← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 38154

موسوعة الرقائق والأدب - ياسر الحمداني

ياسر الحمداني

Полный текст (8 320 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

وَمِمَّا يُحْكَى في ذَلِكَ مِنَ الأَسَاطِيرِ أَنَّ فَقِيرًا مُعْدِمَاً كَانَ لَهُ جَارٌ مُؤْذٍ ظَلَّ يَتَحَرَّشُ بِهِ وَيَكِيدُ لَهُ حَتىَّ سَلَّطَ عَلَيْهِ الْوَالي فَطَرَدُوهُ مِنَ الْقَرْيَة؛ فَخَرَجَ عَلَى وَجْهِهِ يَهِيمُ في الأَرْضِ وَيَضْرِبُ في مَنَاكِبِهَا، يَبْحَث لَهُ عَن عَمَل، فَعَثَرَ بَيْنَمَا هُوَ يَمْشِي في طَرِيقِهِ؛ عَلَى قَصْعَةٍ جَمِيلَةٍ مِنَ الخَشَبِ العَاجِ فَأَعْجَبَتْهُ فَاقْتَنَاهَا، وَمَضَى في سَبِيلِهِ حَتىَّ وَجَدَ بحْرَاً وَمَرَاكِبَ تحْمِلُ النَّاس، فَأَدْخَلَ يَدَهُ في جَيْبِهِ وَأَخْرَجَهَا بَيْضَاءَ مِن غَيرِ دِرْهَمٍ وَلاَ دِينَار، فَقَالَ في نَفْسِهِ: وَاللهِ لأَمْضينَّ مَعَ هَؤُلاَءِ ولْيَكُنْ مَا يَكُون، فَلَعَلَّ وَرَاءهَذَا البَحْرِ خَيرَاً كَثِيرَاً،

стр. 2977

وَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ظَهْرِ السَّفِينَةِ يُفَكِّرُ في أُجْرَةِ الرُّكُوب؛ إِذِ ابْتَلاَهُمُ اللهُ بِرِيحٍ عَاصِفٍ تُدَمِّرُ، كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبهَا، فَحَطَّمَتِ السَّفينَة، فَأَلهَمَهُ اللهُ حينَ أَدرَكَهُ الغَرَقُ أَنْ يَخْلَعَ بَعْضَ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ لِيَتَشبَّثَ بِه، وَوَضَعَ الْقَصْعَةَ عَلَى رَأْسِه، وَنجَا بِأُعْجوبَةٍ بَعْدَمَا وَاجَهَ أَمْوَاجَاً كَالجِبَال، فَأَسْلَمَتْهُ في النِّهَايَةِ إِلى جَزِيرَةٍ لَمْ تخْطُرْ لَهُ بِبَال، فِيهَا مخْلُوقَاتٌ غَرِيبَةٌ كَالَّتي يُحْكَى عَنهَا في عَالَمِ الخَيَال؛ فَأَوْجَسَ في نَفْسِهِ مِنهُمْ خِيفَةً وَقَال: أَسْتَعْملُ مَعَهُمُ الحِيلَة، وَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ أَنْ يَنْفَعَ مَعَهُمُ المِحَال، فَتَقَدَّمَ إِلى مَلِكِهِمْ وَقَالَ لَهُ:

стр. 2978

جِئْتُكَ أَيُّهَا المَلِكُ مِنْ بِلاَدٍ بَعِيدَةٍ بِلَطَائِفَ وَهَدَايَا، ذَهَبَتْ كُلُّهَا في البَحْرِ لَمْ يَبْقَ مِنهَا إِلاَّ هَذِهِ التُّحْفَةُ الثَّمِينَةُ النَّادِرَة ـ يَعْني القَصْعَة ـ فَأَخَذَهَا المَلِكُ وَقَلَّبَهَا ظَهْرَاً لبَطْنٍ ثمَّ وَضَعَهَا عَلَى رَأْسِه؛ فَإِذَا بِهَذِهِ المَخْلُوقَاتِ تُصَفِّقُ وَتُهَلِّلُ ابْتِهَاجَاً بِتَاجِ السَّلطَنَةِ الجَديد، فَأَرَادَ المَلِكُ مُكَافَأَتَه؛ فَأَعْطَاهُ مِلئَهَا مِنِ الأَحْجَارِ الكَرِيمةِ وَاليَاقُوتِ وَالمَرْجَان ـ

стр. 2979

وَهُوَ كَالحَصَى في بِلاَدِ الجَان ـ وَأَعَادَه إِلى بَلَدِهِ سَالِمَاً، سَمِعَ بِقِصَّتِهِ أَحَدُ الحَسَدَةِ الحَقَدَةِ وَمَا أَكْثَرَهُمْ في هَذَا الزَّمَان؛ فَبَاعَ دَارَهُ وَكلَّ مَا يمْلِكُ وَاشْتَرَى لَطَائِفَ وَهَدَايَا ثمِينَة، وَخَزَفَاً وَتحَفَاً أَثَريَّةً نَادِرَة، وَذَهَبَ بها إِلى هَذَا المَلِك، فَاسْتَقبَلَهُ بِالتَّرْحَابِ وَقَبِلَ مِنهُ هَدَايَاهُ وَفَرِحَ بهَا كَثِيرَا، بَلْ وَكَافَأَهُ بِشَيْءٍ لَمْ يخْطُرْ لَهُ عَلَى بَال؛ فَشَكَرَهُ عَلَى تِلكَ الهَدَايَا وَقَال:

стр. 2980

إِني كُلَّمَا نَظَرْتُ إِلى شَيْءٍ أُقَدِّمُهُ لَك؛ وَجَدْتُهُ أَقَلَّ بِكَثِيرٍ ممَّا أَعْطَيْتَني؛ فَقَرَّرْتُ أَخِيرَاً بَعْدَمَا فَكَّرْتُ كَثِيرَاً؛ أَن أَمْنَحَكَ أَعْظَمَ شَيْءٍ عِنْدِي: إِنَّهُ تَاجُ السَّلْطَنَة: " القَصْعَة " ٠٠!! [هَذِهِ القِصَّةُ كَتَبَهَا لِلإِذَاعَةِ المِصْرِيَّةِ الأُسْتَاذُ الْكَاتِب / عَبْدِ الفَتَّاح مُصْطَفَى، تحْتَ عِنوَان: قِسَم] انْظُرْ إِلى مَا فَعَلَهُ بِهِ الحَسَد ٠٠ خَسِرَ غِنَاهُ وَعَادَ بِقَصْعَة ٠٠!! مَلِكُ المُلُوكِ إِذَا وَهَبْ * لاَ تَسْأَلَنَّ عَنِ السَّبَبْ

стр. 2981

وَقَالَ بَكْرُ بنُ عَبْدِ الله: " كَانَ رَجُلٌ يَغْشَى بَعْضَ المُلُوك، فَكَانَ يَقُومُ بحِذَاء المَلِكِ فَيَقُول: أَحْسِن إِلى المحْسِنِ بِإِحْسَانِه؛ فَإِنَّ المُسِيءَ سَتَكْفِيكَهُ إِسَاءَ تُه، فَحَسَدَهُ رَجُلٌ عَلَى هَذَا المقَامِ وَهَذَا وَالكَلاَم؛ فَسَعَي بِهِ إِلى المَلِك ـ وَكُلُّنَا يَعْرِفُ أَنَّ المُلُوكَ تَغْضَبُ غَضَبَ الصَّبيّ، وَتَبْطِشُ بَطْشَ الأَسَد ـ فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا المَلِك؛ إِنَّ فُلاَنَاً هَذَا الَّذِي يَقُومُ بحِذَائِك، وَيَقُولُ مَا يَقُول؛ يَزْعُمُ أَنَّكَ أَبْخَر، فَقَالَ المَلِك: وَكَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ عِنْدِي ٠٠؟

стр. 2982

قَال: تَدْعُوهُ إِلَيْكَ وَتُدْنِيه، فَإِنَّهُ إِذَا دَنَا مِنْكَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى أَنْفِه ٠٠ فَقَالَ لَهُ المَلِك: انْصَرِفْ حَتىَّ أَنْظُرَ في أَمْرِه، فَخَرَجَ مِن عِنْدِ المَلِكِ فَدَعَا ذَلِكَ الرَّجُلَ الطَّيِّبَ إِلى مَنزِلِه،

стр. 2983

وَأَطْعَمَهُ طَعَامَاً أَكْثَرَ فِيهِ مِنَ الثَّوْم؛ فَخَرَجَ مِن عِنْدِهِ وَقَامَ كَعَادَتِهِ بحِذَاءِ المَلِكِ فَقَال: أَيُّهَا المَلِك؛ أَحْسِن إِلى المحْسِنِ بِإِحْسَانِهِ فَإِنَّ المُسِيءَ سَتَكْفِيهِ إِسَاءَ تُه، فَقَالَ لَهُ المَلِك: ادْنُ مِنيِّ يَا فُلاَن، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى فِيهِ مخَافَةَ أَنْ يَشُمَّ المَلِكُ مِنهُ رَائِحَةَ الثَّوم؛ فَقَالَ المَلِكُ في نَفْسِه: مَا أَرَى فُلاَنَاً إِلاَّ قَدْ صَدَق؛ فَكَتَبَ لَهُ كِتَابَاً بخَطِّه، وَقَالَ اذْهَبْ بِهِ إِلى كَاتمِ السِّرّ، جَاءَ في الكِتَابِ أَن إِذَا أَتَاكَ حَامِلُ هَذَا الكِتَابِ فَاقْطَعْ عُنُقَهُ وَابْعَثْ بِهَا إِليّ، وَلاَ تَقْبَلْ مِنهُ صَرْفَاً وَلاَ عَدْلاَ، فَأَخَذَ الرَّجُلُ الكِتَابَ وَخَرَج، فَلَقِيَهُ ذَلِكَ الحَاسِدُ الَّذِي سَعَى بِه؛ فَقَالَ لَه: مَا هَذَا الكِتَاب؟

стр. 2984

فَقَالَ الرَّجُلُ الطَّيِّب: خَطَّ لي المَلِكُ فِيهِ بِصِلَة ـ أَيْ بهَدِيَّة ـ فَقَالَ هَبْهُ لي؛ فَأَرَادَ مُكَافَأَتَهُ عَلَى تِلْكَ الدَّعْوَةِ فَوَهَبَهُ لَه، فَأَخَذَهُ وَمَضَى بِهِ إِلى كَاتِمِ السِّرّ، فَلَمَّا قَرَأَهُ كَاتِمُ السِّرِّ قَالَ لَهُ: إِنَّ المَلِكَ يَأْمُرُني في هَذَا الكِتَابِ أَن أَقْطَعَ رَقَبَتَكَ وَأَبْعَثَ بِهَا إِلَيْه، فَقَال: إِنَّ الكِتَابَ لَيْسَ لي؛ فَاللهَ اللهَ في أَمْرِي حَتىَّ تُرَاجِعَ المَلِك، فَلَمْ يُصَدِّقهُ كَاتمُ السِّرِ وَقَالَ لَهُ: إِنَّ كِتَابَ المَلِكِ لاَ يُرَاجَع، وَذَبحَهُ وَقَطَعَ رَقَبَتَهُ وَبَعَثَ بِهَا إِلى المَلِك، فَلَمَّا رَآهُ المَلِك؛ تَعَجَّبَ غَايَةَ العَجَب، وَبَعَثَ إِلى ذَلِكَ الرَّجُلِ الطَّيِّبِ وَسَأَلَه: مَا فَعَلَ الكِتَاب ٠٠؟!

