← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 38154

موسوعة الرقائق والأدب - ياسر الحمداني

ياسر الحمداني

Полный текст (8 320 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

وَهَا هِيَ إِلَيْكُمُ الحَادِثَةُ كَامِلَةً بحَذَافِيرِهَا كَمَا في كِتَابِ الاَسْتِيعَابِ لاَبْنِ عَبْدِ البرّ: عَن أَبي وَجْزَةَ السَّعْدِيِّ ـ وَكَانَ شَاعِرَاً ثِقَةً ـ عَن أَبِيهِ قَالَ بِاخْتِصَار:

стр. 4167

" عَلِمَتِ الخَنْسَاءُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ بحَرْبِ القَادِسِيَّة وَمَعَهَا بَنُوهَا أَرْبَعَةُ رِجَال؛ فَقَالَتْ لَهُمْ مِن أَوَّلِ اللَّيْل: يَا بَنيَّ إِنَّكُمْ أَسْلَمْتُمْ طَائِعِين، وَهَاجَرْتم مخْتَارِين، وَوَاللهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِنَّكُمْ لَبَنُواْ رَجُلٍ وَاحِد، كَمَا أَنَّكُمْ بَنُو امْرَأَةٍ وَاحِدَة: مَا خُنْتُ أَبَاكُمْ وَلاَ فَضَحْتُ خَالَكُمْ، وَلاَ هَجَّنْتُ حَسَبَكُمْ وَلاَ غَبَّرْتُ نَسَبَكُمْ، وَقَدْ تَعْلَمُونَ مَا أَعَدَّ اللهُ لِلمسْلِمِينَ مِنَ الثَّوَابِ الجَزِيلِ في حَرْبِ الكَافِرِين، وَاعْلَمُواْ أَنَّ الدَّارَ البَاقِيَةَ خَير مِنَ الدَّار الفَانِيَة؛ يَقُولُ اللهُ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾

стр. 4168

﴿آلِ عِمْرَان/٢٠٠﴾ فَإِذَا أَصبَحْتُمْ غَدَاً إِنْ شَاءَ اللهُ سَالمِين: فَاغْدُواْ إِلى قِتَالِ عَدُوِّكُمْ مُسْتَبْصِرِين، وَباللهِ عَلَى أَعْدَائِهِ مُسْتَنْصِرِين، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الحَرْبَ قَدْ شَمَّرَتْ عَنْ سَاقِهَا، وَاضْطَرَمَتْ لَظَىً عَلَى سَيَّاقِهَا؛ فَعَلَيْكُمْ بِوَطِيسِهَا، وَمجَالَدَةِ رَئِيسِهَا، عِنْدَ احْتِدَامَ خَمِيسِهَا ـ أَيِ الْزَمُواْ قَلْبَ المَعْرَكَةِ وَتَعَقَّبُواْ قَائِدَهَا عِنْدَ التِحَامِ الجَيْشَين ـ تَظْفَرُواْ بِالغُنمِ وَالكَرَامَة، في دَارِ الخُلدِ وَالمُقَامَة، فَاسْتَقْبَلَ بَنُوهَا كَلاَمَهَا أَحْسَنَ اسْتِقْبَال، وَبَاتُواْ عَازِمِينَ عَلَى الثَّبَاتِ وَالاَسْتِبْسَال، فَلَمَّا أَضَاءَ لهُمُ الصُّبْحُ بَكَّرُواْ إِلى سَاحَةِ القِتَال، فَشَدَّ عَلَى العِدَى أَوَّلهُمْ وَقَال:

стр. 4169

يَا إِخْوَتي إِنَّ العَجُوز النَّاصِحَة * قَدْ نَصَحَتْنَا إِذْ دَعَتْنَا البَارِحَة مَقَالَةً ذَاتَ بَيَانٍ وَاضِحَة * فَبَاكِرُواْ الحَرْبَ الضُّرُوسَ الكَالحَة وَإِنمَا تَلقَوْنَ ثَمَّ الصَّائِحَة * مِن آل سَاسَانَ الكِلاَبِ النَّابحَة قَدْ أَيْقَنُواْ مِنْكُمْ بوَقْعِ الجَائِحَة * وَأَنْتُمُ بَينَ حَيَاةٍ صَالحَة أَوْ مِيتَةٍ تُورِثُ غُنْمَاً رَابِحَة وَتَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتىَّ اسْتُشْهِدَ ﵀، ثمَّ حَمَلَ الثَّاني وَهُوَ يَقُول: إِنَّ العَجُوزَ ذَاتَ الحَزْمِ وَالجَلَدْ * والنَّظَرِ الأَوْفَقِ وَالرأْيِ السََّددْ قَدْ أَمَرَتْنَا بِالسَّدَادِ وَالرَّشَدْ * نَصِيحَة مِنهَا وَبِرَّا بِالوَلَدْ فَبَاكِرُواْ الحَرْبَ حُمَاةً في العَدَدْ * إِمَّا لِفَوْزٍ بَارِدٍ عَلَى الكَبِدْ

стр. 4170

أَوْ مِيتَةٍ تُورِثُكُمْ عِزَّ الأَبَدْ * في جَنَّةِ الفِرْدَوسِ وَالعيْشِ الرَّغَدْ فَقَاتَلَ حَتىَّ اسْتُشْهِدَ ﵀، ثُمَّ حَمَلَ الثَّالِثُ وَهُوَ يَقُول: وَاللهِ لاَ نَعْصِي العَجُوزَ حَرْفَا * قَدْ نَصَحَتْنَا حَدَبا وَعَطْفَا نُصْحَا وَبِرَّا صَادِقَا وَلُطْفَا * فَبَادِرُواْ الحَربَ الضَّرُوسَ زَحْفَا حَتىَّ تَلُفُّواْ آلَ كِسْرَى لَفَّا * أَوْ تَكْشِفُوهُمْ عَن حِمَاكُمْ كَشْفَا إِنَّا نَرَى التَّقْصِيرَ مِنْكُمْ ضَعْفَا * فَقَاتِلُوهُمْ نَجْدَةً وَزُلْفَى فَقَاتَلَ حَتىَّ اسْتشْهِدَ ﵀، ثمَّ حَمَلَ الرَّابِعُ وَهُوَ يَقُول: لسْتُ لخَنسَاء وَلاَ لِلأَخْرمِ * وَلاَ لعَمْرٍو ذِي السَّناءِ الأَقْدمِ إِن لَمْ أَكُنْ نَسْرَاً في الجَيْشِ الأَعْجَمِى * أَمْضِي عَلَى الهَولِ الخِضَمِّ الخِضْرَمِ

