تصوير مشهد الأمطار، وآثاره في الأرض، في إنبات الزرع، ويتواصل تصوير الأرض مخضرة مع صورة السحاب والأمطار، ضمن نظام العلاقات التصويرية، لبناء رؤية دينية لهذه المشاهد الطبيعية، وتفسيرها على ضوء هذه الرؤية. يقول تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ الحج: ٦٣.
ثم تفصّل الصورة خضرة الأرض، مع اختلاف ألوان الزروع والثمار. يقول تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها فاطر: ٢٧.
ويعتمد التصوير على الفعل أَلَمْ تَرَ لإحياء المشهد، والبدء في عرضه أمام العيون، ويرتسم مشهد الأرض، مخضرة بعد نزول المطر، وتتنوّع فيها ألوان الزروع والنبات،
والثمار، مع أن المصدر واحد، وهو ماء السماء، للتأكيد على قدرة الله في تنويع الآثار، مع وحدة الأصل، وهذا التنويع ملحوظ أيضا في خلق الإنسان من ماء، واختلاف الناس في ألوانهم وأشكالهم، وأحجامهم، كاختلاف الزروع والثمار سواء بسواء.
ويضاف إلى الألوان والأنواع في الزروع والثمار، صورة الزوجية لها، من ذكر وأنثى أيضا، يقول تعالى: وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى، كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى طه: ٥٣ - ٥٤، وقوله أيضا: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ الشعراء: ٧ - ٨.
وصورة الزوجية في إخراج النبات هي ظاهرة عامة في بقية المخلوقات، تقابلها صورة الوحدانية للخالق ، ووصف الزوج بأنه كريم، فيه إيحاء بتكريم خلق الله، ودلالة على قدرته وآثارها في الكون والحياة والإنسان.
وقدرة الله ليست في إخراج النبات زوجيا فحسب، بل تظهر أيضا في تمهيد الأرض، وجعلها صالحة لذلك، يقول الله تعالى: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها، أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها النازعات: ٣٠ - ٣١.
فالأرض مدحوة وممهدة لتكون معدة لإخراج المياه من جوفها، وإخراج النبات أيضا.
وتصور الأرض قبل نزول المطر، بهامدة مرة، وخاشعة أخرى، ثم ترسم حركتها بعد نزول المطر عليها. يقول تعالى: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ الحج: ٥.
стр. 212
وصورتها هامدة قبل نزول المطر، تتناسق مع السياق الواردة فيه، والذي يتحدث عن الإحياء بعد الموت، فهمود الأرض، كهمود الموتى في القبور، وإخراج الموتى، وإحياؤهم، يتلاءم مع تصوير الأرض هامدة، ثم ترسم حركة الحياة فيها بعد نزول المطر، فيهتز الجسم الهامد لاستقبال الحياة، فينمو فيه النبات، وينبت من كل زوج بهيج. وفي سياق العبادة، صوّرت الأرض خاشعة. يقول الله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً، فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ، إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى، إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فصلت: ٣٩، فجوّ السياق قبلها كله عبادة، وصوّرت هنا ب خاشِعَةً كي تتناسق مع هذا الجوّ.
وتربط الصورة بين رزق الإنسان في الأرض، وبين ماء السماء لإشعاره بحاجته إلى الله، وضرورة اللجوء إليه يقول تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ، فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ السجدة: ٢٧.
وتفصّل الصورة في طعام الإنسان، من بدايته الأولى، وتهيئة أسبابه، لربط الصورة بوظيفتها الدينية يقول تعالى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ؟ أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا، فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً وَقَضْباً عبس: ٢٤ - ٣٢، ويلاحظ عنصر المبالغة في التعبير، كي يتسق مع عرض نعم الله وفضله على عباده في توفير طعامهم فاستعلمت كلمة «صبّ» بدل أنزل، ثم أكّدها ب (صبا)، وكذلك شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا، وتكرار الألفاظ هنا يفيد إبراز قدرة الله في إنزال المطر بهذه الكثرة، وقدرته في شقّ الأرض، لإخراج النبات بهذه القوة. وبين المطر والنبات، علاقة واتصال، وكذلك بين السماء والأرض، فالأرض في تصوير الطبيعة في القرآن تعرض بحاجة إلى خيرات السماء المادية والمعنوية على حد سواء.
ثم يلجأ التصوير إلى عرض مشاهد الطبيعة المترتبة على توفير الماء، وصلاحية الأرض للإنبات، فهناك النبات المختلف الألوان، والأعناب، والقضب أو الخضروات، وكذلك الزيتون والنخيل، والحدائق الضخمة الملتفة الأشجار، وكذلك الفواكه المتعددة الألوان، والمختلفة المذاق والطعوم، وكذلك توفير الطعام للدواب. وتنويع الصور، واختلافها في الأشكال والألوان، والأحجام، والطعوم، معروضة على هذا النحو المفصّل، للتأكيد على وحدة الأصل، الماء والأرض، والتنويع في الآثار والنتائج، وهو ما نجده دائما في تصوير الطبيعة، المتناسقة في ذلك مع صورة الحياة الإنسانية التي ترجع أيضا إلى وحدة الأصل، والتنويع في أشكال
стр. 213
وألوان البشر كما بيّنّا سابقا.
والمشاهد الطبيعية المصورة، على الرغم من جمالها، وفائدتها للإنسان، فإنها زائلة، وليست باقية، على طريقة القرآن في تصوير الطبيعة، والتأكيد فيها على فكرة الفناء، حتى لا يتعلق الإنسان بها، وينسى الدار الآخرة الباقية. وهذا ما يوحي به قوله في التعقيب عليها بعد تصويرها مَتاعاً لَكُمْ ....
ويتدرّج التصوير الفني في رسم هذه المناظر الطبيعية، في لوحة فنية متناسقة، فيبدأ برسم الصور القريبة مثل الحبّ، ثم العنب، وصورة الحبوب في السنابل ملتفة- ومنسّقة، مثل صورة الأعناب في عناقيدها ملتفة ومنسّقة مع اختلاف في الطعوم والأحجام. ثم الخضروات، تجاورها في السياق، لأنها كلها من ضروريات طعام الإنسان، ثم يرتفع التصوير في رسم الخطوط، فيرسم الزيتون والنخيل، والتجاور بينهما في اللوحة الفنية لأنهما أشجار متناسقة فيما بينها، بما تحمله من زيتون، ورطب. ثم يمتد التصوير في رسم الحدائق الكثيرة الأشجار، الجميلة المناظر، ثم في رسم أشجار الفواكه. ويترك للخيال أن يستحضر أنواعها وأشكالها وطعومها ...
فالتصوير الفني البارز في هذه اللوحة الفنية المرسومة للطبيعة، بالخطوط والأشكال والألوان، يحقق غاية فنية في إشباع حاسة الجمال عند الإنسان، وإثبات إعجاز القرآن، من خلال هذا التصوير الأخّاذ المتناسق، ويحقّق أيضا، غاية دينية. في بيان فضل الله على عباده في توفير طعام الإنسان. وتوضيح قدرة الله في خلق الطبيعة المتنوعة بمناظرها، والمرتبطة أيضا بحياة الإنسان، وحركته على الأرض لتوفير احتياجاته.
وصورة أخرى للطبيعة، تعرض في القرآن لإثبات قدرة الله، في الخلق والإيجاد، من مصدر واحد، وأشكال متنوعة ولكنها متناسقة ومنظمة. يقول تعالى: وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ الرعد: ٣ - ٤.
فهذه اللوحة الفنية المرسومة هنا بأشكالها، وأحجامها، وألوانها، وخطوطها، تظهر
стр. 214
قدرة الله في الخلق من مصدر واحد، ثم التنويع بعد ذلك في المظاهر. فالماء واحد، ولكنه ينبت الزروع والأشجار والثمار، والأرض واحدة، ولكن ما تنبته متنوّع في الثمار والأشجار والزروع، ثم هذا التنوّع في الثمار والزروع والأشجار، مؤلّف من زوجين اثنين، ذكر وأنثى، وبالتلاقح بينهما، يتمّ هذا التنويع والتكثير.
ثم الأرض واحدة، ولكنها قد تكون صالحة للزراعة، وغير صالحة أو صالحة لنوع من الزروع والثمار والأشجار والأخرى غير صالحة، وقد تكونان متجاورتين في المكان مع كل هذا الاختلاف في القابلية للزراعة وعدمها. أو قد تكونان متجاورتين، ولكن الاختلاف بينهما في قابلية إحداهما لنوع دون الآخر.
ثم هناك الشجرة الواحدة، ولكنها تعطي ثمارا متنوعة كالنخيل والأعناب، وهذا أيضا ينطبق على الحبوب والزروع. حتى في الشجرة الواحدة، والنوع الواحد، والثمر الواحد، نلاحظ فوارق في المذاق والطعوم ونحو ذلك. وهكذا تبرز قدرة الله في هذا التنويع والتكثير، مع وحدة الأصل، كما تبرز في تمهيد الأرض، وتثبيتها بالجبال الراسيات التي هي ذوات ألوان وأشكال، وأحجام، كذلك الأنهار تزيد من جمال اللوحة الفنية المرسومة هنا للدلالة على قدرة الله، وبديع خلقه، لمن يتفكر في ذلك ويتدبّر.
وعنصر «الجمال» في الطبيعة يأسر العيون، ويمتع الخيال، ويريح النفس، وهو مقصود في تصويرها أيضا. يقول الله تعالى: أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها ... النمل: ٦٠.
فليس المقصود بالتصوير هنا مجرد رسم حركة نزول الأمطار، وإنبات الزروع والثمار فقط، وإنما إنبات الحدائق ذاتَ بَهْجَةٍ الموحية بتأثير جمالها في النفوس أيضا.
وهذا ما نراه أيضا في تصوير مشهد آخر أكثر تفصيلا يقول الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً، وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ، وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ الأنعام: ٩٩.
فهذه اللوحة الفنية المرسومة للطبيعة بأشكالها وألوانها، وأنواعها وأحجامها، تظهر قدرة الله، وحسن تدبيره وإحكام تنسيقه لهذا الكون البديع.
стр. 215
والتصوير فيه تطويل وتفصيل، وتدرّج في رسم المشهد، لإظهار تناسقه، ومحاسنه من الجهات المتعددة. ضمن نظام العلاقات بين الصور المعروضة، ويبدأ عرض المشهد حيا شاخصا من إنزال المطر من السماء، لشدّ الأنظار إليها، لأنها هي المنبع والمصدر لكل شيء على سطح الأرض، ثم يبدأ استعراض آثار الأمطار في إنبات كل شيء، ويطيل التصوير في رسم حركة نمو النبات، فيبدأ غضّا أخضر، ثم ينمو ويكبر، فتخرج من هذا العود الأخضر السنابل المحمّلة بالحبوب، والحبوب في السنابل متراكبة بعضها فوق بعض بتنسيق وتنظيم، وصورة السنابل، ترتبط بصورة أخرى تجاورها في السياق، وتستدعيها في الخيال وهي صورة عناقيد الرطب في أشجار النخيل، وصورة عناقيد العنب أيضا.
فهذه الصور الثلاث. تتجاور في السياق، وتتفاعل في الخيال بما تحمله من حبوب وثمار مصفوفة ومرتبة ترتيبا بديعا، ثم صورة شجرة الزيتون والرمان، تتجاوران في السياق، لأن شجرتهما متشابهة في الشكل والأوراق ولكنهما لا تتشابهان في الثمار والطعوم.
وفي نهاية تصوير هذه المشاهد. تأتي الدعوة إلى تأملها، والتفكّر في هذه الثمار المصورة من وقت خروجها ونموها، إلى نضجها وإثمارها، وانتقال صورها من شكل لآخر، حسب مراحل نموها، وتغيّر ألوانها وأشكالها وحجومها وطعومها، ثم صورة الثمار فيها في النهاية مرسومة بأشكالها المتناسقة وهيئاتها الخاصة مثل صورة السنابل وعناقيد العنب، وعناقيد الرطب، وتوضع الأشكال المتشابهة في أنساق متجاورة، فتراكم الحبوب في السنابل مثل تراكم الحبوب في عناقيد العنب، وتراكم عناقيد الرطب، كما تتجاور أشجار الزيتون والرمان، وهكذا تتجاور الصور المتشابهة في أنساق التعبير والتصوير، مع اختلاف في مذاقها وطعومها.