стр. 2985

فَقَال: لَقِيَني فلاَنٌ فَاسَتَوْهَبَهُ مِنيِّ فَوَهَبْتُهُ لَه، فَأُلْقِيَ في رُوعِ المَلِكِ أَنَّ الأَمْرَ لاَ يجْرِي عَلَى هَذَا النَّحْوِ إِلاَّ بِتَدْبِيرٍ مِنَ الله؛ فَقَالَ المَلِك: إِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنِّي أَبخَر ٠٠؟! فَقَالَ الرَّجُل: مَا قُلتُ ذَلِك، فَقَالَ المَلِك: فَلِمَ كُنْتَ تَضَعُ يَدَكَ عَلَى فَمِكَ وَأَنْتَ تحَدِّثُني ٠٠؟! فَقَال: إِنَّهُ أَطْعَمَني في ذَلِكَ اليَوْمِ طَعَامَاً فِيهِ ثَوْم؛ فَكَرِهْتُ أَنْ يَشُمَّهُ مَوْلاَيَ المَلِك؛ هُنَا قَالَ المَلِك: الآنَ حَصْحَصَ الحَقّ، صَدَقْتَ وَاللهِ؛ فَقَدْ كَفَتِ المُسِيءَ إِسَاءَ تُهُ، فَأَعَادَهُ المَلِكُ إِلى مَكَانِه، وَرَفَعَ مَنزِلَتَهُ وَأَكْرَمَ مَثْوَاه ٠

стр. 2986

[الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاء " ٠ الطَبْعَة الأُولى لِدَارِ الوَثَائِقِ المِصْرِيَّة ٠ كِتَابُ ذَمُّ الحَسَد ٠ ص: ١٠٨٤] وَهَكَذَا الحَسُودُ الحَقُود؛ فَإِنَّ الدَّائِرَةَ عَلَيْهِ تَعُود ٠٠!! قَاتَلَ اللهُ الحَسَد؛ أَوَّلَ مَا يَفْتِكُ يَفْتِكُ بِصَاحِبِه ٠ وَصَدَقَ شَاعِرُ الفُقَهَاءِ وَفَقِيهُ الشُّعَرَاءِ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀ عِنْدَمَا قَال: اصْبرْ عَلَى كَيْدِ الحَسُودِ فَإِنَّ صَبرَكَ قَاتِلُه فَالنَّارُ تَأْكُلُ بَعْضَهَا إِنْ لَمْ تجِدْ مَا تَأْكُلُهْ ﴿ابْنُ المُعْتَزّ، وَتُنْسَبُ أَيْضَاً اِلإِمَامِ الشَّافِعِيّ﴾ وَكَمَا قَدْ قَالُواْ في الأَمْثَال: " الحَسُودُ لاَ يَسُود " ٠

стр. 2987

وَتُعَلِّمُنَا هَذِهِ القِصَّةُ أَيْضَاً أَلاَ نَعْجَلَ في أَمْرِ الصِّحَاب، لمجَرَّدِ وِشَايَةٍ أَتَتْنَا مِنْ مُتَمَلِّقٍ كَذَّاب، وَلاَ بُدَّ أَنْ يَسْبِقَ العِتَابُ العِقَاب ٠٠!! هَكَذَا يَصْنَعُ الحَسَدُ بِأَصْحَابِه عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبي أُمَامَةَ ﵁، أَنَّهُ دَخَلَ هُوَ وَأَبُوهُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ بِالمَدِينَة، في زَمَانِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ ﵁ وَهُوَ أَمِيرُ المَدِينَة، فَإِذَا هُوَ يُصَلِّي صَلاَةً خَفِيفَةً دَقِيقَة، كَأَنَّهَا صَلاَةُ مُسَافِرٍ أَوْ قَرِيبَاً مِنْهَا؛ فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ أَبي: يَرْحَمُكَ الله، أَرَأَيْتَ هَذِهِ ٠٠ الصَّلاَةُ المَكْتُوبَةُ أَوْ شَيْءٌ تَنَفَّلْتَهُ ٠٠؟!

стр. 2988

قَالَ إِنَّهَا المَكْتُوبَة، وَإِنَّهَا لَصَلاَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، مَا أَخْطَأْتُ إِلاَّ شَيْئَاً سَهَوْتُ عَنْهُ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُول: " لاَ تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدَّدَ عَلَيْكُمْ؛ فَإِنَّ قَوْمَاً شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ، فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ في الصَّوَامِعِ وَالدِّيَار، وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ " ٠ ثُمَّ غَدَا مِنْ الغَدِ فَقَال: أَلاَ تَرْكَبُ لِتَنْظُرَ وَلِتَعْتَبِر ٠٠؟ قَالَ نَعَمْ، فَرَكِبُواْ جَمِيعَاً، فَإِذَا هُمْ بِدِيَارٍ بَادَ أَهْلُهَا وَانْقَضَوْا وَفَنَوا، خَاوِيَةٍ عَلَى عُرُوشِهَا؛ فَقَالَ أَتَعْرِفُ هَذِهِ الدِّيَار ٠٠؟

