← Сира

Сира · id 38152

الدين المعاملة

منقذ السقار

Полный текст (229 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

للضحك من ذلك، ومثله ترويعه بإخفاء جواله أو مفاتيح سيارته أو غيرها، بقصد الضحك والممازحة. ولمن أراد أن ينظر هدي محمد ﷺ نذكر أن بعض أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يسيرون مع رسول الله في مسير، فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى نبل معه فأخذها، فلما استيقظ الرجل فزع، فضحك القوم، فقال ﷺ : «ما يضحككم؟» فقالوا: لا، إلا أنا أخذنا نُبُل هذا ففزع. فقال رسول الله ﷺ : «لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً» (١) أي "لا يحل لمسلم أي يفزع مسلماً؛ وإن كان هازلاً كإشارته بسيف أو حديدة أو أفعى أو أخذ متاعه؛ فيفزع لفقده، لما فيه من إدخال الأذى والضرر عليه، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" (٢). وقال ﷺ : «لا يأخذنَّ أحدُكم متاعَ صاحبه جاداً ولا لاعباً، وإذا وجد أحدكم عصا صاحبه؛ فليردها عليه» (٣). ومن أعظم الترويع وأمقته إلى الله رفعُ السلاح في وجه المؤمن ولو بالمزاح، فكم من مزاح انقلب إلى مأساة، لعدم

стр. 107

الوقوف عند حدود الهدي النبوي: «لا يشير أحدُكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده، فيقع في حفرة من النار» (١). وفي حديث آخر من الوعيد ما فيه مزدجر لكل من ألقى السمع وهو شهيد: «من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه، وإن كان أخاه لأبيه وأمه» (٢). كما يذم المزاح إذا اقترن بمنكرات يفعلها البعض، فتهدم الأسر أحياناً وتهدم الدين في أحيانَ أخرى. وأما ما يهدم الأسر فهو ما دأب عليه بعض الأزواج من جعل الحلف بالطلاق فاكهة لمجالسهم، فإذا أراد من زميله أن يكمل عشاءه حلف عليه بالطلاق؛ فلربما أكل الزميل فسعدت الأسرة، ولربما امتنع فوقعت المصيبة وتشتت الأبناء، وكذلك إذا أراد هذا العابث التأكيد على حضوره لموعد ما أقسم بالطلاق، ولربما أراد ممازحة زميل له، فطلق زوجته هازلاً في ذلك، أو لربما زوج بعضهم ابنته لصديقه وهو يمزح في ذلك

стр. 108

كله ولا يقصده، وقد قال النبي ﷺ : «ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة» (١). وأما ما يهدم الدين من المزاح، فهو ما خرج عن دائرة الشرع وضوابطه، وأوقع صاحبه في أبواب الكبائر، ونراه عند كثيرين اليوم، ممن لا يجدون مادة لطرفتهم وظُرْفهم إلا الدين وما يتعلق به من مقدسات، فالبعض يطلق نكاتاً وطُرفاً يتلبسها الاستهزاء ببعض القرآن أو الأنبياء أو الأحكام الفقهية أو العلماء حملة الدين، وهذا باب خطير حذر منه القرآن، واعتبره نوعاً من النفاق. وقد وقع هذا النوع من المزاح من بعض المنافقين يوم تبوك حين استهزؤوا برسول الله ﷺ وأصحابه حين قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء. فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فسألهم، فأقروا واعتذروا إليه بأنهم كانوا يمزحون ويهزلون، وأنهم لم يقولوا هذا جادين، فأنزل الله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ

стр. 109

وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (التوبة:٦٤ - ٦٥) (١). قال القاضي ابن العربي: "لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جداً أو هزلاً، وهو - كيفما كان - كفر، فإن الهزْل بالكفر كفر لا خلاف فيه بين الأمة، فإن التحقيق أخو العلم والحق، والهزل أخو الباطل والجهل" (٢). والإمام ابن تيمية ينقل اتفاق المسلمين على أن كفر مرتكب الإساءة إلى النبي ﷺ ولو بالهزل: " قد اتفقت نصوص العلماء من جميع الطوائف على أن التنقص له [ ﷺ ] كفر مبيح للدم .. ولا فرق في ذلك بين أن يقصد عيبه .. أو لا يقصد شيئاً من ذلك، بل يهزل ويمزح أو يفعل غير ذلك، فهذا كله يشترك في هذا الحكم إذا كان القول نفسه سباً، فإن الرجل يتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت؛ يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب" (٣).

стр. 110

وأما ما نراه من بعض الناس من استخدام آيات القرآن في غير ما نزلت له من المزاح واللغو من غير الوقوع في الاستهزاء، فإن أقل ما يقال في فعل هؤلاء أنه مكروه، قال النووي: "يكره من ذلك ضرب الأمثال في المحاورات والمزح ولغو الحديث، فيكره في كل ذلك تعظيماً لكتاب الله تعالى" (١). وقد استقبح القرآن الكريم اتهام اليهود لموسى ﵇ بالهزل والمزاح حين أمرهم بذبح البقرة فقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً﴾، أي أتمازحنا وتهزل معنا؟ وما درى هؤلاء أن الهزل لا يكون في مثل هذا، فالدين والوحي والبلاغ عن الله هو أبعد ما يكون عن هذا الباب، لذا أجابهم موسى ﵇ بقوله: ﴿أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (البقرة: ٦٧). والبعض يتجنب المزاح الحرام، لكنه لا يمتنع عن مجالسة أهله، ولربما شاركهم بالتبسم والاستماع، وهذا باب من الحرام والمشاركة في الإثم، وقد حذر الله منه في القرآن فقال لنبيه ﷺ وللمؤمنين من بعده: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنعام: ٨٦)، فالخوض مع هؤلاء