فالتركيز في تصوير هذا المشهد، على دقة التناسق والتنظيم في خلق الطبيعة، للدلالة على الله الخالق القادر على كل شيء.
ويقترن تصوير الحدائق والأشجار في القرآن، بتصوير الينابيع والأنهار الجارية فيها، كي تكتمل اللوحة الفنية للطبيعة المرسومة، يقول تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ، وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ يس: ٣٣ - ٣٤.
стр. 216
وصورة الينابيع جميلة ومألوفة، وعرضها جاء ضمن المشاهد الطبيعية الأخرى. لمحاكاة الطبيعة وبيان ما فيها من جمال، وإظهار المعاني الدينية من خلالها.
ويتدرّج التصوير في رسم المشهد من الأرض الميتة، إلى الأرض الحيّة، ثم يبدأ عرض مظاهر الحياة في الأرض. والتقابل بين الصورتين للأرض، يبرز الفوارق بين الحالتين، ويعمق فكرة الحياة والموت في ذهن الإنسان كي يكون مهيأ لقبول البعث بعد الموت، وهذا ما نلاحظه في تصوير مشاهد الأمطار النازلة على الأرض، ومشاهد
النبات الطالع منها غالبا.
ويتابع تصوير الطبيعة، مشهد الينابيع الجارية وسط الزروع، وما فيها من جمال ودلالة على القدرة الإلهية أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ الزمر: ٢١.
ويمتزج في التصوير الغرض الفني بالغرض الديني، والصورة للطبيعة بالصورة الإنسانية، فالسماء هي أصل الخير والحياة على ظهر الأرض، فالماء النازل منها، هو مصدر تلك الحياة، فيجري الماء النازل، على شكل ينابيع، يسقي بذور الأرض، فتنمو، وتخرج النبات المتعدد الألوان، ثم ينمو هذا النبات ويكبر، ويتحوّل من صورة إلى أخرى، تماما كمراحل نمو الإنسان، حتى يصل إلى نهايته في الهلاك والزوال، فيتم بذلك تلاحم المشاهد الطبيعية بمراحل نموها المختلفة ونهايتها الفانية، مع المشاهد الإنسانية في مراحلها ونهايتها أيضا، للتأكيد على فناء المخلوقات، وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ الرحمن: ٢٧.
وهذا الماء أيضا، كما صوّر جاريا في المشهد السابق، يصوّر ساكنا في جوف الأرض، وهذا منتهى الدقة في تصوير العلاقات بين الصور وامتداداتها في أنساق التعبير القرآني.
يقول تعالى: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ، فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ، وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ، فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ، وَمِنْها تَأْكُلُونَ، وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ المؤمنون: ١٨ - ٢٠.
فالماء ينزل من السماء، فيسكن في الأرض، ويستقر حتى يتمّ الانتفاع به في الشرب والسقاية، وترتبط به صور النبات والأشجار بأنواعها، وهذه صورة مألوفة في الحياة،
стр. 217
ولكنّ القرآن يعرض صورة تخييلية، تقابل الصورة المألوفة، للفت انتباه الإنسان إلى فضل الله عليه، وهي صورة الماء الغائر في الأعماق وما يترتب على ذلك، من هلاك زرع الإنسان وطعامه بل حياته أيضا.
وهذه صورة مخيفة، تعرض في السياق للتهديد والتخويف، فالله هو الذي جاء بالماء، وهو القادر على الذهاب به، ولكنّ رحمة الله بعباده، جعلت الماء متجمّعا في جوف الأرض للاستفادة منه.
ويتضافر التعبير مع التصوير في إبراز هذه الرحمة بالعباد، فالماء ينزل بقدر من السماء، ولو أنزل كلّه لحدث الدمار والهلاك للإنسان وزرعه، ولكن يد الله تمسك بمياه السماء، فلا تنزل منها إلا بقدر معلوم حتى تتم الحياة والفائدة منها. ولفظ (بقدر) يوحي بالتهديد، ويثير مخيّلة الإنسان لاستحضار صورة إطلاق ماء السماء بلا مقدار لتدمير قوم نوح. وهي صورة مستدعاة من القصص التاريخي، كي يتم الترابط والتواصل بين الصور القرآنية، لتحقيق الغرض الديني من التصوير.
ويتنوّع تصوير مشاهد المياه، فماء البحر، وماء النهر، يتشابهان من حيث الشكل، ويختلفان من حيث الطعم وتبرز قدرة الله في تسخيرهما، وتنويعهما، وفي حركة السفن الطافية فوقهما، يقول الله تعالى: وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ، لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ فاطر: ١٢.
ويلاحظ الإلحاح على فكرة التنويع مع أن الأصل واحد، فماء البحر والنهر، واحد في الشكل، ولكنه متنوّع في الطعوم بين حلو ومالح، والأسماك أيضا متنوعة في أشكالها وألوانها وطعومها مع أن أصلها واحد، وكذلك الحلي المستخرجة من أعماق البحار.
وتلمس الصورة فارقا جوهريا بين البحر والنهر، يرجع إلى اختلاف كامن في خواصهما، وتمثّل هذا الاختلاف في الخواص في مشهد منظور للبحر والنهر، فيصب النهر، في مياه البحر، ولكن الماء العذب لا يمتزج بالماء المالح في البحار، فيبقى الحاجز بينهما، لا يسمح لأحدهما بالامتزاج بالآخر، يقول تعالى: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ، بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ، يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ، وَلَهُ الْجَوارِ
стр. 218
الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ ... الرحمن: ١٩ - ٢٤.
ويقول أيضا: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ، هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً الفرقان: ٥٣.
ويكتمل تصوير مشهد البحار، بمشهد السفن والبواخر الجارية فوقها، بما تحمله من أثقال وأحمال ومشهد آخر ملتقط من أعماقها وهو مشهد اللؤلؤ والمرجان والجواهر الثمينة.
ويتّضح من خلال هذا التصوير الفني، تسخير هذه البحار للإنسان بقدرة الله ، وأحيانا تلجأ الصورة إلى تجميد مشهد السفن والبواخر على ظهر البحر، على سبيل التخييل، لإظهار قوانين الله المبثوثة في البحار، وفضل الله على الإنسان، يقول الله تعالى في ذلك: وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ، إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ، فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ، أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ الشورى: ٣٢ - ٣٤.
فالصورة هنا تبدأ برسم حركة السفن وهي جارية بأحمالها الثقال كالجبال، بتدبير الله وتسخيره، كما ترسمها في حالة متخيلة، وهي جامدة ثابتة في المشهد، لا تتحرك من مكانها، بعد توقيف الله لقوانينه، في تسييرها بدفع الرياح لها، أو بحسب قانون الطفو. في البحار، فتسقط محطمة، غارقة في أعماق البحار بسبب ذنوب ركابها.
وفي هذا التصوير نلاحظ الحركة الأفقية للسفن، وهي الصورة المألوفة، ثم سكون الحركة وتجميدها كي تنطبع صورة قوانين الله من خلال تجميد الحركة في المشهد، ثم تتبعها حركة معاكسة في أعماق البحار للسفن وهي غارقة بركابها، لتحقيق الأثر النفسي من التصوير، مما هو مشاهد أحيانا من غرق السفن، وإغراق الركاب جميعا.
ثم ننتقل من تصوير مشاهد الطبيعة الصامتة في السماء والأرض والجبال والبحار والأنهار والنباتات، والثمار والأشجار وغير ذلك وما رأينا فيها من دلالة على قدرة الله، وبديع صنعه، إلى تصوير مشاهد الطبيعة الصائتة وما فيها من المخلوقات العجيبة في أشكالها وألوانها، وأحجامها ... حتى يكتمل تصوير الطبيعة بمشاهدها الصامتة والصائتة معا، لبيان قدرة الله في الخلق والإبداع، وتحقيق الوظيفة الدينية من التصوير. فمخلوقات الله
стр. 219
في الكون متنوعة، فمنها الزواحف، والدواب، والطيور ... إلخ.
قال تعالى في تصوير هذا التنويع في الخلق: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ النور: ٤٥.
فالصورة هنا تؤكد على الأصل الواحد من ماء، ثم التنوّع بعد ذلك في الأشكال والأحجام والألوان والأنواع، كي تظهر قدرة الله في تنويع الأصل الواحد، دلالة على المشيئة الإلهية، وتدبير الله وإحكام صنعه وإتقانه، ونفي فكرة المصادفة العابرة التي لا تتوافق مع هذا التنويع والتنسيق في مخلوقات الله، وهذا التقدير والتدبير لها.
وفكرة التنويع من الأصل الواحد، تكاد تكون ظاهرة عامة في تصوير مشاهد الطبيعة، للتأكيد على عظمة الله وقدرته.
ثم تعرض الصورة لنا، فوائد بعض هذه المخلوقات، مثل الأنعام، التي يستفيد الإنسان من لحومها وألبانها وأصوافها، كما أنها تتخذ أيضا وسائل ركوب، في البر، إلى جانب السفن في البحر: يقول الله تعالى: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ، وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ المؤمنون: ٢١ - ٢٢.
ولها منافع معنوية أيضا إلى جانب المنافع المادية يقول تعالى: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ، وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ، وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ، وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ النحل: ٥ - ٨.
فالصورة تعرض للمنافع المادية للأنعام، كما تعرض الفائدة الجمالية فيها أيضا، وتصوير المنافع بنوعيها، يلبي حاجات الإنسان الضرورية والفنية أو الجمالية معا، وربط الجمال، بالحاجة الضرورية للإنسان يجعله أيضا ضروريا في الحياة، ومقصودا فيها، لأنه يلبي حاجة فطرية في الإنسان.
فالجمال مرسوم في صورة الأنعام في منظرين جميلين، منظرها وهي متآلفة متجمعة في مكان وأمان، ومنظرها وهي ترعى في حركة وسعي ونشاط.
ومشهد القطعان من المشاهد المثيرة للخيال، والمحببة للنفس، فالخيال يتابع حركة
стр. 220
القطيع بأشكاله وألوانه، وأحجامه في حركة وانقياد للراعي، عبر مساحات من الطبيعة زاهية هي أيضا بألوان الزروع والثمار والأشجار، فيكتمل جمال تصوير الطبيعة، بتصوير هذه القطعان، لأنها مشاهد مترابطة في الطبيعة، كما هي مترابطة في التصوير.
كذلك هناك الخيل والبغال والحمير مستعملة للركوب والزينة أيضا، فعنصر الجمال مقصود في تصوير الطبيعة، إلى جانب تصوير الضروريات للإنسان. «وهذه اللفتة، لها قيمتها في بيان نظرة القرآن، ونظرة الإسلام للحياة، فالجمال، عنصر أصيل في هذه النظرة، وليست النعمة هي مجرد تلبية الضرورات من طعام وشراب وركوب بل تلبية الأشواق الزائدة على الضرورات، تلبية حاسة الجمال، ووجدان الفرح والشعور الإنساني المرتفع على ميل الحيوان وحاجة الحيوان» «١٩».
ولا تتوقف الصورة عند إمتاع العين من المناظر الحسية المعروضة بل تطلق الخيال كي يتصور مخلوقات لم تذكر هنا، ولكن أشير إليها بقوله وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ فتتحقق متعة الخيال من التصوير، كما تحققت متعة العين من تأمل المناظر الحسية المعروضة.
وترسم هذه المشاهد بألوانها المختلفة، للتأكيد على عنصر الجمال من ناحية، والقدرة الإلهية المبدعة من ناحية أخرى يقول الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ فاطر: ٢٨.
وتصوير هذه المشاهد بألوانها، يترابط مع تصوير مشاهد الثمار بألوانها، والجبال بألوانها أيضا. كما تقدم سابقا.
وهذه المشاهد على الأرض، يقابلها مشهد الطيور تسبح في السماء في أسراب، أو فرادى، بألوانها الجذّابة، وحركتها المنتظمة، وهي تبسط أجنحتها بخفة ورشاقة، وتقبضهما كذلك.
يقول الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ الملك: ١٩.
