← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38131

وظيفة الصورة الفنية في القرآن

عبد السلام أحمد الراغب

Полный текст (466 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الأنثوية، وما فيها من عاطفة وانفعال وضعف، كما أنّ الشخصيات النسائية متباينة، فهناك المرأة المنحرفة، والمرأة المستقيمة والشابة، والعجوز، وهناك ذات الحياء، وعديمة الحياء .. ولكن القرآن لا يسلّط الأضواء على لحظات الضعف والانحراف إلا بمقدار ما يخدم الوظيفة الدينية للتصوير. ج- تصوير العواطف والانفعالات: ويرتبط تصوير العواطف والانفعالات، بتصوير الشخصيات ... وقد وقفت عند دور الصورة في نقل الحالات النفسية وتجسيمها في الفصل الأول، ولكن الحديث هنا مرتبط بالتصوير القصصي الذي يشمل الحوادث، والشخصيات، والعواطف والانفعالات، وقصة «يوسف» غنيّة بأحداثها وأشخاصها، وانفعالاتها، وعواطفها، نتوقّف عندها لإثبات ظاهرة التصوير للعواطف والانفعالات في القصة، لتكون نموذجا تطبيقيا، يمكن أن يقاس عليه في دراسة القصص الأخرى. فامرأة العزيز تهيم حبا بيوسف بعد أن بلغ أشدّه، واكتملت ملامح الرجولة والجمال فيه، فراودته عن نفسه، ولكنه أبى واستعصم. قال تعالى في تصوير حالتها النفسية: وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ، وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ، وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ ... يوسف: ٢٣. وتكاد ترتسم عاطفتها الثائرة في كل لفظة من ألفاظ التعبير، وإيحاءات التصوير، فلفظ «راودته» يفيد الإلحاح، وتكرار المراودة، ثم «غلّقت» يفيد إحكام غلق الأبواب، ثم «في بيتها» يفيد الخلوة ثم هَيْتَ لَكَ يوحي بمنتهى ضعفها واستسلامها. فهي لم تكتف بالطلب وتكراره، ولكنها هذه المرة هيأت كلّ الأجواء لتنفيذ طلبها، فغلّقت الأبواب وأتبعت ذلك بالدعوة الصريحة في ضعف الأنثى واستسلامها «هيت لك». ويرسم القرآن الكريم خفقان القلوب واضطرابها في مشهد حي شاخص، نراها تطارده في البيت الخالي كالمحمومة وهو يهرب منها، حتى ألفيا سيدها لدى الباب وهي على هذه الحالة من الهيجان والانفعال، يقول تعالى: وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ. وهذا التصوير يقصد به تصوير انفعالات جديدة، في مثل هذه الحالات والظروف

стр. 282

المفاجئة، وفعلا تحوّلت امرأة العزيز من النقيض إلى النقيض، وحاولت أن تظهر بمظهر الطهر والعفاف وتتهم يوسف بالخيانة. وعنصر المفاجأة في وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ يثير انفعالات جديدة لدى كل من يوسف، وامرأة العزيز بالإضافة إلى العزيز. كذلك نلاحظ تصوير العواطف والانفعالات قويا في مشهد النسوة المجتمعات عند امرأة العزيز ورؤيتهن جمال يوسف فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ يوسف: ٣١. فالإعجاب تجاوز النفس إلى حركة حسّية ظهرت في تقطيع الأيدي، وإطلاق عبارات الإعجاب. كذلك نلاحظ عاطفة الأبوة متمثلة في يعقوب وفي بياض عينيه من كثرة الدموع حزنا على فقد ولديه، يقول تعالى: وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ. كذلك نلاحظ، عاطفة الأخوة، ويمثّلها موقف يوسف من أخيه خاصة، وإخوته عامة. وعاطفة الحسد، أو غيظ الحاسدين، ممثلة في إخوته. وعاطفة البرّ بالوالدين، ويمثّلها يوسف. ونجد في قصة «مريم» التصوير أيضا لانفعالاتها الشديدة، حين اقتحم خلوتها الملك. في صورة بشر، فاستعاذت بالله منه إن كان تقيا، ثم إنّ ذروة انفعالها تصوّر في تمنيها الموت على الحياة حين عرفت أنه ملك، وأنه مأمور من الله بذلك، وأنه سيكون لها ولد قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا مريم: ٢٣. وغير ذلك من الأمثلة الواردة في القرآن الكريم، اكتفينا بما مضى من الشواهد، في إثبات وظيفة الصورة في نقل الأحداث، والعواطف والانفعالات. ورسم الشخصيات، ضمن نظام العلاقات التعبيرية والفكرية والتصويرية في الأسلوب القرآني. فالتصوير القصصي، يتسع أكثر للتعبير عن الحقائق الدينية الثابتة، لماله من امتدادات في الزمان والمكان، والأشخاص، حتى يمكن أن نستخلص من خلاله نماذج إنسانية تحتذى في الفكر والسلوك، والعقيدة، والشعور، والثبات ونحو ذلك. مما سنقف عنده في الفصل القادم.

стр. 283

الفصل السادس النماذج الإنسانيّة يعتمد تصوير النماذج، على الفن القصصي غالبا، لأن القصة بأحداثها وأشخاصها، وبنائها الفني، ترسم صورا إنسانية متفاعلة مع الأحداث والمواقف والطباع والمشاعر، ولهذه الصور الإنسانية صفة الشمول والديمومة، حتى ترتقي، لتصبح نماذج مكررة، غير محدودة بزمان ومكان، وأشخاص، كما في القصة، وإنما هي مبادئ وأفكار ممثّلة في النماذج المكررة التي لها صفة الديمومة والشمول. وقد ترسم هذه النماذج مباشرة، بالألفاظ الموحية، واللمسة الفنية السريعة الخاطفة، كما سنرى بعد قليل، بدون الاعتماد على القصة الفنية. والصورة حين تقوم برسم هذه النماذج، فإنها تهدف إلى التنويع في وظائفها، لتحقيق التأثير الديني، الذي هو غاية التصوير الأساسية، لأن طبيعة الإنسان، تتأثّر بالنماذج الإنسانية، فتندفع إلى محاكاتها أو الابتعاد عنها. وقبل أن نتوغّل في تصوير النماذج الإنسانية في القرآن الكريم، علينا أولا أن نحدد مدلول كلمة «النماذج» من الناحية اللغوية والأدبية. فقد ذكر «الفيروزآبادي» أن معنى النموذج، بفتح النون هو «مثال الشيء». وقال إن الكلمة «معرّبة» و «الأنموذج» لحن. ولكن العلماء تعقّبوه. ولم يوافقوا قوله. وقالوا: «هذه دعوى لا تقوم عليها حجة، فما زالت العلماء قديما وحديثا يستعملونه من غير نكير، حتى إن الزمخشري، وهو من أئمة اللغة سمّى كتابه في النحو «الأنموذج» والنووي في المنهاج عبّر به في قوله «أنموذج المتماثل» ولم يتعقبه أحد من الشرّاح» «١».

стр. 284

وإذا انتقلنا إلى دلالة الكلمة في الأدب، نجد أنها ترتبط بمعناها اللغوي المحدد بمثال الشيء. فقد عرّف الدكتور محمد يوسف نجم النماذج البشرية بقوله: «أما النموذج البشري فهو تجسيم مثالي لسجيّة من السجايا، أو لنقيصة من النقائص أو لطبقة أو مجموعة خاصة من الناس وهو يحوي جميع صفاتها، وخصائصها الأساسية» «٢». فهي تعني تجسيم الصفات أو العواطف والمشاعر في الشخصيات الأدبية المصورة، بحيث تغدو الشخصيات نابضة بالحياة والحركة «٣». فالأديب حين يقوم بتصوير الأبعاد النفسية والفكرية والسلوكية للشخصية، وتتكامل هذه الأبعاد، وتتضح معالمها في الشخصية، تصبح «نموذجا» أكثر إقناعا، وأظهر صدقا من نظائره في الواقع المشاهد «٤». ويتوقف نجاح الأديب في ذلك، على قدرته في تصوير ملامح الشخصية بأبعادها الثلاثة، حتى تصبح «نموذجا» للكمال أو النقص، حسب ما يريده الكاتب لنموذجه أن يكون. وعدّته في ذلك هي عرض المواقف. والأحداث، لتصوير موقف الشخصية إزاء هذه الأحداث أو المواقف، معتمدا في تصويره على الصدق الفني، في إقناع القارئ لا على الصدق الواقعي. لهذا يقوم بجمع الجزئيات المتفرقة أو التفصيلات، لتساعده في صياغة الشخصية المتكاملة التي قد لا نجد لها مثيلا في عالم الواقع من حيث عمق الدلالة، وإثارة الشعور أو الفكر، سموا أو إسفافا «٥». وعلى ضوء ذلك، فإن النماذج في الأدب، تستمد من الواقع، ولكنها تبدو في العمل الأدبي أجمل مما هي عليه في الواقع، بقصد الإثارة أو التشويق الفني، والتأثير سلبا أو إيجابا بهذه النماذج. أما النماذج الإنسانية في القرآن الكريم، فهي أرقى من النماذج الأدبية، مهما أوتي للنماذج الأدبية القدرة على التصوير الفني، لأن الله سبحانه هو أعلم بالإنسان من الإنسان نفسه، فحين يصوّر لنا في كتابه نموذجا إنسانيا، فإن تصويره هذا يكشف أعماق النفس

стр. 285

الإنسانية، ويوضح خفاياها وأسرارها، لأنه هو خالقها، وهو أعلم بها. وتختلف النماذج في القرآن، عن النماذج الأدبية من عدة وجوه منها: أنّ النماذج في القرآن تعتمد على الفكرة غالبا، متمثّلة في شخص معيّن، تصدق عليه. ومن خلال تصويره، وإبراز ملامحه، تصبح الفكرة في الشخص «نمطا معيّنا» لأفراد من الناس مثل نماذج المؤمن، والكافر، والمنافق، فهذه النماذج بدأت من فكرة دينية، تجمّعت من حولها مجموعة من الصفات المميّزة لكل شخصية، حتى أصبحت نموذجا مكررا، لكل شخصية تشابه هذا النموذج في فكره وسلوكه وشعوره. أما في الأدب، فالنماذج تبدأ من شخص، ثم ينتهي تصوير أبعاده النفسية والفكرية والسلوكية كي تصبح نموذجا لنمط معيّن من البشر. على أن النماذج القرآنية، لا تبدأ من الفكرة الدينية فحسب، فهناك نماذج تبدأ أيضا من «شخص» معيّن، ثم ينتهي من خلال تصويره ليصبح نموذجا لنمط معين من البشر. مثل «فرعون» الذي أصبح نموذجا لكل متجبر متسلّط، في فكره وسلوكه، وشعوره. كذلك لا تعتمد النماذج القرآنية على ذكر الجزئيات والتفصيلات المكوّنة للنموذج، وإنما تعتمد على اللمحة الخاطفة، والإشارة الموحية، فإذا بالنموذج حيّ شاخص واضح القسمات والملامح. يقول سيد قطب عن طريقة القرآن في تصوير النماذج إنه «رسمها في سهولة ويسر، واختصار فما هي إلا جملة أو جملتان حتى يرتسم النموذج الإنساني شاخصا من خلال اللمسات، وينتفض مخلوقا حيّا خالد السمات» «٦». وتتسم هذه النماذج القرآنية بالشمولية، ولا تتقيّد بزمان ومكان محددين، بل تشمل جميع الناس، باختلاف طبقاتهم وفئاتهم. وهذا ينسجم مع النص القرآني الذي يخاطب الإنسان في كل عصر وجيل. وتتميّز نظرة القرآن الكريم بنظرته الواقعية للإنسان، فهو ينظر إليه من خلال طبيعته المزدوجة، التي تقبل السمو والتحليق، كما تقبل الهبوط والتدني، ففي النفس الإنسانية هذه الخطوط المتقابلة، فيها القوة والضعف، والسمو والهبوط، والهدى والضلال، والشجاعة