стр. 2989

فَقُلْتُ مَا أَعْرَفَني بِهَا وَبِأَهْلِهَا ٠٠ هَذِهِ دِيَارُ قَوْمٍ أَهْلَكَهُمْ البَغْيُ وَالحَسَد " ٠ [قَالَ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَعِ ": رِجَالُهُ رِجَالُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ ثِقَة ٠ ص: ٢٥٦/ ٦] الشَّيْءُ الَّذِي يحْمَدُ فِيهِ الحَسَد إِنَّ الحَسَدَ لاَ يحْمَدُ إِلاَّ في الدِّين، وَطَبْعَاً لاَبُدَّ أَنْ نُفَرِّقَ هُنَا بَينَ الحَسَدِ وَالغِبْطَة ٠٠ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " لاَ حَسَدَ إِلاَّ في اثْنَتَيْن: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ في الحَقّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا "

стр. 2990

[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: (٧٣)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: ٨١٦] عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " لاَ حَسَدَ إِلاَّ في اثْنَتَيْن: رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللهُ القُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَار، فَسَمِعَهُ جَارٌ لَهُ فَقَال: لَيْتَني أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتيَ فُلاَن؛ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَل، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً فَهُوَ يُهْلِكُهُ في الحَقّ؛ فَقَالَ رَجُلٌ لَيْتَني أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتيَ فُلاَن؛ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَل " [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: (٥٠٢٦)، وَالحَدِيثُ في " المُسْنَدِ " بِرَقْم: ٩٨٥٧]

стр. 2991

عَن أَبي كَبْشَةَ الأَنْمَارِيِّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " مَثَلُ هَذِهِ الأُمَّةِ كَمَثَلِ أَرْبَعَةِ نَفَر: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً وَعِلْمَا، فَهُوَ يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ في مَالِهِ يُنْفِقُهُ في حَقِّه، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ عِلْمَاً وَلَمْ يُؤْتِهِ مَالاً، فَهُوَ يَقُول: لَوْ كَانَ لي مِثْلُ هَذَا ـ أَيْ مِثْلُ ذَلِكَ العَبْدِ الصَّالِح ـ

стр. 2992

عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ الَّذِي يَعْمَل؛ فَهُمَا في الأَجْرِ سَوَاء، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً وَلَمْ يُؤْتِهِ عِلْمَاً؛ فَهُوَ يَخْبِطُ في مَالِهِ يُنْفِقُهُ في غَيرِ حَقِّه، وَرَجُلٌ لَمْ يُؤْتِهِ اللهُ عِلْماً وَلاَ مَالاً؛ فَهُوَ يَقُول: لَوْ كَانَ لي مِثْلُ هَذَا ـ أَيْ مِثْلُ ذَلِكَ العَبْدِ السُّوء ـ عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ الَّذِي يَعْمَل؛ فَهُمَا في الوِزْرِ سَوَاء " ٠ [صَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ " بِرَقْم: (٤٢٢٨)، الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاءِ ": ١٠٨٦]

стр. 2993

قَالَ الخُلْدِيّ: قَالَ لي أَبُو أَحْمَدَ الْقَلاَنِسِيّ: " فَرَّقَ رَجُلٌ أَرْبَعِينَ أَلْفَاً عَلَى الْفُقَرَاء؛ فَقَالَ لي: أَمَا تَرَى مَا أَنْفَقَ هَذَا وَمَا قَدْ عَمِلَهُ ٠٠؟ وَنحْنُ لاَ نَرْجعُ إِلىَ شَيْءٍ نُنْفِقُه؛ فَامْضِ بِنَا إِلىَ مَوْضِع؛ فَذَهَبْنَا إِلىَ المَدَائِنِ فَصَلَّيْنَا أَرْبَعِينَ أَلْفَ رَكْعَة " ٠ [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء ٠ طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة ٠ ص: ١٧٢/ ١٣]

стр. 2994

الثِّقَةُ فِيمَا عِنْدَ الله وَيُرْوَى أَنَّ سَيِّدَنَا سُلَيْمَانَ ﵇ رَأَى نَمْلَةً تحْمِلُ حُبَيْبَةَ قَمْح؛ فَأَشْفَقَ عَلَيْهَا مِنَ الحِمْل؛ فَسَأَلَهَا: كَمْ حَبَّةٍ تَكْفِيكِ في العَامِ يَا نَمْلَة ٠٠؟ قَالَتْ لَهُ: حَبَّتَان؛ فَأَخَذَهَا فَوَضَعَهَا في قُمْقُمٍ وَوَضَعَ لَهَا حَبَّتَينِ وَأَغْلَقَهُ عَلَيْهَا، ثُمَّ انْشَغَلَ بِالجُيُوشِ وَالفُتُوحَاتِ فَلَمْ يَذْكُرْهَا إِلاَ بَعْدَ عَامَين؛ فَأَحَسَّ بِالذَّنْبِ وَهَرَعَ إِلَيْهَا فَزِعَاً، فَوَجَدَهَا حَيَّةً تُرْزَق؛ فَتَعَجَّبَ وَقَالَ لَهَا: أَلَمْ تَقُولي يَا نَمْلَة: إِنَّي آكُلُ في العَامِ حَبَّتين ٠٠؟!

