتقل من نمط تصويري إلى آخر، ضمن نظام العلاقات التعبيرية والتصويرية المتفاعلة داخل السياق، لتحقيق الأثر الديني والفني معا. ويحتلّ تصوير الطبيعة مكانة هامّة في التصوير الفني في القرآن، لأن هذا التصوير مرتبط بعالم المحسوسات أو عالم الشهادة بتعبير القرآن، وهو مجال المعرفة الإنسانية، لأن الحواس تقوم بالتقاط الصور المتفرّقة من مشاهد الطبيعة، وتضعها لدى العقل الإنساني الذي يفسّرها وينظّمها، ويعطي حكما عليها. لهذا فإن القرآن الكريم حفل بتصوير مشاهد الطبيعة، واتخذها وسيلة للمعرفة الدينية، ووسيلة أيضا للتأثير في النفس، التي تهتزّ بطبيعتها لهذه المشاهد المحسوسة، وتتفاعل معها، وليشبع حاسة الجمال الفطرية في الإنسان أيضا. ومن أجل تحقيق هذه الأغراض المتعددة، فإن الصورة تضفي على المشاهد الطبيعية الحياة والحركة، حتى تبدو حية شاخصة، مؤثرة في حس الإنسان ووجدانه، فيشعر بالتفاعل معها، لأنه لا يجد فيها مجرد مشاهد جامدة أو صامتة، بل يجدها شخوصا متحركة، مخلوقة لله، ومحكومة بقوانين الله. وبذلك يتم التوافق والانسجام بين الطبيعة والإنسان، لأن كليهما مخلوق لله، وكليهما محكوم بقوانين الله، فلا تعارض بين الطبيعة والإنسان، في التصوير الفني في القرآن، كما هو موجود في بعض الآداب العالمية، وإنما هناك التوافق والانسجام.

стр. 188

وتقوم الصورة الفنية بإبراز هذا التوافق، في ربط المشاهد بالله سبحانه، الذي خلق الإنسان أيضا، وربطها أيضا بحركة الإنسان على ظهر الأرض، للتأكيد على فكرة التوافق والانسجام، ونفي التعارض أو الصراع بين الاثنين. كما أنها لا تقف عند التصوير الخارجي للطبيعة فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى النفاذ إلى أعماقها، لكشف علاقاتها الخفية بين مشاهدها، وقدرة مبدعها، ورصد حركتها منذ وجودها إلى نهاية مصيرها في الزوال والفناء، فتتحد في هذه النهاية مع نهاية الإنسان، وفق النظرة الدينية للكون والإنسان والحياة. والثبات الملحوظ في مشاهد الطبيعة، ثبات محدود في إطار زمني مقدّر ومحدّد، وفق سنة الله، وسيعقب هذا الثبات في المشاهد المصورة، مشاهد الفناء والتحطّم، حين يتغيّر الزمن المحدود، إلى الزمن المطلق، في عالم الخلود، يوم القيامة. حين ذاك، تتحطّم مشاهد الطبيعة، ويفنى كل شيء في الوجود، لأن القوانين التي تحكم الطبيعة، وتقيم العلاقة بين أجزائها، تتغير بدخول يوم القيامة، ويحدث الانقلاب في مشاهد الطبيعة، والانفلات في النظام الكوني المحسوس، وتصبح مناظرها الجميلة ذكريات ماضية لعالم الدنيا الزائل. فالصورة القرآنية تطبع في حس الإنسان ظلّ التغيّر أو ظلّ الفناء للطبيعة، ولا تطبع ظلّ الخلود لها كما في الأعمال الأدبية الكثيرة. وبهذا يكون للطبيعة في القرآن، صورتان في الذهن، صورة لها في عالم الدنيا، وهي صورة جميلة زاهية متناسقة، وصورة أخرى تناقضها في عالم الآخرة، حين تشهد الطبيعة انفلاتا كونيا مرعبا يتناسب مع أهوال يوم القيامة وأحداثه. كما سنبين ذلك في الفصل الخاص بمشاهد القيامة. وبهذا يتمّ التواصل بين الصور القرآنية، الامتداد الزماني والمكاني فيها، عبر الانتقال من العالم المحسوس إلى غير المحسوس، ومن المحدود إلى المطلق. ولكنّ هذا لم يؤثر في تصوير الطبيعة ومشاهدها المتنوعة، من حيث التشابه بين الصورة والطبيعة المرئية، بل إنّ الصورة المرسومة لها في القرآن الكريم هي عين الطبيعة المحسوسة، مع إضفاء الطابع الديني على التصوير، فيزيد جمالها جمالا، لأنه «ما من شيء جميل غير الحقيقة» «١» كما يقول جان برتليمي.

стр. 189

كما تتسم صورها بالبساطة، وسهولة الإدراك لأنه «كلما كانت الخطوط والأشكال بسيطة ازداد الجمال، وازدادت القوة» «٢». ويرجع جمال تصوير الطبيعة- بالإضافة إلى ما ذكرناه- إلى الحقيقة الإلهية، التي تظهر في شفافية المشاهد وإيحائها بالقدرة الإلهية المبدعة، وكأن هذه المشاهد المصورة لوحات فنية، لحقائق دينية تكمن وراء المشاهد المنظورة، فهي التي تضفي عليها الجمال والتناسب والتناسق والجاذبية. فالحقيقة الدينية هي هدف تصوير الطبيعة، تخرجها من داخل مناظر الطبيعة إلى المشاهد المصورة. أو بمعنى آخر، تخرجها من الكمون في المناظر المرئية إلى الظهور في المشاهد المصورة، وبذلك لا تغدو المشاهد مجرد أشكال أو تماثيل صامتة بل هي مشاهد حية شاخصة تدلّ على مبدعها وهو الله سبحانه. وحين يتفاعل المسلم معها، أو يتأثر بها، فلأنه يرى فيها مخلوقات لله، فيها الحياة والحركة، وينطبق عليها ما ينطبق على الأحياء من الفناء والزوال. ولا شك في أن الذي خلق الطبيعة هو أعلم بأسرارها وعلاقاتها، فحين يصوّر لنا الطبيعة في كتابه العزيز. فإن تصويره هو الأصدق والأدق من أي تصوير آخر لها، وقد أراد الله من تصويرها أن يلفت انتباه الإنسان إلى بديع خلقه، وقوة قدرته، ويوقظ الحواس والمشاعر والعقول، لإدراك ما وراء الطبيعة من حكمة وغاية. وليس هدفه تقديم الحقائق العلمية أو تصويرها لمجرد التصوير الفني، وإنما الهدف أن ينقل الإنسان من مظاهرها الخارجية إلى أعماقها وأسرارها والحكمة من خلقها، أي إلى بيان حقيقة الألوهية، وآثار الربوبية في هذا الكون المنظور. ولكنّ هذه المشاهد الطبيعية المصوّرة. هي وسيلتنا لمعرفة الحقائق الدينية المستترة. لهذا فإنّ «الإخلاص للمظاهر هو الشيء الوحيد الذي يسمح بأن نتعدى حدود المظاهر نفسها، وبأن نصل إلى الواقع على حقيقته نقصد كما يقول سيزان- إلى الطبيعة في أعماقها» «٣». وهذا ما نراه في تصوير الطبيعة في القرآن، حيث تجمع الصورة بين الشكل الخارجي

стр. 190

والمضمون الديني فتحقق، متعة الحس، ولذة النفس، وطلاقة الروح، وحرية الخيال حين يسبح في هذا الملكوت الكبير الذي خلقه الله سبحانه بتناسق عجيب، ونظام وانسجام. ويتعمد تصوير الطبيعة على نظام العلاقات أيضا، لتحقيق وحدة الصورة الفنية، ووحدة الأثر الديني. فالمشاهد المصورة، تترابط في السياق، عن طريق التناظر، أو التقابل، ويتفاعل فيها التعبير والتصوير، لتوضيح الرؤية الإسلامية، لهذا الكون البديع. فمشاهد السماء تضم النجوم، والشمس، والقمر، وحركة الأفلاك، ومشاهد الأرض تحيط بها مشاهد السماء، وتعاقب الليل والنهار، وفيها الجبال، والمياه، والأنهار، والبحار، والنبات، والأشجار، ومشاهد السحاب، والأمطار، والرياح ... إلخ. وبين هذه المشاهد علاقات سياقية، وروابط فكرية، وتصويرية تجعلها، كلّها تشكّل مجموعة موحّدة تدور في حركة متناسقة منسجمة في التصوير، كما هي في الواقع المنظور، وتسير في حركة تصويرية باتجاه وحدة الصورة القرآنية، ووظيفتها الدينية الأساسية. وهذه المشاهد الطبيعة، يراها الإنسان في الصباح والسماء، ولكنه لا يلتفت إليها غالبا، ولا يدرك اليد التي أبدعتها، لأن الإلف أو الاعتياد، بلّد حسه، وجمّد شعوره، فلم يعد يهتزّ حين يراها أو يلتفت إلى الخالق سبحانه الذي أبدعها. فجاءت الصورة لتحيي هذه المشاهد الطبيعة في حس الإنسان وشعوره، وكأنه يراها لأول مرة، وتعمل على إيقاظ حسّه، ليدرك ما وراء هذه المشاهد المحسوسة، من قوة خالقة لها، ومدبرة لشئونها، ومنظّمة لأجزائها، حتى تكون بهذا الجمال، وهذا الكمال. وإذا تأملنا تصوير الطبيعة في القرآن، نلاحظ أن السماء يكثر ورودها، مرتبطة بذكر الأرض معها غالبا. ويرجع ذلك إلى أن السماء تحيط بالأرض، فيراها الإنسان دائما، كما أنها تتسم بالضخامة والاتساع والجمال. مما يؤثر في حس الإنسان ووجدانه. يقول الله تعالى في وصف المساء والأرض: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ غافر: ٥٧. فهذه الصورة الكونية الصخمة، المرسومة للسماء والأرض، تشغل مساحة واسعة في المكان، كما تحتل مكانة واسعة في الحس والشعور، وهي أكبر دليل على خلق الناس. وتتفاعل صورة السماوات والأرض في السياق، عن طريق التجاور في التعبير، والتقابل في