стр. 286

والخوف ... إلخ. ويصوّر لنا القرآن هذه الطبيعة الإنسانية، ويبرزها من خلال النماذج المصورة، وهدفه ليس تصوير الإنسان ملاكا، أو شيطانا بل تصوير هذه الطبيعة فيه، لتوجيه استعداداته نحو الخير والصلاح. فالإنسان بإمكانه أن يستغل طاقاته في العمل والبناء المثمر، ضمن إطار الواقع المعاش، دون أن يخلّ ذلك بطبيعته الإنسانية في السمو والهبوط، والصواب والخطأ. والنماذج القرآنية، تختلف عن النماذج الأدبية في ذلك، فالقرآن حين يصوّر هذه الطبيعة البشرية لا يزيّن نقاط الضعف والانحراف فيه، بل يبرز استعداداته نحو السمو والاستقامة والهدى، ضمن الغرض الديني من التصوير لهذه النماذج. وقد عرض القرآن الكريم حياة الإنسان كاملة، منذ بداية خلقه في عالم الغيب، حين خلق الله آدم، ثم هبوطه إلى الأرض، ثم تطور حياة الإنسان، على الأرض، وعلاقته مع نفسه ومع الآخرين وموقفه من ربه، ومن دعوة الرسل. وقد هيّأ بهذا العرض الطويل والدقيق لحياة الإنسان، بروز النماذج الإنسانية في القرآن بكثرة وغزارة. فهناك نماذج مؤمنة وكافرة ومنافقة، ونماذج تمثل القوة، وأخرى تمثّل الضعف، ونماذج من الرجال، وأخرى من النساء، ثم هناك نماذج الجنس البشري كلّه، ونماذج تمثل طبقة، أو فئة من الناس، ونماذج ترسمها القصص التاريخية، أو الأمثال، ونماذج ترسمها الكلمات والصور فهذه النماذج المرسومة وغيرها، هي نماذج مصوّرة، لتحقيق الغرض الديني، وليست لمجرد التصوير الأدبي. لذلك يمكن أن نقول إن النماذج القرآنية، هي نماذج أفكار ومبادئ، لتجسيد المعاني الدينية في صورة أشخاص، يتحركون على أرض الواقع، بكل سماتهم، وملامحهم الواضحة من خلال التصوير الفني لهم. وتقف نماذج الأنبياء في قمة النماذج القرآنية، فكرا وسلوكا وشعورا، بحيث لا يمكن قياسهم بغيرهم، فهم صفوة البشر، اصطفاهم الله لتبليغ رسالاته. وهذا الاصطفاء جاء لتوفّر صفات فيهم، لا تتوفّر في غيرهم، ولكن هذه النماذج المتميّزة عن بقية النماذج هي نماذج إنسانية أيضا، فيها كل الخصائص، أو الصفات الإنسانية، في صورتها المثالية، فقد عصمهم الله ، وجعلهم معجزته البشرية، كما كان القرآن معجزته البيانية.

стр. 287

بعد هذا ننتقل إلى الحديث عن هذه النماذج الإنسانية في القرآن الكريم، لندرك التواصل أو الترابط بين الصور الفنية في تحقيق الأغراض الدينية. فقد بدأ القرآن الكريم من أول سورة فيه «البقرة» بتقسيم الناس إلى فئات ثلاث: مؤمنة وكافرة ومنافقة. وهذا التقسيم للناس ليس مألوفا في علم التاريخ والاجتماع، وإنما هو تقسيم جديد، يعتمد على قاعدة أساسية، وهي موقف الناس من العقيدة الإسلامية، ثم راح القرآن بعد ذلك يرسم صورا لهذه الفئات الثلاث، محددا معالم كل فئة لتعرف بها، في الفكر والشعور والسلوك، حتى غدت كل فئة من هذه الفئات نمطا مألوفا في الحياة البشرية، كل نمط يعدّ نموذجا حيّا لمجموعة من البشر، نموذجا مكرّرا في كل زمان ومكان، لا تكاد تخرج البشرية عن هذه النماذج الثلاثة إلى يومنا هذا. وقد رسم القرآن الكريم هذه النماذج، بكلمات قليلة، وعبارات موحية، فإذا بها تنتفض من خلال التصوير والتعبير صورا، ونماذج نابضة بالحياة والحركة، دقيقة السمات لأشخاص معروفين مكررين، بهذه المعالم الواضحة والسمات الدقيقة. ويبدأ القرآن برسم صورة للمؤمنين أولا محدّدا أبرز سماتهم وملامحهم، فأصبحوا بهذه الملامح المصوّرة، نماذج مكررة في كل جيل وزمان، قال تعالى: الم، ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ. وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ البقرة: ١ - ٥. فهذه صورة وضيئة للمؤمنين المتقين، صورة توضّح ملامح هذا النموذج الفريد بين البشر، فترتبط صورتهم بصورة حسية مرئيّة من خلال قيامهم بالفرائض المحسوسة، وصورة غيبية، من خلال إيمانهم بالغيب واليوم الآخر، هذه الثنائية في التصوير بين الحسي وغير الحسّي، تمثّل مجمل التصور الإسلامي في نظرته إلى الإنسان ذي الطبيعة المزدوجة المكوّنة من مادة وروح، والحياة أيضا باعتبارها دنيوية وأخروية. كما أنّ هذه الثنائية تعتبر من خصائص الصورة الفنية في القرآن التي تجمع بين الحسّي وغير الحسي. فالصورة هنا ترسم هذا النموذج، وتحدّد معالمه، ليكون نموذجا يحتذى في عالم الواقع

стр. 288

والحياة، كما أنها تفتح الآفاق الممتدة، أمام التفكير أو التصوّر الإنساني، ليسرح في عالم الغيب المجهول بما فيه من إيحاء، ومفاجأة، فيظلّ الإنسان مشدودا إلى اليوم الآخر، في ضبط أفعاله وأقواله ومشاعره، وفق منهج الله المرسوم. وتتناسق عناصر الصورة، وتتكامل في رسم هذا النموذج، فيعتمد التصوير أولا على الشعور الممتد للتقوى، الذي ينمو في داخل النفوس، ويكبر حتى تنبثق منه أعمال وأفعال ظاهرة، وبذلك تتوحّد المشاعر والأفعال، وتتلاحم في نسيج محكم في تصوير النموذج لتحقيق الغرض الديني. فالتقوى شعور داخلي، يقوّيه الإيمان بالغيب، وينمّيه في داخل النفس، ثم العبادة تقوّيه أيضا وتزيد من الإيمان بالغيب، فإذا تمّ ذلك، فإن هذا الشعور الكامن، يجسّد في صورة الإنفاق المادية، التي هي دليل على شعور التقوى الداخلي، والدليل الملموس، على الشعور المستور، ثم يمتد الشعور بالتقوى ليتجاوز الذات، إلى الشعور بالأخوة الإنسانية، والأخوة الإيمانية ممثّلة في الإيمان بالرسل جميعا، ويكتمل هذا الشعور الداخلي باليقين في الآخرة. ويسهم التشكيل اللغوي في رسم أبعاد هذا النموذج، فاسم الموصول هنا يعرّف بصلته الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ، ولكنّ الانتقال هنا من الاسم الموصول إلى صلته، هو انتقال من المجهول إلى المجهول أيضا. وبذلك يتناسب البناء اللغوي مع الأثر المعنوي الذي تسعى إليه الصورة هنا. ثم تختم صورة النموذج، بالتمكّن والثبات على هذه الصفات أو هدى الله أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وتكرار المسند إليه هنا، يزيد من وضوح معالم النموذج، ويحقّق الغرض الديني من تصويره. ويلاحظ هنا أن القرآن الكريم يكتفي بتحديد الملامح الأساسية للنموذج، حتى تكون الأساس في التفريق بينه وبين النماذج الأخرى من أول سورة في القرآن، ثم تمتد ملامح هذا النموذج في القرآن كلّه، مفصّلة على نحو أكثر في بقية سور القرآن، وكأنّ الملامح هنا إجمال، يتبعه تفصيل بعد ذلك، وهذا يدلّ على وحدة التصوير الفني في القرآن الذي يقوم على نظام العلاقات بين الصور، ممتدة في الأنساق التعبيرية في النص كله، ولكنها تتجمّع بعد هذا التفريع، وتلتقي خيوطها من جديد، في هذه الملامح الأساسية المحدّدة للنموذج.

стр. 289

فهناك نماذج للمؤمنين، متفرّعة من هذا النموذج، ولكنّها مرتبطة فيه، ومتواصلة مع ملامحه وسماته. فنموذج المؤمن هنا، يتفرّع إلى نماذج للمؤمنين، لأنهم يتفاوتون في الصفات والملامح، ولكنّهم يلتقون جميعا في الملامح الأساسية المحدّدة لنموذج المؤمن في أول سورة البقرة. فهناك المؤمن المتجرد لله، يبيع كل شيء في سبيل مرضاة ربّه. ترسمه الصورة، وتحدّد معالمه، ليصبح نموذجا يحتذى. يقول تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ البقرة: ٢٠٧. وهناك نموذج المؤمن الشجاع، الذي نراه في قوله تعالى: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ آل عمران: ١٧٣. ونموذج آخر للمؤمنين، يتمثّل في أولئك الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع، يقول تعالى فيهم: إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ، تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ، فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ، جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ السجدة: ١٥ - ١٧. فمشاعر هذا النموذج مجسّمة في صورة محسوسة، تتمثّل في حركة الجسد ساجدا لله، وحركة اللسان مسبّحا أيضا، ثم يرسم القرآن مشهدا مؤثّرا لهم، يجمع بين الصورة الحسية والصورة النفسية. فهذا النموذج فريد بين البشر، يهجر مضجعه اللذيذ في وقت راحته ورقاده. ليتوجّه إلى ربّه في ساعات الليل، وهو نموذج فريد أيضا في مشاعره، وصلته بربه، يجمع بين الرجاء والخوف. وبين الصورة المحسوسة، والصورة النفسية، صلة وتواصل في السياق، فهذه المشاعر الخائفة، هي التي دفعتهم إلى هجر المضاجع في زمن الراحة والدّعة. فالصورة النفسية لهم، تجسّم في صورة حسية متحركة يَدْعُونَ رَبَّهُمْ .. وصورة حسية متحركة أخرى، هي «تتجافى جنوبهم عن المضاجع» والمضاجع، تدعو الجنوب إلى الاسترخاء والدّعة، وإسناد الفعل إلى الجنوب، يوحي بما في التجافي عن المضاجع من مشقّة للأجسام.

