وهو مشهد حيّ يعرض كأنّه حاضر. نراه في حركة دخول الملائكة من كل باب، وهم يلقون التحية والسلام، ويذكرونهم بما كان منهم من صبر على العمل الصالح.
ومن نعم الجنة، كثرة الأنهار الجارية فيها، وهي أنهار متنوّعة. يقول تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى، وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ، وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ محمد: ١٥.
فالشراب يناسب كل الأذواق، والله أعلم بما يفضله البشر من أنواع النعيم الحسي.
لذلك جاء هذا التنويع في الشراب ليلبي رغبات البشر، ويستثير فيهم شوقهم إلى الجنة.
والمشهد هنا كلّه أشربة، وهي أنهار أيضا، لتوحي بالكثرة والوفرة، والديمومة وعدم الانقطاع. ولكنّ هذه الأشربة، وإن كانت معروفة لدى الناس في الدنيا، طعمها مختلف، ونوعها أجود، ثم تضاف أنواع الثمرات، إلى مشهد الشراب، ليكتمل النعيم الحسي، وقد تركت الثمرات مجملة بدون تفصيل لاستثارة الخيال، كي يستحضر أنواعها، وطعومها، وألوانها وأشكالها. وهناك النعيم المعنوي إلى جانب النعيم الحسي، ويتمثّل في المغفرة من الله.
وإلى جانب أنهار الجنة، هناك العيون الكثيرة. قال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ الحجر: ٤٥، إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ المرسلات: ٤١، فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ الرحمن: ٥٠، فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ الرحمن: ٦٦، إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً، عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ، يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً الإنسان: ٥ - ٦، عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ المطففين: ٢٨، عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا الإنسان: ١٨.
وهذا التنويع للعيون، يقصد به مراعاة، مراتب أهل الجنة، من ناحية، وحثّ الإنسان، واستثارة عاطفته لهذا النعيم الخاص، من ناحية أخرى.
كما أنّ الصورة، تناولت «بناء الجنة» على شكل غرف حينا، وقصور ضخمة، أو مساكن، حينا آخر، قال تعالى: وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ التوبة: ٧٢، وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ سبأ: ٣٧، أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا، وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً الفرقان: ٧٥.
وهي غرف مبنية بعضها فوق بعض على شاكلة القصور لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ الزمر: ٢٠.
стр. 352
وهناك الخيام المعروفة لدى العرب أيضا حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ الرحمن: ٧٢. فبناء الجنة، يوافق كل الأذواق لدى البشر، حضره، وبدوه، كما يشبع حاسة الجمال لدى الإنسان.
فهي غرف مبنية بعضها فوق بعض، والخيال يتملّى صورتها على هذا الشكل الجميل، ويسرح بما فيها من أنواع الزينة والنعيم. وهذه الصورة للنعيم تقابل صورة العذاب في صورة ظلل النار من فوقهم ومن تحتهم. فالصورتان متقابلتان من حيث هيئة البناء وشكله، ولكنه للكافرين بناء من نار وظل ودخان، وللمؤمنين بناء محكم جميل
على شكل طوابق، تمتع النظر والخيال.
ثم يصوّر القرآن الكريم أشجار الجنة، وأنواعها، وثمارها، ففيها أشجار العنب والنخل والرمان والفاكهة، كما فيها أشجار السدر والطلح. يقول الله تعالى: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً، حَدائِقَ وَأَعْناباً النبأ: ٣١ - ٣٢.
فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ الرحمن: ٦٩، وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ، فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ، وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ، وَظِلٍّ مَمْدُودٍ، وَماءٍ مَسْكُوبٍ، وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ، لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ الواقعة: ٢٧ - ٣٣، وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ الواقعة: ٢٠، وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ المرسلات: ٤٢.
فالصور هذه حسية مألوفة لدى الإنسان في الدنيا، وقد ذكرت هنا في نعيم الآخرة، لتقريب الصورة من الأذهان ولو أن الله خاطب الإنسان بصور لا يعرفها ما كان للجنة هذا التأثير في النفوس.
ولكن ثمار الجنة، لا تشبه الثمار في الدنيا إلا من حيث الشكل والاسم، وأما طعومها فمختلفة، يقول الله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ البقرة: ٢٥.
وتشابه الثمار في المظهر، مع اختلاف طعومها، يحقّق المفاجأة العزيزة لأهل الجنة من حيث لا يتوقعون، مع شيء من المداعبة، لأهل النعيم، تزيدهم سرورا وشعورا بلذة هذا النعيم، بالإضافة إلى إبراز مظاهر قدرة الله سبحانه في وضع الفروق بين المتشابه، وتعدد الأنواع، والمظهر متقارب «١٥».
стр. 353
وترسم الصورة أشجار الجنة بأغصانها، وفروعها، وألوانها، وثمارها الدانية، وما يصاحبها من ظلال ظليلة، حتى تكتمل صورة جمال أشجارها، مع حركة ظلالها الممدودة، وتتناسق مع جمال بنائها والأنهار، والعيون الجارية فيها.
يقول الله تعالى: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ، ذَواتا أَفْنانٍ الرحمن: ٤٦ - ٤٨.
وقوله في لون أشجارها الشديدة الخضرة: وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ، مُدْهامَّتانِ الرحمن: ٦٢ - ٦٤.
وقوله في قطوفها الدانية: وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا الإنسان: ١٤، وفي ظلّها الظليل يقول تعالى: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ الواقعة: ٣٠، وقوله أيضا: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ المرسلات: ٤١.
ومنظر الظلال جميل مبهج للنفوس، ومريح لها، وهو يقابل هنا صورة الظلل الخانقة للنار.
وهذا التصوير لمساحة الجنة، وبنائها، وقصورها وغرفها وخيامها، وحدائقها وأشجارها وأنهارها وعيونها، وثمارها الدانية، وظلالها الممتدة، هو تصوير خارجي للمكان، ثم يمضي تصوير الجنة من الداخل وما فيها من ألوان النعيم، تشمل طعام أهل الجنة، وشرابهم، ولباسهم، وزينتهم، ومجالسهم وزوجاتهم ونحو ذلك. حتى يكتمل تصوير النعيم من الخارج والداخل، في صور فنية موحية ومؤثرة.
فالطعام متنوّع، حسب ما تشتهي النفوس يقول الله تعالى: وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ الزخرف: ٧١، وقوله أيضا: وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ الواقعة: ٢١.
والشراب كذلك متنوع أيضا. يقول تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً الإنسان: ٥، وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا الإنسان: ١٧، وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ المطففين: ٢٧.
وهذه صور حسية ذوقية، تقابل الصور الذوقية لأهل النار، لإيضاح الفروق بين ألوان النعيم، وأنواع العذاب.
ومن أنواع الشراب في الجنة «الخمر» ولكنها خمرة خالية من العيوب، والآثار السيئة.
стр. 354
وشتان بين خمرة الدنيا التي تذهب العقول، وتصدع الرءوس، وبين خمرة الجنة الصافية الرائقة الخالية من هذه الآفات، يقول تعالى فيها: يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ بَيْضاءَ، لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ، لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ الصافات: ٤٥ - ٤٧.
وهي مختومة، ورائحتها كالمسك يقول تعالى: يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ، خِتامُهُ مِسْكٌ المطففين، ٢٥ - ٢٦.
وأواني الطعام والشراب، من ذهب أو فضة، زيادة في التكريم والتنعّم، يقول تعالى:
يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ الزخرف: ٧١، وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا، قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً الإنسان: ١٥ - ١٦.
وهذه صور حسية بصرية، تشبع رغبة النفوس في تذوق الجمال الحسي، تضاف إلى الصور الذوقية في الطعام والشراب.
والأواني أيضا متنوعة منها الأكواب والأباريق والكئوس، يقول تعالى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ، بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ الواقعة: ١٧ - ١٨.
وثياب أهل الجنة من الحرير الزاهي الألوان، كما يتحلّون بأساور الذهب والفضة واللؤلؤ. يقول تعالى: يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ الحج: ٢٣.
وقوله أيضا: وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً الإنسان: ٢١.
ولون الثياب خضر من سندس وإستبرق يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً الكهف: ٣١.
عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ، وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ الإنسان: ٢١.
كما أن هناك أنواعا أخرى من النعيم، معروضة في صورة حسية مترفة.
فأماكن الجلوس، مفروشة بالسجاجيد، والبسط، والوسائد، وفيها السرر المرفوعة الراقية، وهي مفروشة بتناسق وانسجام وجمال حتى تدخل السرور إلى النفوس، وتمتع الأبصار قال تعالى: فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ، وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ، وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ الغاشية: ١٣ - ١٦.
مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ الرحمن: ٥٤، مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ الطور: ٢٠، ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ، وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ، عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ، مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ الواقعة: ١٣ - ١٦.
стр. 355
وصورة الخدم لأهل الجنة، توحي بالإكرام والإعزاز لهم، وتزيد من ألوان النعيم. قال تعالى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ، بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ الواقعة: ١٧ - ١٨.
فهي حركة دائبة. في خدمة أهل الجنة، والتطواف بهم، لتلبية رغباتهم.
وهؤلاء الخدم كأنهم اللؤلؤ المنثور وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً الإنسان: ١٩.
وهناك أيضا الحور العين كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ الدخان: ٥٤.
وترسم الصورة جمال الحوريات، فهنّ سود العيون (حور عين) وهنّ متقاربات في السنّ، خلقهن الله كواعب أترابا. إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً حَدائِقَ وَأَعْناباً وَكَواعِبَ أَتْراباً النبأ: ٣١ - ٣٣.
وخلقهن عربا أبكارا إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً، فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً، عُرُباً أَتْراباً الواقعة: (٣٥ - ٣٧).
وقد صورهنّ القرآن في جمالهنّ وصفائهنّ باللؤلؤ المكنون: وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ الواقعة: ٢٢ - ٢٣، وتوحي صورة اللؤلؤ المكنون أنهنّ مصونات ولسن متبذلات.
ويصورهنّ القرآن أيضا بالياقوت والمرجان، بالإضافة إلى الجمال المعنوي فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ، كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ الرحمن: ٥٦ - ٥٨.
وهناك حور عين في الخيام أيضا: حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ الرحمن: ٧٢.
ونساء الجنة يختلفن عن نساء الدنيا فهنّ مطهرات وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ البقرة: ٢٥.
فهذه الصور الحسية للنعيم، صور تقريبية، لأنها تعبّر عن أقصى ما يدركه العقل الإنساني من النعيم المادي، لذلك جاءت هذه الصور من النوع المألوف لدى الإنسان، حتى تشوّقه إلى الجنة، والعمل لها.
وفي مقابل وجوه أهل النار السود الذليلة، وجوه أهل الجنة الناعمة الراضية وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ لِسَعْيِها راضِيَةٌ الغاشية: ٨ - ٩.
وتجسّم قسمات الوجوه النفوس المطمئنة بنعيم الجنة تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ المطففين: ٢٤.
ولكنّ القرآن الكريم، لا يقيد النعيم الأخروي في إطار هذه الصور المعروضة، وإنما يفتح
стр. 356
عقل الإنسان، وخياله للمزيد من هذا النعيم.
وهذا النعيم المادي، يختلف عن نعيم الدنيا من حيث الطعوم وغيرها من ناحية، ولأنّه يقدّم للإنسان بدون جهد منه من ناحية أخرى، بالإضافة إلى خلود هذا النعيم، وعدم انقطاعه.
وهناك أيضا النعيم المعنوي ويتمثّل في مجالس أهل الجنة، وما فيها من سمر وسرور، وأحاديث، وتزاور، قال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ، وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ، لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ الحجر: ٤٥ - ٤٨.
