← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 38154

موسوعة الرقائق والأدب - ياسر الحمداني

ياسر الحمداني

Полный текст (8 320 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

قَالَ ﷺ : " فَأَطْعِمْ وَسْقَاً مِنْ تَمْرٍ بَينَ سِتِّينَ مِسْكِينَاً " ٠٠ قُلْتُ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقّ؛ لَقَدْ بِتْنَا وَحْشَيْنِ مَا لَنَا طَعَام؛ قَالَ ﷺ : " فَانْطَلِقْ إِلى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَني زُرَيْق، فَلْيَدْفَعْهَا إِلَيْك؛ فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينَاً، وَسْقَاً مِنْ تَمْر، وَكُلْ أَنْتَ وَعِيَالُكَ بَقِيَّتَهَا " ٠٠ فَرَجَعْتُ إِلى قَوْمِي فَقُلْتُ: وَجَدْتُ عِنْدَكُمْ الضِّيقَ وَسُوءَالرَّأْي، وَوَجَدْتُ عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ السَّعَةَ وَحُسْنَ الرَّأْي، وَقَدْ أَمَرَني أَوْ أَمَرَ لي بِصَدَقَتِكُمْ " ٠ [حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ أَبي دَاوُدَ " بِرَقْم: ٢٢١٣]

стр. 2802

وَفي رِوَايَةٍ أَخْرَى عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَال: " فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتَمْرٍ فَأَعْطَاهُ إِيَّاه، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ خَمْسَةِ عَشَرَ صَاعَاً، قَالَ ﷺ : " تَصَدَّقْ بِهَذَا " ٠٠ قَالَ يَا رَسُولَ الله؛ عَلَى أَفْقَرَ مِنيِّ وَمِن أَهْلِي ٠٠؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " كُلْهُ أَنْتَ وَأَهْلُك " ٠ [حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ أَبي دَاوُدَ " بِرَقْم: ٢٢١٧] عَن عَبْدِ اللهِ الهَوْزَنِيِّ قَال: لَقِيتُ بِلاَلاً مُؤَذِّنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِحَلَب، فَقُلْتُ يَا بِلاَل؛ حَدِّثْني كَيْفَ كَانَتْ نَفَقَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ٠٠؟

стр. 2803

قَالَ ﵁: مَا كَانَ لَهُ شَيْء، كُنْتُ أَنَا الَّذِي أَلي ذَلِكَ مِنْهُ مُنْذُ بَعَثَهُ اللهُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ، وَكَانَ إِذَا أَتَاهُ الإِنْسَانُ مُسْلِمَاً فَرَآهُ عَارِيَاً؛ يَأْمُرُنِي فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَقْرِضُ فَأَشْتَرِي لَهُ الْبُرْدَةَ فَأَكْسُوهُ وَأُطْعِمُه، حَتىَّ اعْتَرَضَني رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ فَقَال: يَا بِلاَل؛ إِنَّ عِنْدِي سَعَةً؛ فَلاَ تَسْتَقْرِضْ مِن أَحَدٍ إِلاَّ مِنيِّ فَفَعَلْت، فَلَمَّا أَنْ كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ؛ تَوَضَّأْتُ ثمَّ قُمْتُ لأُؤَذِّنَ بِالصَّلاَة، فَإِذَا المُشْرِكُ قَدْ أَقْبَلَ في عِصَابَةٍ مِنَ التُّجَّار، فَلَمَّا أَنْ رَآني قَالَ يَا حَبَشِيّ؛ قُلْتُ يَا لَبَّاه، فَتَجَهَّمَني وَقَالَ لي قَوْلاَ غَلِيظَاً ـ أَيِ اسْتَقْبَلَني بِوَجْهٍ عَبُوسٍ وَقَالَ لي قَوْلاَ غَلِيظَاً ـ وَقَالَ لي:

стр. 2804

أَتَدْرِي كَمْ بَيْنَكَ وَبَينَ الشَّهْر ٠٠؟

стр. 2805

قُلْتُ قَرِيب، قَال: إِنَّمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ أَرْبَع ـ أَيْ أَرْبَعُ لَيَالٍ ـ فَآخُذُكَ بِالَّذِي عَلَيْك؛ فَأَرُدُّكَ تَرْعَى الْغَنَمَ كَمَا كُنْتَ قَبْلَ ذَلِك؛ فَأَخَذَ في نَفْسِي مَا يَأْخُذُ في أَنْفُسِ النَّاس ـ أَيْ دَخَلَني الخَوْفُ مِمَّا سَمِعْت ـ حَتىَّ إِذَا صَلَّيْتُ الْعَتَمَةَ رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلى أَهْلِه، فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لي، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ الله؛ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إِنَّ المُشْرِكَ الَّذِي كُنْتُ أَتَدَيَّنُ مِنْهُ قَالَ لي كَذَا وَكَذَا، وَلَيْسَ عِنْدَكَ مَا تَقْضِي عَنيِّ، وَلاَ عِنْدِي، وَهُوَ فَاضِحِي؛ فَأْذَنْ لي أَنْ آبَقَ إِلى بَعْضِ هَؤُلاَءِ الأَحْيَاءِ الَّذِينَ قَدْ أَسْلَمُواْ ـ أَيْ فَأْذَنْ لي في الهُرُوبِ إِلى إِخْوَانِنَا الَّذِينَ أَسْلَمُواْ