стр. 290

وهذه الصفات النادرة، يناسبها الجزاء المذخور عند الله سبحانه، ولكنّ الجزاء هنا يرمز إليه بقوله: مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ فهو جزاء تقرّ به العيون وتسرّ، ولكنه محجوب في التعبير والتصوير، لكي يتناسق مع جوّ عبادتهم في الليل، حيث لا يطلع عليهم أحد إلا الله، وكأنّ هذه الصلاة المستورة في جنح الظلام، يناسبها جزاء خاص مستور أيضا. وتصوير نماذج المؤمنين، لا يعني تجاهل الطبيعة البشرية فيهم، بما فيها من قوة وضعف، ولكن تصوير النموذج لا يركّز على لحظات الضعف البشري، ليقرّها، ويزيّنها، وإنما يعرضها في السياق ليعالجها، ويوجّه الإنسان إلي مجاوزتها، يقول تعالى: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ، أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ آل عمران: ١٣٣ - ١٣٦. ويبدأ رسم هذا النموذج بحركة حسية، تدعو إلى السرعة طلبا للمغفرة، ووصولا إلى الجنة الواسعة، بشرط تحقيق التقوى. ثم يبدأ القرآن برسم صفات المتقين، ويتمثّل ذلك في الإنفاق، في السراء والضراء، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس، والتوبة والاستغفار، وعدم الإصرار على الذنب. وهذه الصفات للنموذج، قسم منها يرجع إلى علاقته بالناس، وقسم آخر يرجع إلى علاقته مع ربه وهذا يعني تلاحم صلة النموذج بربه وبالناس أيضا. فصورته ممتدة في علاقته بربه، وعلاقته مع مجتمعه، فهو لا يقتصر على جانب دون الآخر، بل هو متواصل مع مجتمعه في الإنفاق وكظم الغيظ، والعفو عن الناس، كما هو متواصل مع ربه في الاستغفار والتوبة هكذا يصوّر القرآن نموذج المؤمن، وهو يربّيه ويهذّبه، ويحرّك مشاعره للصعود والارتقاء، فاتحا أمامه باب الرجاء، ثم يأتي الجزاء في نهاية التصوير للنموذج متناسقا مع بداية تصويره له، وكأنّ الجنة الواسعة بمنزلة الإطار الخارجي، والنموذج هذا في داخل هذا الإطار المرسوم والمحدّد. وهناك نماذج كثيرة خيّرة، وطيّبة، يرسمها القرآن الكريم، ويحدّد سماتها ومعالمها،

стр. 291

فهناك نموذج الكريم في قوله تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ الحشر: ٩. فهذا النموذج ينفق ويعطي، على الرغم من حاجته إلى ما ينفقه، ولكنه يؤثر غيره عليه، وهذه آفاق إنسانية من التجرد عن الذات في سبيل إنقاذ الآخرين. وهناك بالمقابل نموذج الفقير المتعفّف، يقول تعالى: لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً البقرة: ٢٧٣. وهذا النموذج في الأصل للمهاجرين، ولكنّه ينطبق على أيّ نموذج آخر في كل زمان، تتوفّر فيه هذه الصفات المميّزة المرسومة لهذا النموذج، فهو الذي تمنعه كرامته من أن يسأل الناس، ويضطر إلى أن يتجمّل أمام الناس، حتى لا يظهر فقيرا محتاجا، فمظهره يدلّ على غناه، ولكنّ واقعه خلاف ذلك، والإنسان البصير يدرك الفقر من خلال قسمات الوجوه، التي لا يمكن إخفاؤها، والنموذج يحاول أيضا أن يخفيها عن الأعين، ويدفعها بكل ما يستطيع، حياء وتعففا عما في أيدي الناس. وهناك نماذج كثيرة يرسمها القرآن لأناس طيبين، كرماء، شجعان، أتقياء، ومخلصين، وهي نماذج مرسومة للترغيب في الاقتداء بها. وهناك نماذج أخرى لأناس فاسدين، وشريرين، يتمثّلون في نموذج «الكافر»، وهو نموذج يرسمه القرآن، ليقابل نموذج المؤمن، لتوضيح الفروق بينهما. وهذه الطريقة التصويرية رأيناها أيضا في الفصول السابقة، التي أكّدت أيضا على قضية الإيمان والكفر، بصور مختلفة، وأساليب شتى، وهذا التنويع في التصوير، يزيد قضية الإيمان والكفر وضوحا وجلاء، ولكنّها هنا تعرض في صورة نماذج بشرية أيضا، لاستيفاء هذه القضية الأساسية من جميع جوانبها. يقول الله تعالى في وصف نموذج الكافر: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ البقرة: ٦ - ٧. فهذا النموذج ترسم ملامحه الأساسية، بعد نموذج المؤمن في أول سورة البقرة، لتتّضح الفوارق الجوهرية بين النموذجين من أول النص القرآني.

стр. 292

وقد رأينا في نموذج المؤمن، تفتّح حواسه، وإيمانه بالله سبحانه، وباليوم الآخر .. ولكنّ نموذج الكافر، قد عطّل حواسه، فتوقفت عنده وسائل المعرفة والإدراك، فلم يعد يدرك غاية وجوده في الحياة، أو يؤمن بربه، لأن أدوات الإدراك والمعرفة معطّلة. فالقلوب هنا مختومة فلا يصل الهدى إليها، والأبصار مطموسة فلا ترى النور، والأسماع مسدودة، فلا تسمع الحق. ومن كان هذا حاله، فلا يرجى منه خير، ولا ينفع معه إنذار وتوجيه. وهكذا يرتسم نموذج الكافر بصورته المظلمة الجامدة، ثم تتوالى صور الكافر في القرآن متفرّعة كلّها من هذا الأصل، الذي تنبثق منه لاستكمال صورته بكل تفصيلاتها وجزئياتها. وهذا كما قلنا يؤكّد نظام العلاقات بين الصور في الأسلوب القرآني. فنحن نجد صورة أخرى للكافرين مرسومة للتحقير في قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ محمد: ١٢. وقد استحقّوا هذه الصورة المحقّرة لشأنهم، لأنهم عطّلوا أدوات المعرفة والإدراك لديهم، فلم يعد لهم إلا هذه الحياة المادية، في الطعام والشراب، التي هي أقرب إلى صورة الدواب منها إلى صورة الإنسان المكرّم بخصائصه الإنسانية المميزة له عن باقي المخلوقات. ويرسم القرآن الكريم نموذجا للكافر في قوله: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ الجاثية: ٢٣. فهذا النموذج خاضع لهواه، منقاد له، خضوع العبد لمولاه، فلا يرى الأشياء إلا من خلال أهوائه ورغباته وشهواته، حتى استحوذ عليه هذا الهوى، فعطّل حواسه، فأصبحت مختومة، لا تدرك الحقائق كما هي. وحين يتخذ الإنسان هواه إلها يخضع له، ويختم على حواسه فلا يدرك الأشياء، يستحق وصفه بالأنعام يقول تعالى: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا، أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا الفرقان: ٤٣ - ٤٤. وفي تصوير هذا النموذج إضافة جديدة، وهي تصويرهم بالأنعام التي لا تعقل ولا تسمع،

стр. 293

حتى يوضّح أن هذا النموذج من الناس لا جدوى من هدايته، لأنه غير قابل للهداية، وغير صالح لها، لأنه فقد أدوات استقبال الهدى في التعقل والاستماع، والعلّة في ذلك كلّه هي اتّباع الهوى، والخضوع له. وحين يتخذ الإنسان الهوى إلها، فإن نفسه تتفلّت من الموازين الضابطة لشهوات النفس، بل إنها تخضع لهذه الشهوات، وتتخذها إلها معبودا. والتعبير القرآني يعتبر هذا النموذج أحطّ من الأنعام، لأن الأنعام تؤدي وظائفها الغريزية التي أودعها الله فيها، بينما الإنسان يعطّل وظائف حياته التي زوّده الله بها. وهناك نموذج آخر لا يكتفي باتباع الهوى بل يصدّ غيره عن الهدى والإيمان، يقول الله تعالى فيه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ لقمان: ٦ «٧». وهذا النموذج موجود في كل جيل أيضا، يتّخذ أساليب عدة للصدّ عن سبيل الله، ويفني عمره ووقته وماله في سبيل إضلال غيره، ويسميها القرآن «لهوا» تهوينا من شأنها، وتحقيرا لها. ثم يصوّر القرآن الكريم، هذه النماذج للكافرين، في صورة جماعية ضمن مشهد واحد، يجمعهم جميعا يقول تعالى: وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً آل عمران: ١٧٦. وهذا المشهد حيّ شاخص، يصوّر حركة الكافرين، وهم مسرعون في طريق الكفر، ماضون فيه، وكأنّهم يسعون إلى غاية، يريدون أن يصلوا إليها، فهم في حلبة السباق، يسرع كلّ منهم قبل الآخر، حتى يصل إلى النهاية قبل غيره، ولك أن تتأمل هذه الجموع تتسارع، وتتدافع في هذا الطريق، وكأنّها تأمل أن تحصل على جائزة في نهاية السباق. وهذه الحركة الحسية السريعة، تعبر عن حركة نفسية في داخل الصدور، ولكنّ القرآن الكريم، يضع صورة مقابلة، توقف الحركة السريعة في طريق الكفر إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً فتتلاشى صورة الكفر بما فيها من سرعة واندفاع، لهزالها وضعفها أمام الصورة المقابلة لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً.

стр. 294

ولكنّ هذه الصورة الجماعية للكافرين، ليست متّحدة في داخل صفوفها، وإن اتّحدت في حركتها الخارجية في طريق الكفر، فهم أحزاب وجماعات، متناحرة، كل حزب بما لديهم فرحون. يقول تعالى: فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ المؤمنون: ٥٣. وهذه صورة حيّة، لأهل الكفر، جماعات، وأحزابا، يرسمها التعبير القرآني، فيجعلها نماذج مكررة في كل زمان ومكان، فقد تنازع هؤلاء الأمر بينهم حتى مزّقوه تمزيقا، ثم مضى كل حزب بالقطعة التي مزّقها بيده، فرحا بها، لا يفكر بما فعله من تمزيق الأمر الواحد، لأنه أغلق تفكيره في غمرة شعور الفرح الطافح على كل شيء. هذا هو نموذج مكرّر لجماعات الكفر، وما تقوم به من أدوار في التمزيق والتفريق، ترسمه الصورة القرآنية بحركة حسية خارجية، تتمثّل في تمزيق الأمر زبرا، كما ترسم المشاعر الداخلية بكلمات قلائل كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ فتغدو هذه السمات للنموذج واضحة متجدّدة في كل زمان ومكان. وأحيانا يجمع السياق بين نموذج الإيمان، ونموذج الكفر، ويقابل بينهما، لإجراء المقارنة، وتوضيح الفروق بينهما، يقول تعالى: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ البقرة: ٢١٢. فالدنيا في نظر الكافر هي الأساس، لذا فهي مغرية، ومزيّنة في عينيه، وهي المقياس لكلّ الأشياء والتفاضل بين الناس، فهو متعلّق بها، لأنها فرصته الوحيدة، ويتجاوز ذلك إلى السخرية من المؤمنين، الذين يختلفون معه في النظر إليها، فالمؤمنون يزنون الأمور بميزان الإيمان، الذي هو المعيار الباقي، لهذا فإنهم يكونون الأعلى يوم القيامة. أمّا نموذج النفاق، فهو مصوّر أيضا، في أوائل سورة البقرة، لبيان سماته الأساسية من أول القرآن، حتى تكون أساسا، لبقية صفاته الأخرى المرسومة في بقية سور القرآن. وصورة نموذج النفاق وردت أطول من صورة نموذج المؤمن والكافر، لأنّ صورة المؤمن صافية واضحة، مستقيمة، محدّدة السمات، وصورة الكافر مظلمة معتمة في اتجاهها. أما صورة المنافقين ففيها التواء وغموض، فهي بحاجة إلى توضيح أكثر، حتى تعرف سماتها المميّزة لها، فقد رأينا صورتهم في فصل «الأمثال المصورة» فد عطّلوا حواسّهم في

стр. 295

المثل الأول مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ .. البقرة: ١٧ - ١٨ «٨». وحركتهم المضطربة المتذبذبة بين المؤمنين والكافرين في المثل الثاني أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ... البقرة: ١٩. فبالإضافة إلى ظلمة نفوسهم، وحركتهم المضطربة في المجتمع، هناك صفة أخرى لهم، هي «الجبن» والجبن صفة ذميمة، تفسّر أسباب مواقفهم الملتوية، ونفوسهم المتلوّنة، التي لا تثبت على مبدأ أو رأي. فهذا النموذج، ظاهره يعجب، ويخدع، وباطنه جبان، يقول تعالى فيهم: وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ المنافقون: ٤. ونموذج المنافقين مثال للبلاهة والخوف، وعدم الانتفاع منه، ويتمثّل هذا النموذج في الأجسام الضخمة، التي تعجب في مظهرها الخارجي، ولكنها في حقيقتها خالية من الروح، وأيّ مضمون مفيد، كذلك يتمثّل في الأقوال المنمّقة، التي تسمع وتطرب، ولكنها لا تحتوي على أساس ترتكز عليه. فالمنافقون في المجتمع أشبه بالأخشاب المسندة إلى جدار، كالتماثيل بلا حركة ولا موقف، لأن نفوسهم مهزوزة، يحسبون كل صيحة عليهم، تفضحهم وتكشف سرّهم. ويلاحظ دقة التصوير في قوله: كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ للدلالة على عدم الانتفاع بهذا النموذج. يقول الزمخشري في ذلك: «فإن قلت ما معنى قوله «كأنهم خشب مسندة؟ قلت شبّهوا في استنادهم وما هم إلا أجرام خالية عن الإيمان والخير بالخشب المسندة إلى الحائط، ولأن الخشب إذا انتفع به كان في سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع، وما دام متروكا فارغا غير منتفع به أسند إلى الحائط فشبّهوا به في عدم الانتفاع» «٩». وصورة أخرى لهذا النموذج، تتمثّل في التلوّن بكل لون، حسب الظروف والمواقف. يقول تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ

стр. 296

النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا، مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ النساء: ١٤٢ - ١٤٣. فهذا النموذج مخادع، يقوم إلى الصلاة رياء، ويتضح الشعور الداخلي هذا، في حركة الكسل والتباطؤ، إذا قام إلى الصلاة. فالسمة البارزة لهذا النموذج هي التلوّن بكل لون، حسب الموقف الذي هو فيه، أو الظرف المحيط به، فهو متذبذب في مواقفه وأقواله وسلوكه، لا يثبت على رأي أو مبدأ، لجبنه، وخواء فكره وروحه، وقد يكون هذا النموذج، فصيح اللسان، بليغ الكلام، إن تكلم في التقوى والإيمان، ولكنّ باطنه خلاف ذلك، يقول تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ، وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ، وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ البقرة: ٢٠٤ - ٢٠٦. فهذا النموذج يتناقض ظاهره مع باطنه، فهو يجيد الكلام، ويحسن سبكه وحبكه، ليؤثّر في الناس، ويتظاهر بالطيب والأخلاق والإيمان، ولكنّه في حقيقته ألدّ الخصام. فلو وجد فرصة سانحة لأفسد أهل الأرض، وأهلك كل بذور الخير في الأجيال اللاحقة، وهذا ما يوحي به التعبير ب «أهلك الحرث والنسل» وهذا يدلّ على سوء باطنه، وكثرة شروره، وخطورة دوره في المجتمع الإسلامي وزيادة في توضيح صورته وإبطال ادعائه، فإن هذا النموذج لا يقبل النصح والتوجيه، لأنه يرى نفسه أكبر من ذلك، فهو مدّع أيضا بالإضافة إلى أنه متناقض. وتوضع عاقبة هذا النموذج بعد رسم ملامحه، للتحذير منه، والتنفير من هذه الصفات «فحسبه جهنم وبئس المهاد» ونموذج النفاق ضعيف الرأي، لا يتحمّل المسئولية في الالتزام بمبدإ أو رأي، يقول تعالى في وصف هذا النموذج: وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ التوبة: ١٢٧. فهو حين يرى الحقّ في الآيات المنزلة، ينسلّ في حركة خفية، وهيئة مثيرة للريبة، وتبادل النظرات مع أقرانه، بإشارات مفهومة بينهم، وخرجوا كلّهم هاربين بصمت وحذر. ونموذج المتخاذل عن الجهاد، يرسمه القرآن الكريم بقوله: وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً، وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً النساء: ٧٢ - ٧٣.

стр. 297

فالمتخاذل يبطئ عن الخروج إلى الجهاد، وربّما يبطّئ غيره أيضا، لأنّه يؤثر السلامة، وينتظر نتيجة المعركة. فإن رأى هزيمة المسلمين، عدّ نفسه محظوظا في تقاعسه، وإن رأى أنهم انتصروا راح يطلق الأمنيات كي يفوز بالغنائم. والصورة ترسم حركة المتخاذل من خلال جرس الكلمة الشديد المتعثر لَيُبَطِّئَنَّ فهي ترسم حركة التثاقل الحسية بكل التواءاتها وعثراتها، وهذه الحركة الحسية، تعبر عن حالة نفسية مريضة، تؤثر السلامة، وترغب في الغنيمة في الوقت نفسه. وهناك نموذج من الناس ينظر إلى الدين من خلال الربح والخسارة، يقول الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ الحج: ١١. فهذا النموذج يمسك بطرف من الدين، ولا يأخذه كلّه، فهو يعبد الله وكأنّه على حرف أي «على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه» كما يقول الزمخشري «١٠». فإن وجد أن الدين يجلب له المنفعة فرح واطمأنّ. وإن أصابه ابتلاء في الدين، ارتدّ منقلبا على وجهه، لأنه غير متمكّن منه ولا ثابت عليه. «والتعبير القرآني يصوّره في عبادته لله على (حرف) غير متمكن من العقيدة ولا متثبت في العبادة، يصوّره في حركة جسدية متأرجحة قابلة للسقوط عند الدفعة الأولى، ومن ثم ينقلب على وجهه عند مسّ الفتنة، ووقفته المتأرجحة تمهّد من قبل لهذا الانقلاب» «١١». وصنف آخر من الناس متكبّر متعجرف، ترسمه الصورة في نموذج متكرر، يقول تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ، ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ الحج: ٨ - ٩. وصورة العجرفة الممقوتة مرسومة بحركة ثانِيَ عِطْفِهِ مائل مزورّ بجنبه عن الآخرين وهذه العجرفة تدفعه إلى الجدال، لا عن بينة وعلم بل عن جهل، فهو يتعالى بهذه الصورة الحسية ليغطي جهله وغباءه، وقصور فهمه. وحركة العجرفة المتمثّلة في ثاني عطفه، نراها مكرّرة في هذا النموذج، وهي من أبرز

стр. 298

سماته، ولكنّ الله لم يترك هذا المتكبر على عجرفته، بل وضع له صورة مقابلة في الخزي في الدنيا، ثم يمتد هذا الخزي، في صورة عذاب الحريق الحسية يوم القيامة. وهناك صنف «الأغبياء» الذين لا يفقهون ما يسمعون، ترسمهم الصورة في قول الله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفاً محمد: ١٦، وهناك أيضا نموذج الضال الهالك، الذي يرى سلوكه حسنا، ويغترّ به، يقول تعالى في هذا الصنف من الناس: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فاطر: ٨. فهذا النموذج يرى سلوكه السيئ حسنا، لأن الشيطان يزيّنه له، ويغريه به، ويضلّه عن حقيقته السيئة. وصنف من الناس يتسم بالمكابرة والعناد، ولو رأى الحق أمامه محسوسا ملموسا. يقول تعالى: وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ الأنعام: ٧. وصورة أخرى لهذا النموذج المكابر المعاند نراها في قوله تعالى: وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ الحجر: ١٤ - ١٥. فلو صعد هذا النموذج إلى السماء من باب مفتوح، ورأى الحقيقة لظلّ على عناده في الإنكار، لأنه سيقول: إنه مسحور، وليس ما يراه حقيقة، وهذا النموذج يثير الاحتقار والسخرية من طريقته في العناد والمكابرة، حتى لو رأى دليلا أمامه لأنكره. لأنه محجوب عن رؤية الحقيقة بغطاء المكابرة المسدل على وجهه. ونموذج من الناس. صاحب ادّعاء عريض في أيام الرخاء، ولكنّه في أيام الشدّة والمحنة متخاذل جبان، يقول تعالى في هذا الصنف من الناس: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ العنكبوت: ١٠. وهناك أيضا نماذج من أهل الكتاب، يقول الله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ آل عمران: ٧٥. فنحن نجد هنا نموذجين من أهل الكتاب، نموذج أمين، ونموذج آخر خبيث مخادع

стр. 299

وخائن يماطل في ردّ الحقوق إلى أصحابها، بل إنه يفلسف سلوكه الذميم بأن الله أباح له هذا التعامل مع الآخرين. وكلمة «قنطار» توحي بالكثرة والضخامة، لتوضيح أمانة النموذج الأول، وكلمة «دينار» توحي بالقلّة، لتقابل الكثرة في النموذج الأول، وتوضّح الفارق بين النموذجين، وقوله: ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً تؤكّد مماطلة النموذج الثاني وخيانته، لأن كلمة قائِماً توحي بالملازمة الشديدة له، ثم زاد هذه الملازمة توضيحا وتأكيدا بتقديم الجار والمجرور على متعلقه عَلَيْهِ قائِماً. ونموذج آخر لأهل الكتاب، هو نموذج المخادع. يقول الله تعالى فيه: وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ آل عمران: ٧٢. وهناك أيضا نموذج الحريص على الحياة الدنيا، متمسك بها بأيّ شكل من الأشكال يقول تعالى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ البقرة: ٩٦. وهذا النموذج في الأساس ينطبق على اليهود، الذين يحرصون على أيّ حياة كانت، وتنكير «حياة» هنا يفيد التحقير. فهم حريصون على حياة كريمة أو ذليلة، المهم أن تكون حياة فحسب، وينطبق هذا الوصف أيضا على بعض الناس، في حرصهم على حياة بأيّ شكل كان، وهذا الصنف فيه طبيعة اليهود، والحرص على حياة، يدفع إلى التضحية بالمبادئ والأخلاق أحيانا في سبيل التمسك بأي نوع من الحياة. ونتيجة هذا الحرص، يتمنّى هذا النموذج الأعمار الطويلة، دون أن يفكر، فيما عمل في هذه الحياة، وما حصاده منها، لذلك فإنّ امتداد أعمار هذا النموذج لن تفيده في زحزحته من العذاب، وجرس كلمة «الزحزحة» يرسم صورة النموذج وهو يحاول الزحزحة من العذاب المحيط به. وكما رسمت الصورة نماذج العقيدة، رسمت أيضا نماذج الجنس البشري كلّه، بما فيه من خصائص فالإنسان مفطور على الإيمان، ولكنّ الشهوات تحجب هذه الفطرة، ولا تنكشف هذه الفطرة على حقيقتها إلا في الشدّة. يقول تعالى: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ

стр. 300

ما كانُوا يَعْمَلُونَ يونس: ١٢. فهذا نموذج للجنس البشري، نراه مكررا في كل زمان ومكان، فهو لا يلجأ إلى ربه إلا في الشدة، فحين يصاب بابتلاء، يتضرع إلى الله على صور مختلفة، قائما أو قاعدا أو مستلقيا، لا ينساه، يطلب منه دفع الضرّ عنه، فإذا استجاب له، فأزال عنه ضرّه، تغيّر موقفه من ربه، وعاد إلى غفلته وجحوده، ومضى في دنياه مستهترا عابثا، ناسيا ما مرّ به من كرب شديد. وتصوير النموذج، يتناسق مع الحالة النفسية له، فهو يطيل التصوير لحالته وقت الشدة، ويعرضه على أشكال مختلفة، وهو يدعو ربه، لبيان خوفه من أن تكون حياته قد انتهت، فهو لذلك يلحّ بالدعاء باستمرار، كما أن إطالة التصوير هنا، ترسم الفوارق له في الحالتين فهو متضرع خائف في الشدة، ومستهتر عابث في الرخاء، لذلك نلاحظ التصوير السريع الخاطف لحالته في الرخاء يوحي به اللفظ «مرّ» وكأنّه كان مقيّدا، ثم انفلت من قيده فراح مسرعا كما أن اللفظ «مرّ» يوحي بعدم الاكتراث بما ألمّ به من ضرّ، ونكرانه للجميل. ونموذج آخر للإنسان، يلتقي مع النموذج الأول في تذكره الله في الشدة، ونسيانه في الرخاء، لكنّ هذا النموذج يزيد على ذلك، أيضا، سمة الادّعاء والتبجّح، يقول تعالى: فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ الزمر: ٤٩. فالنموذج هنا لا يكتفي بنسيان ربه الذي كشف عنه ضرّه، وإنما يزداد ادّعاء وتبجحا في الرخاء، فينسب ما حصل عليه من النعمة إلى نفسه، فيقابل ربّه المنعم عليه بالجحود والتبجّح. ونموذج آخر من البشر، يلجأ أيضا إلى ربه وقت الشدة، ولكنه حين يكشف ضرّه، يعود إلى عبادة الشركاء. يقول تعالى: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ، قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ الزمر: ٨. وهذه صورة حقيقية للنفس البشرية، تشعر بضعفها في وقت الشدة، ولكنّها تشعر بالقوة في الرخاء. وصورة هذا النموذج المتناقض مع أهواء النفس يتقلّب بتقلباتها، ويطمس فطرته التي استيقظت في الشدة، صورة تدلّ على الجحود والالتواء واضطراب النفس،