стр. 111

يعرضهم لسخط الله ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ (المدثر: ٤٢ - ٤٥)، فالجلوس مع هؤلاء الهازلين ومشاركتهم الضحكَ على طرفهم التي جعلت من الدين مادة للسخرية سبب في استجلاب مقت الله، وهو نوع من المشاركة والرضا بما يصدر منهم ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ (النساء:١٤٠). قال الطبري في تفسيره: "وقد نزل عليكم أنكم إن جالستم من يكفر بآيات الله ويستهزئ بها وأنتم تسمعون، فأنتم مثله، يعني: فأنتم إن لم تقوموا عنهم في تلك الحال، مثلُهم في فعلهم، لأنكم قد عصيتم الله بجلوسكم معهم، وأنتم تسمعون آياتِ الله يكفر بها ويستهزأ بها، كما عصوه باستهزائهم بآيات الله، فقد أتيتم من معصية الله نحو الذي أتَوْه منها، فأنتم إذاً مثلهم في ركوبكم معصية الله، وإتيانكم ما نهاكم الله عنه" (١).

стр. 112

ولما كان الاستماع إلى المزاح الحرام يشرك السامع في المعصية، فإن النبي ﷺ لم يرض به في مجلسه، بل استنكره، فقد صعد ابن مسعود ﵁ على شجرة، فنظر أصحابه إلى ساقه وكانت نحيلة جداً، فضحكوا من ذلك، فقال رسول الله ﷺ : «ما تضحكون! لرِجلُ عبد الله أثقل في الميزان يوم القيامة من أحد» (١). وهكذا فالمزاح يحرم ويكره حين تتلبسه المحرمات والمكروهات، ولكنه مباح حين يبرأ من هذه الرزايا وأمثالها، بشرط أن لا يجاوز قدره. صور من مزاح النبي ﷺ : وقد أجاز العلماء المزاح، ونقل المناوي أنه "قيل لابن عيينة: المزاح سبة؟ فقال: بل سُنَّة، ولكن من يحسنه، وإنما كان [ ﷺ ] يمزح، لأن الناس مأمورون بالتأسي به والاقتداء بهديه، فلو ترك اللطافة والبشاشة، ولزِم العبوس والقطوب لأخذ الناس من أنفسهم بذلك على ما في مخالفة الغريزة من الشفقة والعناء، فمزح ليمزحوا، ولا يناقض ذلك خبر «ما أنا من دد،

стр. 113

ولا الدد مني» فإن الدد اللهو والباطل، وهو كان إذا مزح لا يقول إلا حقاً" (١). وقد مزح النبي ﷺ مع أصحابه، فكيف كان ﷺ يمزح، ولم كان يمزح، هل لمجرد الضحك والتسلي، أم كان له ﷺ في مزاحه مقاصد سامية؟ لا ريب أن مزاح النبي ﷺ مبرء عن العبث؛ مشتمل على مقاصد عظيمة ودروس تربوية بليغة، ما أحرانا أن نعمل على تلمسها من خلال تتبع بعض صور مزاحه ﷺ . وأول ما يلوح لنا من هذه المقاصد في تحببه ﷺ لأصحابه ومؤانسته لهم، وقد نبه عليه النووي بقوله: "المزاح المنهي عنه ما فيه إفراط ومداومة، فإنه يورث الضحك والقسوة، ويشغل عن الذكر والفكر في مهمات الدين، فيورث الحقد، ويسقط المهابة والوقار. وما سلم من ذلك هو المباح الذي كان المصطفى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يفعله، فإنه إنما كان يفعله نادراً

стр. 114

لمصلحة، كمؤانسة وتطييب نفس المخاطب، وهذا لا منع منه قطعاً، بل هو مستحب" (١). ومن مزاحه ﷺ الذي يتحبب به إلى أصحابه أنه قدم إليه صهيب الرومي وهو رمد العين، وبين يدي النبي ﷺ تمر وخبز، فقال لصهيب: «أدن فكُل»، فأخذ صهيب يأكل من التمر دون الخبز، فقال له النبي ﷺ مازحاً: «تأكل تمراً وبك رمد؟!» قال: إني أمضغ من ناحية أخرى. فتبسم رسول الله ﷺ (٢). وفي مرة أخرى دخل رجل على النبي ﷺ فقال: يا رسول الله احملني، قال النبي ﷺ مازحاً: «إنا حاملوك على ولد ناقة»، فظن الرجل أن النبي ﷺ يحمله على ابن صغير للناقة فقال: وما أصنع بولد الناقة، فقال ﷺ : «وهل تلد الإبل إلا النوق» (٣). وفي رجوع النبي ﷺ من غزوة تبوك جلس في قبة صغيرة، فأتاه عوف بن مالك الأشجعي يستأذن في الدخول عليه، يقول عوف: فسلمتُ، فردَّ وقال: «ادخل».

стр. 115

فلما رأى عوف صغر القبة قال للنبي ﷺ ممازحاً: أكلي يا رسول الله؟ قال: «كلُّك»، فدخل ﵁ (١). وجاءت امرأة إلى النبي ﷺ تقول له: يا رسول الله، ادع الله لي أن يدخلني الجنة. فقال لها: «يا أم فلان، إن الجنة لا يدخلها عجوز». ولم تفطن المرأة لمزاح النبي ﷺ معها، فانزعجت، وبكت ظناً منها أن العجائز من أمثالها لا يدخلون الجنة، فلما رأى ذلك ﷺ منها بيَّن أن العجوز لن تدخل الجنة عجوزاً، بل ينشئها الله خلقاً آخر، فتدخلها شابة بكراً، وتلا عليها قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ (الواقعة: ٣٥ - ٣٧) (٢). ومن مزاح النبي ﷺ بقصد التحبب وتطييب النفس مزاحُه مع أعرابي ذميم الخِلقة، يستنكف الكثيرون عن المزاح مع مثله، أما النبي ﷺ الذي يزن الرجال بميزان الله؛ الإيمان