وهذا المشهد للطير مشهد ممتع للأبصار حين تتملاه، وتتابعه فوقها في السماء، ومثير للخيال الذي يستحضر أشكالها وألوانها وأعدادها في حالة الطيران، وهي تبسط أجنحتها، وتقبضها بخفة دون أن تسقط، لأن الله سبحانه، يمسكها بقدرته التي وفّرت لها السنن
стр. 221
الكونية المساعدة لها على التحليق في السماء.
هذه الطيور، وسائر الحيوانات الأخرى، عوالم وأمم، لها عاداتها ومجتمعاتها، ولغاتها، وخصائصها وقوانينها الخاصة بها، مما يدلّ على قدرة الله، في التنويع في مخلوقاته.
يقول تعالى في الإشارة إلى ذلك وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ الأنعام: ٣٨.
وكلّ هذه العوالم أو المشاهد الطبيعية الصامتة والصائتة، تسبّح لله في مشهد كوني خاشع، يقول الله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ الحج: ١٨.
وهذه صورة ضخمة، توحي بالخضوع والعبودية لهذه المخلوقات لخالقها، فهو الذي وضع لها سننها لتسير عليها، وتخضع لها، وترسم الصورة مساحات واسعة لإطارها الممتد في السماوات والأرض، لتطبع في خيال الإنسان هذه المساحة الضخمة الممتدة لهذه المشاهد الصامتة والصائتة للطبيعة، وكلّها في حالة خشوع وتسبيح للخالق سبحانه، ويبرز بعض الناس خارجين عن إطار الصورة، حين لا ينقادون لله، فيظهرون شاذين في هذا الكون العريض، بين هذه المخلوقات الهائلة. وتجمع الصورة في داخل الإطار المنظور وغير المنظور، لإثبات عبودية الكون بما فيه لله .
وأحيانا تكشف لنا الصورة شيئا من عالم الطير، وتعرض على لسان «الهدهد» مثلا حقائق العقيدة الصحيحة، بعد أن قام بجولة استطلاعية، فاكتشف قوما يسجدون للشمس، ولا يسجدون لله، يقول الله تعالى على لسان الهدهد، وهو في حضرة سليمان: وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ ... النمل: ٢٤.
كما أن الصورة تلتقط لنا هذه اللقطة من عالم النمل العجيب في دابة وعمله وحركته ضمن مجموعات متعاونة، يقول الله تعالى على لسان النملة تخاطب مجتمع النمل: يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ، فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ النمل: ١٨ - ١٩.
فهذه الصور لعوالم النمل والطيور وغيرها، وما فيها من تجمعات، ولغات للتفاهم بينها،
стр. 222
تظهر عجائب قدرة الله في مخلوقاته، وتلفت انتباه الإنسان إلى أنه ليس وحده في هذا الكون، فهناك مخلوقات غيره، يراها ولها خصائصها وتجمعاتها ولغاتها، وكلها منقادة لله، وطائعة له.
فهناك أيضا عالم النحل العجيب، في نظامه وخضوعه، وإنتاجه للشراب اللذيذ على الرغم من جسمه الهزيل. يقول تعالى: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ، ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ النحل: ٦٨ - ٦٩.
وقد تعتمد الصورة على مشاهد الطبيعة في ضرب الأمثال ضرب المثل بالذباب على عجز الإنسان وبالكلب اللاهث، على الإنسان الذي يضيق بحمل الأمانة، فيلهث حين يلتزم بها، ويلهث أيضا حين ينسلخ منها، كما تقدم معنا في فصل (الأمثال القرآنية).
وهناك إشارة إلى الجراد والقمّل في سياق تعذيب بعض الأمم الماضية بهما. كما أنّ بعض أسماء السور القرآنية مستمدة من الطبيعة المرئية مثل البقرة، والأنعام، والنمل، والنحل، والعنكبوت، ﵉ والفيل. وهذه الأسماء تستدعي صورها الذهنية بمجرد ذكرها والنطق بها.
وهكذا رأينا حشدا من المشاهد الطبيعية الصامتة والصائتة في هذا الفصل، وكلّها معروضة للدلالة على الألوهية، والوحدانية، وآثار الربوبية في الكون والحياة والإنسان.
كما أن المشاهد المصورة، مترابطة ومتفاعلة في تحقيق الغرض الديني، فالسماء فيها النجوم، والقمر، والشمس، والكواكب، وتتناسق هذه المشاهد فيما بينها في السياق القرآني، وتعرض ضمن نظام العلاقات بين الصور كما رأينا في ترابط صورة الشمس والقمر، ثم مشاهد الأرض، وما فيها من نبات وزروع وثمار وأشجار مترابطة ومتناسقة، ومشاهد الأرض مرتبطة بغيث السماء دائما فكما أنها بحاجة إلى السماء ماديا، لقيام الحياة عليها، كذلك هي بحاجة إلى وحي السماء، معنويا ...
وهكذا تتناسق المشاهد فيما بينها، وتترابط ضمن نظام العلاقات التصويرية والتعبيرية والفكرية لأداء الحقائق الدينية.
стр. 223
الفصل الرابع الحوادث الواقعيّة
رأينا في الفصول السابقة كيف انتقلت الصورة بالمتلقّي، من المعاني الذهنية الجزئية إلى صورة أكبر، في ضرب الأمثال، لتوضيح الحقائق الدينية الأساسية، ثم انتقلت إلى الصورة المحسوسة، في مشاهد الطبيعة، لتوظيف الإدراك الحسي، في معرفة ما وراء المشاهد المحسوسة، من قدرة إلهية، تجلّت في تصميم الكون وإبداعه، وتنسيق أجزائه.
ثم تنتقل الصورة أيضا من المشاهد المنظورة، إلى الوقائع المعاشة وقت نزول القرآن الكريم، فتقوم بنقل الحدث، وتصويره، واستجاشة المشاعر نحوه، كي يبقى الحدث حيّا شاخصا، بكل ما صاحبه من مشاعر أو عواطف، وتوجيهات دينية.
ولكنّ الصورة لا تعرض الحدث عرضا تاريخيا بتفصيلاته، وإنما تصوّره من خلال التركيز على نقطة فيه، لإبرازها، وإلقاء الأضواء عليها، لاستخلاص القيم الدينية الثابتة من خلالها، وإظهار قدرة الله، وحضوره، في تسيير الأحداث، وفق مشيئته وإرادته، مع إغفال الزمان والمكان وأسماء الأشخاص، لإضفاء سمة الشمول والعموم على تصوير الأحداث والوقائع، حتى تبقى صورة الأحداث حية ومؤثرة، يتفاعل معها المسلم ويستجيب للتوجيهات الدينية الواردة في ثناياها. في كل زمان ومكان.
فالصورة، أعادت الأحداث والوقائع على الذين عاشوها، كي تكون وسيلة تربوية لهم من خلال الأحداث، والتوجيهات الدينية، التي رافقت تصويرها، كما أن الناس الذين لم يعايشوا تلك الأحداث، يستطيعون أن يعيشوا أجواءها، بكل ما فيها من معان ومشاعر وإيحاءات من خلال التصوير لها.
стр. 224
فنحن نرى «معركة بدر» مصورة من بداية خروج الرسول ﷺ مع أصحابه لمواجهة المشركين، مع تجسيم حالات النفوس المتباينة في ساعة الخروج، يقول الله تعالى: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ، يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ الأنفال: ٥ - ٦.
وتبدأ الصورة بعرض مشهد الخروج حيا شاخصا، بكل ما صاحبه من مشاعر، وكلمة مِنْ بَيْتِكَ توحي بالتجرد لله سبحانه، وترك الدنيا وراء الظهور، كما أنها ترسم مشهد الخروج من نقطة البداية، لاستحضار المشهد بكل إيحاءاته. ويشترك التعبير مع التصوير في إبراز الحقائق الدينية، فنحن نحس أن الآمر بالخروج هو الله، وهذا ما يؤكده إسناد فعل الخروج إلى الله كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ وفي هذا الإسناد دلالة على تسيير الله للأحداث وفق مشيئته، كما أن هذا الخروج هو لله سبحانه.
فهو الآمر به، وتزيد كلمة «الحق» من توضيح غاية الخروج، وبذلك يتّحد في الصورة الحسي والمعنوي فالخروج حسي، والحق معنوي، وتستمر الصورة بعنصريها الحسي والمعنوي في رسم مشهد الخروج لمواجهة المشركين. ثم تجسّم الصورة الحالة النفسية الخائفة لبعض المسلمين في ساعة الخروج، والنفس بطبيعتها تكره الحرب وتنفر منها، وذلك في قوله وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ. وهذه الصورة ترسم حركة بعض المسلمين الحسية والنفسية معا، فهم يساقون سوقا للخروج، ونفوسهم كارهة له.
وهذا التصوير يتسم بالصدق والواقعية، فالنفس تخاف من لمواجهة والحرب، ولكن صاحب العقيدة يتغلب على هذا الشعور.
ويرسم الفعل المضارع حركتهم يُساقُونَ ببنائه للمجهول للتركيز عليهم في التصوير، وهم يتحركون مجبرين مسوقين في المشهد المعروض، ثم راح التصوير يرسم ملامح الوجوه المعبّرة عن يأس النفوس إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ فهم يائسون من نتيجة المعركة، ويرون موتهم فيها، وقد جسّم الشعور اليائس، في نظراتهم الزائغة الدالة على خوفهم واضطرابهم.
فالصورة للحدث، تلمس الجانب الحسي، والجانب النفسي معا، لتحقيق الغرض الديني من التصوير، ثم تجسّم أيضا رغبات النفوس في قوله وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ الأنفال: ٧.
стр. 225
فقد كانوا يتمنون العير، وليس النفير للقتال، لأن العير ليس في ملاقاتها شدة أو ابتلاء، على عكس النفير ذي الشوكة والحدة والقوة، فالصورة هنا تجسّم الفارق بين الإرادتين، ولكن الله كان يريد شيئا آخر، يريد أن يضرب قوة قريش المتغطرسة بهذه الفئة المؤمنة الضعيفة، ليكسر شوكة قريش، ويحدّ من معارضتها لهذا الدين، يقول تعالى: وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ، وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ الأنفال: ٧، والتصوير بقطع الدابر، يوحي بالاستئصال الكامل للكافرين، ويلاحظ في الصورة التركيز على قوة الله في الحدث، فالله هو الذي أخرج قريشا من مكة، وأخرج الرسول ﷺ من بيته مع أصحابه، وساق بعض المؤمنين سوقا إلى المواجهة، وهم كارهون لها، فتجمع الفريقان، في ساحة المعركة وجها لوجه، وتنقل الصورة لنا مواقع الفريقين وكأننا نشاهدها الآن يقول تعالى: إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى، وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ الأنفال: ٤٢.
فالصورة هنا ترسم أرض المعركة بالكلمات، وتحدد موقع كل فريق، وموقع القافلة القريب من أرض المعركة وهذه الصورة هي بمثابة الإطار لها، وفي داخل هذا الإطار المكاني والزماني، وقعت أول معركة في الإسلام. فالمساحات الواسعة مرسومة بإيجاز، والمواقع مصورة من خلال قربها وبعدها من المشاهد العدوة الدنيا- العدوة القصوى- الركب أسفل من جهة البحر.
ويلاحظ أن تصوير المواقع يتمّ من وجهة المسلمين أولا، فالعدوة الدنيا هي موقع المسلمين من جهة المدينة، والعدوة القصوى، تقابلها في الجهة الأخرى وهي موقع الكافرين، أمّا القافلة، فقد كانت تسير هناك بعيدا عن المكان. في الخط الساحلي، وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ.
فالصورة هنا ترسم الأبعاد المكانية الحسية، كما رسمت من قبل الأبعاد النفسية والحسية لحركة المسلمين، ونحسّ بقوة الله، تدير هذه المعركة، فتحرك الفريقين للمواجهة، وتوزعهما في مواقعهما المتقابلة على أرض المعركة، مع تصوير قافلة قريش، تسير بعيدا عن أرض المعركة، لنفي أي شبهة دنيوية عن أهداف المعركة القائمة.
ثم إنّ قوة الله أيضا كانت تقلّل كل فريق في عين الآخر، دفعا له لمواجهته يقول تعالى:
وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ
стр. 226
مَفْعُولًا الأنفال: ٤٤.