стр. 2806

بِالمَدِينَة ـ حَتىَّ يَرْزُقَ اللهُ رَسُولَهُ ﷺ مَا يَقْضِي عَنيِّ، فَخَرَجْتُ حَتىَّ إِذَا أَتَيْتُ مَنْزِلي؛ فَجَعَلْتُ سَيْفِي وَجِرَابي وَنَعْلِي وَمِجَنيِّ عِنْدَ رَأْسِي، حَتىَّ إِذَا انْشَقَّ عَمُودُ الصُّبْحِ الأَوَّلِ أَرَدْتُ أَن أَنْطَلِق؛ فَإِذَا إِنْسَانٌ يَسْعَى يَدْعُو: " يَا بِلاَل، أَجِبْ رَسُولَ اللهِ ﷺ " ٠٠ فَانْطَلَقْتُ حَتىَّ أَتَيْتُه، فَإِذَا أَرْبَعُ رَكَائِبَ مُنَاخَاتٌ عَلَيْهِنَّ أَحْمَالُهُنّ، فَاسْتَأْذَنْتُ؛ فَقَالَ لي رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَبْشِرْ؛ فَقَدْ جَاءَكَ اللهُ بِقَضَائِك " ٠٠ ثمَّ قَالَ ﷺ : " أَلَمْ تَرَ الرَّكَائِبَ المُنَاخَاتِ الأَرْبَع " ٠٠؟

стр. 2807

فَقُلْتُ بَلَى، فَقَالَ ﷺ : " إِنَّ لَكَ رِقَابَهُنَّ وَمَا عَلَيْهِنّ، فَإِنَّ عَلَيْهِنَّ كِسْوَةً وَطَعَامَاً، أَهْدَاهُنَّ إِليَّ عَظِيمُ فَدَك؛ فَاقْبِضْهُنَّ وَاقْضِ دَيْنَك " ٠٠ فَفَعَلْت، فَذَكَرَ الحَدِيثَ ٠٠٠ ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلى المَسْجِد، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَاعِدٌ في المَسْجِد، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ ﷺ : " مَا فَعَلَ مَا قِبَلَك " ٠٠؟

стр. 2808

قُلْتُ: قَدْ قَضَى اللهُ كُلَّ شَيْءٍ كَانَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمْ يَبْقَ شَيْء ـ أَيْ مِنَ الدَّيْن ـ قَالَ ﷺ : " أَفَضَلَ شَيْء " ٠٠ قُلْتُ نَعَمْ، قَالَ ﷺ : " انْظُرْ أَنْ تُرِيحَني مِنْهُ؛ فَإِنيِّ لَسْتُ بِدَاخِلٍ عَلَى أَحَدٍ مِن أَهْلِي حَتىَّ تُرِيحَني مِنْه " ٠٠ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْعَتَمَةَ دَعَاني فَقَال: " مَا فَعَلَ الَّذِي قِبَلَك " ٠٠؟

стр. 2809

قُلْتُ هُوَ مَعِي، لَمْ يَأْتِنَا أَحَد ـ أَيْ مِنَ السَّائِلِينَ أَوْ فُقَرَاءِ المُسْلِمِين ـ فَبَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في المَسْجِدِ وَقَصَّ الحَدِيث، حَتىَّ إِذَا صَلَّى الْعَتَمَةَ ـ أَيْ مِنَ الْغَدِ ـ دَعَاني قَالَ ﷺ : " مَا فَعَلَ الَّذِي قِبَلَك " ٠٠؟ قُلْتُ: قَدْ أَرَاحَكَ اللهُ مِنْهُ يَا رَسُولَ الله؛ فَكَبَّرَ وَحَمِدَ اللهَ ؛ شَفَقَاً مِن أَنْ يُدْرِكَهُ المَوْتُ وَعِنْدَهُ ذَلِك " ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ أَبي دَاوُدَ " بِرَقْم: ٣٠٥٥] التَّاجِرُ المَوْصِلِيّ

стр. 2810

وَعَن أَبي القَاسِمِ بْنِ حُبَيْشٍ قَال: لَقَدْ جَرَتْ في هَذِهِ الدَّار ـ وَأَشَارَ إِلى دَار ـ قَضِيَّةٌ عَجِيبَة: " كَانَ يَسْكُنُ هَذِهِ الدَّار؛ رَجُلٌ مِن التُّجَّار، مِمَّنْ يُسَافِرُ إِلى الكُوفَةِ في تجَارَةِ الخَزّ ـ أَيِ الحَرِير ـ فَاتَّفَقَ أَنَّهُ جَعَلَ جَمِيعَ مَا مَعَهُ مِنَ الخَزِّ في خُرْج ـ أَيْ في كِيسَينِ مُتَدَلِّيَينِ عَلَى ظَهْرِ حِمَار ـ وَسَارَ مَعَ القَافِلَة، فَلَمَّا نَزَلَتِ القَافِلَة؛ أَرَادَ إِنْزَالَ الخُرْجِ عَنِ الحِمَارِ، فَثَقُلَ عَلَيْه؛ فَرَآهُ شَابٌّ كَانَ بجَانِبِهِ فَأَعَانَه عَلَى إِنْزَالِه، ثُمَّ جَلَسَ يَأْكُل، فَاسْتَدْعَى ذَلِكَ الشَّابَّ لِيَأْكُلَ مَعَهُ، فَسَأَلَهُ عَن أَمْرِه؛ فَأَخْبرَهُ أَنَّهُ مِن أَهْلِ الكُوفَة، وَأَنَّهُ خَرَجَ لحَاجَةٍ عَرَضَتْ لَهُ بِغَيرِ نَفَقَةٍ وَلاَ زَاد،