стр. 116

والتقوى، فلا يستنكف عن ممازحة هؤلاء، بل لعلهم أحق به لضعفهم وإعراض الناس عنهم. والقصة يحكيها أنس بن مالك، فيذكر أن زاهراً من أهل البادية، كان النبي ﷺ يحبه، وكان رجلاً دميماً، فأتاه النبي ﷺ يوماً وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه، وزاهر لا يبصره، فقال الرجل: أرسلني. من هذا؟ فالتفت، فعرف النبي ﷺ ، فجعل لا يألوا ما ألصق ظهره بصدر النبي ﷺ حين عرفه، وجعل النبي ﷺ يقول ممازحاً: «من يشتري العبد؟» فقال: يا رسول الله: إذاً والله تجدني كاسداً. فقال ﷺ : «لكن عند الله لست بكاسد» أو قال: «لكن عند الله أنت غالٍ» (١). ومن مزاحه ﷺ مع أصحابه أنه كان يقول لهم: «ارموا، من بلغ العدو بسهم رفعه الله به درجة» [أي في الجنة] فسأله أحد أصحابه: يا رسول الله وما الدرجة؟ فقال ﷺ له مداعباً: «أما إنها ليست بعتَبة أمك، ولكن ما بين الدرجتين مائة عام» (٢).

стр. 117

ولكن أهم ما يمزح لأجله العقلاء؛ التربية والتنبيه على الخطأ بعيداً عن أساليب الجفاء والغلظة والمواجهة بالخطأ، وهذا ما صنعه النبي ﷺ مع خوات بن جبير الأنصاري حين رآه جالساً إلى نسوة بطريق مكة فقال له: «يا أبا عبد الله مالك مع النسوة؟»، فتلعثم خوات، وبدلاً من أن يقر بخطئه ويستغفر قال: يفتلن ضفيراً لجمل لي شرود. فمضى رسول الله لحاجته، ثم عاد فلقي خوات فقال له: «يا أبا عبد الله، أما ترك ذلك الجمل الشِّراد بعد؟». قال خوات: فاستحيت وسكت، فكنت بعد ذلك أتفرر منه؛ حتى قدمت المدينة، فرآني في المسجد يوماً أصلي، فجلس إلي، فطوَّلتُ في صلاتي فقال: «لا تطوِّل، فإني أنتظرُك»، فلما سلمت، قال: «يا أبا عبد الله، أما ترك ذلك الجمل الشِّرادَ بعد؟». فسكتُّ واستحيت فقام، وكنت بعد ذلك أتفرر منه، حتى لحقني يوماً، فقال: «يا أبا عبد الله، أما ترك ذلك الجمل الشِّرادَ بعد؟». وهنا آتى المزاح ثماره في التنبيه على الخطأ والإرشاد؛ فقال خوات معترفاً بالحقيقة: والذي بعثك بالحق ما شرد منذ

стр. 118

أسلمت. فقال ﷺ وهو مسرور بإنابة خوات: «الله أكبر، الله أكبر، اللهم اهد أبا عبد الله». فحسن إسلامه وهداه الله (١). وهكذا فإنه ﷺ كان يمزح مع أصحابه من غير أن يكون هذا ديدنه، وكان مزاحه ﷺ بقصد الإيناس والتحبب، لا مجرد الهزل واللعب، وكان في مزاحه لا يقول إلا حقاً، وصدق ابن قتيبة بقوله: "وقد درج الصالحون والخيار على أخلاق رسول الله ﷺ في التبسم والطلاقة والمزاح بالكلام المجانب للقدح والشتم والكذب " (٢)، فهذا أدب النبي ﷺ في المزاح وأدب أصحابه من بعده، فقد وصفهم بكر بن عبد الله فقال: "كان أصحاب النبي ﷺ يتبادحون بالبطيخ، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال" (٣)، فمزاحهم لا يشغلهم عن الحق، ولا يغيِّب علامات الجد والرجولة.

стр. 119

المبحث الثالث: الوفاء للزوجة وأهل العشرة والمعروف كلنا يلقى الخير من والديه وزوجه وأساتذته وبعض جيرانه وأحبابه، ثم تدور الأيام، فينسى المرء حق هؤلاء أو بعضهم عليه، ولربما لقي في الشارع أستاذه فأعرض عن السلام عليه، ولربما نسي الواحد فضل زوجه عليه وتعبها في تربية أبنائه ورعاية بيته، فطلقها بعد طول خدمتها له ولأولاده لسبب تافه أو لغير سبب، وأعظم منه جرماً أن ينسى بعضنا حق والديه عليه وما قدماه له حال صغره، فيعرض عنهما في كبرهما، ولربما أهمل رعايتهما، وأسلمهما إلى دور الرعاية لتقوم بالواجب نيابة عنه. لذا فنحن أحوج ما نكون للتأمل في خُلة جميلة تزين بها المصطفى ﷺ ، وهي الوفاء الذي هو حسن العهد، وهو الذي عده النبي ﷺ من خصال الإيمان: «وإن حسن العهد من الإيمان» (١).

стр. 120

وقد شرح الشوكاني الحديث بقوله: " «إن حسن العهد» أي الوفاء والخِفارة ورعاية الحرمة «من الإيمان» أي من أخلاق أهل الإيمان ومن خصائلهم أو من شعب الإيمان " (١). صور من وفاء النبي ﷺ لزوجه خديجة: ولمزيد من التأكيد والغرس لهذا الخلق الفاضل نتذاكر بعض مواقف الأسوة الحسنة لمحمد ﷺ في وفائه وحسن عهده لزوجه خديجة ﵂، فقد تزوجها النبي ﷺ وهو في الخامسة والعشرين من العمر، بينما بلغت الأربعين حينذاك، وكان زواجه منها ميموناً، فكانت نِعمَ الأمِّ لأبنائه، كما واسته بمالها، وآزرته برجاحة عقلها وحسن تبعلها، فكانت سيدة الزوجات وقدوتهن إلى يوم الدين. ولما أكرم الله نبيه ﷺ بالنبوة والرسالة كانت أم المؤمنين خديجة أول من صدَّق النبي ﷺ وآمن به، ووقفت معه بمالها ومشاعرها وكلِّها إلى أن ماتت ﵂ في العام العاشر للبعثة النبوية، فسمي ﷺ عام فراقها بعام الحزن، لبالغ حزنه على موت خديجة ﵂.

