← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38131

وظيفة الصورة الفنية في القرآن

عبد السلام أحمد الراغب

Полный текст (466 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الفصل الخامس القصص الماضية رأينا في الفصل السابق كيف تناولت الصورة الحوادث الواقعة في زمن الرسول ﷺ ، مركّزة على بعض الجوانب فيها، وذلك لإظهار الحقائق الدينية من خلالها. ولكن الصورة لا تتوقف عند الحوادث الواقعة في زمن نزول القرآن الكريم، وإنما تتجاوز ذلك، للتعبير عن الحوادث الماضية، الممتدة في الزمان والمكان، عبر تاريخ البشرية الطويل، وذلك لإبراز موقف البشرية من دعوة الرسل، وإظهار الحقائق الدينية من خلال التصوير القصصي. وذلك لأن القصة من أكثر الأساليب الفنية تأثيرا في النفوس، يرى فيها الإنسان، ما يراه في حياته من أحداث، وأشخاص، وصراع، وحوار. فسحرت بذلك النفوس، وأسرت القلوب. وقد يرجع التشويق في القصة إلى تعدد مشاهدها، وتنوّع حوادثها، وتباين أشخاصها، وطريقتها الفنية في حبك الأحداث، ونموّها، وتصوير شخصياتها من النواحي النفسية والجسمية والسلوكية والفكرية، ونشاط الخيال في ملء فجواتها الفنية بين المشاهد، والمشاركة الوجدانية لبعض الشخصيات، وانفعال القارئ بالمواقف والحوادث حين يتخيل نفسه وسط هذه الأحداث والصراع. لهذا كانت القصة هي الأسلوب المفضّل لدى الإنسان في القديم والحديث. والقرآن الكريم يراعي هذا الميل الفطري للإنسان نحو القصة، فيتّخذها وسيلة فنية، لتحقيق أغراضه الدينية.

стр. 247

لذا نجد كثرة القصص في القرآن الكريم، إلى جانب الأساليب الأخرى، تتفاعل معها، وتتواصل في نقل الحقائق الدينية. والقصة في القرآن الكريم تتميّز عن غيرها من القصص الفنية، بموضوعها الديني، وأسلوبها الرفيع الملائم لسمو القرآن الكريم، وأشخاصها، وحوادثها ... فهي قصة فنية ذات هدف ديني بحت، ولكنها تفي بكل العناصر الفنية للقصة «١». فقصص الأنبياء والرسل، تهدف إلى تحقيق غرض ديني من عرضها في القرآن، ولكن هذا الغرض الديني لم يخلّ بالجانب الفني فيها، بل إن الجانب الفني قد وظّف توظيفا دقيقا في سرد هذه القصص لتحقيق هذا الغرض. وهي قصص تاريخية، ولا يمكن التشكيك فيها لقوله تعالى: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ يوسف: ١١١. والفن في هذه القصص، يكمن في صدق تصوير الأحداث، والدقة في عرضها، وإحياء مشاهدها. وليس الفن فيها اختلاقا أو تخيلا لأحداث لم تقع بقصد تحقيق التأثير النفسي للعظة والعبرة، كما زعم ذلك الدكتور محمد أحمد خلف الله في كتابه «الفن القصصي في القرآن» «٢». وحين تهمل القصة تحديد الزمان والمكان، وأسماء الأشخاص والتعريف بهم، فإن ذلك يرجع إلى خصوصية القصة القرآنية، ذات الهدف الديني، فهي لا تهدف إلى التأريخ للأحداث، أو الإمتاع الفني المجرد، بل إنها ترمي إلى بيان رسالة الله للبشر، وموقف الناس منها على مدار التاريخ، لذلك فإنها: «ليست عملا فنيا مستقلا في موضوعه، وطريقة عرضه، وإدارة حوادثه، كما هو الشأن في القصة الفنية الحرة التي ترمي إلى أداء غرض فني طليق- إنما هي وسيلة من وسائل القرآن الكثيرة إلى أغراضه الدينية. والقرآن كتاب دعوة دينية قبل كل شيء، والقصة إحدى وسائله لإبلاغ هذه الدعوة وتثبيتها» «٣». ومن الخطأ أن ننظر إلى القصة في القرآن، من خلال المقاييس الفنية المستخلصة من

стр. 248

القصة الفنية الطليقة، لأن القصة القرآنية متميّزة بغرضها الديني، وخاضعة له «ولكن هذا الخضوع الكامل للغرض الديني، ووفاءها بهذا الغرض تمام الوفاء لم يمنع بروز الخصائص الفنية في عرضها، ولا سيما خصيصة القرآن الكبرى في التعبير وهي التصوير» «٤». فالهدف الديني هو الغاية من القصة في القرآن، وليس التأريخ، لهذا لا نجد فيها تحديدا للأزمنة والأمكنة التي وقعت فيها الأحداث، كما لا نلاحظ عناية في تصوير السمات الحسية للشخصيات، وذكر أسمائهم. بل إن الأحداث في القصة، لم ترد في سياق واحد مجتمعة- ما عدا قصة يوسف- وإنما جاءت موزّعة في أنساق تعبيرية تقتضيها، لتحقيق الغرض الديني منها. ولكن هذه الحلقات الموزّعة للقصة الواحدة مترابطة ومتناسقة ومتكاملة، بحيث لو جمعناها، لتكوّنت القصة متكاملة بأحداثها وأشخاصها وهذا ما يؤكد قيام القصة في القرآن على نظام العلاقات التصويرية والتعبيرية والفكرية. حتى تتكون من ذلك كلّه قصة متكاملة ذات نسيج موحّد، شأنها في ذلك شأن الصورة القرآنية عامة، كما رأينا في الفصول السابقة، ونؤكّده فيما يأتي من فصول قادمة في هذا الكتاب إن شاء الله. وقد أثّر الغرض الديني للقصة في بنائها الفني وتركيبها، وطريقة عرضها، وطولها وقصرها، ورسم شخصياتها. وتأثير الغرض الديني نلاحظه أولا في تكرار القصة، لتحقيق الغرض الديني، والتأثير النفسي، ولكن التكرار لا يتناول القصة بأكملها من بدايتها إلى نهايتها، وإنما يلتقط منها حلقة من حلقاتها بقصد الإشارة إلى موضع الاعتبار فيها، ضمن سياق يقتضيه، مثل قصة «موسى» ﵇ التي تعدّ من أكثر القصص تكرارا في القرآن الكريم، وذلك لأن موسى ﵇ قريب عهد بالرسالة المحمدية، وقصته حاضرة في أذهان العرب آنذاك، والمشابهة بين موقف فرعون من موسى وموقف العرب من رسول الله واضحة، وهي موحية بالنصر لدعوة الله في نهاية المطاف، على الرغم من كل الجهود التي بذلها فرعون، لإيقافها، وكذلك ستكون النتيجة بالنسبة للعرب مماثلة لإهلاك فرعون وجنوده. كذلك فإن وجود اليهود في مجتمع المدينة المنورة في عهد الرسول ﷺ ، يقتضي توضيح

стр. 249

طبيعتهم، وتعريف المسلمين بأساليبهم الماكرة لكي يحذروهم. ثانيا: في طريقة عرض القصة لأحداثها. فأحيانا يبدأ العرض من الحلقة الأولى للقصة إذا كانت فيها عظة واعتبار، كقصة آدم وعيسى مثلا. وقد تعرض حلقتها المتأخرة مثل قصة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب. ثالثا: في طول القصة وقصرها، فالطول والقصر يتبعان أيضا الغرض الديني، ويخضعان له. فقصة موسى ﵇ ترد مفصّلة من بدايتها إلى نهايتها، فتبدأ من ولادته ثم نشأته في بيت فرعون ثم فراره إلى مدين، ثم عودته إلى مصر لدعوة فرعون وقومه ثم في نهاية فرعون وجنوده بالموت غرقا. كذلك قصة «يوسف» مكتملة بأحداثها وأشخاصها، مفصّلة بحلقاتها، في سورة واحدة. وهناك قصص موجزة، ورد منها ما يتعلق بالرسالة فقط، وموقف الناس منها. مثل قصة هود- وصالح ولوط وشعيب. وقصص أخرى موجزة جدا كقصة زكريا، وأيوب، ويونس. وهناك قصص يشير إليها ولا يروي شيئا عنها مثل قصة إدريس، واليسع، وذا الكفل. رابعا: في إهمال تصوير الجانب الحسي للشخصية، وكذلك تصوير المكان وتحديده، وكذلك تحديد الزمان إلى آخر ما هنالك من ظواهر تأثير الغرض الديني في بناء القصة وتركيبها وطولها وقصرها «٥». بالإضافة إلى التوجيهات الدينية الصريحة الواردة في أثناء عرض القصة، أو في التعقيب عليها، ولكن خضوع القصة للغرض الديني، لم يؤثر في بنائها الفني، وتصويرها للأحداث والأشخاص، وتصوير العواطف والانفعالات البشرية. فالعناصر الفنية متوفرة في القصة القرآنية، تشدّ القارئ إليها، والتفاعل مع أحداثها وحوارها، ولكن هذه العناصر الفنية، تنبع من طبيعة القصة القرآنية، وليس من خارجها، فلا تقاس بمقاييس القصة الفنية المعروفة في النقد الحديث، لأن لها خصوصية في موضوعها وأسلوبها وطريقة بنائها بما يتوافق مع أغراضها الدينية، وهي في النهاية تحقّق

стр. 250

التأثير الوجداني من خلال توفير عناصر فنية فيها. وقد اعتمدت القصة على التنويع في أسلوب العرض للأحداث، فمرّة تبدأ بإعطاء موجز عن الأحداث لتهيّئ الأذهان، وتشوّقها إلى العرض المفصّل بعد ذلك كقصة أصحاب الكهف. ومرّة تضع مغزى القصة، أو نهايتها قبل العرض المفصّل، كما في قصة يوسف حيث نلاحظ أن أحداثها المفصّلة، جاءت بمنزلة تفسير لرؤيا يوسف في بداية القصة. وأحيانا تعرض القصة بعد مقدمات. كقصة مريم. وقد يشير أحيانا ببعض الألفاظ لبداية العرض، ثم يترك القصة تعبر عن نفسها كقصة إبراهيم وإسماعيل في بناء الكعبة. وكما تنوّعت طرق العرض للأحداث، تنوّعت أيضا طرق «الإثارة الفنية»، وذلك بالاعتماد على عنصر المفاجأة المؤثّر في النفوس. فقد تكون المفاجأة لبطل القصة والقرّاء معا، كما في قصة «موسى والرجل الصالح» في سورة الكهف، وقصة مريم، وقد تكون لأبطال القصة وليس للقراء، لأنهم يعرفون السرّ مسبقا مثل «قصة أصحاب الجنة». وغالبا ما يكون ذلك لتحقيق السخرية والتهكم. وقد تكون المفاجأة موزّعة بين البطل والقراء في مواضع مختلفة مثل قصة عرش بلقيس. كذلك هناك الفجوات الفنية متروكة بين المشهد والمشهد ليقوم الخيال بملء هذه الفجوات. ولا يخفى ما في هذه الفجوات بين المشاهد القصصية من إثارة للخيال، ومتعة فنية. وهذه الخصائص الفنية متبعة في القصة القرآنية التي ترمي إلى تحقيق أغراض دينية، فهي تهمل مشاهد، وتركّز على مشاهد معينة، يكون فيها الغرض الديني واضحا. فقصة يوسف ﵇ مثلا. مليئة بالمشاهد ترك بين مشهد ومشهد فجوات فنية، لإثارة الخيال، وتحريكه، ليملأ هذه المشاهد بما يتفق مع السرد القصصي. ويعد التصوير الفني للأحداث والشخصيات أهم العناصر الفنية في القصص القرآني، فهو الذي يقوم بنقل الحوادث، ويجسّم العواطف والمشاعر الإنسانية، ويصوّر الشخصيات، فيجعل القصة حية شاخصة بأحداثها وأشخاصها، وليست مجرد قصة تروى. يقول محمد يوسف نجم في دور التصوير في القصة: «والصورة البيانية المشرقة لها