стр. 2811

فَقَالَ لَهُ الرَّجُل: أَنَا تَاجِرٌ مِنَ المَوْصِل، فَكُنْ رَفِيقِي؛ آنَسُ بِكَ وَتُعِينُني عَلَى سَفَرِي، وَنَفَقَتُكَ وَمُؤْنَتُكَ عَلَيّ ٠٠؟ فَقَالَ لَهُ الشَّابّ: وَأَنَا أَيْضَاً أَخْتَارُ صُحْبَتَكَ، وَأَرْغَبُ في مُرَافَقَتِك، فَسَارَ مَعَه في سَفَرِهِ وَخَدَمَهُ أَحْسَنَ خِدْمَة، إِلى أَنْ وَصَلاَ إِلى تِكْرِيت، فَنزَلَتِ القَافِلَةُ خَارِجَ المَدِينَة، وَدَخَلَ النَّاسُ إِلى قَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ، فَقَالَ التَّاجِرُ لِذَلِكَ الرَّجُل: احْفَظْ حَوَائِجَنَا حَتىَّ أَدْخُلَ المَدِينَةَ وَأَشْتَرِيَ مَا نحْتَاجُ إِلَيْه، فَدَخَلَ المَدِينَةَ وَقَضَى جَمِيعَ حَوَائِجِهِ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَمْ يجِدِ القَافِلَةَ وَلاَ الشَّابّ؛ فَظَنَّ أَنَّهُ لَمَّا رَحَلَتْ القَافِلَةُ رَحَلَ مَعَهُمْ؛ فَلَمْ يَزَلْ يَسِيرُ وَيُجِدُّ في السَّيرِ إِلى أَن

стр. 2812

أَدْرَكَ القَافِلَةَ بَعْدَ جَهْدٍ عَظِيم، فَسَأَلهُمْ عَنْ صَاحِبِهِ فَقَالُواْ: مَا رَأَيْنَاهُ وَلاَ جَاءَ مَعَنَا، وَلَكِنَّهُ رَحَلَ عَلَى أَثَرِكَ حِينَ أَطَلْتَ المَغِيب، فَظَنَنَّا أَنَّكَ أَمَرْتَهُ، فَكَرَّ الرَّجُلُ رَاجِعَاً إِلى تِكْرِيت، وَسَأَلَ في الطَّرِيقِ عَنِ الشَّابِّ فَلَمْ يجِدْ لَهُ أَثَرَاً، وَلاَ سَمِعَ لَهُ خَبرَاً، فَيَئِسَ مِنهُ وَرَجَعَ إِلى المَوْصِل ـ بَلَدِهِ ـ مَسْلُوبَ المَال، فَوَصَلَهَا نَهَارَاً فَقِيرَاً جَائِعَاً حَرَضَاً في شِدَّةِ الإِعْيَاء، فَاسْتَحْيَا أَنْ يَدْخُلَهَا نَهَارَاً فَتَشْمَتَ بِهِ الأَعْدَاء، نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شَمَاتَتِهِمْ ٠٠ كُلُّ المَصَائِبِ قَدْ تَمُرُّ عَلَى الفَتى * فَتَهُونُ غَيرَ شَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ ﴿ابْنُ أَبي عُيَيْنَة﴾

стр. 2813

وَخَشِيَ أَنْ يحْزَنَ الصَّدِيقُ إِذَا رَآهُ عَلَى تِلْكَ الحَالَة؛ فَاسْتَخْفَى إِلى اللَّيْلِ ثُمَّ عَادَ إِلى دَارِه، فَطَرَقَ البَابَ فَقِيلَ مَن هَذَا ٠٠؟

стр. 2814

قَالَ فُلاَن ـ يَعْني نَفْسَه ـ فَأَظْهَرُواْ لَهُ سُرُورَاً عَظِيمَاً بِمَقْدِمِه، وَقَالُواْ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَاءَ بِكَ في هَذَا الوَقْت؛ فَإِنَّكَ أَخَذْتَ مَالَكَ مَعَكَ وَمَا تَرَكْتَ لَنَا نَفَقَةً كَافِيَة، وَأَطَلْتَ سَفَرَكَ وَاحْتَجْنَا إِلى مَالٍ فَلَمْ نجِدْ، وَقَدْ وَضَعَتْ زَوْجَتُكَ اليَوْم، وَاللهِ مَا وَجَدْنَا مَا نَشْتَرِي بِهِ شَيْئَاً لِلنُّفَسَاء، فَأْتِنَا بِدَقِيقٍ وَدُهْنٍ نُسْرِجُ بِهِ عَلَيْنَا، فَإِنَّهُ لاَ سِرَاجَ عِنْدَنَا، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ ازْدَادَ غَمَّا عَلَى غَمّ، وَكَرِهَ أَنْ يخْبرَهُمْ بحَالِهِ فَيُحْزِنَهُمْ بِذَلِك، فَأَخَذَ وِعَاءً لِلدُّهْن، وَوِعَاءً لِلدَّقِيق، وَخَرَجَ إِلى حَانُوتٍ أَمَامَ دَارِه، وَكَانَ فِيهِ رَجُلٌ يَبِيعُ الدَّقِيقَ وَالزَّيْتَ وَالعَسَل، وَكَانَ البَائِعُ قَدْ أَطْفَأَ

стр. 2815

سِرَاجَهُ وَأَغْلَقَ حَانُوتَهُ وَنَام، فَنَادَاهُ فَعَرَفَه، فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَعَانَقَهُ وَحَمِدَ اللهَ عَلَى سَلاَمَتِه، فَقَالَ لَهُ: افْتَحْ حَانُوتَكَ وَأَعْطِنَا مَا نحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ دَقِيقٍ وَعَسَلٍ وَدُهْن، فَنزَلَ البَائِعُ إِلى حَانُوتِهِ وَأَوْقَدَ المِصْبَاح، وَوَقَفَ يَزِنُ لَهُ مَا طَلَب، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ حَانَتْ مِنَ التَّاجِرِ الْتِفَاتَة، فَرَأَى خُرْجَهُ الَّذِي هَرَبَ بِهِ خَادِمُه، فَلَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ أَنِ انْقَضَّ عَلَيْهِ وَقَال: ادْفَعْ إِليَّ مَالي يَا عَدُوَّ الله، فَقَالَ لَهُ البَائِعُ مَا هَذَا يَا فُلاَن ٠٠؟!