فأهل الجنة متحابّون، أصفياء، لا غلّ في صدورهم، ومجالسهم، كلّها سرور ونعيم، ليس فيها لغو الحديث، ولا الكذب، مما كان يكدّر مجالس الدنيا، أو ممّا هو معروف عن
مجالس أهل النار.
قال تعالى: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً النبأ: ٣٥ - ٣٦.
وهناك النعيم الأكبر، وهو لذّة القرب من الله : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ القمر: ٥٤ - ٥٥.
ويصوّر القرآن الكريم، مشاهد من مجالس أهل الجنة، وما يدور بينهم من أحاديث، وتذكّر الماضي في الدنيا زيادة في المتعة والنعيم. قال تعالى: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ، قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ، فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ، إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ الطور: ٢٥ - ٢٨.
ومشهد أهل الجنة هنا، وهم يتبادلون الأحاديث والذكريات بهدوء وحبّ، يقابل مشهد أهل النار، وهم في خصام وجدال واتهام وشتائم ... وهذه طريقة القرآن الكريم في المقابلة بين مشاهد النعيم ومشاهد العذاب، حتى يتحقّق الغرض الديني من التصوير.
ويصوّر القرآن الكريم، مشهدا لأحد أهل الجنة، وهو يقصّ على أصحابه ذكرياته الماضية في الدنيا، وأنّه كان له قرين يكذب بالحساب، فأحبّ أن يعرف أخباره، فاطّلع فرآه في سواء الجحيم، يقول تعالى: فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ، قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ، إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ، يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ، أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ، قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ،
стр. 357
فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ، قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ، وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ، أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ، إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ الصافات: ٥٠ - ٦١.
فهذا المشهد، يصوّر حديث أهل الجنة الهادئ السامر، يتحدثون عن ماضيهم بكل ما فيه من صور ذهنية مختزنة في ذاكرتهم عن أشخاص معينين، ومواقف، وأحداث.
والمشهد حيّ شاخص، فيه الحوار الدائر بين الأشخاص، وفيه الذكريات، والحركة، والانتقال من مشهد النعيم إلى مشهد العذاب، كذلك فيه الحوار الدائر، بين صديقين في الدنيا، أحدهما من أهل الجنة والآخر من أهل النار، فيه تذكير بالمواقف والأفكار.
وهذا المشهد يكشف عن مجالس أهل الجنة الهادئة وما فيها من سمر وطمأنينة، ويرفع الستار عن المشهد، وفيه واحد منهم يقصّ على أصحابه ماضيه، وذكرياته مع صديق له، ثم فجأة ينتقل المشهد إلى صاحبه في النار، ثم يبدأ الحوار بين رجل الجنة وقرينه. وتتّضح المواقف، والحقائق ثم يسدل الستار.
ويصوّر القرآن مشاهد الحوار بين أهل الجنة وأهل النار، لتوبيخ أهل النار وتبكيتهم، وإظهار نعمة الله على أهل الجنة، يقول تعالى: وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الأعراف: ٤٤.
كما يعرض القرآن الكريم صورة لأهل الجنة وهم يسخرون من أهل النار. قال تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ، وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ، وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ، وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ، فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ، عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ، هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ المطففين: ٢٩ - ٣٦.
وهنا يتقابل مشهدان، مشهد الماضي، وفيه يعرض موقف المجرمين من أهل الإيمان وسخريتهم منهم، واتهامهم بالضلال والغباء ونحو ذلك وعرض هذا المشهد الماضي في مشاهد القيامة والإطالة فيه، يقصد به تذكير المجرمين بأفعالهم وأقوالهم. وفي المشهد الثاني المقابل، تتغيّر فيه صورة الماضي فالمؤمنون هم الذين يسخرون من المجرمين، ويضحكون
стр. 358
من أهل الجحيم.
والتقابل بين المشهدين، له أثره في التوجيه، والتأثير الديني.
وبعد هذا الاستعراض المطوّل لمشاهد القيامة، يمكننا القول بأن الصورة الفنية، قد رسمت تلك المشاهد بدقّة وعناية، معتمدة على التصوير المتدرّج، والمترابط. ضمن نظام العلاقات بين الصور أو المشاهد.
وقد شكّلت هذه المشاهد في النهاية بناء محكما ونسيجا موحدا وتصميما متميزا، ضمن الأسلوب القرآني ولكنّها ليست معزولة عن أنساق الصور الأخرى، بل هي متفاعلة معها، ومترابطة بها. ضمن نظام العلاقات التصويرية والتعبيرية والفكرية، الذي هو القاعدة التي يقوم عليها الأسلوب القرآني.
ثم إن هذه المشاهد تكوّن، وحدة مترابطة، ضمن الأسلوب القرآني أيضا.
فإذا أعدنا النظر فيها، نلاحظ أنها بدأت بتصوير النفخة في الصور، إيذانا بالانتقال إلى عالم جديد، يختلف في قوانينه عن عالم الدنيا.
وبعد هذه الإشارة أو العلامة على انتهاء الدنيا، تبدأ الصورة برسم مشاهد الفناء لعالم الدنيا، بأرضه وسمائه، وجباله، وبحاره، وشمسه، ونجومه، وما فيه من مخلوقات أيضا.
ولكنّ مشاهد الفناء الكونية والإنسانية، لم تطل، حتى لا تنطبع صورة الفناء طويلا في ذهن الإنسان، فيعتقد أنه النهاية للعالم، وإنما تبدأ مشاهد حياة جديدة، بنفخة في الصور جديدة، تصاحبها حركة خروج، وانبعاث من القبور، ثم حركة انتشار وفوضى، تعقبها حركة تجمّع، في صفوف منتظمة في مشاهد الحشر، للحساب والجزاء.
ثم تبدأ الصورة برسم مشاهد الحساب، بما فيه من وزن وميزان وأعمال حاضرة وشهود وحاكم، ثم يقضى بين الناس، بعد استعراض سجل أعمال الإنسان، وإقامة الحجة عليه من نفسه وحواسه، التي تشهد عليه مع شهادة الملكين والرسل، وسجل أعماله.
ثم يتوزّع الناس حسب أعمالهم، إما إلى الجنة، وإمّا إلى النار ثم يبدأ تصوير مشاهد الجنة، من خارجها أولا، فترسم مساحتها الواسعة، وما في هذه المساحة من أشجار، وأنهار، وحدائق وعيون، ثم يقترب التصوير من بناء الجنة، فيرسم أبوابها، وحرّاسها وشكل هذا البناء الشاهق، على شكل غرف بعضها فوق بعض، أو قصور،
стр. 359
ثم ينفذ التصوير إلى رسم الجنة من داخلها فينقل لنا مشاهد النعيم في الطعام والشراب واللباس والزينة، والأثاث، ومجالس أهل الجنة وما فيها من سمر وأحاديث، وذكريات، ثم يرسم مشاهد حوار أهل الجنة مع أهل النار. فالمشاهد للنعيم مترابطة، تستوفي أقصى ما يتصوره الإنسان من أنواع النعيم اللذيذ.
ويسير تصوير مشاهد النار، على النسق نفسه، فتعرض متقابلة مع مشاهد الجنة، لإبراز الفروق بين الاثنين.
فيبدأ تصوير النار، برسم مساحتها الواسعة أيضا، وخزنتها الغلاظ، وأبوابها، ووقودها من الناس والحجارة، وحرّها، ودخانها، وشرارها المتطاير الضخم.
ثم يبدأ تصوير عذابها من داخل النار، فترسم مشاهد العذاب المخيف مثل إنضاج الجلود، والصهر، واللفح وتسويد الوجوه، وتقليبها على النار، وسحبها، كذلك الربط بالسلاسل والأغلال والأصفاد، والضرب بالمقامع من حديد. كما ترسم الصورة طعام أهل النار من الزقوم، والصديد، والقيح، وشرابهم من الحميم، والغسّاق، ولباسهم من نار.
كما ترسم مشاهد أهل النار وهم فيها يتخاصمون، ويتبادلون الاتهامات والشتائم، ويتوسطون لدى خزنة النار بأن يخفف الله عنهم يوما واحدا من العذاب، ثم يتوسطون لدى مالك خازن النار، أن يطلب من الله أن يهلكهم ليستريحوا من العذاب، ثم مشاهد وهم يتوسطون أهل الجنة أن يفيضوا عليهم بعض أنواع النعيم ... وهكذا.
فالمشاهد للنعيم والعذاب، تسير في خط متقابل، لتحقيق الغرض الديني في الترغيب والترهيب.
لأن هذه المشاهد، تعرض على الإنسان، وهو ما زال في الدنيا، وبإمكانه أن يختار نهاية لحياته على بصيرة، ومعرفة بالعواقب والنتائج لأعماله في الدنيا.
стр. 360
الباب الثالث الوظائف البعيدة للصّورة الفنّيّة في القرآن الكريم
الفصل الأول: الوظيفة الفنّيّة.
الفصل الثاني: الوظيفة النّفسيّة.
الفصل الثالث: الوظيفة العقليّة.
الفصل الرابع: الوظيفة الدينيّة.
стр. 361
- بين يدي الباب:
ترتبط هذه الوظائف، بالوظائف القريبة، وتتلاحم معها، ضمن نظام العلاقات بين وظائف الصورة الفنية في القرآن الكريم، لإيضاح الحقائق الدينية أو الرؤية الإسلامية المتكاملة للكون والحياة والإنسان.
وهو ما عبّر عنه الجرجاني ب «معنى المعنى»، إذ ندرك من الصور المعروضة معنى، ثم يوصلنا هذا المعنى، إلى معنى آخر، وهو ما نعني به الوظائف البعيدة.
وقد عبّر العقاد عنها بالمعاني المجردة، المستخلصة من الصور المجازية. كما بيّنا سابقا في الباب الثاني.
ويتّضح في الوظائف البعيدة، منهج القرآن الكريم في بناء الإنسان الذي هو هدف الخطاب في النص القرآني وهذا المنهج التربوي لبناء الإنسان فكرا وسلوكا وشعورا، يعتمد على التصوير الفني الذي هو القاعدة الأساسية في الأسلوب القرآني.
وتعتبر الوظيفة الدينية هي المحور الذي تدور من حوله الوظائف القريبة، والبعيدة للصورة الفنية في القرآن الكريم، وقد أكسبت هذه الوظيفة النص القرآني. وحدة وترابطا وانسجاما وتأثيرا.
فهي تشدّ جميع الوظائف إليها بنظام العلاقات التصويرية والتعبيرية والفكرية، وتتجمّع جميع الصور بأنواعها، ووظائفها، لتحقيق هذا الغرض الديني.
стр. 362
الفصل الأول الوظيفة الفنيّة
تتميز الصورة الفنية في القرآن الكريم، بأسلوبها، وموضوعها، ومواد تشكيلها، ووظائفها.
فهي صورة «مكثّفة» للأفكار الدينية، ولكن هذا التكثيف للأفكار الدينية، لم يؤثر في بنائها الفني بل إن بناءها الفني يعدّ الوسيلة المفضّلة، للتعبير عن الأغراض الدينية المتعددة.
وبذلك تجمع الصورة القرآنية بين الوظيفة الفنية، والوظيفة الدينية، في نسيج موحّد، مقصود في التعبير القرآني، لأنّ الله سبحانه أراد من خلال البناء الفني للقرآن، أن يحقّق غرضا دينيا، وهو إعجازه للبشر، فكما أنّ الإعجاز الإلهي ملحوظ في الكون والحياة والإنسان، فهو، أيضا ظاهرة مقروءة في كلامه، وهو القرآن الكريم.