стр. 251

خطرها في تقويم العمل الأدبي عامة، أمّا في القصة، فإن لها شأنا آخر، إذ يجب أن تكون وظيفيّة أي أن تجمع بين الفائدة القصصية، والروعة البيانية» «٦». والصورة القرآنية، تحقق هذه الوظيفيّة التي أشار إليها الدكتور محمد يوسف نجم في عبارته الآنفة الذكر. فهي تؤدي أغراضا دينية في تصوير القصص كإثبات الوحي والرسالة، ووحدة الرسل، ووحدة الرسالة السماوية، والمواقف المتشابهة للناس من دعوة الرسل، وانتصار دعوة الله في نهاية المطاف، بتدمير الكافرين ... الخ في الوقت الذي تؤدي وظيفة فنية أيضا، وبتلاحم الغرض الديني والغرض الفني، يتحقق الأثر النفسي الذي يعدّ «الطاقة المحركة فيها» «٧» كما يقول محمد يوسف نجم. فتصوير الأحداث والشخصيات والمشاعر الإنسانية، يؤدي إلى تحقيق هذا الأثر النفسي الذي يبقى في النفوس بعد قراءة القصص القرآني. ويصعب الوقوف على جميع القصص القرآني الواردة في القرآن، لغزارتها، فهي تحتاج إلى عمل آخر مستقل ويكفينا هنا أن نقف على وظيفة الصورة في رسم الأحداث والشخصيات والعواطف الإنسانية، لأن هذا هو بحثنا في هذا الكتاب. وسوف أتوقّف عند بعض القصص، لكي أوضّح وظيفة الصورة من خلالها، حسب الفقرات الآتية: أ- تصوير الأحداث تعتبر الأحداث عنصرا هاما من عناصر القصة، وهي مرتبطة بعنصر آخر، هو «الشخصيات»، فهما العنصران البارزان في كل قصة، إذ لا يمكن أن نتصور أشخاصا بلا أحداث تجري في حياتهم، ولا أحداثا بلا أشخاص، ولكن يلاحظ في القصة القرآنية غلبة أحد العنصرين على الآخر أحيانا. فقد تبرز الأحداث فيها، ويشتد التركيز عليها، لأنها هي موضع العظة والاعتبار، ولكن هذا لا يعني خلوّها من العنصر الآخر مهما كان. والأحداث في القصة القرآنية، ذات طبيعة خاصة، تظهر فيها قدرة الله سبحانه،

стр. 252

وأثرها في حياة الإنسان. وتصوير الأحداث في القصة يعتمد على عرض قضية الإيمان والكفر منذ فجر البشرية، ويعاد عرض هذه القضية في كل قصص القرآن، لأنها هي القضية الأساسية في الأديان جميعا. فالبشرية تنحرف عن الفطرة، وتضلّ، وتكفر بالله الذي خلقها، فيرسل الله الرسل لهداية البشر، ولكنّهم لا يستجيبون لدعوة الرسل، ويقفون موقفا منكرا للحق المبين، ويستمرّ الرسل في دعوتهم، ويصرّ الكافرون على كفرهم، ويحاربون رسل الله حربا مادية ومعنوية، فتبدأ مرحلة المواجهة بين أهل الإيمان والكفر، فيتدخل الله سبحانه، فينصر رسله، ويدمّر الكافرين. وتكاد هذه الأحداث أن تقع لكل رسول مع قومه، كما يصوّرها القرآن، والغاية من تصوير هذه الأحداث على هذه النحو أن يوضح للمشركين ما جرى لأسلافهم المكذبين بالرسل من دمار وهلاك، وينذرهم عاقبة كفرهم، مثل عاقبة أسلافهم المكذبين، وفيها تطمين للرسول ﷺ والمؤمنين معه، بأن الله معهم، وأن النصر لهم في النهاية. وتصوير الأحداث في القصة متنوّع، فأحيانا تعرض الأحداث بشكل موجز وسريع في قصص مختلفة لأن الغاية هي إثبات وحدة الرسل والرسالات. فنحن نجد في سورة «الصافات» مجموعة من الأحداث القصصية المتوالية، عرضت بإيجاز وسرعة، لتحقيق أغراض دينية، وهي تدور حول وحدة الرسل والرسالات، وموقف الناس على مختلف الأجيال والبيئات من دعوة الرسل، ثم نتائج التكذيب هي التدمير للمكذبين، وهذا ما نراه في قصة نوح وإبراهيم وإسماعيل، وموسى وهارون، وإلياس، ولوط، ويونس، وتنفرد قصة يونس بإيمان قومه، وهي معروضة في هذا السياق، لبيان عاقبة المؤمنين إلى جانب عاقبة المكذبين وعرض هذه الأحداث بهذه السرعة الخاطفة، مثير لمخيلة الإنسان، ليستحضر هذه الأحداث، ويتفاعل معها ويتصور موقعه فيها، بعد أن اتّضحت له العواقب لأهل الإيمان، والكفر. ويبدأ تصوير الأحداث في هذه السورة بقصة نوح ﵇ لأنه يعد الأب الثاني للبشرية، ويلاحظ تركيز التصوير على حدث الطوفان، لأنه حاضر في ذاكرة الناس، فإحياء صورة الطوفان من أجل تحقيق التأثير الديني، يقول تعالى: وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ،

стр. 253

وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ، وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ، وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ، سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ، إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ الصافات: ٧٥ - ٨٢. فالأحداث معروضة هنا من نهايتها تقريبا، حين يئس نوح من قومه، فدعا عليهم، فأغرقهم الله، ويسدل الستار على الأحداث بإغراقهم دون تفصيل. وكأن تصوير الأحداث على هذا النحو السريع، قصد به تطمين الرسول ﷺ والمؤمنين معه، بأن الله يستجيب له دعاءه في اللحظة المناسبة، وأن القوة الفاعلة في الكون والحياة هي قوة الله، وأن الله ينصر دعوته والمؤمنين بها. كما أنّ تكريم الله لأنبيائه واضح في التعبير والتصوير على حدّ سواء، فالله قريب من رسوله، يستجيب دعاءه، وينجيه، وأهله والمؤمنين معه، وبقاء ذريته من بعده، وتكريمه بالسلام والإحسان والإيمان، وإغراق أعدائه. والتصوير للأحداث على إيجازه، يترك للخيال أن يستحضر بقية الأحداث، من خلال بعض الإيحاءات فالدعاء يوحي بما قبله من أحداث ودعوة وتكذيب وعناد، والطوفان يوحي بالسفينة كما جاء ذلك مصوّرا في آيات أخرى. ويطول تصوير الأحداث في قصة إبراهيم، ضمن هذا الشريط السريع، لأن إبراهيم ﵇ جدّ العرب فكأن القرآن الكريم أراد من وراء هذا التصوير أن يضع أمامهم قصة جدهم إبراهيم، ودعوته إلى التوحيد، ونبذ عبادة الأصنام، وذلك لدفع العرب إلى الاقتداء بجدهم الذي يزعمون الانتساب إليه. فيسلّط الضوء على الألوهية الجديرة بالعبادة من خلال حوار إبراهيم مع أبيه وقومه يقول تعالى: إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ، أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ، فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ الصافات: ٨٥ - ٨٧. وعلى عقيدة التوحيد، وعجز آلهتهم المزعومة بقوله: فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ، ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ، فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ، فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ. قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ، وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ، قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ، فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ ... الصافات: ٩١ - ٩٨. فالأحداث هنا موجزة، وتترك بقية الأحداث لإيحاءات التصوير والتعبير، ويتمّ التركيز

стр. 254

هنا على موضع العظة والاعتبار، في تصوير عجز الأصنام بصورة ساخرة مضحكة، فهي حجارة صمّاء، لا تنفع ولا تضر، وليس فيها مقوّمات الحياة من نطق وطعام، فكيف تستجيب لدعائهم، فما كان من إبراهيم إلا أن حطّمها. وتسليط الأضواء على الأصنام هنا، يشابه ما كان يواجهه الرسول ﷺ من تمسك قومه بعبادة الأصنام، ورفضهم لدعوته. وحالة العرب في انحطاط تفكيرهم حين يتوجهون لهذه الحجارة، يشبه حالة قوم إبراهيم، وموقف الرسول ﷺ هو موقف إبراهيم. فالأحداث تثبت وحدة الرسل، ووحدة دعوتهم إلى التوحيد، وموقف الناس من دعوة الله على مدار التاريخ. ولكن نهاية الأحداث توضح نجاة إبراهيم من النار، وفي ذلك تطمين للمؤمنين بأن الله معهم، ولن يتركهم لأعدائهم إن أخلصوا النية واتّبعوا منهجه. ويستمر تصوير الأحداث في قصة إبراهيم مع ولده إسماعيل، ليكون نموذجا لطاعة الأحفاد لأمر الله وانقيادهم لدعوة التوحيد. ثم يأتي بعد ذلك تصوير أحداث موسى وهارون مع فرعون وجنوده بإيجاز شديد، ويكتفي بهذا السياق بنجاة موسى وهارون وقومهما، ونصرهم على عدوهم فرعون، يقول تعالى: وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ، وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ، وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ، وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ، وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ، وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ، سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ، إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ الصافات: ١١٤ - ١٢٢. ويتوالى تصوير الأحداث بإيجاز شديد، وتشابه في التعبير أحيانا، وتركيز على قضية التوحيد، وتدمير المكذبين يقول تعالى: وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ، أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ ... الصافات: ١٢٣ - ١٢٥. ويقول تعالى في لوط وقومه: وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ، ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ، وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ، وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ الصافات: ١٣٣ - ١٣٨. فالحوادث المصورة متشابهة في دعوة الرسل إلى التوحيد، وتكذيب قومهم، وعاقبة التكذيب هي التدمير، ولكنّ القصة الوحيدة المعروضة ضمن هذه القصص، تخالف سير

стр. 255

الحوادث فيها هي قصة يونس. فقد آمن بيونس قومه، بعد معاناته الشديدة من تكذيبهم، وفراره منهم، وابتلاع الحوت له، وعفو الله عنه، وعودته إلى دعوة قومه حتى آمنوا به، يقول تعالى: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ الصافات: ١٤٧ - ١٤٨. وتوحي قصة يونس ضمن هذا السياق، بأن الرسول مكلّف بتبليغ الرسالة السماوية على الرغم من تكذيب قومه، وأن الصبر على آلام الدعوة، قد يؤتي ثماره في النتائج، كما حدث ليونس ﵇. وقد أثر الغرض الديني في القصص حتى في بنائها اللغوي، وتركيبها. فنحن نلاحظ التشابه في الصياغة في ختام كل قصة بقوله تعالى: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ، إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ الصافات: ٧٨ - ٨١، وبهذه الصياغة ختمت قصة إبراهيم وموسى وهارون وإلياس وهذه الصياغة توحي بتكريم الله رسله، المؤمنين المحسنين، وبامتداد الذكر الحسن لهم في الآخرين. وغالبا، تعرض أحداث القصة، موزّعة على حلقات في سور مختلفة، حسب ما يقتضيه السياق من التركيز على جانب من الجوانب الدينية الواردة في حلقة من حلقاتها. فقصة نوح مثلا موزّعة الحلقات على سور متعددة مثل نوح، الصافات، يونس، هود، الأعراف، العنكبوت. وقد بيّنا أن قصة نوح في سورة الصافات، قد عرضت من نهايتها باختصار شديد ضمن مجموعة من القصص الممتدة في الزمان والمكان، لبيان وحدة الرسالات السماوية، وتكريم الله أنبياءه، وعاقبة الكفر. وفي سورة نوح، نلاحظ تفصيلا أكثر للأحداث، لإبراز ضخامة الجهد المبذول في دعوة قومه، وضآلة المحصول النهائي للدعوة. ويعتمد تصوير الحوادث على أسلوب الدعاء، ومن خلال دعاء نوح، تتوالى الأحداث التي مرت بها الدعوة. وكأنّ هذا الأسلوب يوحي بأن نوحا يقدم لربه سبحانه، خلاصة عن الأحداث التي مرّ بها مع قومه ويركّز تصوير الأحداث، على دعوته لهم في الليل والنهار، ولكنهم ازدادوا فرارا منه ومن دعوته، وقد صوّر الفرار بوضع الأصابع في الآذان مرة، وتغطية الرءوس والوجوه مرة أخرى.

