← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 38154

موسوعة الرقائق والأدب - ياسر الحمداني

ياسر الحمداني

Полный текст (8 320 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

وَقِيلَ: إِنَّ اللهَ ﷻ سَيَبْعَثُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ رَسُولاً لِيَخْتَبرَهُمْ وَهُوَ يَعْلَمُ الكَافِرَ مِنَ المُؤْمِن؛ وَلَكِنْ لِيُتِمَّ سُنَّتَهُ في ابْتِلاَءِ عِبَادِهِ وَامْتِحَانِهِمْ، وَفي النِّهَايَةِ يَدْخُلُ مُؤْمِنُهُمُ الجَنَّةَ وَكَافِرُهُمُ النَّار، هَذَا ٠٠ وَاللهُ تَعَالى أَعْلَى وَأَعْلَمُ بِالصَّوَاب ٠ يَقُولُ شَيْخُ الإِسْلاَمِ ابْنُ تَيْمِيَةَ في الفَتَاوَى الكُبرَى في ذَلِك: " ثُمَّ إِنَّهُ قَدْ جَاءً في حَدِيثٍ إِسْنَادُهُ مُقَارِبٌ عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:

стр. 4132

" إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَة؛ فَإِنَّ اللهَ يَمْتَحِنُهُمْ وَيَبْعَثُ إِلَيْهِمْ رَسُولاً في عَرْصَةِ القِيَامَة، فَمَن أَجَابَهُ أَدْخَلَهُ الجَنَّةَ وَمَن عَصَاهُ أَدْخَلَهُ النَّار " ٠٠ فَهُنَاكَ يَظْهَرُ فِيهِمْ مَا عَلِمَهُ اللهُ ، وَيجْزِيهِمْ عَلَى مَا ظَهَرَ مِنَ الْعِلْم، وَهُوَ إِيمَانُهُمْ أَوْ كُفْرُهُمْ، وَهَذَا أَجْوَدُ مَا قِيلَ في أَطْفَالِ المُشْرِكِين " ٠ [شَيْخُ الإِسْلاَمِ ابْنُ تَيْمِيَةَ في " الفَتَاوَى الكُبرَى " طَّبْعَةِ مَكْتَبَةِ ابْنِ تَيْمِيَةَ بِالْقَاهِرَة ٠ ص: ٢٤٦/ ٤]

стр. 4133

وَقَالَ أَيْضَاً شَيْخُ الإِسْلاَمِ في مَوْضِعٍ آخَرِ مِنَ الْفَتَاوَى: " وَأَطْفَالُ الكُفَّار: أَصَحُّ الأَقْوَالِ فِيهِمْ: اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ عَامِلِين، وَطَائِفَةٌ جَزَمُواْ بِأَنَّهُمْ كُلُّهُمْ في الجَنَّة، وَاخْتَارَ ذَلِكَ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الجَوْزِيِّ وَغَيرُه؛ وَاحْتَجُّواْ بحَدِيثِ الإِسْرَاءِ الَّذِي فِيهِ رُؤْيَا النَّبيِّ ﷺ لَمَّا رَأَى إِبْرَاهِيمَ الخَلِيلَ وَحَوْلَهُ أَوْلاَدٌ كَثِيرُون؛ قِيل: يَا رَسُولَ اللهِ وَأَطْفَالُ المُشْرِكِين ٠٠؟ قال ﷺ : " وَأَوْلاَدُ المُشْرِكِين " ٠٠

стр. 4134

وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَال: اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ عَامِلِين، وَلاَ نحْكُمُ لِمُعَيَّنٍ مِنهُمْ بجَنَّةٍ وَلاَ نَار؛ وَقَدْ جَاءَ في عِدَّةِ أَحَادِيثَ أَنَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ في عَرَصَاتِ الْقِيَامَة؛ يُؤْمَرُونَ وَيَنهَوْنَ فَمَن أَطَاعَ دَخَلَ الجَنَّةَ وَمَن عَصَى دَخَلَ النَّار " ٠ [شَيْخُ الإِسْلاَمِ ابْنُ تَيْمِيَةَ في " الفَتَاوَى الكُبرَى " طَّبْعَةِ مَكْتَبَةِ ابْنِ تَيْمِيَةَ بِالْقَاهِرَة ٠ ص: ٣٠٣/ ٤] وَيُؤَيِّدُ قَوْلي في ذَلِكَ وَالَّذِي أَقَرَّهُ شَيْخُ الإِسْلاَم؛ هَذَانِ الحَدِيثَانِ الشَّرِيفَان، اللَّذَانِ يَدُلاَّنِ عَلَى أَنَّ الأَمْرَ مُعَلَّقٌ بمَا هُمْ عَامِلُون:

стр. 4135

عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ قَالَتْ: دُعِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلى جَنَازَةِ صَبيٍّ مِنَ الأَنْصَار؛ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ طُوبى لِهَذَا؛ عُصْفُورٌ مِن عَصَافِيرِ الجَنَّة؛ لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ وَلَمْ يُدْرِكْهُ؛ قَالَ ﷺ : " أَوَ غَيرَ ذَلِكَ يَا عَائِشَة؛ إِنَّ اللهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلاً، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ في أَصْلاَبِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلاً، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ في أَصْلاَبِ آبَائِهِمْ " ٠ [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٦٦٢ / عَبْد البَاقِي] وَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِيمَنْ مَاتَ مِن أَوْلاَدِ المُشْرِكِينَ مِمَّن عَلِمَ اللهُ صَلاَحَهُمْ إِن عَاشُواْ:

стр. 4136

عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ﵁ قَال: " كَانَ النَّبيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلاَةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: " مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا " ٠٠؟ فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّهَا فَيَقُولُ مَا شَاءَ الله، فَسَأَلَنَا يَوْمَاً فَقَالَ: " هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا " ٠٠؟ قُلْنَا: لاَ، قَالَ ﷺ : " لَكِني رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَاني فَأَخَذَا بِيَدِي فَأَخْرَجَاني إِلى الأَرْضِ المُقَدَّسَة، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ قَالَ أَحَدُ الرُّوَاة:

стр. 4137

إِنَّهُ يُدْخِلُ ذَلِكَ الكَلُّوبَ في شِدْقِهِ حَتىَّ يَبْلُغَ قَفَاه، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذَا فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَه؛ قُلْتُ: مَا هَذَا ٠٠؟! قَالاَ: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حَتىَّ أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ عَلَى قَفَاهُ وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِفِهْرٍ ـ أَيْ حَجَرٍ ـ أَوْ صَخْرَةٍ فَيَشْدَخُ بِهِ رَأْسَه، فَإِذَا ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ الحَجَرُ فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ لِيَأْخُذَه، فَلاَ يَرْجِعُ إِلى هَذَا حَتىَّ يَلْتَئِمَ رَأْسُه، وَعَادَ رَأْسُهُ كَمَا هُوَ فَعَادَ إِلَيْهِ فَضَرَبَه؛ قُلْتُ: مَنْ هَذَا ٠٠؟!

стр. 4138

قَالاَ: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا إِلى ثَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ أَعْلاَهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِع، يَتَوَقَّدُ تحْتَهُ نَارَاً، فَإِذَا اقْتَرَبَ ارْتَفَعُواْ حَتىَّ كَادَ أَنْ يخْرُجُواْ، فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُواْ فِيهَا، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاة؛ فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا ٠٠؟! قَالاَ: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حَتىَّ أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى وَسَطِ النَّهَر، وَعَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَة، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي في النَّهَرِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بحَجَرٍ في فِيهِ فَرَدَّهُ حَيْثُ كَان، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيخْرُجَ رَمَى في فِيهِ بحَجَرٍ فَيَرْجِعُ كَمَا كَان؛ فَقُلْتُ: مَا هَذَا ٠٠؟!

стр. 4139

قَالاَ: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حَتىَّ انْتَهَيْنَا إِلى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَة، وَفي أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَان، وَإِذَا رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنَ الشَّجَرَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ يُوقِدُهَا، فَصَعِدَا بي في الشَّجَرَةِ وَأَدْخَلاَني دَارَاً لم أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا: فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ وَنِسَاءٌ وَصِبْيَان، ثمَّ أَخْرَجَاني مِنْهَا فَصَعِدَا بي الشَّجَرَةَ فَأَدْخَلاَني دَارَاً هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ: فِيهَا شُيُوخٌ وَشَبَاب؛ قُلْتُ: طَوَّفْتُمَانيَ اللَّيْلَةَ فَأَخْبِرَاني عَمَّا رَأَيْت ٠٠؟!

стр. 4140

قَالاَ: نَعَمْ؛ أَمَّا الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ يحَدِّثُ بِالكَذِبَةِ فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتىَّ تَبْلُغَ الآفَاق؛ فَيُصْنَعُ بِهِ إِلى يَوْمِ القِيَامَة، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُه: فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللهُ القُرْآنَ فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَار؛ يُفْعَلُ بِهِ إِلى يَوْمِ القِيَامَة، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ في الثَّقْبِ فَهُمُ الزُّنَاة،

стр. 4141

وَالَّذِي رَأَيْتَهُ في النَّهَرِ آكِلُواْ الرِّبَا، وَالشَّيْخُ في أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ ﵇ وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فَأَوْلاَدُ النَّاس، وَالَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّار، وَالدَّارُ الأُولى الَّتي دَخَلْتَ دَارُ عَامَّةِ المُؤْمِنِين، وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاء، وَأَنَا جِبْرِيلُ وَهَذَا مِيكَائِيلُ فَارْفَعْ رَأْسَك، فَرَفَعْتُ رَأْسِي: فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَاب؛ قَالاَ: ذَاكَ مَنْزِلُك، قُلْتُ: دَعَاني أَدْخُلُ مَنْزِلي؛ قَالاَ: إِنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمُرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ، فَلَوِ اسْتَكْمَلْتَ أَتَيْتَ مَنْزِلَك " ٠ [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في كِتَابِ الجَنَائِزِ بَاب: مَا قِيلَ في أَوْلاَدِ المُشْرِكِين بِرَقْم: ١٢٩٧]

стр. 4142

وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَكْثَرَ وُضُوحَاً مِن هَذِهِ جَاءَ فِيهَا: عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَال: " كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ لأَصْحَابِهِ: " هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا " ٠٠؟ فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُصّ، وَإِنَّهُ قَالَ ذَاتَ غَدَاةٍ:

стр. 4143

" إِنَّهُ أَتَاني اللَّيْلَةَ آتِيَان، وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَاني ـ أَيْ أَرْسَلاَني ـ وَإِنَّهُمَا قَالاَ لي انْطَلِقْ، وَإِني انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَة، وَإِذَا هُوَ يَهْوِي بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ فَيَثْلَغُ رَأْسَهُ ـ أَيْ يَشْدَخُهَا ـ فَيَتَهَدْهَدُ الحَجَرُ هَهُنَا، فَيَتْبَعُ الحَجَرَ فَيَأْخُذُهُ، فَلاَ يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتىَّ يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَان ٠٠!! ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ المَرَّةَ الأُولى؛ قُلْتُ لَهُمَا: سُبْحَانَ اللهِ مَا هَذَان ٠٠؟!

стр. 4144

قَالاَ لي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ ـ أَيْ بحَدِيدَةٍ مَعْقُوفَةِ الطَّرْفِ كَالمِخْلَب ـ وَإِذَا هُوَ يَأْتي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ ـ أَيْ يُجَرِّحُ ـ شِدْقَهُ إِلى قَفَاه، وَمَنْخِرَهُ إِلى قَفَاه، وَعَيْنَهُ إِلى قَفَاه، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلى الجَانِبِ الآخَرِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالجَانِبِ الأَوَّل، فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الجَانِبِ حَتىَّ يَصِحَّ ذَلِكَ الجَانِبُ كَمَا كَان، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ المَرَّةَ الأُولى؛ قُلْتُ: سُبْحَانَ اللهِ مَا هَذَان ٠٠؟!

стр. 4145

قَالاَ لي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّور، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ كَانَ يَقُول: فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌ وَأَصْوَات، فَاطَّلَعْنَا فِيهِ فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاة، وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِن أَسْفَلَ مِنْهُمْ فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللهَبُ ضَوْضَوْا ـ أَيْ صَاحُواْ وَصَرَخُواْ ـ قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَؤُلاَء؟!

стр. 4146

قَالاَ لي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ حَسِبْتُ أَنَّهُ كَانَ يَقُول: أَحْمَرَ مِثْلِ الدَّم، وَإِذَا في النَّهَرِ رَجُلٌ سَابِحٌ يَسْبَح، وَإِذَا عَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجَارَةً كَثِيرَة، وَإِذَا ذَلِكَ السَّابِحُ يَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ ثمَّ يَأْتي ذَلِكَ الَّذِي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الحِجَارَةَ فَيَفْغَرُ لَهُ فَاهُ فَيُلْقِمُهُ حَجَرَاً، فَيَنْطَلِقُ يَسْبَحُ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ كُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ فَغَرَ لَهُ فَاهُ فَأَلْقَمَهُ حَجَرَاً، قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَان ٠٠؟!

стр. 4147

قَالاَ لي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ كَرِيهِ المَرْآةِ كَأَكْرَهِ مَا أَنْتَ رَاءٍ رَجُلاً مَرْآةً ـ أَيْ رُؤْيَةً ـ وَإِذَا عِنْدَهُ نَارٌ يَحُشُّهَا ـ أَيْ يُذْكِيهَا ـ وَيَسْعَى حَوْلَهَا، قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَا ٠٠؟! قَالاَ لي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتَمَّةٍ ـ أَيْ وَافِيَةُ النَّبَات ـ فِيهَا مِنْ كُلِّ لَوْنِ الرَّبِيع، وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَيِ الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طَوِيلٌ لاَ أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولاً في السَّمَاء، وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ مِن أَكْثَرِ وِلْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ قَطّ، قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَا، مَا هَؤُلاَء ٠٠؟!

стр. 4148

قَالاَ لي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا فَانْتَهَيْنَا إِلى رَوْضَةٍ عَظِيمَة، لَم أَرَ رَوْضَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا وَلاَ أَحْسَن، قَالاَ ليَ: ارْقَ فِيهَا، فَارْتَقَيْنَا فِيهَا فَانْتَهَيْنَا إِلى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ وَلَبِنِ فِضَّة، فَأَتَيْنَا بَابَ المَدِينَةِ فَاسْتَفْتَحْنَا فَفُتِحَ لَنَا، فَدَخَلْنَاهَا فَتَلَقَّانَا فِيهَا رِجَالٌ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ، وَشَطْرٌ كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ، قَالاَ لَهُمُ: اذْهَبُواْ فَقَعُواْ في ذَلِكَ النَّهَر، وَإِذَا نهَرٌ مُعْتَرِضٌ يجْرِي كَأَنَّ مَاءهُ المَحْضُ في البَيَاض، فَذَهَبُواْ فَوَقَعُواْ فِيهِ ثمَّ رَجَعُواْ إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ فَصَارُواْ في أَحْسَنِ صُورَة، قَالاَ لي: هَذِهِ جَنَّةُ عَدْن، وَهَذَاكَ ـ أَيْ

стр. 4149

هَذَا الَّذِي هُنَاكَ ـ مَنْزِلُك، فَسَمَا بَصَرِي صُعُدَاً فَإِذَا قَصْرٌ مِثْلُ الرَّبَابَةِ ـ أَيِ السَّحَابَةِ ـ البَيْضَاء، قَالاَ لي: هَذَاكَ مَنْزِلُك، قُلْتُ لَهُمَا: بَارَكَ اللهُ فِيكُمَا ذَرَاني فَأَدْخُلَهُ، قَالاَ: أَمَّا الآنَ فَلاَ وَأَنْتَ دَاخِلَهُ، قُلْتُ لهُمَا: فَإِني قَدْ رَأَيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَبَاً؛ فَمَا هَذَا الَّذِي رَأَيْت ٠٠؟!

