← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38131

وظيفة الصورة الفنية في القرآن

عبد السلام أحمد الراغب

Полный текст (466 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

في النسق القرآني، وتترابط، لإيضاح الحقائق الدينية، وتحقيق الأثر النفسي. ويكتمل التصوير الفني بالمشهد الأخير. ضمن نظام العلاقات التعبيرية والفكرية، إذ بدأ التصوير بمشهد التكذيب، ثم نقل هؤلاء المكذبين إلى مشهد موتهم، ثم نقلهم سريعا إلى مشهد بعثهم من القبور، ثم أحضرهم بسرعة خاطفة للحشر وللحساب. وقد يلجأ القرآن الكريم إلى تصوير ساعة الاحتضار قبل النفخة في الصور، ثم يتبعها بالمشاهد الأخرى المتصلة بها كقوله تعالى: حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ، فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ المؤمنون: ٩٩ - ١٠٣. وتبدأ الصورة هنا برسم مشهد الاحتضار، لإبراز عجز الإنسان وضعفه في ساعة الموت، وإعلانه توبته بعد فوات الأوان، فيكون الجواب عليه ب «كلا» ردعا له وزجرا، لأن توبته جاءت متأخرة عن موعدها. ثم تمضي الصورة في رسمه بعد الموت وهو في عالم البرزخ الذي لا نعرف عنه شيئا سوى أنه فترة مكوثه في القبر إلى يوم البعث، وصورة البرزخ، مرعبة مخيفة، حين يتصور الإنسان نفسه في ظلمة القبر وحيدا، ينتظر موعد الخروج منه، للحساب والجزاء. ثم تستمر الصورة فترسم مشاهد القيامة، فتبدأ بالنفخة في الصور إيذانا بانتهاء عالم الدنيا، وبداية أهوال القيامة في الكون والإنسان، وتقطيع الروابط الاجتماعية المعروفة ويخيّم السكون على مشهد الوجود الإنساني وَلا يَتَساءَلُونَ، ثم تعرض مشاهد الحساب مجسّمة في صورة الميزان، على طريقة القرآن في التجسيم الفني، لتحقيق التأثير النفسي. وينقسم الناس حينذاك إلى مفلحين، وخاسرين، ولا ثالث لهما. وتقترن أحداث كونية هائلة بالنفخة في الصور، كقوله تعالى: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً، فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ، وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ الحاقة: ١٣ - ١٦. فالنفخة الواحدة، تجعل الأرض مدكوكة، والجبال كذلك، والسماء الضخمة واهية ضعيفة، وهنا نلاحظ تأثير الصورة السمعية المتمثّلة في النفخة، في الكتل والأحجام في المشاهد الكونية الضخمة، في السماء والأرض والجبال، وهذه الصور المرعبة تلقي في حس الإنسان

стр. 317

الخوف والفزع حين يتصوّر حاله حين تحمل الأرض بما فيها ومن عليها، وتدكّ دكّة واحدة مع الجبال والسماء. وهي صورة توحي بالأهوال والأحوال المرعبة في ذلك اليوم، كما توحي بقدرة الله المالكة للأرض والسماء، يحركها كيف يشاء، ويبرز الإنسان ضعيفا ضئيلا من خلال هذه المشاهد الكونية المدكوكة والواهية. وترسم الصورة حركة الناس واضطرابهم في أثناء هذا المشهد الكوني المخيف، وبعد النفخة الثانية من القبور، وتجسّم هذا الاضطراب النفسي في حركة الأمواج الحسية الموحية بالتدافع والمدّ والجزر، أو الإقدام والإحجام. يقول تعالى: وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ الكهف: ٩٩. وبينما هم في هذا المشهد الهائج المائج، ينفخ في الصور للحشر والحساب وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً الكهف: ٩٩، ويبدو أن النفخة، صورة صوتية شديدة، ومؤثّرة في الحياة والكون والإنسان، وقد صور القرآن شدّتها وتأثيرها في أهل السماء وأهل الأرض معا. قال تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ النمل: ٨٧. وأحيانا يعبّر عن تأثيرها بالصّعق، قال تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ الزمر: ٦٨. ويعبر القرآن عن النفخة بالنقر في الناقور، قال تعالى: فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ، فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ المدثر: ٨ - ٩، ويوحي النقر بالناقور بشدّة الصوت، وتردد صداه في الكون بقوة وعنف، ليلائم ذلك اليوم العسير، الذي تختنق فيه النفوس، وتبلغ فيه القلوب الحناجر. فالصورة السمعية هنا توحي بالصدى المصاحب للصوت الشديد، وهذا يعني أن الصور مترابطة في رسم المشهد، ونقل تفصيلاته، وما يصاحبه من آثار في النفوس، وفي جنبات الكون أيضا. ويعبّر أيضا عن النفخة الأولى بالراجفة، والنفخة الثانية بالرادفة، يقول تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ، تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ، أَبْصارُها خاشِعَةٌ، يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ، أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً، قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ، فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ النازعات: ٦ - ١٤.

стр. 318

وقد وصفت النفخة الأولى بالراجفة، لأنّها تحدث في الأرض والجبال اضطرابا ورجفانا «٣». ثم تمضي الصورة في بيان أثر الرادفة، وهي النفخة الثانية في الكافرين، فتلمس القلوب الواجفة، والأبصار الشاخصة من شدة الموقف، ثم تزيد من إحياء المشهد بالاعتماد على الحوار، فتدعهم يتكلمون عن أنفسهم، وتظهر حوارهم الشاك باليوم الآخر، من خلال تصوير مشهد من مشاهده، لإثارة الضحك على هؤلاء الأغبياء المكذبين به. فهم كانوا يستبعدون بعث الموتى بعد أن تبلى العظام، وها هم أولاء يبعثون، وتعرض أقوالهم الماضية المكذبة تهكما وسخرية منهم، ويوضعون في السياق هنا بين الراجفة والرادفة، وبين الزجرة الواحدة، حتى تبدو تفاهة أقوالهم، وضآلتهم في ذلك المشهد العنيف. ويصاحب هذه الصورة السمعية العنيفة، صورة الانقلاب الكونية، بكلّ ما فيها من كتل ضخمة، وأجرام عظيمة وهي صورة حسية في الكتل والأحجام والأجسام، تصاحب النفخة في الصور، وهي صورة صوتية، عنيفة أيضا. فكلّ المؤثّرات التصويرية، تستخدم في التعبير القرآني، بصرية، وسمعية، للإيحاء بالهول والشدة والفزع، فالشمس مكوّرة، قد انطفأت وزالت، والنجوم مظلمة قد خبا ضوؤها وانطفأ، وانطفاء الضوء يوحي ببدء مرحلة كونية جديدة، في عالم آخر جديد، وكأنّ هذه الإنارات الكونية كانت موقوتة بالدنيا زالت بزوالها، والجبال منسوقة متناثرة والنوق الحبالى المرغوب فيها تصبح معطّلة، لا تجد من يهتمّ بها من شدة الهول، والوحوش، تخرج من أوكارها، وتتجمّع من كل ناحية، وتتسمّر في مكانها بلا حركة، والبحار ملتهبة مسجورة، والنفوس مقرونة بأشباهها الصالح مع الصالح، والفاجر مع الفاجر، والموءودة تسأل في هذا السياق الكوني الضخم، للإيحاء بضخامة جريمتها المنكرة، والأعمال في صحف منشورة مكشوفة، والسماء مكشوطة مزالة، ثم هناك الجحيم المسعّرة، أمام العيون، والجنة مقرّبة كذلك. يقول تعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ، وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ، وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ، وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ، وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ، وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ، وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ، وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ، وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ، وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ، وَإِذَا الْجَنَّةُ

стр. 319

أُزْلِفَتْ، عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ التكوير: ١ - ١٤. فالأهوال مرسومة في هذه المشاهد المتعددة، بالألوان، والأشكال والهيئات، والحركات. منها الصور الضوئية المظلمة «الشمس المكوّرة، والنجوم المطفأة، والصورة المتحركة في الجبال المسيّرة، تقابلها صورة متحركة مقيدة في النوق المهملة، والوحوش الذاهلة المتجمّدة في مكانها، والصور الحرارية في البحار الملتهبة، والصور النفسية المجسّمة في إهمال النوق المرغوبة، ونشر الصحف، وإحضار الأعمال، وجمع النفوس بأشباهها «٤». فكلّ الصور المألوفة، تتحوّل إلى صور غير مألوفة، فتتحطم صورتها في ذهن الإنسان، بين ما يراه في الكون المشهود، وبين ما يتخيّله في اليوم المرعب، من انفلات نظام الكون، وبداية نظام جديد، حيث نرى في انقلاب المشهد الكوني تسعير الجحيم، وتقريب الجنة، إشعارا بيوم الحساب والجزاء، وهما صورتان غير محسوستين من عالم الغيب، تختم بهما المشاهد، ويتضح الغرض من تغيير نظام الحياة عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ. والطابع العام في تصوير هذه المشاهد، هو تغيير المألوف المعتاد للإيحاء بالأهوال. لهذا نجد تكوير الشمس، وانكدار النجوم، وتسيير الجبال، وتسجير البحار، وكشط السماء، بينما نجد في مشاهد أخرى تغيير المألوف والمعتاد في إهمال النوق الحبالى وعدم الاهتمام بها، والوحوش النافرة تتقيد حركتها فلا تنطلق كالعادة. والنفس البشرية تفزع من الصور غير المألوفة، وترتاح وتطمئن للصور المستقرة المألوفة. من هنا جاء تصوير هذه المشاهد، معتمدا على غير المألوف، لتحقيق التأثير النفسي المطلوب في تخويف الإنسان من اليوم الآخر، ودفعه إلى التفكير قبل معصية أوامر الله، لأن الأعمال ستحضر للحساب. ويلاحظ اعتماد التصوير على الأفعال الماضية المبنية للمجهول، لأنّ هذه الأحداث متحقّقة الوقوع، فعبّر عنها بالماضي، للإيحاء بذلك، كما أن بناءها للمجهول، يتناسق مع جوّ الهول المرسوم في هذه المشاهد، والفعل الماضي الوحيد الذي جاء مبنيا للمعلوم هو عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ للتأكيد على مسئولية الإنسان عن عمله. وهكذا يتناسق التعبير مع التصوير، ضمن نظام العلاقات، في رسم المشاهد، للإيحاء بالحقائق الدينية. ويبقى السؤال حول عرض الموءودة هنا ضمن هذه المشاهد وسؤالها عن

стр. 320

ذنبها هي، ولا يسأل وائدها وقد أجاب الزمخشري عن ذلك بقوله: «سؤالها وجوابها تبكيت لقاتلها، نحو التبكيت في قوله تعالى لعيسى- أأنت قلت للناس إلى قوله سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق» «٥». وتتكرر مشاهد الانقلاب الكوني في ذلك اليوم، ولكنّ هذا التكرار من قبيل تنويع المشاهد المصوّرة، وليس من قبيل التكرار للشيء نفسه، ففي كل مشهد معاد، نلاحظ صورا جديدة، وإضافات أخرى، تتفق مع الغرض الديني المقصود، والسياق الواردة فيه. فالمشاهد، مترابطة متناسقة، يكمل بعضها الآخر، ضمن نظام العلاقات التصويرية والفكرية والتعبيرية، وليس تكرارا بدون فائدة. يقول تعالى: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ، وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ، وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ، وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ، عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ الانفطار: ١ - ٥. وتترابط الصور هنا في هذا السياق، وتتفاعل فيما بينها في رسم الحركة والهيئة المنقلبة والمرعبة. فالسماء مشقوقة، والقبور كذلك، تتشقق عن الأجساد، والكواكب، مبعثرة متناثرة، والقبور كذلك مبعثرة، تنثر الأجساد من جوفها، والبحار متفجرة، وحركة الانفجار، مترابطة مع حركة انفجار القبور، وبعثرة ما فيها، فبين هذه الصور الكونية المرعبة، ترابط وتواصل ضمن السياق للإيحاء بالأهوال والأحوال المخيفة، وهي بمنزلة الطوارق على الحس، لإيقاظه، وتهيئته لاستقبال الفكرة الدينية المطلوبة في قوله: عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ. وتتواصل الصور والمشاهد في رسم أهوال ذلك اليوم، مع إضافات جديدة في كل مشهد معروض، لإيضاح الحقائق الدينية، وزيادة التأثير في النفوس، يقول الله تعالى: فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ، وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ، وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ، وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ، لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ فالنجوم المطموسة، مترابطة مع صورتها المنكدرة في سورة التكوير، ضمن نظام العلاقات التصويرية، لبيان مراحل زوالها، فكأن مرحلة الانكدار في ضوئها، تسبق مرحلة الانطماس، وو هكذا نفهم الصور في المشاهد القرآنية، فهي مترابطة، ويكمل بعضها الآخر، في رسم الحقائق، وتصوير المتغيرات فيها بدقة متناهية، وليست من قبيل