فالصورة للمعركة، ترسم بكل ما فيها من مواقع وحركات حسية، ومشاعر نفسية، تتجلى في تقليل كل فريق في عين الآخر، وأثر ذلك في نفسه، وطمعه في لقائه، لإنفاذ قدر الله في إحقاق الحق، وقطع دابر الكافرين.
وتلحّ الصورة على تجسيم مشاعر المسلمين في لحظات المواجهة، بعد أن أيقنوا أنه لا بدّ منها، في مشهد حي شاخص فقد توجّهوا بالدعاء والاستغاثة، يقول تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ الأنفال: ٩، والاستغاثة توحي بشدة إحساسهم بالضعف أمام قوة قريش ذات الشوكة، هذا الإحساس الداخلي نراه مجسّما في مشهد الاستغاثة الجماعي، في ساعة المواجهة، ويعتمد التصوير على الفعل المضارع تَسْتَغِيثُونَ لاستحضار المشهد وإحيائه، وجعله حاضرا محسوسا، ثم عطف عليه بالفعل الماضي إلى الحاضر بقصد تجسيمه أمام المخاطب، وبدء عرض المشهد كما وقع بعد ذلك، وهذه طريقة القرآن التصويرية في إحياء المشاهد قبل استعراضها فقد استجاب الله استغاثتهم، وأمدهم بالملائكة، وصورة هذا المدد غيبيّة، موحية تدل على أن الله معهم، وهو الذي يدير المعركة بنفسه، وما هم إلا ستار لقدر الله النافذ، وكان أثر هذا المدد الغيبي هو تطمين النفوس الخائفة، وتثبيت الأقدام المضطربة في المعركة، مع تصحيح التصور والاعتقاد بأن النصر هو من عند الله وليس من سواه.
ثم تجسّم الصورة اطمئنان النفوس بعد ذلك، في مشهد شاخص يقول تعالى: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ الأنفال: ١١، وصورة النوم الغاشي للعيون، توحي بالاطمئنان بعد الفزع، ثم صورة الغيث الرّهام ينزل عليهم من السماء، توحي بتطهير أجسامهم بعد تطهير نفوسهم يقول تعالى: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ الأنفال: ١١.
فتوفّرت بذلك كل العوامل المعنوية الضرورية قبل مواجهة الأعداء، من شعور بالطمأنينة، والراحة والوعد بالدعم، وتثبيت الأقدام. وتلتقي صورة المطر الهاطل، بصورة المدد النازل، وتتحد الصورتان في دعم موقف المسلمين.
стр. 227
ولفظ يُغَشِّيكُمُ والنُّعاسَ وأَمَنَةً تلقي ظلا لطيفا على الصورة المرسومة للحالة النفسية للمؤمنين، وتضيء التحوّل من الفزع والخوف إلى الطمأنينة والاستقرار، وهذا التقابل بين الصورتين النفسيتين، وما بينهما من تضاد وفروق، يوضح ما يفعله الله في النفوس من تبدلات بين لحظة وأخرى وفق مشيئته سبحانه.
ويقوم الفعل المضارع يُغَشِّيكُمُ بإحياء المشهد، واستحضاره في الذهن، وكذلك فعل يُنَزِّلُ وصورة المطر الحسية، تتلاحم مع صورة الملائكة الغيبية، فتسكن النفوس لتوفّر الدعم المادي، المتمثل بوجود الماء، وتطمئن لوجود الدعم المعنوي، المتمثل في الإمداد بالملائكة، فتكون النتيجة قوة القلوب، وثبات الأقدام، وهما الشرطان الضروريان لتحقيق النصر فيما بعد.
ثم يمضي التصوير للمعركة، بعد تصوير مقدماتها يقول تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ الأنفال: ١٢.
ولا تعرض الصورة ماهية الملائكة، ولا كيفية اشتراكهم في المعركة، لأن هذا لا يهم في بيان الحقائق الدينية، ولا في تقرير النتائج، فالصورة تركّز على قوة الله التي تمدّ بهذه القوة الخفيّة ليشعر الإنسان بقوة الله الملموسة في توجيه الأحداث، وتقرير النتائج.
وتلقي صورة الملائكة في حس المؤمن الخوف من الله، والتقرب إليه، وتطبع في قلوب الكافرين الفزع من هذه القوة الخفية المشاركة في المعركة. لذلك كان تركيز التصوير على فعل الملائكة في ضرب الأعناق، وضرب كل بنان، لأن هذا هو المفيد من تصوير الأحداث.
وبعد عرض هذا المشهد للمعركة يأتي التعقيب عليه، على طريقة القرآن الكريم في التوجيه بعد التصوير لبيان المغزى يقول تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ الأنفال: ١٣.
فضرب الأعناق وضرب البنان، كان بسبب كفرهم، واتخاذهم شقا معاديا لصف الإيمان.
ثم يتحوّل التعبير لمخاطبة الكافرين مباشرة على طريقة الالتفات، للتهكم بهم، والسخرية منهم، يقول تعالى: ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ الأنفال: ١٤.
فالعذاب العاجل صار مذاقا في حلوقهم، يشعرون بآلامه ومرارته، وهو قبل العذاب الآجل، في النار يوم القيامة، ثم يأتي التوجيه من خلال التصوير في سياقه الملائم، فيخاطب
стр. 228
المؤمنين بقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ، وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ الأنفال: ١٥ - ١٦.
وهذه الصورة الحسية في تولية الأدبار من المعركة، صورة كريهة منفّرة، يقصد بها التحذير والترذيل، وقد وردت بعد تصوير الحدث للمعركة، لينقل المسلمين من الواقعة المحدودة إلى الفكرة الدائمة في أثناء ملاقاة العدو.
ويحذّر المسلمين من الرياء، ويذكّرهم بمشاهد من معركة بدر، يقول تعالى: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ، وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا
تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ، إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
الأنفال: ٤٧ - ٤٩.
فصورة قريش يوم بدر هي صورة البطر والرياء والمباهاة بالعدد والعدّة، وقد كانت هذه الصورة حاضرة في أذهان المسلمين، رأوها حين خرجت قريش بقوتها الضخمة لملاقاتهم، ولكن نتيجة هذه الصورة هي الهزيمة والإخفاق، وتصوير قريش على هذه الهيئة المتغطرسة، يهدف إلى تحذير المسلمين من هذه الصورة المعروفة النتيجة، وحث المسلمين على الارتباط بالله مصدر القوة والنصر.
وهذا التذكير بالله، يأتي في سياقه الملائم، بعد تصوير الحادثة الواقعة التي ظلّت حاضرة في نفوسهم وذاكرتهم من خلال التصوير القرآني لها.
ثم يتناول التصوير حقيقة غيبية للملائكة وهم يقبضون أرواح المشركين بسخرية وإذلال قال تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ، وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ، ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ الأنفال: ٥٠ - ٥١.
ويبدأ التصوير ب (لو) وهي حرف امتناع لامتناع، للدلالة على أن ذلك من الغيب، فتمتنع رؤية الملائكة وهم يضربون الوجوه والأدبار، لامتناع الرؤية البصرية لعالم الغيب، ثم يأتي الفعل المضارع تَرى لإحياء المشهد واستحضاره، ثم تتوالى الصورة الغيبية للملائكة
стр. 229
يقبضون أرواح المشركين، ويضربون وجوههم وأدبارهم، وتكاد الأفعال المضارعة المتكررة في التصوير، تحيي المشهد وتنقله من الغيب المجهول، إلى المشهد المنظور، ثم يتحوّل السياق من الإخبار بالغيب، إلى أسلوب الخطاب لكفار مكة وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ، والتهكم واضح في صورة إذاقة عذاب الحريق، وهي صورة مؤلمة للكافرين.
وبعد تصوير هذا المشهد يأتي التعقيب عاما على معركة بدر ونتائجها، بإقرار حقيقة لسنة كونية من سنن الله وهي أخذ الكافرين بكفرهم، وتعذيبهم في الدنيا قبل الآخرة، وهذه سنة ماضية نفّذت في قريش يوم بدر، كما نفذت في فرعون وجنوده في القديم يقول تعالى: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ... الأنفال: ٥٢.
وهكذا رأينا في تصوير معركة بدر أنه لم يقصد بالتصوير التسجيل التاريخي لها، وإنما تقرير الحقائق الدينية الثابتة من وراء التصوير، وتصحيح التصورات، ومعالجة النفوس في مثل هذه الوقائع، وإبراز القدرة الإلهية الفاعلة والمؤثّرة في توجيه الوقائع والأحداث، وبيان سنة الله الماضية في تقرير نتائج المعارك، وتربية النفوس بالأحداث الواقعة، لأنها تكون أوقع في الحس والشعور، لأنها تربية عملية ميدانية، وليست تربية نظرية، تقتصر على التوجيهات المجردة البعيدة عن الواقع. فالفكر الديني إذا يتفاعل مع الواقع، في تربية الفرد وإعداد الأمة، وهو فكر إيجابي، لأنه مرتبط بالواقع المعاش وهذا ما تجسّده الصورة في نقل الأحداث الواقعة.
وهذه السماوات لتصوير الأحداث، تكاد تكون عامة في كل الأحداث التي تناولتها الصورة الفنية وإن اختلفت طريقة التصوير من معركة لأخرى، بحسب تغيّر الظروف والمواقف، وحالات النفوس إلا أن السمات العامة للتصوير، لا تكاد تخرج عما ذكرناه.
ففي تصوير معركة «أحد» أيضا نلاحظ تقرير المبادئ الدينية من وراء التصوير، ومعالجة النفوس الضعيفة، وتربية الأمة الإسلامية بالأحداث وغير ذلك مما ذكرناه آنفا.
وتبدأ الصورة باستحضار بداية مشهد المعركة يقول تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ آل عمران: ١٢١.
وتستعيد الصورة المشهد بوساطة الفعل المضارع تُبَوِّئُ فيستحضر الحدث من الزمن الماضي للزمن الحاضر حتى يشخصه في الأذهان، ثم نلاحظ البعد الزمني في المشهد في
стр. 230
قوله غَدَوْتَ إلى جانب البعد المكاني تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ فيرتسم جو المعركة بتحديد المواقع، وتحديد التوقيت الزمني لها أيضا، وهذا هو المشهد المنظور للصورة الحسية، وهناك وراء الصورة الحسية، الصورة الغيبيّة، تظهر من وراء المشهد المنظور وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. فالله حاضر المعركة، وكل معركة يسمع ويرى، ويعلم ما يدور في الحس والشعور، وهذه الحقيقة الدينية ملازمة لتصوير الأحداث لتعميق الارتباط بالله سبحانه في كل الأمور، وإبراز قدرة الله في الأحداث، كما هي ظاهرة في الكون والأحياء.
وتجسّم الصورة خواطر النفوس لطائفة من المسلمين، همّت أن تبقى في المدينة، ولا تخرج مع المسلمين لقتال المشركين، وكان الهمّ مجرد خاطر لم يطلع عليه أحد، ولكن الله لا تخفى عليه خافية، يقول تعالى: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ آل عمران: ١٢٢.
وتصوير خواطر النفوس هنا، فيه إشارة إلى حضور الله معهم، يشد على أيديهم، وينصرهم، وهذه طريقة القرآن الكريم في تصوير الأحداث، لتوجيه المؤمنين، وتسديد خطاهم.
فالصورة القرآنية ليست مجرد تسجيل الأحداث، وإنما غايتها إحياء الأحداث، بكل ما صاحبها من حركات حسية ونفسية، لتوجيه المؤمنين نحو المبادئ الدينية الثابتة.
وفي سياق تصوير معركة أحد، يستعرض مشاهد من معركة بدر وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ... آل عمران: ١٢٣، للتذكير بنصر الله لهم، وتذكيرهم بما صاحب معركة بدر من حقائق دينية، وسنن إلهية في النصر والهزيمة ليبقى المسلمون على صلة بهما، والتيقن بأن النصر بيد الله، فهو وحده، يقرر نتائج الأحداث، كما يقرر مصائر الأحياء.
وقد أشيع في أثناء المعركة أن الرسول قد قتل، وقد أثّرت هذه الإشاعة في نفوس المسلمين، فنقلت الصورة هذا الجوّ النفسي، مع التوجيه نحو القواعد الدينية الثابتة يقول تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ آل عمران:
١٤٤.