стр. 4150

قَالاَ لي: أَمَا إِنَّا سَنُخْبِرُك: أَمَّا الرَّجُلُ الأَوَّلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالحَجَرِ فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ وَيَنَامُ عَنِ الصَّلاَةِ المَكْتُوبَة، وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلى قَفَاهُ وَمَنْخِرُهُ إِلى قَفَاهُ وَعَيْنُهُ إِلى قَفَاهُ فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ فَيَكْذِبُ الكَذْبَةَ تَبْلُغُ الآفَاق، وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ العُرَاةُ الَّذِينَ في مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ فَإِنَّهُمُ الزُّنَاةُ وَالزَّوَاني، وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ في النَّهَرِ وَيُلْقَمُ الحَجَرَ فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا،

стр. 4151

وَأَمَّا الرَّجُلُ الكَرِيهُ المَرْآةِ الَّذِي عِنْدَ النَّارِ يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلهَا فَإِنَّهُ مَالِكٌ خَازِنُ جَهَنَّم، وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي في الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ ﵇، وَأَمَّا الوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الفِطْرَة " ٠٠ فَقَالَ بَعْضُ المُسْلِمِين: يَا رَسُولَ اللهِ وَأَوْلاَدُ المُشْرِكِين ٠٠؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " وَأَوْلاَدُ المُشْرِكِين، وَأَمَّا القَوْمُ الَّذِينَ كَانُواْ شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنَاً وَشَطْرٌ قَبِيحَاً فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحَاً وَآخَرَ سَيِّئَاً تَجَاوَزَ اللهُ عَنْهُمْ " ٠ [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في كِتَابِ التَّعْبِيرِ بَاب: تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْح بِرَقْم: ٧٠٤٧]

стр. 4152

وَهَذَا بِالطَّبْعِ وَاللهُ أَعْلَمُ مَقْصُودٌ بِهِ مَنْ مَاتَ مِنهُمْ وَعَلِمَ اللهُ بِاطِّلاَعِهِ عَلَى الغَيْبِ أَنَّهُمْ سَيَمُوتُونَ عَلَى الإِسْلاَم؛ وَبِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ يُفَسَّرُ مَنْ دَخَلَ الجَنَّةَ مِن أَوْلاَدِ المُسْلِمِينَ أَوِ المُشْرِكِين، وَمَنْ دَخَلَ النَّارَ مِن أَوْلاَدِ المُشْرِكِينَ أَوِ المُسْلِمِين، كَهَذَيْنِ الحَدِيثَين: عَن أَسْلَمَ بْنِ سُلَيْمٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبيِّ ﷺ : مَنْ في الجَنَّة ٠٠؟ قَالَ ﷺ : " النَّبيُّ في الجَنَّة، وَالشَّهِيدُ في الجَنَّة، وَالمَوْلُودُ في الجَنَّة، وَالْوَئِيدُ في الجَنَّة " [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ أَبي دَاوُدَ " بِرَقْم: ٢٥٢١]

стр. 4153

وَعَن أُبيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ الغُلاَمَ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ طُبِعَ كَافِرَاً، وَلَوْ عَاشَ لأَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَانَاً وَكُفْرَاً " ٠ [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٦٦١ / عَبْد البَاقِي] كَيْفَ يُعَامَلُ أَوْلاَدُ المُؤْمِنِينَ؟ عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ أَنهَا قَالَتْ لِلنَّبيِّ ﷺ : " ذَرَارِيُّ المُؤْمِنِين ٠٠؟ ـ أَيْ أَطْفَالُهُمُ الصِّغَار ـ فَقَالَ ﷺ : " هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ " ـ أَيْ ممَّا أَنْشَأَهُمْ عَلَيْهِ آبَاؤُهُمْ ـ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بِلاَ عَمَل ٠٠؟!

стр. 4154

قَالَ ﷺ : " اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِين " ٠٠ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ فَذَرَارِيُّ المُشْرِكِين ٠٠؟ قَالَ ﷺ : " مِنْ آبَائِهِمْ " ـ أَيْ مِمَّا أَنْشَأَهُمْ عَلَيْهِ آبَاؤُهُمْ ـ قُلْتُ: بِلاَ عَمَل ٠٠؟! قَالَ ﷺ : " اللهُ أَعْلَمُ بمَا كَانُوا عَامِلِين " ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ أَبي دَاوُدَ " بِرَقْم: ٤٧١٢] أَيْ: إِن خَيرَاً فَخَير، وَإِنْ شَرَّاً فَشَرّ ٠٠!! ﴿أ ٠ هـ﴾ هَذَا ٠٠ وَثمَّةَ أَحَادِيثُ أُخْرَى صَحِيحَةٌ قَطَعَتْ بِأَنَّهُمْ ـ أَيْ أَطْفَالُ المُسْلِمِينَ وَالمُشْرِكِينَ ـ في الجَنَّة، كَهَذِهِ الْبَاقَةِ الْعَطِرَة:

стр. 4155

عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " أَطْفَالُ المُؤْمِنِينَ في جَبَلٍ في الجَنَّة، يَكْفُلُهُمْ إِبْرَاهِيمُ وَسَارَّة؛ حَتىَّ يَرُدَّهُمْ إِلى آبَائِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَة " ٠ [صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَين ٠ صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: ١٠٢٣، ١٤٦٧، رَوَاهُ الحَاكِم] عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَال: " أَوْلاَدُ المُشْرِكِين؛ خَدَمُ أَهْلِ الجَنَّة " ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " الجَامِعِ الصَّحِيحِ " بِرَقْم: (٤٣٥١)، رَوَاهُ الإِمَامُ الطَّبَرَانيُّ في الأَوْسَط] عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال:

стр. 4156

" سَأَلْتُ رَبيِّ أَنْ لاَ يُعَذِّبَ اللاَّهِينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْبَشَرِ ـ أَيِ الأَطْفَالَ ـ فَأَعْطَانِيهِمْ " ٠ [حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " الجَامِعِ " بِرَقْم: (٥٩٠٥)، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ وَالدَّارُ قَطْنيّ] حَتىَّ السَّقْطُ يَجُرُّ أُمَّهُ بِسُرَرِهِ إِلى الجَنَّة بَلْ وَحَتى السَّقطُ الَّذِي تُنزِلُهُ المَرْأَةُ لهَا في الصَّبرِ عَلَيْهِ أَجْرٌ كَبِير ٠٠!! عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه؛ إِنَّ السِّقْطَ لَيَجُرُّ أُمَّهُ بِسُرَرِهِ إِلى الجَنَّةِ إِذَا احْتَسَبَتْه " ٠ [صَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ في ابْنِ مَاجَةَ بِرَقْم: ١٦٠٩، وَفي الجَامِعِ بِرَقْم: ١٣٠٢٠، وَهُوَ في الشُّعَب بِرَقْم: ٩٧٦٣، الكَنْزِ بِرَقْم: ٦٥٧٧]

стр. 4157

عَن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " وَالنُّفَساءُ يجُرهَا وَلَدُهَا يَومَ القيَامَة بسُرُرِهِ إِلى الجَنَّة " ٠ [حَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ في الجَامِعِ بِرَقْم: ٧٨٨٩، وَفي التَّرْغِيب بِرَقْم: ١٣٩٦، رَوَاهُ أَحْمَدُ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَب بِرَقْم: ٩٧٦٤] وَالنُّفَسَاءُ هُنَا: هِيَ التي يمُوتُ وَلَدُهَا وَهْيَ في النِّفَاس ٠

стр. 4158

عَن أَحَدِ الصَّحَابَةِ ﵃ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " يُقَالُ لِلْوِلْدَانِ يَوْمَ القِيَامَة: ادْخُلُواْ الجَنَّة؛ فَيَقُولُون: يَا رَبِّ حَتىَّ يَدْخُلَ آبَاؤُنَا وَأُمَّهَاتُنَا؛ فَيَأْتُون: [أَيْ آبَاؤُهُمْ وَأُمَّهَاتُهُمْ]؛ فَيَقُولُ اللهُ ﷻ : مَا لي أَرَاهُمْ محْبَنْطِئِين؟ [أَيْ مُتَثَاقِلِين] ادْخُلُواْ الجَنَّة؛ فَيَقُولُون: يَا رَبِّ آبَاؤُنَا وَأُمَّهَاتُنَا؛ فَيَقُولُ ﷻ : ادْخُلُواْ الجَنَّةَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ " [قَالَ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في المُسْنَد: إِسْنَادُهُ جَيِّد ٠ ح / ر: ١٦٩٧١، وَوَثَّقَهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في المجْمَع ٠ ص: ١١/ ٣]

стр. 4159

عَنِ الإِمَامِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ السَّقطَ لَيُرَاغِمُ رَبَّهُ إِذَا أَدْخَلَ أَبَوَيْهِ النَّار؛ فَيقَال: أَيُّهَا السَّقطُ المرَاغِمُ رَبهُ أَدْخِلْ أَبَوَيْكَ الجَنة، فَيَجُرِّهمَا بِسُرَرِه ـ أَيْ بِالحَبْلِ السُّرِّيّ ـ حَتىَّ يُدخِلَهُمَا الجَنَّة " ٠ [ضَعَّفَهُ الأَلبَانيُّ في " ابْنِ مَاجَةَ " بِرَقْم: (١٦٠٨)، وَهُوَ في " الشُّعَب " بِرَقْم: (٩٧٦٣)، وَفي " الكَنْزِ " بِرَقْم: ٦٥٧٧] عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ﵁ قَال: " مَاتَ ابنٌ لِدَاودَ ﵇؛ فَجَزِعَ عَلَيْهِ جَزَعَاً شَدِيدَاً، فَقَالَ لهُ اللهُ ﷻ : " مَا كَانَ يعْدِلُ عِنْدَك " ٠٠؟ قَالَ ﵇: كَانَ أَحَبَّ إِليَّ مِنْ مِلءِ الأَرْضِ ذَهَبَاً؛ قَالَ لَهُ ﷻ : " إِنَّ لَكَ مِنَ الأَجْرِ عَلَى قَدْرِ ذَلِك " ٠