стр. 191

الحس، لكي تزداد الصورة ضخامة واتساعا في الحس والشعور والخيال. وإذا قارنا بين هذه الصورة الكونية الضخمة، والصورة البشرية، نلاحظ ضآلة البشر أمام خلق السماوات والأرض. وتمضي الصورة القرآنية في رسم المشاهد الكونية، وهي في حالة تسبيح لله الخالق، حتى تلقي في حسّ الإنسان الرهبة والخشوع أمام هذه المشاهد يقول الله تعالى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ الإسراء: ٤٤. وصورة هذا التسبيح الكوني على هذا النحو المثير «تدلّ على الصانع وعلى قدرته، وحكمته، فكأنها تنطق بذلك، وكأنها تنزه الله مما لا يجوز عليه من الشركاء وغيرها» «٤». فالصورة هنا، تبرز الطبيعة، وهي خاضعة لله، وملتزمة بقوانينه التي وضعها لها، فهي دائمة التسبيح له، من خلال هذا الخضوع لقوانينه الموضوعة. والسير على سننه الكونية. والتسبيح يضفي على المشهد الكوني، حياة وحركة، وكأنّ هذه المشاهد مخلوقات حيّة تنطق وتتكلم وتسبّح، وذلك لإحياء مشاهد الطبيعة في حس الإنسان وشعوره، كي يتجاوب معها في حركة التسبيح الكونية، ولا يشذ بمفرده عن هذا التسبيح الجماعي للكون من حوله. يقول الزمخشري في توضيح هذه الصورة: «فإن قلت: فما تصنع بقوله: وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ، وهذا التسبيح مفقوه معلوم؟ قلت: الخطاب للمشركين وهم وإن كانوا إذا سئلوا عن خالق السماوات والأرض قالوا: الله إلا أنهم لما جعلوا معه آلهة مع إقرارهم، فكأنهم لم ينظروا ولم يقرّوا. لأن نتيجة النظر الصحيح، والإقرار الثابت، خلاف ما كانوا عليه، فإذا لم يفقهوا التسبيح ولم يستوضحوا الدلالة على الخالق. فإن قلت: من فيهن يسبحون على الحقيقة وهم الملائكة والثقلان، وقد عطفوا على السماوات والأرض فما وجهه؟ قلت: التسبيح المجازي حاصل في الجميع، فوجب الحمل عليه، وإلّا كانت الكلمة الواحدة في حالة واحدة محمولة على الحقيقة والمجاز» «٥».

стр. 192

ولكن أحمد بن المنير يردّ قول الزمخشري هذا، ويرى أن التسبيح هو على الحقيقة وليس مجازا «٦». وأيّا كان، فإن الصورة ضخمة في إيحائها، ومثيرة للخيال الذي يتابع مشهد التسبيح الكوني الهائل، في آفاق السماء، وفي مساحات الأرض، وفي أنواع الزروع والنباتات والمخلوقات .. وذلك على طريقة القرآن المفضّلة في تصوير المشاهد الكونية وهي تنبض بالحياة والحركة. ومثل ذلك قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ، فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها فصلت: ١١ - ١٢. يقول الزمخشري في توضيح هذه الصورة الكونية: «ومعنى أمر السماء والأرض بالإتيان، وامتثالهما، أنه أراد تكوينهما فلم يمتنعا عليه، ووجدتا كما أرادهما، وكانتا في ذلك كالمأمور المطيع، إذا ورد عليه فعل الآمر المطاع، وهو من المجاز الذي يسمى تمثيلا، ويجوز أن يكون تخييلا، ويعني الأمر فيه على أن الله تعالى كلّم السماء والأرض، وقال لهما ائتيا شئتما ذلك أو أبيتماه، فقالتا: أتينا على الطوع لا على الكره، والغرض تصوير أثر قدرته في المقدورات لا غير» «٧». وهذه هي طريقة القرآن الكريم في تصوير الجوامد، حية شاخصة، بإضفاء الصفات الإنسانية عليها، كي تكون أكثر إيحاء، وأشد تأثيرا في النفس الإنسانية. أما صورة السماء وهي دخان، فهي صورة غيبية، لا نعرف ماهيّتها، وإن كانت الصورة توحي بأن الكون الخارجي كان غازا، أو دخانا، وهو ما يسمى عند العلماء ب «السديم». يقول الدكتور أحمد زكي: «إن نظرية الخلق تقول: إن المجرة كانت من غاز وغبار ومن هذين تكونت بالتكثيف النجوم، وبقيت لها بقية، ومن هذه البقية كانت السدم، ولا يزال من هذه البقية منتشرا في هذه المجرة الواسعة، مقدار من غاز وغبار يساوي ما تكونت منه النجوم، ولا تزال النجوم تجرّ منه بالجاذبية إليها» «٨».

стр. 193

ثم تتواصل صور السماء مبنية بناء محكما، ومحبوكة حبكا دقيقا. على شكل طبقات بعضها فوق بعض، دون أن تعتمد في رفعها على عمد، كما اعتاد الإنسان أن يقوم البناء، كما أنها ضخمة واسعة. يقول الله تعالى: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ الذاريات: ٤٧. ثم أنها مرفوعة بغير عمد خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها لقمان: ١٠. كما أنها سبع سماوات شداد، وليست سماء واحدة وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً النبأ: ١٢. وهنّ على شكل طبقات بعضها فوق بعضها وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ المؤمنون: ١٧. وهي محبوكة، ومحكمة ومتناسقة التركيب، كتنسيق الزرد المحبوك المتداخل الحلقات، دون خلل أو عيب فيها: وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ الذاريات: ٧. وهكذا تتواصل صور السماء في السياق، مترابطة، متعاونة على رسم صورة لها متكاملة على شكل بناء ضخم متقن الصنع، جميل متناسق، وهو بناء لا يخضع لقوانين البناء المعروفة لدى الإنسان، وإنما هو يخضع لقوانين أخرى وضعها الله سبحانه لها. وقد جعلها الله فوق رءوس البشر سقفا مرفوعا ومحفوظا من السقوط يقول الله تعالى: وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً، وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ الأنبياء: ٣٢. وصورتها وهي كالسقف المرفوع، لها دلالتها القوية، على قدرة الله سبحانه، ولكنّ البشر على الرغم من هذه الصورة الكونية المحسوسة فوق رءوسهم، لا يفكرون في أبعاد هذه الصورة، ولا يدركون ما وراءها من إله قادر على كل شيء. فالصور الكونية تتضافر فيما بينها، وتتفاعل في السياق الواردة فيه، كي تحقق وظيفتها الدينية ويكفي أن يتصور الإنسان هذه الكتل الضخمة فوق رأسه، ليدرك قدرة الله عليه، ويرتعد خوفا من مخالفته، والابتعاد عن دينه. وقد ألحّ القرآن الكريم على تصوير هذه المشاهد الكونية الضخمة، ليقارن الإنسان بين خلقه، وبينها ليشعر أن خلقه أهون، وأصغر، من هذه المشاهد التي يراها فوقه. يقول الله تعالى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها، رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها النازعات: ٢٧ - ٢٨. فالصورة هذه توحي بضآلة خلق الإنسان إلى جانب هذه الصورة الكونية الضخمة،