стр. 4171

إِمَّا لِفَوزٍ عَاجِلٍ وَمَغْنَمِ * أَو لِوَفَاةٍ في السَّبِيلِ الأَكْرَمِ فَقَاتَلَ حَتىَّ قُتِلَ ﵁ وَعَن إِخْوَتِه، فَبَلَغَهَا الخَبرُ فَقَالَتْ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي شَرَّفَني بِقَتْلِهِمْ، وَأَرْجُو مِنْ رَبي أَنْ يجْمَعَني بهِمْ في مُسْتَقَرِّ رَحمَتِه، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁ يُعْطِي الخَنْسَاءَ أَرْزَاقَ أَوْلاَدِهَا الأَرْبَعَة: لكُلِّ وَاحِدٍ مِاْئَتي دِرْهَمٍ حَتىَّ قُبِضَتْ ﵂ " ٠ [الاَسْتِيعَاب ٠ لاَبْنِ عَبْدِ البرِّ بِرَقْم: ٣٣١٧] الحَسَنُ البَصْرِيُّ وَأَجْمَلُ عِبَارَاتِ العَزَاء جَزِعَ رَجُلٌ عَلَى ابْنٍ لَهُ تُوُفِّيَ فَشَكَا ذَلكَ إِلى الحَسَنِ البَصْرِيِّ فَقَالَ لَه: " هَلْ كَانَ ابْنُكَ يَغِيبُ عَنْك ٠٠؟

стр. 4172

قالَ الرَّجُل: نَعَمْ، كَانَ مَغِيبُهُ عَنيِّ أَكْثَرَ مِن حُضُورِه؛ فَقَالَ الحَسَن: فَاترُكْه غَائِبَاً، فَإِنهُ لَمْ يَغِبْ عَنْكَ غَيْبَةً الأَجْرُ لَكَ فِيهَا أَعْظَمُ مِن هَذِهِ الغَيْبَة " ٠ مَا أُثِرَ قَوْلُهُ عَنِ الأُمَّهَاتِ الثَّكَالى قِيلَ لأَعْرَابِيَّةٍ مَاتَ ابْنُهَا: مَا أَحْسَنَ عَزَاءَك ٠٠؟ فَقَالَتْ: إِنَّ فَقْدِي إِيَّاه: أَمَّنَني كُلَّ فَقْدٍ سِوَاه ٠٠!! وَإِنَّ مُصِيبَتي فِيهِ هَوَّنَتْ عَلَيَّ كُلَّ المَصَائِبِ بَعْدَه، ثمَّ أَنْشَأَتْ تَقُول: مَنْ شَاءَ بَعْدَكَ فَليَمُتْ * فَعَلَيْكَ كُنْتُ أُحَاذرُ دَخَلَ المَأْمُونُ عَلَى أُمِّ الفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ يُعَزِّيهَا بابْنِهَا الفَضْل، فَقَال: يَا أَمَةَ الله، إنَّك لَمْ تَفْقِدِي إِلاَّ رُؤْيَته، وَأَنَا وَلَدُكِ مَكَانَه ٠٠!!

стр. 4173

فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ المؤْمِنِينَ إِنَّ ابْنَاً أَفَادَني وَلَدَاً مِثْلَكَ لجَدِيرٌ أَن أَجْزَعَ عَلَيْه ٠٠!! حُزْنُ الأُمَّهَات وَقَالَ آخَر: إِنْ لَمْ تَمُتْ أُمُّكَا * غَمَّاً فَاعْذُرِ الأُمَّا قَدْ أَشْفَقَتْ بَعْدَكَا * أَنْ تخْتَصِرَ الهَمَّا صَدَقَ الَّذِي قَالَ الحَيَاةُ غُرُورُ وَهَذِهِ أُمٌّ تُوُفيَ ابْنُهَا وَهْوَ في رَيْعَانِ شَبَابِه؛ فَقَالَ هَذَا الشَّاعِرُ يحْكِي قِصَّتَهَا: قَالَتْ وَقَدْ هَدَّ ابْتِسَامَتَهَا الأَسَى * صَدَقَ الَّذِي قَالَ الحَيَاةُ غُرُورُ أَكَذَا نمُوتُ وَتَنْقَضِي أَحْلاَمُنَا * في لحْظَةٍ وَإِلى التُّرَابِ نَصِيرُ فَتَفَتَّتَتْ أَكْبَادُنَا بِكَلاَمِهَا * إِنَّ البُكَاءَ عَلَى الشَّبَابِ مَرِيرُ أَجْمَلُ عِبَارَاتِ الرِّثَاءِ لِلأَبْنَاءِ وَالآبَاء