стр. 321

التكرار، فكلّ صورة لها إيحاؤها، ودلالتها في رسم المشهد الكوني، حتى تكتمل الرؤية الأخيرة في زوال المشاهد الكونية المألوفة. وكذلك صورة السماء المنفرجة، مترابطة مع صورتها المتشققة، وصورتها المكشوطة، فالسماء المبنية بإحكام وليس فيها فروج أو انشقاق، كما ورد تصويرها في مشاهد الطبيعة فيما سبق، تبدأ في أحداث يوم القيامة بتفكك بنائها، وحدوث فروج فيها، ثم تبدو هذه الفرج في مشهد الانشقاق المتكامل، ثم تعقبها، صورة الكشط والإزالة التامة، فلا تبقى هناك سماء. فالصور مترابطة في رسم المشهد، وكلّ صورة ترسم مرحلة من مراحل تغيّر المشهد الكوني، وهذا يدلّ على دقّة التصوير والتعبير، في رسم المشاهد الكونية، في كلّ أحوالها، ومراحلها، لتكوين الرؤية النهائية لها. وكذلك في صورة الجبال أيضا، كما وقفنا عندها في تصوير المعاني المجردة. وهذا الترابط بين الصور، يؤكّد وحدة التصوير الفني في القرآن الكريم، كما يؤكّد وحدة الرؤية للحياة والكون والإنسان، ويثبت الإعجاز في القرآن الكريم، وهو ما نحاول إثباته في هذا الكتاب إن شاء الله. ونلاحظ هنا في هذه المشاهد، إضافة جديدة، وهي صورة الرسل، الذين حدّد لهم يوم الفصل، لتقديم نتائج دعواتهم. ويتعاون التعبير، مع التصوير أيضا في رسم الأهوال، ويتضح ذلك في الاستفهام المهول والمعظم لذلك اليوم لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ثم جاء الجواب لِيَوْمِ الْفَصْلِ فهو يوم القضاء بين البشر، ثم يتكرر الاستفهام وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ المرسلات: ١٤ من أجل هذا الغرض في التهويل والتعظيم. ثم جاء التهديد للمكذبين عقب التهويل والتعظيم في سياق يقتضيه فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ. وتتواصل صورة انشقاق السماء، في رسم لونها الأحمر السائل أيضا في ذلك اليوم المرهوب يقول تعالى: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ الرحمن: ٣٧. فهي مشقوقة كوردة حمراء سائلة، كدهن الزيت كما قال في موضع آخر: «كالمهل» وهو درديّ الزيت «٦».

стр. 322

وأحيانا يجمع القرآن الكريم بين السماء والأرض، ويقيم الروابط بينهما عن طريق التضاد، لإظهار المشاهد الكونية المتغيّرة والهائلة، قال تعالى: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ، وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ، وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ، وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ، وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ الانشقاق: ١ - ٥. فالسماء والأرض هنا تسمعان وتطيعان، وتنقادان لله في الانشقاق والامتداد والاتساع وكأنهما كائنات حيّة، على طريقة القرآن الكريم في تشخيص الجوامد، وجعلها حيّة شاخصة، لإظهار قدرة الله، وتأثير فعله في هذه الكتل الكونية الضخمة، ورسم آثار الهول والفزع في هذا الكون المنظور. وقد تلمس الصورة ضمن هذه المشاهد الكونية المتغيرة، الصورة البشرية المتحركة للحساب، قال تعالى: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً، يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً، وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً، وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً النبأ: ١٧ - ٢٠. وتتلاقى هنا صورة الكون المتغيّر، بصورة البشر المتحرّك، لزيادة التأثير، والإيحاء بأهوال القيامة. وقد يشتد التصوير لهذه المشاهد، برسم حركة عنيفة شديدة، لمظاهر التغيّر، والانقلاب الكوني الهائل. قال تعالى: كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا، وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا، وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى، يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي ... الفجر: ٢١ - ٢٤. فتصوير الأرض مدكوكة مستوية، بهذا العنف، وهذا التأكيد اللفظي المكرّر، يزيد من الأهوال، حين يتصور الإنسان نفسه عليها، وهي تدكّ هذا الدكّ العنيف، حينئذ، تتضح الحقائق، وتزال الأوهام من ذهن الإنسان، فيتمنّى أن يكون قد استعدّ لهذا اليوم المخيف. ويتواصل تصوير الأرض في ذلك اليوم، برسم شدّة اضطرابها، وقد اعتاد الإنسان الاستقرار عليها، وهي صور توحي بضعف الإنسان أمام هذه الصور الكونية المتغيّرة، وتزيد من التأثير في حسه وشعوره، يقول تعالى: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها، وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها، وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها، يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها، يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ الزلزلة: ١ - ٨. وصورة الأرض ترجف، وتمتد أو تزلزل، وتخرج ما في باطنها من الأجساد والأشياء، صورة مكررة في القرآن الكريم، لتخويف الإنسان، وإشعاره بأن الاستقرار عليها محدود،

стр. 323

وليس دائما. وهي صور مترابطة مع الصور الأخرى في إيضاح الحقائق الدينية الثابتة وتكوين الرؤية الإسلامية المتكاملة للحياة والإنسان والكون. ولكن الجديد، هو موقف الإنسان المشدوه المبهور، من هذه الزلزلة العنيفة، وقد اعتادها مستقرة، ويجسّم التعبير حالته النفسية الخائفة، بهذا الاستفهام «ما لها» وكأنّ التعبير القرآني، يرسم صورة الزلزلة الحسية، وآثارها في الزلزلة النفسية أيضا. ثم تتواصل الصور في داخل السياق، وتتفاعل في إيضاح الحقائق الدينية، فما يكاد ينتهي سؤال الاستفهام وما فيه من حيرة واستغراب، إلا ويرى الإنسان نفسه أمام مشهد آخر للأرض، وهو مشهد الحشر للحساب والجزاء، وخروج الناس من القبور في ذعر وخوف، واضطراب ليروا أعمالهم مجسّمة حاضرة على طريقة القرآن الكريم في تجسيم المعنويات في صور محسوسة، فالأعمال حاضرة هنا ومرئية، وهي توزن بالميزان الدقيق، حتى الذرة في حجمها الصغير، توزن في هذا الميزان إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وتترابط الصور في داخل السياق، في حركة متفاعلة نامية لإيضاح الحقيقة الدينية، والمغزى من التصوير. فتبدأ الصورة بحركة الزلزلة في الأرض تتبعها حركة إخراج ما فيها من أجساد، تتبعها حركة الحيرة والاستغراب، ثم تتبعها حركة العودة إلى الله للحساب والجزاء، ثم تنتهي الحركة وتتوقف عند هذا الميزان الدقيق للأعمال. ثم يمضي التصوير الفني في القرآن، ليوضّح طبيعة الأعمال الموزونة، منها الثقيلة، ومنها الخفيفة، ونتائج هذه الأعمال الموزونة، إمّا في الجنة، وإمّا في النار، وذلك في قوله تعالى: الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ، وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ، يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ، وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ، فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ، وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ، فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ، وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ، نارٌ حامِيَةٌ القارعة: ١ - ١١. فالصورة كلها أهوال مرعبة، من مطلعها إلى خاتمتها، وترتسم الأهوال في التصوير والتعبير معا، فالقارعة، بجرسها الشديد، وتكرار الاستفهام أيضا، يضخم من هذه الأهوال المرسومة، ثم في حركة الناس كالفراش المبثوث، وصورة الجبال المنفوشة، والأعمال الموزونة، ونتائج الأعمال، وختام السورة بالنار الحامية، يتناسق مع مطلع القارعة المخيف.

стр. 324

وتتفاعل صورة الناس، وصورة الجبال، مع جوّ الأعمال الموزونة، فالناس بأحجامهم وأثقالهم، كالفراش انتشارا وخفة، والجبال الراسية الثقيلة، منفوشة كالصوف، فليس في هذا المشهد المرسوم قيمة إلا للأعمال الموزونة، التي تحدّد مصائر البشر، فهي التي تبرز في المشهد، وتركّز عليها أضواء التصوير. ويركّز التصوير القرآني على قصر الحياة الدنيا، إذا قيست بالآخرة وأهوالها. والتركيز على الزمن المحدود للدنيا، والتأكيد على قصره، يحقّق الغرض الديني من التصوير والتأثير. يقول تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ ... يونس: ٤٥. وتتلاحق الصور القرآنية، في رسم مشاهد الحشر، بعد رسم المشاهد الكونية الهائلة، فترسم ملامح الوجوه في ذلك اليوم. فالمجرمون يحشرون زرق الوجوه، من شدة الكرب والهمّ فتبدو الدنيا، ومدة حياتهم فيها ضئيلة زمانا ومكانا. ويتضاءل كلّ ما فيها من ملذات ومتاع، فتبدو قليلة القيمة، والاعتبار، قصيرة المدة، من شدة الأهوال التي يرونها. قال تعالى: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً، يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً، نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً طه: ١٠٢ - ١٠٤. فمشهد حشر الناس مكشوف، والحقائق صارت مكشوفة أيضا واضحة للعيان، كما أن الكون أصبح مكشوفا، فلا غطاء في السماء، ولا التواء في الأرض، حين ذاك، يخيّم الهول والرعب على الناس، ويظهر ذلك في حديثهم الخافت، وكلامهم الهامس، وأبصارهم الخاشعة، وحركتهم المضطربة. يقول تعالى: يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً طه: ١٠٨. وقوله أيضا: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً طه: ١١١. وقوله أيضا: يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ، خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ المعارج: ٤٣. ففي المحشر، يعود البشر فرادى، بلا أنساب، ولا أحساب، كما خلقهم الله أول مرة فرادى، يقول تعالى: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً،

стр. 325

وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً الكهف: ٤٧ - ٤٨، فالهول هنا يرتسم في مشهد الجبال المسيّرة، والأرض المكشوفة بلا نتوء ولا جبال، والحشر الجامع للبشر، العرض الكامل لهم، أمام الله سبحانه للحساب والجزاء، ويترك للخيال أن يستحضر صورة الحشر للبشر، على امتداد الزمان والمكان، ليدرك أهوال ذلك اليوم، ويعرف نفسه وسط هذه الجموع الحاشدة، وهو يتجه إلى الحساب. وتجمع الصورة أحيانا مشهد الحشر، ومشهد إنكاره، لتحقيق الغرض الديني في التأثير في النفوس كقوله تعالى: وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا، أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ، ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا، ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا، ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا مريم: ٦٦ - ٧٠. ويتجاور هنا في السياق، مشهد إنكار البعث، ومشهد الحشر، لبيان عاقبة الإنكار في الإلقاء في النار، وصورتهم وهم جاثون على الركب أمام النار، ينتظرون دورهم في إلقائهم فيها، صورة حسية مرعبة فيها تعذيب نفسي لهم قبل العذاب الحسي، كما أنها توحي باحتقارهم، وهوانهم. ثم هناك حركة الانتزاع القوية التي تأخذ الواحد تلو الآخر من مشهد الجاثين، لإلقائه في النار ويكفي الإنسان خوفا وهلعا أن يتصور مشهد الجثوّ على الركب، ينتظر دوره، لا يعرف متى ينتزع من مشهد الجاثين ليصبح من ضمن المحترقين في النار. كما يحشر الجن، ومن والاهم من الإنس، ثم يدور الحوار بينهم، وكل واحد يتهم الآخر، ثمّ يعترفون بذنبهم حين لا ينفع الندم: قال تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها الأنعام: ١٢٨. والمشهد حي شاخص، يجمع الجن والإنس، وكأنه حاضر أمامنا الآن من خلال الحوار الحي، فيبدأ المشهد بأسلوب الغائب، ثم ينتقل إلى الخطاب وهذا الانتقال يجعل الحدث المستقبل حاضرا كأنه مشاهد، ويزيد من حيويته، وتأثيره في النفوس. لأن النفوس لا تتعامل معه على أنه مستقبل بعيد وإنما هو حاضر تراه العيون.