стр. 301

حين تخلو من العقيدة التي تقيم التوازن النفسي ... وتحقّق الطمأنينة والثبات للإنسان. ونموذج آخر، أكثر تفصيلا في تقلّباته بين الشدة والرخاء، وتغيّر مواقفه. يقول تعالى: لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ، وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى، فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ، وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ فصلت: ٤٩ - ٥١. فهذا النموذج كثير التقلّب في مواقفه ومشاعره، فهو كثير الإلحاح في طلب الخير، وإن مسّه الشرّ، مجرد مسّ خفيف، ركبه الهمّ والقنوط، وفقد الأمل، فإن منّ الله عليه من جديد، فأزال همّه، وأغرقه بنعمته، جحد نعمة ربه، ونسبها لنفسه، ثم تضخّم عنده الشعور بالذات، فأثّر في اعتقاده، فأنكر الآخرة، أو حسب نفسه بأنه سيكون محظوظا أيضا عند ربه. وهكذا تحوّل هذا الإنسان الضعيف إلى إنسان بطر بالنعمة، فمدّع، فمنكر ليوم القيامة، وإن مسّه الشرّ من جديد، عاد إلى الدعاء والإلحاح في طلبه «فذو دعاء عريض». وهكذا حاله دائما في تقلباته، بين لجوء إلى ربه، وادّعاء وإنكار، وهذه صور مكرورة، نراها في كثير من الناس. ويقترن أحيانا تصوير هذا النموذج بمشاهد دالة على قدرة الله، للتذكير والتهديد يقول تعالى: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ، فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يونس: ٢١ - ٢٣. فكثير من الناس هذا حالهم، فإذا زالت الشدة عنهم، عادوا إلى المكر والخداع، ولكنّ الله أقدر على إبطال مكرهم، فالملائكة يدوّنون أفعالهم إلى يوم الحساب. ثم ترسم الصورة مشهدا مطوّلا لهذه النماذج من الناس، مستمدّا من الطبيعة المحسوسة،

стр. 302

ليكون أبلغ أثرا في النفوس. فهذه السفينة تتحرك في البحر هادئة، بريح طيبة ندية رخية، تدفعها بهدوء وأمان، وكأنّ هذه السفينة هي الحياة، رمز إليها بالسفينة، والبشر هم ركّابها، يعيشون على ظهرها برخاء وأمان أيضا، وهم فرحون بها، سعيدون بهذه الأجواء الهادئة الآمنة، ثم تحدث المفاجأة غير المتوقعة، فتهبّ العاصفة المدمّرة، فتضطرب حركتها، ويضطرب ركابها خائفين، والأمواج تعلو وتهبط لإغراقها بمن عليها، في هذه اللحظات، توجّه الناس بالدعاء مخلصين، وانكشفت الفطرة على حقيقتها، من تحت الأوهام والأهواء، فاستجاب الله لهم، وهدأت العاصفة، وهدأت السفينة لتسير في حركتها الطبيعية، ولكنّ هؤلاء حين استقروا على الأرض نسوا ما مرّ بهم من ضيق وهم على ظهر السفينة، وما عاهدوا عليه الله من الشكر إن أنجاهم ... فالمشهد هنا يجسّم المشاعر الإنسانية لهذا النموذج، في حالتي الشدة والرخاء، لتتضح سمات هذا الصنف من الناس، في تعامله مع ربه بشكل متناقض، لكنّ التهديد يأتي في أعقاب التصوير بأنّ هذه النماذج من البشر، لن تفلت من الحساب عمّا تعمله في الحياة. وأحيانا يلمس التصوير الفني طبيعة الإنسان، بكلمات قليلة، فيرتسم النموذج واضح القسمات والصفات كقوله تعالى: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ الأنبياء: ٣٧. وتتمثّل هذه العجلة فيه في سرعة النسيان للضرّ الذي أصابه يقول تعالى: وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ هود: ١٠. فهو قاصر عجول، سريع في نسيان أيام الشدة والضر، قاصر في فهم النعمة التي لا تدوم، لذلك فإنه فرح، متباه بها، لا يدرك أنها إلى زوال. وبكلمات قلائل أخرى تصور حقيقة الجنس البشري أيضا في نموذج مكرّر: إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً، إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً، وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً المعارج: ١٩ - ٢١. وترسم الصورة نموذجا لكثير من الناس، هذا النموذج يحب الحمد والثناء على شيء لم يفعله لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ آل عمران: ١٨٨. وفريق آخر من الناس يؤثر التقليد على التفكير، وهذا نموذج مكرّر نراه على الدوام، قال تعالى: قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا المائدة: ١٠٤، وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا

стр. 303

عَلَيْها آباءَنا الأعراف: ٢٨. وهناك نماذج لكثير من الناس، يعتزون بالأموال والأولاد، ويجعلونها غايتهم في الحياة، ويتحوّل هذا الشعور الداخلي إلى سلوك اجتماعي في كثير من الأحيان. وقد رأينا نموذج هذا الإنسان في صاحب الجنتين الذي آتاه الله أولادا وأموالا، فطغى وكفر بنعمة الله، وعدّ المال والولد، كل شيء في الحياة فراح يقول مفتخرا: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً الكهف: ٣٤ «١٢». ونجد في القصص القرآني كثيرا من النماذج الإنسانية المصوّرة أدق تصوير. ففرعون، نموذج للطغيان والاغترار بالقوة والسلطة، وقد تجاوز الحدّ في الطغيان إلى درجة التأليه، وفرض عبادته على الناس، وسنّ القوانين الجائرة، يذبّح الأبناء ويستحيي النساء، وعلة هذا الطغيان هي أنه فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ الزخرف: ٥٤. كما أنّ أسلوبه في محاربة موسى، يعدّ نموذجا مكررا في كل زمان ومكان، قال له فرعون بجبروت وطغيان مهدّدا له بالسجن إن عبد غيره، وتوجّه إليه. قال تعالى على لسانه: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ الشعراء: ٢٩. كما أنه حاول تشويه صورة موسى في أذهان الناس، فاتهمه بالسحر، ليصرف الناس عن رسالته، وحين لم تنفع كل الأساليب لوقف دعوة الله، لجأ فرعون إلى الأسلوب الأخير، وهو محاولة قتل موسى. ففرعون يعدّ نموذجا بشريا مكررا بأسلوبه، وفكره، وشعوره، رسمت ملامحه وصفاته وهو في ذروة قوته وسلطته، وأسلوبه في التعامل مع الناس من منطق القوة والسلطة، ثم في أسلوبه في التعامل مع الحق ودعاته، فهو يرفض أيّ حق يأتيه، لأنه يرى فيه تهديدا لسلطته، فهو لا يخضع للحق كالآخرين، بل يريد أن يخضع له أشخاصا ومبادئ، وهذا هو أبشع الطغيان يتمثّل في قوله: ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي. و «النمرود» نموذج آخر للطغيان، فقد ادّعى الألوهية، ولجأ إلى أسلوب التضليل حين ناظره إبراهيم ولكنّ إبراهيم حين أفحمه بالدليل الكوني المعجز، لجأ إلى أسلوب التهديد بالقتل والإحراق. وهناك أيضا نماذج للأبوة، والأمومة، والأخوة، والزوجية معروضة ضمن إطار الوظيفة

стр. 304

الدينية للصورة، لإعطاء العلاقات الإنسانية بعدا إيمانيا بالإضافة إلي تصوير الطبيعة البشرية في تلك العلاقات. فهناك نماذج ثلاثة للأبوة في القرآن الكريم، نجد فيها تصوير هذه العاطفة الأبوية الإنسانية من خلال العقيدة التي هي الرابطة الأساسية بين البشر. فقصة نوح مع ولده، تمثّل هذه العلاقة الأبوية في أبعادها الإنسانية، فهو نموذج للأب الحاني على ولده، يخاف عليه من الغرق، فيناديه مناداة الأب الخائف على ولده الضائع الذي يحيط به الخطر، وحين غرق ولده، ولم يستجب لنداء أبيه، استمرت عاطفة الأبوة، ولم تتوقف. فقد لجأ نوح إلى ربه خوفا عليه من عذاب يوم القيامة، عسى أن ينقذه هناك إن لم يفلح في إنقاذه من الغرق في الدنيا، فكان الجواب صريحا من الله : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ، إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ هود: ٤٦، فنوح ﵇ نموذج للأبوة الوفيّة بأبنائها في جميع الظروف، حتى في تلك المواقف التي يكون فيها الأبناء، عاقّين لآبائهم، ولكنّ هذا النموذج المثالي، يتمسك في النهاية بالمبادئ إلى جانب تلك العواطف الإنسانية. وإبراهيم ﵇، يعدّ نموذجا للأبوّة، وابنه إسماعيل نموذج للبنوة المطيعة. وهذا النموذج مرتبط بالله، في أعلى صور الخضوع لأمر الله في كل الظروف والأحوال، وعدم نسيانه وسط العواطف الإنسانية بين الأب وابنه. ويعقوب، نموذج للأب الذي امتحن بفقد ولده «يوسف». فنماذج الأبوة، تظهر فيها هذه العاطفة الأبوية، واضحة في السلوك والتصرفات والأقوال ولكنها مقيّدة بالإيمان والطاعة لله . ونموذج الأمومة، يتمثّل في أم موسى، التي قلقت على ولدها، وخافت عليه من بطش فرعون، حتى غابت عن وعيها، وفقدت القدرة في ضبط عواطفها المكبوتة، يقول الله تعالى فيها: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها ... القصص: ١٠. وهي في هذا نموذج لكل أم تمرّ بمثل هذه الظروف. ونموذج البنوة الطائعة يتمثّل في «إسماعيل»، ونموذج العقوق للأبوين يتمثّل في ولد نوح وأبناء يعقوب. ونموذج الأخوة، نراه في إخوة يوسف الذين حسدوه، وهمّوا بقتله، ولكنّ هذه العاطفة

стр. 305

منعتهم، فاكتفوا بإلقائه في الجبّ، كما أنّهم ندموا في النهاية وشعروا بخطئهم في نهاية القصة ويتمثّل نموذج الأخوة المثالية في يوسف المتسامح مع إخوته، وفي موسى وهارون وهي أخوة متعاونة في الدعوة، ونشر رسالة السماء. وهناك نماذج من النساء، نموذج الزوجة الفاسدة تتمثّل في امرأة نوح، وامرأة لوط فهما لم تتأثرا ببيت النبوة، لفسادهما، وسوء تقديرهما للأمور. ونموذج آخر امرأة فرعون، تمثّل المرأة الصالحة في بيئة الكفر والضلال، وظلّت متمسكة بإيمانها، ولم تتأثر بأجواء الفساد في القصور. وامرأة عمران، نموذج للمرأة المتدينة في البيئة المتدينة أيضا. وامرأة العزيز، نموذج للمرأة المترفة، المندفعة وراء غرائزها في جزء من قصة يوسف. وامرأة أبي لهب نموذج المرأة المتعاونة مع زوجها على الشرّ ومحاربة دعوة الله. ويبرز في القصص القرآني «الأنبياء» في أعلى صورة للنماذج الإنسانية، نماذج فريدة في التاريخ البشري، اصطفاهم الله، لحمل رسالته، وتبليغها للناس، فهم نماذج إنسانية مثالية، حقّق الله فيهم معجزاته أيضا، من حيث الجمع بين الصفات الإنسانية، والتميّز بالرسالة فهم بشر، ينطبق عليهم كلّ صفاتهم الإنسانية، ولكنهم متميّزون بهذه الرسالة التي حملوها. ويقف الرسول صلّى الله عليه وآله على رأس هذه النماذج الإنسانية، في صورته الإنسانية الكاملة، فهو نموذج الإنسان الكامل في أقواله وأفعاله وسلوكه، كان يحمّل نفسه ما لا تطيقه في سبيل هداية قومه، وإنقاذهم من الهلاك. يقول الله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ الأنبياء: ١٠٧، وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ القلم: ٤، فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً الكهف: ٦. ونوح ﵇ نموذج لقوة التحمل والصبر النموذجي في دعوته لقومه ألف سنة إلا خمسين عاما، قضاها في دعوة قومه سرا وجهارا، متمثّلا ما أمره الله به، وهو صبر طويل، وتحمّل كثير في سبيل نشر الدعوة ولكنّ بشريته ظهرت في مناداته ابنه، بدافع الأبوة الصادقة. وإبراهيم ﵇ نموذج للحكمة والهدوء، فقد دعا أباه إلى الإيمان بحكمة وهدوء،