стр. 4174

وَمَاتَ ابْنٌ لأَعْرَابي فَاشْتَدَّ حُزْنُهُ عَلَيْه ـ وَكَانَ الأَعْرَابيُّ يُكَنى بِهِ ـ فَقِيلَ لَهُ: لَوْ صَبرْتَ لَكَانَ ثَوَابُكَ أَعْظَمَ فَقَال: كَيْفَ السُّلوُّ وَكَيْفَ أَنْسَى ذِكْرَهُ * وَإِذَا دُعِيتُ فَإِنمَا أُدْعَى بِهِ وَقَالَ أَعْرَابيٌّ يَرْثِى ابْنَهُ: فَأَنْظُرُ حَوْلي لاَ أَرَى غَيرَ قَبرِهِ * كَأَنَّ جمِيعَ الأَرْضِ عِنْدِي لَهُ قَبرُ وَلَمَّا دَعَوْتُ الصَّبرَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ * أَجَابَ الأَسَى طَوْعَا وَلَمْ يجِبِ الصَّبرُ فَإِنْ يَنْقَطِعْ مِنهُ الرَّجَاءُ فَلَمْ يَزَلْ * بِقَلبي عَلَيْهِ الحُزْنُ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ وَقَالَ أَعْرَابيٌّ آخَرُ يَرْثِى ابْنَهُ: بُنيَّ لَئِنْ ضَنَّتْ جُفُونٌ بِمَائهَا * فَكَمْ قَرِحَتْ مِنيِّ عَلَيْكَ جُفُونُ دَفَنْتُ بِكَفِّي بَعْضَ نَفْسِي فَأَصْبَحَتْ * وَلِلنَّفْسِ مِنهَا دَافِنٌ وَدَفِينُ

стр. 4175

وَقَالَ آخَرُ أَيْضَاً يَرْثِى ابْنَهُ: وَرَبَّيْتُ فِيهِ لرَيْبِ الزَّمَانِ * فَللهِ تَرْبِيَتي وَالتَّعَبْ أَيْ وَظَلَلتُ أُرَبِّيهِ لِسَنَوَات، ثمَّ تَوَفَّاهُ اللهُ وَمَات، فَاللهُ وَحْدَهُ يُعَوِّضُني: عَن أَسَفِي وَحَزَني ٠٠!! كَفْكِفْ دُمُوعَكَ لاَ تُفِيدُ الأَدْمُعُ وَلاَ تَفُوتُني طَبْعَاً رَائِعَةُ أَبي ذُؤَيْبٍ الهَذَليّ، الشَّهِيرَةُ في بَنِيهِ الأَرْبَعَة: أَمِنَ المَنُونِ وَرَيْبِهَا تَتَوَجَّعُ * وَالدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يجْزَعُ هَذِي الدُّمُوعُ أَرَاكَ تَذْرِفُهَا سُدَىً * كَفْكِفْ دُمُوعَكَ لاَ تُفِيدُ الأَدْمُعُ أَبُنيَّ شِعْرِي لَسْتُ أَمْلِكُ غَيْرَهُ * مَاذَا عَسَايَ سِوَى الرِّثَاءِ سَأَصْنَعُ وَإِذَا المَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا * أَلْفَيْتَ كُلَّ تَمِيمَةٍ لاَ تَنْفَعُ

стр. 4176

وَاحَرَّ قَلْبي كَيْفَ يخْطَفُكَ الرَّدَى * وَيَضُمُّ مِنْكَ الجِسْمَ هَذَا البَلْقَعُ قَالُواْ العُيُونُ يَضُرُّهَا حُزْنُ الفَتى * وَالحُزْنُ أَقْسَى في القُلُوبِ وَأَوْجَعُ تِلْكُمْ هِيَ الدُّنيَا وَهَذَا دَأْبهَا * تَغْتَالُ مِنَّا مَنْ تَشَاءوَتَنزِعُ إِنْ تُضْحِكِ اليَوْمَ الفَتى وَتَسُرَّهُ * فَغَدَاً إِلَيْهِ المُبْكِيَاتُ سَتُسْرِعُ وَإِذَا سَقَتْهُ الشَّهْدَ يَوْمَاً في الْغَدِ * يَأْتِيهِ كَأْسُ النَّائِبَاتِ المُتْرَعُ *********

стр. 4177

شَغَلَني الحُزْنُ لَكَ عَنِ الحزْنِ عَلَيْك قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَة: " لَمَّا مَاتَ ذَرُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ الهَمَدَانيُّ قَعَدَ عُمَرُ عَلَى شَفِيرِ قَبْرِهِ وَهُوَ يَقُول: يَا بُنيّ؛ شَغَلَني الحُزْنُ لَكَ عَنِ الحُزْنِ عَلَيْك، فَلَيْتَ شِعْرِي [أَيْ لَيْتَني أَعْرِف]: مَا قُلْتَ وَمَا قِيلَ لَك ٠٠؟ اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَمَرْتَهُ بِطَاعَتِكَ وَبِبِرِّي؛ فَقَدْ وَهَبْتُ لَهُ مَا قَصَّرَ فِيهِ مِن حَقَّي؛ فَهَبْ لَهُ مَا قَصَّرَ فِيهِ مِن حقِّك ٠٠ وَقِيلَ إِنَّهُ قَال: انْطلَقْنَا وَتَرَكْنَاك، وَلَوْ أَقَمْنَا مَا نَفَعْنَاك " ٠ [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء ٠ طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة ٠ ص: ٣٨٩/ ٦]

стр. 4178

وَقَفَ محَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَلَى قَبرِ ابْنِهِ فَقَال: " اللهُمَّ إِني أَرْجُوكَ لَهُ وَأَخَافُكَ عَلَيْهِ؛ فَحَقِّقْ رَجَائي فِيهِ وَأَمِّن خَوْفي عَلَيْه، اللهُمَّ إِنيِّ أَصْبَحْتُ قَدْ غَفَرْتُ لَهُ مَا وَجَبَ لي عَلَيْهِ فَاغْفِرْ لَهُ مَا وَجَبَ لَكَ عَلَيْه؛ فَإِنَّكَ أَجْوَدُ وَأَكْرَم " ٠٠ وَوَقَفَ أَعْرَابيٌّ آخَرُ عَلَى قَبرِ ابْنِهِ فَقَال: " اللهُمَّ إِنيِّ قَدْ وَهَبْتُ لَهُ مَا قَصَّر فِيهِ مِنْ برِّي فَهَبْ لي مَا قَصَّر فِيهِ مِن طَاعَتِك " ٠