стр. 121

وطوال حياته ﷺ بقي وفياً لخديجة لا يفتر لسانه عن ذكرها بالخير والدعاء لها وتذكر جميلها وحقوقها عليه ﷺ ، فصدق فيه قول الإمام الشافعي: "الحر يحفظ وداد لحظة"، وفي هذا الفصل البديع من فصول سيرة النبي ﷺ درس لكل زوج وخاصة ذاك الذي ينسى سراعاً عشرة زوجته، فيسارع إلى طلاقها أو إيذائها ناسياً سابق جميلها والأيام الجميلة التي قضاها معها. لكن الجديد الذي أعيى الباحثين في سير الرجال وتراجم العظماء أن يجدوا مثيلاً له؛ الوفاء بعد الوفاة، حيث لا يشعر الميت بمشاعر الحي ولا يدركها، فسرعان ما تذبل هذه المشاعر وتذوي وتطويها ذاكرة النسيان. وخصلة الوفاء للميت بعد وفاته مأثرة من مآثر النبي ﷺ ، وخصلة بديعة من خصاله القرآنية، فقد وصفت عائشة ﵂ وفاءه لخديجة وقد ماتت قبل زواجه من عائشة بسنوات، فتقول: (ما غرت على امرأة للنبي ﷺ ما غرت على خديجة، لما كنت أسمعه يذكرها .. وإن كان ليذبح الشاة فيهدي في خلائلها [أي صديقاتها] منها ما يسعهن) (١).

стр. 122

مظهران من مظاهر الوفاء لخديجة الحبيبة الراحلة: ذكرُها بلسان محب لا يمل من ذكر الحبيب ومآثره، وإكرامُ أهلها وذويها وصديقاتها؛ بِرَّاً بها. وفي رواية أن عائشة ﵂ لما رأت النبي ﷺ يكثر من ذكر خديجة ﵂، ويهدي إلى صديقاتها قالت: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة. فكان الزوج الوفي يرد بالقول: «إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد» (١). قال النووي: "في هذه الأحاديث دلالة لحسن العهد، وحفظ الود، ورعاية حرمة الصاحب والمعاشر حياً وميتاً، وإكرام معارف ذلك الصاحب" (٢). وقال ابن بطال: "حسن العهد في هذا الحديث هو إهداء النبي ﵇ اللحم لأجوار [أي جيران] خديجة ومعارفها؛ رعياً منه لذمامها، وحفظاً لعهدها" (٣). وتنقل أم المؤمنين عائشة صورة أخرى عجيبة من صور الوفاء للزوجة بعد وفاتها، لا يقف عند ذكر الزوجة بالخير، بل

стр. 123

يتضمن الدفاع عنها والذب عن حرمتها ولو كان القبر قد غيبها، لكنه لم يغيب حقها وذكراها، وقد صنعه ﷺ حين استأذنت عليه هالة بنت خويلد أخت خديجة، فعرف ﷺ استئذان خديجة [أي لشبه صوتهما]، فارتاح لذلك، فقال: «اللهم هالة». تقول أم المؤمنين عائشة: فغِرت. فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين، هلكت في الدهر، قد أبدلك الله خيراً منها (١). فرد عليها النبي ﷺ وهو الزوج الوفي الذي لا ينسى محاسن خديجة وسابق فضلها: «ما أبدلني الله خيراً منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء». وفي رواية أن عائشة أدركت وفاء النبي ﷺ ومحبته لزوجه الراحلة فقالت: (والذي بعثك بالحق لا أذكرها بعد هذا إلا بخير) (٢)، فأعظم صور الوفاء ديمومة الحب بعد الوفاة، فقد قال رسول الله ﷺ عنها بعد وفاتها: «إني قد رزقت حبها» (٣).

стр. 124

وفي مرة أخرى دخلت على رسول الله ﷺ وهو عند عائشة - عجوزٌ تدعى أم زفر كانت ماشطة لخديجة، فقال لها رسول الله ﷺ : «من أنت؟» قالت: أنا جَثامة المُزنية، فقال: «بل أنت حَسانة المزنية، كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا؟» قالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله. فلما خرجت قالت عائشة: يا رسول الله، تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال؟ فقال: «إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان» (١). ومن صور الوفاء للزوجة ولغيرها من أصحاب الحقوق الدعاء لهم بعد وفاتهم، فقد كان رسول الله ﷺ إذا ذكر خديجة لم يكن يسأم من ثناء عليها والاستغفار لها (٢)، فالاستغفار للميت من خير ما يهدى إليه، وهو دليل وفاء، وحجة صدق في العهد، لا يفرط في فعله كل من يحب النبي ﷺ ويتأسى به.