وقد جاءت الصورة تحمل معنى التهديد، فالرسول بشر، وينطبق عليه ما ينطبق عليهم من الموت أو القتل وهو رسول كبقية الرسل من قبله، فهم ليسوا مرتبطين، بحياته أو موته،
стр. 231
بل يرتبطون بالله الذي لا يموت، ودعوته الباقية.
وقد جاءت الصورة تجسّم مشاعرهم في صورة حسية انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وحركة الانقلاب على الأعقاب حركة حسية، تعبر عن حركة نفسية داخلية، فقد أحس بعضهم أنه لا فائدة من الاستمرار بعد قتل الرسول أو موته، وكأن المعركة القائمة، هي بين أشخاص، وليست بين مبادئ.
فجاءت الصورة بهذه الحركة الحسية المستنكرة، لتوحي لهم بأن المعركة ليست كذلك بل هي بين الإيمان والكفر، وهي معركة مستمرة، وإن مات الأشخاص، لأنهم يرتبطون بالله الحي الذي لا يموت لذلك جاء التعقيب بقوله: وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً.
فالله غني عن العباد، وهم المحتاجون إليه، وهكذا تؤدي الصورة وظيفتها الدينية من خلال تصوير الأحداث.
وتلتقط الصورة الفنية حالة المسلمين النفسية والحسية وهم يفرون من أرض المعركة، فترسمها في مشهد حي متحرك يقول تعالى: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ، وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ آل عمران: ١٥٣.
فالمشهد هنا، يعرض حركة هزيمة المسلمين في أحد، وهم مصعدون في الجبال هربا من المعركة، ونفوسهم خائفة مضطربة، وقد جسّمت الحالة النفسية لهم في هذه الحركة الحسية، وكأننا نراهم في المشهد الآن مصعدين في الجبل، لا يلتفت أحد وراءه، والرسول يدعوهم في أسفل الجبل إلى العودة، ولكنهم لا يسمعون نداءه لشدة فزعهم أو أن حالتهم النفسية المضطربة تمنعهم من إجابة دعائه.
ويعتمد تصوير الحدث على الفعل المضارع تُصْعِدُونَ لإحياء المشهد، واستحضاره من الزمن الماضي إلى الحاضر كما أن الفعل تُصْعِدُونَ من الفعل الماضي أصعد، وهو يدل على الذهاب البعيد، بخلاف الفعل صعد.
واختيار الفعل هنا يوحي بأنهم بلغوا مكانا بعيدا في الجبل العالي هاربين من المعركة، والخيال يتابع من خلال المشهد الحي الشاخص، حركتهم المضطربة في صعود الجبل،
стр. 232
ويتأمل صورتهم وهم موزّعون هنا وهناك عليه بشكل يدل على الفزع والاضطراب، وما يصاحب حركة الهروب من أصوات ونظرات فزعة وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ فترتسم ظلال الخوف والفزع على الصورة، بحركاتها، وهيئاتها وخطوطها.
والعنصر البارز في هذا المشهد، هو عنصر الحركة، لأنه يلائم جوّ الهزيمة، لهذا كان الاعتماد في التصوير على الفعلين المضارعين، تصعدون- تلوون. ثم في دقة اختيار فعل تُصْعِدُونَ من الفعل أصعد، للدلالة على الصعود البعيد وليس القريب كي يتناسق التصوير مع المعنى المرصود.
وتقابل حركة الفرار، حركة الثبات في أسفل الجبل، في أرض المعركة للرسول ﷺ .
وهكذا نلاحظ في تصوير مشهد الهزيمة حركة مضطربة في الجبل، وحركة ثابتة في أسفل الجبل، وخوفا وأمانا في الوقت نفسه، لتوضيح الفوارق في الطباع والحالات النفسية في مثل هذه الظروف والأوضاع.
ثم تتحوّل الصورة لرسم مشهد آخر لهؤلاء الفارين، بعد أن تابوا إلى الله وعفا عنهم، وهو مشهد مغاير للسابق، فيه الطمأنينة، والهدوء لتلك النفوس، يقول الله تعالى: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ آل عمران: ١٥٤.
فالصورة إذا تجسّم النفس البشرية، في حالة خوفها وفزعها، كما رأينا في المشهد السابق، وفي حالة هدوئها واطمئنانها أيضا. كما ترى في هذا المشهد، لأن صورة النعاس الغاشي للعيون توحي بذلك.
وهناك طائفة أخرى، لا تهتم إلا بمصالحها الدنيوية، وسلامتها، فهؤلاء كانوا يرون أنهم عرّضوا أنفسهم للقتل في تلك المعركة الخاسرة برأيهم، وأكثروا الجدال، في هذا الأمر، وأخفوا حقيقة أنفسهم، فجاء القرآن الكريم وفضحهم بقوله: يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ آل عمران: ١٥٤، فهؤلاء قد امتلأت نفوسهم كراهية للحرب، لأنهم يرون أنهم عرّضوا أنفسهم للموت فيها، فجاء توضيح حقيقة الحياة والموت، وقدر الله النافذ في الآجال في صورة موحية ومؤثرة، يقول تعالى: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ آل عمران: ١٥٤.
стр. 233
وذات الصدور، كناية عن الأسرار الملازمة للصدور، فالله يعرف أسرار النفوس، ويعرف ما وراء الاحتجاج على المعركة من أسرار وهواجس، يكشفها لأصحابها أولا، وللناس جميعا ثانيا، لأنهم قد يمرون بمثل هذه الأحداث فتجيش صدورهم بمثل هذه الأوهام حول المعركة مع الباطل. والحقيقة المصورة هنا، أن الموت قدر الله النافذ لا محالة، وله موعد محدد، لا يتقدم ولا يتأخر، لهذا فإن المعركة لا تقدّم أجل الإنسان، كما أن التقاعس عنها لا يؤخره عن موعده المرسوم. وقد صوّرت هذه الحقيقة بقوله:
لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ
وصورة المضجع الذي هو مكان الراحة والاسترخاء، يتحوّل هنا إلى قبر لصاحبه، الذي كتب عليه القتل حسب الأجل المرسوم له.
ثم تعود الصورة من جديد، لتلمس طائفة الفارين، وتربط هزيمتهم، بوساوس الشيطان، حتى يرتدع المؤمنون عن الفرار يوم الزحف، فالشيطان هو الذي استزلّهم ليتبعوه فارّين من المعركة. يقول تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ... آل عمران: ١٥٥.
وصورة الشيطان غير محسوسة، ولكنّ أثرها محسوس مجسّد في حركة الفرار من المعركة. وكلمة اسْتَزَلَّهُمُ ترسم بجرسها صورة حية للشيطان، وهو يجرّ قدم المقاتل لتزلّ زلة، تتبعها زلّات حتى ينقاد أخيرا لخطوات الشيطان، فيتبعه في حركة الفرار من المعركة.
والفعل في صيغته الطلبية، يوحي بطريقة الشيطان في الوسوسة، بشكل متدرّج، حتى يقع الإنسان في مصيدته أخيرا. وهكذا توظّف هذه الصورة المجهولة بمالها من رصيد نفسي في قلب المسلم، ورصيد تاريخي وديني، في عداوة الشيطان للإنسان في معالجة النفوس التي اضطربت وانهزمت حتى يعيدها من جديد إلى طريق الاستقامة على منهج الله سبحانه.
والصورة في غزوة الأحزاب، تعرض بداية المعركة ونهايتها، قبل عرض التفصيلات والمواقف، حتى يتّضح أثر القدرة الإلهية في تلك المعركة، وفضل الله على المؤمنين، يقول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً الأحزاب: ٩.
فالصورة هنا ترسم لنا بداية المعركة ونهايتها بكلمات موجزة، فقد جاء جنود، والتنكير
стр. 234
في كلمة جنود يفيد العموم والشمول، للإيحاء بالجنود الآخرين الذين انكشفوا في أثناء المعركة من اليهود والمنافقين، بالإضافة إلى التهويل والتضخيم الملحوظ في تنكير الكلمة وتقابل صورة الجنود الضخمة، صورة الملائكة الغيبية، وصورة الريح الكونية، وتتلاحم الصورتان الحسية وغير الحسية في دعم موقف المسلمين، وتدمير الكافرين.
ثم يبدأ تصوير تفصيلات المعركة بما فيها من مواقف، ومشاعر. يقول تعالى: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً الأحزاب: ١٠ - ١١.
وبعد تصوير الموقف الخارجي العام، وإحاطة المشركين بالمدينة من كل جانب، أخذ التصوير يجسّم لنا الحالات النفسية للمؤمنين، فبدأ برسم ذلك في ملامح الوجوه والعيون، في زوغان الأبصار، الدالة على شدة الخوف والفزع، وتماثل هذه الصورة الحسية البصرية، صورة أخرى للقلوب، وهي تضطرب وتخفق، وتخرج عن مستواها الطبيعي إلى مرحلة الزوغان أيضا. وتلمس الصورة أيضا حركة الأذهان، في مثل هذه المواقف وما يدور فيها من تصورات وأوهام في تقويم الحدث أو المعركة وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا فالصورة هنا لا تترك جانبا من جوانب تأثير الموقف في النفوس إلا وشخّصته وأظهرته للعيان، فاجتمعت الصورة البصرية، والصورة الذهنية، والصورة النفسية، للدلالة على موقف الكرب الشديد والضيق الخانق.
وبعد هذا التفصيل، تلجأ الصورة إلى رسم الموقف العام للمسلمين تجاه الخطر الخارجي المحدق بالمدينة بصورة زلزال شديد هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً. وهو زلزال حسّي يتمثّل في تحالف المشركين مع اليهود والمنافقين، وزلزال نفسي، يتمثّل في اضطراب النفوس تجاه الموقف العام للمعركة.
وتلقى الأضواء التصويرية على مواقف المنافقين والمخذلين من داخل الصفوف، لزرع البلبلة في صفوف المسلمين، وبث الريبة في وعد الله لهم، يقول تعالى: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً الأحزاب: ١٢.
ولم يتوقف المنافقون عند حدّ الأقاويل بل راحوا يدعون إلى الانسحاب من المعركة، زيادة في إضعاف المسلمين، وتوهين عزيمتهم.
стр. 235
يقول الله تعالى: وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً الأحزاب: ١٣.
وتصوير البيوت عورة مكشوفة للأعداء وفيها الأطفال والنساء، يؤثر في النفوس ويزيد في التخذيل والتثبيط، ولكن الله يكشف ما وراء ذلك من حقيقة نفوس المنافقين من حبّ للفرار من المعركة وهزيمة المسلمين.
ثم ترسم الصورة ملامح المنافقين، وتكشف عن جبنهم ونقضهم للعهد يقول تعالى:
وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا الأحزاب: ١٥.
فالمنافقون في الحرب جبناء، وفي السلم، متكبّرون، سليطو اللسان: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ، أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ الأحزاب: ١٩.
ونلاحظ هنا صورتين متناقضتين لهم، صورة نفسية مجسمة في حركة حسية، وهي دوران العيون من شدة الخوف والفزع، ثم قورنت هذه الحركة بحركة العيون عند سكرات الموت، لرسم منتهى الفزع وذروة الخوف، واعتماد الصورة على الفعل المضارع تَدُورُ يجعلها حاضرة شاخصة، وكأننا نرى حركة العيون وهي تدور يمينا وشمالا، بحركة مثيرة للسخرية والضحك، وهي حركة مشابهة لحركة العيون عند الموت، عند ما يفقد الإنسان السيطرة على أعصابه، فيظهر ما في نفسه من خوف على
عينيه دفعة واحدة، فتدور في حركة سريعة مضحكة.
ولكنّ هؤلاء الجبناء تتغير صورتهم بانجلاء الخطر، وشعورهم بالأمان، فيبدءون بالادعاء والانتفاخ، وهنا تبرز صورة أخرى حسية تتمثل في سلاطة اللسان، وهي صورة تعتمد على الحركة أيضا بشدة وعنف. وهذه الصورة الحسية، تعبر عن الحقد والكراهية، ومرض النفوس.
وصورة أخرى للمنافقين، تعبر عن جبنهم الشديد، وهي قوله: يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا الأحزاب: ٢٠.