стр. 4179

حُكْمُ رِثَاءِ المَيِّت وَالرِّثَاءُ لاَ حَرَجَ فِيه، وَقَدْ سَمِعَهُ النَّبيُّ ﷺ ٠ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ الأَنْصَارِيَّةِ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبيُّ ﷺ غَدَاةَ بُنيَ عَلَيّ، فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمجْلِسِكَ مِنيِّ، وَجُوَيْرِيَاتٌ يَضْرِبْنَ بِالدُّفّ، يَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِهِنَّ يَوْمَ بَدْر، حَتىَّ قَالَتْ جَارِيَة: " وَفِينَا نَبيٌّ يَعْلَمُ مَا في غَدٍ " فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : " لاَ تَقُولي هَكَذَا وَقُولي مَا كُنْتِ تَقُولِين " ٠ [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٤٠٠١ / فَتْح]

стр. 4180

فَقَدَ أَبْنَاءهُ السَّبْعَة وَهَذَانِ أَبَوَان، ابْتَلاَهُمَا الزَّمَان: بِفَقْدِ سَبْعَةٍ مِنَ أَوْلاَدِهُمَا، كَانُواْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِمَا، وَفِلْذَةَ أَكْبَادِهمَا؛ فَأَنْشَأَ يَقُولُ أَبُوهمَا وَكَانَ شَاعِرَاً: وَكُنْتُ أَبَا سَبْعَةٍ كَالبُدُورِ * أُفَقِّي بِهِمْ أَعْيُنَ الحَاسِدِينَا فَمَرُّواْ عَلَى حَادِثَاتِ الزَّمَانِ * إِلى أَن أَبَادَتْهُمُ أَجْمَعِينَا وَحَسْبُكَ مِنْ نَكْبَةٍ بِامْرِئٍ * تَرَى حَاسِدِيهِ لَهُ رَاحِمِينَا *********

стр. 4181

ابْنُ الرُّومِيِّ الشَّاعِرُ وَفَقْدُ الوَلَد وَمَاتَ الاَبْنُ الأَوْسَطُ لاَبْنِ الرُّومِيِّ فَوَجَدَ عَلَيْهِ وَجْدَاً شَدِيدَاً؛ فَرَثَاهُ بِقَوْلِه: بُكَاؤُكُمَا يَشْفِي وَإِنْ كَانَ لاَ يجْدِي * فَيَا رَوْعَةَ المُهْدَى وَيَا لَوْعَةَ المُهْدِيدِ أُلاَمُ لِمَا أُبْدِي عَلَيْهِ مِنَ الأَسَى * وَإِنيِّ لأُخْفِي مِنهُ أَضْعَافَ مَا أُبْدِيدِ أَيخْطَفُ مِني المَوْتُ أَوْسَطَ صِبْيَتي * كَأَنْ قَدْ تَعَمَّدَ خَطْفَ وَاسِطَةِ العِقْدِ وَهَلْ أَغْنَتِ العَينُ الفَتى بَعْدَ سَمْعِهِ * أَوِ السَّمْعُ بَعْدَ العَينِ يَهْدِي كَمَا تَهْدِيدِ

стр. 4182

لَقَدْ أَنْجَزَتْ فِيهِ المَنَايَا وَعِيدَهَا * وَأَخْلَفَتِ الآمَالُ مَا كَانَ مِنْ وَعْدِ طَوَاهُ الرَّدَى عَني فَأَضْحَى مَزَارُهُ * بَعِيدَاً عَلَى قُرْبٍ قَرِيبَاً عَلَى بُعْدِ وَمِن أَرَقِّ وَأَعْذَبِ مَا قِيلَ في فَقْدِ الرَّضِيعِ وَمَا يُسَبِّبُهُ مِنَ الحَسَرَات؛ قَوْلُ إِلْيَاس فَرَحَات: يُهْنِيكَ مَوْتُكَ يَا بُنيَّ كَأَنَّهُ * نَوْمُ الرَّضِيعِ عَلَى ذِرَاعِ المُرْضِعِ كَمْ قُبْلَةٍ ذَهَبَتْ إِلى شَفَتَيْكَ مِنْ * قَلْبي الحَزِينِ الْوَالِهِ المُتَقَطِّعِ حَتىَّ إِذَا وَجَدَتْ مِهَادَكَ خَالِيَاً * عَادَتْ فَصَارَتْ جَمْرَةً في أَضْلُعِيعِ عِنْدَمَا يُجْرِي الجَرَّاحُ عَمَلِيَّةً جِرَاحِيَّةً لاَبْنِهِ المَرِيضِ فَيَمُوتُ فِيهَا بَينَ يَدَيْه وَهَذَا طَبِيبٌ جَرَّاحٌ أَجْرَى عَمَلِيَّةً جِرَاحِيَّةً لاَبْنِهِ فَمَاتَ فِيهَا بَينَ يَدِيْه:

стр. 4183

بِرُوحِي مَنْ تَذُوبُ عَلَيْهِ رُوحِي * وَذُقْ يَا قَلْبُ مَا صَنَعَتْ يَدَاكَا أَرَاكَ هَجَرْتَني هَجْرَاً طَوِيلاً * وَمَا عَوَّدْتَني مِنْ قَبْلُ ذَاكَا يَعَزُّ عَلَيَّ حِينَ أُدِيرُ عَيْني * أُفَتِّشُ في مَكَانِكَ لاَ أَرَاكَا وَهَذَا حَدِيثٌ عَظِيمٌ أَرْجَأْتُهُ لأَخْتِمَ بِهِ الحَدِيثَ عَنْ فَقْدِ الوَلَد؛ لِعِظَمِ فَضْلِ اللهِ تَعَالى عَلَيْنَا فِيه: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدٌ، ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى، سلَّمَ أَوْ لَمْ يُسَلِّمْ، رَضِيَ أَوْ لَمْ يَرْضَ، صَبرَ أَوْ لَمْ يَصْبرْ: لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَوَابٌ دُونَ الجَنَّة "