стр. 194

المتجاوزة في التعبير لصورة الإنسان، لتحقيق هذا الغرض من التصوير. ويكون جواب الاستفهام معروفا بدون جدال، فهذه السماء أقوى في بنائها وضخامتها من خلق الإنسان، كما أن تصوير السماء بالبناء، يوحي بتماسكها وقوتها، وتناسقها، وهي دليل على قدرة الله، المتجلّية في الكتل الضخمة، كما هي في الكتل الصغيرة، فالإعجاز الإلهي واحد في الاثنين. ويلحّ القرآن الكريم على تصويرها فوق الرءوس، تمسك بها يد القدرة الإلهية، لإثارة مخيّلة الإنسان، وتحريك نفسه، لكي يستجيب لنداء الإيمان يقول تعالى: وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ الحج: ٦٥. وفي موضع آخر يصوّر إمساكه السماوات والأرض من أن تزولا إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا، وَلَئِنْ زالَتا، إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً فاطر: ٤١. وهي صورة ضخمة موحية، حين نتصوّر هذه الكتل العظيمة، تسبح في الفضاء بلا عمد، ولا أمراس تشدّها، ولكن الله وحده هو الذي يمسك بها جميعا، وهي تدور في مداراتها المرسومة لها إلى أجل معلوم. ويأتي التعقيب متناسقا مع جوّ التصوير إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً فهو يملك هذه القوة والقدرة ولكنه حليم، لا يسمح أن تطبق السماوات فوق الرءوس، ويمهل الناس ليوم الحساب، وهو غفور مع كل هذه العظمة والقدرة. وترتبط صورة السماء، بصورة الحياة على الأرض، فالسماء هي التي تمد الأرض بالماء والحرارة والضوء والرزق وغير ذلك. يقول الله تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ البقرة: ٢٢. فالتقابل في الصورة بين السماء والأرض، يظهر الصلة الوثيقة بينهما، وهي صلة تواصل وتكامل، حتى يحس الإنسان بقدرة الله عليه، في الأرض التي يقف عليها، والسماء المحيطة به وبالأرض جميعا. وهنا نلاحظ صورة أخرى مقترنة بصورة بناء السماء وهي صورة الماء النازل منها، والذي يعتبر مصدر الحياة. وبذلك تتوقف الحياة على الأرض على خيرات السماء، والرزق النازل منها، وهذا فيه تذكير للناس بأنّ حياتهم مرتبطة بجود السماء، وهي بين يديه سبحانه، وتذكير أيضا بفضله عليهم، ورزقه لهم، فرزق السماء مما لا يمكن للبشر أن يتحكموا فيه، فهم خاضعون، مستسلمون، لمشيئة الله وقوانينه، التي تسمح بهذا الجود

стр. 195

وهذا الرزق أن ينزل عليهم. وصورة السماء ليست عظيمة فحسب، وإنما هناك عنصر الجمال البارز فيها، وهو عنصر مقصود في التصوير أيضا فهي خالية من الخلل والعيوب. والقرآن الكريم يوجّه الأنظار إليها، لتأمل صورتها الجميلة المتناسقة المحكمة يقول تعالى: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ، وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ، وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ الملك: ٣ - ٥. فالجمال سمة بارزة في صورة السماء، وإدراك هذا الجمال، وما فيه من التناسب والتناسق والإحكام، يعد وسيلة لإدراك جمال الخالق سبحانه، وبيان قدرته وهيمنته على هذا الكون البديع. وتتسم هذه الصورة المعروضة بالتحدي للناظرين، أن يجدوا أي عيب في صورة السماء الجميلة، ومشهد السماوات، على هيئة الطباق المبنية، بعضها فوق بعض، متناسبة الأجزاء، ومحكمة وخالية من الخلل والعيوب، يدلّ على كمال خلق الله، والكمال في الخلق يعني الجمال. ومشهد الإنسان، وهو يطيل التأمل فيها، ويدقق النظر، ويفحص أجزاءها، ومعاودة هذا النظر مرة تلو أخرى، ثم ارتداده خاسئا، حسيرا، ضعيفا، عاجزا أن يجد أي خلل فيها أو عيب، دليل على عجز الإنسان، وإقراره بعظمة هذه المشاهد التي يراها. وهي دليل أيضا على القدرة الإلهية التي أبدعتها على هذا النحو من الكمال والجمال. وصورة السماء صورة قريبة مدركة، يدركها الإنسان الأمّي، والعالم أيضا مع اختلاف بين الاثنين في تفسير هذا الكمال، وهذا الجمال بحسب المدارك العقلية، والثقافة العلمية لكل منهما، ولكن أثر الصورة الكونية، في النفس الإنسانية، حقيقة ثابتة لا ينكرها أحد، وإن اختلفت التفسيرات في إدراك أبعادها العلمية. وبعد نفي الخلل والعيوب عن السماء، وهو بحدّ ذاته جمال، لأنه يدل على الإتقان في الصنع، يمتد التصوير ليرسم لنا مشهدا آخر للسماء وهي مزينة بالنجوم المضيئة من خلال الظلام، وهي صورة بديعة موحية ومؤثرة يقول تعالى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ

стр. 196

وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ الملك: ٥، فعنصر الجمال مقصود في التصوير أيضا، وقد دلّ عليه دخول المؤكّدات المتنوعة في بناء الصورة مثل اللام وقد، ونسبة الفعل إلى الله «زيّنّا». وهو جمال محفوظ محروس أيضا ويلحّ القرآن الكريم على صورة السماء المزينة بالنجوم في كثير من الآيات، كي تستمتع العين برؤيتها، وتشبع حاسة الجمال الفطرية في الإنسان، بالإضافة إلى دلالتها على القدرة الإلهية. من ذلك قوله تعالى: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ ق: ٦. وقوله أيضا: وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ، وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ، إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ الحجر: ١٦ - ١٧. فصورتها المعروضة، تجمع الضخامة والدقة والسعة، والزينة، كما تضيف صفة جديدة وهي الحفظ والحراسة من كل شيطان رجيم. فجمالها محروس من قبل الله ، وأخبارها الغيبية محفوظة، ولا سبيل إلى معرفتها، وصور الشهب الساقطة في الليل، صورة واقعية مألوفة لدى الناس، ولكنّ التصوير هنا يحمّلها معاني الحفظ والحراسة لعالم الغيب، حتى يقطع أساليب الخرافة والشعوذة في تصورات الناس الشائعة، وبذلك يتحرر العقل البشري من الأوهام والأساطير التي كانت شائعة قبل الإسلام، فالسماء محروسة حراسة شديدة، لحجب أسرار الغيب عن المخلوقات، فهناك الشهب الراجمة للشياطين، وما يقوله الكهان خرافة وباطل بعد هذه الشهب الحارقة. وهذه المعاني نراها مصوّرة في قوله تعالى أيضا بشكل مفصّل على لسان الجن لتكون أكثر إيحاء وتأثيرا: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً الجن: ٨. وتركّز الصورة على رسم مشهد النجوم، وهي سارية متحركة، زيادة في توضيح جمالها وإيحائها، فهذا النجم الساري في السماء، يثقب الظلام بضيائه، ويترك للعين أن تستمتع بهذه اللوحة الفنية المتناسقة والجذابة، فيها الحركة، وامتداد المساحة، واللون المؤثر يقول تعالى: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ، وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ، النَّجْمُ الثَّاقِبُ، إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ الطارق: ١ - ٤. فالصورة هنا بعناصرها السماء، والنجوم، والضياء، والظلام، وما فيها من حركة وحياة، لها قيمتها وأهميتها، فالله يقسم بهذه الصورة الكونية، والله سبحانه لا يقسم إلا بشيء

стр. 197

عظيم، وذي قيمة، لذلك عقّب على القسم بالاستفهام الموحي بالتفخيم والتعظيم، ثم صرّح بالمقصود بالطارق، وهو النجم الثاقب، والمراد به جنس النجم وليس نجما بعينه، كما يوحي السياق بذلك ثم جاء بالمقسم به إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ للدلالة على أن كل نفس عليها حافظ رقيب على أعمالها وخواطرها، يملك قدرة النفاذ إلى أعماقها المستورة، ومناطقها المظلمة، فيشق حجابها السميك الخارجي بقوة نفاذه كما يطرق هذا النجم الثاقب ظلام الليل، فيزيل ظلامه، وينفذ من خلاله. وتتجلى قدرة الله سبحانه في الصورة الكونية والصورة النفسية معا، وتتلاحم الصورة في إطارها مع مضمونها كما يتّحد الغرض الفني بالغرض الديني من خلال هذا التصوير المعجز. ويمتد تصوير حركة الكواكب في السماء، فترسم الصورة حركتها في ظهورها واختفائها، بمشهد حي شاخص، فيه الحركة الرشيقة، والإيحاء العميق، فهي في حركتها طالعة وغائبة، تشبه حركة الظباء الجارية على الأرض، التي تختبئ في كناسها، لتظهر من ناحية أخرى. يقول تعالى في وصفها: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ ... التكوير: ١٥ - ١٦. ثم إن هذه النجوم، مرتبطة بحياة الإنسان على الأرض، فهي هادية له في ظلمات البر والبحر، وكأنها قناديل للإضاءة فضلا من الله ونعمة على هذا الإنسان، يقول تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ الأنعام: ٩٧. وصورة القمر أكثر إثارة وجاذبية للإنسان منذ القديم، وقد أثار بحركته المتغيّرة، خيال الإنسان، وراح يسأل عن سرّ هذا التغيير في شكله، فيبدو هلالا، فبدرا، ثم يعود متدرّجا كما بدأ في صورته وهيئته، يقول تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ البقرة: ١٨٩ فعيون الصحابة رضوان الله عليهم، كانت تتابع مراحل نمو الهلال، وقد أدهشتهم هذه الصورة المتغيرة، وأثارت خيالهم، فراحوا يسألون عن ماهية الصورة المتغيرة ولكن الجواب لم يأت جوابا على الماهيّة، وإنما جاء موضحا وظيفة هذه الصورة المتغيرة، وأثرها في حياتهم، وهذا يسمى في البلاغة العربية القديمة بأسلوب الحكيم. لأنه ليس من وظيفة الصورة، تقديم معلومات علمية عن حركة الأفلاك في السماء،