فقد ظلّوا خائفين حتى بعد هزيمة الأحزاب، لأنهم ما زالوا لا يصدقون بهزيمة الأحزاب، فهم يرتعشون بخوف وفزع، ويا لها من صورة ساخرة مضحكة لهؤلاء الجبناء، الذين يستمر
стр. 236
فزعهم حتى بعد انجلاء الخطر.
ويتواصل تصوير المنافقين بصور عدة، زيادة في إيضاح طبيعتهم الجبانة يقول تعالى:
وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ الأحزاب: ٢٠.
وصورتهم هنا وهم قاعدون في البادية بعيدا عن المعركة، يتلقفون الأخبار، تتواصل مع الصور الأخرى لهم، وتترابط ضمن نظام العلاقات التصويرية لكشف حقيقة هذا النموذج الجبان المتحالف مع المشركين واليهود ضد المسلمين.
وترسم الصورة أثر المعركة في المؤمنين، لإظهار الفوارق بين نموذج الإيمان، ونموذج النفاق، يقول تعالى: وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً الأحزاب: ٢٢.
إن هذه الصورة بما فيها من إيمان وثبات وطمأنينة وتسليم لله، تقابل صورة الجبن والخوف ودوران العيون في الأحداق في الموقف العصيب. والتقابل هنا عن طريق التضاد، يظهر الفوارق بين النموذجين، ويهدف إلى تربية الأمة بالأحداث من خلال تجسيم انفعالاتها، والتعقيب عليها بالتوجيهات الدينية الملائكة لها، وإبراز قدرة الله في الأحداث، والتأثير في نتائجها.
ثم يختم تصوير المعركة بقوله تعالى: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً الأحزاب: ٢٥.
هذه هي صورة المشركين، وهم منهزمون، يأكل الغيظ أكبادهم، لأنهم أخفقوا في تحقيق أهدافهم، ويلاحظ في التعبير إسناد الفعل «رد» إلى الله الفاعل الحقيقي، فكل ما تمّ في المعركة من بدايتها إلى نتيجتها كان بفعل الفاعل الحقيقي وهو الله، وهذا ما تبرزه الصورة وتؤكده من خلال رصد الأحداث.
أمّا حلفاء المشركين فقد حلّ بهم القتل والأسر أيضا، يقول تعالى: وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً الأحزاب: ٢٦.
فالعنصر البارز في تصوير الأحداث هو المعنى الديني، فهو المحور الذي ينطلق منه تصوير الحدث، وهذه سمة بارزة في تصوير الحوادث الواقعية في القرآن الكريم، لخصوصية
стр. 237
النص القرآني، باعتباره كتاب هداية للبشر، منزّلا من عند الله، لبيان الألوهية، وآثار الربوبية في الكون والحياة والإنسان.
لذلك كانت بيعة الرضوان في صلح الحديبية هي مبايعة لله، وردت في صورة حسية موحية.
يقول تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ الفتح: ١٠.
فالصورة القرآنية لا تنفك عن غرضها الديني على الرغم من أنها تصوّر حادثة واقعة، فالأيدي المبايعة لرسول الله، يد الله فوقها تباركها وتدعمها.
فالله هو الذي نصر المؤمنين في بدر، وهو الذي أمدهم بالملائكة لتحقيق ذلك، وهو الذي حاسبهم على تقصيرهم في أحد، وهو الذي ردّ المشركين بغيظهم في يوم الخندق، والمبايعة له في صلح الحديبية. لذلك فإن الله يدعوهم إلى التجرد له في المعارك أو الحوادث الأخرى، وحين أعجبتهم كثرتهم يوم حنين عاقبهم على ذلك يقول تعالى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ التوبة: ٢٥ - ٢٦.
فالصورة في هذا النص ترسم لنا المعركة بكلّ مراحلها ووقائعها الحسية والشعورية، ولقد كان للشعور الداخلي بالإعجاب بكثرة العدد أثره في الصورة الحسية للمعركة، فقد انقلبت صورتها إلى هزيمة منكرة بعد أن ظنّ المسلمون أن الكثرة وحدها هي التي تقرّر نتيجة المعركة، فجاء الدرس القاسي لهم، ليعودوا إلى التصور الصحيح في ربط الأحداث بالله سبحانه، فهو المؤثر فيها، والمقرر لنتيجتها ويجسّم ضيق نفوس المسلمين وشعورهم بالاختناق بصورة حسية وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ... وهذه الصورة النفسية المعبّرة عن الاختناق النفسي الشديد، جاءت موازية لشعور الإعجاب في بداية المعركة، حتى يغسل الشعور بالاختناق، الشعور بالإعجاب، ويزيله من ساحة النفس، لتعود لصفائها وتجردها لله. ثم أتبعها بصورة حسية مجسّمة للصورة النفسية المتمثلة في ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ وقد أزالت هذه الصورة المحسوسة، كل مشاعر الإعجاب بالكثرة، وأزالته من النفوس بالواقع المحسوس.
стр. 238
ثم بعد ذلك تدخّل الله سبحانه ليغيّر اتجاه المعركة ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ والسكينة شيء معنوي، يجسّمها بصورة مادية محسوسة، فتنزل من عند الله، وكأنهم يلمسونها لمسا محسوسا، فتطمئن النفوس الخائفة بذلك، كما أنّ الله أنزل مع السكينة جنودا من عنده، وهذه الصورة غيبية، لا نعرف ماهيّتها، ولا طريقة اشتراكها في المعركة، تدخل في عناصر تصوير الحوادث كما رأينا سابقا دون تفصيل لها. لأن الغاية منها هي إبراز قدرة الله في تقرير نتائج المعركة وهذا ما نراه واضحا في تصوير الحوادث والمعارك، وتقرير النتائج.
وفي غزوة «تبوك» لا يختلف تصويرها، عن الخط العام في تصوير الحوادث الواقعية في القرآن، في التركيز على بعض النقاط البارزة فيها، لمعالجتها من خلال الرؤية الدينية الثابتة.
ففي تصوير هذه الغزوة يتمّ التركيز على الضعف واتخاذ الأعذار لعدم الخروج للقتال، كما تسلّط الأضواء المصوّرة على الثلاثة الذين تخلّفوا عن الغزوة دون عذر، وعلى المنافقين وأقوالهم ومعاذيرهم.
يقول تعالى في فضح المنافقين: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ التوبة: ٤٩.
وصورتهم هنا وهم يتساقطون في الهاوية، فتتلقاهم جهنم فور سقوطهم وتحيط بهم من كل جانب، صورة لها مغزاها، فهذا الاستئذان بلا مبرر، هو السقوط في الهاوية، كما أن الصورة توحي بما ينتظرهم من عذاب يوم القيامة.
وترسم الصورة لهم مشهدا مخزيا، يدلّ على شدة جبنهم، يقول تعالى فيهم: لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ التوبة: ٥٦ - ٥٧.
فهؤلاء جبناء، ونفوسهم واهنة ضعيفة، جسّمتها الصورة في حركة حسية سريعة، ترسمهم، وهم يحاولون الاندساس في إنفاق تحت الأرض أو مغارات ليختبئوا فيها من شدة خوفهم وفزعهم، كما أنهم لا يندسّون فيها ببطء وإنما في سرعة الفرس الجموح أيضا، زيادة في تسريع الحركة التخييلية المعبرة عن جبنهم وخوفهم.
وتتواصل صور المنافقين الدالة على جبنهم في السياق القرآني المصوّر لهذه المعركة،
стр. 239
وتتعاون هذه الصور فيما بينها على توضيح حقيقتهم من جميع الجوانب فهم رضوا بأن يكونوا مع العجزة والأطفال والنساء في القعود عن المعركة دلالة على سقوط همتهم، يقول تعالى: رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ التوبة: ٩٣.
كما أنهم فقدوا الإحساس لأن قلوبهم مطبوعة ومغلقة: وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ التوبة: ٩٣، ويحلفون الأيمان الكاذبة لسوء أخلاقهم: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ التوبة: ٩٥.
فهم- بهذه الأفعال القذرة- رجس، وجزاؤهم جهنم على أفعالهم إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ التوبة: ٩٥.
وهناك طائفة من المؤمنين، لا يملكون نفقة الجهاد، وقد أذن لهم الرسول ﷺ أن يبقوا في المدينة، ولكنهم كانوا متألمين ومتأثرين لعدم خروجهم مع رسول الله، وقد جسّمت الصورة صدق نفوسهم وشدة تأثرهم بفيض الدموع، يقول تعالى فيهم: تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ التوبة: ٩٢.
فهذه الصورة تعبر عن شدة التأثر والصدق حيث إن «العين جعلت كأنّ كلّها دمع فائض» «١» كما يقول الزمخشري، وهناك أيضا الثلاثة الذين تخلفوا بدون عذر، وهم كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، وقصتهم مذكورة في كتب السيرة والتفسير، يقول الله تعالى في تصوير حالتهم: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ التوبة: ١١٨.
والصورة هنا تجسّم حالتهم النفسية، وكما كانوا فيه من ضيق وكرب، بسبب تخلّفهم عن المعركة، فالأرض على سعتها تضيق بهم، وتأخذ بخناقهم، فلا يجدون فيها إلا الضيق والكرب، حتى نفوسهم. أيضا ضاقت عليهم، فشعروا بالاختناق في أعلى مداه، فهم لا يجدون سرورا ولا أنسا بعد مقاطعة المجتمع الإسلامي لهم، فالأرض تضغط عليهم من الخارج، ونفوسهم تضغط عليهم من الداخل، وليس لمثل حالتهم إلا الله سبحانه، وبعد هذا الكرب الخانق، يأتي الفرج، وتنقشع غمتهم.
стр. 240
ونلاحظ هنا فارقا عما سبق في التوجيه والتربية، من خلال تصوير النفوس تجاه الأحداث وأثرها في نفوسهم، فالمحاسبة شديدة في غزوة تبوك، لأنها وقعت في وقت متأخر من الدعوة الإسلامية، وقد بلغت التربية مرحلتها النهائية في النضج والاكتمال التي لا يقبل فيها التقصير أو التهاون.
أما الحوادث الأخرى غير القتالية التي كانت تقع في المجتمع الإسلامي آنذاك، فلا يختلف تصويرها أيضا عما ذكرناه سابقا من حيث التركيز على بعض الظواهر أو المشاهد أو الحالات النفسية ... إلخ لإبراز الحقائق الدينية من خلالها مثل الإسراء والمعراج، وحديث الإفك، وتحويل القبلة، والمرأة التي ظاهرها زوجها، ومسجد الضرار ونحو ذلك.
ونحن لا نريد حصر الحوادث، وطريقة تصويرها، لأن ذلك يبعدنا عن عملنا في وظيفة الصورة من ناحية، ولأن هذا العمل يحتاج إلى بحث مستقل أيضا لكثرة هذه
الحوادث الواقعة وقت نزول القرآن من ناحية أخرى لهذا سنقف عند بعضها، لبيان طبيعة الصورة، في تناول هذه الأحداث، ونقلها إلينا، كما وقفنا عند أبرز الغزوات في عصر الرسول ﷺ ، ولم نقف عندها كلّها فيما سبق.
ونبدأ بحادثة الإسراء والمعراج يقول الله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ الإسراء: ١.
والصورة المرسومة هنا تنقل الحدث من الغيب المجهول، إلى المشهد المنظور، وتبدأ عرض الحدث بالتسبيح لله وهو مناسب لجوّ الإسراء وما فيه من إعجاز أو خوارق للعادة، ثم تبدأ بتحديد الزمان والمكان لهذا الحادث الغيبي، وكلمة لَيْلًا متضمنة في قوله أَسْرى لأن السرى لا يكون إلا في الليل، ولكن ذكر لَيْلًا هنا يضفي على الصورة ظلا من الهدوء والسكون زيادة في توضيح الزمان.