стр. 256

فقد ظلّوا على كفرهم وعنادهم، ولم يفدهم تنويع أسلوب الدعوة بين الجهرية والسرية، ولا أسلوب الترغيب في إغداق السماء عليهم إن آمنوا، والإمداد بالأموال والبنين والرزق الوفير في الجنات والأنهار، كذلك لم يفكّروا في المشاهد الكونية أمامهم، في السماوات الطباق، والقمر المنير، والسراج الوهّاج، والأرض المبسوطة، والفجاج المسلوكة، ولا في آيات خلقهم وإنشائهم، بل ظلوا معاندين مصرين على عبادة آلهتهم، ودّ، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسرا. ثم نلاحظ ارتفاع نبرة المناجاة، بعد تصوير كفرهم وعنادهم، وبلغت ذروتها في دعاء نوح عليهم، لأن كفرهم تجاوزهم إلى ذريّاتهم، فأصبحوا يورّثونه أبناءهم، وانقطع الأمل في هدايتهم بعد هذه السنين الطويلة من الدعوة، ولم يبق إلا عقابهم، فاستجاب الله دعاء نوح فأغرقهم، ولكن مشهد الإغراق في هذه السورة يعرض سريعا خاطفا ضمن المناجاة النفسية، والدعاء الخاشع، يقول تعالى: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً نوح: ٢٥. وفي سورة الأعراف، يدخل «الحوار» عنصرا من عناصر التصوير، لإحياء المشاهد القصصية، وترك الكافرين يعبّرون عن أنفسهم لفضحهم، وبيان مدى ضلالهم، ووقاحتهم في مخاطبة رسل الله، وبيان عاقبة تكذيبهم. ويركز تصوير الأحداث، على إبراز قضية التوحيد، يقول تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ، قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ، أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ... الأعراف: ٥٩ - ٦٢، إلى أن يقول فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ الأعراف: ٦٤. كذلك يعتمد تصوير الأحداث لقصة نوح في سورة «الشعراء» على الحوار أيضا، مع إضافة أشياء جديدة لم ترد في الحوار السابق، فقد دعا قومه إلى الطاعة والتقوى، وأعلن أنه لا يطلب أجرا منهم، ولكنهم رفضوا دعوته لأنّ أتباعه من الفقراء، فطلبوا منه أن يطردهم، وحين رفض طلبهم، لجؤوا إلى تهديده، يقول تعالى: قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ الشعراء: ١١٦، فدعا عليهم، فكانوا من المغرقين، يقول تعالى: قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ، فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي

стр. 257

الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ، ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ الشعراء: ١١٦ - ١٢٠. وهنا نلاحظ أن الحوار في القرآن الكريم متنوّع، فقد يكون بين اثنين مثل حوار إبراهيم مع أبيه، وموسى مع فرعون وقد يكون بين واحد، وجماعة، مثل حوار نوح مع قومه. ولكن حلقة التحدي الأخير بين نوح وقومه، ترد في سورة أخرى هي سورة «يونس»، فقد تحداهم نوح في هذه السورة أن ينفذوا تهديدهم له بالقتل، وأن يستعينوا أيضا بآلهتهم في تنفيذ ذلك، زيادة في التهكم والسخرية من اعتقاداتهم الباطلة. يقول تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ يونس: ٧١. وكانت النتيجة أن كذّبوه، فأغرقوا جميعا، قال تعالى: فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ يونس: ٧٣. وتصوير النتيجة جاء سريعا خاطفا، ليدل على سرعة العقاب بعد التكذيب مباشرة والفلك تدلّ على وجود الطوفان. وتصوير الطوفان يرد مفصّلا في سورة أخرى، هي سورة «هود»، إلى جانب تصوير الأحداث الأخرى، فيبدأ تصوير الأحداث من أول القصة بقوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ هود: ٢٥، ثم ينتقل مباشرة إلى كلام نوح على النحو الآتي: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ هود: ٢٥، وهذا الانتقال السريع في التعبير، يحيي الأحداث، ويجعلها، كأنها حاضرة، معروضة في مشهد، وليست أحداثا ماضية تروى، ثم يتوالى تصوير الأحداث عن طريق الحوار المتبادل بين نوح وقومه، ويتضح من الحوار أن نوحا كان يدعوهم إلى توحيد الألوهية، ويخوّفهم عذاب يوم أليم، ولكنهم رفضوا دعوته، لأنه بشر مثلهم، وهو ما قالته قريش أيضا فيما بعد لرسول الله، وكذلك طلبوا طرد الفقراء من حوله وهو الطلب نفسه الذي طلبته قريش أيضا، ولكنه لم يستجب لهم، ثم إنهم أظهروا ضجرهم من دعوته لهم إلى التوحيد فتحدوه ساخرين أن يأتيهم بالعذاب الموعود، تماما كما كانت قريش تفعل برسول الله، وتهدده، وتسخر منه، وتتحداه أن يأتي بالعذاب. وهذا يثبت وحدة الرسالة السماوية، ومواقف الناس منها، وأساليبهم في معارضتها، وكأن تصوير هذه الأحداث، يهدف إلى بيان سنة الله أو منهجه في دعوة الرسل، ومواقف

стр. 258

الناس منها، ليزداد الرسول والمؤمنون معه اطمئنانا أنهم يسيرون على منهج الله في التبليغ والابتلاء، ولكنّ النتيجة هي النصر والتمكين بإذن الله. ويستغرق مشهد الدعوة والإنذار والجدل في توحيد الألوهية الآيات من ٢٥ - ٣٥. ثم يبدأ المشهد الثاني من الأحداث بتقرير مصيرهم بالإغراق، عقابا على تكذيبهم، فيؤمر نوح بصنع سفينة للنجاة، وكانوا كلّما مرّوا به، سخروا منه، يقول تعالى: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ، وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ... هود: ٣٧ - ٣٨. ويلاحظ اعتماد التصوير على الفعل المضارع وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ، لإحياء الحدث، وكأنه حاضر ماثل في الخيال يتملّاه الآن، وقومه المتكبرون يمرون به ساخرين من عمله. ثم ينتقل تصوير الأحداث إلى مشهد آخر حيث نرى فيه نوحا يحمل في السفينة من كل زوجين اثنين، ويحمل أهله ومن آمن معه، وكانوا قلّة، يقول تعالى: حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ... هود: ٤٠. وصورة فوران التنور، صورة غيبية، لا نعرف ماهيّتها، ولكنها كانت مجرد علامة على بدء تعذيبهم بالإغراق. ثم ينتقل التصوير إلى مشهد السفينة، وهم راكبون فيها، وهي تشق أمواجا ضخمة كالجبال، وهذا التصوير يوحي بشدة الهول، وضخامة السيول، وغزارة الأمطار، ويترك للخيال أن يتابع مشهد السفينة وركابها وسط هذه الأهوال المادية والنفسية، أهوال في مشاهد الطبيعة، وأهوال نفسية مجسّمة في مناداة نوح ولده وسط هذه الأمواج، أن ينضم إلى ركاب السفينة المؤمنين، ولكنه لم يستجب فكان مع المغرقين، يقول تعالى: وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ، قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ هود: ٤٢ - ٤٣. والتصوير هنا دقيق وموح فهو يشمل الأهوال الحسية الممثلة في أمواج كالجبال، وأهوال نفسية أيضا ممثّلة في خوف الوالد على ولده، والمشهد المرسوم حي شاخص، يعتمد على الفعل المضارع وَهِيَ تَجْرِي على طريقة القرآن في استحضار الحدث من الماضي إلى

стр. 259

الحاضر، ثم يبدأ استعراضه كأنه ماثل أمام العيون الآن، والحركة التصويرية السريعة في إغراق ولد نوح، بعد رفضه نداء أبيه له وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ، والانتقال من أسلوب النداء بين نوح وولده، ثم فجأة يأتي الفعل الماضي وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ ليرسم سرعة حركة الموج في إغراقه، حتى غدا ماضيا، بعد أن كان حاضرا في النداء مع أبيه، والعطف بالفاء فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ يؤكد سرعة الإغراق بين حركة الموج، وسرعة ابتلاعه. ثم يتوجه الخطاب الإلهي إلى الأرض فتؤمر بابتلاع المياه والسيول، وإلى السماء بالإقلاع عن المطر، وهذا على طريقة القرآن الكريم في تشخيص الأشياء الجامدة وبعث الحياة فيها، زيادة في قوة التصوير والتأثير. والإيحاء بالقدرة الإلهية المالكة لهذا الكون بأرضه وسمائه، ثم يخيّم السكون على الأرض بعد حركة الطوفان المدمرة والمرعبة، وترسو سفينة نوح على الجودي في مشهد تصويري رائع، عقب هذا الفوران والطوفان في الأرض والسماء، وداخل النفوس أيضا، ولا يهتم التصوير برسم ملامح الوجوه، وحالات النفوس، وسط هذه الأهوال، لأن هذا متروك للخيال أن يستحضره من خلال تصوير الأهوال المرعبة، فالتصوير هنا يركّز على الأحداث دون الأشخاص بقصد التخويف والتأثير من سوء عاقبة تكذيب الرسل. وترد أيضا حلقة من حلقات القصة في سورة «العنكبوت» التي تتعلق بطول مدة دعوته، وضخامة الجهود التي بذلها في سبيل هداية قومه، ولكن محصول هذه الدعوة كان ضئيلا إذا قورن بطول المدة، وضخامة الجهود التي بذلت في هذا السبيل يقول الله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ، فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ العنكبوت: ١٤ - ١٥. وهكذا تتكامل حلقات أحداث القصة من خلال هذه السور المتعددة، لتحقيق أغراضها الدينية من خلال الأنساق التعبيرية التي تقتضيها من ناحية، وكي يكون قارئ القرآن على صلة بأحداث القصة، متفاعل معها، ومع التوجيهات الدينية المصاحبة لها من ناحية أخرى. فهذه الحلقات ليست قصصا مستقلة، وإنما هي حلقات قصة واحدة، وأحداث واحدة، لهذا فإننا نجد الترابط فيما بينها، والعلاقات التصويرية التي تشد الحلقة إلى الأخرى، حتى تتكون القصة المتكاملة بكل أحداثها، وحلقاتها، وأشخاصها، وإيحاءاتها الدينية والفنية.

стр. 260

وهذه هي طريقة القرآن الكريم في تصوير الأحداث القصة غالبا، تعرض في حلقات موزّعة على السور، حسب نظام العلاقات التعبيرية، والتصويرية والفكرية. في الأسلوب القرآني. وقصة «إبراهيم» ﵇ أيضا نراها موزّعة على السور التالية: العنكبوت- الأنبياء- الشعراء- البقرة- هود. ففي كل سورة من هذه السور، نجد تصويرا لأحداث حلقة من حلقات القصة. ففي سورة العنكبوت، نلاحظ التركيز على تصوير عقيدة التوحيد، ونبذ عبادة الأصنام، والإطالة في عرض هذه الحلقة، من الأحداث، لأن إبراهيم ﵇ يعدّ جدّ العرب، ولكن تصوير أحداث هذه الحلقة يظهر سوء الجزاء الذي قوبل به إبراهيم، فقد كان يدعوهم إلى التوحيد بالحجة والمنطق، ولكنهم قابلوه بأسلوب القتل حرقا في النار، يقول تعالى: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ ... العنكبوت: ٢٤، ولكن مشهد النار يعرض هنا موجزا جدا، ليعرض في حلقة أخرى في سورة أخرى. وهذه الحلقة من قصته هنا، تتناسق مع قصة نوح قبلها من حيث الدعوة إلى التوحيد، وسوء مقابلة قومه له، ورفضهم دعوته. وفي سورة «الأنبياء» تبدأ الأحداث بتصوير رشد إبراهيم ﵇، ورجاحة عقله، وقوة حجته وأسلوبه الحكيم في دعوة قومه وأبيه إلى عقيدة التوحيد، وقد عرض ذلك بالاعتماد على أسلوب الحوار بين إبراهيم وأبيه وقومه، فقد دعاهم إلى الإيمان، واستنكر عليهم عبادة الأصنام، وقد قدموا له حجة واهية في سبب عبادتهم لها، وهي أنهم يقلّدون آباءهم وأجدادهم في ذلك. وهذا يدلّ على جمود أذهانهم وعقولهم، لذلك ركّز إبراهيم في جوابه عليهم أن التقليد لا يكون في الضلال، ودعاهم إلى تفتيح عقولهم، ونبذ التقليد الأعمى وذلك بلفت حواسهم إلى الصور الكونية أمامهم في السماوات والأرض، ثم أعلن لهم أنه سيفعل شيئا ضد آلهتهم، ليوقظ عقولهم المتحجّرة. ثم ينتقل تصوير الأحداث إلى مشهد الأصنام المحطّمة، وهذا المشهد هو الدليل الحسي على بطلان عبادتها، لأنها لم تستطع أن تحمي نفسها، فكيف تحمي غيرها؟ ولكن عقولهم