стр. 306

وكذلك دعا قومه بالأسلوب نفسه، وكذلك في حواره مع النمرود، ولكن بشريته ظهرت مع صفات النبوة، في استغفاره لأبيه، وفي سؤاله عن الإحياء والإماتة، ليطمئن قلبه. وموسى ﵇ نموذج لسرعة التأثر، فحين استصرخه رجل من قومه، ناصره على عدوه، وكذلك حين ناداه الله في الواد المقدس، اشتد تأثره بمشهد المناجاة، فطلب من ربه أن يراه. وحين رأى مشهد السحرة وقوة سحرهم فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى طه: ٦٧، وتأثّر حين رأى قومه يعبدون العجل من بعده، وبلغ به التأثر أن أخذ برأس أخيه، وشدّه إليه بعنف وقوة. وتظهر سرعة التأثر فيه، في صحبته للرجل الصالح، حيث لم يستطع صبرا على ما يراه من أفعال، فاندفع محتجا عليه، قبل أن يوضّح له الرجل الصالح تفسيرا لما يراه من أفعال، لا تقبل على ظاهرها. فالرسالة لا تلغي الطبيعة الإنسانية في النبي، وإنما تجعل الإنسانية فيه سامية مثالية، من حيث العصمة، والالتزام بالدعوة قولا وفعلا، وسلوكا وشعورا. وهكذا نرى أن الصورة ترسم النماذج الإنسانية بقصد التأثير، وهي نماذج خيّرة، وأخرى شرّيرة، نماذج للاقتداء، ونماذج للابتعاد عنها والتنفير منها، وبهذا تتحقق الوظيفة الدينية من خلال تصوير النماذج القرآنية.

стр. 307

الفصل السابع مشاهد القيامة ترتبط مشاهد القيامة بالصور السابقة، ضمن نظام العلاقات التصويرية والتعبيرية والفكرية في الأسلوب القرآني. فلا تكاد تخلو صورة من الإشارة إلى القيامة، تصريحا أو تلميحا، لأن الإيمان باليوم الآخر يعدّ قضية أساسية في العقيدة الإسلامية، بل إن الإيمان بالله يقتضي الإيمان باليوم الآخر، فهو الأساس الذي يقوم عليه الدين عقيدة وشريعة ونظاما. من هنا تدفقت الصور القرآنية، تصبّ في مجراه، لتثبته، وتوضحه، وتقرّ به من الأذهان، وتعدّ صور اليوم الآخر، من أوسع صور القرآن، امتدادا في الزمان والمكان، وأكثرها غزارة وإثارة فتبدو الحياة في مشاهده، ليست هذه الحياة فقط، التي تمثّل عمر الإنسان الفاني، على ظهر هذه الأرض المحدودة، بل هناك حياة ممتدة في الزمان والمكان، في عالم اليوم الآخر الغيبي، الذي لا نعرف عنه شيئا إلا من خلال هذه المشاهد المصوّرة له، لتقريبه من الأذهان. فالحياة ممتدة في الزمان، لتشمل حياة الإنسان المحدودة في الدنيا، ثم حياته الأخرى في يوم القيامة، حيث تكون الحياة هناك دائمة خالدة، ولا نعرف شيئا عن ذلك الخلود، وطبيعة الزمان سوى ما أخبرنا الله به من أن الحياة الدنيا تبدو بالقياس إلى الآخرة ساعة من نهار. كما أن الحياة ممتدة في المكان، لتشمل هذه الأرض التي نعيش عليها، ومكانا آخر واسعا لا ندري أبعاده في اليوم الآخر، إمّا في جنة عرضها السماوات والأرض، وإمّا في نار

стр. 308

تسع هؤلاء الناس منذ ملايين السنين. كذلك هناك، عالم الموت، وعالم الآخرة، ووجود الإنسان يمتدّ في العالمين، وهذا كلّه من أنباء الغيب المحجوب عن الإنسان، ولكن القرآن الكريم، يصوّر هذه العوالم، وحياة الإنسان فيها تصويرا يقرّبها من ذهن الإنسان، حتى لا يرهقه في التخمين والخيال، فأخبرنا أن القوانين التي تحكم عالم الدنيا والآخرة مختلفة، من حيث الزمان والمكان، والطعام والشراب وغير ذلك. فالقوانين التي وضعها الله للدنيا، تنتهي بزوالها، لتبدأ قوانين إلهية أخرى، تحكم مسيرة الحياة والإنسان والكون، تتناسب مع العالم الآخر. لهذا يصعب على الإنسان أن يتصور ذلك العالم الأخروي، إلا من خلال تصوير القرآن له، لأن الإنسان محكوم بقوانين الدنيا المحدودة، فلا يقوى المحدود على تصور المطلق، كما لا يحتمل الإنسان المحدود تصور المطلق، لأنه فوق طاقاته، واستعداداته، وما عليه إلا التسليم لله في الغيب المجهول، عصمة للعقل البشري من التخبط في التصورات بلا طائل، ولكن العقل البشري، يدرك أنه لا بدّ من نهاية للحياة الدنيا، ولا بدّ لهذه النهاية من بداية أخرى، لأنه يستحيل أن يقبل العقل أن تكون حياة الإنسان كحياة بقية الحيوانات والحشرات، تنتهي بالموت فقط، وإلّا ما معنى تميّز الإنسان عنها بالعقل، والقدرة على اختيار طريقه والقدرة على الإبداع وتعمير الحياة. فمن مقتضيات تميّزه في الدنيا، أن يكون موته أيضا متميّزا في البعث والنشور، حتى تبقى فكرة التميّز للجنس البشري، مقبولة عقليا. كما أن العقل لا يقبل أن تنتهي حياة البشر نهاية متساوية في الموت والفناء، دون أن يكون هناك قصاص من الظالمين والأشرار، فالعدل يقتضي أن تكون هناك حياة أخرى لإقامة الموازين، لمحاسبة البشر، على ضوء الاختيار الممنوح للإنسان، فالاختيار يقتضي المسئولية، والمسئولية تتطلب الحساب والجزاء. فالصورة القرآنية، تقدم لنا إجابات وافية لكل الأسئلة الفطرية، التي تلحّ على ذهن الإنسان، من أين جاء؟ وإلى أين ينتهي؟ وتعرض ذلك في مشاهد خلق الإنسان، وحياته، ومشاهد موته، ثم مشاهده في يوم القيامة. إمّا في الجنة وإمّا في النار.

стр. 309

وهكذا ترتسم صورة الإنسان واضحة بسيطة، منذ خلقه وحتى نهايته، وامتداد حياته في عالم الجزاء والحساب، وهذا التصوّر يضفي على حياة الإنسان أملا ممتدا، وحيوية فائضة، وعملا جادا مثمرا، انتظارا للجزاء في عالم الخلود والبقاء. ومن رحمة الله سبحانه، أن أرى الإنسان، حياته الممتدة في العالم الآخر في مشاهد مصوّرة، يرى فيها نفسه وعمله معا، فالمؤمن الذي يسير على منهج الله، يرى مشهده في الجنة، فيشعر بالراحة والطمأنينة لنهاية حياته المرسومة في مشهد الجنة. أما الكافر الذي حارب الله ورسوله، فيرى مشهده في النار فيعرف عقوبة تكذيبه، وكفره. وبهذه المشاهد المصورة، تتحقّق العدالة الإلهية، لأنّ الله سبحانه عرّف الإنسان وهو ما زال في الدنيا، مشهد حياته في الآخرة، وما ينتظره من ثواب أو عقاب، لكي يختار طريقه على بيّنة ووضوح. ومن أجل تحقيق هذا الغرض الديني، فإن المشاهد المصوّرة للعالم الآخر، تعرض متصلة بالعالم الدنيوي دون فاصل في التعبير والتصوير، للمواقف الإنسانية، والانفعالات البشرية. فيبدأ المشهد غالبا في الدنيا، وينتهي بتصوير مشهد في الآخرة، أو العكس، حتى يتحقّق الأثر النفسي، فيشعر الإنسان بقرب الآخرة، من خلال هذا الاتصال بين المشهدين في التصوير. يقول تعالى عن استعداد الإنسان للهداية أو الضلالة: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً، إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيراً، إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً ... الإنسان: ٤ - ٥. فالسياق يتحدث عن استعداد الإنسان لشكر الله أو للكفر به، وبمناسبة الحديث عن كفره، ينتقل السياق مباشرة إلى مشهد من مشاهد القيامة، لبيان عاقبة الكفر وهي تقييد الكافرين بالسلاسل والأغلال، ورميهم في السعير. ثم استعرض مشهد الأبرار في النعيم وأطال في تصويره. وهكذا تترابط الصور، وتتواصل في السياق الواحد، كما يتواصل العالمين المحسوس وغير المحسوس أيضا، تتفاعل الصور كلّها في السياق، لتوليد الأثر المطلوب في اتصال العالمين، واتصال الحياتين، هذا الاتصال يتمّ فجأة بلا مقدمات، ولا فواصل، حتى يبقى

стр. 310

الإنسان مستعدا دائما لهذا الانتقال المفاجئ، ويحسب حسابه على الدوام. وأحيانا يكون المشهد من مشاهد القيامة، ولكنه ينتقل فجأة إلى مشهد في الدنيا، لربط العالمين أيضا وربط النتيجة بأسبابها الموصلة إليها. يقول تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ، كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ، وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ .. الذاريات: ١٥ - ١٨. وغالبا تعرض مشاهد النعيم، ومشاهد العذاب، متقابلة، وهذه السمة البارزة في مشاهد القيامة، حتى تتمّ المقارنة بينهما، لإيضاح الفروق في الجزاء بحسب اختلاف الأعمال في الدنيا. وهذا التقابل يهدف إلى الترغيب والترهيب، يقول تعالى: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ ... الكهف: ٢٩ - ٣١. ونلاحظ هنا الفوارق بين حياة الظالمين، وحياة المؤمنين في الآخرة، وهي تعدّ امتدادا للفوارق بينهما في الدنيا، فكرا وسلوكا وشعورا. فالظالمون كانوا في الدنيا في نعيم وعيش رغيد، وهم في الآخرة يحيط بهم العذاب الحسي، في شيّ الوجوه بالنار، وشرب الحميم الغسّاق الذي يحرق البطون والحلوق، عقابا على أفعالهم في الدنيا. وتختلف حياة المؤمنين في الآخرة، فهم في ألوان من النعيم المحسوس في جنات وأنهار، وألوان من الشراب اللذيذ ... وتحفل هذه المشاهد بالصور الحسية المتقابلة في السياق، والمتفاعلة فيما بينها للتأثير في الحس والشعور. وتدور هذه الصور الحسية للنعيم والعذاب، حول الطعام والشراب واللباس والمسكن، والمجلس، والمناخ، والأصحاب وغير ذلك مما هو مألوف لدى الإنسان، لتكون هذه الصور للنعيم أو العذاب أبلغ تأثيرا في النفس، وأقرب إلى التصور والخيال الإنساني. فهي صور حسية تشمل الصور اللمسية، والذوقية، والبصرية، والسمعية، والشميّة،

стр. 311

والصور النفسية أيضا ... فتصوير مشاهد القيامة، يشمل الحس والنفس، ليكون التأثير فيهما قويا أيضا، كما سنرى ذلك في استعراضنا لهذه المشاهد في هذا الفصل. كما نلاحظ التدرّج في تصوير المشاهد، وارتباط هذه المشاهد المصوّرة بعضها في بعض، ضمن نظام العلاقات التصويرية والتعبيرية والفكرية. فتبدأ المشاهد برسم أهوال. يوم القيامة، وموعدها المفاجئ والنفخ في الصور، والانقلابات الكونية الهائلة في الأرض والسماء، وصور الحشر، والحساب، ثم الجنة والنار وما فيهما من نعيم أو عذاب. حتى تكتمل صورة القيامة في الأذهان بوضوح وجلاء. فهذه المشاهد مترابطة ومتناسقة في التعبير والتصوير، كي تحقّق الغرض الديني، وتأثيره في النفوس وهي طويلة ومفصّلة، لتعميق الإيمان باليوم الآخر، وإقراره في العقول والنفوس، كما تتسم بالتهويل والرعب، لتحقيق هذا التأثير الديني. يقول الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ الحج: ١ - ٢. ويبدأ المشهد برسم حركة الزلزلة العنيفة للساعة، المؤثّرة في النفوس البشرية، حتى إنّ حركة الناس تضطرب من قوة الزلزلة وهولها، ويصور هذا الهول المرعب المؤثر، في المرضعات والحوامل، وترنّح الناس. فالمرضعة ذاهلة عن رضيعها، والحامل واضعة حملها، والناس يبدون كالسكارى، ترنّحا وتمايلا. وقد عبّر عن الذهول، وانقطاع الروابط القوية في ذلك المشهد، باختيار صورة المرضعة الذاهلة عن رضيعها، والحامل التي تضع حملها، من عنف الحركة، وهي زلزلة حسية كونية، تعقبها زلزلة نفسية، مرسومة في هذه الصور التي بينّاها. حتى إنّ الولدان يبدون شيبا من أهوال القيامة: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً المزمل: ١٧. والهول هذا يخفض أقواما ويرفع آخرين: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ، لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ، خافِضَةٌ رافِعَةٌ الواقعة: ١ - ٣.