فوظائف الصورة القرآنية، متداخلة، تعتمد على العلاقات، والروابط فيما بينها، لتشكيل بناء تصويري واحد، وإن تعددت فيه الأنظمة، والعلاقات التي تربط بين لبناته،
فهذا مما يزيد في صفاته الجمالية أو الفنية.
وتبدو الصورة القرآنية بتشكيلاتها ووظائفها، بنية واحدة، قائمة على أنظمة وقوانين متعددة هي التي تعطيها شكلها المكتمل في النهاية.
هذا النظام الدقيق المتناسق بين أجزاء الصورة، ووظائفها، يشبه نظام الكون في بنائه، وتناسقه، فهو يرجع إلى أجزاء مكوّنة له، وهذه الأجزاء محكومة بنظام القوانين والعلاقات، المتناسقة، التي تتآزر فيما بينها، لإعطاء هذا البناء شكله النهائي.
كالوردة الجميلة، ترجع إلى مجموعة من الأنظمة المكوّنة لها، والتي تعاونت، فيما بينها، لإعطائها هذا الشكل الجميل والمؤثر في النفس، ففيها- مثلا- اللون والرائحة، والشكل
стр. 363
المتناسق بين أجزائها، وفيها الحياة السارية في خلاياها، كل ذلك يكسبها شكلا مكتملا، يحدث الأثر الجمالي في النفس الإنسانية.
والصورة في القرآن الكريم، تعتمد النظام نفسه في بنائها المكتمل، وفي أداء وظيفتها الدينية في النهاية، لأنّ القرآن كلام الله، وهو الذي بنى الكون والحياة والإنسان، وفق أنظمة متعددة، أو قوانين متناسقة، كذلك الصورة في بنائها ووظيفتها، تعتمد نظام العلاقات أو القوانين المكوّنة لها.
فتبدأ من العلاقات الجزئية للحروف المكوّنة للكلمات، ثم تتسع في علاقات الكلمات في الجمل، ثم في نظام الجمل واتساقها مع المعنى والسياق العام، حتى نصل إلى البناء النهائي للصورة تشكيلا ووظيفة.
وما يقال عن الإعجاز في الكون والحياة والإنسان، الكامن في نظام العلاقات والروابط، لتحقيق الوظائف، يقال أيضا عن الصورة الفنية في القرآن الكريم.
ولكنّ عناصر البناء في الصورة الفنية، غير عناصر البناء في الكون والحياة والإنسان، وإن كان النظام المتّبع هو النظام نفسه، لأن المصدر واحد فيها جميعا، وهو الله .
وقد ساعدت «اللغة العربية» في بناء الصورة الفنية في القرآن الكريم، لأنها لغة تصويرية، في طبيعتها، وهي من أكثر اللغات انسجاما مع تصوير الحالات النفسية والذهنية، والمواقف الإنسانية، والمقاييس الجمالية. فهي بحروفها وألفاظها، وتراكيبها كنز مذخور، للتعبير الفني أو التصوير الجمالي.
لهذا اعتبرها عباس محمود العقاد لغة فنية لأنها «في جملتها فن منظوم منسّق الأوزان والأصوات» «١» فحروف الأبجدية المعروفة، قد استوفت المخارج الصوتية كلّها «فليس هناك مخرج صوتي واحد ناقص في الحروف العربية» «٢»، وهي أوفر عددا في أصوات المخارج من غيرها من لغات العالم «التي لا تلتبس ولا تتكرّر بمجرد الضغط عليها» «٣».
стр. 364
فاللغة العربية- بهذه الاعتبارات وغيرها- كما يقول العقاد: «لغة إنسانية ناطقة يستخدم فيها جهاز النطق الحي أحسن استخدام، يهدي إليه الافتنان في الإيقاع الموسيقى، وليس هنا أداة صوتية ناقصة، تحس بها الأبجدية العربية» «٤».
وقد قسمت هذه الحروف الأبجدية، حسب مخارجها الصوتية، وأعطيت صفات للتمييز فيما بينها، حسب الأصوات المنبعثة منها.
وقد روعي في ترتيب حروفها حسب المخارج الصوتية، التناسب الموسيقى الفني، فيما بين الحروف المتقاربة فهي حروف متناسبة في مخرجها، وجرسها وشكلها ونسقها، مثل الباء والتاء والثاء ومثل الحاء والخاء، والدال والذال، وهكذا في بقية الحروف كما يرى العقاد «٥».
بالإضافة إلى هذا التقسيم الصوتي للحروف الأبجدية، هناك تقسيم صوتي آخر، يراعي صفات الحروف الصوتية، وما تصدره من إيقاعات موسيقية مختلفة، يمكن أن نسميها «موسيقى الحروف»، فهناك حروف الاستعلاء، وحروف الصفير، والتفشّي، والإصمات، أو حروف الإطباق أو الاستفال أو الهمس.
ولكلّ خاصية من هذه الحروف صوت تصدره، وينتج عن هذا التنويع في أصوات الحروف نغمات موسيقية أو إيقاعات لها تأثيرها في النفس.
هذه الروابط الفنية أو الخصائص للحروف، ميزة اللغة العربية، التي اختارها الله لغة لكتابه العزيز، قبل أن تؤلّف من مجموعها الكلمات الحاملة للمعاني، وقبل أن تنظم الكلمات ضمن روابط السياق الأخرى.
وبهذا يتّضح أن روابط البناء الكلي للصورة، تبدأ أولا من المادة الأولية وهي «الحروف»، ولا يتوقف بناء الصورة على طبيعة الحروف أو خصائصها، وإنما أيضا على العلاقة فيما بينها في تأليف الكلمات، لتحقيق الانسجام والتناسق بينها.
وحين ترتبط الحروف بعضها ببعض، وتتآلف في الكلمة محقّقة الانسجام الكامل، فإن هذا الانسجام يعدّ اللبنة الأولى في بناء الصورة المنسجمة والموحية بالمعنى.
стр. 365
وقد تحدّث النقاد القدامى عن فكرة «انسجام الحروف في الكلمات»، ووضعوا لها القواعد أو المقاييس التي تحقّق الانسجام فيما بينها.
ويعدّ «الرمّاني» أول من تحدّث عن فكرة «التلاؤم» في الحروف في الأسلوب القرآني.
موضّحا أثر ذلك في النفس.
والتلاؤم بين الحروف، هو نقيض التنافر، وهو على مراتب، والقرآن الكريم في أعلاها يقول الرمّاني في ذلك: «والمتلائم في الطبقة العليا القرآن كلّه، وذلك بيّن لمن تأمله» «٦».
ويعلّل الرمّاني التلاؤم بين الحروف بقوله: «والسبب في التلاؤم، تعديل الحروف في التأليف، فكلّما كان أعدل، كان أشدّ تلاؤما، وأمّا التنافر، فالسبب فيه ما ذكره الخليل من البعد الشديد أو القرب الشديد ... وكلاهما صعب على اللسان، والسهولة من ذلك في الاعتدال، ولذلك وقع في الكلام الإدغام والإبدال والفائدة في التلاؤم حسن الكلام في السمع، وسهولته في اللفظ، وتقبل المعنى له في النفس لما يرد عليها من حسن الصورة، وطريق الدلالة» «٧».
فالتلاؤم- عنده- يرجع إلى التقارب أو التباعد في مخارج الحروف، ولكن بشرط الاعتدال في الحالتين، فليس قربا شديدا في المخارج، ولا تباعدا شديدا أيضا، فإذا تحقق هذا الاعتدال فإنّ التلاؤم يلاحظ في سهولة مخارج الحروف، وهذا ما نراه في الأسلوب القرآني فليس فيه لفظة مستكرهة أو ثقيلة، أو متنافرة الحروف.
ولكنّ الرمّاني لم يورد شواهد من القرآن على ما يقول، لأنه- على ما يبدو- يرى أن القرآن كلّه شاهد أو دليل على صحة قوله، فلا حاجة إلى إيراد الأمثلة، للشيء الواضح في رسالة صغيرة عن الإعجاز في القرآن.
ويبقى للرمّاني فضل الحديث عن التلاؤم بين الحروف، وبيان تأثيره في الأذن والنفس معا، على الرغم من أنه لم يدعم رأيه بالشواهد التي تقويه.
وقد امتدح الناقد محمد زغلول سلام رأي الرمّاني هذا قائلا: «وملاحظة الرمّاني لصلة الجمال اللفظي بسهولة حركة اللسان جديدة بالإشارة، إذ خرج الرماني عن حدود
стр. 366
الأقوال إلى التجربة والملاحظة وقديما ذكر اللغويون اللفظ الوحشي، واللفظ الوعر، ولم يذكروا سببا للوحشية ولا للوعورة، وجاء الرماني ليعلّل سبب التنافر والتلاؤم، وسلامة اللفظ، ورقته، وطلاوته، ولعلّه قد استعان بدراسة الخليل ليوضّح صلة حركات اللسان بجمال اللفظ، وتمتّ هذه الملاحظة إلى ما ظهر في علم الجمال حديثا من قولهم بأن الجمال يرجع في ناحية من نواحيه إلى رشاقة الحركات والاقتصاد في الجهد العضلي» «٨».
وقد اتّخذ ابن سنان الخفاجي من تباعد مخارج الحروف مقياسا فنيا لمعرفة فصاحة اللفظة، وسهولة نطقها، ويقارنها بأثر الألوان في العين، وحسن منظرها، فكلّما تباعدت الألوان، كانت أحسن منظرا من الألوان المتقاربة وكذلك تباعد مخارج الحروف هو المقياس في فصاحة الكلمة وحسنها يقول: «الأول أن يكون تأليف اللفظة من حروف متباعدة المخارج وعلة هذا واضحة، وهي أن الحروف التي هي أصوات تجري في السمع مجرى الألوان من البصر، ولا شكّ أن الألوان المتباينة، إذا جمعت كانت في المنظر أحسن من الألوان المتقاربة» «٩».
فابن سنان يعتمد في ترتيب الحروف على مخارج نطقها، ويطبق نظرته على ضوء ذلك، ابتداء من الحلق حتى الشفة، ولكنه لم يطبّق هذه النظرة على اللفظة القرآنية، واكتفى بتلاؤمها وسهولتها، كما فعل الرمّاني.
ويرى شوقي ضيف أن ابن سنان قد استفاد في نظرته هذه من علم التجويد يقول:
«وأكبر الظنّ أنه انتفع في ذلك كلّه مما كتبه علماء تجويد القرآن من مباحث قيّمة» «١٠».
وقد ردّ ابن الأثير على ابن سنان نظرته تلك إلى الألفاظ، فرأى أن حاسة السمع هي المقياس في جمال اللفظة إذ نرى كلمات متقاربة في مخارجها، ولكنها حسنة رائعة في الآذان، كالجيم والياء والشين، فهي حروف متقاربة المخارج، وتسمّى ثلاثتها «الشجرية»، وإذا تألفت في الكلمة كان وقعها حسنا ومحمودا مثل لفظة «جيشان» «١١».
ويبدو أن هناك علاقات أخرى بين الحروف غير مخارجها، وهي «صفات الحروف» من
стр. 367
شدة ورخاوة، وجهر وهمس وغير ذلك.
فحرف الياء حرف ليّن رخو، وحرف الجيم شديد، وحرف الجيم أيضا مجهور، والشين مهموس، واختلاف صفات الحروف هي التي جعلت «كلمة جيش» سهلة النطق، عذبة
الوقع على الأذن.
فالتلاؤم لا يرجع إلى مخارج الحروف فقط، وإنما يرجع إلى صفاتها أيضا، كما يرى ذلك مصطفى صادق الرافعي في العصر الحديث.