стр. 2995

قَالَتْ: إِنَّي أَكَلْتُ في هَذِهِ السَّنَةِ حَبَّةً وَاحِدَة، وَادَّخَرْتُ الأُخْرَى، فَلَقَدْ كُنْتُ آكُلُ حَبَّتَينِ في السَّنَة؛ عِنْدَمَا كَانَ يَرْزُقُني مَنْ لاَ يَنْسَاني؛ وَلَكِن أَكَلْتُ هَذِهِ السَّنَةَ حَبَّةً وَاحِدَة؛ عِنْدَمَا صَارَ رِزْقِي عَلَى الإِنْسَانِ ٠٠!! يَقُولُ : ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ في الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ ﴿هود: ٦﴾ قِيلَ لأَبي أُسَيْد ـ وَكَانَ رَجُلاً صَالحَاً ـ مِن أَيْنَ تَأْكُلُ يَا أَبَا أُسَيْد ٠٠؟ فَقَال: سُبْحَانَ اللهِ ٠٠ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ الكَلْب؛ أَفَلاَ يَرْزُقُ أَبَا أُسَيْد " ٠؟ [الإِمَامُ القُرْطُبيُّ في " تَفْسِيرِهِ " لِلآيَةِ السَّابِقَةِ بِسُورَةِ هُود ٠ الطَّبْعَةُ الثَّانِيَةُ لِدَارِ الشَّعْب ٠ القَاهِرَة: ٧/ ٩]

стр. 2996

فَرِزْقُكَ عَلى اللهِ يَا ابْنَ آدَم؛ فَلِمَ تَنْشَغِلُ بمَا عَلَى اللهِ وَتَترُكُ مَا عَلَيْك ٠٠؟! لِمَ تَنْشَغِلُ بمَا خُلِقَ لَكَ عَمَّا خُلِقْتَ لَه ٠٠؟!! الرِّزْقُ أَشَدُّ طَلَبَاً لِلعَبْدِ مِنَ الأَجَل، وَلَكِنَّهُ خُلِقَ الإِنْسَانُ مِن عَجَل عَن أَبي الدَّرْدَاءِ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ الرِّزْق لَيَطْلُبُ العَبْدَ كَمَا يَطْلُبُهُ أَجَلُه " ٠ [وَثَّقَهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في المجْمَع، وَحَسَّنَهُ الأَلبَانيُّ في الجَامِع، وَقَالَ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في صَحِيحِ ابْنِ حِبَّان: حَدِيثٌ قَوِيّ، رَوَاهُ الإِمَامُ الطَّبرَانيّ]

стр. 2997

وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " لَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ هَرَبَ مِنْ رِزْقِهِ كَمَا يَهْرَبُ مِنَ المَوْت؛ لأَدْرَكَهُ رِزْقُهُ كَمَا يُدْرِكُهُ المَوْت " ٠ [حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في صَحِيحِ الجَامِعِ بِرَقْم: ٩٣٧١/ ٥٢٤٠، أَبُو نُعَيْمٍ في الحِليَة] عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " جَاءَ سَائِلٌ إِلىَ النَّبيِّ ﷺ ، فَإِذَا تَمْرَةٌ عَائِرَةٌ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا وَقَالَ لَهُ ﷺ : " خُذْهَا، لَوْ لَمْ تَأْتِهَا لأَتَتْك " ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في التَّرْغِيبِ وَفي الظِّلاَلِ بِرَقْم: ٢٦٥، وَقَالَ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في صَحِيحِ ابْنِ حِبَّان: إِسْنَادُهُ قَوِيّ]

стр. 2998

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " أَيُّهَا النَّاس: إِنَّ أَحَدَكُمْ لَنْ يَمُوتَ حَتىَّ يَسْتَكْمِلَ رِزْقَه؛ فَلاَ تَسْتَبْطِئُواْ الرِّزْق، وَاتَّقُواْ اللهَ أَيُّهَا النَّاسُ وَأَجْمِلُوا في الطَّلَب: خُذُواْ مَا حَلَّ وَدَعُواْ مَا حَرُم " ٠ [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، وَالْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: ٧٣٢٣، ٢٦٠٧، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ وَالبَيْهَقِيُّ في سُنَنِه]

стр. 2999

وَفي رِوَايَةٍ لِلإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَيْضَاً إِلاَّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِيهَا: " أَيُّهَا النَّاس؛ اتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُواْ في الطَّلَب؛ فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتىَّ تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا، وَإِن أَبْطَأَ عَنْهَا؛ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُواْ في الطَّلَب، خُذُواْ مَا حَلَّ وَدَعُواْ مَا حَرُم " [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ بِرَقْم: ٢١٤٤]

стр. 3000

عَن أَبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " أَجْمِلُواْ في الطَّلَب؛ فَإِنَّ كُلاً مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَه " ٠ [صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَينِ بِنَحْوِه ٠ المُسْتَدْرَكُ بِرَقْم: ٢١٣٣، صَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ في " الصَّحِيحَة " بِرَقْم: ٨٩٨] عَن أَبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " أَجْمِلُواْ في طَلَبِ الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ كُلاًّ مُيَسَّرٌ لِمَا كُتِبَ لَهُ مِنهَا " ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ ابْنِ مَاجَةَ بِرَقْم: ٢١٤٤، وَقَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَين]

стр. 3001

لَيْتَنَا نَطْلُبُ الدِّينَ كَمَا نَطْلُبُ الرِّزْق وفي بَعْضِ الأَحَادِيثِ القُدُسِيِّة: " يَا ابْنَ آدَم؛ لاَ تُطَالِبْني بِرِزْقِ غَدٍ مَا لَمْ أُطَالِبْكَ بِعَمَل غَدٍ؛ فَإِني لاَ أَنْسَى مَن عَصَاني؛ فَكَيْفَ بمَن أَطَاعَني " ٠٠؟ عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ عَنْ رَبِّ العِزَّةِ ﷻ أَنَّهُ قَال: " يَا ابْنَ آدَم: تَفَرَّغْ لِعِبَادَتي؛ أَمْلأْ صَدْرَكَ غِنىً، وَأَسُدَّ فَقْرَك، وَإِلاَّ تَفْعَلْ: مَلأْتُ يَدَيْكَ شُغْلاً، وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَك " ٠ [صَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ وَفي سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ بِرَقْم: ٢٤٦٦، وَالْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٨٦٨١، وَالإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص] فَرِزْقُكَ آتِيكَ آتِيك ـ لاَ محَالَةَ سَخطْتَ أَمْ رَضِيت ـ فَأَحْسِنِ الظَّنَّ باللهِ وَاصْبرْ صَبرَاً جمِيلاً ٠٠!!