стр. 4160

أَيْ لَكَ مِلءُ الأَرْضِ مِنَ الأَجْرِ وَالحَسَنَات، أَوْ لَكَ مِنَ الأَجْرِ كَمَا لَوْ كُنْتَ أَنْفَقتَ هَذَا القَدْرَ مِنَ الذَّهَبِ في سَبِيلِ الله ٠٠!! [الإِمَامُ البَيْهَقِيُّ في الإِمَامُ البَيْهَقِيُّ في " شُعَبِ الإِيمَانِ " بِرَقْم: (٩٧٦٥)، وَالجَامِعُ لِمُعَمَّرٍ الأَزْدِيّ ٠ ص: ١٤٠/ ١١] مَنْ رَأَى مُصِيبَةَ غَيرِهِ هَانَتْ عَلَيْهِ مُصِيبَتُه أُصِيبَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيرِ بِابْنٍ لَهُ وَأَوْلاَدُنَا أَكبَادُنَا تمْشِي عَلَى الأَرْضِ؛ فَاعْتَزَلَ النَّاسَ وَاسْتَبَدَّ بِهِ الحُزْن، فَوَفَدَ في هَذِهِ الأَثنَاءِ عَلَى الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ رَجُلٌ عَبْسِيٌّ ضَرِيرٌ محَطَّمُ الوَجْه؛ فَسَأَلَهُ مَنْ فَعَلَ بِكَ هَذَا ٠٠؟!

стр. 4161

فَقَالَ الرَّجُلُ العَبْسِيّ: نَزَلتُ أَنَا وَوَلَدٌ لي صَغِيرٌ وَادِيَاً وَأَنَا لاَ أَرَى أَحَدَاً أَكثَرَ مِنَّا أَمْوَالاَ، فَطَرَقَنَا سَيْل ـ أَيْ أَصَابَنَا لَيْلاً ـ فَذَهَبَ بِمَالي، فَبَيْنَمَا نحْنُ كَذَلِكَ لاَ أَدْرِي أَيْنَ أَتَوَجَّهُ إِذْ عَدَا بَعِيرِي، فَوَضَعْتُ الصَّبيَّ تحْتَ شَجَرَةٍ وَانطَلَقتُ خَلفَه، فَمَا أَنْ جَاوَزْتُهُ غَيرَ بَعِيدٍ حَتىَّ سَمِعْتُ صُرَاخَه ٠٠ فَنَظَرْتُ فَإِذَا رَأْسُ الذِّئْبِ في بَطْنِه، فَلَمَّا تَأَكَّدْتُ مِنْ مَوْتِهِ قُلتُ: أَتَّبِعُ البَعِيرَ وَوَيْلٌ أَهْوَنُ مِنْ وَيْلَين، فَنَفَحَني ـ أَيْ فَرَفَسَني ـ في وَجْهِي فَحَطَّمَهُ وَضَيَّعَ عَيْني، فَأَخَذَهُ الوَلِيدُ ـ وَكَانَ صَدِيقَاً لَعُرْوَة ـ فَتَعَزَّى بِقِصَّتِهِ عَزَاءً جَمِيلاً وَمَنْ رَأَى مُصِيبَةَ غَيرِهِ هَانَتْ عَلَيْهِ مُصِيبَتُه ٠٠!!

стр. 4162

[عُيُونَ الأَخْبَارِ لاَبْنِ قُتَيْبَة ٠ طَبْعَةُ بَيرُوت: ٧٤/ ٣] وَيْلٌ لِلشَّجِيِّ مِنَ الخَلِيّ وَنَظَرَ رَجُلٌ إِلى امْرَأَةٍ بِالبَصْرَةِ فَقَال: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَذِهِ النَّضَارَةِ وَمَا ذَاكَ إِلاَّ مِنْ قِلَّةِ الحُزْنِ فَقَالَتْ: إِلَيْكَ عَني يَا عَبْدَ الله؛ إني لَفِي حُزْنٍ لاَ يُشَارِكُني فِيهِ أَحَد، وَوَيْلٌ لِلشَّجِيِّ مِنَ الخَلِيّ ٠٠!! فَقَالَ لهَا: وَكَيْفَ ذَلِك ٠٠؟! قَالَتْ: إِنَّ زَوْجِي ذَبَحَ يَوْمَاً شَاةً، وَكَانَ لي صَبِيَّانِ مَلِيحَانِ يَلعبَان، فَقَالَ أَحَدُهِمَا للآخَر: أَترِيدُ أَن أُرِيَكَ كَيْفَ يَذْبَحُ أَبي الشَّاة ٠٠؟