стр. 2816

قَالَ هَذَا خُرْجِي، هَرَبَ بِهِ خَادِمِي وَأَخَذَ حِمَارِي وَجَمِيعَ مَالي، فَقَالَ البَائِع: وَاللهِ مَا لي عِلْم، غَيرَ أَنَّ رَجُلاً وَرَدَ عَلَيَّ بَعْدَ العِشَاءِ وَاشْتَرَى مِنيِّ عَشَاءه، وَأَعْطَاني هَذَا الخُرْجَ فَجَعَلْتُهُ في حَانُوتي وَدِيعَةً إِلى أَنْ يُصْبِح، وَالحِمَارُ في دَارِي، وَالرَّجُلُ في المَسْجِدِ نَائِم، فَحَمَلاَ الخُرْجَ وَمَضَيَا إِلى الرَّجُل، فَإِذَا الشَّابُّ نَائِمٌ في المَسْجِد، فَوَكَزَهُ التَّاجِرُ المَوْصِلِيُّ صَاحِبُ المَالِ بِرِجْلِه، فَقَامَ الشَّابُّ فَزِعَاً، فقال لَهُ التَّاجِرُ المَوْصِلِيّ: أَيْنَ مَالي يَا خَائِن ٠٠؟ قَالَ هَا هُوَ في خُرْجِك، فَوَاللهِ مَا أَخَذْتُ مِنهُ ذَرَّة، قَالَ فَأَيْنَ الحِمَارُ وَآلَتُه ٠٠؟

стр. 2817

قَالَ هُوَ عِنْدَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي مَعَك، فَسَأَلَهُ التَّاجِرُ أَيْنَ كُنْت ٠٠!؟ قَالَ الرَّجُل: لَقَدِ انْتَظَرْنَاكَ طَوِيلاً فَلَمْ تجِئْ، حَتىَّ هَمَّتِ القَافِلَةُ بِمُوَاصَلَةِ السَّير، فَانْطَلَقْتُ في أَثَرِكَ فَلَمْ أَعْثُرْ عَلَيْك، ثمَّ نَظَرْتُ فَإِذَا القَافِلَةُ قَدْ سَارَتْ؛ فَعُدْتُ أَدْرَاجِيَ حَتىَّ أُؤَدِّيَ الأَمَانَةَ إِلى أَهْلِ بَيْتِك،

стр. 2818

فَوَصَلْتُ إِلى المَوْصِلِ في ظُلْمَةِ اللَّيْل، فَقُلْتُ أَنَامُ في المَسْجِدِ إِلى الصُّبْحِ ثمَّ أَمْضِي لأَهْلِ بَيْتِك، فَعَفَا عَنهُ التَّاجِرُ المَوْصِلِيُّ وَخَلَّى سَبِيلَه، ثُمَّ مَضَى بخُرْجِهِ إِلى دَارِهِ فَوَجَدَ مَتَاعَهُ سَالِمَاً، فَوَسَّعَ عَلَى أَهْلِهِ وَأَخْبرَهُمْ بِقِصَّتِهِ؛ فَازْدَادُواْ سُرُورَاً عَلَى سُرُور، وَتَبرَّكُواْ بِذَلِكَ المَوْلُود، فَسُبْحَانَ مَنْ لاَ يخِيبُ مَنْ يَقْصِدُه، وَلاَ يَنْسَى مَنْ يَعْبُدُه " ٠ [الأَبْشِيهِيُّ في كِتَابِ " المُسْتَطْرَف " بِشَيْءٍ مِنَ التَّصَرُّف، البَابُ السَّابِعُ وَالخَمْسُون: بَابِ اليُسْرِ بَعْدَ العُسْرِ] ارْحَمُواْ عَزِيزَ قَوْمٍ ذَلّ وَحَكَى أَبُو بَكْرٍ الطَّرْطُوشِيُّ في كِتَابِهِ " سِرَاجِ المُلُوكِ " عَن أَحَدِ الصَّالحِينَ قَال:

стр. 2819

" كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَى الشَّيْخِ أَبي حَفْصٍ جُزْءً امِنَ الحَدِيث، في حَانُوتِ رَجُلٍ عَطَّار، فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ مَعَهُ في الحَانُوت؛ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الطَّوَّافِين، مِمَّنْ يَبِيعُ العِطْرَ في طَبَقٍ يحْمِلُهُ عَلَى يَدِه، فَدَفَعَ إِلَيْهِ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ وَقَالَ لَه: أَعْطِني بهَا أَشْيَاءَ سَمَّاهَا لَهُ مِنَ العِطْر، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا فَأَخَذَهَا، ثُمَّ هَمَّ العَطَّارُ بِالقِيَامِ لِشَأْنِه؛ فَسَقَطَ الطَّبَقُ مِنْ يَدِه، فَانْسَكَبَ جَمِيعُ مَا فِيه، فَبَكَى وَجَزِعَ حَتىَّ رَحِمْنَاه؛ فَقَالَ أَبُو حَفْصٍ لِصَاحِبِ الحَانُوت: لَعَلَّكَ تُعِينُهُ عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الأَشْيَاء ٠٠؟

стр. 2820

فَقَالَ سَمْعَاً وَطَاعَة، فَنزَلَ وَجَمَعَ لَهُ مَا قَدَرَ عَلَى جَمْعِه، وَأَقْبَلَ الشَّيْخُ عَلَى الطَّوَّافِ يُصَبِّرُهُ وَيَقُولُ لَه: لاَ تجْزَعْ، إِنَّ أَمْرَ الدُّنيَا أَيْسَرُ مِنْ ذَلِك، فَقَالَ الطَّوَّاف: أَيُّهَا الشَّيْخ، لَيْسَ جَزَعِي لِضَيَاعِ مَا ضَاع، لَقَدْ عَلِمَ اللهُ ﷻ أَني كُنْتُ في القَافِلَةِ الفُلاَنِيَّة، فَضَاعَ لي هِمْيَانٌ فِيهِ أَرْبَعَةُ آلاَفِ دِينَار، وَمَعَهَا فُصُوصٌ قِيمَتُهَا كَذَلِكَ فَمَا جَزِعْت؛ حَيْثُ كَانَ لَدَيَّ مِنْ رَأْسِ المَالِ مَا يَصْلُحُ بِهِ حَالي، وَأُنْفِقُ مِنهُ عَلَى عِيَالي، وَلَكِنْ وُلِدَ لي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَلَد، فَاحْتَجْنَا لأُمِّهِ مَا يُحْتَاجُ لِلنُّفَسَاء، وَلَمْ يَكُن عِنْدِي بَعْدَ ذَهَابِ تجَارَتي غَيرُ مِاْئَةِ دِرْهَم، فَخَشِيتُ أَن أَشْتَرِيَ بهَا حَاجَةَ