فقد تحدّث الرافعي عن إعجاز النظم الموسيقى في القرآن، وأرجع ذلك «لترتيب حروفه باعتبار من أصواتها ومخارجها، ومناسبة بعض ذلك لبعضه، مناسبة طبيعية في الهمس والجهر، والشدة، والرخاوة، والتفخيم، والترقيق، والتغشي، والتكرير» «١٢».
فتشكيل الصورة، يبدأ من إقامة الروابط والعلاقات، بين مخارج الحروف وصفاتها، لإكسابها صفة السهولة والعذوبة والفصاحة.
ثم هناك أيضا «حركات الحروف» التي لها قيمة في إحكام الروابط بين الحروف، لتوظيفها في أداء المعنى.
وثقل الحروف ذوات المخارج الواحدة أو المتقاربة، إذا فصلت بحرف أو بحركة، فإنّها تخفّ بذلك، ويزول ثقلها في النطق، يقول إبراهيم أنيس في ذلك: «لمعرفة ثقل الحروف في تواليها يجب أن نذكر دائما أن المجاورة بين الحرفين، يجب أن تكون مباشرة، فلا يفصل بينهما بحرف أو بحركة» «١٣».
فحركات الحروف إضافة إلى صفاتها، ومخارجها، كلها روابط وعلاقات ملحوظة في بناء الكلمة، ثم بناء الصورة، فنحن لا نجد في العربية كلمة متطابقة في مخارجها، وصفاتها، وحركاتها.
وهذا التنويع في بناء الحروف، يحقّق وحدة صوتية متناغمة ومنسجمة للكلمة، ويكسبها قيمة جمالية.
فالانسجام أو التناسق بين الحروف في الكلمة القرآنية، يرجع إلى مخارجها، وصفاتها، وحركاتها المتنوّعة، ومن مجموع هذه العلاقات الصوتية، تتكوّن النغمة الموسيقية للكلمة،
стр. 368
أو الإيقاع الموسيقى لها. وهذا الإيقاع الموسيقى للكلمة، مرتبط بالمعنى.
وقد بلغ القرآن الكريم، حدّ الإعجاز، في الإيقاع الموسيقى للكلمات، ودلالته على المعنى الديني، وارتباطه بالصورة الفنية المرسومة. يقول الرافعي عن أصوات الحروف «إنّما تنزل منزلة النبرات الموسيقية المرسلة في جملتها كيف اتفقت، فلا بد لها مع ذلك من نوع في التركيب، وجهة من التأليف، حتى يمازج بعضها بعضا ويتألف منها شيء مع شيء، فتتداخل خواصها، وتجتمع صفاتها ويكون منها اللحن الموسيقى، ولا يكون إلا من الترتيب الصوتي الذي يثير بعضه بعضا على نسب معلومة، ترجع إلى درجات الصوت، ومخارجه وأبعاده» «١٤».
وترتبط موسيقى الحروف بما فيها من علاقات متشابكة، مخارجها، وصفاتها وحركاتها، بنظام تكوين الكلمة المفردة، وهو نظام أكبر من نظام تآلف الحروف، وانسجامها.
ونظام المفردات في العربية، متميّز عن سائر اللغات في العالم، يضاف إلى ما قلناه عن ميزة العربية في حروفها وتفوّقها بها على سائر اللغات، من حيث استيفاؤها لجهاز النطق الإنساني، ونظام الصفات الصوتية، ونظام الحركات في تكوين حروفها، وهذا يدلّ على غناها في التوقيعات الصوتية، أو النغمات الموسيقية الصادرة عنها.
وما يقال عن تكوين الحروف، يقال أيضا عن تكوين الكلمات، لأن الناحية الموسيقية في مفردات العربية ظاهرة «كظهورها في الحروف المتفرقة أو أظهر، لأنها تضيف الموسيقية في القواعد والموسيقية في المعاني إلى الموسيقية الملحوظة في مجرد النطق أو السماع بغير معنى يتم به التخاطب بين المتكلمين» «١٥».
وتعتمد المفردات العربية في تركيبها الفني على «الوزن»، فهو قوام التفرقة بين أقسام الكلام في اللغة العربية، فالفرق بين الكلمة ومشتقاتها هو فرق بين أفعال وأسماء وصفات، وأفراد وجموع، وهو كلّه قائم على الفرق بين وزن ووزن، وقياس صوتي، وقياس مثله، إنه يتوقف على اختلاف الحركات والنبرات أي على اختلاف النغمة الموسيقية في الأداء، كما يقول العقاد «١٦».
стр. 369
وهذه السمة الفنية في العربية، بلغت حدّا معجزا في القرآن الكريم، من حيث، جودة مفرداته، وجمال تصويره وعذوبة إيقاعه، ودقّة معانيه.
يقول الله تعالى: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا الطور: ١٣.
فالدعّ هو الدفع بالظهور، والمدفوع في النار، يصدر صوتا قريبا من جرس العين الساكنة، فيما يشبه الصراخ والعويل، لذلك فإنّ الصورة هنا تبنى من صوت الحرف أولا، للدلالة على تلك الصورة المرعبة بهيئتها، وصوتها، وحالة المدفوع النفسية.
فجرس الكلمة، رسم لنا هذه الصورة الحسية والنفسية، بكل ما فيها من هيئة وحركة وصوت، ثم إنّ تكرار جرس الكلمة في السياق، ولّد إيقاعا موسيقيا شديدا، يتناسق، مع شدّة يوم القيامة وأهواله.
ونموذج آخر للتركيب الفني للكلمات القرآنية، وما فيه من إيحاءات غنيّة، منبعثة من وزن الكلمة، وحركاتها .. قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ التوبة: ٣٨.
فلفظة اثَّاقَلْتُمْ توحي بالثقل من خلال وزنها على عكس كلمة «تثاقلتم» فهي توحي بالخفّة، لاختلاف الوزن بين الكلمتين.
وقد استثمر القرآن الكريم، هذه الخاصيّة في اللغة العربية، في رسم صورة المتثاقل عن الجهاد، وشدّة الروابط الأرضية التي تقعده، وتقيّد من حركته، وتمنعه من الخروج للجهاد، فكان هذا الاعتماد على كلمة اثَّاقَلْتُمْ الموحية بالشدة، وثقل الروابط الدنيوية المانعة من الجهاد، كما أنّها ترسم بجرسها صورة المتثاقل، والحركة المتدرّجة له في القعود، حتى ينتهي إلى التشبث بالحياة بقوة وعنف، كما يوحي بذلك المقطع الأخير من الكلمة «تم».
ويضاف إلى ما ذكرناه من خصائص فنية للغة العربية، أنها تحتفظ بالدلالة الحسية للفظ مع الدلالة المجازية، وهذا يكسب اللفظ ثروة فنية، وقدرة على الإيحاء بالمعنى الحسي والمجازي معا «١٧».
وكثير من صور القرآن، تعتمد على مفردات منقولة من حالة حسية إلى حالة معنوية، حتى تلمس الحس والخيال معا كقوله تعالى: سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ
стр. 370
بِما كانُوا يَصْدِفُونَ الأنعام: ١٥٧.
والصدف- في الأصل- ميل في الحافر أو الخفّ في الفرس أو البعير، يجعله يميل في سيره ولا يستقيم «١٨».
والقرآن الكريم يستخدم هذا اللفظ بدلالته الحسية الأصلية، ودلالته المنقول إليها، لكي يصوّر حال الذين يعرضون عن الحق، ويصدفون عنه، لآفة أصابتهم، فجعلتهم يسيرون في الحياة بانحراف وميل.
فهذه اللفظة، ترسم صورة لأولئك المنحرفين عن الحق، فيها الهيئة والحركة، من خلال اقترانها في الذهن بمعناها الحسي.
و «الصّعر» - في الأصل اللغوي- داء في البعير، يلوي عنقه منه، ثم انتقلت اللفظة من دلالتها الحسية إلى دلالة معنوية، وهي الميل بالوجه تهاونا وكبرا «١٩».
ويستثمر القرآن الكريم هذه اللفظة بدلالتها الحسية والمعنوية معا، في التحذير من صورة المتكبر المتعالي على الناس بحركة وجهه، وهيئة سيره، ونبرة صوته.
ومثل ذلك لفظ «حبط» من حبطت الناقة إذا رعت نباتا ساما، فأكثرت منه، فانتفخت بطنها، فماتت بسبب هذا الداء، ثم انتقل اللفظ من دلالته الحسية إلى دلالته المعنوية فيقال: حبط عمله إذا بطل «٢٠».
وقد استخدمت هذه اللفظة في تصوير أعمال الكافرين، التي كبرت وانتفخت، وظنّ أصحابها أنّ أعمالهم العظيمة تفيدهم، وما دروا أن هذه الضخامة في الأعمال هي مجرد انتفاخ كاذب يؤدّي إلى الهلاك، لأنه لا يقوم على الإيمان.
وكلمة لِباسٌ التي استخدمت في تصوير العلاقة بين الرجل والمرأة في قوله تعالى:
هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ .. البقرة: ١٨٧ هي في دلالتها الحسية تدل على الثوب الذي يستر الجسم، ثم تطورت دلالة اللفظة، لتحمل دلالات مجازية أخرى كقولهم: «لبّس الحقّ بالباطل، والتبس عليه الأمر، ولابست فلانا حتى عرفت دخلته أي خالطته والتبست عليه الأمور، وفي أمره
стр. 371
لبس ولبسة بالضم إذا لم يكن واضحا، وفيه ملتبس: مستمتع وفلان قد لبس الناس أي عاش معهم .. ولكل زمان لبسة أي حالة يلبس عليها من شدة أو رخاء ولبست فلانا على ما فيه أي احتملته وقبلته .. ولبست على كذا أذني إذا سكتّ عليه ولم تتكلم وتصاممت عنه، ويقال لباس التقوى الحياء» «٢١».
واستخدام هذه اللفظة في القرآن الكريم، توحي بالمعنى الحسي والمعنى المجازي معا، فهي تدل على طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة من جانبها المادي، وجانبها المعنوي أيضا بما فيها من عشرة وستر، واستمتاع ومعايشة على الشدة والرخاء والاحتمال والحياء، وغير ذلك، وكلّها معان تحتملها لفظة لغوية واحدة.
كذلك نلاحظ دقّة اختيار الألفاظ في بناء الصورة، للدلالة على المواقف والحالات والمعاني. كقوله تعالى مثلا: وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ، وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ
هَيْتَ لَكَ
يوسف: ٢٣، فالفعل «راود» من الفعل الثلاثي «راد يرود» وهو بمعنى الذهاب والمجيء المتكرر، و «الرود» الطلب ومنه الإرادة التي هي المشيئة «٢٢».
وقد اعتمد تصوير الموقف بين يوسف وامرأة العزيز على هذا الفعل بكل ما يحمله من دلالات متنوعة، يغني الصورة بالإيحاءات الثريّة، منها إرادة امرأة العزيز، وتصميمها على تنفيذ طلبها- فراحت تكرّر الطلب، من يوسف وتلحّ عليه في الذهاب والإياب.
ثم الفعل غَلَّقَتِ بجرسه الشديد، يوحي بإحكام إغلاق الأبواب، بشدّة وعنف، لاستكمال بناء الصورة والإيحاء بحالة المرأة المحمومة، وكأننا نسمع صدى الأبواب المغلقة من جرس اللفظة «غلّقت» ثم تلاشي الصدى بعد ذلك في أنحاء المكان، وهذا لا يكون فيما لو قال «أغلقت» لأنّ أغلقت أخفّ وقعا من غلّقت، كما أنّ فعل «أغلقت» يوحي بالهدوء والاستقرار، بينما الموقف أو الحالة توحي بالهيجان والاضطراب.