стр. 261

المتحجرة لم تدرك ما وراء تحطيم الأصنام من دلالات فكرية ودينية، فراحوا يسألون عن الفاعل، ولم يلتفتوا إلى الحقيقة المحسوسة من وراء تحطيمها، وهذا يوحي بمنتهى الجمود والتحجر الذهني، لهذا حين سألوا إبراهيم عن الفاعل. ردّ عليهم بسخرية لاذعة من تصوراتهم، وطريقة معالجتهم للأمور، فطلب منهم أن يسألوها عن الفاعل. فشعروا بالخيبة، ومرارة السخرية في داخل نفوسهم، ولكنّ هذه المراجعة للنفس لم تطل فسرعان ما أجابوه أن أصنامهم لا تنطق. يقول تعالى في تصويرهم: ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ الأنبياء: ٦٥. وحركة النكوس المصورة هنا تدل على خواء الرءوس من العقول والتفكير السليم. ويتضح ذلك في استدلالهم بحجة تظهر بطلان عبادة الأصنام، فهي حجة عليهم، وليست لهم كما يريدون. ويشتد إبراهيم عليهم، في عبادتهم لآلهة صمّ، لا تنفع ولا تضر، ولكنهم بدلا من أن يدركوا حقيقة الألوهية، فيؤمنوا بالله الواحد. أخذتهم العزة بالإثم، وأعلنوا تمسكهم بها، ولجؤوا إلى أسلوب التهديد، وهو أسلوب من لا يملك قوة الحجة والإقناع، يقول الله تعالى في ذلك: قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ، قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ ... الأنبياء: ٦٨ - ٦٩. ونجد حلقة جديدة في قصة إبراهيم تعرض في سورة «الشعراء» وهي تصوير مقومات العقيدة على لسان إبراهيم وحواره مع قومه، وعرضه لصفات الله في الخلق والهداية، والإطعام والسقاية، والابتلاء والشفاء والإماتة والإحياء، وغفران الذنوب، وتذكيره باليوم الآخر، وما فيه من نعيم وعذاب، وهذا الجزء جديد، لم يعرض في أثناء تصوير أحداث قصة إبراهيم، وفي سياق التذكير بالآخرة يعرض علينا مشهدا من مشاهد القيامة، وهو حدث لم يقع، ولكنه يعرضه في سياق الأحداث، وكأنه قد وقع فعلا، وفيه نرى المشركين مع أصنامهم يواجهون مصيرهم في النار، بعد أن تكشفت لهم حقيقة الأصنام، فتركوا يواجهون عاقبة شركهم وكأنهم صاروا إليه فعلا. يقول تعالى في ذلك: وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ، فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ، وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ، قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ،

стр. 262

تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ، وَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ الشعراء: ٩٢ - ٩٩. وهذه الحلقة الجديدة ملائمة للجوّ العام في تصوير الأحداث، وتصوير الأصنام وعقيدة الشرك، فهي ترسم النهاية المتوقعة للمشركين مع أصنامهم في النار. كما أنّ حلقة بناء إبراهيم للبيت مع ولده إسماعيل ترد في سورة البقرة، متناسقة مع الموضوع الواردة فيه والجوّ العام للسورة. يقول تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ... البقرة: ١٢٧ - ١٢٩. كما يعرض فيها حلقة أخرى جديدة في القصة وهي حوار إبراهيم مع الملك الكافر حول قدرة الله على الإماتة والإحياء يقول تعالى في تصوير هذا الحدث: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ البقرة: ٢٥٨. فهذه الحلقة تعتمد على أسلوب المناظرة بين إبراهيم وهذا الكافر، ويتّضح منها قدرة إبراهيم ﵇ على سوق البراهين المفحمة، والأدلة المقنعة، إذ سرعان ما انتقل إبراهيم من دليل إلى أخر، حين رأى خصمه، قد حاول التضليل وإيهام الآخرين عن حقيقة الإماتة والإحياء، فجاءه إبراهيم بدليل آخر، من الكون المنظور، ليظهر الحقيقة الموضوعية التي لا يمكن لخصمه أن يدّعي امتلاكها، كما فعل في الدليل الأول، لهذا كانت النتيجة هي ظهور الحقيقة للجميع التي لا تقبل الجدل فيها «٨». كذلك نلاحظ أن ما جرى بين إبراهيم مع الملائكة الذين جاءوا في صورة ضيوف، هذه الحلقة من قصته تعرض في سورة «هود». وقد أحضر إبراهيم لهم عجلا مشويا، على عادة العرب في إكرام الضيوف، ولكن ضيوفه لم يتناولوا الطعام، فأيديهم واقفة لا تمتد إليه، على الرغم من صورتهم المشابهة للبشر، فانتابه شعور الخوف منهم، فصرّحوا له بحقيقتهم، وبالمهمة الموكلة لهم في تدمير قوم لوط، وبشروه بإسحاق ويعقوب من امرأته العجوز ... وهكذا تبرز قدرة الله من خلال

стр. 263

تصوير الحدث في الإماتة والإحياء، وتتمثّل صورة الإماتة في تدمير قوم لوط، وصورة الإحياء في البشارة بالذرية الطيّبة الممتدة. وهكذا تتكامل مشاهد الأحداث أو الحلقات لقصة إبراهيم ﵇، من خلال المواضع التي وردت فيها، حسب ما يقتضيه التعبير والسياق، حتى يتحقق الغرض الديني، من تصوير أحداثها الموزّعة على تلك السور، ولكنّ الترابط بين الأحداث ملحوظ، فكل حدث يكمل الآخر، حتى يتكامل بناء القصة الفنية بكل أحداثها وأشخاصها وإيحاءاتها كما بينّا ذلك في هذا الاستعراض لها. وقصة «موسى» ﵇ أيضا لا تخرج عمّا ذكرناه، من توزيع حلقاتها على سور القرآن الكريم «النازعات- طه- الشعراء- القصص ... إلخ». ويبدأ تصوير الأحداث في سورة «النازعات» من مناداة الله موسى بالواد المقدس، إلى خاتمة الأحداث في إغراق فرعون وجنوده. وبين هذه البداية وهذه النهاية وما بينهما من المدى الطويل، والحوادث الضخام تعرض الأحداث في آيات معدودة وسريعة، بما يناسب جوّ السورة وإيقاعها السريع، يقول الله تعالى: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً، اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى، وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى، فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى، فَكَذَّبَ وَعَصى، ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى، فَحَشَرَ فَنادى. فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى، فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى، إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى النازعات: ١٥ - ٢٦. ويبدأ تصوير الأحداث هنا بالتمهيد الموحي هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى فهو حديث معروف، يجري على الألسنة، وبعد التمهيد، وتهيئة الأذهان لسماع أخبار ما جرى، يبدأ عرض الأحداث، بالنداء العلوي، المتضمن تكليف موسى بحمل الرسالة السماوية، وتعليمه طريقة دعوة فرعون باللين والتذكير، والإبلاغ. ثم ينتقل التصوير للأحداث لمشهد المواجهة مع فرعون، ويترك فجوات فنية بين المشهدين ليقوم الخيال باستحضارها من مواضعها أو أنساقها القرآنية الأخرى، وهذه طريقة قرآنية في تصوير الأحداث، عامة في القصص القرآني، لتحقيق الغرض الديني من سرد أحداث القصة في أنساق تستدعيها. ولكن فرعون لم يستجب لدعوة موسى على الرغم من الآية الكبرى أو المعجزة التي جاء بها موسى، ولم تذكر هنا وذكرت في مواضع أخرى مثل معجزة العصا، واليد البيضاء.

стр. 264

وأصرّ فرعون على ادّعاء الألوهية، ومواجهة موسى بالسحرة، ثم ينتهي المشهد بأخذ فرعون وجنوده وإهلاكهم جميعا. فتصوير الأحداث يمر في شريط سريع، يتمثل في توالي الأفعال: فَكَذَّبَ وَعَصى، ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى، فَحَشَرَ فَنادى، فَقالَ ... والجمل القصيرة الخاطفة، لتسريع الأحداث لكي تتناسق مع جو السورة السريع. ونرى في سورة «طه» تفصيلا في تصوير الأحداث، يبدأ بمشهد موسى بالفلاة مع النداء العلوي يأمره بالتوحيد، والعبادة، ويذكره بالساعة ثم يجري على يديه المعجزات الحسية في عصاه ويده، لتطمينه بها في أثناء مواجهة فرعون، ثم يكلف معه أخاه هارون بالرسالة، ويتخوّف موسى وهارون من بطش فرعون، ويذكّره برعايته له حين كان طفلا. ثم يمضي تصوير الأحداث إلى مشهد المواجهة مع فرعون، وما جرى بينهما من جدل وحوار، حول العقيدة والإيمان، ثم تصوير مشهد موسى والسحرة، والإطالة في عرضه، لأنه مشهد التحدي، ينتهي بإيمان السحرة أمام الجموع المحتشدة، فيلجأ فرعون إلى أسلوبه في تهديدهم بالقتل ولكنهم لم يبالوا بتهديده، ثم تصوير مشهد إغراق فرعون وجنوده، وانتصار موسى والمؤمنين معه. يقول تعالى في ختام القصة بإهلاك فرعون: فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ طه: ٧٨. وفي سورة الشعراء، نجد تفصيلا مشابها لما في سورة طه، فتبدأ الأحداث من مشهد النداء الإلهي أيضا، ثم مواجهة موسى فرعون بالرسالة، والخوارق في العصا واليد البيضاء، ثم التآمر على موسى، وجمع السحرة في يوم الزينة، ثم إغراء فرعون السحرة بمضاعفة الأجر إن تفوّقوا على موسى، ثم مشهد التحدي بين موسى والسحرة وإيمان السحرة، وتهديد فرعون لهم، ثم جمع فرعون جنوده لقتال موسى والمؤمنين معه، ثم نهاية فرعون بالموت غرقا في البحر مع جنوده، ونجاة موسى والمؤمنين معه. ولكن هذه الأحداث على الرغم من التشابه بينها وبين الأحداث الواردة في سورة طه فإننا كما يقول سيد قطب: «لا نجد تكرارا في عرض القصة أبدا على كثرة ما عرضت في سور القرآن، لأن هذا التنويع في اختيار الحلقات التي تعرض، ومشاهد كل حلقة، والجانب

стр. 265

الذي يختار من كل مشهد، وطريقة عرضه كل أولئك يجعلها جديدة في موضع متناسقة مع هذا الموضع» «٩». ويؤكد هذا القول أيضا ما نراه في سورة «القصص» من تركيز على تصوير أحداث ولادة موسى، والإطالة في عرض هذه الحلقة من القصة، لأنها تبرز قدرة الله في حمايته ورعايته، منذ الولادة، وتؤكّد أيضا على أن الشرّ لا جذور له، وأنه يحمل بذور فنائه، مهما طال أمد بقائه، أو اتّخذ الوسائل التي تؤمّن له الاستمرار والبقاء. وهذا المعنى كان يحتاجه المؤمنون في مكة وهم يواجهون بطش قريش وصلفها، فيزيدهم إيمانا وثقة في الانتصار على الباطل مهما طال أمده، لأن الله معهم يرعاهم ويحميهم كما حمى موسى ورعاه من بطش فرعون يقول تعالى في ذلك: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ ... القصص: ٧ - ٨. وفي سورة «الأعراف» تعرض حلقات جديدة من القصة مثل تعذيب بني إسرائيل على يد فرعون يقول تعالى: وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ ... الأعراف: ١٢٧. وتصوير أخذ الله فرعون وجنوده بأنواع من العذاب الحسي مثل السنين الشديدة، ونقص الثمار، والطوفان والجراد والقمّل والضفادع والدم. قال تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ ... الأعراف: ١٣٣. وتصوير أحداث أخرى بعد إغراق فرعون وجنوده، واستخلاف موسى وقومه المؤمنين. مثل مجاوزتهم البحر، ورؤيتهم قوما يعبدون الأصنام، وطلبهم أن تكون لهم آلهة مثلهم، ثم تصوير مناجاة موسى ربه، وطلبه رؤيته، واندكاك الجبل في أثناء تجلّي الله عليه، وسقوط موسى مغشيا عليه ثم تلقيه الألواح، ثم تصوير اتخاذ اليهود عجلا يعبدونه من دون الله، ثم عودة موسى وأخذه برأس أخيه وشدّه بعنف، وهارون يهدئ من انفعاله، ثم سكوت غضب موسى، وأخذه الألواح واختيار سبعين رجلا من صفوتهم، ثم تصوير نعم الله على