стр. 2821

النُّفَسَاءِ فَأَبْقَى بِلاَ رَأْسِ مَال، وَأَنَا قَدْ صِرْتُ شَيْخَاً كَبِيرَاً لاَ أَقْدِرُ عَلَى الكَسْب؛ فَقُلْتُ في نَفْسِي: أَشْتَرِي بِهَا شَيْئَاً مِنَ العِطْر، فَأَطُوفُ بِهِ صَدْرَ النَّهَارِ عَسَى أَنْ يُرْبحَني اللهُ شَيْئَاً أَسُدُّ بِهِ رَمَقَ زَوْجَتي، وَيَبْقَى رَأْسُ المَالِ كَمَا هُوَ، فَاشْتَرَيْتُ هَذَا العِطْر، فَحِينَ انْسَكَبَ الطَّبَقُ عَلِمْتُ أَنَّه لَمْ يَبْقَ لي إِلاَ الفِرَارُ مِنهُم؛ فَهَذَا هُوَ الَّذِي أَدَّى إِلى جَزَعِي، وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الجُنْدِ جَالِسَاً إِلى جَانِبي يَسْمَعُ الحَدِيث، فَقَالَ لأَبي حَفْص: يَا سَيِّدِي، أُرِيدُ أَنْ تَأْتيَ بهَذَا الرَّجُلِ إِلى مَنزِلي، فَأَتَيْنَاهُ فَأَدْخَلَنَا إِلى مَنزِلِه، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الطَّوَّافِ وَقَالَ لَه: عَجِبْتُ مِنْ جَزَعِك ٠٠؟!

стр. 2822

فَأَعَادَ عَلَيْهِ القِصَّة، فَقَالَ لَهُ الجُنْدِيّ: وَكُنْتَ في تِلْكَ القَافِلَة ٠٠؟ قَالَ نَعَمْ، وَكَانَ مَعِي فِيهَا فُلاَنٌ وَفُلاَن، فَعَلِمَ الجُنْدِيُّ صِحَّةَ قَوْلِه؛ فَقَالَ لَهُ: وَمَا عَلاَمَةُ هِمْيَانِك؟ وَفي أَيِّ مَوْضِعٍ سَقَطَ مِنْك ٠٠؟ فَوَصَفَ لَهُ المَكَانَ وَالعَلاَمَة، فَقَالَ لَهُ الجُنْدِيّ: إِذَا رَأَيْتَهُ تَعْرِفُه ٠٠؟

стр. 2823

قَالَ نَعَمْ، فَأَخْرَجَ الجُنْدِيُّ لَهُ هِمْيَانَاً وَوَضَعَهُ بَينَ يَدَيْه، فَصَاحَ الشَّيْخُ حِينَ رَآهُ وَقَال: هَذَا هِمْيَاني وَاللهِ، وَعَلاَمَةُ صِحَّةِ قَوْلي؛ أَنَّ فِيهِ مِنَ الفُصُوصِ كَيْتَ وَكَيْت، فَفَتَحَ الهِمْيَانَ فَوَجَدَهُ كَمَا ذَكَر، فَسَجَدَ الرَّجُلُ للهِ شُكْرَاً، ثمَّ قَامَ فَقَبَّلَ رَأْسَ الجُنْدِيِّ وَشَكَرَهُ عَلَى أَمَانَتِه، وَعَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضَ المَالِ فَقَال: خُذْ مَالَكَ بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيه، فَقَالَ الطَّوَّاف: إِنَّ هَذِهِ الفُصُوصَ قِيمَتُهَا مِثْلُ الدَّنَانِيرِ وَأَكْثَر، فَخُذْهَا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ بِذَلِك ٠٠؟

стр. 2824

فَقَالَ الجُنْدِيّ: مَا كُنْتُ لآخُذَ عَلَى أَمَانَتي أَجْرَاً، وَلَقَدْ تحَسَّسْتُ الأَخْبَار؛ رَجَاءَ أَن أَسْمَعَ مَنْ يُنْشِدُهَا فَلَمْ أَجِدْ، فَتَرَكْتُهَا كَمَا هِيَ، حَتىَّ يَأْتيَ صَاحِبُهَا، وَهَا أَنْتَ ذَا قَدْ أَتَيْت، وَأَبى أَنْ يَأْخُذَ شَيْئَا، ثمَّ دَفَعَهَا لِلطَّوَّافِ كَامِلَةً فَأَخَذَهَا وَمَضَى، فَسُبْحَانَ الله ٠٠ دَخَلَ الطَّوَّافُ وَهُوَ مِنَ الفُقَرَاءِ المَسَاكِين، وَخَرَجَ وَهُوَ مِنَ الأَغْنِيَاءِ المَتْرَفِين، وَكَانَ رَبُّك قَدِيرَا " ٠ [الأَبْشِيهِيُّ في كِتَابِ " المُسْتَطْرَف " بِشَيْءٍ مِنَ التَّصَرُّف، البَابُ السَّابِعُ وَالخَمْسُون: بَابِ اليُسْرِ بَعْدَ العُسْرِ]

стр. 2825

جَاءَ في دُرَّةِ الْغَوَّاصِ لأَبي محَمَّدٍ الْقَاسِمِ بْنِ عَلِيٍّ الحَرِيرِيِّ صَاحِبِ المَقَامَاتِ أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ المُبَرِّدَ رَوَى أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الذِّمَّةِ سَأَلَ أَبَا عُثْمَانَ المَازِنيَّ في قِرَاءَةِ كِتَابِ سِيبَوَيْهِ عَنهُ، وَبَذَلَ لَهُ مِاْئَةَ دِينَارٍ في تَدْرِيسِهِ إِيَّاه؛ فَامْتَنَعَ المَازِنيُّ ﵀ مِنْ ذَلِك؛ فَقَالَ لَهُ المُبَرِّد: جُعِلْتُ فِدَاك؛ أَتَرُدُّ هَذِهِ النَّفَقَةَ مَعَ فَاقَتِكَ وَاحْتِيَاجِكَ إِلَيْهَا ٠٠؟!