ثم يأتي التعبير ب هَيْتَ لَكَ ليكمل تصوير المشهد بكلّ ما فيه من حركات وأصوات ونعومة وإغراء كنعومة هذا التعبير هَيْتَ لَكَ ورقّته.
وبذلك يكتمل بناء الصورة من خلال مادتها اللغوية المتنوّعة في دلالتها، والمتنوّعة في
стр. 372
إيقاعاتها للدلالة على المعاني والحالات النفسية والمواقف.
فالدقّة في اختيار المفردات بأشكالها المحسوسة، ودلالاتها الفنية، تمتع الخيال والأبصار، والأسماع، وتدخل إلى النفس من منافذ شتّى، وهذا هو الإعجاز في التعبير القرآني، يبدأ من تكوين الحروف فالكلمات، فالجمل، فالسياق، فالنص كلّه، على نحو مترابط ومتناسق، كلّ حلقة فيه مرتبطة بالأخرى، ضمن نظام العلاقات والروابط حتى نصل إلى بناء الصورة الكلية، ثم الصورة المركزية التي عندها، يكون، قد وصلت الصورة إلى ذروة البناء أو قمّة التصميم الفني المعماري.
والقرآن الكريم يرسم بجرس الكلمات صورة فنية، لها إيحاؤها وتأثيرها في النفس، على ضوء ما ذكرناه من نظام الحروف من حيث المخارج والصفات والحركات. كقوله تعالى:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً النور: ٤٣.
فكلمة يُزْجِي بجرسها الموسيقى، ترسم حركة السحاب البطيئة في السماء، وما فيها من امتدادات رخية متطاولة، بخلاف ما لو استعمل كلمة «دفع أو ساق».
فكلمة يُزْجِي تبدأ بالياء وتختم بها أيضا، والياء حرف لين رخو، كما أن الزاي حرف من حروف الصفير والهمس، والجيم من حروف الشدة والجهر، ولكن ترتيبها في الكلمة، بين الزاي والياء، وحركة الكسر عليها خفّفت من شدّتها، وجعلتها متناسقة مع ما قبلها وما بعدها.
فهذه الكلمة بتنويع حروفها من حيث المخارج والصفات، وتنويع حركاتها، وتأليفها من مقطعين «يز- وجي». جعل إيقاعها رخيا ممتدا كرخاوة حركة السحاب، وامتداده في السماء.
وفي قوله تعالى: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها ... الشمس: ١١.
فكلمة «بطغواها» بإيقاعها الموسيقى، ترسم الطغيان الذي قد بلغ منتهاه، وذلك من خلال تأليف الكلمة من ثلاثة مقاطع «طغ- وا- ها» وهي مقاطع تجعل الكلمة، تملأ الفم عند النطق بها. بالإضافة إلى أنّ تعدّد المقاطع فيها، يزيد من مدة عرض الصورة.
ولفظ فَدَمْدَمَ في قوله تعالى: فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها الشمس: ١٥ فيه إيقاع شديد يناسب جوّ التدمير لقوم ثمود. اللفظة مؤلّفة من مقطعين «دم/ دم» أو من
стр. 373
مقطع متكرر، للإيحاء بجوّ التدمير، بما فيه من أحداث متكررة حتى يتحقّق التدمير الكامل في النهاية.
وتطويل المقاطع في بعض المفردات القرآنية، أو كثرة حروفها، تكون مقصودة أحيانا لاستيفاء المعنى المصوّر، وذلك باستنفاد ما في الكلمة من طاقات تعبيرية وتصويرية دالّة على المعنى.
والتطويل في المفردة الواحدة، يزيد من زمن عرض الصورة أمام العيون، ويزيد أيضا من تأثيرها في النفوس.
فطول الكلمة مقطعا وحروفا، يوسّع من دائرة الصورة مكانا وزمانا، يقول جان برتيليمي في هذا المعنى: «وقد عرّف أو غسطين الموسيقى بأنها علم الحركة، والحركة تضمّ الزمن إن هي ضمّت فكرة العدد» «٢٣».
ويقول أيضا: «فالموسيقى فن تجميع النغمات بطريقة تبعث السرور إلى الأذن» «٢٤».
فالطول والقصر يرتبط بالمعنى المراد تصويره أو بالحالة أو الموقف. كقوله تعالى:
أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ هود: ٢٨، وقوله أيضا: فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ الحجر: ٢٢، وقوله أيضا: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ الأعراف: ١٨٢، وأيضا:
فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ البقرة: ١٣٧، وأيضا لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ النور: ٥٥، وقد قام الرافعي بتحليل هذه الظاهرة في المفردات القرآنية تحليلا صوتيا ضمن نظام العلاقات
بين الحروف مخرجا وصفة وحركة. فكلمة لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ مؤلفة من عشرة حروف ولكنّها رشيقة عذبة، وقد جاءت عذوبتها، من تنوع مخارج الحروف، ومن نظم حركاتها، فإنها بذلك صارت في النطق كأنّها أربع كلمات إذ تنطق على أربعة مقاطع. وكلمة فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ مؤلّفة من تسعة أحرف، وهي ثلاثة مقاطع وقد تكرّرت فيها الياء والكاف، وتوسّط بين الكافين هذا المدّ الذي هو سرّ الفصاحة في الكلمة كلّها، وبهذا اكتسبت هذه الألفاظ الطويلة في بنائها حلاوة وعذوبة وخفّة كما يقول الرافعي «٢٥».
стр. 374
وإذا انتقلنا من البناء الشكلي للكلمة إلى مضمونها، فإنّنا نلاحظ أن هذا التكوين الصوتي طولا وقصرا مرتبط بالمعاني والأغراض المراد تصويرها.
فقوله: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ كلمة سَنَسْتَدْرِجُهُمْ توحي بجرسها الصوتي الطويل المقاطع بطول غفلتهم وعدم إيمانهم. وفي كلمة أَنُلْزِمُكُمُوها إيحاء بالإكراه والثقل المناسب لمعنى رفضهم الآيات، وعدم تقبلهم لها، ونطق الكلمة يرسم هذا الاستكراه للآيات، واستثقال الكافرين لها. كما هو مستكره ثقيل في جرس اللفظ نفسه. بالإضافة إلى ما في الكلمة من اختزال للمفعولين في لفظ واحد وهما الكفار والآيات.
وهكذا يمكن أن نتلمّس المعاني من خلال بناء المفردات المطوّلة، والمفردات القصيرة، من حيث تنويع حروفها، وتنويع صفاتها وحركاتها أيضا.
فالمفردات القرآنية مرتبطة بالمعاني الدينية، لذلك فهي تطول أحيانا وتقصر، وأحيانا ترقّ وتشفّ، وأحيانا تشتد وتعنف. كقوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ، فكلمة نهر بجرسها الموسيقى ترسم ظلال اليسر والنعمة والطمأنينة. واللفظ ناعم هادئ، ملائم لهذه المعاني المرسومة من إيقاعه أيضا في ذلك المكان الآمن الهادئ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ.
وقد يشتدّ إيقاع اللفظ ويقوى، للإيحاء بالمعنى الشديد، كالتعبير عن يوم القيامة ب «الحاقّة والصاخّة والطامّة وغير ذلك». وكلّها ألفاظ شديدة الوقع على الأذن، قوية الجرس، تناسب أهوال القيامة وشدائدها. وقوة الجرس وشدّته، ملحوظة في بناء الكلمة المعتمد على حرف ممدود بالألف «حا- صا- طا» ثم إيقاع المدّ على حرف مشدّد، بعد هذا الارتفاع في حركة المدّ، فهذا الوقوع على الحرف المشدّد يزيد من شدة الإيقاع وقوته ثم وجود التاء في نهاية اللفظ، والتي تنطق هاء ساكنة عند الوقف توحي بانتهاء الشدّة عند السكون الملحوظ في نهاية اللفظة «الحاقّة- الصاخّة- الطامّة».
وهذا يعني أن الجرس اللفظي يرتبط أيضا بحركات الحروف، ومدودها بالإضافة إلى ما ذكرناه حول مخارجها وصفاتها.
فمن مجموع هذه العلاقات المتشابكة والمتآزرة في اللفظ الواحد، ويتألّف الجرس اللفظي، بالإضافة إلى الجرس الداخلي للكلمة المرتبط بدلالتها على المعنى.
وقد انتبه «يحيى العلوي» في كتابه «الطراز» إلى ورود كلمات في القرآن بصيغ الجمع
стр. 375
دون المفرد مثل أكواب وألباب، وأصواف. ولكنه لم يعلّل هذه الظاهرة تعليلا علميا على ضوء الجمال الصوتي للتعبير القرآني «٢٦».
وقد حاول مصطفى صادق الرافعي أن يقوم بتحليل هذه الظاهرة الصوتية في التعبير القرآني.
فورود كلمة «الألباب» بصيغة الجمع دون كلمة «اللبّ» المفردة «لأن لفظ الباء شديد مجتمع، ولا يفضي إلى هذه الشدة إلا من اللام الشديدة المسترخية، فلمّا لم يكن ثمّ فصل بين الحرفين، يتهيّأ منه هذا الانتقال على نسبة بين الرخاوة والشدة، تحسن اللفظة مهما كانت حركة الإعراب فيها نصبا أو رفعا أو جرا، فأسقطها من نظمه بتة على سعة ما بين أوله وآخره ولو حسنت على وجه من تلك الوجوه لجاء بها حسنة رائعة، وهذا على أن فيه لفظة (الجبّ) وهي في وزنها ونطقها، لولا حسن الائتلاف بين الجيم والباء من هذه الشدّة في الجيم المضمومة» «٢٧».
ومثل ذلك لفظة «الكوب» لم تستعمل إلا في صيغة الجمع «أكواب» وعكس ذلك لفظة «الأرض» التي لم تذكر مجموعة في القرآن الكريم. وحين اقتضى السياق القرآني جمعها أخرجها على صورة رائعة معجزة تحقّق الغرض من الجمع بدون ذكر لفظ «الأرضين» وذلك في قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ الطلاق: ١٢، لأنّ الإيقاع الموسيقى يختلّ ويضطرب بذكر لفظ الجمع «٢٨».
وسيد قطب يربط الإيقاع الموسيقى للألفاظ بالحالة النفسية، أو المعنى المراد تصويره، فليست حركات الكلمة، ومدودها، مجرد إيقاع موسيقي، يتردّد صداه في التعبير القرآني دون غرض أو فائدة معنوية، بل إنه يقوم بوظيفة أساسية في جلاء المعنى، وتوضيحه عبر هذه المؤثرات الصوتية، ففي قوله تعالى: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ فاطر: ٣٤.
يقول سيد قطب: «فالجو كلّه يسر وراحة ونعيم، والألفاظ مختارة لتتّسق بجرسها
стр. 376
وإيقاعها مع هذا الجوّ الحاني حتى «الحزن» بالتسهيل والتخفيف .. والإيقاع الموسيقى للتعبير هادئ ناعم رتيب» «٢٩».
وفي قوله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا، تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا .. مريم: ٨٨ - ٩٠.
يقول أيضا: «إنّ جرس الألفاظ وإيقاع العبارات ليشارك ظلال المشهد في رسم الجو، جوّ الغضب والغيرة والانتفاض» «٣٠».
وعلى هذا النهج، يسير سيد قطب في تحليل النصوص القرآنية في كتبه، مستخدما مصطلح الجرس والإيقاع في الحديث عن الجانب الصوتي في المدود والحركات، وفي الألفاظ عموما.