стр. 326

وعرض الشياطين هنا، يظهر دورهم في إغواء البشر، واستمتاعهم بهذا الإغواء والإضلال، كما أن البشر استمتعوا بدنياهم، وغفلوا عن آخرتهم. ويصوّر القرآن، «الشركاء» محشورين مع المشركين، فكما كانوا مشتركين في الضلال، فهم الآن مشتركون في المصير أيضا. للسخرية والتهكم من عبادة المشركين. يقول الله تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ، فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ يونس: ٢٨ - ٢٩. فالقرآن الكريم هنا يصوّر مهانة الكافرين، وحسرتهم على ما فاتهم، وضلالهم في عبادة الأصنام، ويتهكم عليهم، وليس هذا فحسب، فهناك أيضا حشرهم على وجوههم، زيادة في إهانتهم. وقد طمست جوارحهم فأصبحوا عميا وبكما وصما، جزاء تعطيلهم هذه الحواس في الدنيا، فالآن يسحبون على وجوههم وسط زحام المحشر، ثم تكون نتيجتهم في النار. يقول تعالى: وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً الإسراء: ٩٧. وتطوى الدنيا في هذا المشهد، ليعرضوا وكأنّهم حاضرون على هذه الصورة، وهم يسحبون على الوجوه، على طريقة القرآن في إحياء المشاهد ليوم القيامة، لتؤثّر في النفوس قبل مجيء ذلك اليوم الموعود. وزيادة في تحقير الكافرين يوم الحشر، فهم يحشرون كالقطيع يحبس أوّلهم على آخرهم، ليتلاحقوا ويجتمعوا. قال تعالى: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ فصلت: ١٩. وتتلاحق صور الحشر في مشاهد كأنها حاضرة، لزيادة التأثير من ذلك قوله تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ، خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ، يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ القمر: ٦ - ٧. وصورة الجراد، تقرب مشهد الجموع المحشورة، بكثرتها، وانتشارها، وهي تحث خطاها، نحو الداعي الذي يدعوها إلى شيء لا تعرف عنه شيئا، ولكن الأهوال في المحشر، ترتسم على محيّا الوجوه، فتبدو الأبصار خاشعة من شدة الهول والكرب والفزع، وتجسّم معاناة

стр. 327

الناس في قوله تعالى على لسانهم هذا يَوْمٌ عَسِرٌ القمر: ٨. في هذا المشهد، يبرز الظالم من بين الجموع، يعضّ على يديه حسرة وندما: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا، يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا، لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي، وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا الفرقان: ٢٧ - ٢٩. فالظالم لا يعضّ على يد واحدة، بل على كلتا يديه زيادة في تصوير الكرب، وتجسيم حالته النفسية. والناس ليسوا سواء في مشهد الحشر والزحام، فالمؤمنون مكرمون، يحشرون في وفود إلى الرحمن، دلالة على تكريمهم والترحيب بهم، والمجرمون يساقون كالقطيع إلى جهنم، تحقيرا لهم، واستهانة، بهم يقول تعالى: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً، وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً مريم: ٨٥ - ٨٦. وشتان بين هاتين الصورتين المتقابلتين، صورة الوفد المكرّم، وصورة القطيع المحتقر، الذي يساق ليرد من جهنم وردا، وأيّ ورد هذا الذي يكون من حميم وغسّاق. ويصوّر القرآن الكريم في هذه المشاهد، صورة الرسل، وهم يعرضون على الله، لتقديم نتائج دعواتهم، وثمار محاصيلهم، والله يعلم ذلك، ولكن زيادة في تقريب يوم القيامة من الأذهان، وإقامة الحجة على البشر يقول تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ المائدة: ١٠٩. والسؤال والجواب في هذه المشاهد العظيمة، لإثبات صدق الرسول، وإقامة الحجة على المكذبين به، على رءوس الأشهاد، ليدخلوا النار عن استحقاق، بحجة وبيان وشهود. كذلك يوجّه السؤال للمكذبين، لتحقيرهم وتأنيبهم، وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ القصص: ٦٦. والصورة هنا ترسم الذهول عليهم، كما تلقي ظلّ العمى الممتد، الذي يصاحبهم من الدنيا إلى الآخرة، لربط النتائج بالأسباب، زيادة في التبكيت، والتعذيب، لذا ظلّوا صامتين، من شدة الذهول والخوف، جامدين من رهبة السؤال في ذلك الموقف العصيب. وبينما الرسل يدلون بشهادتهم، وكذلك الملائكة، والكافرون لا يؤذن لهم بكلام، والصمت يخيّم على الجميع في مشهد الحشر العظيم، يقطع المشركون صمتهم، حين يرون شركاءهم،

стр. 328

فيشيرون نحوهم وهم يقولون: رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ النحل: ٨٦ فتردّ عليهم مباشرة: إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ النحل: ٨٦. وهكذا أصبحت الحجة قائمة واضحة، من الرسل والملائكة والشركاء، فاستحقّوا أنواع العذاب بسبب كفرهم. ويصوّر القرآن الكريم، مشهد الحساب، بكلّ ما فيه من وزن وميزان، وشهود، وأعمال جاهزة وحاضرة للميزان، ووزّان عادل. لتقريب صورة الحساب من الذهن البشري، وزيادة التأثير فيه، عن طريق تجسيمها في صور محسوسة، متناسقة ومترابطة ضمن نظام العلاقات التصويرية، لإيضاح الحقائق الدينية. ويتنوّع تصوير مشهد الحساب، فأحيانا يعرض مجملا، في لمحة خاطفة سريعة ولكنها موحية ومؤثرة. كقوله تعالى: وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ الزمر: ٦٩. فالمشهد هنا موجز وسريع، فيه الرسل والشهداء حاضرون، والناس مجموعون مع أعمالهم، ينتظرون الحكم عليهم، والله هو القاضي العادل في مشهد الحساب، وهذا ما يوحي به قوله: وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها. فالموقف كلّه رهبة، وجلال، فيقضى بينهم، وهم لا يظلمون. والمشهد كلّه هيبة وجلال، لأنّ الله هو الذي يقضي بين الخلائق، وهذا ما نراه مؤكّدا في مشاهد القيامة غالبا. كقوله أيضا: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ البقرة: ٢١٠. ويعتمد تصوير المشهد هنا، على الاستفهام والفعل المضارع لإحياء المشهد، وجعله شاخصا حاضرا، ثم فجأة نلمح مجيء الله في ظلل من الغمام والملائكة، وهي صورة غيبية معروضة في المشهد، لا نبحث عن كيفيّتها، ولكننا نرى آثارها في القضاء بين البشر، ورجوع الأمور إلى الله، ويتمّ الحساب بسرعة خاطفة في جملة مؤلفة من كلمتين وَقُضِيَ الْأَمْرُ. ولكنّ هذا الإجمال في تصوير مشهد الحساب، نراه مفصّلا في أنساق أخرى، تتعاون

стр. 329

الصور فيه، وتترابط في توضيح صورة ذلك اليوم، وما يتم فيه من مشاهد وأهوال، ولا يمكن تكوين صورة عن اليوم الآخر، من خلال مشهد واحد معروض، بل لا بد من ربط الصور في المشاهد، وضمّ المشاهد بعضها إلى بعض، لمعرفة ما وراءها من حقائق دينية مصوّرة. فنلاحظ أحيانا، تصوير كتاب الأعمال المدوّنة، وعرضه في مشاهد متعددة، لتحقيق التأثير الديني كقوله تعالى: وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً الكهف: ٤٩. فالكتاب هنا حيّ شاخص، قد أحصى الأعمال صغيرها وكبيرها، والأعمال مجسّمة حاضرة، كما أنّ آثار الكتاب في نفوس المجرمين، مرسومة في أقوالهم المستغيثة في ذلك الموقف الرهيب. والفائزون هم الذي يتلقون كتابهم بيمينهم يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا، وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا الإسراء: ٧١ - ٧٢. فالناس هنا، في مشهد الحشر، جماعات وأمم، كلّ جماعة أو أمّة، لها عنوانها، وكتابها، أو نبيّها، أو دينها «٧»، تعرف من خلاله، زيادة في إقامة الحجة على البشر، على رءوس الأشهاد. ونلاحظ التقابل بين نموذجين من البشر، نموذج، يتلقى كتابه بيمينه، وهذا هو الفائز، يقرأ كتابه باطمئنان والنموذج الآخر هو الأعمى، وصورة العمى في الآخرة، هي امتداد لعماه في الدنيا عن رؤية الحق والهدى، لهذا فهو يحشر على هذه الصورة وسط هذا الزحام الشديد، لا يجد من يساعده، فهو يتخبّط في مشهد الحشر، تعجيلا في عقوبته، قبل أن يلقى في النار. ويصوّر القرآن الكريم، عرض الناس في المحشر، في صفوف منظمة وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا الكهف: ٤٨. وصورة الصفوف المنظمة، مناسبة للموقف الجليل، ومثيرة للخيال، وهو يتأمل أعداد

стр. 330

البشر من أول خلق الإنسان إلى الحساب، وهم يقفون على هذه الهيئة، استعدادا، لتلقي سجل أعمالهم. والخزي مرسوم على وجوه الكافرين، والسرور واضح في قسمات وجوه المؤمنين، والله يواجه الكافرين والمجرمين بذنوبهم، ويضع أمامهم سجل أعمالهم الدقيق. في هذا المشهد، تلازم الأعمال أصحابها، ولا تفارقهم يقول تعالى: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ، وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً، يَلْقاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً الإسراء: ١٣ - ١٤. فالأعمال حاضرة مجسّمة في صورة كتاب، مكشوف أمام الخلائق، بعد أن كان مستورا عن أعين الناس في الدنيا، وزيادة في توضيح الصورة، جعله ملازما لصاحبه، ملازمة الطائر لصاحبه. وهذه صورة عميقة الدلالة في الحس والشعور توحي بأن الإنسان، لا يستطيع الإفلات من أعماله، مهما حاول ذلك، ولك أن تتأمل صورة الإنسان في ذلك المشهد، وهو يحاول الإفلات من طائره، وهو يطارده في كل مكان، وفي أي اتجاه، وما يعانيه من هذه الملازمة أو المطاردة، لأنه يعرف مضمون كتابه، وما قدم في الدنيا من أعمال. وزيادة في إثارة الألم والندم، يتوجّه الخطاب مباشرة إلى الإنسان اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً وهذا الانتقال إلى أسلوب الخطاب، يجعل المشهد حيا حاضرا، وكأن قراءة الكتاب مطلوبة في الدنيا قبل الآخرة، وبذلك يتضافر التعبير مع التصوير في تحقيق التأثير النفسي. وتجسيم الأعمال على هذا النحو، وجعلها حاضرة الحساب، لمواجهة أصحابها بها. له أعمق الأثر في النفس الإنسانية، حتى إنّ الإنسان المذنب، يتمنى أن يكون بعيدا عن أعماله، تفصل بينهما المسافات الشاسعة يقول تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً آل عمران: ٣٠. ومن شدة الكرب، وأهواله، يتمنى الكافر العدم على الحياة، حتى لا يحاسب، ولا يواجه بأعماله. يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً النبأ: ٤٠. كما يصوّر القرآن كل أمة جاثية على ركبها، استعدادا لنشر الكتب والصحف وَتَرى كُلَ