стр. 4184

[وَثَّقَ الهَيْثَمِيُّ رِجَالَهُ إِلاَّ رَجُلاً ضَعَّفَهُ في " المجمع " ٠ ص: (١٠/ ٣)، الطَّبَرَاني، وَفي " الكَنْز " بِرَقْم: ٦٦١٤] فَقْدُ البِنْت عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَال: " شَهِدْنَا بِنْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرَسُولُ اللهِ جَالِسٌ عَلَى القَبْر، فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَان " ٠ [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في كِتَابِ الجَنَائِزِ بَابِ: مَنْ يَدْخُلُ قَبرَ المَرْأَة ٠ بِرَقْم: (١٣٤٢)، وَفي " الكَنْزِ " بِرَقْم: ٤٢٣٩٩] عَن أَبي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " قَالَ رَبُّكُمْ ﵎: إِذَا قَبَضْتُ كَرِيمَةَ عَبْدِي وَهُوَ بِهَا ضَنِينٌ فَحَمِدَني عَلَى ذَلِك: لَمْ أَرْضَ لَهُ ثَوَابَاً دُونَ الجَنَّةِ إِذَا حَمَدَني "

стр. 4185

وَقِيل: المَقْصُودُ بِالكَرِيمَةِ عَيْنُه، وَقِيلَ أَهْلُه، وَكَرِيمَةُ الرَّجُلِ كُلُّ عَزِيزٍ عَلَيْه ﴿اللِّسَان: ٥١٣/ ١٢﴾ [حَسَّنَهُ الأَلبَانيُّ في " الصَّحِيحَةِ " بِرَقْم: (٢٠١٠)، وَالحَدِيثُ رَوَاهُ الطَّبرَانيُّ، وَالبَيْهَقِيُّ في " الشُّعَب " بِرَقْم: (٩٩٥٩] تَوْبَةُ مَالِكِ بْنِ دِينَار هَلْ تَعْلَمُونَ بِدَايَةَ مَالِكِ بْنِ دِينَار ٠٠؟

стр. 4186

حَكَاهَا ﵁ بِنَفْسِهِ فَقَال: " لَقَدْ كُنْتُ إِنْسَانَاً فَاسِقَاً، لَمْ أَدَعْ مَعْصِيَةً مِنَ المَعَاصِي إِلاَّ فَعَلتُهَا، حَتىَّ كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ كُنْتُ في أَبْغَضِ الأَمَاكِنِ إِلى الله: في الأَسْوَاق، فَسَمِعْتُ رَجُلاً يَقُولُ لِلبَائِع: أَكْرِمْني؛ فَأَنَا عِنْدِي ثَلاَثُ بَنَاتٍ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ بَشَّرَ مَن أَدْخَلَ السُّرُورَ عَلَى البَنَات ٠ فَقُلتُ في نَفْسِي: أَتَزَوَّجُ حَتىَّ يَرْزُقَني اللهُ ثَلاَثَ بَنَات، ثمَّ عُدْتُ فَقُلتُ في نَفْسِي: وَمَنْ يُزَوِّجُكَ يَا مَالِكُ وَأَنْتَ قَدْ شَاعَ فِسْقُكَ بَينَ النَّاس ٠٠؟!

стр. 4187

فَبَدَأْتُ في التَّوْبَةِ شَيْئَاً فَشَيْئَاً حَتىَّ تَزَوَّجْت، وَحَمَلَتْ زَوْجَتي وَأَنجَبَتْ بِنْتَاً، فَسَمَّيْتُهَا فَاطِمَة، وَظَلَلتُ عَلَى بَقِيَّةٍ مِنَ الفِسْقِ لَمْ تُفَارِقني: فَكُنْتُ كُلَّ لَيْلَةٍ أَشْرَبُ الخَمْر، حَتىَّ آذَانِ الفَجْر، حَتىَّ كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ كُنْتُ كَعَادَتي أَشْرَبُ الخَمْر، فَإِذَا بِابْنَتي تَسْتَيْقِظُ في وَقْتٍ مُتَأَخِّرٍ مِنَ اللَّيْلِ وَتَأْتي فَتَكْسِرُ كَأْسَ الخَمْرِ مِنْ يَدِي؛ فَقُلتُ في نَفْسِي: إِنَّ اليَدَ الّتي كَسَرَتِ الكَأْسَ لَيْسَتْ يَدَ فَاطِمَة، فَقَرَّرْتُ الإِقْلاَعَ عَنْ شُرْبِ الخَمْر، لَكِنَّ القَرَارَ لَمْ يَكُنْ صَارِمَاً، حَتىَّ حَدَثَ الحَادِثُ الّذِي غَيَّرَ مجْرَى حَيَاتي: مَاتَتْ فَاطِمَة ٠٠!!

стр. 4188

فَعُدْتُ سِكِّيرَاً فَاسِقَاً أَشَدَّ مِمَّا كُنْت، حَتىَّ كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ فَقُلتُ: وَاللهِ لأَسْكَرَنَّ اللَّيْلَةَ سَكْرَةً مَا سَكِرْتُ مِثلَهَا مِنْ قَبْل ٠٠!! فَظَلَلتُ أَشْرَبُ وَأَشْرَبُ حَتىَّ سَقَطْتُ مَغْشِيَّاً عَلَيّ، فَرَأَيْتُ في غَشْيَتي كَأَنَّ القِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ وَالنَّاسُ يحَاسَبُون، وَنَادَى مُنَادٍ أَيْنَ مَالِكُ بْنُ دِينَار ٠٠؟ فَأَقْبَلتُ وَأَنَا تَرْتَعِدُ فَرَائِصِي، وَإِذْ بي وَحْدِي وَقَدِ اخْتَفَى النَّاسُ مِن حَوْلي، فَطَلَعَ عَلَيَّ تِنِّينٌ عَظِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَني، فَفَرَرْتُ مِنهُ حَتىَّ لَقِيتُ شَيْخَاً كَبِيرَاً فَقُلتُ لَهُ: أَنْقِذْني يَرْحَمُكَ الله ٠٠؟