стр. 3002

عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ عَنْ رَبِّ العِزَّةِ ﷻ أَنَّهُ قَال: " يَا ابْنَ آدَم؛ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي؛ أَمْلأْ قَلْبَكَ غِنىً، وَأَمْلأْ يَدَكَ رِزْقَاً، يَا ابْنَ آدَم؛ لاَ تَبَاعَدْ مِنيِّ؛ أَمْلأْ قَلْبَكَ فَقْرَاً، وَأمْلأْ يَدَكَ شُغُلاً " ٠ [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، وَالْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في صَحِيحِ التَّرْغِيبِ ح ٠ ر: ٣١٦٥] فَرِزْقُكَ آتِيكَ آتِيك ـ لاَ محَالَةَ سَخطْتَ أَمْ رَضِيت ـ فَأَحْسِنِ الظَّنَّ باللهِ وَاصْبرْ صَبرَاً جمِيلاً ٠٠!!

стр. 3003

الأَمْرُ أَعْجَلُ مِن هَذَا عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ قَال: " مَرَّ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنحْنُ نُعَالجُ خُصَّاً لَنَا ـ أَيْ يُصْلِحُونَهُ ـ فَقَالَ ﷺ : " مَا هَذَا " ٠٠؟! فَقُلْتُ: خُصٌّ لَنَا وَهَى ـ أَيْ ضَعُفَ تمَاسُكُه ـ نَحْنُ نُصْلِحُه، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَا أُرَى الأَمْرَ إِلاَّ أَعْجَلَ مِنْ ذَلِك " ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الأَئِمَّةِ ابْنِ مَاجَةَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَأَبي دَاوُدَ بِأَرْقَام: ٤١٦٠، ٢٣٣٥، ٥٢٣٦، وَالْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَد، وَالأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في صَحِيحِ ابْنِ حِبَّان بِرَقْم: ٢٩٩٧] فَلا تَشْغَلَنَّكَ يَا أَخِي الدُّنيَا عَنِ الدِّين ٠٠

стр. 3004

مَوْقِفٌ لأَبي العَتَاهيَةِ يُعَلِّمُنَا القَنَاعَة وَقَفَ أَبُو العَتَاهِيَةِ عَلَى أَعْرَابِيَّةٍ كَالقَمَر، تَبِيعُ الحِمَّصَ في طَرِيقِ الحَجِيجِ إِلى مَكَّة، حَيْثُ حَرَارَةُ الشَّمْسِ وَنُدْرَةُ المَاء، تَسْتَظِلُّ بِظِلُّ مِيلٍ رَكَزَتْهُ في الأَرْض، وَوَضَعَتْ عَلَيهِ شَمْلَتَهَا ـ أَيْ عَبَاءَ تَهَا، وَالمِيلُ هُوَ الغُصْنُ اليَابِسُ مِنَ الشَّجَر ـ فَقَالَ لَهَا: مَا الَّذِي أَقْعَدَكِ هُنَا يَا أَمَةَ اللهِ؟! فَقَالَتْ لَهُ: يَا هَذَا؛ لَوْلاَ أَنْ قَنَّعَ اللهُ بَعْضَ العِبَادِ بِشَرِّ البِلاَد؛ لَمَا وَسِعَ خَيرُ البِلاَدِ كُلَّ العِبَاد!!

стр. 3005

فَقَالَ لهَا: أَتَبِيعِينَ الحِمَّصَ وَلَكِ هَذَا الجَمَال ٠٠؟! قَالَتْ: قَدَرُ الله ٠٠!! فَسَأَلهَا: مِن أَيْنَ مَعَاشُكُمْ بَعْدَ انْقضَاءِ المَوْسِم ٠٠؟!! فَأَطْرَقَتْ مَلِياً ثُمَّ قَالَتْ: لاَ أَدْرِي، غَيرَ أَنَّا نُرْزَقُ مِن حَيْثُ لاَ نحْتَسِب؛ أَكْثَرَ ممَا نحْتَسِب ٠٠!! فَقَالَ أَبُو العَتَاهِيَةِ قَصِيدَتَهُ الشَّهِيرَةَ الَّتي مَطْلَعُهَا: هَبِ الدُّنيَا تُوَاتِيكَا أَلَيْسَ المَوْتُ يَأْتِيكَا فَمَا تَرْجُو مِنَ الدُّنيَا وَظِلُّ المِيلِ يَكْفِيكَا [الأَصْفَهَاني في كِتَابِ " الأَغَاني "، بِالطَّبْعَةِ الثَّانِيَةِ لِدَارِ الفِكْر ٠ بَيرُوت ٠ ص: ٨٦/ ٤] لَيْتَنَا نَدَّخِرُ لِلآخِرَةِ كَمَا نَدَّخِرُ لِلدُّنيَا