стр. 331

أُمَّةٍ جاثِيَةً، كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ الجاثية: ٢٨. وتتواصل الصور في رسم مشاهد تسلّم كتب الأعمال، وتنويع المشاهد، برسم حركات وهيئات وآثار في النفس والوجوه. فالمؤمن يتسلم كتابه بيمينه من الأمام، تكريما له وحفاوة به، وهو فرح مسرور يقول تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً، وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً الانشقاق: ٧ - ٩. ويستمرّ تصويره بعد تسلّمه كتابه، فهو مسرور بما يقرأ فيه من أعمال صالحة قادته إلى عيشة راضية. يقول تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ، إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ .. الحاقة: ١٩ - ٢١. وأمّا الكافر فإنه يتلقى كتابه بشماله ومن وراء ظهره، تحقيرا له وإذلالا، قال تعالى: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ، فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً، وَيَصْلى سَعِيراً الانشقاق: ١٠ - ١٢. وقوله أيضا: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ، وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ، ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ، خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ الحاقة: ٢٥ - ٣١. وهنا تجسّم الأعمال أيضا، في صورة مادية محسوسة، تحيي المشهد المعروض، وتعمق أثره في الحس والشعور، وتتفاعل الصورتان فيه، صورة الماضي، وصورة الحاضر للكافر، وتتواصل الصورتان بين الماضي والحاضر، لإبراز الفروق بين الصورتين، فهو الآن يدعو على نفسه بالهلاك والموت، حتى لا يلاقي الحساب والعقاب، وتصويره وهو يتمنّى الموت، يعبّر عن منتهى ألمه وعذابه. وقد قال المتنبي في هذا المعنى: كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا. ثم تعرض صورته في الماضي حين كان صاحب مال وسلطان وقوة، لزيادة حسرته وألمه، أنه أنفق حياته فيما لا يفيد، وكذلك ربط حاضره بماضيه المظلم، حتى يتضح العقاب على الأعمال الماضية، ثم يشتد المشهد بحركة الأخذ العنيفة، وربطه، وإلقائه في النار. ويشخّص أحيانا كتاب الأعمال، وتضفى عليه الصفات الإنسانية، زيادة في إحياء المشهد، والتأثير فيه، كقول الله سبحانه تعالى: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ

стр. 332

ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ الجاثية: ٢٩. فكتاب الأعمال، حيّ شاخص، ينطق، ويتكلم بما يحتويه من أعمال الإنسان المدوّنة، وتدوين الأعمال أو نسخها متفاعلة في السياق، مع نطق الكتاب بها يوم القيامة، فالدنيا للتدوين والتسجيل، والآخرة للشهادة والنطق بالأحكام. والتصوير ينوّع في رسم المشاهد، فمرّة يلمس الإنسان وحالته عند ما يتلقى كتابه، ومرّة يلمس الكتاب المدوّن ويشخّصه، ويجعله حاضرا ينطق ويتكلم ويشهد على صاحبه، وهذا من قبيل تنويع الصور، لإبراز الحقائق الدينية، واستيفائها، واستخدام الأساليب الفنية المتعددة، لتحقيق التأثير النفسي، ويمضي تصوير الإنسان وهو مسوق للحساب، ومعه سائق وشهيد، وكأنّه يساق إلى المحكمة المعروفة، ليسمع رأي القضاء في ما فعله هذا الإنسان، وهذا كلّه من قبيل تقريب يوم القيامة من الأذهان من خلال الصور المألوفة لدى البشر، في مثل هذه الحالات والظروف. يقول تعالى: وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ ق: ٢١، ثم يتوجّه الخطاب للإنسان مباشرة لتحقيق الغرض الديني من تصوير هذا المشهد لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ق: ٢٢، ثم يتقدّم الملك الموكل به، بتقديم سجلّ أعمال الإنسان إلى المحكمة وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ ق: ٢٣، وتترك الصورة بعد ذلك تفصيلات أخرى متعلقة بالمشهد، يستحضرها الخيال، فيراجع سجل الأعمال بنفسه، ثم ينتظر الحكم عليها، ولكنّ المشهد لا يبرز الحكم مباشرة، ولكنه يوحي به من خلال النتيجة، إمّا في النعيم وإمّا في العذاب. وهذه الطريقة في التصوير، تجعل الإنسان، يتفاعل مع المشهد، ويكمل بعض تفصيلاته بنفسه، لتحقيق الغرض الديني والتأثير النفسي في المشهد المعروض. وتتواصل الصور، وتترابط في رسم مشهد الحساب، بكلّ ما فيه من أعمال مجسّمة، ووزن، ووزّان، وميزان، وسائق، وشهود، لتحقيق التأثير الديني من خلال هذا التصوير لليوم الآخر. والميزان، دقيق، يزن الذرّة، وكان المفسرون يعرّفونها بأنها الهباءة المتناثرة التي ترى في

стр. 333

ضوء الشمس، لأنها أصغر شيء يمكن أن يتصوروه آنذاك، ولكن العلم الحديث، يراها الآن أصغر من ذلك بكثير، فهي لا ترى بالعين المجردة، ولا بالمجهر إلا بعد تكبيرها آلاف المرات. فهذا الميزان لا مثيل له في الدنيا، ذاك الذي يزن الذرة، ولكن قلب المؤمن يستشعر وزن الخير، ووزن الشر وإن تناهى في الصغر، وتوارى عن العيون، وفي يوم القيامة تجسّم الأعمال، وتوزن بالميزان، ليجازى صاحبها عليها. وهذا التجسيم للأعمال ووزنها، يدفع الإنسان إلى عمل الخير وإن قلّ، والبعد عن عمل الشر بتاتا يقول تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ الزلزلة: ٧ - ٨. وأحيانا يزن الميزان حبة الخردل الصغيرة المعروفة لدى الناس بذلك وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ الأنبياء: ٤٧. وتمتد صورة حبة الخردل، وتوضع في إطار كوني، وعلم الله يحيط بها، ويحضرها في أي مكان كانت، وعلى أيّ شيء وقفت، ليزداد التأثر النفسي، بالعدل الإلهي، ودقة الحساب يوم القيامة. قال تعالى: يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ، إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ لقمان: ١٦. ثم توضع الأعمال في الميزان، وتوزن، فإمّا أن تكون ثقيلة، ويفلح صاحبها ويفوز بالجنة، وإمّا أن تخفّ في الميزان، فيخسر صاحبها، ويهلك في النار. قال تعالى: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ الأعراف: ٨ - ٩. وثقل الموازين أو خفّتها، وكذلك الميزان، والوزن، قضايا غيبيّة، بعيدة عن إدراك الإنسان، ولكنّ تصويرها على هذا النحو، يقرّبها من الذهن، ويجعل الإنسان يدرك العدل الالهي المطلق. وزيادة في تصوير العدل الإلهي، فإن الحواس تقوم بالشهادة على الإنسان نفسه. وصورة الحواس الشاهدة والناطقة، صورة مخيفة، لأنها صورة صادقة وشهادتها دامغة، وحجة

стр. 334

على صاحبها، لأنّ هذه الحواس ملازمة للإنسان عند ما اقترف الآثام والذنوب. يقول تعالى: حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ، وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ، وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ، وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ، فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ ... فصلت: ٢٠ - ٢٤. فهذه الصورة مثيرة ومخيفة، يتّحد فيها الزمان والمكان، والأعمال الظاهرة والمستترة، ما يعرفه الإنسان وما ينساه .. فكلّ حياة الإنسان على امتداد الزمان والمكان، والأعمال الخفية والظاهرة، تعرض من خلال شهادة الحواس الملازمة للإنسان، والتي كانت هي الأداة المنفّذة لتلك الأعمال. وتبرز قدرة الله سبحانه في إقامة الحجة على الإنسان من نفسه أيضا، بالإضافة إلى شهادة الملكين، وشهادة الرسل، ومراقبة الله له، الذي يعلم السرّ وأخفى. ويعتمد تصوير مشهد الشهادة على الحوار، لإحيائه وجعله حاضرا، وزيادة تأثيره في النفس. وقد أجري الحوار مباشرة مع الجلود، لأنها تشمل جميع الحواس الأخرى، وهي أكثر دلالة على صدق الشهادة وعموميتها لأن الإنسان قد يعيش بدون سمع، أو بدون بصر، لكنه لا يعيش بدون هذا الجلد الذي هو بمنزلة الوعاء للروح وبقية الحواس، لهذا نابت الجلود في الحوار عن بقية الحواس، لإقامة الحجة على الإنسان، ولهذا جسّمت آثار هذه الشهادة في نفس الإنسان في الاستفهام المعبّر عن الاستغراب والدهشة لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا؟ ثم عرضت حقائق العقيدة من خلال هذا الحوار المصوّر، فبرزت قدرة الله في نطق الحواس وشهادتها، وحوارها مع أصحابها. وتكشف الصورة عن جهل الإنسان بحقيقة الألوهية، حين ظنّ أنه يمكن أن يخفي أعماله ويسترها، وهذا الظن أو السلوك، هو الذي يردي صاحبه في النار، وهكذا يتقرّر العدل الإلهي، من خلال تصوير مشهد الحساب، ويتحقّق الغرض الديني منه. وبعد شهادة الحواس، والرسل والملكين، وسجل الأعمال، والوزن، والميزان، لا يقبل الاعتذار لأنّ زمان الندم قد فات وحان يوم الجزاء على الأعمال.