стр. 4189

فَقَالَ لي: أَنَاْ شَيْخٌ كَبِير، لاَ أَسْتَطِيعُ ذَلِكَ وَلَكِن خُذْ هَذَا الطَّرِيقَ عَلَّكَ تَنْجُو، فَسَلَكْتُهُ وَظَلَلتُ أَجْرِي فَإِذَا بِالنَّارِ أَمَامِي، وَالتِّنِّينُ مِن خَلْفِي، فَعُدْتُ إِلى الشَّيْخِ وَقُلْتُ لَهُ: مَا العَمَل ٠٠؟! فَقَال: عَلَيْكَ بِهَذَا الجَبَل؛ عَلَّكَ تَنْجُو، فَصَعَدْتُ الجَبَلَ فَوَجَدْتُ خُضْرَةً وَصِبْيَةً يَلعَبُون، فَلَمَّا رَأَوْني قَالُواْ: يَا فَاطِمَة، يَا فَاطِمَة، أَدْرِكِي أَبَاكِ؛ فَجَاءتْ فَأَخَذَتْني بِيَدِهَا اليُمْنى وَدَفَعَتِ التِّنِّينَ بِاليَدِ الأُخْرَى، وَقَعَدَتْ في حِجْرِي كَمَا كَانَتْ تَصْنَعُ في الدُّنيَا ٠٠!! فَقُلتُ لهَا: يَا فَاطِمَةُ مَا هَذَا الثُّعْبَانُ العَظِيم ٠٠؟ فَقَالَتْ: هَذَا عَمَلُكَ السَّيِّئُ يَا أَبَتِ ٠٠!! فَقُلتُ: وَمَن هَذَا الشَّيْخُ الضَّعِيف ٠٠؟

стр. 4190

قَالَتْ: هَذَا عَمَلُكَ الصَّالحُ يَا أَبَتِ، أَنْتَ أَضْعَفتَهُ، وَلَوْلاَ أَنَّني مُتُّ لَكَ لَمَا وَجَدْتَ اليَوْمَ مَنْ يَدْفَعُ عَنْك، يَا أَبَتِ: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُواْ أَنْ تخْشَعَ قُلُوبهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقّ ٠٠؟! فَاسْتَيْقَظْتُ مِنْ نَوْمِي وَأَنَا أَقُولُ آنَ يَا رَبّ، آنَ يَا رَبّ، ثمَّ اغْتَسَلْتُ وَذَهَبْتُ إِلى المَسْجِدِ لأُصَلِّي الفَجْر، فَوَجَدْتُ الإِمَامَ يَقْرَأُ بهَذِهِ الآيَة: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُواْ أَنْ تخْشَعَ قُلُوبهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقّ﴾ ﴿الحَدِيد/١٦﴾ يَقُولُ مَالِكُ بْنُ دِينَار: فَفَهِمْتُ عَنْ رَبِّي: أَيْ أَدْرَكْتُ مُرَادَ اللهِ مِن هَذِهِ الأَحْدَاثِ فَانْتَبَهْت ٠ [الرَّسَائِلُ الرَّبَّانِيَّةُ لِلأُسْتَاذِ عَمْرو خَالِد]

стр. 4191

وَقَدْ يُصْبِحُ المَوْتُ أَقْسَى النِّكَاتِ وَمِن أَرَقِّ مَا قِيلَ في مَوْتِ البَنَاتِ قَوْلُ الشَّاعِر: فَمَوْتُكِ يَا مُهْجَتي نُكْتَةٌ * وَقَدْ يُصْبِحُ المَوْتُ أَقْسَى النِّكَاتِ فَيَا لَيْتَ لِلمَوْتِ مِثْلِيَ بِنْتٌ * لِيُدْرِكَ مَا هُوَ مَوْتُ البَنَاتِ ********* فَقْدُ الأُمّ اسْتَمِعْ لِمَا قَالَهُ أَحَدُ الأُمَرَاءِ في أُمِّه: خَفَضْتُ جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ رَحْمَتي بهَا * وَهَانَ لأُمِّيَ أَن أَذِلَّ وَأَخْضَعَا أَرُوحُ أَمِيرَاً في البِلاَدِ محَكَّمَاً * وَأَغْدُو شَفِيعَاً في الذُّنُوبِ مُشَفَّعَا عَلَى مِثْلِهَا فَليَبْكِ مَنْ كَانَ بَاكِيَا ذِكْرَيَاتُ حَنَانِ الأُمِّ بَعْدَ فَقْدِهَا أَئِنُّ فَتَشْعُرُ في صَدْرِهَا * كَأَنَّ أَنِينيَ وَخْزُ الإِبَرْ فَتُلْهِبُ خَدِّيَ مِنْ لَثْمِهَا * وَتمْسَحُ مِن أَدْمُعِي مَا انحَدَرْ

стр. 4192

تَوَدُّ لَوَ انَّ الفِدَا مُمْكِنٌ * فَتَفْدِي حَيَاتِي بِنُورِ البَصَرْ وَدَارَ الزَّمَانُ بِأَحْدَاثِهِ * وَمَرَّ عَلَى عِقْدِنَا فَانْتَثَرْ وَجَرَّدَ أُمِّيَ مِنيِّ كَمَا * تُجَرِّدُ كَفُّ الخَرِيفِ الشَّجَرْ وَرُحْتُ أَخُوضُ غُمَارَ الحَيَاةِ * وَدُونَ الحَيَاةِ زِحَامُ البَشَرْ فَأَعْثُرُ بِالمَكْرِ وَالإِحْتِيَالِ * وَأُمْنى عَلَى عِفَّتي بِالضَّرَرْ حَيَاةٌ بِأَيَّامِهَا مَا يَسُوءُ * عَلَى أَنَّ في بَعْضِهَا مَا يَسُرْ بَلَوْنَا بِهَا خُلُقَ الأَصْدِقَاءِ * وَكَمْ قَدْ وَجَدْنَا بهَا مِن عِبَرْ خَبرْنَا الأَسَىكَيْفَ يُدْمِي القُلُوبَا * وَيَعْصِرُهَا قَبْلَ أَنْ يَنحَسِرْ إِذَا مَا تمَنىَّ رُجُوعَ الشَّبَابِ * أُنَاسٌ تمَنَّيْتُ عَهْدَ الصِّغَرْ انْشِغَالُ قَلْبِ الأُمِّ وَحَنِينُهَا إِلى أَبْنَائِهَا المُغْتَرِبِين