стр. 312

ثم إن صورة الهول مرسومة في أسماء هذا اليوم الواردة في القرآن، وهذه الأسماء هي في حقيقتها صفات لذلك اليوم، فكلّ اسم يرسم بجرسه صورة من أهواله وأحواله. ف «القيامة» تصوّر قيام الناس من القبور و «الساعة» تصوّر قربها الزمني، وكأنها هذا الوقت المحدود و «البعث» تصوّر بعث الناس من جديد، وما يرافق ذلك من حركات وهيئات وذهول و «القارعة» لأنها تقرع القلوب والآذان بالأهوال و «الصاخّة» تصخّ الآذان من شدّة وقعها وتأثيرها، «الطامّة» تطمّ الأشياء والمخلوقات جميعا وتعمّهم، وتعلوهم بأهوالها وأحوالها. وكذلك بقية أسماء القيامة مثل: «الواقعة، والغاشية، والحاقة، والحساب، والفصل ... » إلخ. فهذه الأسماء أو الصفات الكثيرة تدلّ على عظم شأن ذلك اليوم، يقول القرطبي: «وكلّ ما عظم شأنه تعددت صفاته، وكثرت أسماؤه ... فالقيامة لما عظم أمرها، وكثرت أهوالها، سمّاها الله تعالى في كتابه بأسماء عديدة، ووصفها بأوصاف كثيرة» «١». وتبدأ الصورة برسم هولها من خلال حجب موعدها عن البشر، فهي مفاجأة لهم يقول تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها، فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها، إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها، إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها، كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها النازعات: ٤٢ - ٤٦. فالصورة لهولها وضخامتها وأثرها، مرسومة بلفظ «مرساها» وكأنها سفينة قادمة، تسير في لجّة البحر المجهول، نحو مكان رسوّها ومستقرّها، وهذه الصورة متحركة مرسومة وهي قادمة، ولكنّ وصولها مجهول لنا، وهذا يضفي على الصورة ضخامة وهولا من خلال موعدها المجهول، وحركة القدوم السريعة في طريق كلّه أهوال، وأمواج واضطرابات. واستخدام «أيّان» في السؤال عن موعدها، يزيد الصورة هولا وضخامة، وكذلك قوله: فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها. حتى الرسول صلّى الله عليه وآله لا يعرف موعدها أيضا. ولكنّها تأتي مباغتة الناس، وبذلك يقترن الهول بالمباغتة، لتضخيم أثرها في النفوس. فتبدو الدنيا قصيرة هزيلة إلى جانب صورتها الضخمة المباغتة: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها، فهذه الدنيا بكلّ ما فيها من أعمار مديدة، وأزمان وأحداث، ومتاع، هي بالقياس إليها عشية أو ضحاها، وكأنها جزء من نهار، وليست نهارا كاملا.

стр. 313

يقول الزمخشري في بيان إضافة الضحى إلى العشيّة: «فإن قلت: كيف صحّت إضافة الضحى إلى العشية؟ قلت: لما بينهما من الملابسة لاجتماعهما في نهار واحد، فإن قلت: فهلّا قيل: إلا عشيّة أو ضحى وما فائدة الإضافة؟ قلت: الدلالة على أن مدة لبثهم كأنها لم تبلغ يوما كاملا ولكن ساعة منه عشيته أو ضحاه، فلما ترك اليوم أضافه إلى عشيته فهو كقوله: لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ الأحقاف: ٣٥» «٢». ثم تمضي الصورة في رسم هولها، من حجب موعدها حتى على الرسول، إلى توضيح أثرها في وجوه الكافرين، الذين كذّبوا بها. يقول تعالى: قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ، وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ، وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ، فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ الملك: ٢٤ - ٢٧. وتتقابل صورتان في هذا السياق، صورة انتشار الخلق في الحياة، تعقبها صورة تجميع لهذا الخلق المنتشر، وترتسم آثار الإنكار للبعث في وجوه الكافرين، في مشهد معروض في السياق، وكأنّه حاضر الآن، لأن الساعة بمقاييس الزمان المحدود، الذي يخضع له البشر غائبة، ولكنّها بالنسبة لله حاضرة واقعة، لأن علم الله فوق الزمان والمكان، وهو محيط بكل شيء، فمتى شاء، كشف الستار عنها فرأوها رأي العين، كما يرونها في تصوير هذا المشهد المقروء، بدون فاصل بين العالمين الدنيوي والأخروي. كما ترسم الصورة أثرها في القلوب أيضا يقول تعالى: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ غافر: ١٨. فهي آزفة، قريبة، وكأنّها زاحفة نحو الناس، وحين يرونها بأعينهم، ويرون أهوالها، يشتد خفقان القلوب، حتى تصل إلى الحلوق من شدة الاضطراب والخفقان، وهذه الصورة تعبّر عن شدة الكرب، ومنتهى الضيق، وغيظ النفوس، ويزيد هذه الصورة هولا ورعبا، تقطّع الروابط الاجتماعية، وانشغال الإنسان بنفسه عمّن سواه. وتمضي الصورة القرآنية في رسم الأهوال، بتقطع الروابط الاجتماعية بين الناس، حتى إنّ الوالد ينسى ولده والابن أباه من شدة الأهوال: وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ

стр. 314

وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ لقمان: ٣٣. فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ، يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ عبس: ٣٣ - ٣٧. فالصاخّة بجرسها الشديد، الذي يصخّ الآذان، ترسم مشهدا مرعبا لذلك اليوم، نرى فيه حركة الفرار الجماعيّة، وتقطع الروابط الاجتماعية، وهذه الحركة تجسّم الحالة النفسية المضطربة والخائفة وتفكير الإنسان، بنجاته، وانشغاله بذلك عن أقرب الناس إليه. ثم تستمر الصورة في رسم ملامح الوجوه. التي تدلّ على خفايا النفوس، فوجوه المؤمنين مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ عبس: ٣٨ - ٣٩، وبشر الوجوه وسرورها دليل على هدوء النفوس المؤمنة، واطمئنانها، وتقابلها صورة مغايرة لوجوه الكافرين عَلَيْها غَبَرَةٌ، تَرْهَقُها قَتَرَةٌ عبس: ٤٠ - ٤١، فهي وجوه منكسرة ذليلة، مغبّرة بالحزن والهمّ والحسرة. وهكذا تتقابل الصور في السياق الواحد، لكشف الحقائق، وبيان الفروق بين الناس. وتبدأ مشاهد القيامة، بمشهد النفخة في الصور، وهي صورة غيبيّة، تعرض في صورة حسية سمعية تصعق كلّ شيء فتميته، وتوقف حركته، وتنهي وجوده. وهي علامة على انتهاء العالم المحسوس عالم الدنيا، بكلّ ما فيه من متاع، ومخلوقات وقوانين فتنطبع في ذهن الإنسان من خلال هذه الصورة السمعية. فناء الحياة، وهلاك المخلوقات وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ الرحمن: ٢٧. ويبدأ بعد ذلك العالم الأخر، بقوانينه الجديدة التي وضعها الله سبحانه، تتناسب مع فكرة الخلود في الجنة أو النار. وهذه الصورة، لا نعرف كيفيتها، ولا ما هو الصور، ولا ندرك مدى هذه النفخة، لأن القرآن الكريم لا يهتمّ بتصوير ماهيّة الأشياء، وإنما يهتمّ بتصوير آثارها، وما يترتب على ذلك من أحداث وأعمال. وهذه الطريقة في التصوير، تنسجم مع خصوصية النص القرآني، باعتباره كتاب هداية للبشر، قبل كلّ شيء. والنفخة تأتي مباغتة إيذانا بالعالم الآخر، والناس غافلون في الحياة الدنيا وما فيها من متاع، يقول تعالى: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً

стр. 315

وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ، قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ، إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ، فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يس: ٤٨ - ٥٤. والتصوير الفني يرسم هنا مشاهد متعددة، مترابطة في السياق، ومتفاعلة أيضا، لتحقيق الأثر الديني منها. ويعرض القرآن مشهد المكذبين، وهم يتساءلون باستنكار وشكّ عن ذلك اليوم، وكأنّه مشهد حيّ حاضر من خلال الفعل المضارع «يقولون» على طريقة القرآن في إحياء المشاهد واستحضارها. وفجأة ينتقل السياق إلى مشهد الصيحة المباغتة لهم، وهم على هذه الحالة من الجدل والخصام والاستنكار، فنراهم في هذا المشهد أمواتا لا يتحركون، وصورة عجزهم في هذا المشهد، تقابل صورة استنكارهم، واعتزازهم بأنفسهم، فهم عاجزون بعد الصيحة حتى عن الرجوع إلى أهليهم، أو كتابة توصية لهم، وهذا الانتقال المفاجئ من مشهد الحياة إلى مشهد الفناء، يوحي بقرب الفناء ومباغتة الساعة لهم، وهم غافلون عنها، في الجدل والمخاصمة والشك. وحتى لا يطول انطباع مشهد الفناء في الأذهان، فيعتقد هؤلاء، أنّ النهاية هذا الفناء، أعقبه بمشهد آخر متصل بالمشهد السابق، وهو مشهد الخروج من القبور، بعد النفخة الثانية في الصور. ونراهم في مشهد الخروج من القبور في حيرة واضطراب، وصورتهم هنا تخالف صورتهم في المشهد الأول حين كانوا في الدنيا يجادلون ويخاصمون، فهم الآن يدعون على أنفسهم بالهلاك، لقد أيقنوا وقوع ما كانوا يكذّبون به، ورأوا أمامهم حقيقة الحساب، وصدق وعد الله. والسياق لا يترك سؤالهم بلا جواب مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا. وإنما يأتيهم الجواب المباشر هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ بدون فواصل بين الاستفهام والجواب، حتى ينطبع الجواب في الذهن، بعد ملامسة الحس والشعور بصورة الفناء، وصورة البعث من القبور. ثم تأتي الصيحة الأخيرة للحشر والحساب، وتجميع الناس بعد الخروج في مشهد الإحضار للحساب وهم كارهون كما يوحي بذلك لفظ مُحْضَرُونَ، وهكذا تتواصل المشاهد