وهو يربط الإيقاع الموسيقى للألفاظ بالمعنى المراد، والحالة النفسية، والجوّ العام للسياق، وهذا منهج سليم، لأن الإيقاع الموسيقى في القرآن لم يقصد لذاته، لمجرد التنغيم. والإطراب بهذه النبرات الصوتية المنغّمة بل هو وسيلة لتصوير المعاني الدينية.
ويضيف العقاد إلى ما ذكرناه «الحركة الإعرابية» التي تكسب المفردة القرآنية، قيمة فنية، لأن الحركات الإعرابية، تزيد من وضوح النغمات الموسيقية للمفردات أيضا. يقول العقاد: «فإن هذه الحركات والعلامات تجري مجرى الأصوات الموسيقية، وتستقرّ في مواضعها المقدورة، على حسب الحركة والسكون في مقاييس النغم والإيقاع .. ولها بعد ذلك مزية تجعلها قابلة للتقديم والتأخير .. لأنّ علامات الإعراب، تدلّ على معناها كيفما كان موقعها من الجملة المنظومة» «٣١».
وبهذا تنتقل المفردات من الروابط الخاصة بها، إلى الروابط السياقية أيضا، فيرتبط إيقاعها المنفرد بالإيقاع السياقي المنسّق في التعبير كلّه، فتتمّ به العلاقة بين الإيقاع الكامل للمعنى التام المراد تصويره، فيتناسق الإيقاع بنغماته أو توقيعاته مع المعنى بكلّ جزيئاته.
فالألفاظ وحدها على الرغم من تنوّع علاقاتها البنائية، لا تكفي لتصوير المعنى، ما لم
стр. 377
توضع في السياق الملائم لها. وقد بسط عبد القاهر الجرجاني ذلك في نظرية «النظم» التي أشرنا إليها في الباب الأول.
والسياق هذا الذي يمنح القوة للألفاظ، ويظهر كنوزها المشعّة بالصور والظلال والإيقاع العام.
ف «حين تتجمّع الكلمات في الجمل، وفي العبارات، تكتسب جرسا موسيقيا آخر، زيادة على ما كان لها من موسيقى فردية» «٣٢».
كما أنّ الألفاظ: «لا تستطيع أن تعطي دلالتها كاملة إلا في هذا النسق، وتستمد العبارة دلالتها في العمل الأدبي من مفردات الدلالة اللغوية للألفاظ، ومن الدلالة المعنوية الناشئة عن اجتماع الألفاظ، وترتيبها في نسق معيّن، ثم من الإيقاع الموسيقى الناشئ من مجموعة إيقاعات الألفاظ متناغما بعضها مع بعض ثم من الصور والظلال التي تشعّها الألفاظ متناسقة في العبارة» «٣٣».
ويمتدّ نظام العلاقات السياقية، ليشمل نظام «الفواصل» القرآنية، فهي تعتمد على «التنويع» ولا تأتي على نسق واحد. فمنها الطويلة، والمتوسطة، ومنها القصيرة، كما أن رويّها يختلف في السور القرآنية وحتى في السورة الواحدة غالبا، لتبتعد الفاصلة القرآنية عن مظنّة السجع المعتمد على النظام الموحّد في حركة حرفه الأخير.
والفاصلة في القرآن، كالقافية في الشعر، لها دورها الإيقاعي في نهاية كل آية، ولكنّ وظيفتها ليست إيقاعية فنية فحسب، وإنما هي مناسبة للمعنى، تزيد في وضوحه وجلائه، وهي ملائمة للسياق، كما أنّها تحكم المعنى في نهاية السياق، وتقوّيه من خلال إيقاعها الموسيقى الخاص.
وقد أكّد الرمّاني قديما على الفارق بين الفاصلة والسجع بقوله: «الفواصل حروف متشاكلة في المقاطع، توجب حسن إفهام المعاني، والفواصل بلاغة، والأسجاع عيب، وذلك لأنّ الفواصل تابعة للمعاني، وأمّا الأسجاع فالمعاني تابعة لها» «٣٤».
стр. 378
فهي تابعة للمعاني، ومرتبطة بها، لهذا أكسبت النص القرآني قوة موسيقية مؤثّرة، عبر النغم الموسيقى في نظمه وإيقاعه ثم في نهاية آياته، مع ارتباط الإيقاع الموسيقى بالمعنى العام الذي لا ينفك عنه بل هو وسيلة من وسائل إيضاحه وإبرازه، ومتمم له، في تأثيره في النفوس.
لأن الإيقاع الموسيقى يدخل إلى النفس عبر الحس السمعي، فيعمّق الإحساس بالمعنى.
كما أنّ الذهن منفذ من منافذ المعنى، ولكنّه ليس المنفذ الوحيد له، فالإيقاع يشترك مع الذهن في توصيل المعنى ويزيد عليه في قوة التأثير في النفس.
لذلك كان للقرآن الكريم هذا الجمال الصوتي المؤثّر الذي جعله كما يقول ابن قتيبة:
«متلوّا لا يملّ على طول التلاوة، ومسموعا لا تمجّه الآذان، وغضّا لا يخلق من كثرة الترداد» «٣٥».
وهذا ما توصّل إليه علماء الجمال اليوم في الإحساس الصوتي بالجمال، لأنّ الجمال الصوتي يعتمد «على انسجام الأنغام في تردد رتيب، لا تملّه الآذان، غير نشاز، فتنفر منه الآذان، وتتأذى به، متسق مع ما ينبعث في النفس من هزّات داخلية، فيتمّ التوافق بين النغم الخارجي والداخلي» «٣٦».
وقد حرص العلماء منذ القديم، على تسمية نهاية الآيات بالفواصل، تمييزا لها عن الأسجاع، كما لاحظنا ذلك في قول الرمّاني المتقدم.
والدافع إلى ذلك، هو تنزيه القرآن الكريم عن سجع الكهان، وعمّا علق بتاريخ السجع من التكلف والتقعّر.
ولكن «الفرّاء» لم يجد حرجا من القول بوجود السجع في القرآن.
فقد رأى أنّ السجع هو السبب في حذف الضمير من كلمة «قلى» الواردة في سورة الضحى، لكي ينسجم مع بقية نهايات الآيات. يقول الفرّاء في تعليل حذف الكاف: «يريد ما قلاك، فألغيت الكاف، كما تقول أعطيتك، وأحسنت، ومعناه وأحسنت إليك، فتكتفي بالكاف من إعادة الأخرى، ولأنّ رءوس الآيات بالياء فاجتمع فيه ذلك» «٣٧».
стр. 379
ويبدو أن حذف الكاف في «قلى» ليس من أجل التناسب الشكلي فقط بين رءوس الآيات، كما قال الفرّاء، وإنما هناك تناسب معنوي أيضا، وهو كراهية إيقاع فعل الكراهية على الضمير العائد على الرسول ﷺ ، تشريفا لقدره، وبيانا لمنزلته عند الله سبحانه.
وقد حاولت الدكتورة عائشة عبد الرحمن في تفسيرها البياني أن تردّ على الفرّاء، الذي أرجع السجع في القرآن للإيقاع الشكلي، فتناولت بعض السور القصار بالدراسة والتحليل، لإثبات التناسب المعنوي في الفواصل القرآنية.
ففي تفسيرها البياني لسورة «الهمزة» وقفت تعلّل، استعمال كلمة «الأفئدة» بدلا من القلوب الواردة في قوله تعالى: نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ الهمزة: ٦ - ٧.
قرأت أن كلمة الْأَفْئِدَةِ لم تستعمل هنا مراعاة لنسق الفاصلة فحسب، وإنما لتخليص الأفئدة من حس العضوية، التي تدخل على دلالة لفظ القلوب، فيما ألف العرب من لغتهم، ولا يزال استعمال القلب بمعناه العضوي جاريا في اللغة دون استعمال الفؤاد بهذا المعنى «٣٨».
فاستعمال «الأفئدة» يوحي بتجاوز العذاب الحسي إلى العذاب النفسي، وهذا تصوير منتهى العذاب وبذلك تحقق الفاصلة التناسب المعنوي في تصوير العذاب إلى جانب التناسب الموسيقى للإيقاع.
والزمخشري منذ القديم لاحظ تناسق الفاصلة القرآنية مع السياق المعنوي، وفسّرها على ضوء المعنى السابق لها.
ففي تفسيره لقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ الأنعام: ٩٧ - ٩٨.
يقول الزمخشري: «فإن قلت: لم قيل (يعلمون) مع ذكر النجوم، ويفقهون مع ذكر إنشاء بني آدم؟ قلت: كان إنشاء الإنس من نفس واحدة، وتصريفهم بين أحوال مختلفة، ألطف وأدق صنعة وتدبيرا، فكان ذكر الفقه الذي هو استعمال فطنة، وتدقيق نظر مطابقا له» «٣٩».
стр. 380
فالفاصلة إذا مرتبطة بالمعنى قبلها، ولا تنفكّ عنه، ضمن روابط السياق. ولكنّ علاقتها المعنوية قد تكون واضحة، وقد تكون خفيّة. وهي في الحالتين موجودة، لأنّ الأسلوب القرآني يعتمد على نظام العلاقات المعنوية والفنية. ونظام العلاقات هذا هو سرّ من أسرار إعجازه، كالإعجاز الكوني القائم على هذه العلاقات المتناسقة حتى ترتبط أجزاؤه، ولا تتصادم أو تنفلت.
وقد حاول الدكتور حفني محمد شرف أن يضع يده على نظام الروابط والعلاقات بين الفاصلة، والسياق المعنوي للآيات، فرأى أن القرآن الكريم يستعمل كلمة «يعلمون» في سياق يتحدث عن أمور ترجع إلى العقل وحده، وأمّا حين يتحدث عن أمور مرتبطة بالحواس، فإنّه يستخدم كلمة يشعرون «٤٠».
ويمكن أن نلاحظ الفارق بين نظرة الزمخشري، ونظرة الدكتور حفني، فالزمخشري قصر تفسير الفاصلة على الآية الواردة فيها، ضمن المعنى المراد، دون أن يحاول أن يتوصّل إلى قاعدة عامة لاستخدام الفواصل، كما فعل حفني محمد شرف.
وتقوم الفاصلة أحيانا بزيادة توضيح المعنى، كقوله تعالى: وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ النمل: ٨٠، فالفاصلة مُدْبِرِينَ قد تبدو زائدة، ذكرت لمراعاة النسق الموسيقى دون المعنى، لأن ولّوا، تدلّ عليها، ولكن التأمل في المعنى يظهر أن مُدْبِرِينَ توحي بالإعراض الكلي عن سماع دعوة الحقّ وكلمة وَلَّوْا لا تدلّ على ما تدل عليه الفاصلة، لأن التولي قد يكون بجانب دون آخر، فيتولّى بوجهه مثلا، وهو يسمع بأذنيه، ولكن هؤلاء الكافرين أعرضوا كلية عن سماع خطاب الرسول ﷺ ، بل إنهم أتبعوا الإعراض عنه، بحركة الإدبار الموحية بالازدراء والاستخفاف، فالفاصلة هنا تتمّم المعنى، وتجعله تولّيا بالكلية، كما أنها تصوّر المعنى بصورة ساخرة مضحكة فيها تحقير لهؤلاء الذين لا يسمعون كلمات الحق والهدى.
والفواصل القرآنية نوعان- كما يقول الرماني- فهناك الفواصل المعتمدة على الحروف المتجانسة كقوله تعالى: طه، ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى طه: ١ - ٣. وكقوله:
وَالطُّورِ، وَكِتابٍ مَسْطُورٍ الطور: ١ - ٢، والفواصل المعتمدة على الحروف المتقاربة كالميم والنون:
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ الفاتحة: ٢ - ٣، وكالدال مع الياء ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ .. «٤١».