стр. 335

لهذا يصوّر القرآن الكريم على سبيل الافتراض، رفض قبول فدية من الإنسان مهما كانت كبيرة حتى يسدّ الأبواب على الكافرين، فلا يفكّروا في مثل هذه المواقف أن يفتدوا أنفسهم، كما كانوا يفعلون في الدنيا. يقول الله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ آل عمران: ٩١. بل إن القرآن الكريم يضاعف من التصوير التخييلي، فيفترض أن لهم ما في الأرض جميعا، ومثله معه، وحاولوا الاقتداء به، ما قبل منهم ذلك إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ المائدة: ٣٦. والمجرم أيضا يودّ لو يفدي نفسه بأعزّ الناس إليه. يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ، وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ، وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ المعارج: ١١ - ١٤. وصورة الفداء، تتواصل مع الصور الأخرى، في رسم الأهوال والفزع لأولئك الكافرين، ورغبتهم في النجاة بأي وسيلة بالفداء، أو الندم، أو التوبة، أو الأمنيات، ولكن موعد ذلك قد فات، فاليوم الآخر هو للجزاء ثوابا أو عقابا على الأعمال. ولم يبق لهؤلاء إلا اتهام أسيادهم، الذين أضلّوهم، لتحميلهم مسئولية كفرهم وضلالهم، وهي المحاولة الأخيرة لهم، للإفلات من العذاب. ويصوّر القرآن الكريم مشاهد للأتباع والمتبوعين، وهم يتحاورون، ويتعاتبون، ويلقي كلّ منهم المسئولية على الآخر، ولكنّ النتيجة لهم معا، هي القذف في النار. وهذه المشاهد، تعرض أمامهم حيّة حاضرة، وهم ما زالوا في الدنيا، يرون صورتهم ممتدة في اليوم الآخر، فيرون أسيادهم، يتملّصون منهم، ويتهربون، ليتركوهم وحدهم في مواجهة الحساب والعذاب. وتتواصل هذه المشاهد، مع المشاهد الأخرى في إيضاح الحقائق الدينية، وتقريب اليوم الآخر من الإدراك البشري من خلال صور مألوفة لدى الإنسان. وتتسم كثير من مشاهد الأتباع والمتبوعين بالسخرية والتهكم، لتحقيق التأثير الديني، يقول تعالى موجها السؤال للكافرين للسخرية منهم: أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ، وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ، قالُوا وَهُمْ فِيها

стр. 336

يَخْتَصِمُونَ، تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ، وَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ، فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ، فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الشعراء: ٩٢ - ١٠٢. فهذا المشهد المعروض هنا هو من مشاهد القيامة، ولكنّ القرآن يعرضه وكأنه حاضر الآن، فيوجّه السؤال المباشر لهم، ويتكرر السؤال، ويترك الجواب بدون تحديد، لأنه مفهوم من السياق، ثم الأفعال المضارعة، ساعدت على استحضار المشهد، وبعث الحياة فيه «تعبدون، ينصرونكم، ينتصرون، يختصمون ... » ويزيد الحوار من حيوية المشهد، وتأثيره في النفوس قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ .... وتعرض الحقائق الدينية، على ألسنتهم، بعد أن اتضحت لهم، وانكشفت، فمساواة هذه الآلهة بالله رب العالمين، ضلال وشرك، وكذلك الانقياد للمجرمين، ثم في اليوم الآخر لا تنفع إلا الأعمال، فليست هناك شفاعة أو صديق حميم، يساعد صديقه، ولم تبق إلا الأمنيات التي فات أوانها، زيادة في إظهار ألمهم وحسرتهم. ويلاحظ هنا كبكبة الأتباع والمتبوعين في النار، مع إبليس وجنوده أيضا، لأن إبليس هو الذي يوسوس للإنسان، ويغويه بالضلال. وذكر إبليس هنا، يوحي بأنهم أتباع الشيطان، الذي هو عدو الإنسان الأول. وتعرض الصورة مشهدا آخر للأتباع والمتبوعين، والمتبوعون هذه المرة هم الشياطين، والأتباع من الإنس، وينشأ بينهم الجدال والخصام، واتهام كل فريق للآخر، وتتضح الحقائق، والطبائع، من خلال الحوار الدائر بين الفريقين يقول تعالى: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ، قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ، قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ، فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ، فَأَغْوَيْناكُمْ، إِنَّا كُنَّا غاوِينَ، فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ الصافات: ٢٧ - ٣٣. فالشياطين ضالّون بطبيعتهم، لهذا فهم يقومون بدور إغواء الإنسان لتضليله عن الطريق السوي، والإنسان، ليس ضالا بطبعه، ولكنه مستعدّ له، حين يعطّل حواسه، ويغفل عن ربه، فجريمته لا تقل عن جريمة الشيطان، لهذا اشترك الأتباع والمتبوعون في المصير في النار، كما كانوا مشتركين في الدنيا في الضلال والفساد. والمتبوعون قد يكونون من البشر أيضا، يقومون بالدور نفسه الذي تقوم به الشياطين

стр. 337

في الإضلال والإفساد ويصوّر القرآن الأتباع والمتبوعين في مشهد حيّ شاخص، وهم في حالة خصام وجدال وحوار، وكلّ فريق يحمّل الآخر مسئولية كفره وضلاله، ويستمر الحوار والجدل بينهما بلا فائدة يقول تعالى: وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ، قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ، وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ، وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ سبأ: ٣١ - ٣٣. فالصورة هنا ترسم مشهد الأتباع والمتبوعين، وتعرضه وكأنه حاضر الآن بالاعتماد على فعل الرؤية «المضارع» من بداية المشهد، لاستحضاره حيا شاخصا، ويزيد الحوار من حيوية المشهد، وحضوره، وتأثيره في النفس، فيرى فيه الأتباع والمتبوعون صورتهم حقيقة واقعة، بكل ما فيها من تفاصيل دقيقة، وأدوار ومواقف، وأهداف في الدنيا. فالمتبوعون يقومون بدور خبيث في إضلال الأتباع، ويسلكون كلّ سبيل لتحقيق ذلك، ويستمرون بالتضليل في الليل والنهار بمكر ودهاء، لتحقيق إضلال الأتباع عن الحقيقة، لينقادوا إليهم. وتتعرّى صورة المتبوعين، أمام الأتباع وهم ما زالوا في الدنيا، ليتخلّصوا من هذه التبعية قبل فوات الأوان، لأن المعاذير في مشهد يوم القيامة لا تفيد، وكذلك إلقاء التبعة على المتبوعين أيضا. فها هي ذي الأغلال والسلاسل تطوّق أعناق الكافرين أتباعا ومتبوعين جزاء بما كانوا يعملون. وهذا الجزاء للمتبوعين على ما قاموا به من أدوار في تضليل أتباعهم، والأتباع لأنهم لم يستخدموا عقولهم حين انقادوا للمتبوعين هذا الانقياد الأعمى الضال. وتلمس الصورة الفنية حالة الأتباع الضعيفة، وقصورهم في فهم الحقائق والمواقف والأهداف. يقول تعالى: وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً، فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ، قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا

стр. 338

مِنْ مَحِيصٍ إبراهيم: ٢١. فما زال الأتباع- في هذا المشهد- على غبائهم وسذاجتهم، وانقيادهم للمتبوعين، اعتقادا منهم أنّ المتبوعين يملكون قدرة فائقة على دفع العذاب عنهم، ولكنّ الصورة لا تترك هؤلاء الذيول الضعاف على تصوراتهم في أسيادهم كما كانوا في الدنيا يفعلون ويعتقدون، فها هم أولاء أمامهم عاجزون ضعفاء مثلهم أيضا. ويكرّر القرآن الكريم تصوير مشهد الأتباع والمتبوعين، وما يدور بينهم من حوار واتهام وخصام، وذلك لأهمية الدور الذي يقوم به المتبوعون في الدنيا بإضلال أتباعهم عن الطريق المستقيم. يقول تعالى: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ، إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ، وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ، وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ البقرة: ١٦٥ - ١٦٧. والتركيز في هذا المشهد، على إبراز تبرؤ المتبوعين من أتباعهم، يوم القيامة، وتمني الأتباع أن يعودوا إلى الدنيا، بعد أن عرفوا حقيقة متبوعيهم لكي يتبرءوا منهم أيضا. وهذا المشهد من مشاهد القيامة، يعرض على الأتباع، وهم ما زالوا في الدنيا، ليحذرهم من هذا الانقياد المعروفة عواقبه، فهم ما زالوا يملكون تحقيق أمنيتهم في التبرؤ من متبوعيهم. وهذه طريقة القرآن الكريم في تصوير المشهد قبل وقوعه بما فيه من مواقف، وحقائق، ولمسات نفسية، لتحقيق الغرض الديني منه. كما أن هذه المشاهد، تبرز اتصال الدنيا بالآخرة، إذ ينتقل الناس بأحوالهم ومواقفهم واعتقاداتهم وأفعالهم، وأدوارهم إلى اليوم الآخر، ليحاسبوا على ذلك كلّه، ويواجهوا نتائج أعمالهم. فصورة الإنسان في مشاهد القيامة، هي امتداد لحياته في الدنيا، بلا فواصل بين الدنيا والآخرة حتى يبقى اليوم الآخر قريبا من حسّه وشعوره، فيكون مستعدا له، وحذرا من وقوعه المفاجئ، ويقف الشيطان من وراء الأتباع والمتبوعين، يدفع الأتباع ويغويهم بالانقياد، ويغري المتبوعين بتضليل الأتباع والضعفاء، ثم ينفض يديه هو أيضا يوم القيامة

стр. 339

من ذلك كله، قال تعالى: وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ .. إبراهيم: ٢٢. ويطيل القرآن الكريم في تصوير العذاب بالنار، بعد تصوير مشاهد الحساب، حتى تتّضح نتائج الأعمال، وطبيعة العقاب والثواب. فيصوّر النار تصويرا حسيا مرعبا، فيذكر خزنتها، وأبوابها، وسعتها، وحرّها، ودخانها، ووقودها من الناس والحجارة، ويذكر صورا من العذاب المخيف، مثل نضج الجلود، والصهر، واللفح، وتسويد الوجوه، والسّحب عليها أيضا، والقيود، والسلاسل، والأغلال، والمطارق. كما يصور طعام أهل النار، وشرابهم ولباسهم، وغير ذلك من الصور الحسية المرعبة، التي تهدف إلى التخويف من عذاب الله، والتأثير في الإنسان، حتى يستقيم على منهج الله، ويبتعد عن مخالفته. ويبدأ القرآن الكريم بتصوير صفة النار، ووقودها من الناس والحجارة فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ البقرة: ٢٤. والجمع بين الحجارة والكافرين في وقودها، إشارة إلى أن الكافرين، حين عطّلوا حواسهم غدوا كالحجارة قسوة وجمودا، فجاء هذا الجمع، وهذا التفاعل بين الصورة الآدمية، والصورة الكونية، في تصوير هولها، وشدتها، فهي تشعل الأجسام وتنضجها، وتصهر الأحجار، وتذيبها. لذلك، فإن تباهي الكفار بالأموال والأولاد لا يفيد، لأنهم وقود النار. قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ آل عمران: ١٠. فالكافرون، حين عطّلوا حواسهم، تجردوا من صفاتهم الإنسانية، فصاروا أشبه بالأشياء الجامدة، توقد بها النار مع الحجارة والحطب ونحوهما. كما أنّ القرآن يخوّف المؤمنين بها، ويرسم لهم طريق النجاة من عذابها، فعليهم أن يحموا أنفسهم أولا منها وذلك بالالتزام بأوامر الله وهم أيضا مسئولون عن أهليهم، حتى لا يكونوا من وقودها. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ

стр. 340

شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ التحريم: ٦. وتصوير الملائكة خزنة النار ب «غلاظ شداد» يتناسب مع صورة النار الغليظة الشديدة. وهي من حيث المكان، ممتدة أيضا، حتى يلائم ذلك وقودها المخيف يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ، وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ق: ٣٠. والصورة هنا تعتمد على التشخيص، حتى يتفاعل الإنسان مع هذه الصورة المرعبة، ويتغلغل تأثيرها في نفسه ويتخيّل الإنسان هذه النار الممتدة مكانا وزمانا، لتتسع لملايين العاصين والكافرين، وهي لا تضيق بهم بل تقول على سبيل التشخيص: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ. ولها أبواب توصد على أهل النار، فلا يفلتون من عذابها: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ، لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ، لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ الحجر: ٤٣ - ٤٤. فالنار- كما توحي به الصورة- دركات، وكل قسم له بابه المحدد أو المقسوم. والمنافقون في الدرك الأسفل منها إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ النساء: ١٤٥. ويصوّر القرآن، شدّة حرّها، وعنفها، وغيظها، وزفيرها وارتفاع نيرانها. قال تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً، إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً، وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً، لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً الفرقان: ١١ - ١٤. وصورة النار هنا حيّة شاخصة، معروضة في مشهد مثير ومخيف، ويتمّ استعراضها بشكل مطوّل في المشهد، وتضفي عليها الحياة والحركة، لزيادة التأثير في النفوس، فالمكذبون بالساعة قادمون، من بعيد، وهي في انتظارهم، قد سعّرت، وأجّجت، وحين تراهم، تزداد اشتعالا وزفيرا. ثم تجسّم معاناتهم فيها بدعائهم على أنفسهم بالهلاك من شدة لسعها وحرقها. فالصورة ترسم مشهدها الخارجي، من خلال صوت النيران المشتعلة التي شخّصت في الغيظ والزفير، ثم رسم مشهدها من الداخل وهي تتحرق لرؤية المكذبين، وتشتاق إليهم، ثم مشهد المكذبين في داخلها مقيدين في مكان ضيق منها، زيادة في تعذيبهم، ثم جسّمت معاناتهم، بهذا الصراخ والدعاء بالهلاك، ومشهدهم وهم يدعون بالهلاك على أنفسهم، يقابل مشهدهم حين كانوا في الدنيا يكذبون بها.