стр. 125

الوفاء للأصحاب وغيرهم حال الخطأ والزلل: والوفاء ليس خاصاً بالزوجة، بل هو خلق كريم يرعاه المرء مع جاره وصاحبه ومع كل ذي مودة وفضل وسابق عشرة. وعشرة هؤلاء وأمثالهم من أهل الفضل والود لا تسلم من منغصات واختلاف، فلا تحلو الصحبة أو الجيرة دوماً، بل لابد – بسبب طبيعتنا البشرية -أن يثلمها بعض ما يكدرها، فكيف نصنع إذا وقع شيء من تلك المكدرات؟ هل ننسى ما فات من طويل صحبة لهفوة ساعة؟ ما هو منهج النبي ﷺ في التعامل مع أهل عشرته إذا عثروا؟ لقد حذر النبي ﷺ أولئك الذين ينسون الود ولا يحفظونه وتهددهم بالنار، فقد وقف يوماً بين أصحابه يحدثهم عن رؤيته للجنة والنار، فقال: «وأُريت النار، فلم أر منظراً كاليوم قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء»، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: «بكفرهن؟» قيل: يكفرن بالله؟ فقال ﷺ : «يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط» (١)، وفي

стр. 126

هذا الحديث "وعظ وزجر عن كفر الإحسان وجحدِه عند بعض التغيير ومواقعةِ شيء من الإساءة؛ فإنه لا يسلم أحد مع طول المؤالفة من إساءة أو مخالفة في قول أو فعل، فلا يُجحد لذلك كثيرُ إحسانه ومتقدمُ أفضاله" (١). والنبي ﷺ أكمل الناس خلقاً، كان يأمر أصحابه بالتماس المعاذير لأهل الخطأ، وكان يصفح عما يقع فيه بعض أهل عشرته، ممن أحسن وأجاد فيما سبق، فلا ينسى سابقته لخطأ أخطأه أو لهفوة فعلها، فهذا هو حسن العهد الذي نسميه الوفاء. وقد صنع ذلك النبي ﷺ مع من أخطأ من أصحابه، صنعه مع حاطب بن أبي بلتعة حين أرسل إلى قريش يفشي لهم أسرار جيش النبي ﷺ القادم إلى مكة، فأطلع الله نبيه على صنيع حاطب، فدعاه، وقال: «ما حملك على ما صنعت؟» فقال حاطب: والله ما بي أن لا أكون مؤمناً بالله ورسوله ﷺ ، أردت أن يكون لي عند القوم يد يَدفع الله بها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله.

стр. 127

فقال النبي ﷺ : «صدق، ولا تقولوا له إلا خيراً .. أليس من أهل بدر .. لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت» (١). قال الطبري: "في حديث حاطب بن أبي بلتعة من الفقه أن الإمام إذا ظهر من رجل من أهل السِتر؛ على أنه قد كاتب عدوًا من المشركين ينذرهم ببعض ما أسره المسلمون فيهم من عزم، ولم يكن الكاتب معروفًا بالسفه والغش للإسلام وأهله، وكان ذلك من فِعله هفوةً وزلة من غير أن يكون لها أخوات؛ فجائز العفو عنه كما فعله الرسول بحاطب من عفوه عن جرمه بعدما أُطلع عليه من فعله" (٢). ومثل هذا الخلق الرفيع والسلوك الجميل صنعه الصديق وابنته الصديقة عائشة مع مِسطحٍ وحسان، وكانا قد تكلما فيمن تكلم في الإفك، فغفرا لهما لسابقتهما في الإسلام. فأما مِسطح فكان قريباً للصديق، وكان الصديق ينفق عليه، فلما أخطأ مِسطح في خوضه في الإفك توعده الصديق بترك النفقة، فلما ذكَّر الله المؤمنين بسابقته في الإسلام، وأنه ﵁ من ...

стр. 128

﴿الْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (النور: ٢٢) قال الصديق: (بلى، والله إني لأحب أن يغفر الله لي)، فرجع إلى مِسطحٍ بالنفقة التي كان ينفق عليه (١). وبمثل هذا الأدب النبوي صنعت ابنته الصديقة عائشة ﵂ مع حسان بن ثابت ﵁، فرغم خوضه في الإفك؛ لم تنس الصديقة له سابقته ولا تناست حسن صحبته للنبي ﷺ وبلائه في الذبِّ عن الإسلام، فقد سمعت عروة ابن أختها ينال من حسان، فقالت: (يا ابن أختي دعه، فإنه كان ينافح عن رسول الله ﷺ ) (٢). وفي رواية أن عروة قال: (كانت عائشة تكره أن يُسب عندها حسان، وتقول: إنه الذي قال: فإن أبي ووالدَه وعِرضي ... لعِرض محمدٍ منكم وِفاء) (٣). وهذا الأدب في الغض عن إساءات المحسنين تعلمه الصديق وابنته من النبي الأسوة ﷺ ، فقد سمعته عائشة ﵂ يقول: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتِهم؛ إلا الحدود» (٤).

стр. 129

بل إن النبي ﷺ عرَف للمطعم بن عدي – وهو مشرك أجار النبي ﷺ في مكة – إحسانه وسابقة فضله، فحين وقع في يده أُسارى المشركين في بدر قال: «لو كان المطعِم بنُ عَدي حياً، ثم كلمني في هؤلاء النتنى؛ لتركتهم له» (١). وهكذا يترجم النبي ﷺ معنى الحب الصادق الذي لا يتوقف عند حدود الزمان، ولا يأبه لتصرم السنين والأيام، وفيه أسوة حسنة لكل من ألقى السمع وهو شهيد.

стр. 130

الفصل الرابع: من هدي النبي ﷺ في صناعة المجتمع المسلم وفيه مباحث: المبحث الأول: الميزان في وزن الرجال. المبحث الثاني: صناعة المعروف. المبحث الثالث: الهدية. المبحث الرابع: آداب المداينة. المبحث الخامس: سلامة المجتمع من الشقاق.