стр. 2826

فَقَالَ لَهُ المَازِنيّ: هَذَا الْكِتَابُ يَشْتَمِلُ عَلَى ثَلاَثِمِاْئَةِ حَدِيث، وَكَذَا آيَةً مِنْ كِتَابِ الله جَلَّ وَعَلاَ؛ فَلَسْتُ أَرَى أَن أُمَكِّنَ مِنهَا ذِمِّيَّاً؛ غَيْرَةً عَلَى كِتَابِ الله ﵎ وَحَمِيَّةً لَهُ ٠٠!! فَاتَّفَقَ أَن غَنَّتْ جَارِيَةٌ بِحَضْرَةِ الْوَاثِقِ مِنْ شِعْرِ الْعَرْجِيّ: أَظَلُومُ إِنَّ مُصَابَكُمْ رَجُلاً * أَهْدَى السَّلاَمَ تَحِيَّةً ظُلْمُ

стр. 2827

فَاخْتَلَفَ مَنْ بِالحَضْرَةِ في إِعْرَابِ رَجُلاً؛ فَمِنهُمْ مَنْ نَصَبَهُ وَجَعَلَهُ اسْمَ إِنَّ، وَمِنهُمْ مَنْ رَفَعَهُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُهَا، وَالجَارِيَةُ مُصِرَّةٌ عَلَى أَنَّ شَيْخَهَا أَبَا عُثْمَانَ المَازِنيَّ لَقَّنَهَا إِيَّاهُ بِالنَّصْب؛ فَأَمَرَ الْوَاثِقَ بِإِشْخَاصِهِ؛ قَالَ أَبُو المَازِنيّ: فَلَمَّا مَثُلْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قَال: مِمَّنِ الرَّجُل ٠٠؟ قُلْتُ: مِنْ مَازِنٍ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين، قَال: أَيِّ المَوَازِن ٠٠؟ قُلْتُ: مَنْ مَازِنِ رَبِيعَة؛ فَكَلَّمَني بِكَلاَمِ قَوْمِي وَقَال: بِاسْمُكَ ٠٠؟

стр. 2828

لأَنَّهُمْ يَقْلِبُونَ المِيمَ بَاءً وَالْبَاءَ مِيمَاً إِذَا كَانَتْ في الاِسْتِفْهَامِ أَوْ في الأَسْمَاء؛ فَكَرِهْتُ أَن أُجِيبَهُ عَلَى لُغَةِ قَوْمِي [لأَنَّ اسْمَهُ بَكْر]؛ لِئَلاَّ أُوَاجِهَ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ بِالمَكْر؛ فَقُلْتُ: بَكْرٌ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ فَفَطِنَ لِمَا قَصَدْتُهُ فَأَعْجَبَهُ مِنيِّ ذَلِك، ثُمَّ قَال: مَا تَقُولُ في قَوْلِ الشَّاعِر: أَظَلُومُ إِنَّ مُصَابَكُمْ رَجُلاً * أَهْدَى السَّلاَمَ تَحِيَّةً ظُلْمُ أَتَرْفَعُ رَجُلاً أَمْ تَنْصِبُهُ ٠٠؟

стр. 2829

فَقُلْتُ: الْوَجْهُ: النَّصْبُ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ قَالَ وَلِمَ ٠٠؟! فَقُلْتُ: إِنَّ " مُصَابَكُمْ " مَصْدَرٌ بِمَعْنىَ إِصَابَتَكُمْ؛ فَأَخَذَ الزَّيْدِيُّ في مُعَارَضَتي؛ فَقُلْتُ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكَ: إِنَّ ضَرْبَكَ زَيْدَاً ظُلْمٌ فَالرَّجُلُ مَفْعُولُ " مُصَابَكُمْ "؛ فَهُوَ مَنْصُوبٌ بِهِ؛ فَاسْتَحْسَنَهُ الْوَاثِقُ وَأَمَرَ لي بِأَلْفِ دِينَار؛ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ المُبَرِّد: فَلَمَّا عَادَ المَازِنيُّ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ وَرَفَعَ ذِكْرَهُ في الدُّنيَا وَالآخِرَةِ إِلىَ الْبَصْرَةِ قَالَ لي: كَيْفَ رَأَيْتَ ٠٠؟ رَدَدْنَا للهِ مِاْئَةً؛ فَعَوَّضَنَا أَلْفَاً " ٠ [ابْنُ حَجَّةَ الحَمَوِيُّ في ثَمَرَاتِ الأَوْرَاق]