стр. 198

وإنما هدفها توضيح الصلة بين حركة الأفلاك، وحركة الإنسان على الأرض، فهو يهتدي بها في ظلمات البر والبحر، وكذلك القمر بمراحل نموه، يرسم صورة زمانية ضرورية لحياة الإنسان، لتدبير شئونه الدينية والدنيوية في الحياة. ولكن هذا لا يمنع أن توحي الصورة بالحقائق العلمية من خلال ارتباط الصور بعضها ببعض، وطريقة التعبير عنها، كما رأينا في تصوير حركة ظهور النجوم واختفائها بحركة الظباء في كناسها، فهي تختفي من مكان، لتظهر في مكان آخر، وهذه حقيقة علمية توحي بها الصورة بالإضافة إلى ما فيها من جمال، ودلالة على قدرة الله المبدع. وكذلك حركة تغيّر القمر المصوّرة في مكان آخر، يقول الله تعالى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ يس: ٣٩. كذلك في تصوير حركة الشمس والقمر، متجاورين في السياق، ومختلفين في التعبير عنهما، للدلالة على دورهما في تشكيل الصورة الزمانية على الأرض، من خلال الصورة المكانية لهما، واختلاف تكوينهما أيضا. يقول الله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ يونس: ٥. فالشمس وصفت بالضياء، لأنّ نورها يصدر منها وليس من غيرها، فهي ضياء أو سراج متوهج. أما القمر، فنوره مكتسب من ضوء الشمس، لذلك يوصف دائما بالإنارة دون سواها. يقول الله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً الفرقان: ٦١. ويكثر في القرآن الكريم عرض صورة الشمس والقمر، متجاورين في التعبير، للدلالة على فوائدهما، وتسخيرهما للإنسان، وتوضيح الحقائق الدينية من خلالهما يقول تعالى: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لقمان: ٢٩، فحركتهما المرئية، مستمرة إلى أجل محدد، ثم تتوقف عند ما يأذن الله، فحركة الشمس والقمر في السماء، كحركة الإنسان على الأرض، مرسومة ومحددة إلى أجل معلوم. وبذلك يتم الربط بين تصوير الطبيعة في القرآن، وحركة الإنسان على الأرض، لتحقيق الوظيفة الدينية من خلال هذا

стр. 199

التصوير الهادف. ويقسم الله بهما، لبيان قدرته في تنسيق حركتهما، بما يتوافق مع حياة الإنسان كقوله تعالى: وَالشَّمْسِ وَضُحاها، وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها الشمس: ١ - ٢. وتؤكد الصورة على حقيقة الألوهية الخالدة من خلال مشهد الطبيعة المتغيّر، للرد على أولئك الذين يعبدون الكواكب والنجوم، بعد أن فتنوا بصورتها البديعة، وغابت عنهم حقيقتها الزائلة. فتعرض مشهدا لإبراهيم ﵇ يقلّب وجهه في السماء، مستدلا بأفوال الكواكب والنجوم على إبطال عقيدة قومه، الذين كانوا يعبدونها، قال تعالى في تصوير هذا المشهد: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ، فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي. فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ الأنعام: ٧٥ - ٧٩. فإبراهيم لم يكن شاكا بوجود ربه، وهو النبي المعصوم، وإنما أراد أن يتبع طريقة الاستدلال المتدرّجة، لإقناع قومه، ببطلان عقيدتهم الوثنية، فكان يقرّ مبدئيا بالمشهد الكوني الأخّاذ، ثم ينتقل إلى نفي الألوهية عنه، لأنه يتصف بالأفول والزوال، ومحال أن يغيب الخالق عن عباده ولو لحظة، كما أنه كان يعقّب على إثر كل مشهد كوني معروض، بالتوجيه الديني السديد حتى توصّل إلى أنّ هذه المشاهد الكونية محدثة، وأن وراءها محدثا وصانعا صنعها، ومدبرا دبّر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها «٩». يقول الدكتور محمد علي الصابوني في تفسيره لقول إبراهيم هذا رَبِّي: «أي على زعمكم، قاله على سبيل الرد عليهم والتوبيخ لهم، واستدراجا لهم، لأجل أن يعرّفهم جهلهم وخطأهم في عبادة غير الله» «١٠». وتقترن صورة الأرض، بصورة السماء في وصف الطبيعة في القرآن، لما بين الصورتين

стр. 200

من التقابل أو التناظر، والتواصل أيضا، فالسماء هي مصدر الحياة على الأرض، كما أنها مصدر الوحي، لذلك تصوّر الأرض دائما بحاجة إلى خيرات السماء، وعطاءاتها المادية والمعنوية. فالله سبحانه، هيّأ الأرض، كي تكون صالحة للحياة عليها، فهي على الرغم من أنها كروية ومتحركة، فإن الإنسان لا يشعر بحركتها، ولا يتأثر بشكلها الكروي، بل إن حركتها وشكلها الكروي، هما من الأسباب التي جعلتها مهيأة للحياة على ظهرها، وهذا من دلائل القدرة الإلهية الملحوظة في هذه المشاهد الكونية المحسوسة. يقول الله تعالى: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ الزمر: ٥، ويتضافر التعبير مع التصوير في رسم شكل الأرض، وحركتها، وطبيعتها، فلفظ (يكور) له دلالته القوية على حقيقة الأرض، وحركتها، فهو يثبت كرويتها ويرسم آثار كرويتها في مظاهر كونية أخرى في تعاقب الليل والنهار «فالجزء الذي يواجه الشمس من سطحها المكوّر يغمره الضوء ويكون نهارا، وكلما تحركت بدأ الليل يغمر السطح الذي عليه النهار، وهذا السطح المكور، فالنهار كان عليه مكوّرا، والليل يتبعه مكوّرا كذلك، وبعد فترة يبدأ النهار من الناحية الأخرى، يتكوّر على الليل، وهكذا في حركة دائبة، واللفظ يرسم الشكل، ويحدد الوضع، ويعين طبيعة الأرض وحركتها، وكروية الأرض، ودورانها يفسران هذا التعبير ... » «١١». وقد رسمت للأرض صور عدّة، ولكنّ هذه الصور جميعا مترابطة ومتعاونة في بيان فضل الله على عباده في أن هيأها لاستقبال الحياة عليها، من ذلك قول الله تعالى في تصوير الأرض: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً نوح: ١٩، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ الغاشية: ٢٠، أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً النبأ: ٦، والَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً البقرة: ٢٢، ووَ هُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ الرعد: ٣، وأَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً النمل: ٦١، ووَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها النازعات: ٣١، ووَ الْأَرْضِ وَما طَحاها الشمس: ٦، وغير ذلك. فصورة الأرض، مفروشة، ومبسوطة، وممدودة، ومهاد، حتى يقرّ الإنسان عليها ويستقرّ، ثم صورة دحوها وطحوها، حتى تكون صالحة للزراعة والحياة، وهذا لا ينافي بأنها كروية

стр. 201

فقد ذهب كثير من العلماء المسلمين في القديم إلى القول بكرويتها كالآلوسي والرازي وأبي السعود. في تفاسيرهم المشهورة، وأما كونها مسطحة أو ممدودة أو مبسوطة، فإنما هي بالنسبة لعظمها وسمتها أو بالنسبة للناظرين إليها، فليس في القرآن الكريم ما يخالف الحقائق العلمية حول صورة الأرض الكروية «١٢». وصورة الأرض، كروية، ومتحركة، ونحن ثابتون عليها، تثير الخيال حين يتملّاها، ويسبح في آفاقها، وتوقظ الإنسان على حقيقة الألوهية القادرة على كل شيء، فقد اجتمعت في صورتها الحركة والثبات معا فهي كالناقة الذلول، يقول الله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ الملك: ١٥. ولفظ ذَلُولٌ يوحي بحركتها وثبات الإنسان عليها، فهذه الأرض «التي نراها ثابتة مستقرة ساكنة هي دابة متحركة بل رامحة، راكضة، مهطعة، وهي في الوقت ذاته، ذلول، لا تلقي براكبها عن ظهرها، ولا تتعثر خطاها، ولا تخضّه، وتهزه، وترهقه، كالدابة غير الذلول، ثم هي دابة حلوب، مثلما هي ذلول» «١٣». وزيادة في تشخيصها قال: فَامْشُوا فِي مَناكِبِها و «المشي في مناكبها مثل لفرط التذليل ومجاوزته الغاية» «١٤»، كما يقول الزمخشري. فإذا كان المشي في مرتفعاتها أو أطرافها مذلّلا، فلا يشعر الإنسان بحركتها، فالمشي في سهولها من باب أولى. ويضاف إلى صورة الأرض الذلول، صورة الأم الحنون، التي تضمّ بنيها، وتحتضنهم أحياء وأمواتا، يقول الله تعالى في ذلك: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً، أَحْياءً وَأَمْواتاً، وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ، وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً، وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ المرسلات: ٢٥ - ٢٨. والمراد بالكفت هو الجمع والضم، فهي تجمع البشر على ظهرها أحياء، وتضمهم في باطنها أمواتا «١٥». فالصورة التي يرسمها اللفظ الموحي، لهذه الأعداد الهائلة من البشر، يتجمعون على