стр. 316

في النسق القرآني، وتترابط، لإيضاح الحقائق الدينية، وتحقيق الأثر النفسي. ويكتمل التصوير الفني بالمشهد الأخير. ضمن نظام العلاقات التعبيرية والفكرية، إذ بدأ التصوير بمشهد التكذيب، ثم نقل هؤلاء المكذبين إلى مشهد موتهم، ثم نقلهم سريعا إلى مشهد بعثهم من القبور، ثم أحضرهم بسرعة خاطفة للحشر وللحساب. وقد يلجأ القرآن الكريم إلى تصوير ساعة الاحتضار قبل النفخة في الصور، ثم يتبعها بالمشاهد الأخرى المتصلة بها كقوله تعالى: حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ، فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ المؤمنون: ٩٩ - ١٠٣. وتبدأ الصورة هنا برسم مشهد الاحتضار، لإبراز عجز الإنسان وضعفه في ساعة الموت، وإعلانه توبته بعد فوات الأوان، فيكون الجواب عليه ب «كلا» ردعا له وزجرا، لأن توبته جاءت متأخرة عن موعدها. ثم تمضي الصورة في رسمه بعد الموت وهو في عالم البرزخ الذي لا نعرف عنه شيئا سوى أنه فترة مكوثه في القبر إلى يوم البعث، وصورة البرزخ، مرعبة مخيفة، حين يتصور الإنسان نفسه في ظلمة القبر وحيدا، ينتظر موعد الخروج منه، للحساب والجزاء. ثم تستمر الصورة فترسم مشاهد القيامة، فتبدأ بالنفخة في الصور إيذانا بانتهاء عالم الدنيا، وبداية أهوال القيامة في الكون والإنسان، وتقطيع الروابط الاجتماعية المعروفة ويخيّم السكون على مشهد الوجود الإنساني وَلا يَتَساءَلُونَ، ثم تعرض مشاهد الحساب مجسّمة في صورة الميزان، على طريقة القرآن في التجسيم الفني، لتحقيق التأثير النفسي. وينقسم الناس حينذاك إلى مفلحين، وخاسرين، ولا ثالث لهما. وتقترن أحداث كونية هائلة بالنفخة في الصور، كقوله تعالى: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً، فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ، وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ الحاقة: ١٣ - ١٦. فالنفخة الواحدة، تجعل الأرض مدكوكة، والجبال كذلك، والسماء الضخمة واهية ضعيفة، وهنا نلاحظ تأثير الصورة السمعية المتمثّلة في النفخة، في الكتل والأحجام في المشاهد الكونية الضخمة، في السماء والأرض والجبال، وهذه الصور المرعبة تلقي في حس الإنسان

стр. 317

الخوف والفزع حين يتصوّر حاله حين تحمل الأرض بما فيها ومن عليها، وتدكّ دكّة واحدة مع الجبال والسماء. وهي صورة توحي بالأهوال والأحوال المرعبة في ذلك اليوم، كما توحي بقدرة الله المالكة للأرض والسماء، يحركها كيف يشاء، ويبرز الإنسان ضعيفا ضئيلا من خلال هذه المشاهد الكونية المدكوكة والواهية. وترسم الصورة حركة الناس واضطرابهم في أثناء هذا المشهد الكوني المخيف، وبعد النفخة الثانية من القبور، وتجسّم هذا الاضطراب النفسي في حركة الأمواج الحسية الموحية بالتدافع والمدّ والجزر، أو الإقدام والإحجام. يقول تعالى: وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ الكهف: ٩٩. وبينما هم في هذا المشهد الهائج المائج، ينفخ في الصور للحشر والحساب وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً الكهف: ٩٩، ويبدو أن النفخة، صورة صوتية شديدة، ومؤثّرة في الحياة والكون والإنسان، وقد صور القرآن شدّتها وتأثيرها في أهل السماء وأهل الأرض معا. قال تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ النمل: ٨٧. وأحيانا يعبّر عن تأثيرها بالصّعق، قال تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ الزمر: ٦٨. ويعبر القرآن عن النفخة بالنقر في الناقور، قال تعالى: فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ، فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ المدثر: ٨ - ٩، ويوحي النقر بالناقور بشدّة الصوت، وتردد صداه في الكون بقوة وعنف، ليلائم ذلك اليوم العسير، الذي تختنق فيه النفوس، وتبلغ فيه القلوب الحناجر. فالصورة السمعية هنا توحي بالصدى المصاحب للصوت الشديد، وهذا يعني أن الصور مترابطة في رسم المشهد، ونقل تفصيلاته، وما يصاحبه من آثار في النفوس، وفي جنبات الكون أيضا. ويعبّر أيضا عن النفخة الأولى بالراجفة، والنفخة الثانية بالرادفة، يقول تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ، تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ، أَبْصارُها خاشِعَةٌ، يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ، أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً، قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ، فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ النازعات: ٦ - ١٤.

стр. 318

وقد وصفت النفخة الأولى بالراجفة، لأنّها تحدث في الأرض والجبال اضطرابا ورجفانا «٣». ثم تمضي الصورة في بيان أثر الرادفة، وهي النفخة الثانية في الكافرين، فتلمس القلوب الواجفة، والأبصار الشاخصة من شدة الموقف، ثم تزيد من إحياء المشهد بالاعتماد على الحوار، فتدعهم يتكلمون عن أنفسهم، وتظهر حوارهم الشاك باليوم الآخر، من خلال تصوير مشهد من مشاهده، لإثارة الضحك على هؤلاء الأغبياء المكذبين به. فهم كانوا يستبعدون بعث الموتى بعد أن تبلى العظام، وها هم أولاء يبعثون، وتعرض أقوالهم الماضية المكذبة تهكما وسخرية منهم، ويوضعون في السياق هنا بين الراجفة والرادفة، وبين الزجرة الواحدة، حتى تبدو تفاهة أقوالهم، وضآلتهم في ذلك المشهد العنيف. ويصاحب هذه الصورة السمعية العنيفة، صورة الانقلاب الكونية، بكلّ ما فيها من كتل ضخمة، وأجرام عظيمة وهي صورة حسية في الكتل والأحجام والأجسام، تصاحب النفخة في الصور، وهي صورة صوتية، عنيفة أيضا. فكلّ المؤثّرات التصويرية، تستخدم في التعبير القرآني، بصرية، وسمعية، للإيحاء بالهول والشدة والفزع، فالشمس مكوّرة، قد انطفأت وزالت، والنجوم مظلمة قد خبا ضوؤها وانطفأ، وانطفاء الضوء يوحي ببدء مرحلة كونية جديدة، في عالم آخر جديد، وكأنّ هذه الإنارات الكونية كانت موقوتة بالدنيا زالت بزوالها، والجبال منسوقة متناثرة والنوق الحبالى المرغوب فيها تصبح معطّلة، لا تجد من يهتمّ بها من شدة الهول، والوحوش، تخرج من أوكارها، وتتجمّع من كل ناحية، وتتسمّر في مكانها بلا حركة، والبحار ملتهبة مسجورة، والنفوس مقرونة بأشباهها الصالح مع الصالح، والفاجر مع الفاجر، والموءودة تسأل في هذا السياق الكوني الضخم، للإيحاء بضخامة جريمتها المنكرة، والأعمال في صحف منشورة مكشوفة، والسماء مكشوطة مزالة، ثم هناك الجحيم المسعّرة، أمام العيون، والجنة مقرّبة كذلك. يقول تعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ، وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ، وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ، وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ، وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ، وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ، وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ، وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ، وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ، وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ، وَإِذَا الْجَنَّةُ

стр. 319

أُزْلِفَتْ، عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ التكوير: ١ - ١٤. فالأهوال مرسومة في هذه المشاهد المتعددة، بالألوان، والأشكال والهيئات، والحركات. منها الصور الضوئية المظلمة «الشمس المكوّرة، والنجوم المطفأة، والصورة المتحركة في الجبال المسيّرة، تقابلها صورة متحركة مقيدة في النوق المهملة، والوحوش الذاهلة المتجمّدة في مكانها، والصور الحرارية في البحار الملتهبة، والصور النفسية المجسّمة في إهمال النوق المرغوبة، ونشر الصحف، وإحضار الأعمال، وجمع النفوس بأشباهها «٤». فكلّ الصور المألوفة، تتحوّل إلى صور غير مألوفة، فتتحطم صورتها في ذهن الإنسان، بين ما يراه في الكون المشهود، وبين ما يتخيّله في اليوم المرعب، من انفلات نظام الكون، وبداية نظام جديد، حيث نرى في انقلاب المشهد الكوني تسعير الجحيم، وتقريب الجنة، إشعارا بيوم الحساب والجزاء، وهما صورتان غير محسوستين من عالم الغيب، تختم بهما المشاهد، ويتضح الغرض من تغيير نظام الحياة عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ. والطابع العام في تصوير هذه المشاهد، هو تغيير المألوف المعتاد للإيحاء بالأهوال. لهذا نجد تكوير الشمس، وانكدار النجوم، وتسيير الجبال، وتسجير البحار، وكشط السماء، بينما نجد في مشاهد أخرى تغيير المألوف والمعتاد في إهمال النوق الحبالى وعدم الاهتمام بها، والوحوش النافرة تتقيد حركتها فلا تنطلق كالعادة. والنفس البشرية تفزع من الصور غير المألوفة، وترتاح وتطمئن للصور المستقرة المألوفة. من هنا جاء تصوير هذه المشاهد، معتمدا على غير المألوف، لتحقيق التأثير النفسي المطلوب في تخويف الإنسان من اليوم الآخر، ودفعه إلى التفكير قبل معصية أوامر الله، لأن الأعمال ستحضر للحساب. ويلاحظ اعتماد التصوير على الأفعال الماضية المبنية للمجهول، لأنّ هذه الأحداث متحقّقة الوقوع، فعبّر عنها بالماضي، للإيحاء بذلك، كما أن بناءها للمجهول، يتناسق مع جوّ الهول المرسوم في هذه المشاهد، والفعل الماضي الوحيد الذي جاء مبنيا للمعلوم هو عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ للتأكيد على مسئولية الإنسان عن عمله. وهكذا يتناسق التعبير مع التصوير، ضمن نظام العلاقات، في رسم المشاهد، للإيحاء بالحقائق الدينية. ويبقى السؤال حول عرض الموءودة هنا ضمن هذه المشاهد وسؤالها عن

стр. 320

ذنبها هي، ولا يسأل وائدها وقد أجاب الزمخشري عن ذلك بقوله: «سؤالها وجوابها تبكيت لقاتلها، نحو التبكيت في قوله تعالى لعيسى- أأنت قلت للناس إلى قوله سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق» «٥». وتتكرر مشاهد الانقلاب الكوني في ذلك اليوم، ولكنّ هذا التكرار من قبيل تنويع المشاهد المصوّرة، وليس من قبيل التكرار للشيء نفسه، ففي كل مشهد معاد، نلاحظ صورا جديدة، وإضافات أخرى، تتفق مع الغرض الديني المقصود، والسياق الواردة فيه. فالمشاهد، مترابطة متناسقة، يكمل بعضها الآخر، ضمن نظام العلاقات التصويرية والفكرية والتعبيرية، وليس تكرارا بدون فائدة. يقول تعالى: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ، وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ، وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ، وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ، عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ الانفطار: ١ - ٥. وتترابط الصور هنا في هذا السياق، وتتفاعل فيما بينها في رسم الحركة والهيئة المنقلبة والمرعبة. فالسماء مشقوقة، والقبور كذلك، تتشقق عن الأجساد، والكواكب، مبعثرة متناثرة، والقبور كذلك مبعثرة، تنثر الأجساد من جوفها، والبحار متفجرة، وحركة الانفجار، مترابطة مع حركة انفجار القبور، وبعثرة ما فيها، فبين هذه الصور الكونية المرعبة، ترابط وتواصل ضمن السياق للإيحاء بالأهوال والأحوال المخيفة، وهي بمنزلة الطوارق على الحس، لإيقاظه، وتهيئته لاستقبال الفكرة الدينية المطلوبة في قوله: عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ. وتتواصل الصور والمشاهد في رسم أهوال ذلك اليوم، مع إضافات جديدة في كل مشهد معروض، لإيضاح الحقائق الدينية، وزيادة التأثير في النفوس، يقول الله تعالى: فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ، وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ، وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ، وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ، لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ فالنجوم المطموسة، مترابطة مع صورتها المنكدرة في سورة التكوير، ضمن نظام العلاقات التصويرية، لبيان مراحل زوالها، فكأن مرحلة الانكدار في ضوئها، تسبق مرحلة الانطماس، وو هكذا نفهم الصور في المشاهد القرآنية، فهي مترابطة، ويكمل بعضها الآخر، في رسم الحقائق، وتصوير المتغيرات فيها بدقة متناهية، وليست من قبيل
следующие страницы →