стр. 131

المبحث الأول: الميزان في وزن الرجال الفخر بالنسب والتباهي به من أوائل المعاصي التي عصي بها الرب ﵎، فحين أمر الله إبليس بالسجود لآدم؛ تكبر وتعالى بأصله الشريف ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ (البقرة: ١٢). وإلى يومنا هذا ما زال من عادة الناس التفاخر بالحسب والزهو بالنسب، فهذا لا يخطِّب ابنته إلا ابن قبيلته، إذ لا يساميه في الشرف أحد، فهو سليل الأماجد، والناس جميعاً دونه سوقة ورعاع. والفخر على الناس بالحسب والنسب غريب عن مقومات المجتمع المسلم، وهو سمة من سمات الجاهلية التي تنبأ النبي ﷺ بديمومة بعض المسلمين على فعلها تأثراً بالجاهلية وأدرانها «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونَهن: الفخرُ في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنِّيَاحة» (١). وهكذا فإن ميزان الجاهلية في تقويم الناس واحترامهم يعتمد على الحسب والنسب والمال وأمثال ذلك، وهي أمور لا

стр. 132

تعدو - لو كانت مَزِيَّة - أن تكون بعضَ فضلِ الله على عباده، وهذا مدعاة التواضع والشكر له ﵎، لا الفخرَ على عباده والتكبر عليهم. وحين بعث النبي ﷺ ؛ شرع في تصحيح أخطاء الجاهلية وتغيير قيمها الخاطئة، فعالج الأسوةُ الحسنة ﷺ هذه الخَصْلة الذميمة التي كانت سائدة في المجتمع الجاهلي وأرسى الموقف الإسلامي الصحيح في مسألة التفاخر بالنسب. وبداية نقول: إن النبي ﷺ أخبر أن الناس جميعاً متساوون في الآدمية، فكلهم أبناء آدم، وهم جميعاً على اختلاف ألوانهم وأجناسهم مكرَّمون بما خصه الله من خصائص الإنسانية ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ (الإسراء: ٧٠). وإذا كان جميع البشر متساوين في الإنسانية، فإنما تتفاوت أقدارهم بأمر زائد على إنسانيتهم، وهو ما يقدمونه بين يدي الله من أعمال صالحة ترفع منزلتهم عنده وعند عباده ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: ١٣).

стр. 133

ميزان الجاهلية في تقديم أهل الحسب والنسب والجاه: ولقد شنع النبي ﷺ على فعل أولئك الذين يتفاخرون على عباد الله بأحسابهم وأنسابهم، واعتبر صنيعهم من بقية أدران الجاهلية، والمفروض بالمسلم أن يتسامى عليها ويترفع عنها: «إن الله قد أذهب عنكم عُبِيَّة الجاهلية وفخرَها بالآباء، [الناس] مؤمن تقي، وفاجر شقي، والناس بنو آدم، وآدم من تراب، ليدَعنَّّ أقوام فخرَهم برجال أو ليكونُنَّ أهون على الله من الجِعلان التي تدفع بأنفها النتن» (١).والجِعلان هي الحشرات التي تلامس القاذورات. وفي رواية أنه قال: «لا تفتخروا بآبائكم الذين ماتوا في الجاهلية، فوالذي نفسي بيده لما يدهده الجُعل بمنخريه خير من آبائكم الذين ماتوا في الجاهلية» (٢)، فشبه ﷺ "المفتخرين بآبائهم الذين ماتوا في الجاهلية بالجعلان، وآباءَهم المفتخرَ بهم بالعذْرة، ونفسَ افتخارِهم بهم بالدفعِ والدهدهةِ بالأنف،

стр. 134

والمعنى أن أحد الأمرين واقعٌ ألبتة: إما الانتهاءُ عن الافتخار، أو كونُهم أذلَّ عند الله تعالى من الجعلان الموصوفة" (١). ولما كان الفخر بالأنساب عملاً من أعمال الجاهلية؛ فإن النبي ﷺ ما فتئ يحذر منه، ويربي أصحابه: «إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا؛ حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخرْ أحد على أحد» (٢). ولما رأى النبي ﷺ بعضَ التفاخرِ بالنسب بين أصحابه؛ سارع إلى تقويمهم، ومن ذلك خبرُ سعدِ بنِ أبي وقاص الزهري، الذي كان النبي ﷺ يخصه بمزيد محبة، لأنه من بني زهرة أهل أمِِ النبي ﷺ ، فكان ﷺ يقول لأصحابه عن سعد متحبباً: «هذا خالي، فليُرِني امرؤ خالَه» (٣). لكن سعداً حين سمع ﵁ النبي يقول فيه ذلك؛ ظن أن له فضلاً على غيره، فنبهه ﷺ على خطئه، وبين له فضل الضعفاء ومنزلَتهم عند الله بقوله الذي يرويه لنا مصعبُ بنُ سعد بنِ

стр. 135

أبي وقاص بقوله: رأى سعد ﵁ أن له فضلاً على من دونه فقال ﷺ : «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم» (١). وفي موقف آخر بلغ صفيةَ بنتَ حيي أن حفصةَ بنتَ عمر قالت عنها أنها ابنة يهودي، فبكت صفية لذلك، فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي، فقال: «ما شأنُك؟»، فأخبرته بما قالته حفصة عنها، فقال ﷺ مواسياً: «إنك ابنة نبي [أي هارون لأنها من نسله]، وإن عمك لنبي [أي موسى ﵇]، وإنك لتحت نبي [أي هي زوجة نبي]، ففيم تفخر عليك؟» ولم يفُتْه ﷺ النصح لزوجه المخطئة فقال لها: «اتق الله يا حفصة» (٢). قال المباركفوري: " قال «اتقي الله» أي مخالفته أو عقابه؛ بترك مثل هذا الكلام الذي هو من عادات الجاهلية" (٣). ونلحظ هنا أن النبي ﷺ أرشد إلى طريقة ينجبر بها كل نسب يظنه البعض سُبة، وهي الانتساب إلى الأب الشريف ولو كان بعيداً، كما هو الحال في صفية، فهي من نسل هارون