стр. 2830

رَوَى ابْنُ النَّجَّارِ عَن أَبي بَكْرٍ عَبْدِ اللهِ بْنِ نَصْرٍ التَّيْمِيِّ قَال: سَمِعْتُ عَبْدَ الْقَادِرِ الجِيلاَنيَّ يَقُول: " بَلَغَتْ بي الضَّائِقَةُ في الْغِلاَءِ إِلىَ أَنْ بَقِيْتُ أَيَّامَاً لاَ آكُلُ طَعَامَاً، بَلْ أَتَّبَّعُ المَنْبُوذَات؛ فَخَرَجْتُ يَوْمَاً إِلىَ الشَّطّ؛ فَوَجَدْتُ قَدْ سَبَقَني الْفُقَرَاء، فَضَعُفْتُ وَعَجَزْتُ عَنِ التَّمَاسُك؛ فَدَخَلْتُ مَسْجِدَاً وَقَعَدْتُ وَكِدْتُ أُصَافِحُ المَوْت، فَدَخَلَ شَابٌّ أَعْجَمِيٌّ وَمَعَهُ خُبْزٌ وَشِوَاء، وَجَلَسَ يَأْكُل، فَكُنْتُ أَكَادُ كُلَّمَا رَفَعَ لُقْمَةً أَن أَفْتَحَ فَمِي؛ فَالْتَفَتَ فَرَآني؛ فَقَال: " بِاسْمِ الله ": [أَيْ كُلْ مَعِي] فَأَبَيْتُ، فَأَقْسَمَ عَلَيَّ؛

стр. 2831

فَأَكَلْتُ مُقَصِّرَاً، وَأَخَذَ يَسْأَلُني: مَا شُغْلُكَ وَمِن أَيْنَ أَنْت ٠٠؟ فَقُلْتُ: مُتَفَقِّهٌ مِنْ جِيلاَن؛ قَال: وَأَنَا مِنْ جِيلاَن، فَهَلْ تَعْرِفُ لي شَابَّاً جِيلاَنِيَّاً اسْمُهُ عَبْدُ الْقَادِر، يُعْرَفُ بِسِبْطِ أَبي عَبْدِ اللهِ الصَّوْمعِيِّ الزَّاهِد؟ فَقُلْتُ: أَنَا هُو؛ فَاضْطَّرَبَ لِذَلِكَ وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ وَقَال: وَاللهِ يَا أَخِي لَقَدْ وَصلْتُ إِلىَ بَغْدَادَ وَمعِي بَقِيَّةُ نَفَقَةٍ لي؛ فَسَأَلْتُ عَنْكَ فَلَمْ يُرْشِدْني أَحَد،

стр. 2832

إِلىَ أَنْ نَفِذَتْ نَفَقَتي، وَبَقِيتُ بَعْدَهَا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لاَ أَجِدُ ثَمَنَ قُوتي إِلاََّ مِنْ مَالِك؛ فَلَمَّا كَانَ هَذَا اليَوْمُ الرَّابِعُ قُلْتُ: قَدْ تجَاوَزَتْني ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ وَحَلَّتْ ليَ المَيْتَة، فَأَخَذْتُ مِنْ وَدِيعَتِكَ ثَمَنَ هَذَا الخُبْزِ وَالشِّوَاء؛ فُكُلْ طَيِّبَاً فَإِنَّمَا هُوَ لَكَ وَأَنَا ضَيْفُكَ الآن؛ فَقُلْتُ: وَمَا ذَاك ٠٠؟! قَال: أُمُّكَ وَجَّهَتْ مَعِي ثَمَانِيَةَ دَنَانِيرَ لأُسْلِمَهَا إِلَيْك، وَاللهِ مَا خُنْتُكَ فِيهَا إِلىَ اليَوْم؛ فَسَكَّنْتُهُ وَطَيَّبْتُ نَفْسَهُ وَدَفَعْتُ إِلَيْهِ مِنهَا شَيْئَا " ٠ [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء ٠ طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة ٠ ص: ٤٤٥/ ٢٠]

стр. 2833

وَقَالَ الإِمَامُ الحَافِظُ محَمَّدُ بْنُ طَاهِرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ المَقْدِسِيِّ يَحْكِي عَنْ نَفْسِهِ: " أَقَمْتُ بِتَنِّيسَ مُدَّةً [وَهِيَ جَزِيرَةٌ صَغِيرَةٌ كَانَتْ آنَذَاكَ تَقَعُ شَمَالَ دِمْيَاطَ بِالْقُرْبِ مِنْ سَاحِلِ الْبَحْر] عَلَى أَبي محَمَّدٍ بنِ الحَدَّادِ وَنُظَرَائِه، فَضَاق بي ـ أَيْ مَرَرْتُ بِضَائِقَةٍ شَدِيدَة ـ فَلَمْ يَبْقَ مَعِي غَيْرُ دِرْهَمٍ، وَكُنْت أَحْتَاجُ إِلىَ حِبْرٍ وَكَاغَد ـ الْكَاغَدُ نَوْعٌ مِنَ الأَلْوَاحِ الْوَرَقِيَّةِ كَانَ يُكْتَبُ عَلَيْهِ آنَذَاك ـ فَتَرَدَّدْتُ في صَرْفِهِ في الحِبْرِ أَوِ الْكَاغَدِ أَوِ الخُبْز،

стр. 2834

وَمَضَى عَلَى هَذَا ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ لَمْ أَطْعَمْ فِيهَا؛ فَلَمَّا كَانَ بُكْرَةَ الْيَوْمِ الرَّابِعِ قُلْتُ في نَفْسِي: لَوْ كَانَ ليَ الْيَوْمَ كَاغَدٌ: لَمْ يُمْكِنيِّ أَن أَكْتُبَ مِنَ الجُوع، فَجَعَلْتُ الدِّرْهَمَ في فَمِي، وَخَرَجْتُ لأَشْتَرِيَ خُبْزَاً، فَبَلَعْتُهُ؛ وَوَقَعَ عَلَيَّ الضَّحِك؛ فَلَقِيَني صَدِيقٌ وَأَنَا أَضْحَكُ فَقَال: مَا أَضْحَكَك ٠٠؟ قُلْتُ: خَيْر، فَأَلَحَّ عَلِيّ، وَأَبَيْتُ أَن أُخْبِرَهُ؛ فَحَلَفَ بِالطَّلاَقِ لَتَصْدُقَنيِّ، فَأَخْبَرتُهُ؛ فَأَدْخَلَني مَنْزِلَهُ وَتَكَلَّفَ أَطْعِمَةً، فَلَمَّا خَرَجْنَا لِصَلاَةِ الظُّهْر؛ اجْتَمَع بِهِ بَعْضُ وُكَلاَءِ عَامِلِ تَنِّيسِ بْنِ قَادُوسَ فَسَأَلَهُ عَنيِّ [أَيْ سَأَلَ صَاحِبي عَنيِّ] ٠٠؟