стр. 266

موسى وقومه، مثل تفجير العيون من الصخر الأصم، وتظليل الغمام لهم في الصحراء المحرقة، وإنزال الغذاء اللذيذ من المنّ والسلوى، وكلها معجزات غيبيّة، تدلّ على فضل الله عليهم، ولكن اليهود جحدوا هذه النعم كما هي طبيعتهم دائما، حين أبوا أن يدخلوا المدينة على هيئة محددة، فبدّلوا وعصوا، فاستحقوا العذاب من السماء، يقول تعالى في عذابهم: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ الأعراف: ١٦٢، فالسماء كما كانت مصدر النعم، هي مصدر العذاب أيضا. ثم تصوير احتيالهم على النصوص، وتأويلها بما يتفق مع أهوائهم، فمسخهم الله قردة وخنازير كل هذه الأحداث، حلقات جديدة من القصة تعرض هنا، مترابطة مع الحلقات الأخرى، لتكوّن قصة موسى، في بنائها الموحّد. والقصة الوحيدة التي عرضت كاملة هي قصة «يوسف» من حيث بناؤها الفني المكتمل بحوادثها التاريخية المتسلسلة وشخصياتها المتبانية والكثيرة، والصراع، والمنافسة، والحبكة القصصية الممثلة في نمو الأحداث حتى تصل إلى ذروة التعقيد أو العقدة القصصية، ثم في انفراج الأحداث نحو الحل، بالإضافة إلى عنصر الحوار، ودوره في تصوير الشخصيات، والعواطف البشرية، وعنصر التشويق، والمفاجأة أو الإثارة الفنية. وتبدأ الأحداث بالتمهيد لها برؤيا يوسف إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ ... يوسف: ٤. والتمهيد للقصة طريقة متبعة في كثير من القصص القرآني، وبعد هذا التمهيد، تبدأ أحداث القصة متوالية في مشاهد قصصية متلاحقة، بينها فجوات فنية، مقصودة ليملأها الخيال، ويستمتع باستحضارها في مواضعها. وتبدأ الأحداث من مشهد يوسف الصبي، يقص رؤياه على أبيه، وأبوه يطلب منه أن يكتم هذه الرؤيا عن إخوته. ثم يبدأ المشهد الثاني بإخوة يوسف، يتآمرون عليه حسدا وغيرة. ثم في المشهد الثالث، نرى أن المؤامرة ضده قد حبكت، واستطاعوا أن يحتالوا على أبيهم لاصطحابه، وفي المشهد الرابع نرى تنفيذ المؤامرة بإلقائه في الجب، وتبدأ محنة يوسف في أهوال الجب وظلامه، ولك أن تتخيل حالته النفسية والحسية وهو في قاعه العميق وحيدا.

стр. 267

وفي الخامس. نرى إخوة يوسف يواجهون أباهم بعد تنفيذ مؤامرتهم ولجؤوا إلى الكذب في إقناع أبيهم أنه أكله الذئب، واستدلوا بقميصه الملطخ بدم. وفي المشهد السادس نرى السيارة، يلتقطونه من الجب، ويذهبون به إلى مصر، ولك أن تتخيل مدى الدهشة التي أصابت السيّارة، حين أخرجت دلاء الماء صبيا من قاع الجب، وملامح الوجوه آنذاك. ثم يبدأ المشهد السابع في بيت العزيز، الذي يتعرض فيه لمحنة الإغراء بعد أن اكتمل شبابه جسما وعقلا، ولكن الله يخرجه سليما من المحنة، إذ انكشف للعزيز أن قميصه قدّ من دبر، وهذا دليل براءته من الخيانة للعزيز. ثم تتوالى الأحداث بتناقل نسوة المدينة الخبر، ويتحدثن به في مجالسهن، وتسمع امرأة العزيز ذلك ويبدأ المشهد الثامن باجتماع النسوة عندها، وخروج يوسف عليهن، فلما رأين جماله قطعن أيديهنّ من شدة الإعجاب والتأثر بالجمال. وتعترف امرأة العزيز أمامهن أنها راودته، بعد أن رأت تأثرهن بجماله أيضا، ولكنه لم يستجب، ولجأت إلى التهديد بالسجن، وفضّل يوسف السجن على الانحراف والخيانة. فالصورة تتناول هذه الأحداث بكل الصدق والواقعية، ولكنها لا تزيّن الانحراف باسم الواقعية، أو تعنى بالأوصاف المثيرة للشخصيات والهيئات والمواقف، وإنما تعرض الأحداث لتسليط الأضواء على الجوانب الإنسانية، وسمو الإنسان بمشاعره وسلوكه عن الوقوع في الرذيلة والمجون، لتوجيه هذه الأحداث، لتحقيق الأغراض الدينية من وراء التصوير القصصي. ويبدأ المشهد التاسع بدخوله السجن، وفي السجن يدعو إلى توحيد الله، وعبادته، ويعبّر الرؤيا لصاحبيه، ثم يحمّل أحدهم أن يذكره عند الملك، ولكن الشيطان ينسيه ذلك، لتزداد معاناته في السجن. ولكن عناية الله تدرك يوسف من جديد، فيرى الملك رؤيا، ويعجز الملأ عن تفسيرها، وهنا يفسّر رؤيا الملك، ويصدق تفسيره لها، ويطلب الملك يوسف، ولكنه يطلب منه أولا أن يتحقق من خبر النسوة حتى يثبت براءته، وهنا تعترف امرأة العزيز بأنها هي التي راودته وهو بريء فيخرج من السجن، ليصبح مسئولا كبيرا في الدولة، يدير الشئون الاقتصادية فيها. ثم يأتيه إخوته ويبدأ بذلك المشهد العاشر، فيعرفهم وهم له منكرون، ويحتال عليهم

стр. 268

ليحضروا له أخاه فيرجع إخوته إلى أبيهم، ويقنعونه أن يرسل معهم الأخ المطلوب، ويوافق أبوهم بعد تردد، وحين يلتقي يوسف بأخيه، يعترف له بأنه أخوه، ويبدأ المشهد الحادي عشر، بذلك، ويحتال مرة أخرى عليهم ليبقي أخاه عنده، فجعل السقاية في رحل أخيه، ويعود إخوة يوسف بدونه إلا كبيرهم فقد رفض العودة بدونه أو يأذن له أبوه بذلك. ثم يبدأ المشهد الثاني عشر، بعودة إخوته إليه من جديد وهنا يسألهم يوسف عما فعلوه بيوسف من قبل، وتنكشف الحقيقة، ويعرفون أنه يوسف، ويندمون على فعلتهم، ويبدأ المشهد الثالث عشر بعودة إخوة يوسف إلى أبيهم بقميصه فألقوه على وجهه فارتد بصيرا، ثم يبدأ المشهد الرابع عشر بعودة الأب والأبناء إلى يوسف، واستقباله لهم، وتذكيره أباه برؤياه التي تحقّقت في هذه الخاتمة للأحداث. فالقصة مبنية بإحكام من حيث البناء القصصي، فهي ذات موضوع واحد، وحبكة قصصية محكمة وشخصية يوسف هي الشخصية الرئيسة فيها، وتدور الأحداث من حولها، وهي ذات غرض واضح فعناية الله ترافق يوسف منذ أن كان صبيا، وفي الجبّ، وفي قصر العزيز، وفي السجن، وأن هذه العناية الإلهية به جاءت نتيجة استقامته وتقواه، فالاستقامة والتقوى تؤديان إلى التمكين في الأرض. ونلاحظ أن بين تصوير الأحداث القصصية كثيرا من الفجوات الفنية المتروكة قصدا ليملأها الخيال بنفسه، فمثلا يحذف من تصوير الأحداث، سنوات الرخاء في عهده، وإدارة يوسف لجهاز الدولة، كذلك لم تذكر سنوات الجدب، واكتفي بالإيحاء إليها، من خلال مجيء إخوة يوسف إلى مصر طلبا للطعام، كذلك لا نجد تصويرا للملك وحاشيته ونحو ذلك. وأحيانا يلجأ تصوير الأحداث إلى الاعتماد على الصور العنيفة، والإيقاع الشديد، والألفاظ الضخمة، لتحقيق التخويف، والتأثير الديني ونجد ذلك غالبا في تصوير مشاهد تدمير الكافرين. يقول الله تعالى في تصوير تدمير قوم نوح: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ، فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ، فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ، وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ، وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ، تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ

стр. 269

كُفِرَ، وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ، فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ، وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ القمر: ٩ - ١٧. فصورة الطوفان هائلة مروّعة، تغمر الأرض كلّها، حتى كأن السماء أبواب مفتوحة يتدفّق منها الماء المنهمر. ولا ينزل بقدر، كما في الحالات الطبيعية، وبذلك نلاحظ تواصل هذه الصورة مع صورة المطر المنزل بقدر عن طريق التضاد، لإظهار الفروق بين الحالتين، والموقفين «١٠». وتعتمد الصورة هنا في رسم الهول على الفعل (فتحنا) الماضي ويسند فيها إلى الفاعل الحقيقي، لأنه هو الذي يملك هذا الكون بما فيه. ثم أَبْوابَ السَّماءِ تزيد الصورة وضوحا وهؤلاء من خلال الجمع للاسم وتقابل هذه الصورة المروّعة في السماء، صورة الأرض التي تماثلها أيضا في هولها وضخامتها، فالأرض كلّها فجّرت عيونا، ولم تفجّر فيها العيون. وهكذا ترتسم صورة الطوفان في الأذهان، من خلال صورة السماء والأرض المحيطتين بالبشر من فوقهم ومن تحتهم، وسفينة نوح لا تذكر هنا باسمها، وإنما توصف بأنها ذات ألواح ودسر أي مسامير، وذلك لفخامتها وتعظيم أمرها وسط الطوفان، فهي تجري برعاية الله وحمايته، كذلك لكي تتناسق الألفاظ الضخمة للسفينة، مع الجو العام للصورة الذي يميل إلى تضخيم الهول. ويلاحظ أنّ التصوير يعتمد على الأفعال الماضية في رسم مشهد الطوفان «كذبت- كذبوا- قالوا- فدعا- ففتحنا- فجرنا- فالتقى- حملناه- تركناها ... » لأن الحدث وقع في الماضي، ولكن التصوير يلجأ إلى الفعل المضارع ضمن هذا المشهد، في رسم حركة السفينة وسط الطوفان تَجْرِي بِأَعْيُنِنا لإحياء صورتها واستحضار عناية الله بها وبركابها المؤمنين، وسط هذه الأهوال. وإبراز صورتها من خلال هذا المشهد، لكي تحقق الصورة غرضها الديني في إنذار المكذبين، وتبشير المؤمنين. وبالطريقة التصويرية نفسها يتم تصوير تدمير عاد أيضا، يقول الله تعالى: كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ، إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ، تَنْزِعُ