ويترك للإنسان أن يتصور هذه الحركة السارية في الليل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، في سكون الليل ويد الله تحمل عبده ورسوله من مكان إلى آخر، فيشعر بالهيبة والجلال، أمام قوة الله القادر على كل شيء، كما أن ربط المسجد الحرام بالمسجد الأقصى، في هذه الحادثة، يرمز إلى أن الإسلام هو خاتم الأديان السماوية. وتكتفي
стр. 241
الصورة بهذه الكلمات القليلة، ولا تزيد في التفصيلات لأنّ هذا الحدث من عالم الغيب فلا مجال للخوض فيه. ثم جاء التعقيب بقوله: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وكلمة السميع ترتبط بالتسبيح الصاعد إليه وكلمة البصير ترتبط أيضا بجوّ الرحلة في الظلام الساجي، وبذلك يتناسق تصوير الحدث مع التعقيب عليه.
وترتبط حادثة المعراج بالإسراء، فهي أيضا صورة من عالم الغيب، نؤمن بها ولا نبحث عن تفاصيل الصورة ومن رحمة الله بالمسلمين أن صوّر لهم هاتين الحادثتين، وأطلعهم عليهما، ليكونوا على ثقة برسولهم وبمصدر تلقيه الوحي من السماء. يقول تعالى في معراج الرسول ﷺ إلى السماء «٢» أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى، عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى، ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى، لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى النجم: ١٢ - ١٨.
وهذه الصورة غيبية شفافة، ليس فيها تحديد أو تفصيل، خص الله بها الرسول ﷺ ليكون واثقا من المصدر الذي يتلقى منه الوحي، وليكون شاهدا للبشر على حقيقة ما رأى من العالم غير المنظور. ولا مجال للحديث في الصورة الغيبية، لأنها تستمد عناصر تشكيلها من عالم غير محسوس. مثل سدرة المنتهى، وجنة المأوى- وجبريل، والآيات الكبرى، وكلّها مكوّنات غيبية غير محسوسة. ويبقى الأثر الذي تحدثه الصورة في النفوس، وهو شدة ارتباط الأرض بالسماء، فكل ما يحدث فيها هو بأمر الله، وهو مطلع عليه. وبذلك تلقي هذه الصورة الغيبية ظل الرهبة والخوف والمراقبة الدائمة لله .
وهذا ما نراه مؤكدا في تصوير الحوادث عامة. وقصة المرأة التي ظاهرها زوجها وتشتكي إلى الرسول ﷺ وتحاوره، تؤكّد أيضا ما ذكرناه من اطلاع الله على أفعال عباده، وأقوالهم ومشاعرهم فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، يقول الله تعالى:
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ المجادلة: ١.
وهذه الصورة المجملة للحادثة تدلّ على حضور الله سبحانه مع الناس، وما يصيبهم من مشكلات، وتدلّ على رعايته وتوجيهه لكل حدث في الأرض، صغير أو كبير، وهي أيضا
стр. 242
صورة فريدة لهذا الاتصال بين الأرض والسماء، فالله هنا يسمع شكوى امرأة، ويقرر حكما شرعيا ثابتا من خلال حادثتها وهو «حكم الظهار».
ونلاحظ في الصورة الإلحاح على حضور الله، فهو قد سمع قولها وجدالها، وسمع أيضا شكواها، وسمع الحوار الدائر بينها وبين رسول الله ﷺ ، وعقب على تصوير الحادثة بأنه سميع وبصير في نفس الوقت، فهو يسمع كل ما يحدث، ويراه أيضا.
ويمتاز تصوير الحوادث بالصدق والواقعية بالإضافة إلى ما ذكرناه من سمات.
ففي قصة عبد الله بن أم مكتوم الأعمى، حين جاء إلى الرسول ﷺ يطلب منه أن يعلمه، وكان الرسول مشغولا مع كبار قريش يدعوهم إلى الإسلام، فعبس في وجهه، وأعرض عنه.
نرى هذه الحادثة مصوّرة في القرآن الكريم، بكل ما فيها من إعراض، وعتاب، وتوجيه.
يقول تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى، وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى، أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى، فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى، وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى، وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى، وَهُوَ يَخْشى، فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى، كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ ... عبس: ١ - ١١.
ويعتمد تصوير الحادثة على أسلوب الغائب في البداية، إكراما لرسول الله ﷺ أن يذكر في سياق فيه عبوس وإعراض، كما أن الصورة تجسّم شعور رسول الله في تلك اللحظة بالعبوس والإعراض، ثم يلتفت بعد ذلك إلى مخاطبته مباشرة مع التوجيه، وتشتد لهجة العتاب، حتى تبلغ ذروتها في كلمة الردع والزجر «كلا».
ومن أشد الحوادث التي عصفت ببيت النبوة «حديث الإفك» وقد صوّر القرآن الكريم ذلك بصدق وأمانة لإبراز الحقائق الدينية من خلال تصويره، يقول تعالى: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ النور: ١٥.
هذه الصورة، ترسم حركة الألسنة والأفواه هنا لأنها آلة الحديث ووسيلته، كما أن التركيز عليها يوحي بإلقاء الحديث ورميه باستهتار وخفّة، دون تثبّت أو شعور بأثر الكلمة والأفعال المضارعة المكررة في الصورة، تحيي المشهد، وتستحضره من الماضي إلى الحاضر، لتسلّط الأضواء عليه، وتبرز الحقائق من خلاله، وتحذر من هذا السلوك غير المسئول في المجتمع الإسلامي.
ثم تربط الصورة بين هذا المشهد لهؤلاء الناس الذين تداولوا حديث الإفك بالشيطان،
стр. 243
فهم في سلوكهم المشين هذا يتبعون خطا الشيطان، يقول تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ النور: ٢١.
فالشيطان هو الذي يقودهم في هذا الحديث الآثم، وهم يترسمون خطاه فيه، وكان الأجدر بهم أن ينفروا من وساوس الشيطان، واتباع خطواته، وإيراد صورة الشيطان في تصوير الحدث، تنفّر المؤمن من الخوض في مثل هذا الحديث، وكلّ حديث آخر لا علم له به.
ثم يشتد التصوير المحذّر لأولئك الذين أثاروه يقول تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ النور: ٢٣ - ٢٤.
ونلاحظ هنا تجسيم الأقوال الآثمة في صورة مادية هي الرمي بالسهام يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ ... وصورة رمي السهام على المحصنات المؤمنات وهن غافلات عما يجري حولهن، توحي ببشاعة هؤلاء الرماة الجناة الذي يروّجون لهذا الحديث الآثم. ثم يأتي التحذير عن طريق التصوير يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ .... فهؤلاء لهم عذاب عظيم يوم القيامة، وتقوم جوارحهم بالشهادة عليهم بما ارتكبوه من إشاعة هذا الحديث الباطل، وحواسهم التي استخدموها في الترويج هي نفسها التي ستشهد عليهم.
وأحيانا يلجأ التصوير إلى بيان أثر الحدث في النفوس، ثم يعود متدرجا لتصوير بداياته، كما نرى في تصوير حادثة «تحويل القبلة» من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام.
يقول الله تعالى في ذلك: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ البقرة: ١٤٢.
فالصورة تبدأ في نقل الحدث، من أثره في نفوس اليهود، ويوصفون بالسفهاء، لاحتجاجهم على ذلك، لأنهم كانوا يستغلون اتجاه المسلمين إلى الأقصى في دعم عقيدتهم المحرّفة، فحين تحوّل المسلمون إلى الكعبة، لم يبق بين أيديهم حجة، يرفعونها في وجه الإسلام لدعم ديانتهم.
وصورة امتلاك الله لكل الجهات المشرق والمغرب، صورة ضخمة موحية بهذه الملكية غير المحدودة والجهات كلها لله، والاعتراض في غير محله بعد ذلك.
ثم يتدرّج التصوير عائدا إلى بيان الحكمة الإلهية من وراء الاتجاه إلى الأقصى أولا
стр. 244
يقول تعالى: وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ البقرة: ١٤٣.
فقد أراد الله اختيار العرب الذين كانوا يقدسون المسجد الحرام، فجاء الاتجاه إلى المسجد الأقصى لتجريد المؤمنين من كل ما يلتبس في النفوس من العادات القديمة أولا، ثم ليدرّب المؤمنين على الطاعة لله، رغم أعرافهم وتقاليدهم التي ألفوها من تقديس للمسجد الحرام، وليعلم من يطيع الأوامر ممن ينقلب على عقبيه أخيرا. فلما تجردت النفوس لله واتجهت حيث أمرها الله، جاء الأمر بالتحوّل إلى الكعبة استجابة لتضرّع رسول الله ﷺ يقول الله تعالى في تصوير تضرّع الرسول من أجل ذلك: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها، فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ... البقرة: ١٤٤.
وتعتمد الصورة على الفعل المضارع نَرى لإحياء المشهد وجعله شاخصا حاضرا، وهو في صيغة الجمع يوحي بالتعظيم لله سبحانه لأنه هو الذي يرى، كما أن الصورة تعتمد على المصدر تَقَلُّبَ ولا تعتمد على الفعل للإيحاء باستمرار الحدث، وكأن الرسول ﷺ كان دائم التضرع والدعاء لكي يلبي الله رغبته في التوجه إلى الكعبة قبلة إبراهيم ﵇، ولكن الصورة لا تصرّح بذلك، ولا تذكر بماذا كان يدعو حتى أجيب طلبه.
ويصوّر القرآن الكريم أيضا «مسجد الضرار» الذي بناه المنافقون في المدينة، ليتخذوه مقرا للتآمر والكيد، ضد المسلمين، وسموه «مسجدا» زيادة في التمويه وإخفاء أغراضهم في انتظار عدو الله الفاسق، لمقاتلة المسلمين كما ورد ذلك مفصلا في كتب التفسير «٣»، وقد أمر الله الرسول ﷺ بهدمه.
يقول الله تعالى مصورا نيات المنافقين من بنائه، وأثر هدمه في نفوسهم: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ التوبة: ١٠٩.
والفارق كبير بين البناءين، بناء يعتمد على قاعدة قوية من الحق والإيمان والتقوى، وهو مسجد قباء، وبناء آخر يعتمد على قاعدة رخوة ضعيفة من الباطل والنفاق وهو مسجد الضرار.
ويصور القرآن مسجد الضرار وهو مبني على شفا جرف هار، فهو يهتز ويتأرجح لأنه
стр. 245
على حافة الهاوية، وتربته رخوة أيضا، وبلمحة خاطفة انهار في نار جهنم.
يقول الزمخشري: «فإن قلت: فما معنى قوله فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ؟ قلت: لما جعل الجرف الهائر مجازا عن الباطل قيل: فانهار به في نار جهنم على معنى فطاح به الباطل في نار جهنم إلّا أنه رشح المجاز فجيء بلفظ الانهيار الذي هو الجرف، وليصور أن المبطل كأنه أسس بنيانا على شفا جرف من أودية جهنم فانهار به ذلك الجرف فهوى في مقرها» «٤».
ثم يصور القرآن أثر هدمه في نفوس بناته المنافقين لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ التوبة: ١١٠.
وبعد هدم الصورة الحسية للنفاق، تبقى الصورة النفسية في الكيد والنفاق والتآمر، حتى تقطع قلوبهم وتمزّقها أيضا، وتلقى في النار، كما انهار بناؤهم في النار.
وتتقابل الصورة الحسية للنفاق، والصورة النفسية عن طريق التماثل والتشابه، لتحذير المسلمين من صور النفاق المحسوسة، والصور الخفية غير المحسوسة.
وهكذا نلاحظ من تصوير الحوادث التي وقفنا عندها، أن الصورة القرآنية في نقل الحوادث والوقائع تهمل ذكر أسماء الأشخاص، وتركّز على تصوير النفوس والطباع، لتجعلها نماذج ماثلة في الأذهان دائما. كما أن الصورة لا تذكر التفصيلات لكل حدث، وإنما تركّز على الحقائق الدينية الثابتة، وتربط الحوادث بقدر الله النافذ كما أنها تجسّم المشاعر الإنسانية تجاه الأحداث، وتلقي الأضواء على خفايا النفوس، وتتخذ من هذا التصوير وسيلة للتوجيه ومعالجة النفوس، وتربية الأمة بالأحداث وصقلها، وإعدادها حتى تكون في النهاية على منهج الله سلوكا وفكرا وتصورا وشعورا.