стр. 4193

خُضْنَا البِحَارَ عَلَى المَعَاشِ فَلَيْتَني * أَلْقَيْتُ نَفْسِي فِيهِ لِلأَسْمَاكِ أَنْفَقْتِ عُمْرَكِ تَطْلُبِينَ رُجُوعَنَا * وَتجُولُ كُلَّ سَفِينَةٍ عَيْنَاكِ مَا مَرَّتِ النَّسَمَاتُ بي وَقْتَ الدُّجَى * إِلاَّ عَرَفْتُ بِطِيبِهَا رَيَّاكِ وَالبَدْرُ لَمْ يَظْهَرْ لِعَيْنيَ مَرَّةً * إِلاَّ ذَكَرْتُ بِوَجْهِهِ رُؤْيَاكِ أَشْقَى البَرِيَّةِ كُلِّهَا أُمٌّ قَضَتْ * أَيَّامَهَا في وِحْدَةِ النُّسَّاكِ مَاتَتْ مُلَوَّعَةَ الفُؤَادِ وَعَيْنُهَا * تجْتَالُ بَينَ البَابِ وَالشُّبَّاكِ ********* لَمَّا سَكَنْتِ مِنَ السَّمَاءِ بجَنَّةٍ * فَاضَتْ عَلَيْكِ العَينُ بِالأَنهَارِ عَجَبَاً لأُمٍّ تَسْتَقِرُّ بجَنَّةٍ * قَدْ غَادَرَتْ أَبْنَاءهَا في النَّارِ فَقْدُ الأَبّ

стр. 4194

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ ﵁ قَال: " لَمَّا قُتِلَ أَبي جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ أَبْكِي وَيَنْهَوْني عَنْهُ، وَالنَّبيُّ ﷺ لاَ يَنْهَاني، فَجَعَلَتْ عَمَّتي فَاطِمَةُ تَبْكِي؛ فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : " تَبْكِينَ أَوْ لاَ تَبْكِين، مَا زَالَتِ المَلاَئِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتىَّ رَفَعْتُمُوه " [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في كِتَابِ الجَنَائِزِ بِرَقْم: (١٢٤٤)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في كِتَابِ فَضَائِلِ الصَّحَابَة بِرَقْم: ٢٤٧١] عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ ﵁ قَال:

стр. 4195

" جِيءَ بِأَبي يَوْمَ أُحُدٍ قَدْ مُثِّلَ بِه، حَتىَّ وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَدْ سُجِّيَ ثَوْبَاً ـ أَيْ غُطِّيَ فَذَهَبْتُ أُرِيدُ أَن أَكْشِفَ عَنْهُ فَنهَانِي قَوْمِي، ثمَّ ذَهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْهُ فَنهَانِي قَوْمِي، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرُفِعَ، فَسَمِعَ صَوْتَ صَائِحَةٍ فَقَالَ ﷺ : " مَنْ هَذِه " ٠٠؟ فَقَالُواْ: ابْنَةُ عَمْرٍو أَوْ أُخْتُ عَمْروٍ، قَالَ ﷺ : " فَلِمَ تَبْكِي " ٠٠؟! أَوْ " لاَ تَبْكِي؛ فَمَا زَالَتِ المَلاَئِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتىَّ رُفِع " ٠

стр. 4196

[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في كِتَابِ الجَنَائِزِ بَاب: الدُّخُولِ عَلَى المَيِّتِ بَعْدَ المَوْتِ بِرَقْم: (١٢٩٣)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٤٧١] فَزْعَةُ الاَبْنِ عِنْدَ رُؤْيَةِ أَبِيهِ وَقَدْ مُثِّلَ بِه

стр. 4197

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ ﵁ أَنَّ أَبَاهُ يَوْمَ أُحُدٍ قَتَلَهُ المُشْرِكُونَ ثمَّ مَثَّلُواْ بِه: فَجَدَعُواْ كِلاَهُمَا ـ أَيْ خِصْيَتَيْهِ ـ وَأُذُنَيْه، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَإِلى مَا صَنَعُواْ بِهِ وَصِحْت، فَجَاءتِ الأَنْصَارُ فَسَجَّوْهُ بِثَوْب، ثُمَّ إِني كَشَفْتُ الثَّوْبَ فَلَمَّا رَأَيْتُ مَا صُنِعَ به صِحْت، فَجَاءتِ الأَنْصَارُ فَسَجَّوْهُ بِالثَّوْب، وَذَلِكَ بِعَين رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَذَهَبَ الأَنْصَارُ حَتىَّ أَتَواْ رَسُولَ الله ﷺ فَقَالُواْ: يَا رَسُول الله أَلاَ تَرَى مَا يَصْنَعُ جَابر ٠٠؟! قَالَ ﷺ : " دَعُوه " ٠

стр. 4198

[وَثَّقَهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَعِ " ص: (١٩/ ٣)، الإِمَامُ الطَّبَرَاني في الأَوْسَط] المَوْتُ لَهُ رَوَائِح

стр. 4199

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَال: " لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعَاني أَبي مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ ﵁: مَا أُرَاني إِلاَّ مَقْتُولاً في أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِن أَصْحَابِ النَّبيِّ ﷺ ، وَإِني لاَ أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَإِنَّ عَلَيَّ دَيْنَاً فَاقْضِ وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرَاً، فَأَصْبَحْنَا فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيل، وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ في قَبْر، ثمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَن أَتْرُكَهُ مَعَ الآخَرِ فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ هُنَيَّةً ـ أَيْ مِنْ قَرِيبٍ ـ غَيْرَ أُذُنِه " ٠

стр. 4200

[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في كِتَابِ الجَنَائِزِ بَاب: هَلْ يُخْرَجُ المَيِّتُ مِنَ القَبْرِ وَاللَّحْدِ لِعِلَّة؟ بِرَقْم: ١٣٥١] عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبيِّ بْنُ سَلُول، وَكَيْفَ صَلَّى عَلَيْهِ رَغْمَ كُلِّ إِسَاءَاتِهِ الرَّسُول عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ لَمَّا تُوُفِّيَ جَاءَابْنُهُ إِلى النَّبيِّ ﷺ فَقَال: يَا رَسُولَ الله، أَعْطِني قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ وَصَلِّ عَلَيْهِ وَاسْتَغْفِرْ لَهُ ٠٠؟ فَأَعْطَاهُ النَّبيُّ ﷺ قَمِيصَهُ فَقَال: " آذِني أُصَلِّي عَلَيْه " ٠٠ فَآذَنَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ فَقَالَ: أَلَيْسَ اللهُ نهَاكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى المُنَافِقِين ٠٠؟!