стр. 270

النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ، فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ، وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ القمر: ١٨ - ٢٢. ويبدأ تصوير مشهد تدميرهم، ببيان سببه أولا، وهو التكذيب، ثم يعقب عليه مباشرة بالاستفهام عن عذابهم، وذلك لتهويله وتضخيمه، وإثارة الخوف في النفوس مما حلّ بهم. ثم بدأ بتصوير تدمير عاد بهذا المشهد المرعب السريع الخاطف، والإيقاع الملائم برنينه القوي الشديد المتناسق مع جوّ التدمير والعذاب. فالريح الصرصر الباردة العاتية، كانت تنزعهم نزعا من على الأرض، وتلقي بهم جثثا هامدة، وكأنهم أعجاز نخل محطمة، مقلوعة من جذورها. وتكرار الاستفهام في نهاية هذا المشهد، يبعث الخوف والفزع من مخالفة أمر الله، وقد ورد هذا الأسلوب الاستفهامي في بداية المشهد، وفي نهايته، لتحقيق هذا الغرض الديني. وكذلك تصوير تدمير ثمود، يقول الله : كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ، فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ، أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ، سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ، إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ، وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ، فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ، فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ، إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ، وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ القمر: ٢٣ - ٣٢. وعلّة التدمير أيضا هي التكذيب، فيذكر في المشهد التكذيب أولا ثم يعقبه التدمير مباشرة. وقد اعتمد التصوير أولا على أسلوب الحكاية، لأحداث ماضية، ثم يلتفت فجأة ليتحدث عما سيكون من أحداث، وكأنها حاضرة معروضة أمامنا الآن سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ، وهذه طريقة القرآن التصويرية في إحياء الصورة الماضية، وبعثها من خلال الحركة والحياة فيها، وهذه الطريقة الفنية في عرض القصة الماضية، تحقّق غرضها الديني، بشكل أكبر مما لو عرضت كأخبار ماضية مروية. وصورتهم كهشيم المحتظر بعد الصيحة الواحدة، توحي بالتدمير الكامل، ومع التدمير التحقير والاستهانة بهم، لأن الهشيم هو الأعواد اليابسة المحطمة المهشمة الذي تطؤه

стр. 271

الدواب في الحظيرة «١١». وكذلك تصوير قوم لوط أيضا في هذا النسق القرآني، يقول الله تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ، نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ، وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ، وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ، وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ، فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ، وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ القمر: ٣٣ - ٤٠. وسبب التدمير هو التكذيب أيضا، ولكن التدمير هنا هو بالريح الحاملة للحجارة الحاصبة. ثم يبدأ التفصيل بعد هذا الإجمال، فالنبي لوط قد أنذرهم عاقبة المنكر الشاذ، ولكنهم شكّوا بإنذاره، بل إنهم حاولوا الاعتداء على ضيوفه أيضا، عندئذ طمس الله عيونهم، فلم يروا أحدا ثم ينتقل التصوير للأحداث من الماضي إلى الحاضر الملموس، على طريقة القرآن التصويرية، في إحياء المشاهد لتكون أبلغ في الاعتبار والعظمة، والتأثير في النفوس فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ ويكرر هذه الآية، لتحقيق الغرض الديني من التصوير. يقول الزمخشري في فائدة التكرار: «فإن قلت ما فائدة تكرير قوله: فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ، وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟ قلت: فائدته أن يجددوا عند استماع كل نبأ من أنباء الأولين ادّكارا واتعاظا، وأن يستأنفوا تنبها، واستيقاظا إذا سمعوا الحث على ذلك، والبعث عليه وأن يقرع لهم العصا مرات، ويقعقع لهم الشنّ تارات، لئلا يغلبهم السهو، ولا تستولي عليهم الغفلة، وهكذا حكم التكرير، كقوله فبأيّ آلاء ربكما تكذّبان- عند كل نعمة عدها في سورة الرحمن، وقوله ويل يومئذ للمكذبين، عند كل آية أوردها في سورة المرسلات، وكذلك في الأنباء والقصص في أنفسها، لتكون تلك العبر حاضرة للقلوب، مصوّرة للأذهان مذكورة غير منسية في كل أوان» «١٢». كذلك تصوير تدمير قوم شعيب بسبب تكذيبهم أيضا. يقول تعالى: فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ الشعراء: ١٨٩. فقد استظلوا بسحابة، من شدة الحرّ الخانق، فكانت هي الصاعقة التي دمّرتهم، وهم تحتها.

стр. 272

يقول الله تعالى: وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ، كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ هود: ٩٤ - ٩٥. وقد يجمع تصوير الأحداث، مشاهد متعددة، لتدمير أقوام مختلفين، لتحقيق التأثير الديني، كقوله تعالى: كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ، فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ، وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ، سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ، فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ، وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ، فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً، إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ، لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ الحاقة: ٤ - ١٢. وعلة التدمير لثمود وعاد هي التكذيب بالقارعة أي القيامة، وسميت بذلك لشدة وقع أهوالها على الآذان والقلوب، كما أن اللفظة هنا بجرسها الشديد مناسبة لتصوير التدمير، ثم يبدأ تفصيل مشاهد التدمير، فثمود أهلكت بصيحة واحدة طوتها من الوجود، ووصف الصيحة بالطاغية، يوحي بشدة التدمير المجاوز للحدّ المعروف، ثم حذف الموصوف وأبقى الصفة «الطاغية» لأنها مناسبة للإيقاع الفاصلة أيضا، فتحقق بذكرها غرض معنوي وآخر فني، وتدمير عاد، مفصّل أكثر، فقد أهلكوا بالريح الشديدة، وهي عاتية لتناسب عتوّ عاد وجبروتها، ويتناول التصوير مشهدهم بعد التدمير بالريح العاتية، وهم صرعى لا حركة فيهم أشبه بأعجاز النخل الخاوية، الساقطة على الأرض، لخواء أجوافها، وتآكلها ... ويطول تصوير هذا المشهد بما فيه من هول ورعب، لتحقيق التأثير النفسي. وصورتهم وهم صرعى، توحي بالسكون بعد زمجرة الريح الصرصر، فالتصوير إذا اعتمد في البداية على الصورة المتحركة، ثم أعقبها بالصورة الصامتة لعرض آثار التدمير في الإنسان في قوله: فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى والطبيعة أيضا كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ بل إنه جعل صورة الإنسان المدمّر تشبه صورة النخل المقعّر المتآكل، فقد جمع بينهما في التصوير والتعبير، كما جمعتهما قوة التدمير أيضا. ويمرّ التصوير في هذا النص مرورا سريعا بمشهد تدمير فرعون وجنوده، وقوم لوط، ثمّ يتوقف عند مشهد الطوفان، والسفينة الجارية فيه، بعناية الله، للإيحاء بتدمير قوم نوح

стр. 273

أيضا، وكأن الطوفان صار علما على قوم نوح في ذاكرة الناس، فاستغنى عن ذكر نوح في هذا الشريط التصويري السريع. ويلاحظ أن صورة نجاة نوح، تتحوّل إلى صورة حاضرة للمخاطبين، ليصبحوا هم الناجين، ويخاطبهم التعبير على أنهم هم الناجون من الطوفان المدمّر، وكأن نجاة آبائهم هي نجاة لهم أيضا، لأنهم سبب وجودهم فكان «حمل آبائهم منّة عليهم، وكأنهم هم المحمولون» «١٣» في السفينة الناجية التي أصبحت عبرة وعظة في تاريخ البشرية لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ الحاقة: ١٢، وتصوّر البشرية الحاضرة، من نسل الناجين من الغرق والطوفان، صورة ذهنية مختزنة في ذاكرة البشرية تتعظ بها على الدوام، إن وعت وأدركت الحقائق، وسمعت لتوجيه القرآن وآياته. وأحيانا تعتمد الأحداث على التصوير الهادئ، وكأنه قصّ عادي، ولكن بتعبير معجز، مع ملاحظة الحركات الحسية المعبّرة عن الحركة النفسية في أثناء التصوير. كقوله تعالى: وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ، وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ، قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ، فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ، قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ، قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ القصص: ٢٢ - ٢٨. فالتصوير هنا هادئ لين، يعتمد على الفعلين المضارعين «يسقون وتذودان» في المشهد الأول، وذلك لإحياء الأحداث من الماضي البعيد، إلى الحاضر القريب المشاهد، وهما فعلان يصوران الحركة المصاحبة للحدث بدقة، ويتمثّل الخيال صورة الجموع وهم يستقون، وصورة البنتين «تذودان» عن بعد ويحذف من المشهد صورة القطيع، حتى لا يتشتت الذهن

стр. 274

في متابعة المشاهد الجانبية للحدث، وتسلّط الأضواء التصويرية على «يسقون وتذودان» لأن الصورتين للسقاية والذود هما اللتان أثارتا موسى وحرّكتا عواطفه، وهما توحيان بما سيقع من أحداث لموسى، لذا نجد موسى يتقدم في المشهد ويسألهما سؤالا معبرا عن شدة تأثره بصورة السقاية الجائرة ما خَطْبُكُما؟ فيأتي الجواب مصورا أنوثتهما بما فيها من ضعف وحياء لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ ولفظة يَصْدُرُ توحي برجوع الرعاء من حيث أتوا، وهي مقصودة في التعبير لتصوير مشهد الرعاة العائدين بعد السقاية. وقد استخدمت هذه اللفظة أيضا في تصوير رجوع الناس إلى ربهم يوم القيامة، يقول تعالى يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ الزلزلة: ٦. لأن مشهد السقاية عارض، كذلك مشهد الدنيا لذلك اقتضى التعبير استخدام لفظة يَصْدُرُ دون غيرها للدلالة على المعنى، وهذا من روائع التصوير والتعبير الموحي بالمشاهد والمعاني المختلفة. وزادت البنتان في جوابهما وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ لاستدرار العطف والحنان. ثم يأتي المشهد الثاني بعد أن سقى لهما فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ وهذه الصورة موحية بالمعاني، فموسى منهوك القوة بعد عملية السقاية، والجهد المبذول فيها، فآوى إلى الظل، مسترخيا مستبردا بنداوته، وهي صورة متواصلة مع الصور قبلها، ومترابطة بها. كما أنها توحي بشدة الحرّ، والتزاحم على المياه في الصحراء، ثم يطلّ الشعور الديني، من خلال ضراعة موسى لربه، وتصوير حالته رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ .... ثم يأتي المشهد الثالث، وفيه تصوير لإحداهن، جاءته تمشي على استحياء وهو جالس في الظلّ، إنه مشهد حي شاخص، مألوف، والصورة تلمس حركة الأنثى، كما تلمس انفعالها وحياءها تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ والفعل المضارع يحيي المشهد وكأنه حاضر، وترسم خطواتها البطيئة المعبرة عن حركة الحياء الداخلية حتى كأننا نراها في المشهد، وما هي عليه من الخفر والاستحياء. والحياء يظهر أيضا في قولها: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا وهو قول هادئ صريح ليس فيه التواء أو زيادة، وفيه تركيز على أن الأب هو الذي يدعوه لإعطائه أجر السقاية، وليس لشيء آخر ويستجيب موسى. وهنا نلاحظ أن موسى يعرض مباشرة

стр. 275

أمام أبيها، وتطوي الصورة مسافات الطريق، واصطحاب موسى للفتاة إلى بيت أبيها، جريا على طريقة القرآن التصويرية في التركيز على اللقطات الموحية بالغرض الديني. ثم يبدأ تصوير المشهد الرابع وما جرى من حوار بين موسى والأب، ويبرز موسى الغريب الطريد فيه من خلال إخبار أبيها بقصته مع فرعون ويظهر الأب شجاعا كريما ثم في المشهد الخامس نلاحظ إعجاب إحدى البنتين بموسى، من خلال طلبها استئجاره، ووصفها له بالقوي الأمين، ويفطن أبوها لرغبتها، فيلبيها لها كما يوحي المشهد، كذلك فإن موسى يظهر في المشهد بالمستسلم الموافق لكل الشروط في العمل والزواج، وهي حالة الطريد المطلوب في حادثة قتل. ونلاحظ هنا أن تصوير الأحداث يميل إلى الهدوء، ليناسب المواقف والحركات والأشخاص. وهكذا رأينا ألوانا من تصوير الأحداث، فهناك الأحداث الموزّعة على حلقات في سور القرآن المختلفة، تصوّر ضمن السياق الواردة فيه، وبالجزء المتناسق مع الأغراض الدينية المتفاعلة مع السياق، لأن أحداث القصة القرآنية، لا تذكر في موضع واحد غالبا، وهذا ما يقتضيه نظام العلاقات التعبيرية والتصويرية والفكرية في الأسلوب القرآني. والقصة الوحيدة التي وردت في موضع واحد هي قصة يوسف، وقد تكاملت بأحداثها، وأشخاصها وموضوعها وهي تعدّ نموذجا للقصة الفنية في القرآن الكريم. ولو أننا جمعنا حلقات كل قصة وردت في القرآن لرأيناها قصة متكاملة في بنائها وأحداثها وأشخاصها أيضا، وأعطتنا هذه الصورة الفنية التي نراها في سورة يوسف مع ملاحظة اختلاف الموضوعات والأحداث والأشخاص بين قصة وأخرى. كما لاحظنا في تصوير الأحداث، ترك الفجوات الفنية بين مشهد وآخر، ليقوم الخيال بدوره في ملئها. ويشتد تصوير الأحداث أحيانا، كما رأينا في مشاهد تدمير الأقوام المكذبين، ويلين أو يهدأ أحيانا أخرى، كما رأينا في تصوير الأحداث في قصة موسى في قرية مدين، مع تصوير الحركات الحسية والنفسية المصاحبة للأحداث. والمواقف والطبائع البشرية. والانفعالات الإنسانية.