стр. 136

عليه السلام الذي مضى قبل الإسلام بألفي سنة، ومثل هذا الأب البعيد لا يعدمه أحد في دنيا الناس اليوم. وذات مرة انتسب رجلان على عهد رسول الله ﷺ ، فقال أحدُهما للآخر: أنا فلان بنُ فلان، فمن أنت لا أم لك؟ فما كان من رسول الله ﷺ إلا المسارعة إلى علاج هذا الخلل بذكر قصة مشابهة حصلت زمن موسى ﵇، فقال ﷺ : «انتسب رجلان على عهد موسى ﵇، فقال أحدهما: أنا فلانُ بنُ فلان - حتى عد تسعة - فمن أنت لا أم لك؟ فقال الآخر: أنا فلانُ بنُ فلان ابنُ الإسلام. قال ﷺ : فأوحى الله إلى موسى ﵇ أنَّ هذين المنتسبين، أما أنت أيها المنتسب إلى تسعة في النار، فأنت عاشرُهم، وأما أنت يا هذا المنتسبُ إلى اثنين في الجنة، فأنت ثالثُهما في الجنة» (١). وهكذا ينبغي أن يدع المتأسون بالنبي ﷺ فعلَ الجاهلية وضلالَها بالافتخار بالأحساب والأنساب والأجناس والأعراق والألوان والبلدان، فكلنا بنو آدم، وإنما تتفاوت أقدارنا عند الله بعبادتنا له وتكريمه ﵎ لنا.

стр. 137

إن أكرمكم عند الله أتقاكم: ولابد لنا هنا من الحديث عما أرساه ﷺ بدلاً عن الحسب والنسب من قيم إسلامية، يتفاضل الناس على أساسها فيما بينهم؛ إنه قربهم من الله تعالى وعبادتهم له ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: ١٣). هذا المبدأ الإسلامي العظيم رسخه النبي ﷺ في أقوال كثيرة ربط فيها الخيرية بالعمل الصالح، ومنها قولُه ﷺ : «خيرُكم من تعلم القرآن وعلمه» (١)، وقولُه: «خيرُكم من يرجى خيره ويؤمن شره» (٢)، وقولُه: «خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيرُكم لأهلي» (٣)، وقولُه: «خيرُكم إسلاماً أحاسنُكم أخلاقاً إذا فقِهوا» (٤)، وقولُه: «خيرُكم من أطعم الطعام أو الذين يطعمون الطعام» (٥)، ففي هذه الأحاديث ربطٌ للخيرية

стр. 138

بأعمال صالحة يتعدى نفعُها إلى الآخرين، هي تعلُمُ القرآن وتعليمُه، وحسنُ المعاملة مع الأهل وغيرِهم، وكفُ الشر والأذى، وإطعامُ الطعام. وذات يوم جلس أصحاب النبي ﷺ يتحادثون في أكرم العرب نسباً، فهذا الموضوع له عمق وأهمية في مخيلة العربي الذي نشأ في البيئة العربية التي ما فتئ الناس فيها يتفاخرون بالأحساب والأنساب، ثم رأوا أن يحسموا أمرهم بسؤال النبي المعصوم الذي يوحى إليه، فقالوا: يا رسول الله، من أكرم الناس؟ فأجاب النبي ﷺ بأخصر جواب وأدقه وأعمقه: «أتقاهم». لكن الصحابة كانوا يبحثون عن إجابة سؤال آخر، إنهم يريدون معرفة أكرمِ الناس نسباً وأعلاهُم مقاماً، فقالوا: ليس عن هذا نسألك. فأجابهم ﷺ وهو يغرس ميزان الإسلام في صدورهم: «فيوسف، نبيُّ الله ابنُ نبي الله ابنِ نبيِّ الله ابنِ خليل الله». لقد عاد النبي ﷺ للتأكيد على ميزان الخيرية الإسلامي الذي يقدم المرء حسب الإيمان ونسب العقيدة، وهو بالطبع ليس جواب السؤال الذي يسأله الصحابة، لذلك قالوا ثانية:

стр. 139

ليس عن هذا نسألك! فقال ﷺ : «فعن معادن العرب تسألون، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقُهوا» (١). قال القاضي عياض: "وقد تضمن الحديث في الأجوبة الثلاثة أن الكرم كلَّه عمومَه وخصوصَه ومجملَه ومبانيه؛ إنما هو الدين، من التقوى والنبوة والإسلامِ مع الفقه" (٢). ولقد تكرر سؤال الصحابة للنبي ﷺ عن خير الناس وأفضلِهم في مواطن كثيرة، فما فتئ ﷺ في جوابه يؤكد على خيرية العبادة والعمل، فحين جاءه أعرابي فقال: أي الناس خير؟ فأجابه ﷺ : «رجل جاهد بنفسه وماله، ورجل في شِعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره» (٣). وفي مرة أخرى سأله الصحابة: أي الناس خير؟ فقال وهو يؤكد على أن الخيرية خيرية القيم والعمل: «من طال عمره وحسُن عمله» (٤).

стр. 140

وذات مرة قام إليه رجل وهو على المنبر، فقال: يا رسول الله، أي الناس خير؟ فلم يجبه النبي ﷺ بأن خير الناس أكثرُهم مالاً وولداً، ولا أحسنُهم جاهاً أو أكرمُهم نسباً، بل قال: «خير الناس أقرؤهم، وأتقاهم، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهُم عن المنكر، وأوصلُهم للرحم» (١)، فالتكريم عند الله والتفاضل والخيرية إنما هو بالتقوى والعمل الصالح، الذي يرفع مقام العبد عند الله، والكريم عند الله ينبغي أن يكون كريماً عند المؤمنين، والعكس بالعكس. لقد أراد النبي ﷺ وهو يبعث في مجتمع جاهلي القيم، يقدم أهل الدنيا ويؤثِرهم على غيرهم، أراد أن يصحح القيم بروية الحكيم وتأني المشفق الناصح؛ فما زال كذلك حتى خلص المجتمع من أدرانها. ومن هذه القيم الإسلامية الجديدة قوله ﷺ لمن أراد الزواج مخلصاً إياه من قيم الجاهلية: «تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك» (٢)،