стр. 4163

قَالَ نَعَمْ، فَأَخَذَه فَذَبحَه، فَمَا شَعَرْنَا بِهِ إِلاَّ متَشَحِّطَاً في دَمِه، فَلَمَّا ارْتَفَعَ الصُّرَاخ وَالعَوِيلُ خَافَ الصَّبيُّ وَهَرَبَ إِلى الجَبَل، فَطَلَعَ عَلَيْهِ ذِئْبٌ فَأَكَلَه، فَخَرَجَ أَبُوهُ وَرَاءهُ يَطلُبُهُ فَمَاتَ في البَيْدَاءِ عَطَشَاً ٠٠!! [الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاءِ " طَبْعَةِ دَارِ الوَثَائِقِ المِصْرِيَّةِ الأُولى ٠ بَاب: مَوْتِ الوَلَدِ بِاخْتِصَار: ١٨٨٤] العَاقِلُ يَفْعَلُ في المُصِيبَةِ مَا يَفْعَلُهُ الجَاهِلُ بَعْدَ خَمْسَةِ أَيَّام مَاتَ ابْنٌ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ المُبَارَك، فَعَزَّاهُ رَجُلٌ مجُوسِي يَعْرِفُهُ فَقَالَ لَه: " يَنْبَغِي للعَاقِلِ أَنْ يَفْعَلَ اليَوْمَ مَا يَفْعَلُهُ الجَاهِلُ بَعْدَ خَمْسَةِ أَيَّام " ٠ فَقَالَ ابْنُ المبَارَك: " اكتُبُواْ هَذَا عَنه " ٠

стр. 4164

[الإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاء " طَبْعَةِ دَارِ الوَثَائِقِ المِصْرِيَّةِ بَاب: الرُّكنِ الثَّالِثُ مِنَ الصَّبرِ وَالشُّكر: ١٤٨١] انْظُرْ: كَتَبَ عَنهُ برَغْمِ أَنَّهُ مجُوسِيّ؛ لأَنَّهُ قَالَ حِكمَةً، وَفي الأَثَر: عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " الكَلِمَةُ الحِكْمَةُ ضَالَّةُ المُؤْمِنِ حَيْثُمَا وَجَدَهَا فَهْوَ أَحَقُّ بهَا " ٠ [ضَعَّفَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ " بِرَقْم: (٤١٦٩)، وَابْنُ كَثِير: ٣٥/ ٦] كَيْفَ ضَرَبَتْ بِصَبرِهَا الخَنْسَاء؛ أَرْوَعَ الأَمْثِلَةِ في حُسْنِ العَزَاء ٠٠؟

стр. 4165

تَأَمَّلْ مَوْقِفَ الخَنْسَاءِ قَبْلَ وَبَعْدَ الإِسْلاَم؛ لِتَعْلَمَ أَنَّ هَذَا الدِّينَ لَهُ مَفْعُولُ السِّحْرِ في النُّفُوس: أَلاَ تَرَاهَا كَيْفَ رَثَتْ أَخَاهَا صَخْرَاً في كُلِّ وَادٍ قَبْلَ مَعْرِفَتِهَا لِلإِسْلاَم، وَكَيْفَ صَبرَتْ وَاحْتَسَبَتْ وَلَمْ تُظْهِرْ مِنَ الجَزَعِ مَا أَظهَرَتْهُ عَلَى أَخِيهَا عِنْدَ مَوْتِ بَنِيهَا الأَرْبَعَةِ في مَعْرَكَةِ القَادِسِيَّة بَعْدَمَا عَرَفَتِ الإِسْلاَمِ ٠٠؟! وَيُقَال: إِنهَا سُئِلَتْ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ مَا مَعْنَاهُ وَفَحْوَاهُ: لَمْ أَبْكِ عَلَى أَوْلاَدِي فَلَذَاتِ أَكْبَادِي؛ لأَنيِّ عَلِمْتُ ثَوَابَ الاَسْتِشْهَادِ، أَمَّا أَخِي: فَلَمْ يمُتْ عَلَى الإِسْلاَمِ وَإِنمَا عَلَى دِينِ الآبَاءِ وَالأَجْدَادِ؛ أَلاَ يَدْعُوني هَذَا لِطُولِ البُكَاءِ وَالجَزَعِ وَالسُّهَادِ ٠٠؟!

стр. 4166

وَهَا هِيَ إِلَيْكُمُ الحَادِثَةُ كَامِلَةً بحَذَافِيرِهَا كَمَا في كِتَابِ الاَسْتِيعَابِ لاَبْنِ عَبْدِ البرّ: عَن أَبي وَجْزَةَ السَّعْدِيِّ ـ وَكَانَ شَاعِرَاً ثِقَةً ـ عَن أَبِيهِ قَالَ بِاخْتِصَار:

стр. 4167

" عَلِمَتِ الخَنْسَاءُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ بحَرْبِ القَادِسِيَّة وَمَعَهَا بَنُوهَا أَرْبَعَةُ رِجَال؛ فَقَالَتْ لَهُمْ مِن أَوَّلِ اللَّيْل: يَا بَنيَّ إِنَّكُمْ أَسْلَمْتُمْ طَائِعِين، وَهَاجَرْتم مخْتَارِين، وَوَاللهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِنَّكُمْ لَبَنُواْ رَجُلٍ وَاحِد، كَمَا أَنَّكُمْ بَنُو امْرَأَةٍ وَاحِدَة: مَا خُنْتُ أَبَاكُمْ وَلاَ فَضَحْتُ خَالَكُمْ، وَلاَ هَجَّنْتُ حَسَبَكُمْ وَلاَ غَبَّرْتُ نَسَبَكُمْ، وَقَدْ تَعْلَمُونَ مَا أَعَدَّ اللهُ لِلمسْلِمِينَ مِنَ الثَّوَابِ الجَزِيلِ في حَرْبِ الكَافِرِين، وَاعْلَمُواْ أَنَّ الدَّارَ البَاقِيَةَ خَير مِنَ الدَّار الفَانِيَة؛ يَقُولُ اللهُ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾

стр. 4168

﴿آلِ عِمْرَان/٢٠٠﴾ فَإِذَا أَصبَحْتُمْ غَدَاً إِنْ شَاءَ اللهُ سَالمِين: فَاغْدُواْ إِلى قِتَالِ عَدُوِّكُمْ مُسْتَبْصِرِين، وَباللهِ عَلَى أَعْدَائِهِ مُسْتَنْصِرِين، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الحَرْبَ قَدْ شَمَّرَتْ عَنْ سَاقِهَا، وَاضْطَرَمَتْ لَظَىً عَلَى سَيَّاقِهَا؛ فَعَلَيْكُمْ بِوَطِيسِهَا، وَمجَالَدَةِ رَئِيسِهَا، عِنْدَ احْتِدَامَ خَمِيسِهَا ـ أَيِ الْزَمُواْ قَلْبَ المَعْرَكَةِ وَتَعَقَّبُواْ قَائِدَهَا عِنْدَ التِحَامِ الجَيْشَين ـ تَظْفَرُواْ بِالغُنمِ وَالكَرَامَة، في دَارِ الخُلدِ وَالمُقَامَة، فَاسْتَقْبَلَ بَنُوهَا كَلاَمَهَا أَحْسَنَ اسْتِقْبَال، وَبَاتُواْ عَازِمِينَ عَلَى الثَّبَاتِ وَالاَسْتِبْسَال، فَلَمَّا أَضَاءَ لهُمُ الصُّبْحُ بَكَّرُواْ إِلى سَاحَةِ القِتَال، فَشَدَّ عَلَى العِدَى أَوَّلهُمْ وَقَال:

стр. 4169

يَا إِخْوَتي إِنَّ العَجُوز النَّاصِحَة * قَدْ نَصَحَتْنَا إِذْ دَعَتْنَا البَارِحَة مَقَالَةً ذَاتَ بَيَانٍ وَاضِحَة * فَبَاكِرُواْ الحَرْبَ الضُّرُوسَ الكَالحَة وَإِنمَا تَلقَوْنَ ثَمَّ الصَّائِحَة * مِن آل سَاسَانَ الكِلاَبِ النَّابحَة قَدْ أَيْقَنُواْ مِنْكُمْ بوَقْعِ الجَائِحَة * وَأَنْتُمُ بَينَ حَيَاةٍ صَالحَة أَوْ مِيتَةٍ تُورِثُ غُنْمَاً رَابِحَة وَتَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتىَّ اسْتُشْهِدَ ﵀، ثمَّ حَمَلَ الثَّاني وَهُوَ يَقُول: إِنَّ العَجُوزَ ذَاتَ الحَزْمِ وَالجَلَدْ * والنَّظَرِ الأَوْفَقِ وَالرأْيِ السََّددْ قَدْ أَمَرَتْنَا بِالسَّدَادِ وَالرَّشَدْ * نَصِيحَة مِنهَا وَبِرَّا بِالوَلَدْ فَبَاكِرُواْ الحَرْبَ حُمَاةً في العَدَدْ * إِمَّا لِفَوْزٍ بَارِدٍ عَلَى الكَبِدْ

стр. 4170

أَوْ مِيتَةٍ تُورِثُكُمْ عِزَّ الأَبَدْ * في جَنَّةِ الفِرْدَوسِ وَالعيْشِ الرَّغَدْ فَقَاتَلَ حَتىَّ اسْتُشْهِدَ ﵀، ثُمَّ حَمَلَ الثَّالِثُ وَهُوَ يَقُول: وَاللهِ لاَ نَعْصِي العَجُوزَ حَرْفَا * قَدْ نَصَحَتْنَا حَدَبا وَعَطْفَا نُصْحَا وَبِرَّا صَادِقَا وَلُطْفَا * فَبَادِرُواْ الحَربَ الضَّرُوسَ زَحْفَا حَتىَّ تَلُفُّواْ آلَ كِسْرَى لَفَّا * أَوْ تَكْشِفُوهُمْ عَن حِمَاكُمْ كَشْفَا إِنَّا نَرَى التَّقْصِيرَ مِنْكُمْ ضَعْفَا * فَقَاتِلُوهُمْ نَجْدَةً وَزُلْفَى فَقَاتَلَ حَتىَّ اسْتشْهِدَ ﵀، ثمَّ حَمَلَ الرَّابِعُ وَهُوَ يَقُول: لسْتُ لخَنسَاء وَلاَ لِلأَخْرمِ * وَلاَ لعَمْرٍو ذِي السَّناءِ الأَقْدمِ إِن لَمْ أَكُنْ نَسْرَاً في الجَيْشِ الأَعْجَمِى * أَمْضِي عَلَى الهَولِ الخِضَمِّ الخِضْرَمِ
следующие страницы →