стр. 341

وهكذا تتكامل عناصر التصوير، من الخارج والداخل للمشهد المرعب. كما يضاف عنصر السخرية من المكذبين، حين يجابون على دعائهم بالهلاك، بأنّ الهلاك الواحد لا يكفي، ولكن ادعوا هلاكا كثيرا مكررا لأنه لا يفيد شيئا. ويشترك خزنة النار، في زيادة تعذيب المكذبين، وذلك بتذكيرهم بموقفهم من الرسول المنذر لهم. قال تعالى: وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ، تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ .. الملك: ٦ - ٨. وتكثر الصور التشخيصية للنار، لزيادة أثرها في النفوس فهي كما يقول سيد قطب: «في هذا المشهد حيّة متحركة يلقى إليها الذين كفروا كما يلقون إلى الغول، فتتلقاهم بشهيق وهي تفور، يملأ نفسها الغيظ حتى لتكاد جوانبها تتفجر من الحقد، إنه مشهد مروّع، تضطرب له القلوب، وتقشعر لهوله الجلود، وبينما هم في فزع من هذه الغول، التي تتميّز من الغيظ، وهي تتلقفهم بشهيق وهي تفور، نسمع خزنتها وحراسها، يتلقون كل فوج مدفوع بسؤال واحد مكرور، فكلّهم ذو شأن واحد مكرور: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ والجواب في ذلّ الاعتراف وخجل الانكسار: بلى قد جاءنا نذير فكذبنا .. » «٨». ثم إنهم يعترفون، بأنهم قد عطّلوا حواسهم فلم يستجيبوا لدعوة الرسول وبعد هذا الاعتراف، يكون جوابهم فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ. ويتواصل التصوير للنار، ليرسم دخانها الخانق، وشرارها المخيف. فدخانها يتصاعد في ثلاث شعب وهي ليست ظليلة بل خانقة، كما أن شرارها المتطاير منها كالقصر، ضخامة، وكالجمالات تناثرا في كل مكان. قال تعالى: انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ، انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ، لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ، إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ، كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ، وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ المرسلات: ٢٩ - ٣٤. فالصورة هنا أيضا تقرب المشهد الغيبي، وتجعله حاضرا، على طريقة القرآن في تصوير مشاهد القيامة. فالقيامة هنا كأنّها حاضرة، لذلك جاء فعل الأمر بالانطلاق إليها، للاطلاع على ما فيها من أهوال «انطلقوا» ويكرّر فعل الأمر بالانطلاق، لرؤية هذا المشهد

стр. 342

المخيف، وإحياء المشهد بهذه الحركة التخييلية. ثم يبدأ استعراض المشهد وما فيه من صور مرعبة للنار، فدخانها كثيف متصاعد، في شعب ثلاث، وشرارها متطاير بكتل ضخمة، يتناثر هنا وهناك. وضخامة الدخان، وضخامة الشرر المتطاير، يعبران عن ضراوة النار وشدّتها. ثم تركّز الصورة، على رسم هذه الظلل المحيطة بهم من كل اتجاه، يقول تعالى: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ الزمر: ١٦. وهناك صور أخرى للنار، مرتبطة بالصور السابقة، ومتناسقة معها، في رسم ضراوة النار وشدتها وهولها فهي مهاد، وفراش، وغواش في الوقت نفسه. يقول الله تعالى في ذلك: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ الأعراف: ٤١. فالصورة هنا تجعل النار مهادا، على سبيل السخرية، لأنّ هذا المهاد محرق وليس مريحا، كما تعودوا في صورة الفراش المريح، ثم إنها غطاء يغشاهم من فوقهم، وبذلك تكتمل صورة إحاطة النار بهم. وتعرض الصورة ألوانا من العذاب في جهنّم من ذلك إنضاج الجلود، وتبديلها بجلود أخرى، لكي يبقى العذاب دائما. قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ .. النساء: ٥٦. وصورة إنضاج الجلود، مرعبة مخيفة، بمجرد استحضارها في الخيال، وما يتم في عملية الإنضاج من تقليب على النار، وإذابة لها، وما يصاحبها من أصوات وآلام .. حتى إذا تمّ إنضاجها وانتهت بدلت جلودا غيرها، وهكذا يستمر عرض الصورة في المشهد المرعب بشكل متكرر ليزداد التأثير بها في الحس والشعور واختيار الجلود هنا في التعذيب، لأنها مركز الإحساس بالألم، وتكرار تبديلها، يوحي بتكرار الألم واستمرار العذاب، كما أنّ الجلود هي وعاء الحواس الأخرى وهي شاملة للجسم كلّه. ويعتمد التصوير على الجملة الشرطية، في تكرار عرض مشهد العذاب، من خلال أداة الشرط «كلّما» وهناك أيضا صبّ الحميم فوق الرءوس، فيصهر الأمعاء، وما حوته البطون ومقامع الحديد، وثياب من نار، قال تعالى: فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُ

стр. 343

مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ، يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ، وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ، كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ الحج: ١٩ - ٢١. والصورة ترسم الرعب والفزع لهذا العذاب الحسي المؤلم، من خلال تفصيل ثياب من نار، ومقامع الحديد، وصبّ الحميم فوق الرءوس. ويضاف إلى العذاب الحسي، عذاب معنوي، مجسّم في حركة محاولة الخروج من هذا الكرب والغمّ، وأذاقتهم عذاب الحريق، تهكما وسخرية منهم. وهذه الصورة مستمرة أيضا، تعتمد على الجملة الشرطية بأداتها «كلما» الدالة على ذلك، في رسم حركة متخيّلة لأهل النار، والنار تضربهم بلهبها، فترفعهم، حتى إذا كانوا في أعلاها، ضربوا بالمقامع من حديد فهووا إلى أسفلها من جديد، وهكذا يستمر العذاب «٩» بنوعيه الحسي والمعنوي. ولون آخر من العذاب هو لفح الوجوه بالنار، أو تقليبها، أو سحبها، والوجه أكرم ما في الإنسان، فحين يتناول العذاب هذا الجزء، فالمراد بذلك، تحقير شأن أهل النار، لأن هذه الوجوه لم تعرف السجود لخالقها، فهي لا تستحق التكريم. فأهل النار يحشرون على وجوههم عميا وصما وبكما، تهوينا لشأنهم، وإذلالا لهم: وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً الإسراء: ٩٧. ففي الصورة، يجتمع ألوان من العذاب مثل السحب على الوجوه وهم عمي وصم وبكم، زيادة في إهانتهم واحتقارهم بالإضافة إلى حرقهم بالنار المستمرة التي لا تخبو. والسحب على الوجوه أيضا للمجرمين إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ، يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ القمر: ٤٧ - ٤٨. والسحب على الوجوه في الآخرة. يقابل استكبارهم في الدنيا على دعوة الله. ويضاف إلى العذاب الحسي في السحب على الوجوه، عذاب معنوي حين يقال لهم على سبيل التهكم والسخرية ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ. وتزداد هذه الصورة تفصيلا بإدخال عناصر أخرى في تشكيلها، حتى تتضح هيئتهم

стр. 344

وهم يسحبون، كما تسحب الدواب، تطوّق أعناقهم بالأغلال، وأقدامهم بالسلاسل، ثم يسحبون على هذه الصورة في الحميم، الذي سبق تصويره بأنه يذيب الجلود، وما في البطون من أمعاء، ثم يربطون ويحبسون في النار، يقول تعالى في ذلك: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ، فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ غافر: ٧٠ - ٧٢. ولفظ يُسْجَرُونَ غنيّ بالدلالات الموحية بإهانتهم وتحقيرهم. فهو يوحي بربطهم، وسجرهم، كما تسجر الكلاب إلى الساجور «١٠». وأيضا من سجر التنور إذا ملأه بالوقود، فهم مسجورون بالنار، مملوءة بها أجوافهم، كما قال الزمخشري «١١». وأيضا يسجرون أي يوقدون ويحرقون فيها «١٢». وتتنوّع الصور، في الدلالة علي العذاب، ضمن نظام العلاقات بين الصور، فهناك السحب على الوجوه، وأيضا كبّ الوجوه في النار، وربما تكون كبكبة الوجوه أولا، ثم سحبها على هذه الهيئة، فالصورتان تتفاعلان وتترابطان في الدلالة على شدة العذاب. قال تعالى: وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ النمل: ٩٠. والفعل (كبت) يصوّر بجرسه حركة الكبّ العنيفة على الوجوه، من شدة الهول والفزع. كما أن النار تلفح هذه الوجوه دائما، كما تلفح الظهور، دلالة على شمولها لهم، وإحاطتها بهم، وهم يحاولون ردّها، بدون فائدة، قال تعالى: لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ الأنبياء: ٣٩. وتلمس الصورة لون الوجوه، بعد لفحها، قال تعالى: تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ المؤمنون: ١٠٤. والوجوه الكالحة، تجسّم معاناة النفوس، من هذا اللفح بالنار، لأنّ الوجوه، تعبّر عن خفايا النفوس. ويقترن مع لفح الوجوه، التقييد بالأصفاد، واللباس القابل للاشتعال، زيادة في تصوير العذاب، يقول تعالى وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ، سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ، وَتَغْشى

стр. 345

وُجُوهَهُمُ النَّارُ إبراهيم: ٤٩ - ٥٠. والصورة تعتمد علي التخييل الحسي، فالأردية من قطران قابل للاشتعال، بالإضافة إلى سواده وتلطيخه، كما أنهم مقيدون بالأصفاد، إمّا مثنى مثنى أو بتقييد اليدين مع الرجلين، حتى يتمّ غشيان النار وجوههم وهم عاجزون عن ردّها. وهناك صورة أخرى لعذاب الوجوه في النار، وهي تقليبها عليها، حتى تنضج، يقول تعالى: يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا الأحزاب: ٦٦. فالصورة المتخيلة للوجوه تقلّب في النار، لتشملها من كل الجوانب، تثير الفزع في النفوس، ولا غرابة أن نلمس تأثيرها في أصحابها أولا في المشهد المعروض، حين انطلقت عبارات التمنّي والحسرة من أفواههم بعد فوات الأوان. وتكمل الصورة تعذيب الوجوه، برسم لونها الأسود، كأنّما هي قطعة من الليل من شدّة سوادها، يقول الله تعالى: كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ يونس: ٢٧. فالصورة حسية، ولكنها تعبر عن حالة نفسية كثيبة، كما أن الليل قد جسّم، فصار مادة محسوسة، قد مزّق إلى قطع سود، تلتصق على وجوه الكافرين، للإيحاء بشدة السواد. وتربط الصورة بين لون الوجوه في الآخرة، وبين الأعمال في الدنيا، حتى يكون اللون في الآخرة علامة بارزة على الأعمال، تشهيرا بأصحابها على رءوس الأشهاد. قال تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ آل عمران: ١٠٦. فصور تعذيب الوجوه، ليست من قبيل التكرار، بل من قبيل تنويع العذاب، فهي صور مترابطة ضمن نظام العلاقات، لكي تحقق وظائفها النفسية والدينية والفنية. ويكثر تصوير أهل النار مقيدين بالسلاسل والأغلال، للإيحاء بعدم إفلاتهم من العذاب، وملازمته لهم، بالإضافة إلى تحقيرهم، وبيان عجزهم، يقول الله تعالى: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيراً الإنسان: ٤، وقوله أيضا: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ .. غافر: ٧٠ - ٧١. وزيادة في تقريب العذاب من الأذهان، فقد عرضت مجموعة من الصور الحسية في