стр. 202

ظهرها، وفي باطنها أيضا صورة ضخمة مثيرة للخيال، دالّة على القدرة الإلهية الممسكة بهذه الأرض، التي لا تنوء بما تحمله من هذه الأثقال، وكأنها تحمل البشر ودائع عندها إلى اليوم الموعود. ويضاف إلى الكتل البشرية التي تحملها، كتل الجبال الراسيات، وكتل المياه الجوفية أيضا. والعلاقة قوية بين هذه الصور ذات الأوزان، فالجبال، تحافظ على توازن الأرض، والسحب والثلوج، تتجمع فوق قمم الجبال، فتنحدر مساقط الماء العذب. وهكذا تتجاور الصور في السياق، ضمن نظام العلاقات الذي يربط بينها، ويوحّد أثرها في تحقيق الغرض الديني. ولولا الجبال لمادت الأرض واضطربت، يقول الله تعالى في بيان وظيفتها: وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ لقمان: ١٠، وقوله أيضا: وَالْجِبالَ أَوْتاداً النبأ: ٧. كما أن الصورة ترسم ألوان الجبال في لوحة بديعة متناسقة الألوان: يقول تعالى: وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ، وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ فاطر: ٢٧. وقد تضم الصورة، مشاهد متعددة من الطبيعة في سياق واحد متناسق، كدليل على قدرة الله سبحانه قال تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ الغاشية: ١٧ - ٢٠. وذكر الجمال هنا من سائر الحيوانات، اقتضاها التناسق بين أجزاء الصورة المرسومة، فالسماء المرفوعة، تقابلها الأرض المبسوطة، والجبال المنصوبة في الأرض المبسوطة، تلائمها الجمال المنصوبة السنام، وهكذا ترسم الصور مشاهد الطبيعة بالمساحات والمسافات والخطوط والأشكال، وتدعو الإنسان إلى تأمل هذه المشاهد المتناسقة التي تدلّ على خالقها المبدع. ومشهد تعاقب الليل والنهار من المشاهد الحسية العجيبة يدلّ على قدرة الله، ولكن الإنسان من كثرة إلفه لهذا المشهد، واعتياده له، فقد التأثر به، فتأتي الصورة في التعبير القرآني، لتحيي هذا المشهد في حس الإنسان وشعوره، ليدرك ما فيه من إعجاز إلهي في تدبيره وتصميمه. يقول الله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ لقمان: ٢٩.

стр. 203

فالصورة الحسية هنا تبدأ ب أَلَمْ تَرَ لإحياء الصورة البصرية بالفعل المضارع المكوّن من فعل الرؤية ذاته. ثم تبدأ برسم حركة الدخول الوئيد لليل في النهار، أو النهار، أو النهار في الليل، للإيحاء بالظلال المصاحبة لدخول أحدهما في الآخر في المشهد الكوني، كما أن الصورة الزمانية لليل والنهار، مرتبطة بالشمس والقمر، فبحركتهما المنتظمة المتناسقة يتم تشكيل هذه الصورة الزمانية، وهذه الدقة في تصميم الكون، تعقبها دقة أيضا، في معرفة أعمال البشر. وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ. وتتنوّع الصور الفنية في رسم حركة الليل والنهار، لتحقيق التأثير الديني يقول الله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ، وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ التكوير: ١٧ - ١٨. فصورة الليل وهو يعسّ في الظلام بحركة وئيدة بطيئة، صورة حية شاخصة، على طريقة القرآن في التشخيص، لتحقيق منتهى التأثير بهذه الصورة الشاخصة، ولفظ عَسْعَسَ بجرسه المؤلّف من مقطعين يوحي بهذه الحركة الهادئة البطيئة لدخول الليل، ويرسم الظلال الكونية المتدرجة المصاحبة لدخوله. وصورة الصبح أيضا تعتمد على التشخيص للمشهد الكوني، فهو يتنفس، كما يتنفس الأحياء ولكن عن الحركة والضياء. يقول الزمخشري: «فإن قلت ما معنى تنفس الصبح؟ قلت: إذا أقبل الصبح بإقباله روح ونسيم، فجعل ذلك نفسا له على المجاز» «١٦». ويعرضان أيضا في صورة شخصين يتسابقان في حلبة السباق، وكلّ منهما يحاول أن يدرك الآخر، ولكن دون جدوى، ويبقى هذا حالهما في سباق ومنافسة إلى يوم الدين. يقول تعالى: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً الأعراف: ٥٤. فهذه الصورة الكونية تحاكي صورة الحياة على الأرض، وما فيها من سباق وصراع بين البشر، وخلع هذه الصفة المدركة، على المشهد الكوني، يجعله حيا شاخصا ومؤثرا، يتحرك باتجاه هدف مرسوم له في ساحة السباق المستمر، إلى يوم الدين حينئذ تتوقف الحركة، وينتهي السباق تماما، كحركة الإنسان على الأرض، وما فيها من سباق وصراع، تنتهي بانتهاء الحياة وهذا ما توحي به هذه الصورة الكونية الشاخصة. ويعبر عنهما أيضا بصورة التقليب الحسية كقوله تعالى: يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ، إِنَ

стр. 204

فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ النور: ٤٤. وصورة تقليب الليل والنهار بهذا النظام المتعاقب بدقة ونظام، توقظ القلب، وتدفع الإنسان إلى التفكر بما فيها من دقة وتناسق مع حركة الشمس، دون أي خلل منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها إلى يوم النشور. وصورة انسلاخ النهار من الليل، تعبّر عن الحقيقة الكونية أدق تعبير، لأنّ النهار تلبّس بالليل ملتصقا به، ويد القدرة الإلهية هي التي تنزع النهار من الليل ليعمّ الظلام يقول تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ يس: ٣٧. ويمتد تصوير تعاقب حركة الليل والنهار، بتصوير ما يعقب ذلك من ظلام أو ضياء، فترسم الصورة اللون في الظاهرتين، كما لمست الحركة من قبل يقول تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا الإسراء: ١٢. ومن خلال التقابل بين الصورتين، تظهر فوائد الليل المظلم في الراحة والسكون، والنهار المبصر في العمل والمعاش بالإضافة إلى معرفة الزمن الضروري لحياة الإنسان الدينية والدنيوية. ويلحّ القرآن الكريم على فوائد الظلمة والضياء للإنسان، فيعرض الليل والنهار في صور متعددة من ذلك قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً غافر: ٦١. وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً، وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً النبأ: ١٠ - ١١، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً، وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً الفرقان: ٤٧. فالليل لباس شامل، يحيط بظلمته الكون، وفي هذا الظلام سكن وراحة للإنسان بعد الكدّ والتعب، والنهار مبصر، ليس فيه ظلام، كي ينتشر فيه الناس طلبا للرزق والمعاش، ولكنّ الإنسان يغفل عن فوائد ذلك، لألفه واعتياده، وتبلّد حسّه، فتأتي صورة أخرى، ترسم الظاهرتين على نحو مختلف على سبيل التخييل، لطرق حس الإنسان بعنف، ليتأمل ويتدبّر هذا الكون البديع، المسخّر له، يقول تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ

стр. 205

بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ القصص: ٧١ - ٧٣. وهذه من الصور العنيفة، التي هي أشبه بالمطارق على حسّ الإنسان المتبلّد ترسم استمرار صورة الليل أبدا، أو استمرار صورة النهار أبدا، وتطبع في مخيلة الإنسان إحدى هاتين الصورتين، وما يصاحبها من إيحاء ولون، لتخويف الإنسان من حدوث ذلك، ودفعه إلى التأمل في فضل الله عليه، ودقة بناء هذا الكون المحكم والمسخّر لهذا الإنسان الجحود، لذلك عقّب على الصورة التخييلية بالصورة الكونية المحسوسة، لبيان ما فيها من رحمة الله وفضله على عباده، ليسكنوا في الليل، ويعملوا في النهار. ويلاحظ في تركيب الصورة، الاعتماد على فعل أَرَأَيْتُمْ لإحياء الصورة في المخيلة، واستحضارها على الشكل المرسوم، وتكرار الاستفهام، الذي له جواب واحد لا غير، تركه في التعبير، لأنه واضح مفهوم، ورد في التعقيب عن طريق الإيحاء به، دون التصريح، للتأكيد على إقرار الإنسان بذلك. كما أن الجملة الشرطية في الصورتين حذف منها جواب الشرط زيادة في التخييل الزمني الممتد. والتشابه في بناء الصورتين من الناحية اللغوية، والتركيب، يتناسق مع الصورة الواحدة المرسومة في المخيّلة. فالصورة المتخيّلة واحدة، وبناؤها التعبيري يكاد يكون واحدا أيضا. ولكنه يلاحظ أنه عقّب على الضياء بقوله: أَفَلا تَسْمَعُونَ وعلى الليل بقوله: أَفَلا تُبْصِرُونَ لأن السمع- كما يقول الزمخشري- يدرك ما لا يدركه البصر من ذكر منافع الضياء، ووصف فوائده، أما التعقيب على الليل ب أَفَلا تُبْصِرُونَ فلأن الناس، يبصرون منافع الظلام في السكون وغيره «١٧». وقد اعتمدت الصورة في التعقيب على أسلوب اللف والنشر، وهو أسلوب بلاغي معروف، وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ فالليل لتسكنوا فيه، والنهار لتبتغوا من فضله ... ومشهد (الظل) مرتبط بحركته، بحركة الشمس، وهو مشهد جميل وندي، ترتاح إليه