стр. 4201

فَقَالَ ﷺ : " أَنَا بَيْنَ خِيَرَتَيْن؛ قَالَ تَعَالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لهُمْ، إِنْ تَسْتَغْفِرْ لهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لهُمْ﴾ ﴿التَّوْبَة / ٨٠﴾ فَصَلَّى عَلَيْه، فَنَزَلَتْ: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدَاً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ٠٠!! ﴿التَّوْبَة / ٨٤﴾ " ٠ [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في كِتَابِ الجَنَائِزِ بِرَقْم: (١٢٦٩)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في كِتَابِ فَضَائِلِ الصَّحَابَة بِرَقْم: ٢٤٠٠] هَذَا هُوَ عُمَر

стр. 4202

عَن عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ قَال: " لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ بْنُ سَلُول، دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْه، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَثَبْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا ٠٠ أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ٠٠؟! فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَال: " أَخِّرْ عَنيِّ يَا عُمَر " ٠٠ فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَال: " إِني خُيِّرْتُ فَاخْتَرْت، لَوْ أَعْلَمُ أَني إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرُ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا " ٠

стр. 4203

فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ انْصَرَف، فَلَمْ يَمْكُثْ إِلاَّ يَسِيرَاً حَتىَّ نَزَلَتِ الآيَتَانِ مِنْ بَرَاءة: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدَاً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ٠٠!! ﴿التَّوْبَة/٨٤﴾ فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتي عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَم " ٠ [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في كِتَابِ الجَنَائِزِ بَاب: مَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلاَةِ عَلَى المُنَافِقِينَ وَالاَسْتِغْفَار بِرَقْم: ١٣٦٦] وَمِن أَجْمَلِ مَا يمْكِنُ أَنْ يُقَالَ في الأَبِ قَوْلُ هَذَا الشَّاعِر: أَبي خَانَني فِيكَ الرَّدَى فَتَقَوَّضَتْ * بِمَوْتِكَ أَحْلاَمِي كَبَيْتٍ مِنَ التِّبْنِ

стр. 4204

فَأَرْفَعُ مجْدِي كَانَ أَنَّكَ لي أَبٌ * وَأَعْظَمُ فَخْرِي كَانَ قَوْلُكَ لي يَا ابْني عَلَى ذَلِكَ القَبْرِ السَّلاَمُ فَذِكْرُهُ * أَرِيجٌ بِهِ نَفْسِي عَنِ العِطْرِ تَسْتَغْني نَظُنُّ لَنَا الدُّنيَا وَمَا فَوْقَ ظَهْرِهَا * وَلَيْسَتْ لَنَا إِلاَّ كَمَا البَحْرُ لِلسُّفْنِ إِذَا مَا مَاتَ آدَمُ أَبُو البَشَر؛ فَهَلْ يَبْقَى أَحَدٌ مِنَ البَشَر ٠٠؟ وَقَالَ آخَرُ يُعَزِّي صَاحِبَاً لَهُ مَاتَ وَالِدُهُ: أُعَزِّيكَ لاَ أَنيِّ أَظُنُّكَ جَازِعَاً * عَلَيْهِ وَلَكِنىِّ أَقُومُ بِوَاجِبيبِ وَكَيُفَ أُعَزِّي مَنْ بَرَى الدَّهْرَ خِبرَةً * وَأَدْرَكَ مَا في طِبِّهِ مِن عَجَائِبِ فَلاَ تَأْسَ مِن وَقْعِ الخُطُوبِ وَإِنْ جَنَتْ * عَلَيْكَ فَإِنَّ النَّاسَ مَرْعَى النَّوَائِبِ إِذَا مَا الرَّدَى أَوْدَى بِآدَمَ قَبْلَنَا * فَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ نَسْلِهِ غَيرَ ذَاهِبِ

стр. 4205

وَمَا مَاتَ مَن أَبْقَاكَ تَهْتِفُ بِاسْمِهِ * وَتَذْكُرُ عَنهُ صَالحَاتِ المَنَاقِبِ وَمَاتَ وَالِدُ أَحَدِ الشُّعَرَاءِ فَرَثَاهُ كَمَا يَقُولُونَ: بِشِعْرٍ يُقَطِّعُ أَقْسَى القُلُوب قَالَ فِيه: وَكَمْ قَدْ عَبِثْتُ بِأَوْرَاقِهِ * وَنِمْتُ عَلَى صَدْرِهِ المُتعَبِ وَمَكْتَبُهُ بَلْ وَفِنْجَالُهُ * عَلَى حَالِهِ بَعْدُ لَمْ يُشْرَبِ وَحُجْرَتُهُ مُوقَدٌ نُورُهَا * كَأَنَّ أَبي بَعْدُ لَمْ يَذْهَبِ ********* عَلَى المَقَاعِدِ بَعْضٌ مِنْ مَلاَبِسِهِ * وَذَا كِتَابٌ مَعَاً كُنَّا قَرَأْنَاهُ ﴿نِزَار قَبَّاني﴾ إِنَّ التَّأَمُّلَ في الحَيَاةِ يَزِيدُ أَوْجَاعَ الحَيَاة
следующие страницы →