стр. 346

مشاهد مخيفة عن طعام أهل النار، وشرابهم، ولباسهم. وصور الطعام هي الزقّوم، والضريع، والغسلين. وهذه الصور مرتبطة بأعمال المعذبين، فمنهم من يكون طعامه الزقوم، ومنهم الضريع أو الغسلين، فالعذاب أيضا طبقات «١٣». يقول الله تعالى: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ، عامِلَةٌ ناصِبَةٌ، تَصْلى ناراً حامِيَةً، تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ، لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ، لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ الغاشية: ١ - ٧. ويعتمد التصوير من بداية المشهد المعروض، على الاستفهام لإثارة الذهن، ودفعه إلى تأمل الصور المرعبة المعروضة في مشهد العذاب، ويتبع الاستفهام بالغاشية وهي من صفات القيامة، لأنها تغشى الناس بأهوالها وأحوالها المفزعة، ثم يبدأ باستعراض صور العذاب، بالتفصيل، للتأثير والتخويف من عذاب الله. فالنفوس مكروبة مختنقة، وقد جسّمت حالتها في صورة الوجوه الذليلة المرهقة، وقد تعبت من كثرة السحب والجرّ في الجحيم، والشراب الكاوي من الحميم الذي يذيب البطون والأمعاء، والطعام الشائك السام والقاتل. وقد اجتمعت في العذاب أنواع من الصور اللمسية في الاصطلاء بالنار، والذوقية في الطعام والشراب، والنفسية في استمرار العذاب والمعاناة. فالصورة تلحّ على العذاب الحسّي للأبدان في الطعام والشراب والنار، كما تلحّ على العذاب المعنوي في الخزي المرسوم على ملامح الوجوه الذليلة المرهقة من كثرة العذاب وأنواعه واستمراره. وطعام «الزقّوم» من أشد أنواع العذاب. وقد صوّر الله غرابة هذا الطعام. من خلال شجرة الزقوم الغريبة في منبتها في أصل الجحيم، والغريبة في شكلها التي تشبه رءوس الشياطين. والغريبة في قوة تأثيرها في بطون الكافرين. قال تعالى في ذلك: أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ، إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ، طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ، فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ، ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ، ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ الصافات: ٦٢ - ٦٨. والصورة لطعام الزقّوم، ترسم بالخطوط والهيئات والحركات، لتحقيق الأثر النفسي.

стр. 347

فشجرة الزقّوم تنبت في الجحيم ولا تحترق، ثم طلعها غريب، كغرابة رءوس الشياطين، وهذه الرءوس للشياطين غير مرئية، لكن المخيّلة تستحضر صورتها المفزعة، لهذا بنيت الصورة على أثرها المحسوس في النفوس، ثم يترك للخيال أن يتابع الكافرين، وهم يأكلون الزقّوم أو رءوس الشياطين، ثم تمضي الصورة في رسم الحركة التخييلية الحسّية بعد أن رسمت هول المكان، وأصل الشجرة وشكل ثمارها، فالكافرون يأكلون من هذه الثمار الغريبة فتنتفخ بطونهم منها، وتشاك حلوقهم، فيشربون عليها ماء ساخنا حميما، فيتراكم العذاب عليهم، عذاب النار والطعام والشراب. وفي موضع آخر، تلمس الصور الفنية أثر طعام الزقّوم في البطون، فتغلي أجواف آكليها، فيندفعون يطلبون الماء، فلا يجدون إلا شرب الحميم الكاوي أيضا للبطون، فيشربون منه شرب الهيم بلا ارتواء، قال تعالى في بيان ذلك: لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ، فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ، فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ، فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ الواقعة: ٥٢ - ٥٥، وقوله أيضا: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ، طَعامُ الْأَثِيمِ، كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ، كَغَلْيِ الْحَمِيمِ الدخان: ٤٣ - ٤٤. وشرب الحميم يقطع الأمعاء وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ محمد: ١٥. وهكذا تتكامل صورة الزقوم، من خلال تصوير شجرتها، وثمارها، وآثارها في البطون، وهي صور مترابطة في تحقيق التخويف من عذاب الله، وهي مقترنة مع صورة الحميم، ومتفاعلة معها، في حرق البطون وتقطيع الأمعاء. والطعام الآخر هو الغسلين أو الغساق، وهما بمعنى واحد، ويقصد ما سال من جلود أهل النار عند احتراقهم فيها مثل القيح والصديد وغير ذلك. قال تعالى: فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ الحاقة: ٣٥ - ٣٧، وقوله أيضا: هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ، وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ ص: ٥٧ - ٥٨. أمّا شرابهم فهو الحميم الساخن، الذي يقطع الأمعاء وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ. كما أنّ أثره يمتد إلى الوجوه فيشويها من شدة حرارته المتصاعدة وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً الكهف: ٢٩. أو أنّ شرابهم من الصديد وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ، يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ إبراهيم: ١٦ - ١٧. وأمّا لباسهم فمن نار أيضا: فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ، يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ

стр. 348

رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ .. الحج: ١٩. أو من قطران قابل للاشتعال وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ، سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ .. إبراهيم: ٤٩ - ٥٠. وهذه الصور الحسية، وما بينها من علاقات وروابط، ترسم أشد أنواع العذاب، وأقصى درجاته، لتقريب صورته من أذهان الناس، ويبقى عذاب الله أشد وأقسى من هذه الصور التقريبية. فنار الله تتحرق وتتلظى، وتنزع الجلود نزعا عنيفا. كسلخ جلود الشياه كَلَّا إِنَّها لَظى وهناك مشاهد للمعذبين في النار، تكشف عن شدّة معاناتهم، وحوارهم وخصامهم، ويأسهم من الخروج، ومحاولتهم التوسط، لتخفيف العذاب، ولو يوما واحدا. قال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ، قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ غافر: ٤٩ - ٥٠. ويكشف الستار في هذا المشهد عن أهل النار، وهم يتضرعون، ولا يستجاب لهم، ويذكرون بماضيهم في الدنيا، حين كذبوا بالرسل، ويسدل عليهم بعد تيئيسهم وتوبيخهم. ويكشف الستار عن مشهد آخر لهم وهم يائسون، يتمنّون الهلاك والموت، بل يطلبون من مالك خازن النار أن يقضي الله عليهم بالموت ليرتاحوا من العذاب، ولكنهم لا يجابون أيضا: قال تعالى: وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ الزخرف: ٧٧. كما أنّهم في حالة تخاصم، وتبادل الاتهامات، والشتائم، وتمنّى أحدهم للآخر عذابا مضاعفا، قال الله تعالى: هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ، قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ، قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ ص: ٥٩ - ٦١. وهم أذلاء، يستنجدون بأهل الجنة في مشهد موح فيه تذكير بماضيهم، وترذيل لأفعالهم قال تعالى: وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ، قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ الأعراف: ٥٠.

стр. 349

وبهذا المشهد يكتمل تصوير أهل النار، وما هم عليه من ألوان العذاب، فلا خروج، ولا إفلات، ولا تخفيف من العذاب، بل هو عذاب دائم خالد، في نار حامية، كثيفة الدخان، تحرق الأجساد، وتكويها. وهكذا رأينا كيف تكمل الصور بعضها بعضا في رسم أهوال النار، ابتداء من سعتها وأبوابها الموصدة، ووقودها الناس والحجارة، وشدة حرّها وزفيرها وكثافة دخانها الخانق، وضخامة شرارها المتطاير، وإحاطتها بأهلها إحاطة تامة، وإغلاق أبوابها عليهم، وتقييدهم بالسلاسل والأغلال والأصفاد، وأذاقتهم أنواعا من العذاب، مثل إنضاج الجلود، ولفح الوجوه وتقليبها، وسحبها، وطعام الزقوم، وشرب الحميم، ومقامع الحديد، وانتهاء بمجالس أهل النار ومشاهدهم فيها كما بينا مما يؤكد نظام العلاقات بين الصور في تحقيق وظائف الصورة. وتقابل مشاهد العذاب في النار، مشاهد النعيم في الجنة، وهي مشاهد حية شاخصة، وكأنّها حاضرة. وصور النعيم أيضا تسير على نظام العلاقات، لتحقيق وظيفة الصورة الدينية كما بيّنا سابقا. وهي مستمدّة من مألوف الناس، وما تعارفوا عليه من أنواع النعيم، كما كانت في مشاهد العذاب أيضا، ولكن القرآن الكريم يرقى بهذه الصور الحسية، فيجعلها متشابهة في الظاهر مع النعيم الحسي في الدنيا فحسب، بيد أن مذاقاتها وطعومها مختلفة. ويبدأ تصوير مشاهد النعيم، بفتح الآفاق أمام الخيال ليتصوّر ما شاء من أنواع النعيم وألوانه، وذلك حين يستره، ولا يظهره في التعبير إلا عن طريق الإيحاء به، كقوله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ السجدة: ١٧. فهو نعيم تقرّ به العيون، ويترك للخيال أن يستحضر أنواعه، وتلتذّ النفس بالتشوّق إليه، وكأنّ الصورة هنا تريد الإيحاء من هذا الإجمال بأنه نعيم لا مثيل له، ولكنّ الصورة فصلّت في أنواع هذا النعيم في مواضع أخرى. ابتداء من تصوير سعة الجنة، وأبوابها، وأنهارها. وجمالها، وطعام أهلها، وشرابهم ولباسهم، ومجالسهم، وانتهاء بمشاهد اطلاعهم على أهل النار وحوارهم معهم. وقد رسمت الصورة مساحة واسعة للجنة، من خلال ما يدركه عقل الإنسان من المساحات

стр. 350

الواسعة، قال تعالى: سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ الحديد: ٢١. وهذه المساحة الواسعة، تتلاءم مع أنواع النعيم، الذي لا نظير له فيها، وبذلك تتسع مساحة الجنة في حسّ الإنسان وشعوره، وتتضاءل الدنيا بما فيها من ملذّات ومتاع. ثم ترسم الصورة أبوابها، وخزنتها من الملائكة. زيادة في التكريم والترحيب بأهلها، قال تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ، وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ الزمر: ٧٣ - ٧٤. والسوق هنا، هو سوق مراكبهم إلى دار الكرامة والرضوان، لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين فشتان ما بين سوق المؤمنين إلى الجنة زمرا، وسوق الكافرين إلى النار زمرا «١٤». ومشهد أهل الجنة حافل بالحركة والحفاوة والترحيب، ومشاعر السرور، والفرحة، وعبارات الثناء والتكريم، فالملائكة يستقبلونهم بكلمات الترحيب، والتذكير بماضيهم طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ، ومشاعر السرور مجسّمة في صورة الدعاء: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ. والحركة المصوّرة، تبدأ من مشهد إقبالهم نحو الجنة على هيئة وفود، وجماعات، ثم تستمر عند أبواب الجنة حين تفتح لهم، مع عبارات السلام والثناء من الملائكة، ثم تستمرّ حركة المشهد بعد دخولهم الجنة، فتجسّم مشاعرهم في صورة دعاء وحمد لله، بعد أن تبوّأ كل واحد مكانه فيها، واطمأن، واستقر. ويجتمع الآباء والأزواج والذرية في مشهد النعيم، وتشاركهم أيضا الملائكة في هذا السرور. قال : أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها، وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ الرعد: ٢٣ - ٢٤. وذكر الأقارب والأحباب في المشهد، يلامس المشاعر والقلوب، ويوحي بالعمل الصالح الذي يجمعهم كلّهم في مشهد النعيم.