стр. 2835

فَقَالَ هُوَ هَذَا، قَال: إِنَّ صَاحِبي [أَيْ رَيِّسِي صَاحِبُ تَنِّيس] مُنْذُ شَهْرٍ أَمَرَ بي أَن أُوَصِّلَ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ عَشْرَةَ دَرَاهمَ قِيمَتُهَا رُبْعُ دِينَار، وَسَهَوْتُ عَنهُ، فَأَخَذَ مِنهُ ثَلاَثَمِاْئَة " ٠ [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء ٠ طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة ٠ ص: ٣٦٨/ ١٩] بَكَيْتُ وَصَارَتْ دُمُوعِيَ بَحْرَاً * وَلَنْ تُشْبِعَ الفُقَرَاءَ البُحُورْ فَيَا آكِلَ الجَوْزِ وَاللَّوْزِ مَهْلاً * أَكَلْتَ اللُّبَابَ فَجُدْ بِالقُشُورْ بُطُونُ خَزَائِنِكُمْ أُتْخِمَتْ * وَبَطْنُ الفَقِيرِ كَجَيْبِ الفَقِيرْ نَعُوذُ بِكَ اللهُمَّ مِنْ فَقْرٍ يُذِلُّنَا، أَوْ غِنىً يُضِلُّنَا ٠٠

стр. 2836

الرِّضَا بِالقَلِيل: ========= تَعْرِيفُ القَنَاعَةِ وَالرِّضَا إِنَّ الرِّضَى لُغَةً هُوَ القَبُول، أَمَّا القَنَاعَةُ فَهِيَ مِنَ الأَضْدَاد: فَتَأَتي بِمَعْني الرِّضَى وَالتَّسْلِيم ـ وَمِنهُ أُخِذَ الاَقْتِنَاع ـ كَمَا تَأْتِي بِمَعْنيً آخَرَ مُنَافٍ لِلرِّضَى وَالتَّسْلِيم: تَأْتِي بِمَعْني المَسْأَلَة، فَالَّذِي يَرْضَى بِقِسْمَةِ اللهِ يُقَالُ لَهُ قَانِع، وَالَّذِي يَسْأَلُ النَّاسَ أَيْضَاً يُقَالُ لَهُ قَانِع؛ وَمِنهُ قَوْلُهُ ﷻ : ﴿وَأَطْعِمُواْ القَانِعَ وَالمُعْتَرّ﴾ [الحَجّ: ٣٦]

стр. 2837

فَالقَانِعُ هُنَا هُوَ السَّائِل، أَمَا المُعْتَرّ: فَهْوَ الْفَقِيرُ الَّذِي لاَ يَسْأَلُ النَّاسَ وَلَكِنْ يَعْتَرِيهِمْ، أَيْ: يَتَعَرَّضُ لَهُمْ حَتىَّ يَفْطِنُواْ إِلَيْهِ فَيُعْطُوه ٠ ﴿لِسَانُ العَرَب: ٢٩٧/ ٨﴾ أَحِبَّتي الكِرَام: كَمَا أَنَّ الغَنيَّ لاَ سَبِيلَ أَمَامَهُ لِلنَّجَاة؛ إِلاَّ بِالإِنْفَاقِ في سَبِيلِ الله؛ فَالفَقِيرُ أَيْضَاً لاَ سَبِيلَ أَمَامَهُ لِلنَّجَاة؛ إِلاَّ بِالصَّبرِ عَلَى قَضَاءِ الله ٠٠!!

стр. 2838

وَهَذَا مَا سَوْفَ نَتَعَرَّضُ لَهُ في هَذَا البَابِ إِنْ شَاءَ الله ٠ الرِّضَا بِالمَقْسُومِ عِبَادَة عَن أُسَامَةَ بْنِ عُمَيرٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ اللهَ ﷻ يَبْتَلِي عَبْدَهُ بمَا أَعْطَاه؛ فَمَنْ رَضِيَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَهُ؛ بَارَكَ لَهُ فِيهِ وَوَسَّعَه، وَمَنْ لَمْ يرْضَ؛ لَمْ يُبَارَكْ لَه " ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: ١٨٦٩، ١٦٥٨، وَالأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٢٠٢٧٩]

стр. 2839

عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " يَا أَبَا هُرَيْرَة؛ كُنْ وَرِعَاً تَكُن أَعْبَدَ النَّاس، وَكُنْ قَنِعَاً تَكُن أَشْكَرَ النَّاس، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُؤْمِنَاً، وَأَحْسِنْ مجَاوَرَةَ مَنْ جَاوَرَكَ تَكُنْ مُسْلِمَاً، وَأَقِلَّ الضَّحِك؛ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْب " ٠

стр. 2840

[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " الجَامِعِ " بِرَقْم: (٨٧٠٩)، أَخْرَجَهُ الإِمَامُ البَيْهَقِيُّ في " شُعَبِ الإِيمَانِ " بِرَقْم: ٥٧٥٠] عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " اتَّقِ المحَارِمَ تَكُن أَعْبَدَ النَّاس، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُن أَغْنى النَّاس، وَأَحْسِنْ إِلى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنَاً، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمَاً، وَلاَ تُكْثِرْ الضَّحِك؛ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْب " ٠ [حَسَّنَهُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ بِرَقْم: ٢٣٠٥، وَفي الجَامِعِ بِرَقْم: ١٠٠، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ بِرَقْم: ٨٠٣٤]
следующие страницы →