стр. 206

النفس، وتتجاوب مع حركته، وامتداداته، وما يرسمه من أشكال، يقول الله تعالى في تصوير الظلّ أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً الفرقان: ٤٥ - ٤٦. إن الصورة هنا ترسم لنا هذا المشهد الكوني بدقة متناهية، فحركة الظل بطيئة لطيفة حتى كأنه لا يتحرك، وهذا ملحوظ في إيقاع مَدَّ الظِّلَّ ثم كلمة ساكِناً تلقي بظلها على حركة الظلّ البطيئة، حتى كأنه ساكن، والصورة تجسّم حركته البطيئة، وتحرك الخيال لاستحضارها وتأملها، ومتابعة هذه الحركة من بدايتها إلى نهايتها، للوقوف على حركة هذا الكون البديع المتناسق في تصميمه، والمحكم في بنائه، وتبرز يد القدرة الإلهية، من خلال تصوير هذا المشهد المتناسق في حركته في الأرض، مع حركة الشمس في السماء، وتعتمد الصورة على الفعل المضارع أَلَمْ تَرَ على طريقة القرآن الكريم في استحضار المشهد، وإحيائه، وكأنه يعرض الآن أمام العيون، وتتابع حركته المتناسقة مع حركة الكون الكبير، والإلحاح على الخالق المبدع، لهذا المشهد المعروض فكلمة رَبِّكَ والضمائر العائدة عليه أيضا جَعَلْنَا قَبَضْناهُ إِلَيْنا تضفي هذه التعبيرات على الصورة المتحركة روحا جديدة، ومعنى دينيا، وبعدا فنيا، فتنتقل الصورة المتحركة للظل من نطاقها الأرضي المحدود، إلى آفاق كونية غير محدودة، فتشد الأنظار إلى هذا الكون العجيب في تصميمه وتنسيقه، فتبدو الأرض مرتبطة بحركة السماء، محتاجة إليها، متصلة بها في هذه المشاهد الكونية وإذا كانت الأرض مرتبطة بحركة الكون هذا الارتباط القوي، فمن باب أولى أن ترتبط أيضا بشرع الله المنزل على رسوله، حتى يتم التناسق أيضا بين حركة الإنسان، وحركة الأرض، في هذا التصميم الكوني البديع، وهذا ما تظهره الصورة المرسومة للظل حيث نرى يد الله، تمدّ الظلّ وتبسطه ٧ ثم تقبضه قبضا يسيرا، فيرجع في النهاية إلى الله، وكأني أحسّ أن الصورة ترسم ظلّ الإنسان المتحرك على الأرض لفترة محدودة، ثم يغيب ويرجع إلى مولاه أيضا، وهذه من إيحاءات الصورة، ثم أليست البداية كانت من الله؟ فالعودة كذلك إليه. فالحركة إذا واحدة في الظل المنظور، كما هي في الإنسان، ويد الله متجلّية في تصميم هذا الكون كما هي ظاهرة في تكوين الإنسان. والإلحاح في الصورة على فناء المشاهد

стр. 207

الكونية وزوالها، يهدف إلى غرس فكرة الفناء في نفس الإنسان، لتحقيق الغرض الديني من التصوير أيضا. وصورة الماء العذب، صورة حسية مألوفة، ولكن الإنسان يغفل عن القدرة الإلهية التي أوجدت الماء الذي هو مصدر الحياة، فتعرض صورته المحسوسة هذه، وصورة أخرى له متخيلة، تقابلها لبيان فضل الله على الإنسان في توفير الماء العذب له، يقول تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ الواقعة: ٦٨ - ٧٠. وصورة الماء العذب المحسوسة، تقابلها صورته المالحة المتخيّلة، تتفاعلان في السياق عن طريق التجاور في التعبير، والتضاد في التخيل والتأثير، لتحقيق الغرض الديني من التصوير، وهو بيان فضل الله على عباده في إنزال الماء العذب من السحاب، ويترك للإنسان أن يتخيل الصورة الأخرى المحتملة فيما لو نزل الماء ملحا أجاجا ليدرك رحمة الله عليه. كما أنّ الصورة تعتمد على نظام العلاقات والروابط بين الصور، فالماء العذب، مرتبط بالمزن في السماء، والمزن أيضا مرتبطة بالبحار المالحة، لأنها تتكوّن منها بالتبخر، فيتمّ تقطيرها، فتحمل السحب المياه العذبة الصالحة لحياة الإنسان، وهذا ما يوحي به التعبير ب لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فالصورة للماء العذب، تتواصل ضمن نظام العلاقات السياقية، مع السحاب، والبحار، للإيحاء بهذه الحقائق العلمية، الدالة على القدرة الإلهية، الموجدة لهذه القوانين الطبيعية. لهذا يكثر تصوير السحاب في القرآن الكريم، في مشاهد بديعة موحية ومؤثرة، فترسم حركته في السماء، وهو ينتقل من مكان لآخر، ثم يتجمع بعضه فوق بعض، فيصبح ركاما ضخما كالجبال، فيتحرك وفق مشيئة الله، بهذه الكتل الضخمة، ثم ينزل منه الماء أو البرد يقول الله تعالى في تصوير حركته: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ، ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ النور: ٤٣. ويعتمد التصوير هنا على الفعل أَلَمْ تَرَ على طريقة القرآن في إحياء المشهد، ثم يعرضه حيا ماثلا للعيون، وكأنها تراه الآن، ويجتمع في المشهد المعروض كل الأدوات

стр. 208

التصويرية، من حركة، وهيئة، ومساحة وخطوط وأشكال وألوان، فالسحاب يتحرّك، ويتجمّع على هيئات وأشكال ضخمة كالجبال، ويقطع هذه المساحات والمسافات، ثم يتمّ نزول المطر وفق مشيئة الله، على هيئة معروفة، فيتغيّر مسار الحركة الأفقية في المشهد المنظور، إلى حركة عمودية من الأعلى إلى الأسفل في المطر النازل، ويضاف إلى صورة المشهد نور البرق الخاطف، ليكتمل تصوير هذا المشهد الطبيعي من كل جوانبه، والإطالة في العرض الفني للمشهد هنا، تهدف إلى إبراز قدرة الله في كل لقطة تصويرية فيه. ثم إن صورة المشهد تشير إلى أن ما تراه العيون، قد يكون مصدر خير بنزول الأمطار على الأرض، أو مصدر هلاك بنزول البرد والسيول لتحطيم الزروع والثمار، حتى يظل الإنسان بين خوف ورجاء يتوجّه إلى الله بطلب الرحمة والخير منه سبحانه. يقول الله تعالى في تأكيد هذا المعنى أيضا هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً، وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ، وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ الرعد: ١٢ - ١٣. فالبرق الخاطف والرعد القاصف، والصواعق الحارقة، والسحاب الممطر، كلها مشاهد مألوفة ومحسوسة ولكنّ تصويرها هنا، يضفي عليها الرهبة والتأثير، فالبرق يرتبط بنزول المطر، وهو بمنزلة الإشارة الضوئية الدالة عليه، والمطر إما أن يكون خيرا نافعا، وإمّا أن يكون ضررا ماحقا، لذلك فالنفوس في حالة خوف وطمع، ثم تخلع الصورة على مشهد الرعد الحياة والحركة على سبيل التشخيص، فهو يسبح بحمد الله، بهذا الصوت المجلجل في الآفاق، فيتجاوب الكون معه، حتى الملائكة يدخلون في إطار الصورة، مع المشاهد المصورة، لزيادة جوّ الرهبة والخشوع، مع الصواعق الحارقة تصيب من يشاء، حتى يظلّ الإنسان بين خوف ورجاء أمام هذه المشاهد الطبيعية المصورة. ويصور السحاب أحيانا في حركته الجميلة في صفحة السماء على أنه مبشر بنزول المطر، كقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً، لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً، وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً الفرقان: ٤٨ - ٤٩. وفي هذا المشهد تتجلى قدرة الله في إرسال الرياح، ودفع السحاب، وإنزال المطر الذي هو مصدر الحياة للإنسان والحيوان على السواء.