стр. 351

وهو مشهد حيّ يعرض كأنّه حاضر. نراه في حركة دخول الملائكة من كل باب، وهم يلقون التحية والسلام، ويذكرونهم بما كان منهم من صبر على العمل الصالح. ومن نعم الجنة، كثرة الأنهار الجارية فيها، وهي أنهار متنوّعة. يقول تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى، وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ، وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ محمد: ١٥. فالشراب يناسب كل الأذواق، والله أعلم بما يفضله البشر من أنواع النعيم الحسي. لذلك جاء هذا التنويع في الشراب ليلبي رغبات البشر، ويستثير فيهم شوقهم إلى الجنة. والمشهد هنا كلّه أشربة، وهي أنهار أيضا، لتوحي بالكثرة والوفرة، والديمومة وعدم الانقطاع. ولكنّ هذه الأشربة، وإن كانت معروفة لدى الناس في الدنيا، طعمها مختلف، ونوعها أجود، ثم تضاف أنواع الثمرات، إلى مشهد الشراب، ليكتمل النعيم الحسي، وقد تركت الثمرات مجملة بدون تفصيل لاستثارة الخيال، كي يستحضر أنواعها، وطعومها، وألوانها وأشكالها. وهناك النعيم المعنوي إلى جانب النعيم الحسي، ويتمثّل في المغفرة من الله. وإلى جانب أنهار الجنة، هناك العيون الكثيرة. قال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ الحجر: ٤٥، إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ المرسلات: ٤١، فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ الرحمن: ٥٠، فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ الرحمن: ٦٦، إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً، عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ، يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً الإنسان: ٥ - ٦، عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ المطففين: ٢٨، عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا الإنسان: ١٨. وهذا التنويع للعيون، يقصد به مراعاة، مراتب أهل الجنة، من ناحية، وحثّ الإنسان، واستثارة عاطفته لهذا النعيم الخاص، من ناحية أخرى. كما أنّ الصورة، تناولت «بناء الجنة» على شكل غرف حينا، وقصور ضخمة، أو مساكن، حينا آخر، قال تعالى: وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ التوبة: ٧٢، وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ سبأ: ٣٧، أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا، وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً الفرقان: ٧٥. وهي غرف مبنية بعضها فوق بعض على شاكلة القصور لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ الزمر: ٢٠.

стр. 352

وهناك الخيام المعروفة لدى العرب أيضا حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ الرحمن: ٧٢. فبناء الجنة، يوافق كل الأذواق لدى البشر، حضره، وبدوه، كما يشبع حاسة الجمال لدى الإنسان. فهي غرف مبنية بعضها فوق بعض، والخيال يتملّى صورتها على هذا الشكل الجميل، ويسرح بما فيها من أنواع الزينة والنعيم. وهذه الصورة للنعيم تقابل صورة العذاب في صورة ظلل النار من فوقهم ومن تحتهم. فالصورتان متقابلتان من حيث هيئة البناء وشكله، ولكنه للكافرين بناء من نار وظل ودخان، وللمؤمنين بناء محكم جميل على شكل طوابق، تمتع النظر والخيال. ثم يصوّر القرآن الكريم أشجار الجنة، وأنواعها، وثمارها، ففيها أشجار العنب والنخل والرمان والفاكهة، كما فيها أشجار السدر والطلح. يقول الله تعالى: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً، حَدائِقَ وَأَعْناباً النبأ: ٣١ - ٣٢. فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ الرحمن: ٦٩، وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ، فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ، وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ، وَظِلٍّ مَمْدُودٍ، وَماءٍ مَسْكُوبٍ، وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ، لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ الواقعة: ٢٧ - ٣٣، وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ الواقعة: ٢٠، وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ المرسلات: ٤٢. فالصور هذه حسية مألوفة لدى الإنسان في الدنيا، وقد ذكرت هنا في نعيم الآخرة، لتقريب الصورة من الأذهان ولو أن الله خاطب الإنسان بصور لا يعرفها ما كان للجنة هذا التأثير في النفوس. ولكن ثمار الجنة، لا تشبه الثمار في الدنيا إلا من حيث الشكل والاسم، وأما طعومها فمختلفة، يقول الله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ البقرة: ٢٥. وتشابه الثمار في المظهر، مع اختلاف طعومها، يحقّق المفاجأة العزيزة لأهل الجنة من حيث لا يتوقعون، مع شيء من المداعبة، لأهل النعيم، تزيدهم سرورا وشعورا بلذة هذا النعيم، بالإضافة إلى إبراز مظاهر قدرة الله سبحانه في وضع الفروق بين المتشابه، وتعدد الأنواع، والمظهر متقارب «١٥».

стр. 353

وترسم الصورة أشجار الجنة بأغصانها، وفروعها، وألوانها، وثمارها الدانية، وما يصاحبها من ظلال ظليلة، حتى تكتمل صورة جمال أشجارها، مع حركة ظلالها الممدودة، وتتناسق مع جمال بنائها والأنهار، والعيون الجارية فيها. يقول الله تعالى: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ، ذَواتا أَفْنانٍ الرحمن: ٤٦ - ٤٨. وقوله في لون أشجارها الشديدة الخضرة: وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ، مُدْهامَّتانِ الرحمن: ٦٢ - ٦٤. وقوله في قطوفها الدانية: وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا الإنسان: ١٤، وفي ظلّها الظليل يقول تعالى: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ الواقعة: ٣٠، وقوله أيضا: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ المرسلات: ٤١. ومنظر الظلال جميل مبهج للنفوس، ومريح لها، وهو يقابل هنا صورة الظلل الخانقة للنار. وهذا التصوير لمساحة الجنة، وبنائها، وقصورها وغرفها وخيامها، وحدائقها وأشجارها وأنهارها وعيونها، وثمارها الدانية، وظلالها الممتدة، هو تصوير خارجي للمكان، ثم يمضي تصوير الجنة من الداخل وما فيها من ألوان النعيم، تشمل طعام أهل الجنة، وشرابهم، ولباسهم، وزينتهم، ومجالسهم وزوجاتهم ونحو ذلك. حتى يكتمل تصوير النعيم من الخارج والداخل، في صور فنية موحية ومؤثرة. فالطعام متنوّع، حسب ما تشتهي النفوس يقول الله تعالى: وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ الزخرف: ٧١، وقوله أيضا: وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ الواقعة: ٢١. والشراب كذلك متنوع أيضا. يقول تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً الإنسان: ٥، وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا الإنسان: ١٧، وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ المطففين: ٢٧. وهذه صور حسية ذوقية، تقابل الصور الذوقية لأهل النار، لإيضاح الفروق بين ألوان النعيم، وأنواع العذاب. ومن أنواع الشراب في الجنة «الخمر» ولكنها خمرة خالية من العيوب، والآثار السيئة.

стр. 354

وشتان بين خمرة الدنيا التي تذهب العقول، وتصدع الرءوس، وبين خمرة الجنة الصافية الرائقة الخالية من هذه الآفات، يقول تعالى فيها: يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ بَيْضاءَ، لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ، لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ الصافات: ٤٥ - ٤٧. وهي مختومة، ورائحتها كالمسك يقول تعالى: يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ، خِتامُهُ مِسْكٌ المطففين، ٢٥ - ٢٦. وأواني الطعام والشراب، من ذهب أو فضة، زيادة في التكريم والتنعّم، يقول تعالى: يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ الزخرف: ٧١، وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا، قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً الإنسان: ١٥ - ١٦. وهذه صور حسية بصرية، تشبع رغبة النفوس في تذوق الجمال الحسي، تضاف إلى الصور الذوقية في الطعام والشراب. والأواني أيضا متنوعة منها الأكواب والأباريق والكئوس، يقول تعالى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ، بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ الواقعة: ١٧ - ١٨. وثياب أهل الجنة من الحرير الزاهي الألوان، كما يتحلّون بأساور الذهب والفضة واللؤلؤ. يقول تعالى: يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ الحج: ٢٣. وقوله أيضا: وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً الإنسان: ٢١. ولون الثياب خضر من سندس وإستبرق يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً الكهف: ٣١. عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ، وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ الإنسان: ٢١. كما أن هناك أنواعا أخرى من النعيم، معروضة في صورة حسية مترفة. فأماكن الجلوس، مفروشة بالسجاجيد، والبسط، والوسائد، وفيها السرر المرفوعة الراقية، وهي مفروشة بتناسق وانسجام وجمال حتى تدخل السرور إلى النفوس، وتمتع الأبصار قال تعالى: فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ، وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ، وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ الغاشية: ١٣ - ١٦. مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ الرحمن: ٥٤، مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ الطور: ٢٠، ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ، وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ، عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ، مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ الواقعة: ١٣ - ١٦.

стр. 355

وصورة الخدم لأهل الجنة، توحي بالإكرام والإعزاز لهم، وتزيد من ألوان النعيم. قال تعالى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ، بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ الواقعة: ١٧ - ١٨. فهي حركة دائبة. في خدمة أهل الجنة، والتطواف بهم، لتلبية رغباتهم. وهؤلاء الخدم كأنهم اللؤلؤ المنثور وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً الإنسان: ١٩. وهناك أيضا الحور العين كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ الدخان: ٥٤. وترسم الصورة جمال الحوريات، فهنّ سود العيون (حور عين) وهنّ متقاربات في السنّ، خلقهن الله كواعب أترابا. إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً حَدائِقَ وَأَعْناباً وَكَواعِبَ أَتْراباً النبأ: ٣١ - ٣٣. وخلقهن عربا أبكارا إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً، فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً، عُرُباً أَتْراباً الواقعة: (٣٥ - ٣٧). وقد صورهنّ القرآن في جمالهنّ وصفائهنّ باللؤلؤ المكنون: وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ الواقعة: ٢٢ - ٢٣، وتوحي صورة اللؤلؤ المكنون أنهنّ مصونات ولسن متبذلات. ويصورهنّ القرآن أيضا بالياقوت والمرجان، بالإضافة إلى الجمال المعنوي فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ، كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ الرحمن: ٥٦ - ٥٨. وهناك حور عين في الخيام أيضا: حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ الرحمن: ٧٢. ونساء الجنة يختلفن عن نساء الدنيا فهنّ مطهرات وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ البقرة: ٢٥. فهذه الصور الحسية للنعيم، صور تقريبية، لأنها تعبّر عن أقصى ما يدركه العقل الإنساني من النعيم المادي، لذلك جاءت هذه الصور من النوع المألوف لدى الإنسان، حتى تشوّقه إلى الجنة، والعمل لها. وفي مقابل وجوه أهل النار السود الذليلة، وجوه أهل الجنة الناعمة الراضية وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ لِسَعْيِها راضِيَةٌ الغاشية: ٨ - ٩. وتجسّم قسمات الوجوه النفوس المطمئنة بنعيم الجنة تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ المطففين: ٢٤. ولكنّ القرآن الكريم، لا يقيد النعيم الأخروي في إطار هذه الصور المعروضة، وإنما يفتح
следующие страницы →