стр. 141

والمعنى: "أن اللائق بذي الدين والمروءة، أن يكون الدين مطمحَ نظره في كل شيء، لا سيما فيما تطول صحبته، فأَمره النبي ﷺ بتحصيل صاحبة الدين، الذي هو غاية البُغية، وقد وقع في حديث عبد الله بنِ عمرو «لا تزوجوا النساء لحسنهن، فعسى حسنهن أن يرديهُن - أي يهلكهُن -، ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهُن، ولكن تزوجوهن على الدين، ولأمةٌ سوداءُ ذاتُ دين أفضل» " (١). وفي درس عملي آخر ربى النبي ﷺ أصحابه على تفضيل الناس بحسب ميزان الله الذي يتساوى عنده الشريف والوضيع، فلا يتفاضلون عنده وعند عباده إلا بالتقوى، فقد جلس ﷺ بين أصحابه، فمر عليه رجل (٢)، فقال لرجل عنده جالس: «ما رأيك في هذا؟» فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع. قال: فسكت رسول الله ﷺ .

стр. 142

ثم مر رجل آخر، فقال له رسول الله ﷺ : «ما رأيك في هذا؟» فقال: يا رسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب ألا يُنكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يُسمع لقوله. فقال ﷺ : «هذا خير من ملئ الأرض مثل هذا»، وفي رواية للحديث عند الروياني في مسنده أن اسم هذا الفقير جُعيل، وأن النبي ﷺ قال: «فجُعيل خير من ملئ الأرض مثل هذا» (١). وجعيل بن سراقة الضمري من فقراء المسلمين، وكان رجلاً صالحاً دميماً قبيحاً، أسلم قديماً، وشهد مع رسول الله أُحداً (٢). يقول ابن حجر: "وفي الحديث بيان فضل جُعيلٍ المذكور، وأن السيادة بمجرد الدنيا لا أثر لها، وإنما الاعتبار في ذلك بالآخرة كما تقدم، أن العيشَ عيشُ الآخرة، وأن الذي يفوته الحظ من الدنيا؛ يعاض عنه بحسنة الآخرة .. تبين من سياق طرق القصة أن جهة تفضيله إنما هي لفضله بالتقوى" (٣).

стр. 143

وكما حرص النبي ﷺ على إرساء قيم الإسلام العظيمة في المجتمع المسلم، وفق مبدأ التفاضل بالتقوى فإنه حرص على تخليصه من قيمة جاهلية، وهي التفاخر والتشريف بالحسب أو النسب أو المال أو اللون، فالناس عند الله سواء، لا فرق بين أبيضهم وأسودِهم، ولا بين غنيهم وفقيرِهم «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (١). وخلال سني دعوته ﷺ أرى الصحابة نماذج عملية في تفضيل بعض فقراء المسلمين وضعفائهم على غيرهم من أهل الجاه والمنزلة؛ لسابقتهم في الإسلام والعمل الصالح، ومن ذلك أنه ﷺ دفن شهداء أُحد أزواجاً، فكان إذا أوتي باثنين منهم سأل، ولعله يعلم جواب سؤاله: «أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟»، فإن أشير إلى أحدهما، قدمه في اللحد (٢). تقديماً لمن قدمه الله تعالى. والتفضيلُ لأهل القرآن ليس خاصاً بالأموات في قبورهم، بل هو تفضيل يرفعهم في الدنيا قبل الآخرة، فقد كان النبي ﷺ يقدم أهل القرآن في الإمارة على غيرهم، كما أمَّر قارئ القرآن ابن

стр. 144

أم مكتوم الضرير على المدينة في بعض أسفاره، كيف لا وهو ﷺ القائل: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (١). ولو أصخنا السمع إلى أبي هريرة ﵁ لسمعناه يقص علينا نموذجاً آخر من تربية النبي ﷺ لأصحابه على التحاكم إلى ميزان الخيرية والتقوى، فقد بعث سرية من السرايا، فاستقرأ كل رجل منهم ما معه من القرآن، فأتى على شاب من أحدثهم سناً فسأله: «ما معك يا فلان؟» فأجاب الشاب: معي كذا وكذا وسورةُ البقرة. فقال ﷺ : «أمعك سورة البقرة؟» قال: نعم، قال: «فاذهب فأنت أميرهم» (٢)، فلم يتأخر به سنه، كيف وقد قدمه الله بما آتاه من قرآنه. والقارئ في سيرة النبي ﷺ تستوقفه قصة عجيبة، فقد مر أبو سفيان سيد قريش قبيل إسلامه على سلمانَ وصهيبٍ وبلالٍ في نفر، فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها. فسمع أبو بكر الصديق مقالتهم، فرفق بسيد العرب وكبير قريش، فقال معاتباً: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدِهم؟

стр. 145

ثم أتى النبي ﷺ يشكوهم عنده، ويخبره بما قاله سلمان وبلال لأبي سفيان، فقال له ﷺ مستفهماً: «يا أبا بكر، لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم؛ لقد أغضبت ربك». ذعر الصديق لما سمع، فانطلق يسارع في خطاه إلى هؤلاء الضعفة الذين يغضب الله لغضبهم، فأتاهم، فقال: يا إخوتاه أغضبتكم؟ قالوا: لا. ويغفر الله لك يا أُخي (١). قال النووي: "وهذا الإتيان لأبي سفيان كان وهو كافر في الهدنة بعد صلح الحديبية، وفي هذا فضيلة ظاهرة لسلمان ورفقتِه هؤلاء، وفيه مراعاة قلوبِ الضعفاء وأهلِ الدين وإكرامُهم وملاطفتُهم" (٢). ولئن كان الناس يعيرون بالفقر والمسكنة؛ فإن النبي ﷺ نبه أصحابه إلى أنهما ليسا منقصة لأحد، لا بل قد يكونان سبباً في النجاة ورفعة الدرجات، كيف لا والفقراء أسبق من غيرهم إلى الجنة: «إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفاً» (٣)، لذلك كان ﷺ كثيراً ما يدعو الله
следующие страницы →