стр. 209

وتلمس صورة المشهد القلوب والنفوس بقوله: بُشْراً التي تتوق للمطر، حين ترى مشهد السحاب في السماء وتصطبغ مشاهد الطبيعة المصورة، بأنداء الرحمة الإلهية، ثم وصف الماء ب طَهُوراً يزيد الصورة روحانية وشفافية، فالماء الطهور، يغسل وجه الأرض، ويحييها بعد موات، ويسقى الإنسان والحيوان، ووصف الأرض ب الْمَيْتَةَ وإحياء المطر لها، يهيئ الأذهان لقبول فكرة الحياة بعد الموت. فتصوير الطبيعة يحمل دلالات فكرية ونفسية وفنية، تتناسق مع حركة التصوير في النص القرآني كله لتحقيق وظيفته الدينية الأساسية. ومن ذلك أيضا قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ، فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ الأعراف: ٥٦ - ٥٨. فمشاهد الرياح والسحاب، والمطر، والنبات، كلها تدل على القدرة الإلهية، فهي مشاهد مترابطة ومتناسقة الأجزاء، يعتمد بعضها على بعض، في تكوين هذه اللوحة الفنية المرسومة للطبيعة، وهي لوحة غنية بالحقائق الدينية التي تطلّ من خلال هذه المشاهد الطبيعية، عن طريق الإيحاء أحيانا، والتصريح بها أحيانا كقوله: كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى. فتصوير الطبيعة، ليس لمجرد التصوير الفني بل لإبراز الحقائق الدينية من وراء التصوير، فرب الوجود واحد، وقدرته تظهر في المشاهد الطبيعية، كما تظهر في حياة الإنسان، فالحقيقة واحدة، وإن اختلفت الصور والأشكال. ولكنّ البشر يختلفون في إدراك حقيقة الألوهية وآثار الربوبية في الطبيعة والإنسان. تماما كما تختلف الأرض في استقبال خيرات السماء، وما يترتب على ذلك من نتائج وآثار لهذا جاء المثل، عقب تصوير الطبيعة، ليوضح اختلاف الناس في إدراك هذه المشاهد، وما يترتب عليه من نتائج. فهناك في الحياة الإنسانية الطيب والخبيث، والأرض أيضا نوعان: طيبة وخبيثة. فالإنسان الطيب، كالأرض الطيّبة يتأثر بالتوجيه القرآني، ويدرك ما وراء هذه المشاهد الطبيعية من إله قادر على كل شيء، فيؤمن به، وينمو الإيمان في قلبه، ويظهر على جوارحه سلوكا وعملا وعطاء، وأما الإنسان الخبيث فهو كالأرض الخبيثة، فهو لا يتأثر بالمشاهد، ولا بالمواعظ. يقول الزمخشري في بيان الغرض من التمثيل: «وهذا مثل لمن ينجع فيه الوعظ والتنبيه

стр. 210

من المكلفين، ولمن لا يؤثر فيه شيء من ذلك» «١٨». وقد يطول تصوير مشهد السحاب والرياح والمطر، مع تجسيم الحالات النفسية المصاحبة له يقول تعالى: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ، فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ الروم: ٤٨ - ٥١. فالصورة هنا ترسم مشهد السحاب منشورا وممدودا، في مساحات واسعة من السماء، ثم ترسمه متجمعا بعضه فوق بعض متراكما، والودق يخرج من خلاله، وأثر هذا المشهد الطبيعي في فرحة النفوس به، واستبشارها بالخير والنماء والرزق، ثم تنتقل الصورة إلى أثر المطر في إحياء الأرض بعد موتها وترتسم صورة الأرض مخضرة بالنبات، على مساحات واسعة، تقابل صورة مشهد السحاب الممدود على مسافات واسعة أيضا، كما تتقابل خطوط الصورة أيضا، في المطر النازل، والنبات الطالع وتتصل خطوط المشهدين في التصوير، اتصال السبب بالمسبب، فتبدو الأرض محتاجة إلى رحمة الله، كما هي بحاجة إلى وحي السماء، فاتصال الأرض بالسماء اتصال مادي ومعنوي، ولا يمكن الاقتصار على أحدهما دون الآخر، فكما هي بحاجة إلى المطر لتحقيق الحياة عليها في نبات الزروع والثمار، كذلك هي بحاجة إلى الوحي، لإرشاد العقول وهدايتها، لتحقيق الخير والحياة السعيدة. وفي نهاية التصوير، دعوة إلى التدبر في هذه المشاهد الطبيعة، لإدراك ما فيها من أدلة عقلية وحسيّة، على إحياء الله الموتى، وهي القضية العقدية، التي نلاحظها في تصوير مشاهد الطبيعة غالبا. ويمتزج الترغيب والترهيب في تصوير الطبيعة، من خلال عرض صورتين متقابلتين للسحاب، وتجسيم حالات النفوس أمام هاتين الصورتين، فالسحاب إما أن يكون مصدر خير ونماء، وإمّا أن يكون مصدر هلاك ودمار، لذلك فالنفوس فرحة بنزول الأمطار، مستبشرة بها، ولكن حين ترى السحاب مصفرّا، فهو نذير عذاب وهلاك، فتبدو النفوس يائسة كافرة، وهكذا تتقابل المشاهد في السياق الواحد، لتحقيق الخوف والرجاء. ويمتد

стр. 211

تصوير مشهد الأمطار، وآثاره في الأرض، في إنبات الزرع، ويتواصل تصوير الأرض مخضرة مع صورة السحاب والأمطار، ضمن نظام العلاقات التصويرية، لبناء رؤية دينية لهذه المشاهد الطبيعية، وتفسيرها على ضوء هذه الرؤية. يقول تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ الحج: ٦٣. ثم تفصّل الصورة خضرة الأرض، مع اختلاف ألوان الزروع والثمار. يقول تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها فاطر: ٢٧. ويعتمد التصوير على الفعل أَلَمْ تَرَ لإحياء المشهد، والبدء في عرضه أمام العيون، ويرتسم مشهد الأرض، مخضرة بعد نزول المطر، وتتنوّع فيها ألوان الزروع والنبات، والثمار، مع أن المصدر واحد، وهو ماء السماء، للتأكيد على قدرة الله في تنويع الآثار، مع وحدة الأصل، وهذا التنويع ملحوظ أيضا في خلق الإنسان من ماء، واختلاف الناس في ألوانهم وأشكالهم، وأحجامهم، كاختلاف الزروع والثمار سواء بسواء. ويضاف إلى الألوان والأنواع في الزروع والثمار، صورة الزوجية لها، من ذكر وأنثى أيضا، يقول تعالى: وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى، كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى طه: ٥٣ - ٥٤، وقوله أيضا: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ الشعراء: ٧ - ٨. وصورة الزوجية في إخراج النبات هي ظاهرة عامة في بقية المخلوقات، تقابلها صورة الوحدانية للخالق ، ووصف الزوج بأنه كريم، فيه إيحاء بتكريم خلق الله، ودلالة على قدرته وآثارها في الكون والحياة والإنسان. وقدرة الله ليست في إخراج النبات زوجيا فحسب، بل تظهر أيضا في تمهيد الأرض، وجعلها صالحة لذلك، يقول الله تعالى: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها، أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها النازعات: ٣٠ - ٣١. فالأرض مدحوة وممهدة لتكون معدة لإخراج المياه من جوفها، وإخراج النبات أيضا. وتصور الأرض قبل نزول المطر، بهامدة مرة، وخاشعة أخرى، ثم ترسم حركتها بعد نزول المطر عليها. يقول تعالى: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ الحج: ٥.

стр. 212

وصورتها هامدة قبل نزول المطر، تتناسق مع السياق الواردة فيه، والذي يتحدث عن الإحياء بعد الموت، فهمود الأرض، كهمود الموتى في القبور، وإخراج الموتى، وإحياؤهم، يتلاءم مع تصوير الأرض هامدة، ثم ترسم حركة الحياة فيها بعد نزول المطر، فيهتز الجسم الهامد لاستقبال الحياة، فينمو فيه النبات، وينبت من كل زوج بهيج. وفي سياق العبادة، صوّرت الأرض خاشعة. يقول الله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً، فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ، إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى، إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فصلت: ٣٩، فجوّ السياق قبلها كله عبادة، وصوّرت هنا ب خاشِعَةً كي تتناسق مع هذا الجوّ. وتربط الصورة بين رزق الإنسان في الأرض، وبين ماء السماء لإشعاره بحاجته إلى الله، وضرورة اللجوء إليه يقول تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ، فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ السجدة: ٢٧. وتفصّل الصورة في طعام الإنسان، من بدايته الأولى، وتهيئة أسبابه، لربط الصورة بوظيفتها الدينية يقول تعالى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ؟ أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا، فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً وَقَضْباً عبس: ٢٤ - ٣٢، ويلاحظ عنصر المبالغة في التعبير، كي يتسق مع عرض نعم الله وفضله على عباده في توفير طعامهم فاستعلمت كلمة «صبّ» بدل أنزل، ثم أكّدها ب (صبا)، وكذلك شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا، وتكرار الألفاظ هنا يفيد إبراز قدرة الله في إنزال المطر بهذه الكثرة، وقدرته في شقّ الأرض، لإخراج النبات بهذه القوة. وبين المطر والنبات، علاقة واتصال، وكذلك بين السماء والأرض، فالأرض في تصوير الطبيعة في القرآن تعرض بحاجة إلى خيرات السماء المادية والمعنوية على حد سواء. ثم يلجأ التصوير إلى عرض مشاهد الطبيعة المترتبة على توفير الماء، وصلاحية الأرض للإنبات، فهناك النبات المختلف الألوان، والأعناب، والقضب أو الخضروات، وكذلك الزيتون والنخيل، والحدائق الضخمة الملتفة الأشجار، وكذلك الفواكه المتعددة الألوان، والمختلفة المذاق والطعوم، وكذلك توفير الطعام للدواب. وتنويع الصور، واختلافها في الأشكال والألوان، والأحجام، والطعوم، معروضة على هذا النحو المفصّل، للتأكيد على وحدة الأصل، الماء والأرض، والتنويع في الآثار والنتائج، وهو ما نجده دائما في تصوير الطبيعة، المتناسقة في ذلك مع صورة الحياة الإنسانية التي ترجع أيضا إلى وحدة الأصل، والتنويع في أشكال