стр. 3006

عَنْ هِلاَلِ بْنِ سُوَيْدٍ أَنَّهُ قَال: " سَمِعْتُ أَنَسَاً ﵁ يَذْكُرُ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أُهْدِيَ لَهُ ثَلاَثَةُ طَوَائِر، فَأَطْعَمَ خَادِمَهُ طَائِرَاً، فَلمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ أَتَاهُ بِه؛ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَلَمْ أَنهَكَ أَنْ تخَبِّئَ شَيْئَاً لِغَد ٠٠؟ إِنَّ اللهَ يَأْتي برِزْقِ كُلِّ يَوْم " ٠ [حَسَّنَهُ العَلاَّمَةُ أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: (١٢٩٧٧)، وَالحَدِيثُ في " شُعَبِ الإِيمَانِ " بِرَقْم: ١٤٦٥]

стр. 3007

وَفي رِوَايَةٍ عَن أَنَسٍ ﵁ أَيْضَاً عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ثَلاَثَةُ طَوَائِر، فَأَطْعَمَ خَادِمَهُ طَائِرَاً، فَلَمَّا كَانَ مِنْ الغَدِ أَتَتْهُ بِهِ ـ أَيْ زَوْجَتُه ـ فَقَالَ لهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَلَمْ أَنْهَكِ أَنْ تَرْفَعِي شَيْئَاً؟! فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِرِزْقِ كُلِّ غَدٍ " [حَسَّنَهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَع " ص: (٣٠٣/ ١٠)، وَحَسَّنَهُ العَلاَّمَةُ أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: ١٢٩٧٧] مَنْ كَانَ رِزْقُهُ عَلَى اللهِ فَلاَ يحْزَن وَقَالَ أَحَدُ الصَّالحِين: مَرَرْتُ بِرَاهِبٍ فَقُلتُ لَهُ مِن أَيْنَ تَأْكُل ٠٠؟!

стр. 3008

فَقَال: مِنْ بَيْدَرِ اللَّطِيفِ الخَبِير؛ فَالَّذِي خَلَقَ الرَّحَى ـ وَأَشَارَ إِلى أَضْرَاسِهِ ـ يَأْتِيهَا بِالطَّحِين ٠ البَيْدَر: هُوَ المَطْحَن ٠ ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ في الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ ﴿هُود: ٦﴾ [الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاء " ٠ الطَّبْعَةُ الأُولى لِدَارُ الوَثَائِق: ١١٤١] عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ﵁ أَنَّ الأَشْعَرِيِّينَ أَبَا مُوسَى وَأَبَا مَالِكٍ وَأَبَا عَامِرٍ في نَفَرٍ مِنهُمْ: لَمَّا هَاجَرُواْ قَدِمُواْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ في فُلْكٍ وَقَدْ أَرْمَلُواْ مِنَ الزَّاد ـ أَيْ نَفِدَ زَادُهُمْ ـ

стр. 3009

فَأَرْسَلُواْ رَجُلاً مِنهُمْ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَسْأَلُه، فَلَمَّا انْتَهَى إِلى بَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَمِعَهُ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَة: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ في الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ ﴿هود: ٦﴾

стр. 3010

فَقَالَ الرَّجُل: مَا الأَشْعَرِيُّونَ بِأَهْوَنِ الدَّوَابِّ عَلَى الله؛ فَرَجَعَ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ لأَصْحَابِهِ: أَبْشِرُواْ، أَتَاكُمْ الغَوْث، وَلاَ يَظُنُّونَ إِلاَّ أَنَّهُ قَدْ كَلَّمَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَوَعَدَهُ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَتَاهُمْ رَجُلاَنِ يحْمِلاَنِ قَصْعَةً بَيْنَهُمَا ممْلُوءةً خُبْزَاً وَلحْمَاً، فَأَكَلُواْ مِنهَا مَا شَاءواْ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض: لَوْ أَنَّا رَدَدْنَا هَذَا الطَّعَامَ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ لِيَقْضِيَ بِهِ حَاجَتَه ٠٠؟

стр. 3011

فَقَالُواْ لِلرَّجُلَين: اذْهَبَا بهَذَا الطَّعَامِ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَإِنَّا قَدْ قَضَيْنَا مِنهُ حَاجَتَنَا، ثمَّ إِنهُمْ أَتَواْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالُواْ: يَا رَسُولَ الله، فَمَا رَأَيْنَا طَعَامَاً أَكْثَرَ وَلاَ أَطْيَبَ مِنْ طَعَامٍ أَرْسَلْتَ بِه ٠ فَقَالَ ﷺ : " مَا أَرْسَلْتُ إِلَيْكُمْ شَيْئَا " ٠ فَأَخْبرُوهُ أَنهُمْ أَرْسَلُواْ صَاحِبَهُمْ، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ٠٠؟! فَأَخْبرَهُ مَا صَنَعَ وَمَا قَالَ لهُمْ؛ فَقَالَ ﷺ : " ذَلِكَ شَيْءٌ رَزَقَكُمُوهُ اللهُ سُبْحَانَه " ٠ [نَوَادِرُ الأُصُول ٠ الأَصْلُ رَقْم: (٢١٥)، الإِمَامُ القُرْطُبيُّ في تَفْسِيرِهِ لهَذِهِ الآيَة: ٧/ ٩]