стр. 381
وقد حاول سيد قطب أيضا أن يستخرج نظاما للفواصل القرآنية، تسير عليه من خلال ارتباطها بالمعنى المراد، ومراعاتها للنغمة الموسيقية في السورة.
فرأى أن الفواصل تقصر غالبا في السور القصار، وتتوسّط أو تطول في السور المتوسطة والطوال، ويشتد التماثل والتشابه بينها في السور القصار، ويقلّ غالبا في السور الطويلة «٤٢».
ويضيف إلى الفاصلة القرآنية مصطلح «القافية» ويقصد بها اعتماد الفاصلة على حرف معين، لزيادة التنغيم أو الإيقاع الموسيقى في الفاصلة.
فالفاصلة هي الكلمة الأخيرة في نهاية الآية، يضاف إليها، الحرف المعتمد عليها فيها.
وسيد قطب هنا متأثّر بدراسته الأدبية للشعر في مصطلح «القافية»، فإذا كنّا قد اخترنا مصطلح «الفاصلة» لنبعد القرآن الكريم عن مظنّة السجع، وسجع الكهان، فكيف نقول مرة أخرى «قافية الفاصلة»؟ وأرى أن نبحث عن مصطلح آخر غير القافية المرتبطة في أذهاننا بالشعر العربي، يكون متناسقا مع مصطلح «الفاصلة».
وقد حاول سيد قطب أن يطبّق نظرته تلك حول نظام تنويع الفاصلة في السورة الواحدة.
فرأى أن هذا التنويع في «القوافي» فيها ليس لمجرد التنويع، وإنما يرتبط بالسياق المعنوي للفاصلة.
ففي سورة مريم، تبدأ بقصة زكريا ويحيى ثم قصة مريم وعيسى، وكانت الفاصلة في السرد القصصي واحدة وهي «خفيّا- شقيّا- شرقيا- سويّا- تقيّا- نبيّا- حيّا- شقيّا .. » «٤٣».
وحين ينتهي السرد القصصي تتغير الفاصلة القرآنية، والحرف المعتمدة عليه فيصبح بحرف النون أو بحرف الميم وقبلهما مد طويل، كقوله تعالى: ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ مريم: ٣٤، وكأنّ هذه الآيات- كما يقول سيد قطب- تصدر حكما بعد نهاية القصة، ولهجة الحكم تقتضي إيقاعا موسيقيا آخر غير الإيقاع الموسيقى الاستعراضي في القصة الذي كلّه انسياب، واسترسال، وبمجرد الانتهاء من إصدار الحكم على القصة
стр. 382
عاد إلى النظام الأول في الفاصلة نفسها، والحرف المعتمدة عليه، لأنّه عاد إلى السرد القصصي من جديد. يقول تعالى وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا مريم: ٤١.
وهذه الملاحظات على الرغم من قيمتها إلا أنها تبقى ذوقية، لا تعتمد على رؤية منهجية في تحليل الظاهرة لأننا نلاحظ أن الآيات ظلّت على نظام الفاصلة نفسها في موضوع آخر كقوله تعالى: إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا ... مريم: ٥٨.
وقد أدرك سيد قطب صعوبة ما يسير عليه في الاستنباط، فاعترف بأن ما توصّل إليه، لا يفسّر إلا بعض المواضع التي ورد فيها تنويع الفواصل، وبعضها الآخر ظلّ مجهولا لم يدركه يقول: «وقد تبيّن لنا في بعض المواضع سرّ هذا التغيّر، وخفي علينا السرّ في مواضع أخرى، فلم نرد أن نتمحل له لنثبت أنه ظاهرة عامة كالتصوير والتخييل والتجسيم والإيقاع» «٤٤».
ولا نريد أن نطيل أكثر من ذلك في دراسة الفاصلة، لكن يكفينا أن نركّز على ارتباطها بالصورة الفنية المرسومة من خلال نظام العلاقات التصويرية والفنية في رسم المشاهد والصور، فهي بإيقاعها الموسيقى الجلي في نهايات الآيات، واتساقها مع المعنى، تشترك في تكوين الإيقاع الموسيقى المصاحب للصورة الفنية.
وقد بلغ القرآن في هذا الجانب، قمة التصوير، وروعة التعبير المتناسق.
كقوله تعالى في تصوير طوفان نوح: وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ، قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ، وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ هود: ٤٢ - ٤٤.
فالفاصلة هنا مرتبطة بالمعنى قبلها، ومتناسقة معه فقوله الْكافِرِينَ وردت عقب تصوير هول الطوفان المدمّر للكافرين، والْمُغْرَقِينَ في سياق قول ابن نوح سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ فكانت الفاصلة لتأكيد إغراقه مع الكافرين والظَّالِمِينَ جاءت في نهاية تصوير الطوفان، وإقلاع المطر واستواء السفينة على الجودي، فكانت الفاصلة بمنزلة رسم
стр. 383
لنهاية مشهد الكافرين الذي ظلموا أنفسهم بكفرهم، فاستحقّوا هذه النهاية.
كما أنّ الفاصلة متناسقة مع الجوّ العام للمشهد، الذي يرسم نهاية الطوفان في السماء، والأرض، والسفينة والكافرين، كما أنّها مناسبة للإيقاع الموسيقى العام في الآيات، بكلّ ما فيه من تموّج عميق وواسع مرسوم بالخطوط والمسافات والأبعاد من خلال تكوين الحروف، وجرس الكلمات، ونظم الجمل، والسياق العام للمشهد.
فالإيقاع يعلو ويهبط، متناسقا مع حركة المشهد في علوّ المياه وهبوطها، ونزول الأمطار وهطولها وارتفاع الأمواج، وانخفاضه، وارتفاع السفينة وانخفاضها أيضا، ولكن الإيقاع المتموّج يتدفّق نحو الفاصلة، فيرطمها، وبعد حركة الارتطام بها، يتوقف عندها في سكون وهدوء، في حركة متسقة مع حركة المياه الهائجة في الطوفان المدمّر، وهذا ما نلاحظه في الفاصلة الأولى حيث طمّهم الطوفان وغيّبهم وحوّل حركتهم إلى سكون دائم، وكذلك في فاصلة الظالمين والمغرقين.
فالفاصلة متّسقة مع المعنى العام للجوّ المصوّر، كما أنّها مرتبطة بحركة الإيقاع الموسيقى في الصورة، فتؤدي دورها في التصوير، كما أدّته في التعبير أيضا.
وترتبط الصورة أيضا ب «الحركة» بالإضافة إلى الإيقاع الموسيقى.
والحركة من مقوّمات الصورة، وسمة من سماتها، وهي ملحوظة في تصوير المعاني الذهنية، والحالات النفسية، وفي التصوير القصصي، والأمثال، والحوادث، ومشاهد القيامة.
ففي الحركة يتجلى الجمال الصوتي، والجمال البصري معا، وقد تميّزت الصورة القرآنية بذلك، فهي تحيل المعاني الذهنية، والمشاهد والانفعالات النفسية إلى مشاهد حيّة، متحركة متجددة، وكأنّها أشخاص يتحركون ويتكلمون، وليست صورا فنية مرسومة بألفاظ وكلمات، وذلك ليزداد التفاعل النفسي مع المشاهد المصوّرة، والمعاني، والحالات النفسية، حتى يظنّ القارئ أنّها الحياة التي يعيشها بكلّ ما فيها من حركة وأشخاص وحوار، حتى المشاهد الكونية الصامتة يخلع عليها صفة الحياة والحركة فتصوّر حية ناطقة مشخّصة. يقول تعالى: فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فصلت: ١١. إنّ الحركة هي مظهر من مظاهر الحياة والكون، وهي سمة من سمات الصورة في القرآن الكريم، فهي مظهر كوني كما أنّها مظهر فني، من هنا نلاحظ تأثيرها في النفس الإنسانية.
стр. 384
وقد لاحظ بعض القدماء، عنصر الحركة في الصورة، مثل ابن قتيبة الذي ألمح إلى شدّة الانزلاق من قوة الأبصار المحدقة، وذلك في قوله وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ القلم: ٥١، فقال في تعليقه على الآية «يريد أنهم ينظرون إليك بالعداوة نظرا شديدا، يكاد يزلقك من شدّته أي يسقطك» «٤٥».
ولكنّ تعليق ابن قتيبة هذا لا يعدو الإشارة العابرة لعنصر الحركة، فهو لم يدرسها من جانبها الفني وارتباطها بالحركة النفسية، وما في صدور الكافرين من حقد وعداوة، ارتسمت في حركة العيون، والنظرات المحدّقة العنيفة. فكلمة لَيُزْلِقُونَكَ تربط بين الحركة الحسية والنفسية معا.
ويتوقف الرمّاني أيضا عند لفظ وَزُلْزِلُوا في قوله تعالى: مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا البقرة: ٢١٤، وعلّق عليها بقول «وهذا مستعار، وزلزلوا أبلغ من كل لفظ، كان يعبر به عن غلظ ما نالهم، ومعنى حركة الإزعاج فيها، إلا أن الزلزلة أبلغ وأشد» «٤٦».
ولكنّ الرمّاني أيضا لم يتوسّع في ربط الحركة الحسية بالحركة النفسية المضطربة التي تدل عليها حركة الزلزال الحسية بعنفها وشدتها، واضطرابها، بحيث لا يمكن اختيار كلمة أخرى موضعها للدلالة على الحركة المضطربة، وشدتها ونتائج الحركة في النفوس، وتآكلها، وانهيارها.
ويلحظ الرمّاني أيضا الحركة الخفيّة في قوله تعالى: فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ الأعراف: ٢٢.
فيقول معلقا عليها: «وحقيقته صيرهما إلى الخطيئة بغرور، والاستعارة أبلغ، لإخراجه ما يحس من التدلي من علو إلى سفل» «٤٧».
فالرمّاني صاحب ذوق رفيع وحس مرهف، فهو يلتقط الجانب الفني في الصورة، ويوضحه توضيحا موجزا، ولكنه لا يتعدى موضع الشاهد الذي يتحدث عنه. ولا يفصل في شرح الحركة وارتباطها بجمال الصورة، ولا ارتباطها بالنفس والشعور. شأنه في ذلك شأن غيره من القدماء الذين يكتفون بالنظرة الجزئية، والإشارة العابرة لموضع الإعجاز.
стр. 385
ولكنّ الباقلاني يخطو خطوة فنية في تحليل الحركة في الصورة القرآنية في قوله تعالى: قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ الشعراء: ٥٠.
يقول الباقلاني في تعليقه عليها «وممّا يصوّر لك الكلام الواقع في الصفة تصوير ما في النفس، وتشكيل ما في القلب حتى تعلمه وكأنك مشاهده» «٤٨».
فهو يرى هنا أنّ الحركة في الصورة المرسومة، تعبّر عن الحالة النفسية أو الانفعالات الوجدانية بحركة الانقلاب الحسية، حتى تغدو الحالات النفسية، وكأنّها مشاهد منظورة فيها الحركة المتجددة.
ورؤية الباقلاني هذه لها قيمتها الفنية إذا وضعناها في إطار العصر الذي قيلت فيه، فهو تحدّث عن «الحركة» بلغة النقد الحديث الذي يعتبر قوة الحركة في نقل المشاعر الداخلية وتجسيمها في مشاهد مرئية.
ولكن هذه الرؤية المتقدمة تظلّ جزئية، لا تتعدى الشاهد المدروس إلى تحليل الظاهرة الفنية في التصوير القرآني.
وهذا ما تحقّق في العصر الحديث على يد سيد قطب الذي استفاد من آراء القدماء، واطلاعه في النقد الحديث، فصاغ آراء القدماء هذه بلغة النقد المعاصر، بعد أن جعلها ظاهرة فنية في الصورة القرآنية.