стр. 213

وألوان البشر كما بيّنّا سابقا. والمشاهد الطبيعية المصورة، على الرغم من جمالها، وفائدتها للإنسان، فإنها زائلة، وليست باقية، على طريقة القرآن في تصوير الطبيعة، والتأكيد فيها على فكرة الفناء، حتى لا يتعلق الإنسان بها، وينسى الدار الآخرة الباقية. وهذا ما يوحي به قوله في التعقيب عليها بعد تصويرها مَتاعاً لَكُمْ .... ويتدرّج التصوير الفني في رسم هذه المناظر الطبيعية، في لوحة فنية متناسقة، فيبدأ برسم الصور القريبة مثل الحبّ، ثم العنب، وصورة الحبوب في السنابل ملتفة- ومنسّقة، مثل صورة الأعناب في عناقيدها ملتفة ومنسّقة مع اختلاف في الطعوم والأحجام. ثم الخضروات، تجاورها في السياق، لأنها كلها من ضروريات طعام الإنسان، ثم يرتفع التصوير في رسم الخطوط، فيرسم الزيتون والنخيل، والتجاور بينهما في اللوحة الفنية لأنهما أشجار متناسقة فيما بينها، بما تحمله من زيتون، ورطب. ثم يمتد التصوير في رسم الحدائق الكثيرة الأشجار، الجميلة المناظر، ثم في رسم أشجار الفواكه. ويترك للخيال أن يستحضر أنواعها وأشكالها وطعومها ... فالتصوير الفني البارز في هذه اللوحة الفنية المرسومة للطبيعة، بالخطوط والأشكال والألوان، يحقق غاية فنية في إشباع حاسة الجمال عند الإنسان، وإثبات إعجاز القرآن، من خلال هذا التصوير الأخّاذ المتناسق، ويحقّق أيضا، غاية دينية. في بيان فضل الله على عباده في توفير طعام الإنسان. وتوضيح قدرة الله في خلق الطبيعة المتنوعة بمناظرها، والمرتبطة أيضا بحياة الإنسان، وحركته على الأرض لتوفير احتياجاته. وصورة أخرى للطبيعة، تعرض في القرآن لإثبات قدرة الله، في الخلق والإيجاد، من مصدر واحد، وأشكال متنوعة ولكنها متناسقة ومنظمة. يقول تعالى: وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ الرعد: ٣ - ٤. فهذه اللوحة الفنية المرسومة هنا بأشكالها، وأحجامها، وألوانها، وخطوطها، تظهر

стр. 214

قدرة الله في الخلق من مصدر واحد، ثم التنويع بعد ذلك في المظاهر. فالماء واحد، ولكنه ينبت الزروع والأشجار والثمار، والأرض واحدة، ولكن ما تنبته متنوّع في الثمار والأشجار والزروع، ثم هذا التنوّع في الثمار والزروع والأشجار، مؤلّف من زوجين اثنين، ذكر وأنثى، وبالتلاقح بينهما، يتمّ هذا التنويع والتكثير. ثم الأرض واحدة، ولكنها قد تكون صالحة للزراعة، وغير صالحة أو صالحة لنوع من الزروع والثمار والأشجار والأخرى غير صالحة، وقد تكونان متجاورتين في المكان مع كل هذا الاختلاف في القابلية للزراعة وعدمها. أو قد تكونان متجاورتين، ولكن الاختلاف بينهما في قابلية إحداهما لنوع دون الآخر. ثم هناك الشجرة الواحدة، ولكنها تعطي ثمارا متنوعة كالنخيل والأعناب، وهذا أيضا ينطبق على الحبوب والزروع. حتى في الشجرة الواحدة، والنوع الواحد، والثمر الواحد، نلاحظ فوارق في المذاق والطعوم ونحو ذلك. وهكذا تبرز قدرة الله في هذا التنويع والتكثير، مع وحدة الأصل، كما تبرز في تمهيد الأرض، وتثبيتها بالجبال الراسيات التي هي ذوات ألوان وأشكال، وأحجام، كذلك الأنهار تزيد من جمال اللوحة الفنية المرسومة هنا للدلالة على قدرة الله، وبديع خلقه، لمن يتفكر في ذلك ويتدبّر. وعنصر «الجمال» في الطبيعة يأسر العيون، ويمتع الخيال، ويريح النفس، وهو مقصود في تصويرها أيضا. يقول الله تعالى: أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها ... النمل: ٦٠. فليس المقصود بالتصوير هنا مجرد رسم حركة نزول الأمطار، وإنبات الزروع والثمار فقط، وإنما إنبات الحدائق ذاتَ بَهْجَةٍ الموحية بتأثير جمالها في النفوس أيضا. وهذا ما نراه أيضا في تصوير مشهد آخر أكثر تفصيلا يقول الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً، وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ، وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ الأنعام: ٩٩. فهذه اللوحة الفنية المرسومة للطبيعة بأشكالها وألوانها، وأنواعها وأحجامها، تظهر قدرة الله، وحسن تدبيره وإحكام تنسيقه لهذا الكون البديع.

стр. 215

والتصوير فيه تطويل وتفصيل، وتدرّج في رسم المشهد، لإظهار تناسقه، ومحاسنه من الجهات المتعددة. ضمن نظام العلاقات بين الصور المعروضة، ويبدأ عرض المشهد حيا شاخصا من إنزال المطر من السماء، لشدّ الأنظار إليها، لأنها هي المنبع والمصدر لكل شيء على سطح الأرض، ثم يبدأ استعراض آثار الأمطار في إنبات كل شيء، ويطيل التصوير في رسم حركة نمو النبات، فيبدأ غضّا أخضر، ثم ينمو ويكبر، فتخرج من هذا العود الأخضر السنابل المحمّلة بالحبوب، والحبوب في السنابل متراكبة بعضها فوق بعض بتنسيق وتنظيم، وصورة السنابل، ترتبط بصورة أخرى تجاورها في السياق، وتستدعيها في الخيال وهي صورة عناقيد الرطب في أشجار النخيل، وصورة عناقيد العنب أيضا. فهذه الصور الثلاث. تتجاور في السياق، وتتفاعل في الخيال بما تحمله من حبوب وثمار مصفوفة ومرتبة ترتيبا بديعا، ثم صورة شجرة الزيتون والرمان، تتجاوران في السياق، لأن شجرتهما متشابهة في الشكل والأوراق ولكنهما لا تتشابهان في الثمار والطعوم. وفي نهاية تصوير هذه المشاهد. تأتي الدعوة إلى تأملها، والتفكّر في هذه الثمار المصورة من وقت خروجها ونموها، إلى نضجها وإثمارها، وانتقال صورها من شكل لآخر، حسب مراحل نموها، وتغيّر ألوانها وأشكالها وحجومها وطعومها، ثم صورة الثمار فيها في النهاية مرسومة بأشكالها المتناسقة وهيئاتها الخاصة مثل صورة السنابل وعناقيد العنب، وعناقيد الرطب، وتوضع الأشكال المتشابهة في أنساق متجاورة، فتراكم الحبوب في السنابل مثل تراكم الحبوب في عناقيد العنب، وتراكم عناقيد الرطب، كما تتجاور أشجار الزيتون والرمان، وهكذا تتجاور الصور المتشابهة في أنساق التعبير والتصوير، مع اختلاف في مذاقها وطعومها. فالتركيز في تصوير هذا المشهد، على دقة التناسق والتنظيم في خلق الطبيعة، للدلالة على الله الخالق القادر على كل شيء. ويقترن تصوير الحدائق والأشجار في القرآن، بتصوير الينابيع والأنهار الجارية فيها، كي تكتمل اللوحة الفنية للطبيعة المرسومة، يقول تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ، وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ يس: ٣٣ - ٣٤.
следующие страницы →