стр. 276

ب- تصوير الشخصيات: ويرتبط تصوير الشخصيات بالأحداث، كما يرتبط بالغرض الديني، فهو الهدف الأساسي من التصوير الفني. وقد حفلت القصة في القرآن، بالشخصيات، من الرجال والنساء، والرجال فيها إمّا أنبياء، كنوح وهود وصالح وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وشعيب، ولوط، وموسى، وزكريا، ويحيى وعيسى ... إلخ. وإما ملوك ووزراء، مثل فرعون وهامان، وإما أشخاص عاديون، وهم كثيرون أيضا. والسمة البارزة في تصوير الشخصيات هي، إهمال التصوير الحسي للشخصية، فلا يذكر الطول واللون أو الملامح الأخرى المميّزة لكل شخصية. وذلك من تأثير خضوع القصة القرآنية للغرض الديني. وهذا هو الغالب في تصوير الشخصيات، ولكننا أحيانا قد نلاحظ بعض الإشارات الدالّة على الجانب الحسي في الشخصية، مثل قول الفتاة لأبيها في وصف موسى إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ والقوة هنا، هي القوة البدنية التي لاحظتها الفتاة في موسى عند ما سقى لهما وسط هذه الجموع من الرعاة. إلى جانب صفة أخرى غير حسية وهي الأمانة، وهي صفد خلقية. وبذلك يجتمع في وصف موسى الجانب الحسي والمعنوي معا. كذلك نلاحظ الإشارة الصريحة إلى لكنة في لسان موسى في قوله تعالى: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي طه: ٢٧ - ٢٨، وكذلك الإشارة الصريحة إلى قوة جسم طالوت: قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ البقرة: ٢٤٧، وهنا أيضا الجمع بين الجانب الحسي والمعنوي في شخصية طالوت. وأحيانا يعتمد الإيحاء للدلالة على الجانب الحسي، مثل الإيحاء بجمال يوسف في قوله: فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ يوسف: ٣١. وأحيانا تهمل الشخصيات، لتبرز الأحداث في القصة، كما رأينا في مشاهد تدمير ثمود وعاد. أو لإبراز العظة والاعتبار في الحياة والموت، كقوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ

стр. 277

خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ، قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ، فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ البقرة: ٢٥٩. ومثل ذلك أيضا قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ البقرة: ٢٤٣. فهؤلاء لم تفدهم حركة الهروب الجماعية من الموت، الذي تحقّق بفعل الأمر «موتوا» فانطبعت به صورة الموتى الجماعية، لتحقيق الاعتبار، وحذف من التعبير «فماتوا» لأنّ السياق يدلّ على ذلك في قوله: ثُمَّ أَحْياهُمْ. فالقصة حين تريد التأثير بالأحداث، تخفي حينئذ أسماء الأشخاص غالبا، لتحقيق التأثير الديني في العظة والاعتبار من تصوير القصة. وحين تهدف القصة إلى تصوير تاريخ الرسل، وموقف الناس منهم، فإنها غالبا تذكر أسماء الأشخاص كما رأينا في قصة نوح، وإبراهيم، وموسى ويوسف وغيرهم. ولكن التركيز لا يكون على الشخصيات لذواتهم، وإنما، لتصوير أفكار الدعوة، وما لاقاه الرسل من تكذيب أقوامهم، وهذا ينسجم مع الهدف الديني للقصة القرآنية. والشخصيات في القصة القرآنية، تتّحد في الدعوة إلى التوحيد، ونبذ عبادة غير الله حتى تحقق القصة أغراضها الدينية في التأكيد على وحدة الرسل، والديانات السماوية والشخصية في القصة مرتبطة بالأحداث، فإذا طالت القصة، وكثرت أحداثها، اتضحت معالم الشخصية بصورة أكبر، وإذا قصرت القصة، وقلّت أحداثها فإن الأمر يكون عكس ما قلناه. فشخصية موسى واضحة المعالم والسمات، تتمحور حول شدّة بأسه وقوته. وقد رسم الله سبحانه هذه الملامح في قوله: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ القصص: ١٥، وهذه السمة نراها أيضا حين أخذ برأس أخيه هارون، وشدّه بعنف وقوة وغضب، كما نراها أيضا في صحبته للرجل الصالح، فلم ينتظر أن يخبره

стр. 278

عن سرّ تصرفاته، وإنما اندفع يحتجّ عليه، مخالفا بذلك شرط الصحبة المأخوذ عليه «١٤». وشخصية «آدم» تمثّل شخصية الإنسان الضعيفة أمام الإغراء له بالخلود، يقول تعالى: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ ... الأعراف: ٢٠. وشخصية «نوح» قويّة التحمّل والصبر، أو شديدة بصورة عامة، ويتضح ذلك في قوة تحمّله لأعباء الدعوة هذه المدّة الطويلة، على الرغم من المحصول الضئيل الذي جناه. كما يتضح في دعائه على قومه بعد أن يئس منهم، قال تعالى: وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً نوح: ٢٦ - ٢٧. وشخصية إبراهيم، تتسم بالحلم، والتسامح والهدوء، وقوة المنطق والحجة. وقد اتضح ذلك في أسلوب دعوته لقومه، وحواره مع أبيه، ومخاطبة قومه بعد تحطيم الأصنام ... أما شخصية «يوسف» فقد رسمها القرآن الكريم بجوانبها الحسية والعقلية والعاطفية وقد ظهرت هذه السمات، متدرّجة مع نموّ الأحداث وتطورها. وقد ابتدأ القرآن بتصوير هذه الشخصية منذ بداية القصة حين كان يوسف صغير السن يقصّ على أبيه رؤياه، وكان محسودا من قبل إخوته لمكانته من أبيهم، وهذه المكانة عند الأب، اكتسبها من صفات معينة، توفرت في شخصيته، ولم تتوفّر في بقية الإخوة. وحين يكبر يوسف، تبرز سمات العلم والحكمة والحصافة في شخصيته، وبدأ يتصرّف تصرّفا يدل على هذه السمات في شخصيته، وهو أيضا جميل الصورة إلى حدّ الفتنة، حتى إن امرأة العزيز وقعت في حبّه، وكذلك أعجبت به نسوة المدينة حين رأينه، وهو أيضا رجل مستقيم وأمين، لم يخن سيده في أهله، وهو حريص، حكيم، ينتهز الفرص المناسبة للدعوة، وتبرئة نفسه، كما أنه حصيف يعرف كيف يصل إلى غايته، ويتضح ذلك في طريقته في استقدام أخيه والاحتفاظ به، ثم في طريقة إدارته لشئون الدولة، حتى حقّق الرخاء الاقتصادي لبلده، ثم إنه مطيع لوالديه، بارّ بهما، ومتسامح مع إخوته على الرغم مما فعلوه به، وهو بالدرجة الأولى، مطيع لربه، مستقيم على شرعه، لا يحيد عنه، والاستقامة والتقوى أوصلتاه إلى هذا التمكين في الأرض.

стр. 279

وهكذا نلاحظ أن شخصية يوسف مرسومة بجانبيها الحسي والمعنوي معا، فاكتملت أبعاد شخصيته عقلا، وجسما، وعاطفة، كما رأينا في تصوير أحداث قصته. وبالنسية لشخصية المرأة، فإن التصوير الفني، لا يعنى بالصفات الحسية لها، لأنها لا تخدم الغرض الديني من القصة، لذلك، لا نجد الاهتمام أيضا بذكر أسماء النساء باستثناء مريم، لأن ذكرها ينسجم مع الغرض الديني من القصة، فهي لا تذكر لذاتها بل لما تحمله من حقائق دينية، ممثّلة في دورها في قصة عيسى. وبقية النساء يذكرن بأسماء أزواجهن مثل امرأة نوح، وامرأة لوط، وامرأة عمران، وامرأة فرعون وإذا كانت المرأة عذراء، اكتفي بذكر كلمة «امرأة» دون إضافة، مثل بلقيس ملكة سبأ عبّر عنها بقوله: امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ النمل: ٢٣. وكذلك في قصة موسى في قرية مدين وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ القصص: ٢٣ فمريم يصرح باسمها، لدفع التصورات الباطلة عن ولادة عيسى، والتأكيد على بشريته، بولادته من مريم من غير أب. كمعجزة آدم من غير أب ولا أم. وشخصية المرأة في القصة القرآنية ثانوية، وليست أساسية فيها، ولكن القرآن يعنى بتصوير الأمومة من خلالها، وذلك واضح في موقف امرأة فرعون من موسى. يقول تعالى في ذلك: وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ القصص: ٩. والنساء أيضا أنواع، فهناك المرأة المندفعة المنحرفة، وهناك المرأة ذات الخفر والحياء. فامرأة العزيز تمثّل المرأة المندفعة، التي تندفع وراء غرائزها، يقول الله تعالى فيها: وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ ... يوسف: ٢٣، وهي أيضا ماكرة محتالة، يقول تعالى في ذلك: وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ ... يوسف: ٢٥. كما يلاحظ مكرها واندفاعها وراء غرائزها، حين جمعت النسوة عندها، وأمرت يوسف أن يخرج عليهن، لتثبت لهنّ أنها معذورة بحبه، فتحوّلت العاذلات لها إلى عواذر لتصرفها، وحين رأت إعجابهن به أيضا، صرّحت بحبها له، ورغبتها فيه، وأتبعت ذلك بالتهديد ... ولكنها أيضا حين عرفت يوسف وما يتسم به من نبوة واستقامة وتقوى، اعترفت بذنبها

стр. 280

أمام الملك، وبرّأت يوسف. وتقابل هذه الشخصية المندفعة نحو غرائزها، شخصية أخرى تتسم بالخفر والحياء، وهي ابنة شعيب. يقول تعالى في وصفها: فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ القصص: ٢٥، وربما تكون هي التي أعجبت به، وطلبت من أبيها أن يستأجره لقوته وأمانته: يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ القصص: ٢٦. فالقرآن الكريم يرسم طبيعة المرأة الأنثوية، وما فيها من ضعف وانفعال، وتباين النساء في ذلك. حتى إنّ «بلقيس» الملكة، هي امرأة بطبيعتها الأنثوية المستحبة، فهي تدفع الحرب بالملاطفة الأنثوية، والحيلة الذكية، وذلك حين ردّت على كتاب سليمان بإرسال هدية إليه. فشخصيتها هي شخصية الأنثى التي تكره الحرب وتحبّ السلام، وتتصرف كأي أنثى، فتهيئ الرجل بالهدية، لتليين موقفه، ولكن سليمان ﵇ يردّ هديتها، ويدرك أنها لا تريد الحرب، فيقابلها بشخصية الرجل، ثم يقوم سليمان بتحضير المفاجآت لها، لإثارة انتباهها، فيحضر عرشها، وينكّره، ويجعل الصرح من قوارير، ولكن ملكة سبأ لا تسلّم لسليمان من أول مفاجأة حين رأت عرشها حاضرا أمامها، على الرغم من إعجابها بذلك، فأخفت مشاعرها لتظهر فجأة بعد المفاجأة الثانية، فاستسلمت له، وآمنت بالله رب العالمين. يقول تعالى: قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ النمل: ٤٤. وذكر سليمان في سياق إيمانها يدلّ على إعجابها به، وحبّها له. ويصوّر القرآن الكريم امرأة إبراهيم العجوز، تستغرب أن تلد وزوجها شيخ كبير أيضا. وقد جاء هذا الاستغراب في أعلى صوره، وذروة الانفعال الأنثوي ملحوظ في التعبير، يقول تعالى: قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ هود: ٧٢. وهناك شخصية امرأة عمران المتدينة التي نذرت ما في بطنها محررا، وشخصية مريم المتسمة بالعفاف والطهر وخوف الفضيحة، كما صوّرها القرآن، حين جاءها الملك في صورة بشر، فاستعاذت بالله إن كان تقيا، فهي لا تدرك أن يكون لها ولد من غير زواج ولا بغاء. قال تعالى: فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا، قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا مريم: ١٧ - ١٨، وهكذا نلاحظ أن تصوير شخصيات النساء فيه توضيح للطبيعة