فقد لاحظ سيد قطب أن «الحركة» سمة عامة في التصوير القرآني وأنه «قليل من صور القرآن هو الذي يعرض صامتا ساكنا لغرض فني يقتضي الصمت والسكون، أمّا أغلب الصور ففيها حركة مضمرة أو ظاهرة، حركة يرتفع بها نبض الحياة، وتعلو بها حرارتها، وهذه الحركة ليست مقصورة على القصص والحوادث ولا على مشاهد القيامة، ولا صور النعيم والعذاب أو صور البرهنة والجدل بل إنّها تلحظ كذلك في مواضع أخرى لا ينتظر أن تلحظ فيها» «٤٩».
ويطلق على الحركة مصطلح «التخييل الحسي» لبثّ الحياة في شتى الصور القرآنية.
ويورد الأمثلة من القرآن، لدعم فكرته هذه، ويدلّ تحليله لها، على ذوق أدبي رفيع،
стр. 386
وحسّ نقدي مرهف، وقدرة على الإحاطة بالنصوص، والنظرة الشمولية لخصائص التعبير القرآني «٥٠».
يقول الله تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ يونس: ٢٢.
فالحركة بارزة في المشهد المعروض، وكأنّه واقع مشهود، وتتمثّل في حركة السير في البر والبحر، وحركة السفن في البحار بقدرة الله، ثم حركة السفن البطيئة أيضا في دفع الريح الطيّبة لها، وتصوير الريح ب «الطيبة» يجسّم مشاعر النفوس في البحار، ثم حركة أخرى سريعة مدمرة وهي الريح العاصف، يضاف إليها حركة الأمواج الشديدة علوا وانخفاضا، تقابلها حركة الاضطراب في داخل النفوس.
وهكذا تحيا الصورة بالحركة بنوعيها الحسي والنفسي.
كما أنّ الحركة نلمسها أيضا في تصوير المعاني الذهنية، فالهدى والضلال يجسّمان في النور والظلمات ثم تبدأ الحركة الحسية بعد التجسيم الفني يقول تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ البقرة: ٢٥٧.
ففي الصورة تجسيم للظلمات والنور، ثمّ حركة خروج للمؤمنين والكافرين، ولكنّ المؤمنين يخرجون من الظلمات ويدخلون في النور والكافرين يخرجون من النور، ويدخلون في الظلمات.
وقد تتعدد «ألوان الحركة» مع وحدة الرسم والتصوير، وهذا التعدد يهدف إلى التنويع في التصوير وبثّ الحياة في الصورة، وكسر طوق الرتابة الواحدة في عرض المشاهد.
كقوله تعالى في تصوير الطبيعة: إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ، فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ
стр. 387
قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ، وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً، نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ، وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ الأنعام: ٩٥ - ٩٩.
والحركة بارزة في كل جزئية من جزئيات هذه المشاهد، فحركة الحب والنوى وهو يفلق الأرض، تتبعها حركة أخرى في إخراج الحي من الميت، وإخراج الميت من الحي، وهذه حركة حسية في الطبيعة المنظورة، تثبّت حركة الحياة والموت في الحس والشعور لدى الإنسان، وتجعلها من البدهيات.
ثم تنتقل الحركة من الأرض إلى السماء، فنلاحظ حركة الليل والنهار، والشمس والقمر والنجوم، ثم تنتقل الحركة من الصور الكونية إلى الصورة الإنسانية، فحركة النسل الممتدة مع وحدة مصدرها «نفس واحدة» ثم تتبعها حركة الماء النازل من السماء، والنبات الطالع من الأرض، ثم تنويع الحركة في النبات الطالع، في النخل والأعناب والزيتون والرمان، وتتناسق الحركة في النسل مع حركة النبات الطالع بنزول الماء عليه.
ثم التنويع في ألوان البشر، وأشكالهم وهيئاتهم وحجومهم، يماثله تنويع أيضا في النبات بالألوان والأشكال والأحجام، والطعوم.
فهذا التنويع في الحركة يضفي على الصورة حيوية وتأثيرا، ويجعلها تمتد إلى داخل النفوس، فتحرّكها لتأمل هذه المشاهد الطبيعية المتحركة، التي تدلّ على قدرة الله في الخلق من أصل واحد مع مراعاة التنويع فيه.
والحركة قد تكون هادئة بطيئة، كحركة الليل في قوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ الفجر: ٤، وقوله أيضا: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً الأعراف: ٥٤.
وقد تكون سريعة خاطفة كقوله تعالى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ الحج: ٣١.
فحركة السقوط من السماء سريعة، تتبعها حركة سريعة خاطفة ملحوظة في حرف العطف الفاء، ثم حركة أخرى تعقبها بسرعة، وهي قذف الريح.
فهذه الحركات السريعة الخاطفة، تساعد على رسم المشهد بكل ما فيه من شدة وعنف.
стр. 388
وقد تكون خفيّة لا تكاد تظهر لكنها موجودة مثال ذلك في قوله تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً مريم: ٤، فحركة الشيب خفيّة لا تظهر جليّة إلا بعد مرور السنين.
وقد تكون الحركة متخيّلة غير محسوسة كقوله : وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ البقرة: ١٦٨، فحركة خطوات الشيطان، تتبعها حركة الإنسان، مقتفيا خطواته، حركة متخيلة، تساعد على رسم المشهد للشيطان وهو يقود أتباعه إلى الضلال.
وهناك «الظلال» المصاحبة للصورة بالإضافة إلى الإيقاع والحركة.
وقد ساعدت اللغة العربية باشتقاقاتها المختلفة على إغناء الجانب الدلالي للألفاظ، والإيحاء بالمعاني من وراء الدلالة اللغوية للكلمة.
وقد قام الزمخشري بالربط بين الصيغة اللغوية، ودلالتها النفسية في الصورة الفنية.
ففي قوله تعالى: يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ الحج: ٢.
يرى الزمخشري أن كلمة «مرضعة» أكثر إيحاء ودلالة من «مرضع» فالمرضعة تدل على إرضاع طفلها وقت وقوع الحدث، ولكنّها لشدّة الهول في ذلك اليوم تذهل عن طفلها الرضيع، فتنزع ثديها بعد أن ألقمته إياه من شدّة اندهاشها لما ترى.
وأما المرضع فهي لا تدل على الإرضاع وقت وقوع الحدث، وإن كانت في الأصل هي مرضع «٥١».
فالزمخشري لا يتوقف عند الدلالة اللغوية للاسم المؤنث، بل يلاحظ ما بين الاسمين من فروق في ظلال المعاني، والإيحاء بها من وراء الدلالة اللغوية، وهذه الظلال مقصودة في أثناء تصوير المشهد لاستحضارها أيضا معه في رسم الأهوال والأحداث في يوم القيامة.
ويعلّل الزمخشري بحسّه المرهف استخدام كلمة «الحيوان» في قوله تعالى: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ العنكبوت: ٦٤، فرأى أنها تزيد من إيضاح المعنى، فتدلّ على الحركة وتوحي بالمبالغة في معنى الحياة «٥٢».
ويلاحظ أنّ الزمخشري يربط ظلال المعاني بالصيغة اللغوية أو أوزانها واشتقاقها.
ولكنّ سيد قطب في العصر الحديث يربط الظلال للمعاني بدلالتها الحسية يقول:
стр. 389
«وللألفاظ كما للعبارات ظلال خاصة، يلحظها الحس البصير، حينما يوجّه إليها انتباهه، وحينما يستدعي صورة مدلولها الحسية» «٥٣».
فقوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ الأعراف: ١٧٥، فكلمة انسلخ بدلالتها الحسية، تلقي بظلها في الخيال، فترسم صورة الإنسان الذي ينسلخ عن آيات الله بعد أن لازمته والتصقت به، التصاق الجلد، فهو يجد مشقة في عملية الانسلاخ منها وهذا ما توحي به ظلال الصورة الحسية لعملية انسلاخ الجلد.
كما أنّ «اللون» أيضا يساعد على رسم الصورة، إلى جانب ما ذكرناه، لأن اللون له أثره في النفس الإنسانية فترتاح إليه، أو تنفر منه، يقول تعالى في وصف البقرة: إِنَّها
بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ
البقرة: ٦٩.
واختلاف الألوان دليل على قدرة الله، وبديع صنعه، قال تعالى: وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ النحل: ١٣، وقوله أيضا: وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ الروم: ٢٢.
وتبرز الصورة، وحدة الأصل مع التنويع في الألوان، لإثبات القدرة الإلهية، كما نرى في خلق الإنسان، وكذلك في النبات، يقول تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فاطر: ٢٧ - ٢٨.
فاختلاف الألوان ملحوظ في الإنسان والحيوان والنبات والجماد مع رجوع كلّ منها إلى أصل واحد. كما نجد عناية الصورة برسم الألوان المتدرّجة، وتغيّرها، كقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ الزمر: ٢١.
وفي تدرّج الألوان، وامتزاج بعضها ببعض ألوان جديدة، فألوان الزروع المختلفة تتدرّج في النهاية إلى اللون الأصفر، وهو علامة على نهايتها، كما أن ألوان البشر تذبل وتنتهي في ساعات الاحتضار إلى اللون نفسه إيذانا بانتهاء حياة الإنسان، كما كان الصفار نهاية النبات، فاللون هنا يحقّق غرضا فنيا في تناسقه مع الألوان الأخرى في تدرّجها، وغرضا
стр. 390
دينيا في تصوير نهاية الحياة.
واختلاف الألوان أيضا في العسل مع وحدة المصدر له يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ النحل: ٦٩.
ويركّز القرآن الكريم على الجمع بين الليل والنهار، لإظهار التضاد في اللونين الأبيض والأسود في الصورة المرسومة لهما. وما في اللونين من آيات دالّة على قدرة الله، فالليل سكن وراحة، واللون الأسود يتناسب مع السكون والراحة في الليل، والنهار معاش وحركة ويناسب ذلك لون آخر هو الأبيض، لكي تتمّ الحياة بهذا التناسق أو الترابط بين حركة الإنسان، وحركة الكون من حوله.
وإذا كان اللونان الأبيض والأسود، في الصورة الكونية، رمزا للسكون في الليل، والحركة في النهار فإن التضاد بينهما رمز أيضا في الآخرة لأهل الجنة، وأهل النار. كما بيّنّا في مشاهد الجنة والنار كما أن اللون يدخل كعنصر من عناصر تصوير نعيم أهل الجنة يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ، بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ الصافات: ٤٥ - ٤٦، وقوله أيضا: وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً الإنسان: ٢٠ - ٢١.
ويدخل أيضا في تصوير العذاب، في صورة النار يقول تعالى: إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ، كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ المرسلات: ٣٢ - ٣٣.
فالصورة هنا تجمع بين اللون والحجم الضخم في وصف شرر جهنم المتطاير.
وهناك علاقة أكبر من العلاقات السابقة في الصورة الفنية، وهي «التخييل الحسي».
وهذا العنصر يعدّ قاعدة التصوير الفني في القرآن الكريم، والسمة المميّزة له.
فالقرآن الكريم «يعبر بالصورة المحسّة المتخيّلة» «٥٤» عن أغراضه الدينية.
والتخييل الحسي في الصورة لا ينفصل عن بقية العلاقات الأخرى مثل الإيقاع والحركة والظلال واللون فكل هذه العلاقات مترابطة، لكي تحقّق الوظيفة الفنية للصورة، وبذلك يجتمع فيها جمال الإيقاع والحركة وجمال التخيّل أيضا.
ونضرب مثالا على ذلك بقوله تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً مريم: ٤.