وبذلك ترتبط الصورة هنا، بالصور القرآنية الأخرى ضمن نظام العلاقات الفكرية والتعبيرية والتصويرية لتحقيق وحدة الرؤية الدينية لكل القضايا، والأحداث في هذه الحياة.
стр. 246
الفصل الخامس القصص الماضية
رأينا في الفصل السابق كيف تناولت الصورة الحوادث الواقعة في زمن الرسول ﷺ ، مركّزة على بعض الجوانب فيها، وذلك لإظهار الحقائق الدينية من خلالها.
ولكن الصورة لا تتوقف عند الحوادث الواقعة في زمن نزول القرآن الكريم، وإنما تتجاوز ذلك، للتعبير عن الحوادث الماضية، الممتدة في الزمان والمكان، عبر تاريخ البشرية الطويل، وذلك لإبراز موقف البشرية من دعوة الرسل، وإظهار الحقائق الدينية من خلال التصوير القصصي.
وذلك لأن القصة من أكثر الأساليب الفنية تأثيرا في النفوس، يرى فيها الإنسان، ما يراه في حياته من أحداث، وأشخاص، وصراع، وحوار. فسحرت بذلك النفوس، وأسرت القلوب.
وقد يرجع التشويق في القصة إلى تعدد مشاهدها، وتنوّع حوادثها، وتباين أشخاصها، وطريقتها الفنية في حبك الأحداث، ونموّها، وتصوير شخصياتها من النواحي النفسية والجسمية والسلوكية والفكرية، ونشاط الخيال في ملء فجواتها الفنية بين المشاهد، والمشاركة الوجدانية لبعض الشخصيات، وانفعال القارئ بالمواقف والحوادث حين يتخيل نفسه وسط هذه الأحداث والصراع.
لهذا كانت القصة هي الأسلوب المفضّل لدى الإنسان في القديم والحديث.
والقرآن الكريم يراعي هذا الميل الفطري للإنسان نحو القصة، فيتّخذها وسيلة فنية، لتحقيق أغراضه الدينية.
стр. 247
لذا نجد كثرة القصص في القرآن الكريم، إلى جانب الأساليب الأخرى، تتفاعل معها، وتتواصل في نقل الحقائق الدينية. والقصة في القرآن الكريم تتميّز عن غيرها من القصص الفنية، بموضوعها الديني، وأسلوبها الرفيع الملائم لسمو القرآن الكريم، وأشخاصها، وحوادثها ... فهي قصة فنية ذات هدف ديني بحت، ولكنها تفي بكل العناصر الفنية للقصة «١».
فقصص الأنبياء والرسل، تهدف إلى تحقيق غرض ديني من عرضها في القرآن، ولكن هذا الغرض الديني لم يخلّ بالجانب الفني فيها، بل إن الجانب الفني قد وظّف توظيفا دقيقا في سرد هذه القصص لتحقيق هذا الغرض. وهي قصص تاريخية، ولا يمكن التشكيك فيها لقوله تعالى: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ يوسف: ١١١.
والفن في هذه القصص، يكمن في صدق تصوير الأحداث، والدقة في عرضها، وإحياء مشاهدها. وليس الفن فيها اختلاقا أو تخيلا لأحداث لم تقع بقصد تحقيق التأثير النفسي للعظة والعبرة، كما زعم ذلك الدكتور محمد أحمد خلف الله في كتابه «الفن القصصي في القرآن» «٢».
وحين تهمل القصة تحديد الزمان والمكان، وأسماء الأشخاص والتعريف بهم، فإن ذلك يرجع إلى خصوصية القصة القرآنية، ذات الهدف الديني، فهي لا تهدف إلى التأريخ للأحداث، أو الإمتاع الفني المجرد، بل إنها ترمي إلى بيان رسالة الله للبشر، وموقف الناس منها على مدار التاريخ، لذلك فإنها: «ليست عملا فنيا مستقلا في موضوعه، وطريقة عرضه، وإدارة حوادثه، كما هو الشأن في القصة الفنية الحرة التي ترمي إلى أداء غرض فني طليق- إنما هي وسيلة من وسائل القرآن الكثيرة إلى أغراضه الدينية.
والقرآن كتاب دعوة دينية قبل كل شيء، والقصة إحدى وسائله لإبلاغ هذه الدعوة وتثبيتها» «٣».
ومن الخطأ أن ننظر إلى القصة في القرآن، من خلال المقاييس الفنية المستخلصة من
стр. 248
القصة الفنية الطليقة، لأن القصة القرآنية متميّزة بغرضها الديني، وخاضعة له «ولكن هذا الخضوع الكامل للغرض الديني، ووفاءها بهذا الغرض تمام الوفاء لم يمنع بروز الخصائص الفنية في عرضها، ولا سيما خصيصة القرآن الكبرى في التعبير وهي التصوير» «٤».
فالهدف الديني هو الغاية من القصة في القرآن، وليس التأريخ، لهذا لا نجد فيها تحديدا للأزمنة والأمكنة التي وقعت فيها الأحداث، كما لا نلاحظ عناية في تصوير السمات الحسية للشخصيات، وذكر أسمائهم.
بل إن الأحداث في القصة، لم ترد في سياق واحد مجتمعة- ما عدا قصة يوسف- وإنما جاءت موزّعة في أنساق تعبيرية تقتضيها، لتحقيق الغرض الديني منها. ولكن هذه الحلقات الموزّعة للقصة الواحدة مترابطة ومتناسقة ومتكاملة، بحيث لو جمعناها، لتكوّنت القصة متكاملة بأحداثها وأشخاصها وهذا ما يؤكد قيام القصة في القرآن على نظام العلاقات التصويرية والتعبيرية والفكرية. حتى تتكون من ذلك كلّه قصة متكاملة ذات نسيج موحّد، شأنها في ذلك شأن الصورة القرآنية عامة، كما رأينا في الفصول السابقة، ونؤكّده فيما يأتي من فصول قادمة في هذا الكتاب إن شاء الله.
وقد أثّر الغرض الديني للقصة في بنائها الفني وتركيبها، وطريقة عرضها، وطولها وقصرها، ورسم شخصياتها.
وتأثير الغرض الديني نلاحظه أولا في تكرار القصة، لتحقيق الغرض الديني، والتأثير النفسي، ولكن التكرار لا يتناول القصة بأكملها من بدايتها إلى نهايتها، وإنما يلتقط منها حلقة من حلقاتها بقصد الإشارة إلى موضع الاعتبار فيها، ضمن سياق يقتضيه، مثل قصة «موسى» ﵇ التي تعدّ من أكثر القصص تكرارا في القرآن الكريم، وذلك لأن موسى ﵇ قريب عهد بالرسالة المحمدية، وقصته حاضرة في أذهان العرب آنذاك، والمشابهة بين موقف فرعون من موسى وموقف العرب من رسول الله واضحة، وهي موحية بالنصر لدعوة الله في نهاية المطاف، على الرغم من كل الجهود التي بذلها فرعون، لإيقافها، وكذلك ستكون النتيجة بالنسبة للعرب مماثلة لإهلاك فرعون وجنوده.
كذلك فإن وجود اليهود في مجتمع المدينة المنورة في عهد الرسول ﷺ ، يقتضي توضيح
стр. 249
طبيعتهم، وتعريف المسلمين بأساليبهم الماكرة لكي يحذروهم.
ثانيا: في طريقة عرض القصة لأحداثها. فأحيانا يبدأ العرض من الحلقة الأولى للقصة إذا كانت فيها عظة واعتبار، كقصة آدم وعيسى مثلا. وقد تعرض حلقتها المتأخرة مثل قصة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب.
ثالثا: في طول القصة وقصرها، فالطول والقصر يتبعان أيضا الغرض الديني، ويخضعان له.
فقصة موسى ﵇ ترد مفصّلة من بدايتها إلى نهايتها، فتبدأ من ولادته ثم نشأته في بيت فرعون ثم فراره إلى مدين، ثم عودته إلى مصر لدعوة فرعون وقومه ثم في نهاية فرعون وجنوده بالموت غرقا.
كذلك قصة «يوسف» مكتملة بأحداثها وأشخاصها، مفصّلة بحلقاتها، في سورة واحدة.
وهناك قصص موجزة، ورد منها ما يتعلق بالرسالة فقط، وموقف الناس منها. مثل قصة هود- وصالح ولوط وشعيب.
وقصص أخرى موجزة جدا كقصة زكريا، وأيوب، ويونس.
وهناك قصص يشير إليها ولا يروي شيئا عنها مثل قصة إدريس، واليسع، وذا الكفل.
رابعا: في إهمال تصوير الجانب الحسي للشخصية، وكذلك تصوير المكان وتحديده، وكذلك تحديد الزمان إلى آخر ما هنالك من ظواهر تأثير الغرض الديني في بناء القصة وتركيبها وطولها وقصرها «٥».
بالإضافة إلى التوجيهات الدينية الصريحة الواردة في أثناء عرض القصة، أو في التعقيب عليها، ولكن خضوع القصة للغرض الديني، لم يؤثر في بنائها الفني، وتصويرها
للأحداث والأشخاص، وتصوير العواطف والانفعالات البشرية.
فالعناصر الفنية متوفرة في القصة القرآنية، تشدّ القارئ إليها، والتفاعل مع أحداثها وحوارها، ولكن هذه العناصر الفنية، تنبع من طبيعة القصة القرآنية، وليس من خارجها، فلا تقاس بمقاييس القصة الفنية المعروفة في النقد الحديث، لأن لها خصوصية في موضوعها وأسلوبها وطريقة بنائها بما يتوافق مع أغراضها الدينية، وهي في النهاية تحقّق
стр. 250
التأثير الوجداني من خلال توفير عناصر فنية فيها.
وقد اعتمدت القصة على التنويع في أسلوب العرض للأحداث، فمرّة تبدأ بإعطاء موجز عن الأحداث لتهيّئ الأذهان، وتشوّقها إلى العرض المفصّل بعد ذلك كقصة أصحاب الكهف.
ومرّة تضع مغزى القصة، أو نهايتها قبل العرض المفصّل، كما في قصة يوسف حيث نلاحظ أن أحداثها المفصّلة، جاءت بمنزلة تفسير لرؤيا يوسف في بداية القصة.
وأحيانا تعرض القصة بعد مقدمات. كقصة مريم. وقد يشير أحيانا ببعض الألفاظ لبداية العرض، ثم يترك القصة تعبر عن نفسها كقصة إبراهيم وإسماعيل في بناء الكعبة.
وكما تنوّعت طرق العرض للأحداث، تنوّعت أيضا طرق «الإثارة الفنية»، وذلك بالاعتماد على عنصر المفاجأة المؤثّر في النفوس.
فقد تكون المفاجأة لبطل القصة والقرّاء معا، كما في قصة «موسى والرجل الصالح» في سورة الكهف، وقصة مريم، وقد تكون لأبطال القصة وليس للقراء، لأنهم يعرفون السرّ مسبقا مثل «قصة أصحاب الجنة». وغالبا ما يكون ذلك لتحقيق السخرية والتهكم.
وقد تكون المفاجأة موزّعة بين البطل والقراء في مواضع مختلفة مثل قصة عرش بلقيس.
كذلك هناك الفجوات الفنية متروكة بين المشهد والمشهد ليقوم الخيال بملء هذه الفجوات.
ولا يخفى ما في هذه الفجوات بين المشاهد القصصية من إثارة للخيال، ومتعة فنية.
وهذه الخصائص الفنية متبعة في القصة القرآنية التي ترمي إلى تحقيق أغراض دينية، فهي تهمل مشاهد، وتركّز على مشاهد معينة، يكون فيها الغرض الديني واضحا.
فقصة يوسف ﵇ مثلا. مليئة بالمشاهد ترك بين مشهد ومشهد فجوات فنية، لإثارة الخيال، وتحريكه، ليملأ هذه المشاهد بما يتفق مع السرد القصصي.
ويعد التصوير الفني للأحداث والشخصيات أهم العناصر الفنية في القصص القرآني، فهو الذي يقوم بنقل الحوادث، ويجسّم العواطف والمشاعر الإنسانية، ويصوّر الشخصيات، فيجعل القصة حية شاخصة بأحداثها وأشخاصها، وليست مجرد قصة تروى.
يقول محمد يوسف نجم في دور التصوير في القصة: «والصورة البيانية المشرقة لها