стр. 3012

عَنْ مَالِكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ المُعَافِرِيِّ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ مَرَّ بِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فَقَال: " لاَ تُكْثِرْ هَمَّك، مَا قُدِّرَ يَكُن وَمَا تُرْزَقْ يَأْتِك " ٠ [ضَعَّفَهُ الأَلبَانيُّ في الضَّعِيفَةِ بِرَقْم: ٤٧٩٢، البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ بِرَقْم: ١١٨٨، وَالغَزَاليُّ في الإِحْيَاءِ ٠ ص: ١١٤١] وَمِنْ مَأْثُورِ كَلاَمِ الإِمَامِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ قَوْلُه: " اعْلَمْ؛ أَنَّكَ لَسْتَ بِسَابِقٍ أَجَلَك، وَلاَ مَرْزُوقَاً مَا لَيْسَ لَك، وَاعْلَمْ أَنَّ الدَّهْرَ يَوْمَان: يَوْمٌ لَكَ وَيَوْمٌ عَلَيْك، وَأَنَّ الدُّنيَا دَارُ دُوَل؛ فَمَا كَانَ مِنهَا لَكَ أَتَاكَ عَلَى ضَعْفِك، وَمَا كَانَ مِنهَا عَلَيْكَ فَلَنْ تَدْفَعَهُ بِقُوَّتِك " ٠ [انْظُرْ مِنهَاجَ البَلاَغَةِ لِلشَّرِيفِ الرَّضِيّ ٠ في خُطَبِ الإِمَامِ عَلِيّ]

стр. 3013

قَرَأَ الأَصْمَعِيُّ عَلَى أَعْرَابيٍّ سُورَةَ الذَّارِيَاتِ مِن أَوَّلِهَا، حَتىَّ أَتَى عَلَى قَوْلِهِ ﷻ : ﴿وفي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُون﴾ ﴿الذَّارِيَات: ٢٢﴾ وَكَانَ لِلأَعْرَابيِّ مَعَ هَذِهِ الآيَةِ شَأْن، فَلَمَّا أَنْ سَمِعَهَا صَاحَ قَائِلاً: " قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقَّا، قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقَّا، ثُمَّ قَال: يَا أَصْمَعِيّ، هَذَا لِلرَّحْمَنِ كَلاَم ٠٠؟ قَالَ الأَصْمَعِيّ: نَعَمْ يَا أَعْرَابيّ، يَقُولُ اللهُ : ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لحَقُّ مِثْلَمَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُون﴾ ﴿الذَّارِيَات: ٢٣﴾ فَصَاحَ الأَعْرَابيُّ عِنْدَهَا وَقَال: يَا سُبْحَانَ الله؛ مَنْ ذَا أَغْضَبَ الجَلِيلَ حَتىَّ حَلَف، أَلَمْ يُصَدِّقُوهُ بِقَوْلِهِ حَتىَّ أَلجَأُوهُ إِلى اليَمِين ٠٠ قَالهَا ثَلاَثَاً، وَخَرَجَتْ نَفْسُه " ٠ [الإِمَامُ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإِيمَانِ بِرَقْم: ١٣٣٧]

стр. 3014

فَلاَ بُدَّ أَنْ نَكُونَ عَلَى يَقِينٍ بِمَا عِنْدَ الله ٠٠ عَنْ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاس ﵁ أَنَّهُ فَارَقَ جَمِيلَةَ بِنْتَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبيٍّ ﵁ وَهِيَ حَامِلَةٌ بِمُحَمَّد؛ فَلَمَّا وَلَدَتْهُ حَلَفَتْ أَنْ لاَ تَلْبِنَهُ مِنْ لَبَنِهَا؛ فَدَعَا بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَبَزَقَ في فِيهِ وَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ عَجْوَةٍ وَسَمَّاهُ مُحَمَّدَاً، وَقَالَ ﷺ : " اخْتُلِفَ بِهِ فَإِنَّ اللهَ رَازِقُه " ٠ فَأَتَيْتُهُ الْيَوْمَ الأَوَّلَ وَالثَّاني وَالثَّالِث؛ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ الْعَرَبِ تَسْأَلُ عَنْ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ ﵁؛ فَقُلْتُ: مَا تُرِيدِينَ مِنه، أَنَا ثَابِت ٠٠؟ فَقَالَتْ: أُرِيتُ في مَنَامِي كَأَنيَِّ أُرْضِعُ ابْنَاً لَهُ يُقَالُ لَهُ محَمَّد؛ فَقَالَ ﵁: فَأَنَا ثَابِتٌ وَهَذَا ابْني محَمَّد، وَإِذْ دِرْعُهَا ـ أَيْ صَدْرُهَا ـ يَتَعَصَّرُ مِنْ لَبَنِهَا " ٠ [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٢٨٣٨]

стр. 3015

الثِّقَةُ فِيمَا عِنْدَ الله؛ تَقْتَضِي اليَأْسَ مِمَّا عِنْدَ النَّاس وَقَال أَعْرَابِيٌّ لاَبْنِهِ: أَلاَ أُوصِي بِكَ الأَمِيرَ زِيَاد ٠٠؟ فَقَالَ الاَبْن: يَا أَبَتِ؛ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلحَيِّ إِلاَّ الوَصِيَّة؛ فَهُوَ وَالميِّتُ سَوَاء وقِيلَ لِصَالحِ بنِ مِسْمَار: أَلاَ تُوصِي بِابْنِكَ وَعِيَالِك ٠٠؟! فَقَال: إِني لأَسْتَحْيِي مِنَ اللهِ أَن أُوصِيَ بهِمْ غَيرَه ٠٠!! [الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاء " ٠ دَارُ الوَثَائِقِ المِصْرِيَّة ٠ طَبْعَةِ الحَافِظِ العِرَاقِيّ ٠ وَفَاةُ الصَّالحِين: ١٨٧٧]
следующие страницы →