стр. 281

الأنثوية، وما فيها من عاطفة وانفعال وضعف، كما أنّ الشخصيات النسائية متباينة، فهناك المرأة المنحرفة، والمرأة المستقيمة والشابة، والعجوز، وهناك ذات الحياء، وعديمة الحياء .. ولكن القرآن لا يسلّط الأضواء على لحظات الضعف والانحراف إلا بمقدار ما يخدم الوظيفة الدينية للتصوير. ج- تصوير العواطف والانفعالات: ويرتبط تصوير العواطف والانفعالات، بتصوير الشخصيات ... وقد وقفت عند دور الصورة في نقل الحالات النفسية وتجسيمها في الفصل الأول، ولكن الحديث هنا مرتبط بالتصوير القصصي الذي يشمل الحوادث، والشخصيات، والعواطف والانفعالات، وقصة «يوسف» غنيّة بأحداثها وأشخاصها، وانفعالاتها، وعواطفها، نتوقّف عندها لإثبات ظاهرة التصوير للعواطف والانفعالات في القصة، لتكون نموذجا تطبيقيا، يمكن أن يقاس عليه في دراسة القصص الأخرى. فامرأة العزيز تهيم حبا بيوسف بعد أن بلغ أشدّه، واكتملت ملامح الرجولة والجمال فيه، فراودته عن نفسه، ولكنه أبى واستعصم. قال تعالى في تصوير حالتها النفسية: وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ، وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ، وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ ... يوسف: ٢٣. وتكاد ترتسم عاطفتها الثائرة في كل لفظة من ألفاظ التعبير، وإيحاءات التصوير، فلفظ «راودته» يفيد الإلحاح، وتكرار المراودة، ثم «غلّقت» يفيد إحكام غلق الأبواب، ثم «في بيتها» يفيد الخلوة ثم هَيْتَ لَكَ يوحي بمنتهى ضعفها واستسلامها. فهي لم تكتف بالطلب وتكراره، ولكنها هذه المرة هيأت كلّ الأجواء لتنفيذ طلبها، فغلّقت الأبواب وأتبعت ذلك بالدعوة الصريحة في ضعف الأنثى واستسلامها «هيت لك». ويرسم القرآن الكريم خفقان القلوب واضطرابها في مشهد حي شاخص، نراها تطارده في البيت الخالي كالمحمومة وهو يهرب منها، حتى ألفيا سيدها لدى الباب وهي على هذه الحالة من الهيجان والانفعال، يقول تعالى: وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ. وهذا التصوير يقصد به تصوير انفعالات جديدة، في مثل هذه الحالات والظروف

стр. 282

المفاجئة، وفعلا تحوّلت امرأة العزيز من النقيض إلى النقيض، وحاولت أن تظهر بمظهر الطهر والعفاف وتتهم يوسف بالخيانة. وعنصر المفاجأة في وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ يثير انفعالات جديدة لدى كل من يوسف، وامرأة العزيز بالإضافة إلى العزيز. كذلك نلاحظ تصوير العواطف والانفعالات قويا في مشهد النسوة المجتمعات عند امرأة العزيز ورؤيتهن جمال يوسف فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ يوسف: ٣١. فالإعجاب تجاوز النفس إلى حركة حسّية ظهرت في تقطيع الأيدي، وإطلاق عبارات الإعجاب. كذلك نلاحظ عاطفة الأبوة متمثلة في يعقوب وفي بياض عينيه من كثرة الدموع حزنا على فقد ولديه، يقول تعالى: وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ. كذلك نلاحظ، عاطفة الأخوة، ويمثّلها موقف يوسف من أخيه خاصة، وإخوته عامة. وعاطفة الحسد، أو غيظ الحاسدين، ممثلة في إخوته. وعاطفة البرّ بالوالدين، ويمثّلها يوسف. ونجد في قصة «مريم» التصوير أيضا لانفعالاتها الشديدة، حين اقتحم خلوتها الملك. في صورة بشر، فاستعاذت بالله منه إن كان تقيا، ثم إنّ ذروة انفعالها تصوّر في تمنيها الموت على الحياة حين عرفت أنه ملك، وأنه مأمور من الله بذلك، وأنه سيكون لها ولد قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا مريم: ٢٣. وغير ذلك من الأمثلة الواردة في القرآن الكريم، اكتفينا بما مضى من الشواهد، في إثبات وظيفة الصورة في نقل الأحداث، والعواطف والانفعالات. ورسم الشخصيات، ضمن نظام العلاقات التعبيرية والفكرية والتصويرية في الأسلوب القرآني. فالتصوير القصصي، يتسع أكثر للتعبير عن الحقائق الدينية الثابتة، لماله من امتدادات في الزمان والمكان، والأشخاص، حتى يمكن أن نستخلص من خلاله نماذج إنسانية تحتذى في الفكر والسلوك، والعقيدة، والشعور، والثبات ونحو ذلك. مما سنقف عنده في الفصل القادم.

стр. 283

الفصل السادس النماذج الإنسانيّة يعتمد تصوير النماذج، على الفن القصصي غالبا، لأن القصة بأحداثها وأشخاصها، وبنائها الفني، ترسم صورا إنسانية متفاعلة مع الأحداث والمواقف والطباع والمشاعر، ولهذه الصور الإنسانية صفة الشمول والديمومة، حتى ترتقي، لتصبح نماذج مكررة، غير محدودة بزمان ومكان، وأشخاص، كما في القصة، وإنما هي مبادئ وأفكار ممثّلة في النماذج المكررة التي لها صفة الديمومة والشمول. وقد ترسم هذه النماذج مباشرة، بالألفاظ الموحية، واللمسة الفنية السريعة الخاطفة، كما سنرى بعد قليل، بدون الاعتماد على القصة الفنية. والصورة حين تقوم برسم هذه النماذج، فإنها تهدف إلى التنويع في وظائفها، لتحقيق التأثير الديني، الذي هو غاية التصوير الأساسية، لأن طبيعة الإنسان، تتأثّر بالنماذج الإنسانية، فتندفع إلى محاكاتها أو الابتعاد عنها. وقبل أن نتوغّل في تصوير النماذج الإنسانية في القرآن الكريم، علينا أولا أن نحدد مدلول كلمة «النماذج» من الناحية اللغوية والأدبية. فقد ذكر «الفيروزآبادي» أن معنى النموذج، بفتح النون هو «مثال الشيء». وقال إن الكلمة «معرّبة» و «الأنموذج» لحن. ولكن العلماء تعقّبوه. ولم يوافقوا قوله. وقالوا: «هذه دعوى لا تقوم عليها حجة، فما زالت العلماء قديما وحديثا يستعملونه من غير نكير، حتى إن الزمخشري، وهو من أئمة اللغة سمّى كتابه في النحو «الأنموذج» والنووي في المنهاج عبّر به في قوله «أنموذج المتماثل» ولم يتعقبه أحد من الشرّاح» «١».

стр. 284

وإذا انتقلنا إلى دلالة الكلمة في الأدب، نجد أنها ترتبط بمعناها اللغوي المحدد بمثال الشيء. فقد عرّف الدكتور محمد يوسف نجم النماذج البشرية بقوله: «أما النموذج البشري فهو تجسيم مثالي لسجيّة من السجايا، أو لنقيصة من النقائص أو لطبقة أو مجموعة خاصة من الناس وهو يحوي جميع صفاتها، وخصائصها الأساسية» «٢». فهي تعني تجسيم الصفات أو العواطف والمشاعر في الشخصيات الأدبية المصورة، بحيث تغدو الشخصيات نابضة بالحياة والحركة «٣». فالأديب حين يقوم بتصوير الأبعاد النفسية والفكرية والسلوكية للشخصية، وتتكامل هذه الأبعاد، وتتضح معالمها في الشخصية، تصبح «نموذجا» أكثر إقناعا، وأظهر صدقا من نظائره في الواقع المشاهد «٤». ويتوقف نجاح الأديب في ذلك، على قدرته في تصوير ملامح الشخصية بأبعادها الثلاثة، حتى تصبح «نموذجا» للكمال أو النقص، حسب ما يريده الكاتب لنموذجه أن يكون. وعدّته في ذلك هي عرض المواقف. والأحداث، لتصوير موقف الشخصية إزاء هذه الأحداث أو المواقف، معتمدا في تصويره على الصدق الفني، في إقناع القارئ لا على الصدق الواقعي. لهذا يقوم بجمع الجزئيات المتفرقة أو التفصيلات، لتساعده في صياغة الشخصية المتكاملة التي قد لا نجد لها مثيلا في عالم الواقع من حيث عمق الدلالة، وإثارة الشعور أو الفكر، سموا أو إسفافا «٥». وعلى ضوء ذلك، فإن النماذج في الأدب، تستمد من الواقع، ولكنها تبدو في العمل الأدبي أجمل مما هي عليه في الواقع، بقصد الإثارة أو التشويق الفني، والتأثير سلبا أو إيجابا بهذه النماذج. أما النماذج الإنسانية في القرآن الكريم، فهي أرقى من النماذج الأدبية، مهما أوتي للنماذج الأدبية القدرة على التصوير الفني، لأن الله سبحانه هو أعلم بالإنسان من الإنسان نفسه، فحين يصوّر لنا في كتابه نموذجا إنسانيا، فإن تصويره هذا يكشف أعماق النفس

стр. 285

الإنسانية، ويوضح خفاياها وأسرارها، لأنه هو خالقها، وهو أعلم بها. وتختلف النماذج في القرآن، عن النماذج الأدبية من عدة وجوه منها: أنّ النماذج في القرآن تعتمد على الفكرة غالبا، متمثّلة في شخص معيّن، تصدق عليه. ومن خلال تصويره، وإبراز ملامحه، تصبح الفكرة في الشخص «نمطا معيّنا» لأفراد من الناس مثل نماذج المؤمن، والكافر، والمنافق، فهذه النماذج بدأت من فكرة دينية، تجمّعت من حولها مجموعة من الصفات المميّزة لكل شخصية، حتى أصبحت نموذجا مكررا، لكل شخصية تشابه هذا النموذج في فكره وسلوكه وشعوره. أما في الأدب، فالنماذج تبدأ من شخص، ثم ينتهي تصوير أبعاده النفسية والفكرية والسلوكية كي تصبح نموذجا لنمط معيّن من البشر. على أن النماذج القرآنية، لا تبدأ من الفكرة الدينية فحسب، فهناك نماذج تبدأ أيضا من «شخص» معيّن، ثم ينتهي من خلال تصويره ليصبح نموذجا لنمط معين من البشر. مثل «فرعون» الذي أصبح نموذجا لكل متجبر متسلّط، في فكره وسلوكه، وشعوره. كذلك لا تعتمد النماذج القرآنية على ذكر الجزئيات والتفصيلات المكوّنة للنموذج، وإنما تعتمد على اللمحة الخاطفة، والإشارة الموحية، فإذا بالنموذج حيّ شاخص واضح القسمات والملامح. يقول سيد قطب عن طريقة القرآن في تصوير النماذج إنه «رسمها في سهولة ويسر، واختصار فما هي إلا جملة أو جملتان حتى يرتسم النموذج الإنساني شاخصا من خلال اللمسات، وينتفض مخلوقا حيّا خالد السمات» «٦». وتتسم هذه النماذج القرآنية بالشمولية، ولا تتقيّد بزمان ومكان محددين، بل تشمل جميع الناس، باختلاف طبقاتهم وفئاتهم. وهذا ينسجم مع النص القرآني الذي يخاطب الإنسان في كل عصر وجيل. وتتميّز نظرة القرآن الكريم بنظرته الواقعية للإنسان، فهو ينظر إليه من خلال طبيعته المزدوجة، التي تقبل السمو والتحليق، كما تقبل الهبوط والتدني، ففي النفس الإنسانية هذه الخطوط المتقابلة، فيها القوة والضعف، والسمو والهبوط، والهدى والضلال، والشجاعة
следующие страницы →